← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5899

مشكل الحديث وبيانه

ابن فورك

Полный текст (433 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وكيما تغلب رَحْمَتي غَضَبي على الْكَائِن من رَحمته وغضبه وَالْمرَاد بِهِ إِظْهَار بركته وكرامته لأهل الْبركَة وَالرَّحْمَة كَمَا ظهر تعذيبه وعقابه لأهل الْعقُوبَة وَأعلم أَن معنى الصَّلَاة فِي اللُّغَة بِمَعْنى الدُّعَاء كَثِيرَة وَبِمَعْنى المكاء والتصدية كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية﴾ والمكاء الصفير والتصدية التصفيق وَيُقَال للصَّلَاة الشَّرْعِيَّة صَلَاة وَهِي الْقِرَاءَة وَالتَّسْبِيح وَالرُّكُوع وَالسُّجُود ويعبر عَن جملَة هَذِه الْأَفْعَال أَنَّهَا صَلَاة من طَرِيق الشَّرْع لَا من طَرِيق اللُّغَة وَلَا يجوز أَن يُوصف الله تَعَالَى بِهَذَا النَّوْع من الصَّلَاة الَّتِي تَتَضَمَّن هَذِه الحركات والهيئات لإستحالة كَونه جسما محدودا يَتَحَرَّك ويسكن وَجَائِز وَصفه بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ الثَّنَاء وَالدُّعَاء وَالرَّحْمَة وَمَا وصف بِهِ من ذَلِك فعلى هَذَا الْمَعْنى لَا على غَيره

стр. 282

ذكر خبر آخر آخر وتأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى عبد الله بن عمر ﵄ فِي حَدِيثه أَنه يتجلى لِلْخلقِ فيلقاهم فَيَقُول من تَعْبدُونَ فَيَقُولُونَ رَبنَا فَيَقُول هَل تعرفُون ربكُم فَيَقُولُونَ سُبْحَانَهُ إِذا اعْترف لنا عَرفْنَاهُ وَفِي بعض الْأَلْفَاظ إِذا عرفنَا بِنَفسِهِ عرفنَا قَالَ فَعِنْدَ ذَلِك يكْشف عَن سَاق وَلَا يبْقى مُؤمن إِلَّا خر لله سَاجِدا قيل أما رُؤْيَة الله تَعَالَى فجائزة نظرا وواجبة للْمُؤْمِنين خَبرا وَقد تقدم بَيَان

стр. 283

ذَلِك فَأَما قَوْله فَيكْشف عَن سَاق فَلم يضف ذَلِك إِلَى أحد وَمَعْنَاهُ عَن شده لِأَن ثمل هَذَا الْكَلَام مُسْتَعْمل فِي اللُّغَة على معنى شدَّة الْأَمر كَمَا قَالَ الشَّاعِر (وَقَامَت الْحَرْب بِنَا على سَاق ... ) قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ أَي شدَّة الْأَمر وَقَالَ الْحسن فِي قَوْله ﴿والتفت السَّاق بالساق﴾ أَي الْتفت سَاق الدُّنْيَا بساق الْآخِرَة وَقَالَ الضَّحَّاك مَعْنَاهُ أَمر الدُّنْيَا من الْآخِرَة وَقَالَ عمر ﵁ مَعْنَاهُ أَعمال الدُّنْيَا بمحاسبة الْآخِرَة وَذَلِكَ أَمر عَظِيم

стр. 284

ذكر خبر آخر وتأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ رَأَيْت رَبِّي جَعدًا قططا قيل هَذَا حَدِيث ضَعِيف عِنْد أهل النَّقْل وَإِن صَحَّ مَعْنَاهُ يرجع إِلَى الرَّائِي وَيكون ذَلِك رُؤْيا نوم والرائي قد يرى نَفسه فِي النّوم على خلاف مَا هُوَ بِهِ لِأَن هَذِه الصِّفَات لَا تلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَلم يرد بِهِ كتاب وَلَا سنة متواترة وَلَا أَجمعت الْأمة عَلَيْهِ فَيكون ذَلِك من طَرِيق الإسم لَا من طَرِيق الْمَعْنى لِأَن مَعْنَاهُ مُسْتَحِيل فِي وَصفه لإستحالة كَونه جسما محدودا متجزئا وَقد مضى بَيَان تَأْوِيل ذَلِك فِي أول كتَابنَا

стр. 285

ذكر خبر آخر وتأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى حَمَّاد عَن أبي المهزم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ إِن الله خلق نَفسه من عرق الْخَيل قيل هَذَا حَدِيث مُنكر عِنْد أهل النَّقْل وَأَبُو المهزم مَجْهُول وَقَالَ فِي حَمَّاد عبد الرحمن بن مهْدي إِنَّه لم يكن يعرف هَذِه الْأَحَادِيث حَتَّى خرج خرجه إِلَى عبادان فَلَا أَحسب إِلَّا شَيْطَانا دسه فِي كتبه وَكَانَ حَمَّاد ذَا غَفلَة وَكَانَ لَا يحفظ وَابْن أبي العوجاء ربيبه وَكَانَ زنديقا وَكَانَ يتهم بِأَنَّهُ درس فِي كتبه وَقيل إِن بعض الزَّنَادِقَة أَخذ فِي زمَان الْمَأْمُون فَقيل لَهُ تب فَقَالَ كَيفَ أَتُوب وَقد وضعت كَذَا وَكَذَا فِي كتاب حَمَّاد حَدِيثا وَسمعت النَّاس يتحدثون بهَا وَلَقَد جهدنا أَن نزيد فِي كتاب الله حرفا فَلم نقدر عَلَيْهِ على أَنه لَو كَانَ صَحِيحا كَانَ يُمكن أَن يتَأَوَّل على أَنهم سَأَلُوا النَّبِي ﷺ فَقَالُوا مِم رَبنَا الَّذِي كُنَّا نعبده فِي الْجَاهِلِيَّة من دون الله يُرِيدُونَ من الشَّيَاطِين الَّذين دعتهم إِلَى مَعْصِيّة الله وَأعلم أَن هَذَا الحَدِيث وَنَحْوه من الْأَخْبَار المتناقضة الَّتِي لَا يجوز الإشتغال بهَا وبتأويلها لظُهُور فَسَادهَا ووضوح الْخلَل فِي أمرهَا وَإِجْمَاع أهل النَّقْل فِي أَنَّهَا مَوْضُوعَة لَا أصل لَهَا

стр. 286

ذكر خبر آخر و تأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن بني إِسْرَائِيل سَأَلُوا مُوسَى بِمَا شبهت كَلَام الله تَعَالَى فَقَالَ بأشد مَا يكون من الصَّوَاعِق وَلَيْسَ بذلك وكما رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَاء صلصلة كجر السلسلة على الصفوان فَيَقُولُونَ مَاذَا قَالَ رَبنَا فَيُقَال الْحق الْحق فَيَقُول الْمَلَائِكَة الْحق الْحق ثمَّ قَرَأَ قَوْله ﴿حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير﴾ تَأْوِيله أعلم أَن كَلَام الله تَعَالَى لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت عندنَا وَإِنَّمَا الْعبارَات عَنهُ تَارَة تكون بالصوت والعبارات هِيَ الدَّالَّة عَلَيْهِ وأمارات لَهُ تظهر لِلْخلقِ

