← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5899

مشكل الحديث وبيانه

ابن فورك

Полный текст (433 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى مخبرا عَن نوح ﵇ أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ ﴿اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغْفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى﴾ وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده ثمَّ أَنْتُم تمترون﴾ قيل أما معنى قَول نوح ﵇ أَنه يؤخرهم إِلَى أجل مُسَمّى يَعْنِي إِن آمنُوا واتبعوه وَتَكون آجالهم وَلم يثبت الله لَهُم أَََجَلًا لم يبلغوه وَلَا قَالَ إِلَى أجل فِيكُم مُسَمّى بل لم يضف إِلَيْهِم ذَلِك الْأَجَل وينكره فَبَان أَن المُرَاد أجل من الْآجَال لَو آمنُوا واتبعوه كَانَ لَهُم أَََجَلًا وَأما قَوْله ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ فَهُوَ أجل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلذَلِك قَالَ ﴿ثمَّ أَنْتُم تمترون﴾ أَي تشكون فِي الْبَعْث وَهُوَ الْأَجَل الْمُسَمّى للثَّواب وَالْعِقَاب وَأجل الدُّنْيَا هُوَ الْمُسَمّى للفناء وللتكليف فِيهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِك شَيْء يُؤَيّد قَول الْقَدَرِيَّة الْقَائِلين بِقطع الْأَجَل وَأما قَول من قَالَ مِنْهُم بِقطع الْأَجَل وأبى جَوَاز الزِّيَادَة فِيهِ فَيُقَال لَهُ هلا

стр. 247

زعمت أَنه يزِيد فِي الْأَجَل الْمُؤَجل إِذا وصل رَحمَه أَو تجنب الْآفَات وتعاهد من المطعومات مَا يَسْتَعِين بِهِ على إستجلاب الزِّيَادَة فِي عمره وَصرف الآفة عَنهُ فَإِن جمعُوا بَين الْأَمريْنِ وَقَالُوا جَائِز أَن يزِيد أَحَدنَا فِي الْأَجَل الَّذِي قدره الله بِنَحْوِ مَا ذَكرْنَاهُ جَازَ أَن ينقص مِنْهُ فقد فارقوا قَوْلهم وَخَرجُوا عَن ظَاهر الْكتاب وَالسّنة والعقول لِأَنَّهُ كَمَا نفي الإستقدام فِي الْأَجَل فَكَذَلِك نفى الإستيخار وَجمع بَينهمَا فِي الحكم وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن الْمَعْنى فِي قَول نوح ﵇ مَا ذَكرْنَاهُ عقيب ذَلِك ﴿إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر لَو كُنْتُم تعلمُونَ﴾ يُرِيد بذلك مِمَّا هُوَ لَهُم أجل فَدلَّ على مَا قُلْنَاهُ

стр. 248

ذكر خبر آخر وتأويله وَمثل ذَلِك مِمَّا يجْرِي هَذَا المجرى وَالسُّؤَال فِيهِ كالسؤال فِيمَا ذكرنَا مَا رُوِيَ أَنه قَالَ ﷺ الدُّعَاء يرد الْبلَاء وَالصَّدَََقَة تدفع الْبلَاء // أخرجه التِّرْمِذِيّ // وَمَا رُوِيَ أَنه قَالَ ﷺ إِن الْقَضَاء وَالدُّعَاء يتعالجان وَمَا وري أَنه قَالَ الصَّدَقَة تدفع الْقَضَاء المبرم وَمعنى هَذِه الْأَخْبَار كلهَا على نَحْو مَا ذكرنَا وَهُوَ أَن يكون السَّابِق فِي الْعلم مِمَّا يحدث فِي المستأنف أَنه إِذا دَعَا صرف عَنهُ الْبلَاء وَكَذَلِكَ إِذا تصدق لَا أَنه يكون الْمَعْلُوم فِي الْأَزَل وُصُول الْبلَاء إِلَيْهِ ثمَّ إِذا حصل الدُّعَاء تغير الْمَعْلُوم لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يكون ذَلِك فِي الْأَزَل مَعْلُوما وَلَا قَضَاء وَذَلِكَ محَال

стр. 249

وَقيل أَيْضا إِن المُرَاد بِهِ الْعِوَض من الدُّعَاء وَالصَّدَََقَة إِذا أتاهما دفع ذَلِك عَن الْفَاعِل بهما وزر التّرْك وعقوبة الْعِصْيَان فِيهِ وَيكون معنى التَّخْصِيص بذلك الذّكر التحريض على فعله والحث عَلَيْهِ ذكر خبر آخر وتأويله روى حَمَّاد بن سَلمَة عَن عمار بن أبي عمار عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن مُوسَى ﵇ لطم عين ملك الْمَوْت فأعوره // أخرجه البُخَارِيّ // فَقَالَ بعض أهل الْإِلْحَاد على طَرِيق الْإِنْكَار لذَلِك إِن جَازَ على ملك الْمَوْت العور جَازَ عَلَيْهِ الْعَمى قَالَ وَلَعَلَّ عِيسَى ﵇ قد لطم عينه الْأُخْرَى فاعماه لِأَنَّهُ أَشد كَرَاهِيَة للْمَوْت من مُوسَى ﵇ وَذَلِكَ أَنه قَالَ اللَّهُمَّ إِن كنت صارفا هَذِه الكأس عَن أحد فأصرفها عني بَيَان تَأْوِيله أعلم أَن أهل النَّقْل قد صححوا هَذَا الحَدِيث وَله تَأْوِيل صَحِيح لَا يُنكر وَذَلِكَ أَن الله قد جعل للْمَلَائكَة أَن يتصوروا بِمَا شاؤوا من الصُّور الْمُخْتَلفَة أَلا ترى أَن جِبْرِيل ﵇ أَتَى رَسُول الله ﷺ فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ وَمرَّة فِي صُورَة أَعْرَابِي وَمرَّة أُخْرَى وَقد سد بجناحيه مَا بَين الْأُفق

