Полный текст (433 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَكَذَلِكَ إِذا قُلْنَا إِن معنى الْيَد فِي هَذَا الْخَبَر معنى النِّعْمَة لم يمْتَنع وَلم يمْتَنع أَن يكون مَا ذكر فِي قَوْله لما خلقت بيَدي لَا يكون معنى النِّعْمَة وَالْقُدْرَة
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَو تَأَول متأول هَذَا هَهُنَا على معنى النِّعْمَة لم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ على أَن نَص الْقُرْآن قد ورد ببسط الْيَد وَهَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾
فَأنْكر الله قَول الْيَهُود لما قَالُوا ﴿يَد الله مغلولة﴾ فَرد عَلَيْهِم فَقَالَ ﴿غلت أَيْديهم ولعنوا بِمَا قَالُوا بل يَدَاهُ مبسوطتان ينْفق كَيفَ يَشَاء﴾
وَلم يُنكر عَلَيْهِم إِطْلَاق الْيَد وَلَا رد عَلَيْهِم إضافتهم إِلَيْهِ الْيَد بل أثبتها لنَفسِهِ ووصفها بالبسط فَدلَّ على جَوَاز إِضَافَة ذَلِك إِلَيْهِ وَوَصفه بالبسط
стр. 317
فصل آخر
وَذكر صَاحب كتاب التَّوْحِيد فِي تَرْجَمَة كِتَابه بَاب توهم فِيهِ الْغَلَط وَهُوَ أَن قَالَ بَاب ذكر إِثْبَات الرجل لله وَأَن رغمت أنوف المعطلة الْجَهْمِية الَّذين يكفرون بِصِفَات خالقنا ثمَّ احْتج لذَلِك أَيْضا بقوله تَعَالَى ﴿ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا﴾
وَيَقُول أُميَّة بن أبي الصَّلْت
(رجل وثور تَحت رجل يَمِينه ... والنسر لِلْأُخْرَى وَلَيْث مرصد)
وَأَن رَسُول الله ﷺ صدقه فَقَالَ صدق أُميَّة // أخرجه أَبُو يعلى //
وَأعلم أَن مَوضِع الْغَلَط فِي ذَلِك مِمَّا توهم أَن القَوْل بِإِضَافَة الرجل إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ يجْرِي مجْرى القَوْل بِإِضَافَة الْيَد إِلَيْهِ وَقد بَينا فميا قبل أَن نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على الْوَجْه الَّذِي لَا يحْتَمل التَّأْوِيل فِيهِ غير مَا قُلْنَا مَعَ إِطْلَاق الْأمة بأسرها عربيها وعجميها بِالْفَارِسِيَّةِ والعربية إِضَافَة الْيَد إِلَى الله وإجماعهم على إستجازة ذَلِك وَترك إِنْكَاره مَعَ إِجْمَاع الْأَكْثَرين على إِنْكَار القَوْل بِإِضَافَة الرجل إِلَى الله تَعَالَى وإنكار الْجَمِيع من أهل الْعلم وَالنَّظَر من مثبتي صِفَات الله ومنكريها أَن يُقَال
الرجل صفة من صِفَات الله تَعَالَى وَإِنَّمَا تَأَول من تَأَول مِنْهُم الْخَبَر الَّذِي أطلق فِيهِ لفظ الرجل على معنى إِضَافَة الْخلق وَالْملك لَا على معنى الصّفة
стр. 318
وَأما إحتجاجه بقوله ﴿ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا﴾ فَغير صَحِيح فِيهِ هَذَا الْموضع من قبل أَن الله عز ذكره إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ رد الْكَافرين عَن عبَادَة الْأَصْنَام وعرفهم أَنهم يأنفون من عبَادَة من لَهُ رجل يمشي بهَا وَيَد يبطش بهَا وَعين يبصر بهَا وَأذن يسمع بهَا فَكيف يعْبدُونَ من لَيْسَ لَهُ شَيْء ذَلِك يقرعهم على عبَادَة الْأَصْنَام الَّتِي هِيَ جماد وموتى لَيْسَ لَهَا فعل وَلَا قدرَة وَلَا سمع وَلَا بصر
وَإِذا كَانَ الْقَصْد بِالْآيَةِ مَا ذكرنَا لم يكن فِيهَا مَا يُوجب إِثْبَات وصف الله بِالرجلِ كَمَا لَيْسَ فِيهَا مَا يُوجب إِثْبَات وصف الله تَعَالَى بالأذن وَلَا مَا يُوجب وَصفه بِأَن لَهُ أرجلا وايدي والمتمسك بِظَاهِر الْآيَة محتجا بهَا على مَا ذكر يُوجب عَلَيْهِ أَن يكون الْأَمر فِيهِ على مَا قُلْنَا من إِثْبَات مَا أجمع الْمُسلمُونَ على إِنْكَاره من القَوْل بِالْأَيْدِي والأرجل وَالْأُذن والأعين
ثمَّ ذكر صَاحب هَذَا المُصَنّف فِي الْبَاب الَّذِي تَرْجمهُ بذلك مَا روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