стр. 287

ويسمعون عَنْهَا كَلَام الله فيفهمون المُرَاد فَيكون مَا سمع مُوسَى ﵇ من الْأَصْوَات مِمَّا سمع يُسمى كَلَام الله وَيكون ذَلِك فِي نَفسه غير الْكَلَام وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَن يُسمى الْعبارَة كَلَام الله كَمَا يُسمى الدّلَالَة على الشَّيْء بإسمه وكما يُسمى الْوَاقِع عَن الْقُدْرَة قدرَة والكائن عَن الرَّحْمَة رَحْمَة فَيكون معنى قَوْله بِمَا شبهت كَلَام الله أَي بِمَا شبهت الْعبارَة عَنهُ وَالدّلَالَة عَلَيْهِ مِمَّا سَمِعت عِنْدهَا وسماعها كَلَام الله لإستحالة أَن يكون لكَلَام الله شَبيه وَيحْتَمل قَوْله بأشد من الصَّوَاعِق أَن يكون أَرَادَ بِهِ مَا وجد عِنْد سَمَاعه من التَّعْظِيم والإجلال والهيبة كَمَا يستعظم الصَّوَاعِق والكائن عَنْهَا وَإِذا أَقَامَت الدّلَالَة على أَنه لَا يجوز أَن يكون كَلَام الله مخلوقا وَلَا أَن يكون أصواتا تتجدد شَيْئا فَشَيْئًا وَجب أَن يحمل التَّأْوِيل فِيهِ على مَا قُلْنَا ولسنا ننكر أَن يكون كَلَام الله تَعَالَى عِبَارَات هِيَ أصوات مِنْهَا أصوات مُخْتَلفَة وَمِنْهَا مَا يكون عَلَامَات لَهُ عِنْدهَا الْعلم والسمع لكَلَامه وَقد تكون الدّلَالَة فِي كتاب الله أَيْضا بِالْكتاب وَيكون الْكِتَابَة غير الْمَكْتُوب كَمَا تكون الْعبارَة غير الْمعبر فعلى ذَلِك حمل تَأْوِيل الْخَبَر وَمَا ضاهاه

стр. 288

ذكر خبر آخر وتأويله فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فيمَ رُوِيَ عَن أنس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِذا سجد أحدكُم فَإِنَّمَا يسْجد على قدم الرَّحْمَن قيل قد بَينا فِيمَا قبل معنى الْقدَم الْمَرْوِيّ فِي غير هَذَا الْخَبَر مِمَّا أضيف إِلَى الله وَالْعجب للفرقة المشبهة رَبهَا بالخلق فِي إحتجاجها بذلك إِذْ من قَوْلهَا إِن الله تَعَالَى على صُورَة آدم وَأَن لَهُ حدا وَغَايَة وَأَنه فِي السَّمَاء وعَلى الْعَرْش مستو إستواء إستقرار ثمَّ تحتج بِأَن ابْن آدم يسْجد على قدم الرَّحْمَن وَقد حكمت على زعمها بِكفْر من يَقُول إِن الله تَعَالَى فِي الأَرْض وَهَذِه مقَالَة تنقض بَعْضهَا بَعْضهَا

стр. 289

وَمعنى الْخَبَر إِن صَحَّ أَن العَبْد يتَوَضَّأ للصَّلَاة فَيكْتب بذلك الْأجر ويحط الله عَنهُ الْوزر ثمَّ يدْخل العَبْد فِي الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ وَبِمَا سنه رَسُول الله ﷺ مِمَّا يَقُوله الْمُصَلِّي بعد تَكْبِيرَة الإفتتاح للصَّلَاة ثمَّ يقْرَأ ويركع وَيرْفَع رَأسه فَإِذا سجد كَانَ سُجُوده آخر كل رَكْعَة على قدمه للرحمن فَكَانَ قَوْله ﷺ يسْجد ابْن آدم على قدم الرَّحْمَن يَعْنِي على مَا قدم الرَّحْمَن لَهُ ألم تسمع قَوْله ﴿أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ فَهَذِهِ الْقدَم الصدْق هِيَ مَا قدمه الْعباد من خير مهدوا بِهِ لأَنْفُسِهِمْ وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَن الْمُصَلِّي يسْجد على قدم الرَّحْمَن أَي يُطِيع ربه على مَا قدم الله جلّ ذكره لَهُ من الحكم بِأَنَّهُ يُصَلِّي وَمِمَّا سبق لَهُ من الْوَعْد بالجميل عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الله ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ وَإِذا احْتمل الْكَلَام مَا ذكرنَا وإستحال وصف الله تَعَالَى بالجوارح وَجب أَن يحمل على مَا قُلْنَا دون مَا توهمه المشبهة لإستحالته رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن أقرب أهل الْجنَّة منزلَة من الله من ينظر فِي وَجه الله تَعَالَى كل يَوْم مرَّتَيْنِ

стр. 290

وَرُوِيَ أَيْضا عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ أَسأَلك لَذَّة النّظر إِلَى وَجهك الْكَرِيم // أخرجه البيهي //

стр. 291

ذكر خبر آخر وتأويله أعلم أَن إِطْلَاق وصف الله بِأَن لَهُ وَجها قد ورد بِهِ نَص الْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ من الصِّفَات الَّتِي لَا سَبِيل إِلَى إِثْبَاتهَا إِلَّا من جِهَة النَّقْل وَلَو لم يرد بذلك خبر لم يجز إِطْلَاقه إِذْ لَا دلَالَة من جِهَة الْعُقُول تَقْتَضِي ذَلِك فتوجبه وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة فِي تَأْوِيل ذَلِك إِلَى أَن مَعْنَاهُ أَنه هُوَ وَأَن وَجه الشَّيْء قد يكون نَفسه وتأولوا قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ أَي فثم الله وَأَن وَجه الله هُوَ الله وشبهوا ذَلِك بقَوْلهمْ وَجه الْحَائِط وَوجه الثَّوْب وَوجه الْأَمر وَهَذَا عندنَا خطأ لِأَن القَوْل بِهِ يُؤَدِّي إِلَى جَوَاز القَوْل بِأَن الله وَجه وَأَن يجوز بِأَن يدعى بِهِ فَيُقَال يَا وَجه اغْفِر لنا وَقد أَجمعت الْأمة على الْمَنْع من ذَلِك وَذهب أَصْحَابنَا إِلَى أَن الله ذُو وَجه وَأَن الْوَجْه صفة من صِفَاته الْقَائِمَة بِذَاتِهِ وَذَهَبت المشبهة إِلَى وَجه الْجَارِحَة والآلة وَقد بَينا فِي أول هَذَا الْكتاب أَنه لَا يَصح وصف الله تَعَالَى بالجوارح والآلات وَإِن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى نقص توحيده وَإِلَى القَوْل بِأَنَّهُ أَجزَاء مبعضة وأجسام مركبة وَذَلِكَ محَال فِي وَصفه فَأَما الَّذِي يجب أَن يكْشف عَنهُ من تَأْوِيل هَذَا الْخَبَر على أصلنَا إِذا وَجه السُّؤَال إِلَيْهِ فَقيل كَيفَ خص النّظر إِلَى وَجهه وعلق بِذكر الْوَجْه