стр. 250

وَكَذَلِكَ قَالَ الله ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا﴾ إِن تقيا إسم رجل تصور جِبْرِيل بصورته لِمَرْيَم ﵇ فَإِن قَالَ قَائِل وَكَيف سَاغَ لنَبِيّ أَن يلطم عين ملك الْمَوْت وَإِن كَانَ على صُورَة أُخْرَى قيل فقد قَالَ بعض أَصْحَابنَا فِيهِ إِنَّمَا ينْتَقل فِيهِ من هَذِه الْأَمْثِلَة بخييلات وَأَن اللَّطْمَة أذهبت الْعين الَّتِي هِيَ تخييل وَلَيْسَت بِحَقِيقَة وَمِنْهُم من قَالَ إِن معنى قَوْله لطم مُوسَى ﵇ عين ملك الْمَوْت توسع فِي الْكَلَام وَهُوَ نَحْو مَا يحْكى عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ أَنا فقأت عين الْفِتْنَة يُرِيد بذلك إِلْزَام مُوسَى ملك الْمَوْت الْحجَّة حِين رده فِي قبض روحه على حسب مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر وَأعلم أَن للْعَرَب فِي نَحْو ذَلِك إستعارات يعرف مَعَانِيهَا ومجاري خطابها فِيهَا المتوسع فِي إستقراء كَلَامهم والمتبحر فِي الْمعرفَة بلغاتهم فَإِذا كَانَت اللَّطْم مستعملة عِنْدهم على أَمريْن أَحدهمَا أَن يُرَاد بِهِ عين الْجَارِحَة وَإِدْخَال النَّقْص فِيهَا وَالثَّانِي أَن يُرَاد بِهِ عين الشَّيْء وذاته وَيُرَاد بالعور محقه ومحوه لم يُنكر أَن يكون معنى الْكَلَام مَحْمُولا عَلَيْهِ على معنى التَّوَسُّع

стр. 251

وَقد يَقُول الْقَائِل عورت عين هَذَا الْأَمر إِذا رده تَشْبِيها لمن أَدخل نقصا على الْعين الَّتِي هِيَ حدقة وَلَو قَالَ قَائِل إِن ذَلِك إِن كَانَ حَقِيقَة من مُوسَى ﵇ وَكَانَ إِدْخَال نقص على جارحة الْملك بِإِذن الله حَتَّى يكون محنة للملطوم وَعبادَة للأطم لم يكن ذَلِك مُنْكرا تَدْفَعهُ الْعُقُول لِأَن لله أَن يَأْمر بِمَا يَشَاء من ذَلِك وَيَأْذَن فِيمَا يَشَاء مِنْهُ على أَن مَا قُلْنَاهُ أَولا لَهُ وَجه فِي الْكَلَام يَصح فِيهِ الْمَعْنى على طَرِيق الإستعارة والتوسع فِي عَادَة خطاب الْعَرَب وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن لما توهمه الزائغ عَن الْحق معنى وَبَطل توهمه الطعْن بذلك على أَنْبيَاء الله عَلَيْهِم السَّلَام

стр. 252

ذكر خبر آخر وتأوليه روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِيمَا يحْكى عَن ربه سُبْحَانَهُ الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي فَمن نَازَعَنِي فِي وَاحِد مِنْهُمَا قَذَفته فِي النَّار // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَمن اقْترب مني شبْرًا اقْتَرَبت مِنْهُ ذِرَاعا وَمن اقْترب مني ذِرَاعا اقْترب مِنْهُ باعا وَمن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي وَمن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُ وَأطيب وَمن جَاءَنِي يمشي جِئْته أهرول وَمن جَاءَنِي يُهَرْوِل جِئْته سعيا وَأعلم أَن معنى قَوْله الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي أَي ذَلِك صفة من صفاتي وَأَنا الْمُخْتَص بِهِ دون غَيْرِي فَمن نَازَعَنِي فِي ذَلِك بِأَن تكبر وتعظم على النَّاس أدخلته وَهَكَذَا كَمَا تَقول الْعَرَب إِن فلَانا شعاره ودثاره الزّهْد والودع أَي صفته ونعته وَلَيْسَ يُرِيد بذلك نفس الشعار وَلَا عين الدثار

стр. 253

وَأعلم أَن الْعَرَب قد تعبر مرّة بالرداء عَن الدّين وَمرَّة بالرداء عَن السَّيْف وَمرَّة بالرداء عَن الْعَطِيَّة فَيَقُولُونَ فلَان غمر الرِّدَاء إِذا كَانَ وَاسع الْعَطِيَّة وَإِن كَانَ قصير الرِّدَاء إِذا كَانَ وَاسع الْعَطِيَّة وَإِن كَانَ قصير الرِّدَاء وَكَذَلِكَ يعبرون عَن صِفَاته بالرداء فَيَقُولُونَ رِدَاء فلَان وَإِزَاره الفسوق والمروق عَن الطَّاعَة أَي نَعته وَصفته قَالَ كثير (غمر الرِّدَاء إِذا تَبَسم ضَاحِكا ... غلقت لضحكته رِقَاب المَال) وَقد يجْعَلُونَ الرِّدَاء الْحسن والنضارة إِذا كَانَ ذَلِك ونعته صفته كَمَا قَالَ الْقَائِل (وَهَذَا رِدَائي عِنْده يستعيره ... ليسلبني نَفسِي آمال بن حنظل) يَعْنِي يَا مَالك بن حَنْظَلَة وَقد قيل فِي معنى الرِّدَاء الَّذِي هُوَ الدّين مَا حكى عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ من أَرَادَ الْبَقَاء وَلَا بَقَاء فليخفف الرِّدَاء وليباكر الْغَدَاء وَليقل غشيان النِّسَاء قَالَ بَعضهم أَرَادَ بِهِ الدّين أَو يسمون السَّيْف رِدَاء لِأَنَّهُ يتقلد كَمَا يرتدي بالرداء توسعا فَأَما معنى قَوْله من تقرب مني شبْرًا إقتربت مِنْهُ ذِرَاعا فَيحْتَمل أوجها أَحدهَا أَن يكون مَعْنَاهُ الْإِخْبَار بِسُرْعَة الْإِجَابَة لمن أطاعه وَدعَاهُ وتقرب إِلَيْهِ وَأَرَادَ بالإقتراب قرب الْمنزلَة والخطوة لَدَيْهِ لَا قرب الْمسَافَة والمساحة فَيكون هَذَا

стр. 254

الْكَلَام تَشْبِيها وتمثيلا وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بِهِ من أَتَانِي مسرعا بِالطَّاعَةِ أَتَيْته بالثواب أسْرع من إِتْيَانه وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ على معنى مَا قَالَ جلّ وَعز ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ أَي من أَطَاعَنِي طَاعَة وَاحِدَة جازيته عَلَيْهَا عشرا وَيكون ذَلِك إِخْبَارًا عَن مَا يفعلهم من تَضْعِيف الثَّوَاب وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَي أَزِيد إِلَى المتقرب إِلَى شكر نعمتي نعما كَمَا وعدت الشَّاكِرِينَ من الزِّيَادَة وَأما الْمَشْي والهرولة فتوسع وَهَذَا كَمَا قَالَت الْعَرَب فلَان مَوضِع فِي الضَّلَالَة والإيضاح الْإِسْرَاع فِي السّير وَلَيْسَ يُرَاد بِهِ هَهُنَا نفس السّير وَإِنَّمَا المُرَاد الْإِسْرَاع فِي الضَّلَالَة وعَلى ذَلِك معنى قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَالَّذين سعوا فِي آيَاتنَا معاجزين﴾ وَالسَّعْي هُوَ الْعَدو والإسراع فِي الْمَشْي وَلَيْسَ يُرَاد بذلك أَنهم مَشوا بل المُرَاد بذلك استعجالهم الْمعاصِي ومبادرتهم إِلَى فعلهَا وَأما قَوْله ﵊ إِذا ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي فَذكر

стр. 255

العَبْد لله تَعَالَى فِي نَفسه أَن يكون بِحَيْثُ لَا يُعلمهُ أحد غَيره وَلَا يطلع عَلَيْهِ سواهُ قَالَ عِيسَى ﵇ ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ أَي تعلم مَا أخبئه وَمَا أستره وأضمره وَلَا علم لي بِمَا فِي غيبك مِمَّا أخفيته عني وَأعلم أَن النَّفس فِي كَلَام الْعَرَب على معَان مِنْهَا نفس منفوسة مركبة مجسمة ذَات روح وَتَعَالَى الله أَن يكون كَذَلِك علوا كَبِيرا وَمِنْهَا النَّفس بِمَعْنى الدَّم وَالْعرب تَقول لَهُ نفس سَائِلَة وَلَيْسَ لَهُ نفس سَائِلَة وتريد بذلك الدَّم وَمِنْه مَا يُقَال للْمَرْأَة نفسَاء إِذا سَالَ دَمهَا على النّفاس وَتَعَالَى الله عَن الْوَصْف بذلك أَيْضا وَمِنْهَا نفس بِمَعْنى إِثْبَات الذَّات وَهَذَا كَمَا قَالَ الْعَرَب هَذَا نفس الْأَمر يُرِيدُونَ بِهِ إِثْبَات الْأَمر لَا أَن لَهُ نفسا منفوسة مجسمة وعَلى هَذَا الْمَعْنى يُوصف الله تَعَالَى بِأَن لَهُ نفسا وَقد أخبر الله تَعَالَى بذلك فِي آي من كِتَابه وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿كتب على نَفسه الرَّحْمَة﴾

стр. 256

وَقَوله ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ وَقَوله ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ وَقد قَالَ أهل التَّأْوِيل فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ مِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ يحذركم الله عُقُوبَته وَمِنْهُم من قَالَ يحذركم الله إِيَّاه وَزعم بعض أهل التَّأْوِيل أَن النَّفس بِمَعْنى الْغَيْب أَيْضا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي﴾ أَي فِي غيبي ﴿وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ أَي فِي غيبك وَمِنْهُم من قَالَ إِن معنى قَوْله ﴿وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ يرجع إِلَى نفس عِيسَى وَأَنه أضَاف نَفسه إِلَى الله من طَرِيق الْملك والخلق يُرِيد بذلك أَن نَفسِي لَك خلقا وملكا وَلَا أعلم مَا فِي ملكك مِمَّا خلقته إِلَّا مَا علمتني وَمعنى الْخَبَر على الْوَجْه الَّذِي يَصح من هَذِه التأويلات أَن من أخْلص لي فِي الطَّاعَة وأخفى علمه وخلصه من النِّفَاق والرياء أخفيت ثَوَابه وَهَذَا كَمَا ذكره فِي قَوْله تَعَالَى

стр. 257

﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ وَقَوله ﵊ مخبرا عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَالا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // فَأَما قَوْله من ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُ وَأطيب فقد قَالَ بعض أهل الْعلم إِن المُرَاد بالملأ الْمَلَائِكَة وَأَنه تَعَالَى يشهدهم على مَا يفعل بِهِ من الكرامات ويمدحه ويثني عَلَيْهِ عِنْدهم وَقد جعل قوم هَذَا الْخَبَر حجَّة فِي تَفْضِيل الْمَلَائِكَة على الْمُؤمنِينَ من بني آدم وَمن ذهب إِلَى تَفْضِيل الْأَنْبِيَاء والأولياء من الْآدَمِيّين على الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُ يُجيب من ذَلِك بِأَن معنى قَوْله خير مِنْهُ يرجع إِلَى الذّكر كَأَنَّهُ قَالَ بِذكر خير من ذكره وَأطيب

стр. 258

مِنْهُ لأجل أَن ذكر العَبْد لله دُعَاء وتضرع وَذكر الله للْعَبد إِظْهَار رَحمته وكرامته وَذَلِكَ خير للْعَبد وأنفع وَأعلم أَنه إِذا احْتمل هَذَا الْكَلَام مَا حملناه وساغ فِي مَعْنَاهُ مَا ذَكرْنَاهُ وَكَانَ فِيهِ تَنْزِيه الله عَن مشابهة خلقه مَعَ إِعْطَاء الْخَبَر معنى صَحِيحا وَفَائِدَة كَثِيرَة كَانَ حمله على ذَلِك أولى من حمله على مَا لَا يَلِيق بِاللَّه جلّ ذكره

стр. 259

ذكر خبر آخر وَبَيَان تَأْوِيله روى مَكْحُول عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ عَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة فَإِن يَد الله تَعَالَى مَعَ الْفسْطَاط أعلم أَن الْفسْطَاط فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الْمَدِينَة وَلذَلِك قيل لمصر فسطاط وَمعنى الْخَبَر أَن يَد الله مَعَ الْفسْطَاط أَي أَن الله تَعَالَى مَعَ السوَاد الْأَعْظَم وَمَعَ أهل الْأَمْصَار وَأَن من شَذَّ عَنْهُم وفارقهم فِي الرَّأْي فَلَيْسَ على الْحق وَأما معنى الْيَد هَهُنَا فَإِن من أَصْحَابنَا من يَقُول إِنَّه بِمَعْنى الذَّات من قَوْله ﴿مِمَّا عملت أَيْدِينَا﴾ أَي مِمَّا عَملنَا وَكَقَوْلِه ﴿مِمَّا ملكت أَيْمَانكُم﴾ أَي مِمَّا ملكتم أَنْتُم وَكَقَوْلِه ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه هُوَ الْمَالِك لعقدة النِّكَاح بِنَفسِهِ لأَنا رَأينَا من يملك وَهُوَ أقطع الْيَد فَأَما معنى قَوْله مَعَ الْفسْطَاط إِذا قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ أَنه مَعَ الْجَمَاعَة فَإِنَّهُ يرجع

стр. 260

فِي التَّحْقِيق إِلَى أَن الله سُبْحَانَهُ مَعَهم بالنصرة لَهُم وَهَذَا كَمَا قَالَ إِن الْأَمِير مَعَ الْخَلِيفَة أَي بالنصرة لَا بِالذَّاتِ وَفَائِدَة هَذَا الْخَبَر التَّرْغِيب فِي لُزُوم الْجَمَاعَة ومنابذة الْفرْقَة وَفِيه دلَالَة على أَن الْجَمَاعَة من أمة مُحَمَّد ﵊ معصومه وَأَن الله عاصمهم من الْخَطَأ وناصرهم وَمثل ذَلِك مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين بِالْحَقِّ لَا يضرهم من ناوأهم // أخرجه الشَّيْخَانِ // فَإِذا اتّفقت الْجَمَاعَة على حكم علم أَن تِلْكَ الْجَمَاعَة المعصومة الظَّاهِرَة بِالْحَقِّ فِيهَا وَمن نابذها وفارقها كَانَ كَمَا قيل فِي خبر آخر من فَارق الْجَمَاعَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة // أخرجه الْحَاكِم // وَمثله قَوْله ﵊ عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم وَقَوله أَيْضا يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة ومعاني هَذِه الْأَخْبَار مُتَقَارِبَة