стр. 292

وَكَيف قَالَ لَذَّة النّظر إِلَى وَجهه وَهل الْوَجْه الَّذِي هُوَ صفة مرئي وَإِذا كَانَ مرئيا وَلم يكن هُوَ الذَّات فَمَا الْفَائِدَة بتخصيص النّظر إِلَيْهِ وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَنه قد يذكر صفة الشَّيْء وَالْمرَاد بِهِ الْمَوْصُوف توسعا كَمَا يَقُول الْقَائِل رَأَيْت علم فلَان الْيَوْم وَنظرت إِلَى علمه وَإِنَّمَا يُرِيد بذلك رَأَيْت الْعَالم بِهِ وَنظرت إِلَى الْعَالم كَذَلِك إِذا ذكر الْوَجْه هَا هُنَا فَالْمُرَاد بِهِ من لَهُ الْوَجْه وعَلى هَذَا يتَأَوَّل قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله﴾ إِن المُرَاد بِهِ الله الَّذِي لَهُ الْوَجْه وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى﴾ فَإِن المُرَاد بِهِ ابْتِغَاء ربه الْأَعْلَى الَّذِي لَهُ الْوَجْه فَأَما مَا ذهب إِلَيْهِ الْمُعْتَزلَة من تَشْبِيه ذَلِك بِوَجْه الثَّوْب وَوجه الْحَائِط فغلط من التَّمْثِيل من قبل أَن وَجه الثَّوْب والحائط لَيْسَ هُوَ نفس الثَّوْب والحائط بل هُوَ مَا واجه بِهِ وَأَقْبل بِهِ وَكَذَلِكَ وَجه الْأَمر مَا ظهر مِنْهُ فِيهِ الرَّأْي الصَّحِيح دون مَا

стр. 293

لم يظْهر وَإِذا لم يجز فِي اللُّغَة إستعمال معنى الْوَجْه على معنى الذَّات على الْحَقِيقَة فِي مَوضِع وَقد ورد إِطْلَاق الْكتاب وَالسّنة بذلك لم يكن لما ذهبت إِلَيْهِ الْمُعْتَزلَة وَجه وَوَجَب أَن يحمل الْأَمر فِيهِ على مَا قُلْنَا أَنه وَجه صفته وَلَا يُقَال هُوَ الذَّات وَلَا غَيرهَا سُؤال فَإِن قَالَ قَائِل فَإِنَّهُ لَا يعقل وَجه الْجَارِحَة أَو بعض أَو نفس الشَّيْء قيل فِي هَذَا جوابان أَحدهمَا أَنه إِثْبَات وَجه بِخِلَاف مَعْقُول الشَّاهِد كَمَا أَن إِثْبَات من أضيف إِلَيْهِ الْوَجْه إِثْبَات مَوْجُود بِخِلَاف مَعْقُول الشَّاهِد وَالثَّانِي أَن الْوَجْه على الْحَقِيقَة لَا يكون نفس الشَّيْء لما بَينا أَن ذَلِك لَا يُوجد فِي اللُّغَة حَقِيقَة أَيْضا وَأما إِطْلَاق الْبَعْض على الْوَجْه الَّذِي هُوَ جارحة فتوسع عندنَا وَإِن كَانَ حَقِيقَة أَيْضا فَلم يكن وَجها لِأَنَّهُ بعض فَيجب أَن لَا يكون وَجه إِلَّا بعض وَإِذا لم يكن الْوَجْه وَجها لِأَنَّهُ بعض وَلَا لِأَنَّهُ جارحة وَلم يُنكر إِثْبَات وَجه خلافًا من الْمَوْضِعَيْنِ وَأعلم أَن أحد أصولنا فِي هَذَا الْبَاب أَن كلما أطلق على الله من هَذِه الْأَوْصَاف والأسماء الَّتِي قد تجْرِي على الْجَوَارِح فِينَا فَإِنَّمَا يجْرِي ذَلِك فِي وَصفه على طَرِيق الصّفة إِذا لم يكن وَجه آخر يحمل عَلَيْهِ مِمَّا يسوغ فِيهِ التَّأْوِيل وَذَلِكَ لصِحَّة قيام الصّفة بِذَاتِهِ فَإِن قِيَامهَا مِمَّا لَا يَقْتَضِي إنتقاض توحيده وَخُرُوجه عَمَّا يسْتَحقّهُ من الْقدَم وإلالاهية

стр. 294

فَأَما وَصفه بذلك على الْحَد الَّذِي يتوهمه المشبهة الممثلة لِرَبِّهَا بالخلق فِي إِثْبَات الْجَوَارِح والآلات فخلاف الدّين والتوحيد وَحملهَا على مَا ذهبت إِلَيْهِ الْمُعْتَزلَة فِيهِ إبِْطَال فائدتها وإخراجها عَن كَونهَا معقولة مفيدة على وَجه الْحق وَالْحق بَين هذَيْن المذهبين من التعطيل أَو التَّشْبِيه وَأَن يمسك بِحكم الْكتاب وَالسّنة وَيتبع مَا ورد النَّص فِيهَا لَا على التعطيل كَمَا ذهبت إِلَيْهِ الْمُعْتَزلَة وَلَا على التَّمْثِيل كَمَا ذهبت إِلَيْهِ المشبهة وَأعلم أَن هَذَا الْبَاب يفتح لَك طَرِيق الْكَلَام فِي هَذِه الْأَوْصَاف والإطلاقات ويوقفك على صِحَة الْحق وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَاب الحَدِيث فِيهِ ويعرفك كَيْفيَّة سلوكنا بهَا وَإِنَّا لَا نسلك فِي ذَلِك مَسْلَك من يروم نفي الصِّفَات من الملحدة والمعتزلة وَلَا مَسْلَك من أثبتها فِي حكم التَّمْثِيل من المشبهة وَهَكَذَا طريقنا فِي إِثْبَات الْيَدَيْنِ لله وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْعين فأفهم بِمَا عرفتك الطَّرِيقَة فِي هَذَا الْبَاب وأحمل عَلَيْهِ جَمِيع مَا يجْرِي مجْرَاه سُؤال آخر فَإِن قيل فَلم لَا تَقولُونَ على هَذَا الْوَصْف قدم صفة وَصُورَة صفة لِأَن الْإِضَافَة قد حصلت فِي الْخَبَر إِلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه فَقيل على صورته وَقيل قدمه قيل إِنَّمَا لم يحمل ذَلِك على الصّفة لإمتناع الْمَعْنى فِيهِ وَأَن الصّفة لَيست مِمَّا يُوصف بِالْوَضْعِ فِي الْأَمَاكِن وَقد وجدنَا لذَلِك تَأْوِيلا صَحِيحا قَرِيبا يمْنَع هَذِه

стр. 295

الشُّبْهَة وَهُوَ مَا ذكرنَا قبل أَنه قدم المتجبر على الله يَضَعهَا على النَّار على معني اسْتِحْقَاق الْعقُوبَة على عتوه على الله وَبينا أَن لفظ الْجَبَّار مُشْتَرك وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا بِوَصْف بِهِ إِلَّا الله بل رُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار أَن جلد الْكَافِر يبلغ فِي النَّار أَرْبَعِينَ ذِرَاعا بِذِرَاع الْجَبَّار وَلِأَن المُرَاد بِهِ هَا هُنَا هَذَا الرجل الطَّوِيل وَمن السائغ فِي اللُّغَة هَذِه نَخْلَة جبارَة إِذا كَانَت طَوِيلَة فَأَما الصُّورَة فقد بَينا أَيْضا أَنه لَا يَصح أَن تكون صفة لما أخبر أَنه خلق آدم عَلَيْهَا وَلَا تكون الصّفة مِثَالا لآدَم فيخلق عَلَيْهَا فَلَا يَصح أَن يحمل على صُورَة بِمَعْنى الصّفة وَإِنَّمَا حملنَا مَا أطلق من ذكر الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَالْعين على الصّفة من حَيْثُ لم يُوجد فِي وَاحِد مِنْهَا مَا يَسْتَحِيل وَيمْتَنع وَلَيْسَ كَمَا أضيف إِلَيْهِ فَهُوَ عَن طَرِيق الصّفة بل ذَلِك يَنْقَسِم على أَقسَام مِنْهَا بِمَعْنى الْملك وَمِنْهَا بِمَعْنى الْفِعْل وَمِنْهَا بِمَعْنى الصّفة وَإِنَّمَا يكْشف الدَّلِيل ويميز الْقَرَائِن مواقعها على حسب مَا بَينا ورتبنا فاعلمه إِن شَاءَ الله