стр. 261

سُؤال فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا حملتم الْيَد هَهُنَا على معنى الذَّات فَهَلا حملتموها أَيْضا فِي قَوْله ﴿خلقت بيَدي﴾ على الذَّات قيل لَا يَصح ذَلِك وَالْفرق بَينهمَا أَن الله عز ذكره دئما قَالَ لإبليس ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي أستكبرت﴾ محتجا عَلَيْهِ مفضلا لَهُ عَلَيْهِ بِهَذَا التَّخْصِيص مُبْطلًا لقَوْله أَنا خير مِنْهُ وَلَو حمل على معنى الذَّات سَقَطت هَذِه الْفَائِدَة وَبَطل مَوضِع الإحتجاج من الله تَعَالَى على إِبْلِيس وَفِيه وَلم يكن لذكره فَائِدَة لِأَن قَوْله خلقت فِيهِ إِثْبَات الذَّات وَلَا يَصح أَن يلغى من كَلَامه سُبْحَانَهُ شَيْء وَقد يُمكن أَن يكسى فَائِدَة وَقد بَينا فِيمَا مضى تَأْوِيل الْيَد على مَذْهَبنَا وَذكرنَا أقسامه وَمَا يُضَاف إِلَى الله جلّ ذكره فعلى أَي وَجه يُضَاف بِمَا يُغني عَن إِعَادَته هَهُنَا

стр. 262

ذكر خبر آخر وتأويله وَمَعْنَاهُ روى الْبَراء بن عَازِب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن فلَانا هجاني وَهُوَ يعلم أَنِّي لست بشاعر فأهجه اللَّهُمَّ والعنه عدد مَا هجاني // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // بَيَان تَأْوِيله أعلم أَن معنى قَوْله ﵊ فاهجه اللَّهُمَّ والعنه يُرِيد بذلك جازه على الهجاء وَمثل هَذَا كثير فِي اللُّغَة من تَسْمِيَة الْجَزَاء بإسم الشَّيْء قَالَ الله ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَقَالَ ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ وَلَيْسَ الثَّانِي اعتداء وَلَا سَيِّئَة فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا سمي بإسمه لما كَانَ جَزَاء وَنَظِيره أَيْضا قَوْله ﴿يستهزئ بهم﴾

стр. 263

وَقَوله ﴿سخر الله مِنْهُم﴾ ذكر بعض أهل التَّأْوِيل أَن معنى ذَلِك أَن يجازيهم على السخرية والإستهزاء فَسمى الْجَزَاء بإسم الْمجَازِي عَلَيْهِ كَقَوْل الْقَائِل (أَلا لَا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فَوق جهل الجاهلينا) فَسُمي الْجَزَاء على الْجَهْل كَذَلِك معنى قَوْله فاهجه اللَّهُمَّ أَي جازه على هجائه عني بعقوبة تحلها بِهِ وَيحْتَمل أَن يُقَال إِن معنى فاهجه أَي ذمه لِأَن الهجاء الْكَلَام الَّذِي يقْصد بِهِ الذَّم وَقد ذمّ الله الْكَافرين على كفرهم فَإِن قَالَ قَائِل إِنَّه هجاهم على معنى ذمهم كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا وأصلنا فِي ذَلِك أَنا لَا نجيز إِطْلَاق لفظ فِي وصف الله جلّ ذكره إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي وصف بِهِ نَفسه لَا نتعداه وَلَا نتقدم بَين يَدَيْهِ

стр. 264

ذكر خبر آخر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل روى مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِم ﷺ عجب رَبنَا من قوم يقادون إِلَى الْجنَّة بالسلاسل تَأْوِيل ذَلِك أعلم أَنا قد بَينا معنى الْعجب الْمُضَاف إِلَى الله تَعَالَى وَقد رُوِيَ فِي إِضَافَة التَّعَجُّب إِلَى الله قد تقدم بَيَانهَا وَأَن ذَلِك يرجع إِلَى معنى الرِّضَا والتعظيم وَأَن الله يعظم من أخبر عَنهُ بِأَنَّهُ يعجب مِنْهُ ويرضى عَنهُ فَأَما معنى قَوْله يقادون إِلَى الْجنَّة بالسلاسل فقد قيل فِي مَعْنَاهُ إِنَّهُم يكْرهُونَ الطَّاعَة الَّتِي يصلونَ بهَا إِلَى الْجنَّة من حَيْثُ تخَالف أهواءهم وشهواتهم وتكرهها نُفُوسهم من حَيْثُ تشق عَلَيْهِم وتصدهم عَن الراحات وَاللَّذَّات فِي الْحَال وَلكنهَا سائقة لَهُم إِلَى الْجنَّة وَهِي دَار الراحات ومأوى الطَّيِّبَات أَي هَذِه النُّفُوس تطلب الراحات وَاللَّذَّات فِي الدُّنْيَا وَتكره الطَّاعَات والعبادات لما فِيهَا من المشاق وَهِي الَّتِي تسوقهم إِلَى اللَّذَّات وتقودهم إِلَى الدَّرَجَات

стр. 265

ذكر خبر آخر وتأويله رُوِيَ عَن ابْن أبي ليلى عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله جميل يحب الْجمال // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَحكي أَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ كَانَ يجمل الثِّيَاب ويدهن بالغالية ويلبس الطيالسة الطرازية والقمص القوهية فَقَالَ لَهُ بعض جُلَسَائِهِ لَو قصرت فِي بعض هَذِه الْكسْوَة فَقَالَ إِن الله تَعَالَى جميل يحب الْجمال معنى بَيَان ذَلِك أعلم أَن وَصفنَا الشَّيْء بِأَنَّهُ جميل يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يُرَاد بِهِ جمال الصُّورَة والهيئة والتركيب وَذَلِكَ بِأَن يستجمله النَّاظر إِلَيْهِ وَذَلِكَ مُسْتَحِيل فِي وصف الله منفي عَنهُ فَإِن قَالَ قَائِل فَكيف نفيتم ذَلِك عَنهُ مَعَ مَا رُوِيَ فِي خبر آخر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة

стр. 266

قيل إِن هَذَا الْخَبَر أَيْضا يحْتَمل التَّأْوِيل ومحمول على الْوَجْه الصَّحِيح مِمَّا يحْتَملهُ مِمَّا لَا يَقْتَضِي التَّشْبِيه وَلَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن يكون مَعْنَاهُ وَأَنا فِي أحسن صُورَة أَو يكون مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ بَعضهم وَأَنا فِي مَكَان هُوَ أحسن صُورَة أَو يكون مَعْنَاهُ وَأَنا فِي أحسن صفة عِنْد الله يخبرنا بِرِضَاهُ عَنهُ ﵊ وتلقيه لَهُ جلّ ذكره بالكرامة والبشارة سُؤال فَإِن قيل فَإِذا لم يجز أَن يحمل على جمال الصُّورَة لإستحالة أَن يكون الله تَعَالَى جسما ذَا تركيب وهيئة فعلى مَاذَا تحملونه قيل إِن أهل اللُّغَة قد يستعملون مثل هَذَا اللَّفْظ من فعيل على معنى مفعل كوصفنا الله جلّ ذكره بِأَنَّهُ حَكِيم وَالْمرَاد بِهِ مُحكم لما فعله وَكَذَلِكَ يجوز أَن يُقَال الله تَعَالَى جميل بِمَعْنى مُجمل وإجماله الْمُضَاف إِلَيْهِ على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون يحسن الصُّور والخلق أَي أَنه يحسن خلق مَا يَشَاء وَهُوَ هيأته وَصورته كَمَا يقبح خلق من يَشَاء بتشويه صورته وهيأته الْوَجْه الثَّانِي من الأجمال الْمُضَاف إِلَى الله وَهُوَ بِمَعْنى الْإِحْسَان وَالْفضل أَي وَهُوَ الْمظهر النِّعْمَة وَالْفضل والمبدي من يَشَاء من خلقه برحمته وكرامته وَذَلِكَ سَائِغ عِنْد أهل اللِّسَان ومتعارف فِيمَا بَينهم أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ

стр. 267

أجمل فِي هَذَا الْأَمر إِذا وصاه بِأَن يَأْتِي فِيهِ بالجميل من الْفِعْل وَالْمذهب فِيهِ وَالله أعلم مَوْصُوف بِأَنَّهُ مُجمل على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا من تَحْسِين الصُّور والإبتداء بِالْفَضْلِ وَالنعْمَة فَأَما جمال الصُّورَة والهيئة على الْوَجْه الَّذِي يستجمله الناظرون على مَا يستجملون من هيآت الْخلق فَمَا لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَأما قَول بكر الْمُزنِيّ فراجع إِلَى مثل مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵊ أَنه قَالَ إِن الله يحب إِذا أنعم على عَبده نعْمَة أَن يرى أثر نعْمَته عَلَيْهِ // أخرجه التِّرْمِذِيّ // وَهُوَ معنى قَوْله ﴿وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث﴾ والتحديث بهَا إظهارها ونشرها فَمَا سَبيله من نعم الله أَن لَا يظْهر للناظرين فإظهاره شكر الله عَلَيْهَا وَمَا يُمكن أَن يظْهر فإظهارها نشرها وعَلى ذَلِك يحمل قَول بكر الْمُزنِيّ وَهُوَ أحد الْمَعْنيين الَّذين حملنَا عَلَيْهِ خبر الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام

стр. 268

ذكر خبر آخر وتأويله وَمَعْنَاهُ روى عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله تَعَالَى رَفِيق يحب الرِّفْق وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَالا يُعْطي على العنف // أخرجه البخارى // أعلم أَن معنى قَوْله ﵊ إِن الله رَفِيق يحب الرِّفْق أَي أَنه لَيْسَ بعجول وَإِمَّا يعجل من يخَاف الْفَوْت فَأَما من كَانَت الْأَشْيَاء فِي ملكه وقبضته فَلَيْسَ يعجل فِيهَا وَقَوله يحب الرِّفْق أَي يحب ترك العجلة فِي الْأَعْمَال والأمور قَالَ الشَّاعِر (لم أر مثل الرِّفْق فِي لينه ... أخرج الْعَذْرَاء من خدرها) يُرِيد لم أر مثل ترك العجلة وَمعنى الرفيق معنى الْحَلِيم وَقد يجوز أَن يسْتَعْمل أَحدهمَا بدل الآخر وَقد قيل أَيْضا إِن معنى الرفيق بِمَعْنى الْمرْفق كَمَا يكون حَكِيم بِمَعْنى مُحكم وَجَمِيل بِمَعْنى مُجمل وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَنه الْخَالِق للرفيق يفعل برفقه بِمن يَشَاء على معنى أَنه ينفع من يُرِيد ويلطف بِمن يُرِيد وَأعلم أَن هَذَا الْخَبَر وَإِن كَانَ من أَخْبَار الْآحَاد فَلم يرد بِهِ بِمَا يَسْتَحِيل فِي وصف

стр. 269

الله تَعَالَى فَلم يُنكر أَن يتَأَوَّل على الْوَجْه الَّذِي قُلْنَا وَقد ورد فِي بعض الْأَخْبَار أَيْضا مِمَّا فِيهَا أسامي الرب أَن الله صبور وَلم يرد بِهِ نَص الْقُرْآن وَلَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَار وَمَعْنَاهُ معنى حَلِيم وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِي معنى وَصفه بِأَنَّهُ حَلِيم فَمنهمْ من قَالَ إِن معنى الْحلم ترك تَعْجِيل الْعقُوبَة لمن يَسْتَحِقهَا وَمِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ نفي السَّفه عَنهُ وَأَن الله لم يزل حَلِيمًا على هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ مَذْهَب النجار

стр. 270

خبر آخر وتأويله فَإِن قَالَ قَائِلُونَ فَمَا تَقولُونَ فِيمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ إِن الله يمشي فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وَيقف على أدنى أهل الْجنَّة دَرَجَة فَيسلم عَلَيْهِم ويردون السَّلَام ثمَّ يرجع إِلَى مَكَانَهُ قيل إِن أهل النَّقْل قد ضعفوا هَذَا الْخَبَر فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه وَقع إِلَيْهِ كتب من يهود قُرَيْظَة فَكَانَ ينظر فِيهَا ويروي عَنْهَا وَقيل أَيْضا إِن الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ زَمعَة وَسَلَمَة بن وهرام وَكِلَاهُمَا ضعيفان وَعِكْرِمَة أَضْعَف مِنْهُمَا على أَنه كَانَ صَحِيحا فَمَعْنَاه مَحْمُول على سَائِر مَعَاني أَفعاله مثل قَوْلنَا يعدل وَيحسن ويحرك ويشكر وَيَجِيء وَيَأْتِي وَلَيْسَ ذَلِك بمعاناة ومعالجة وَلَا ذَلِك بإنتقال وحركة كَمَا يكون ذَلِك منا لِأَنَّهُ لَا يفعل فِي نَفسه فَأَما قَوْلهم فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وَالله فِيهَا بِمَعْنى مقدرها ومدبرها وَأَن ذَلِك على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَهَذَا على مَذْهَب من قَالَ من الْمُعْتَزلَة والنخارية أَن الله فِي مَكَان على معنى أَنه مُدبر لكل مَكَان مُقَدّر لما فِيهِ وَنحن نأبى ذَلِك وَلَكنَّا نقُول على مَذْهَب أَصْحَابنَا