стр. 296

ذكر خبر آخر وتأويله فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رَأَيْت رَبِّي فِي صُورَة شَاب أَمْرَد عَلَيْهِ حلَّة حَمْرَاء وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن عبد الله بن عمر أرسل إِلَى ابْن عَبَّاس يسْأَله هَل كَانَ رَسُول الله ﷺ رأى ربه فَأرْسل إِلَيْهِ عبد الله بن عَبَّاس فَقَالَ نعم قد رَآهُ فِي صورته على كرْسِي من ذهب محتجب بفراش من ذهب فِي صُورَة شَاب رجل وَفِي خبر آخر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى

стр. 297

﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى﴾ فَقَالَ رأى مُحَمَّد ربه بِعَيْنيهِ حَتَّى تبين لَهُ التَّاج المخوص بِاللُّؤْلُؤِ وَعَن الحكم بن أبان قَالَ سَمِعت عِكْرِمَة يَقُول سَمِعت ابْن عَبَّاس ﵄ وَسُئِلَ هَل رأى مُحَمَّد ربه قَالَ نعم قلت لإبن عَبَّاس أَلَيْسَ الله يَقُول ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ قَالَ لَا أم لَك ذَاك نوره إِذا تجلى بنوره لم يُدْرِكهُ شَيْء // اخرجه الْبَيْهَقِيّ // وَعَن عمَارَة بن عَامر عَن أم الطُّفَيْل أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يذكر أَنه رأى ربه فِي صُورَة شَاب موفر رِجْلَاهُ تصير على نَعْلَيْنِ من ذهب على وَجهه فرَاش من ذهب وَعَن سَالم بن أبي زِيَاد قَالَ خرجت من مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَرَأَيْت عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس فَقَالَ لَا تَبْرَح حَتَّى أشهد على هَذَا الرجل فَإِذا الرجل معَاذ بن عفراء قَالَ أَخْبرنِي مَا أخْبرك أَبوك عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ حَدثنِي أبي أَن رَسُول الله ﷺ حَدثهُ أَنه رأى رب الْعَالمين فِي حصويين

стр. 298

الفردوس إِلَى نصف سَاقيه فِي صُورَة شَاب يلتمع الْبَصَر ذكر تَأْوِيل ذَلِك وَالْكَلَام عَن تَخْرِيجه على الْوَجْه الَّذِي يَلِيق بِصفة الله تَعَالَى مِمَّا لَا ينْقض التَّوْحِيد وَلَا يُؤَدِّي إِلَى تَكْذِيب الرَّسُول ﷺ فَأول مَا فِي ذَلِك أَن إِحْدَى عمد التَّوْحِيد وأركانه تَوْحِيد ذَات الله تَعَالَى على الْمَعْنيين اللَّذين تقدم ذكرهمَا فِي أول الْكتاب من نفي الإنقسام وإستحالة التَّبْعِيض عَلَيْهِ

стр. 299

وَالثَّانِي إِفْرَاده بِالتَّدْبِيرِ فِي إنْشَاء المخترعات وَذَلِكَ من الأَصْل الْوَاجِب فِي تَصْحِيح عقد التَّوْحِيد وَهُوَ مِمَّا لَا يسوغ أَن يرد السّمع إِلَّا بتحقيقه وتثبيته وَلَا يحوز أَن يرد بنقضه وإبطاله خبر صَادِق على وَجه من الْوُجُوه إِلَّا أَن يكون المُرَاد بِهِ مَا لَا يرجع إِلَى وصف الله بذلك وَيكون لَهُ طَرِيق فِي التَّأْوِيل مِمَّا لَا يأباه عقل وَلَا يُنكره سمع على النَّحْو الَّذِي نبينه ونرتبه بعد ثمَّ بعد ذَلِك فَإِن حمل هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي ذكر فِيهَا هَذِه الْأَوْصَاف الَّتِي ذكرنَا فِي هَذَا الْفَصْل مِمَّا يَدُور على رِوَايَة عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَقد ضعف أهل الْعلم بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل عِكْرِمَة فِي رِوَايَته عَن ابْن عمر ﵄ أَنه قَالَ لنافع لَا تكذب عَليّ كَمَا كذب عِكْرِمَة على ابْن عَبَّاس وَإِذا كَانَ مَدَاره فِي الْآحَاد عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ ضَعِيف كَانَ ذَلِك أحد مَا يوهنه وَمَعَ ذَلِك فَإِن قبله قَابل وَحكم بِصِحَّتِهِ حَاكم وَطلب لذَلِك وَجها من التَّأْوِيل يطْلب بِهِ التَّخَلُّص من التَّشْبِيه ليجمع بَين قبُول هَذَا الْخَبَر وَبَين مَا يعْتَقد فِي التَّوْحِيد كَانَ طَرِيق ذَلِك مُمكنا من وُجُوه أَحدهمَا أَن يكون معنى ذَلِك أَنه يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ ﷺ بِهِ أَنه مِمَّن لَا يشْغلهُ الَّذين فِي حسن الصُّورَة والتركيب على الْوَجْه الَّذِي دبره الله وَركبهُ عَن الله وَعَن رُؤْيَته وطاعته لكَونه مَعْصُوما محروسا من آفَات الشَّهَوَات وعوارض الغفلات مُعَرفا لنا بذلك فضل الله عَلَيْهِ فِيهِ وَأَنه مِمَّن لَا يلهيه حسن المناظر وَإِنَّمَا يرى ربه فِيهَا لَا هِيَ على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا وَتَكون فَائِدَته

стр. 300

أَنه لما أسرى بِهِ إِلَى السَّمَاء وَدخل الْجنَّة وَرَأى مَا فِيهَا مَا يرى من الزين والآلآت وَحسن الصُّور على تِلْكَ المناظر الَّتِي وصف فِي الْخَبَر وَأَن ذَلِك يرجع إِلَى مَا رأى فِي الْجنَّة من هَذَا الْخلق وَمَا زينت بهَا وَأَنه إِنَّمَا رأى من جَمِيع ذَلِك ربه لم يقطعهُ عَن نظره إِلَيْهَا عَنهُ وَيحْتَمل أَيْضا أَن يُقَال هَذِه صِفَات ترجع إِلَى النَّبِي ﷺ لِأَن قَول الْقَائِل رَأَيْت زيدا رَاكِبًا يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون الرّكُوب صفة للرائي وَالثَّانِي أَن يكون الرّكُوب صفة للمرئي وَإِذا احْتمل الْوَجْهَانِ وَكَانَ مَا ذكرنَا من هَذِه الصِّفَات مِمَّا لَا يَصح أَن يرجع إِلَى الله تَعَالَى وَجب أَن يحمل على الْوَجْه الآخر وَهُوَ أَن يكون الرُّجُوع فِيهَا إِلَى الرَّائِي وَإِلَى ذكر مَعَانِيه وَصِفَاته وَإِذا قُلْنَا ذَلِك أحتمل الْكَلَام فِيهِ بعد ذَلِك وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون ذَلِك رُؤْيا مَنَام كَمَا رُوِيَ أَيْضا فِي حَدِيث أم الطُّفَيْل عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ رَأَيْت رَبِّي فِي النّوم وَذكر الحَدِيث وَيحْتَمل أَيْضا أَن يُقَال إِن ذَلِك وَإِن كَانَت رُؤْيَة عيان فِي حَال الْيَقَظَة فَإِن ذَلِك يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ وَيكون الْمَعْنى