стр. 271

إِن الله فِي السَّمَاء على معنى أَنه فَوْقهَا وَعَلَيْهَا كَمَا قَالَ ﴿فسيحوا فِي الأَرْض﴾ أَي فَوْقهَا وكما قَالَ ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي عَلَيْهَا وَأما معنى وُقُوفه على أهل الدَّرَجَات فِي الْجنَّة فقد قيل مَعْنَاهُ إِن الله وصف نَفسه بكرامته لأهل الدَّرَجَات فِي الْجنَّة دَرَجَة بعد دَرَجَة الْأَعْلَى فالأعلى فَأَما قَوْله ثمَّ يرجع إِلَى مَكَانَهُ فَلَيْسَ ذَلِك على معنى الإنتقال إِلَى مَكَان لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَكَان وَلَا يجوز عَلَيْهِ الإنتقال وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ العودة إِلَى أَفعاله قبل أَن يحدث لَهُم مَا أحدث وَذَلِكَ توسع فِي الْكَلَام كَمَا يُقَال جَاءَك الْخَيْر يعدو عدوا وَالْمرَاد سرعَة الإقبال عَلَيْك وَإِذا احْتمل اللَّفْظ مَا ذكرنَا وَكَانَ خِلَافه يُؤَدِّي إِلَى التَّشْبِيه وَإِلَى وَصفه تَعَالَى بِمَا لَا يَلِيق بِهِ كَانَ أولى الْأُمُور أَن يحمل على الْوَجْه الَّذِي يَصح مَعْنَاهُ ويوافق معنى قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾

стр. 272

ذكر خبر آخر وتأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا رُوِيَ أَنه قد قَالَ ﷺ دخلت على رَبِّي فِي جنَّة عدن شَابًّا جَعدًا فِي ثَوْبَيْنِ أخضرين قيل معنى قَوْله دخلت على رَبِّي كمعنى قَول الْمُسلمين فِي الْمَوْسِم أَتَيْنَاك رَبنَا شعثا غبرا من كل فج عميق لتغفر لنا ذنوبنا وَيُقَال أَيْضا فِي الْكَلَام الْجَائِز الْجَارِي فِي الْعرف أقبل الله على فلَان بالكرامة وَأَقْبل فلَان على الله بِالطَّاعَةِ أَي دخلت جنَّة رَبِّي بتقريبه لي وبكرامته إيَّايَ فَرَأَيْت فِيهَا شَابًّا وليا من أوليائه على هَذَا الْوَصْف دون أَن يكون هَذَا الْمَذْكُور هُوَ الله وَقد يُقَال دخلت فِي غير مَا يكون فِي مَكَان أَيْضا وَذَلِكَ مُتَعَارَف بَين أهل اللُّغَة كَمَا يَقُولُونَ دخل فِي أَمرك الْبركَة وَأدْخل الله فِي أُمُوركُم الْبركَة أَي بَارك لَهُم فِيهَا وَيُقَال دخل فلَان على أَمْرِي ورأيي وَيُقَال أَيْضا دخل على فلَان فِي منزلي لَا أَنه دخل على بدنه وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه دخل دَاره كَذَلِك معنى

стр. 273

دخلت على رَبِّي أَي دخلت دَار رَبِّي وَهِي الْجنَّة وَالدَّار الَّتِي أعدهَا لأوليائه وَيحْتَمل أَن يكون معنى وَأَنا فِي الْجنَّة شَاب جعد وَإِن ذَلِك كَانَ رُؤْيا فِي مَنَام وَالشَّيْء قد يرى فِي الْمَنَام على خلاف مَا يكون بِهِ فَإِذا احْتمل هَذَا الْكَلَام مَا ذكرنَا كَانَ حمله عَلَيْهِ أولى

стр. 274

ذكر خبر آخر وتأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ يَقُول دَاوُد ﵇ يَوْم الْقِيَامَة رب ذَنبي فَيَقُول أدنه أدنه فيدنو حَتَّى يمسهُ قَالَ فمس سُفْيَان ركبته يُشِير إِلَى أَنه مس ركبته قيل إِن مُجَاهدًا مَأْخُوذ من قَوْله ومتروك وَلكنه إِن صَحَّ فَيحْتَمل أَن يُقَال مَعْنَاهُ أَنه أدنه بمسألتك إيَّايَ وتقرب إِلَيّ بذلك وبالخضوع لي حِين يمسهُ عَفْو الله وصفحه وَرَحمته وَقيل أَيْضا يحْتَمل أَن يكون ذَلِك على الْمثل أَنه يدنو بالتضرع والخشوع إِلَيْهِ حَتَّى يصير كَهَيئَةِ المماس فِي الْمثل على الْوَجْه الَّذِي لَا يكون بَينه وَبَين مَا يماسه حَائِل على أَن مُجَاهدًا لَيْسَ بِحجَّة فِي مثل هَذَا وَقد قيل أَيْضا أَنه لم يذكر فِي الْخَبَر ركبة وَيحْتَمل أَن يكون ركبته بعض خلقه أمره بالدنو مِنْهُ أَمر تعبد ليخضع لله جلّ ذكره بذلك حَتَّى يَنَالهُ عَفوه وَرَحمته

стр. 275

ذكر خبر آخر وتأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ أَيْضا فِيمَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ إِنَّه يقعده مَعَه على الْعَرْش قيل هَذَا أَيْضا غير مَأْخُوذ بِهِ من قَوْله وتأويله مَعَ أَنه يحْتَمل أَن يُقَال إِنَّه مَعَه بِمَعْنى النُّصْرَة والمعونة كَمَا قَالَ

стр. 276

﴿لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ وكما قَالَ ﴿أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ على معنى النُّصْرَة والمعونة وَذَلِكَ أَن مَعَ فِي الْكَلَام يحْتَمل وُجُوهًا أَحدهَا بِمَعْنى الصُّحْبَة فِي الْبقْعَة والمجاورة لمن فِيهَا وَذَلِكَ لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَيكون أَيْضا بِمَعْنى الْعلم كَمَا قَالَ ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه عَالم بكم سامع لكلامكم رَاء لأعمالكم وأشخاصكم وَذَلِكَ جَائِز فِي وَصفه ويشمل الْكَافِر وَالْمُؤمن فَأَما إِذا قيل إِنَّه مَعَ الْمُؤمن تَخْصِيصًا بِمَعْنى النُّصْرَة والمعونة فَيكون معنى الْخَبَر أَن الله تَعَالَى يكرم نبيه مُحَمَّدًا ﷺ بأبلغ الكرامات حَتَّى يقعده فِي أرفع المقاعد عِنْده وَهُوَ مَعَه بالنصرة والمعونة والمقاعد المقربة من الله تَعَالَى مقامات الطَّاعَات ودرجات الكرامات دون مَا هُوَ من طَرِيق الصُّحْبَة فِي الْمَكَان والمجاورة لمن فِيهِ