стр. 301

أَنه كَانَ فِي حَال رُؤْيَته لله فِي بَاب الثَّبَات وَالْقُوَّة والتمكين من حَاله من حَيْثُ لم تستفزه هَذِه الْحَال وَلَا أزعجته وأوهنته كَمَا يكون الْمَذْكُور فِي الْخَبَر على تِلْكَ الْهَيْئَة فِي أتم أَحْوَاله وأقواها وَتَكون الْفَائِدَة فِيهِ مَا خصّه الله بِهِ من التَّمْكِين فِي تِلْكَ الْحَالة وَإِذا احْتمل هَذَا الْكَلَام هَذِه الْمعَانِي وَكَانَت مفيدة إِذا حمل عَلَيْهَا الْمَعْنى الصَّحِيح كَانَ حمله عَلَيْهَا أولى من حمله على مَا لَا يَلِيق بِاللَّه فَإِن قَالَ قَائِل فَلم لاتجعلون هَذِه الْأَوْصَاف صِفَات لله ثمَّ تجرونها مجْرى الصِّفَات الَّتِي ورد بهَا الْكتاب كَالْيَدِ وَالْعين وَالْوَجْه قيل لَا لأمور أَحدهَا أَن هَذِه أَخْبَار لم ترد المورد الَّذِي يقطع الْعذر وَمَعَ ذَلِك فَفِيهَا مَا عللت طرقه من جِهَة الرِّوَايَة فِي الْآحَاد أَيْضا وَإِنَّمَا يقبل خبر الْوَاحِد فِيمَا طَرِيقه طَرِيق الْعَمَل على الظَّاهِر دون الْقطع على الْبَاطِن وَمَا جرى هَذَا المجرى من الْأَحْكَام فَإِن طريقها الإعتقاد وَالْقطع وَلَا يُمكن الْقطع بأمثال هَذَا الْأَخْبَار وتجويز هَذِه الْأَوْصَاف من صِفَات الله من هَذِه الطَّرِيقَة لَا يَصح وَإِنَّمَا خرجناها على بعض هَذِه الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا لِئَلَّا يَخْلُو نقلهَا من فَائِدَة وَأَن لَا يكون وُرُودهَا بِلَا وُرُود وَأَن لَا تكون مُسَاوِيَة لمن أبطلها وعطلها وَإِذا أمكن ترتيبها وتخريجها على مَا بَينا كَانَ فِيهِ إِظْهَار فائدتها وإبانة مَعَانِيهَا على الْوُجُوه الَّتِي تصح وتليق بِهِ وَلذَلِك حملناها على مَا ذكرنَا دون مَا قَالُوهُ

стр. 302

فصل فِيمَا ذكره ابْن خُزَيْمَة فِي كتاب التَّوْحِيد ثمَّ سَأَلْتُم عِنْد انتهائها إِلَى هَذَا الْموضع من كتَابنَا إِن نتأمل مُصَنف الشَّيْخ أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ﵁ الَّذِي سَمَّاهُ كتاب التَّوْحِيد وَجمع فِيهِ نوع هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي ذكرت فِيهَا هَذِه الْأَلْفَاظ المتشابهة وَحمل ذَلِك على أَنَّهَا صِفَات الله وَأَنه فِيهَا لَا يشبه سَائِر الموصوفين بهَا من الْخلق فتأملنا ذَلِك وَبينا مَا ذهب فِيهِ عَن الصَّوَاب فِي تَأْوِيله وأوهم خلاف الْحق فِي تَخْرِيجه وَجمعه بَين مَا يجوز أَن يجْرِي مجْرى الصّفة وَمَا لَا يجوز ذَلِك فِيهِ وَذكرنَا ألفاظا ذكرهَا فِي كِتَابه الَّذِي روى وَجَمعهَا فِيهِ مِمَّا لم يدْخل فِيمَا أملينا قبل ورتبنا مَعَانِيهَا وَإِن كُنَّا قد أومينا إِلَى أَصله وأشرنا إِلَى طَرِيقَته

стр. 303

ذكر خبر آخر من ذَلِك رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لما قضى الله الْخلق كتب عِنْده فَوق عَرْشه إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي // أخرجه البُخَارِيّ // وَفِي حَدِيث آخر عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لما خلق الله الْخلق كتب فِي كِتَابه هُوَ يكْتب على نَفسه وَهُوَ وضع عِنْده على الْعَرْش إِن رَحْمَتي تغلب غَضَبي // أخرجه البُخَارِيّ // تَأْوِيله أعلم أَن وصف الله تَعَالَى بِأَن لَهُ نفسا وَإِطْلَاق القَوْل فِي ذكره بِالنَّفسِ مِمَّا لَا نأباه وَقد بَينا فِيمَا قبل أَن معنى هَذَا الْإِطْلَاق يرجع إِلَى أَنه مَوْجُود لِأَن ذَات الشَّيْء هِيَ نَفسه ووجوده وَقد ورد بذلك نَص الْكتاب وَالسّنة وعَلى إِطْلَاقه أَجمعت الْأمة وَأما معنى قَوْله ﵊ وَهُوَ وضع عِنْده وَقد بَينا أَيْضا فِيمَا قبل أَن معنى عِنْد مِمَّا يُضَاف إِلَى الله يحْتَمل وُجُوهًا

стр. 304

أَحدهَا أَن يُرَاد بهَا الْكَرَامَة وَالثَّانِي أَن يُرَاد بِهِ معنى الْعلم كَمَا قَالَ ﴿فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ أَي فِي علمه وَأما عِنْد على معنى قرب الْمَكَان على معنى الْمسَافَة والمساحة فَلَا يَلِيق بِهِ وَالَّذِي يَلِيق بِهَذَا الْموضع من معنى عِنْد أَن يكون على معنى أَنه عَالم بِهِ وَيكون معنى الْخَبَر أَن مَا كتبه فِي كِتَابه مَعْلُوم لَهُ لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء لم يستعن بكتابته عَلَيْهِ لِئَلَّا يذهب علمه بِهِ فَأَما معنى قَوْله لما قضى الله الْخلق فَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ لما حكم

стр. 305

الله بِخلق مَا خلق وَيحْتَمل أَيْضا أَنه قضى بِمَعْنى الْإِعْلَام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب﴾ أَي أعلمناهم فَكَأَنَّهُ أَرَادَ لما سبق فِي علمه وَحكمه أَنه يخلق مَا يخلق خلق كتابا فَكتب فِيهِ بِمَعْنى أَنه خلق فِيهِ كِتَابَة دَالَّة على مَا أَرَادَهُ أَن يكون فِي الْمُسْتَقْبل من الْأَوْقَات من الْحَوَادِث الَّتِي يحدث فِيهَا وَهَذَا كَمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر الآخر إِن أول شَيْء خلق الله الْقَلَم ثمَّ خلق اللَّوْح فَقَالَ لَهُ أجر بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَأما معنى قَوْله إِن رَحْمَتي تغلب غَضَبي فقد بَينا معنى الرَّحْمَة وَالْغَضَب فِي صِفَات الله وَأَن ذَلِك يرجع إِلَى صفة وَاحِدَة هِيَ رَحْمَة ويوصف بِأَنَّهَا إِرَادَة لتنعيم من علم أَنه يُنَعِّمَهُ بكراماته فِي الْجنَّة وَكَذَلِكَ يُقَال لهَذِهِ الصّفة غضب إِذا كَانَت إِرَادَة لتعذيب من علم أَنه يعذبه بعقوبته فِي النَّار من الْكَافرين ثمَّ يُقَال للصادر عَن رَحمته رَحْمَة كَمَا يُقَال للكائن عَن قدرته قدرَة وللكائن عَن أمره أَمر وَكَذَلِكَ يَقُول للكائن عَن غَضَبه غضب على هَذَا الْوَجْه أَيْضا وَإِذا حملنَا ذَلِك على هَذَا الْوَجْه ليَصِح فِيهَا التسابق والتزايد والنيل وَالْغَلَبَة لِأَن مَا هُوَ صفة لله تَعَالَى مِمَّا هِيَ الرَّحْمَة وَالْغَضَب على هَذَا الْمَعْنى كَانَ تَقْدِير تَخْرِيجه إفادتنا بِهِ مَا يظْهر من رَحمته لأهل الرَّحْمَة وَمن غضبته لأهل الْغَضَب وَأَن من

стр. 306

رَحْمَة الله فقد غلبت رَحمته عَلَيْهِ على معنى وُصُول الصَّادِر عَنهُ إِلَيْهِ وَظهر ذَلِك عَلَيْهِ ظُهُور إبانة عَمَّا وصل إِلَيْهِ الْكَائِن عَن غَضَبه وَقد ذكرنَا غير ذَلِك من الْوُجُوه فِي تَأْوِيله فِيمَا قبل مِمَّا يُغني عَن إِعَادَته فَأَما قَوْله كتب بِيَدِهِ على نَفسه فقد أوضحنا أَنا لَا نأبى القَوْل بِإِطْلَاق يَد صفة لَا نعْمَة وَلَا قدرَة وأعتمدنا فِي ذَلِك على الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة على إِطْلَاقهَا وإضافتها إِلَى الله وَالْقَوْل فِي ذَلِك مَقْصُور على مَا ورد بِهِ الْخَبَر لِأَن الْخَبَر إِذا ورد مُقَيّدا بِذكر أَشْيَاء مَخْصُوصَة مُضَافَة إِلَى الله تَعَالَى فَلَا يجوز أَن يتَعَدَّى مَا ورد بِهِ الْخَبَر لأجل أَن إِطْلَاق هَذِه الْإِضَافَة وَالصّفة الْخَبَر وَلَا مجَال لِلْعَقْلِ فِيهِ فَكَذَلِك القَوْل فِي تَقْيِيده فِي الْموضع الَّذِي قيد فِيهِ لَا طَرِيق لَهُ غير الْخَبَر وَقد رُوِيَ أَنه كتب التَّوْرَاة بيد وغرس شَجَرَة طُوبَى بِيَدِهِ // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَأما خلق آدم بِيَدِهِ فَهُوَ نَص الْكتاب وَمعنى قَوْلنَا كتب بِيَدِهِ أَي خلق كِتَابه فِيمَا خلق فِيهِ من اللَّوْح أَو غَيره مُضَافَة إِلَيْهِ بِذكر الْيَد ووصفها

стр. 307

تَخْصِيصًا وتبيينا وتمييزا من جِهَة التَّفْصِيل وَقد تكلمنا على الْمُعْتَزلَة قبل ذَلِك فِي نفيهم لذَلِك وَحَملهمْ مَا أطلق من ذكر الْيَد فِي الْكتاب وَالسّنة على معنى الذَّات أَو على معنى الْقُدْرَة أَو النِّعْمَة بِمَا يُغني عَن ذكره هَهُنَا

стр. 308

ذكر خبر آخر مِمَّا ذكره صَاحب التصنيف بِزِيَادَة لفظ لم يجر فِيمَا تقدم ذكره مَعَ تفسيرنا لمعظم مَا روى فِيهِ وكشفنا عَن أَصله من ذكر إِضَافَة الْوَجْه إِلَى الله رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الْمَرْأَة عَورَة فَإِذا خرجت استشرفها الشَّيْطَان فأقرب مَا تكون من وَجه رَبهَا وَهِي قَعْر بَيتهَا // أخرجه الطَّبَرَانِيّ // وَفِي حَدِيث آخر فِي هَذَا الْبَاب أَنه قَالَ مَا التمست الْمَرْأَة وَجه الله بِمثل أَن تقر فِي بَيتهَا وَتعبد رَبهَا // أخرجه الْبَزَّاز // وَمِمَّا ذكره أَيْضا روى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ فِي الدُّعَاء عِنْد الْخُرُوج إِلَى الصَّلَاة وَأَقْبل الله علهي بِوَجْهِهِ وَذكر أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي صفة أهل الْجنَّة

стр. 309

مَا بَين الْقَوْم وَبَين أَن ينْظرُوا إِلَى وَجه رَبهم فِي جنَّة عدن إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء على وَجهه // أخرجه أبونعيم // ثمَّ ذكر هَذَا اللَّفْظ الْقَائِل فِي تَرْجَمَة بَاب فِي هَذَا النَّوْع زِيَادَة لَفْظَة توهمها معنى الْخَبَر وَلَيْسَ فِي ذَلِك نَص وَهُوَ أَن قَالَ بَاب ذكر وَجه رَبنَا وَذكر فِيهِ سبحات الْوَجْه مُتَوَهمًا أَن ذَلِك يرجع إِلَى الضَّوْء

стр. 310

- بَاب ذكر بَيَان ذَلِك - وَمَا زيد فِيهِ على مَا ذكرنَا وإبانة خطأ هَذَا المتوهم وَأما قَوْله ﵊ فأقرب مَا تكون من وَجه رَبهَا وَهِي فِي قَعْر بَيتهَا فَالْمُرَاد بذلك أحد وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون مَعْنَاهُ أقرب مَا تكون فِي طَاعَة رَبهَا الَّذِي الْوَجْه صفة من صِفَاته وَالثَّانِي أَن يكون الْمَعْنى فِيهِ وَأقرب مَا تكون من وَجه رَبهَا أَي من قَصدهَا وَجه رَبهَا وطلبها للإخلاص فِي طَاعَته وَيكون الْوَجْه بِمَعْنى الإتجاه والتوجيه نَحْو الْمَشْي وَالْقَصْد لَهُ وَمثله فِي الْخَبَر الآخر مَا التمست الْمَرْأَة وَجه الله بِمثل أَن تقر فِي بَيتهَا والتأويل فِيهِ على وَجْهَيْن أَيْضا وَأما قَوْله ﵊ فِي صفة أهل الْجنَّة وَمَا بَين الْقَوْم وَبَين أَن ينْظرُوا إِلَى وَجه رَبهم فِي جنَّة عدن إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء على وَجهه فَمَعْنَاه النّظر إِلَى