стр. 277

ذكر خبر آخر وتأويله فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى الشّعبِيّ إِن الله مَلأ الْعَرْش حَتَّى أَن لَهُ أطيطا كأطيط الرحل الْجَدِيد قَائِلا هَكَذَا وَوضع إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى قَالَ وَوضع حَمَّاد سَاقه على ركبته الْيُسْرَى قيل معنى قَوْله مَلأ الْعَرْش يحْتَمل أَن يكون المُرَاد ملأَهُ عَظمَة ورفعة وَعزة وآلاء وَهَذَا كَمَا قَالَ ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها﴾ وَالْأَمَانَة لَيست بجسم فَأَما معنى قَوْله هَكَذَا فَيحْتَمل أَن يُقَال أَرَادَ بِهِ التجبر وَالْعَظَمَة الَّتِي لَا يجوز لغيره وَأما معنى وضع حَمَّاد سَاقه على ركبته الْيُسْرَى فَلَيْسَ على معنى إِثْبَات الْجَارِحَة وَالْإِشَارَة إِلَى مَعْنَاهَا بل إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنه هُوَ الْمُنْفَرد بِمثل هَذِه العظمة وَأَنه العالي المستوى على كل مَا خلقه وَأعلم أَنه سَائِغ فِي الْكَلَام أَن يُقَال مَلَأت قَلْبك فَرحا وغما وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ امتلاء من طَرِيق شغل الْمَكَان من جِهَة المساحة

стр. 278

وَيُقَال مَلأ فلَان هَذَا الْبَلَد علما وَالْمرَاد بِهِ مَا نشر فِيهِ من الْكتب الَّتِي الْعلم فِيهَا مَكْتُوب وَمَا روى وَذكر فِيهِ وَلَا يكون المُرَاد بِهِ على نَحْو ملْء الْأَوَانِي بالأجسام الَّتِي فِيهَا وَلما احْتمل الْكَلَام هذَيْن الْمَعْنيين وَلم يجز أَحدهمَا على الله تَعَالَى صَحَّ أَن المُرَاد بِهِ مَا قُلْنَا ذكر خبر آخر وتأويله وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الْعَرْش يثقل على كواهل حَملته من ثقل الرَّحْمَن حَتَّى يعرفوا غَضَبه بثقله على كواهلهم // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // فِي خبر هَذَا مَعْنَاهُ قيل أما معنى قَوْله من ثقل الرَّحْمَن فَلَيْسَ ذَلِك ثقلا كثقل الْأَجْسَام والأشباح وَإِنَّمَا هُوَ ثقل عَظمته كَقَوْل الْقَائِل ثقل عَليّ كلامك وَلَيْسَ ثقل كثقل الْأَجْسَام وَقد يُقَال الْحق ثقيل مر وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ ثقلا كثقل الْأَجْسَام إِنَّمَا المُرَاد بِهِ مَا فِي تحمله من الصعوبة وَالْمَشَقَّة على النَّفس وَقد قَالَ ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ فثقل الرَّحْمَن على الْمَلَائِكَة ثقل هيبته فِي قُلُوبهم وَمَا يَتَجَدَّد لَهُم فِي بعض الْأَحْوَال من ذكر عَظمته وعزته فَأَما مَا يعْرفُونَ بِهِ غضب الرَّحْمَن جلّ ذكره فَيحْتَمل أَن يخلق فِي الْعَرْش ثقلا على كواهلهم وَيجْعَل ذَلِك أَمارَة لَهُم فِي بعض الْأَحْوَال من ذكر إِنْزَال الْعقُوبَة بِقدر فَكلما وجدوا ذَلِك إزدادوا تَعْظِيمًا وذكرا

стр. 279

وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لإستحالة وصف الله تَعَالَى بالمماسة والأعتماد على الْأَجْسَام وَأَن يكون جسما لَهُ ثقل وَإِذا احْتمل الْكَلَام مَا ذَكرْنَاهُ وَكَانَ سائغا فِي اللُّغَة وَجب أَن يحمل تَأْوِيله عَلَيْهِ دون أَن يحمل على مَا لَا يَلِيق بِاللَّه ذكر خبر آخر وتأويله وَمَعْنَاهُ فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا رُوِيَ أَن جِبْرَائِيل ﵇ أَبْطَأَ على النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِنِّي وجدت رَبِّي يُصَلِّي وَفِيمَا رُوِيَ أَن بني إِسْرَائِيل سَأَلُوا مُوسَى ﵇ فَقَالُوا أيصلي رَبنَا فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ أَن يبلغهم أَنِّي أُصَلِّي كَيْمَا تغلب رَحْمَتي غَضَبي وَلَوْلَا ذَلِك هَلَكُوا وَفِيمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لما أسرِي بِهِ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة أَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ ويداك يَا أَحْمد فَإِن رَبك يُصَلِّي فَقلت وَإِن رَبِّي يُصَلِّي قَالَ نعم قلت وَأي شَيْء يَقُول فَقَالَ يَقُول سبوح قدوس سبقت رَحْمَتي غَضَبي بَيَان تَأْوِيله أعلم أَن الصَّلَاة على وُجُوه

стр. 280

وَإِذا أضيفت إِلَى الله تَعَالَى فمعناها الْمَدْح وَالثنَاء وَالرَّحْمَة وَالْبركَة وَإِذا أضيفت إِلَى الْمَلَائِكَة فمعناها الإستغفار وَطلب الشفاعات وَإِذا أضيفت إِلَى الْمُؤمنِينَ من الْآدَمِيّين فَالْمُرَاد الدُّعَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ فَصَلَاة الله إِظْهَاره رَحمته ومدحه وثناؤه وَصَلَاة الْمَلَائِكَة إستغفارهم وسؤالهم الْفضل والدرجة لمن يصلونَ عَلَيْهِ وَصَلَاة الْمُؤمنِينَ دعاؤهم رَبهم بإنزال البركات وَالرَّحْمَة على من يصلونَ عَلَيْهِ وَمعنى قَوْله تَعَالَى أبلغهم أَنِّي أُصَلِّي أَي أَنِّي أرْحم وأغفر وأستر وَمعنى قَوْله كَيْمَا تغلب رَحْمَتي غَضَبي أَي حَتَّى يسْبق الْكَائِن من رَحْمَتي وغضبي وَرَحمته فِي الْحَقِيقَة عندنَا إِرَادَته أَن ينعم على من أَرَادَ تنعيمه وغضبه إِرَادَة تَعْذِيب من علم تعذيبه وعقوبته على الدَّوَام ثمَّ سمي الْكَائِن عَن الرَّحْمَة رَحْمَة والكائن عَن الْغَضَب غَضبا كَمَا سمي الْمَعْلُوم علما والمقدور قدرَة والموهوب هبة وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك حملنَا معنى قَوْله سبقت رَحْمَتي غَضَبي