стр. 311

الله الَّذِي لَهُ الْوَجْه على مَا قُلْنَا فِي قَوْله تبتغي وَجه الله وَقَوله فِي جنَّة عدن فَإِن ذَلِك يرجع إِلَى النَّاظر لَا إِلَى المنظور إِلَيْهِ لِأَن الْكَائِن فِي الْمَكَان هُوَ الرَّائِي والمرئي لَا يَصح أَن يكون فِي مَكَان لما تقدم ذكره فَأَما قَوْله إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء على وَجهه فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ إِلَّا مَاله من صفة الْكِبْرِيَاء ونعت العظمة من حَيْثُ لَهُ أَن يمنعهُم المنظر وَلَا يتفضل عَلَيْهِم مُعَرفا لَهُم بذلك أَن النّظر إِلَى الله تَعَالَى إبتداء نعْمَة وَفضل وَله أَن لَا يتفضل بِهِ لِأَنَّهُ المتصف بالكبرياء والمنعوت بالعظمة وَله أَن يتفضل وَأَن لَا يتفضل وَقد تقدم تَأْوِيل قَوْله الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي وَالْمرَاد بِهِ أَن ذَلِك صفة من صِفَاته ونعت من نعوته وَأما قَول هَذَا المُصَنّف فِي بَاب التَّرْجَمَة ذكر ضوء وَجه رَبنَا فغلط مِنْهُ وَنقض لأصله فِي أَن هَذَا الْبَاب لَا يتَعَدَّى بِهِ الْمَقُول وَالْمَنْقُول وَأَنه لَا يجوز أَن يُزَاد فِيهِ مَا لم يرد بِهِ نَص خبر وَلم يذكر فِي شَيْء من هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي ذكر فِيهَا الْوَجْه هَذِه اللَّفْظَة بل إِنَّمَا توهم هَذَا الْقَائِل من طَرِيق التَّأْوِيل أَن معنى سبحات وَجهه من طَرِيق الضَّوْء فَرَأى فِي وَصفه مَا لم يرد بِهِ نَص وَلَا يجوز الزِّيَادَة فِي وصف الله تَعَالَى بِمَا لم يرد بِهِ نَص وَقد ذكرنَا تَأْوِيل السبحات وَتَأْويل قَوْله حجابه النُّور وحجابه النَّار على حسب مَا رُوِيَ وَلَا يجوز أَن يقدر فِيهِ مَا يجوز فِيهِ وَصفه بالضوء لَا لفظا وَلَا معنى لما ذكرنَا فِيمَا قبل وَلذَلِك تأولنا قَوْله ﵎ ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ على الْوَجْه الَّذِي يَصح فِي وَصفه

стр. 312

أَنه نور لَا على معنى إثْبَاته نورا مضيئا ذَا شُعَاع

стр. 313

ذكر زِيَادَة لفظ آخر ذكرهَا هَذَا الْقَائِل فِي بَاب إِثْبَات الْيَد رُوِيَ عَن الشّعبِيّ قَالَ سَمِعت الْمُغيرَة بن شُعْبَة على منبره قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن مُوسَى سَأَلَ ربه فَقَالَ يَا رب أَخْبرنِي بِأَدْنَى أهل الْجنَّة منزلَة قَالَ هُوَ عبد يَأْتِي بعد مَا يدْخل أهل الْجنَّة الْجنَّة فَقَالَ لَهُ أَدخل فَيَقُول كَيفَ أَدخل وَقد سكن أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأخذُوا مَنَازِلهمْ // أخرجه الطَّبَرَانِيّ // فَيُقَال لَهُ أفترضى أَن يكون لَك مثل مَا كَانَ لملك من مُلُوك الدُّنْيَا وَمثل مَا كَانَ لملكيين وَقيل مثل مَا كَانَ لثَلَاثَة مُلُوك من مُلُوك الدُّنْيَا قَالَ رب رضيت قَالَ لَك مثله وَمثله وَمثله عشرَة أضعافه وَلَك فِيهَا

стр. 314

مَا اشتهت نَفسك ولذت عَيْنك قَالَ يَا رب فَأَخْبرنِي بأعلاهم منزلَة فَقَالَ سَوف أخْبرك غرست كرامتهم بيَدي وختمت عَلَيْهِ فَلم تره عين وَلم تسمع بِهِ أذن وَلم يخْطر ذَلِك على قلب بشر مصداق ذَلِك فِي كتاب الله ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ الْآيَة ذكر تَأْوِيله أعلم أَنا قد بَينا أَن إِطْلَاق وصف الله بِأَن لَهُ يدين صفتين لَا جارحتين وَلَا نعمتين مِمَّا ورد بِهِ نَص الْكتاب وَالسّنة وَتَحْقِيق مَعْنَاهُ على الْوَجْه الَّذِي يكون فِيهِ إتباع الْكتاب وَالسّنة من غير تَعْطِيل وَلَا تَشْبِيه وَأما قَوْله وختمت عَلَيْهِ فَيحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أَن يكون المُرَاد بذلك أَي حكمت لَهُم بِهِ حكم الْعَطاء وَالْهِبَة لَهُم والتفضل عَلَيْهِم بهَا وَهَذَا مثل مَا يجْرِي فِي قَول الْقَائِل ختمت عَلَيْك بِفعل بِمَعْنى أَن حكمت وأوجبت عَلَيْك وخصصتك بِهِ وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون مَعْنَاهُ وَجعلت خَاتِمَة أفضالي عَلَيْهِم قدرا ومنزلة لَا

стр. 315

غَايَة وَلَا نِهَايَة إبانة لَهُم بِهَذَا التفضل وإختصاصا لَهُم بِهَذَا التشريف وَقد بَينا فِيمَا قبل أَن مثل هَذَا كَلَام إِنَّمَا يجْرِي على معنى التَّفْضِيل فِي الْعِبَادَة وَتَخْصِيص الْمَذْكُور بِالزِّيَادَةِ رفْعَة وَشرف فِيهِ وَإِذا احْتمل ذَلِك كَانَ الأولى أَن يحمل عَلَيْهِ دون الْحمل على مَا لَا يَلِيق بِاللَّه من وَصفه بالآلة والجارحة وَإِظْهَار الْأَفْعَال بِالْمُبَاشرَةِ والمعالجة وَمن أوهم ذَلِك فِي تَأْوِيل هَذَا فقد أَخطَأ وَمن نفى الْوَصْف بِالْيَدِ فقد عطل وَعدل عَن لفظ الْكتاب وَالسّنة وَقد رُوِيَ فِي خبر رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسيء النَّهَار ويبسط يَده بِالنَّهَارِ وليتوب مسيء اللَّيْل حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا // أخرجه الْأَمَام أَحْمد // وَأعلم أَنه لَيْسَ يُنكر إستعمال لفظ الْيَد على معنى النِّعْمَة وَكَذَلِكَ إستعماله على معنى الْملك وَالْقُدْرَة وَقد جرى فِي كَلَام النَّاس بِلَا خلاف بَينهم أَن الْأُمُور كلهَا بيد الله وَأَن أيادي الله على خلقه كَثِيرَة كَمَا يَقُولُونَ إِن أُمُور الْخلق تجْرِي بقدرة الله وَأَن نعم الله على خلقه وافرة وَلَيْسَ إِذا إستعملت لَفْظَة الْيَد فِي النِّعْمَة وَالْملك وَالْقُدْرَة وَجب أَن يكون مَحْمُولا على ذَلِك فِي كل مَوضِع أطلق فِيهِ

стр. 316

وَكَذَلِكَ إِذا قُلْنَا إِن معنى الْيَد فِي هَذَا الْخَبَر معنى النِّعْمَة لم يمْتَنع وَلم يمْتَنع أَن يكون مَا ذكر فِي قَوْله لما خلقت بيَدي لَا يكون معنى النِّعْمَة وَالْقُدْرَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَو تَأَول متأول هَذَا هَهُنَا على معنى النِّعْمَة لم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ على أَن نَص الْقُرْآن قد ورد ببسط الْيَد وَهَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ فَأنْكر الله قَول الْيَهُود لما قَالُوا ﴿يَد الله مغلولة﴾ فَرد عَلَيْهِم فَقَالَ ﴿غلت أَيْديهم ولعنوا بِمَا قَالُوا بل يَدَاهُ مبسوطتان ينْفق كَيفَ يَشَاء﴾ وَلم يُنكر عَلَيْهِم إِطْلَاق الْيَد وَلَا رد عَلَيْهِم إضافتهم إِلَيْهِ الْيَد بل أثبتها لنَفسِهِ ووصفها بالبسط فَدلَّ على جَوَاز إِضَافَة ذَلِك إِلَيْهِ وَوَصفه بالبسط