стр. 281

وكيما تغلب رَحْمَتي غَضَبي على الْكَائِن من رَحمته وغضبه وَالْمرَاد بِهِ إِظْهَار بركته وكرامته لأهل الْبركَة وَالرَّحْمَة كَمَا ظهر تعذيبه وعقابه لأهل الْعقُوبَة وَأعلم أَن معنى الصَّلَاة فِي اللُّغَة بِمَعْنى الدُّعَاء كَثِيرَة وَبِمَعْنى المكاء والتصدية كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية﴾ والمكاء الصفير والتصدية التصفيق وَيُقَال للصَّلَاة الشَّرْعِيَّة صَلَاة وَهِي الْقِرَاءَة وَالتَّسْبِيح وَالرُّكُوع وَالسُّجُود ويعبر عَن جملَة هَذِه الْأَفْعَال أَنَّهَا صَلَاة من طَرِيق الشَّرْع لَا من طَرِيق اللُّغَة وَلَا يجوز أَن يُوصف الله تَعَالَى بِهَذَا النَّوْع من الصَّلَاة الَّتِي تَتَضَمَّن هَذِه الحركات والهيئات لإستحالة كَونه جسما محدودا يَتَحَرَّك ويسكن وَجَائِز وَصفه بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ الثَّنَاء وَالدُّعَاء وَالرَّحْمَة وَمَا وصف بِهِ من ذَلِك فعلى هَذَا الْمَعْنى لَا على غَيره

стр. 282

ذكر خبر آخر آخر وتأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى عبد الله بن عمر ﵄ فِي حَدِيثه أَنه يتجلى لِلْخلقِ فيلقاهم فَيَقُول من تَعْبدُونَ فَيَقُولُونَ رَبنَا فَيَقُول هَل تعرفُون ربكُم فَيَقُولُونَ سُبْحَانَهُ إِذا اعْترف لنا عَرفْنَاهُ وَفِي بعض الْأَلْفَاظ إِذا عرفنَا بِنَفسِهِ عرفنَا قَالَ فَعِنْدَ ذَلِك يكْشف عَن سَاق وَلَا يبْقى مُؤمن إِلَّا خر لله سَاجِدا قيل أما رُؤْيَة الله تَعَالَى فجائزة نظرا وواجبة للْمُؤْمِنين خَبرا وَقد تقدم بَيَان

стр. 283

ذَلِك فَأَما قَوْله فَيكْشف عَن سَاق فَلم يضف ذَلِك إِلَى أحد وَمَعْنَاهُ عَن شده لِأَن ثمل هَذَا الْكَلَام مُسْتَعْمل فِي اللُّغَة على معنى شدَّة الْأَمر كَمَا قَالَ الشَّاعِر (وَقَامَت الْحَرْب بِنَا على سَاق ... ) قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ أَي شدَّة الْأَمر وَقَالَ الْحسن فِي قَوْله ﴿والتفت السَّاق بالساق﴾ أَي الْتفت سَاق الدُّنْيَا بساق الْآخِرَة وَقَالَ الضَّحَّاك مَعْنَاهُ أَمر الدُّنْيَا من الْآخِرَة وَقَالَ عمر ﵁ مَعْنَاهُ أَعمال الدُّنْيَا بمحاسبة الْآخِرَة وَذَلِكَ أَمر عَظِيم

стр. 284

ذكر خبر آخر وتأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ رَأَيْت رَبِّي جَعدًا قططا قيل هَذَا حَدِيث ضَعِيف عِنْد أهل النَّقْل وَإِن صَحَّ مَعْنَاهُ يرجع إِلَى الرَّائِي وَيكون ذَلِك رُؤْيا نوم والرائي قد يرى نَفسه فِي النّوم على خلاف مَا هُوَ بِهِ لِأَن هَذِه الصِّفَات لَا تلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَلم يرد بِهِ كتاب وَلَا سنة متواترة وَلَا أَجمعت الْأمة عَلَيْهِ فَيكون ذَلِك من طَرِيق الإسم لَا من طَرِيق الْمَعْنى لِأَن مَعْنَاهُ مُسْتَحِيل فِي وَصفه لإستحالة كَونه جسما محدودا متجزئا وَقد مضى بَيَان تَأْوِيل ذَلِك فِي أول كتَابنَا

стр. 285

ذكر خبر آخر وتأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى حَمَّاد عَن أبي المهزم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ إِن الله خلق نَفسه من عرق الْخَيل قيل هَذَا حَدِيث مُنكر عِنْد أهل النَّقْل وَأَبُو المهزم مَجْهُول وَقَالَ فِي حَمَّاد عبد الرحمن بن مهْدي إِنَّه لم يكن يعرف هَذِه الْأَحَادِيث حَتَّى خرج خرجه إِلَى عبادان فَلَا أَحسب إِلَّا شَيْطَانا دسه فِي كتبه وَكَانَ حَمَّاد ذَا غَفلَة وَكَانَ لَا يحفظ وَابْن أبي العوجاء ربيبه وَكَانَ زنديقا وَكَانَ يتهم بِأَنَّهُ درس فِي كتبه وَقيل إِن بعض الزَّنَادِقَة أَخذ فِي زمَان الْمَأْمُون فَقيل لَهُ تب فَقَالَ كَيفَ أَتُوب وَقد وضعت كَذَا وَكَذَا فِي كتاب حَمَّاد حَدِيثا وَسمعت النَّاس يتحدثون بهَا وَلَقَد جهدنا أَن نزيد فِي كتاب الله حرفا فَلم نقدر عَلَيْهِ على أَنه لَو كَانَ صَحِيحا كَانَ يُمكن أَن يتَأَوَّل على أَنهم سَأَلُوا النَّبِي ﷺ فَقَالُوا مِم رَبنَا الَّذِي كُنَّا نعبده فِي الْجَاهِلِيَّة من دون الله يُرِيدُونَ من الشَّيَاطِين الَّذين دعتهم إِلَى مَعْصِيّة الله وَأعلم أَن هَذَا الحَدِيث وَنَحْوه من الْأَخْبَار المتناقضة الَّتِي لَا يجوز الإشتغال بهَا وبتأويلها لظُهُور فَسَادهَا ووضوح الْخلَل فِي أمرهَا وَإِجْمَاع أهل النَّقْل فِي أَنَّهَا مَوْضُوعَة لَا أصل لَهَا
следующие страницы →