стр. 317

فصل آخر وَذكر صَاحب كتاب التَّوْحِيد فِي تَرْجَمَة كِتَابه بَاب توهم فِيهِ الْغَلَط وَهُوَ أَن قَالَ بَاب ذكر إِثْبَات الرجل لله وَأَن رغمت أنوف المعطلة الْجَهْمِية الَّذين يكفرون بِصِفَات خالقنا ثمَّ احْتج لذَلِك أَيْضا بقوله تَعَالَى ﴿ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا﴾ وَيَقُول أُميَّة بن أبي الصَّلْت (رجل وثور تَحت رجل يَمِينه ... والنسر لِلْأُخْرَى وَلَيْث مرصد) وَأَن رَسُول الله ﷺ صدقه فَقَالَ صدق أُميَّة // أخرجه أَبُو يعلى // وَأعلم أَن مَوضِع الْغَلَط فِي ذَلِك مِمَّا توهم أَن القَوْل بِإِضَافَة الرجل إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ يجْرِي مجْرى القَوْل بِإِضَافَة الْيَد إِلَيْهِ وَقد بَينا فميا قبل أَن نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على الْوَجْه الَّذِي لَا يحْتَمل التَّأْوِيل فِيهِ غير مَا قُلْنَا مَعَ إِطْلَاق الْأمة بأسرها عربيها وعجميها بِالْفَارِسِيَّةِ والعربية إِضَافَة الْيَد إِلَى الله وإجماعهم على إستجازة ذَلِك وَترك إِنْكَاره مَعَ إِجْمَاع الْأَكْثَرين على إِنْكَار القَوْل بِإِضَافَة الرجل إِلَى الله تَعَالَى وإنكار الْجَمِيع من أهل الْعلم وَالنَّظَر من مثبتي صِفَات الله ومنكريها أَن يُقَال الرجل صفة من صِفَات الله تَعَالَى وَإِنَّمَا تَأَول من تَأَول مِنْهُم الْخَبَر الَّذِي أطلق فِيهِ لفظ الرجل على معنى إِضَافَة الْخلق وَالْملك لَا على معنى الصّفة

стр. 318

وَأما إحتجاجه بقوله ﴿ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا﴾ فَغير صَحِيح فِيهِ هَذَا الْموضع من قبل أَن الله عز ذكره إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ رد الْكَافرين عَن عبَادَة الْأَصْنَام وعرفهم أَنهم يأنفون من عبَادَة من لَهُ رجل يمشي بهَا وَيَد يبطش بهَا وَعين يبصر بهَا وَأذن يسمع بهَا فَكيف يعْبدُونَ من لَيْسَ لَهُ شَيْء ذَلِك يقرعهم على عبَادَة الْأَصْنَام الَّتِي هِيَ جماد وموتى لَيْسَ لَهَا فعل وَلَا قدرَة وَلَا سمع وَلَا بصر وَإِذا كَانَ الْقَصْد بِالْآيَةِ مَا ذكرنَا لم يكن فِيهَا مَا يُوجب إِثْبَات وصف الله بِالرجلِ كَمَا لَيْسَ فِيهَا مَا يُوجب إِثْبَات وصف الله تَعَالَى بالأذن وَلَا مَا يُوجب وَصفه بِأَن لَهُ أرجلا وايدي والمتمسك بِظَاهِر الْآيَة محتجا بهَا على مَا ذكر يُوجب عَلَيْهِ أَن يكون الْأَمر فِيهِ على مَا قُلْنَا من إِثْبَات مَا أجمع الْمُسلمُونَ على إِنْكَاره من القَوْل بِالْأَيْدِي والأرجل وَالْأُذن والأعين ثمَّ ذكر صَاحب هَذَا المُصَنّف فِي الْبَاب الَّذِي تَرْجمهُ بذلك مَا روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يضع الْجَبَّار ﷻ رجله فِي النَّار وَقد ذكرنَا تَأْوِيل ذَلِك فِيمَا قبل على وُجُوه تقدم ذكرهَا لَا على معنى إِثْبَات الْقدَم صفة لله وَلم يذكر رُوَاة هَذَا الْخَبَر لفظ الرجل إِلَّا بَعضهم قَالَ فِي خَبره حَتَّى يضع رجله أَو قدمه وأحتمل أَن يكون لما الْتبس اللَّفْظ وتوهم أَن الْقدَم لَا يكون إِلَّا رجلا ذكر

стр. 319

بدل الْقدَم الرجل وَأكْثر أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر بِذكر الْقدَم وَأَنه يضع فِيهَا قدمه وَلَا يَخْلُو الْكَلَام فِيهِ من ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن يكون على معنى إِضَافَة الصّفة إِلَيْهِ فَهَذَا مِمَّا يمْنَع مِنْهُ الْخَبَر لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ فَيَضَع فِيهَا قدمه وَقدم الصّفة لَا يجوز وصفهَا بِالْوَضْعِ فِي الْمَكَان وَأما قدم الْجَارِحَة فمما لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ لإستحالة أَن يكون أَجزَاء مبعضة وأجساما متركبة وَقد بَينا فَسَاد ذَلِك فِيمَا قبل فَلم يبْق إِلَّا أَن معنى الْقدَم الَّذِي أضيف إِلَيْهِ فِي هَذَا الْخَبَر بِمَعْنى الْخلق وَالْملك على أحد الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرنَا تأويلهما أَو على معنى مَا قَالَه النَّضر بن شُمَيْل أَن ذَلِك على معنى مَا تقدم فِي علم الله مِمَّن يكفر بِهِ من خلقه وَعَلِيهِ يتَأَوَّل قَول من روى فِي هَذَا الْخَبَر حَتَّى يُدْلِي فِيهَا رب الْعَالمين قدمه فتنزوي بَعْضهَا إِلَى بعض وَتقول قطّ قطّ وَذَلِكَ بإدلاء الْخلق فِيهَا وهم الْقدَم على معنى أَنهم هم الَّذين تقدم لَهُم الْعلم من الله جلّ ذكره أَنهم يدْخلُونَهَا وَلم يذكر صَاحب هَذَا التصنيف فِي الْبَاب الَّذِي تَرْجمهُ بِالرجلِ ذكر الْقدَم سوى مَا ذكر فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر من الرَّاوِي على طَرِيق الشَّك حَتَّى يضع قدمه فِيهَا أَو رجله فَبَان ذَلِك أَنه عدل عَن الصَّوَاب وأوهم الْخَطَأ بترجمته الْبَاب بِمَا لَيْسَ فِيهِ

стр. 320

وَهَذَا النَّحْو مِمَّا يضيق فِيهِ الْأَمر حَتَّى لَا يُمكن التَّوَسُّع فِيهِ بِوَجْهِهِ من جِهَة الرَّأْي والهوى لِأَنَّهُ مَوضِع لَا يعْتَمد فِيهِ إِلَّا على الْخَبَر من الْكتاب أَو السّنة الصَّحِيحَة وَمَا توهم أَنه يرغم بِهِ أنوف الْجَهْمِية من تَرْجَمَة الْبَاب بِذكر الرجل مَعَ خلو الْبَاب من ذكره على وَجه الصِّحَّة فَهُوَ على الْعَكْس مِمَّا توهمه ثمَّ ذكر صَاحب التصنيف مَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ إِن الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَالْعرش لَا يقدر قدره وَأعلم أَنه قد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي تَأْوِيل الْكُرْسِيّ شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن معنى الْكُرْسِيّ الْعلم وَأَن مَعْنَاهُ وسع علمه السَّمَوَات
следующие страницы →