يضع الْجَبَّار ﷻ رجله فِي النَّار
وَقد ذكرنَا تَأْوِيل ذَلِك فِيمَا قبل على وُجُوه تقدم ذكرهَا لَا على معنى إِثْبَات الْقدَم صفة لله وَلم يذكر رُوَاة هَذَا الْخَبَر لفظ الرجل إِلَّا بَعضهم قَالَ فِي خَبره حَتَّى يضع رجله أَو قدمه
وأحتمل أَن يكون لما الْتبس اللَّفْظ وتوهم أَن الْقدَم لَا يكون إِلَّا رجلا ذكر
стр. 319
بدل الْقدَم الرجل وَأكْثر أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر بِذكر الْقدَم وَأَنه يضع فِيهَا قدمه وَلَا يَخْلُو الْكَلَام فِيهِ من ثَلَاثَة أوجه
إِمَّا أَن يكون على معنى إِضَافَة الصّفة إِلَيْهِ فَهَذَا مِمَّا يمْنَع مِنْهُ الْخَبَر لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ فَيَضَع فِيهَا قدمه وَقدم الصّفة لَا يجوز وصفهَا بِالْوَضْعِ فِي الْمَكَان وَأما قدم الْجَارِحَة فمما لَا يَلِيق بِاللَّه سُبْحَانَهُ لإستحالة أَن يكون أَجزَاء مبعضة وأجساما متركبة وَقد بَينا فَسَاد ذَلِك فِيمَا قبل فَلم يبْق إِلَّا أَن معنى الْقدَم الَّذِي أضيف إِلَيْهِ فِي هَذَا الْخَبَر بِمَعْنى الْخلق وَالْملك على أحد الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرنَا تأويلهما أَو على معنى مَا قَالَه النَّضر بن شُمَيْل أَن ذَلِك على معنى مَا تقدم فِي علم الله مِمَّن يكفر بِهِ من خلقه
وَعَلِيهِ يتَأَوَّل قَول من روى فِي هَذَا الْخَبَر
حَتَّى يُدْلِي فِيهَا رب الْعَالمين قدمه فتنزوي بَعْضهَا إِلَى بعض وَتقول قطّ قطّ
وَذَلِكَ بإدلاء الْخلق فِيهَا وهم الْقدَم على معنى أَنهم هم الَّذين تقدم لَهُم الْعلم من الله جلّ ذكره أَنهم يدْخلُونَهَا
وَلم يذكر صَاحب هَذَا التصنيف فِي الْبَاب الَّذِي تَرْجمهُ بِالرجلِ ذكر الْقدَم سوى مَا ذكر فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر من الرَّاوِي على طَرِيق الشَّك حَتَّى يضع قدمه فِيهَا أَو رجله
فَبَان ذَلِك أَنه عدل عَن الصَّوَاب وأوهم الْخَطَأ بترجمته الْبَاب بِمَا لَيْسَ فِيهِ
стр. 320
وَهَذَا النَّحْو مِمَّا يضيق فِيهِ الْأَمر حَتَّى لَا يُمكن التَّوَسُّع فِيهِ بِوَجْهِهِ من جِهَة الرَّأْي والهوى لِأَنَّهُ مَوضِع لَا يعْتَمد فِيهِ إِلَّا على الْخَبَر من الْكتاب أَو السّنة الصَّحِيحَة وَمَا توهم أَنه يرغم بِهِ أنوف الْجَهْمِية من تَرْجَمَة الْبَاب بِذكر الرجل مَعَ خلو الْبَاب من ذكره على وَجه الصِّحَّة فَهُوَ على الْعَكْس مِمَّا توهمه ثمَّ ذكر صَاحب التصنيف مَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
إِن الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَالْعرش لَا يقدر قدره
وَأعلم أَنه قد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي تَأْوِيل الْكُرْسِيّ شَيْئَانِ
أَحدهمَا أَن معنى الْكُرْسِيّ الْعلم وَأَن مَعْنَاهُ وسع علمه السَّمَوَات
стр. 321
وَالْأَرْض
وَرُوِيَ عَنهُ أَن الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَلم يقل هُوَ مَوضِع قدمي الله فَيحْتَمل أَن يكون مَوضِع قدمي بعض خلقه من الْمَلَائِكَة أَو غَيرهم إِذا لم يقل هُوَ مَوضِع قدمي الله وَلَو قيل ذَلِك أَيْضا لَكَانَ متأولا على الْوَجْه الَّذِي يَصح كَمَا ذكرنَا فِي قَوْله ﴿يضع الْجَبَّار قدمه فِي النَّار﴾
وَقد بَينا فِيمَا قبل أَن الْقدَم هُوَ الشَّيْء الْمُتَقَدّم فِي اللُّغَة وَأَن التَّقْدِيم تَارَة بالوجود وَتارَة بِالصّفةِ وَتارَة بَين تقدم الْعلم بِهِ
فَيحْتَمل أَن يكون الْكُرْسِيّ موضعا لنوعين من خلقه مِمَّا تقدم خلقه لَهما وَإِذا احْتمل لفظ الْقدَم مَا ذكرنَا من الْمعَانِي وَلم يكن يخْتَص مَعْنَاهُ بالجارحة فَقَط كَانَ الأولى أَن يحمل على مَا يَصح من وصف الله مِنْهُمَا دون مَا يَسْتَحِيل
стр. 322
فصل آخر
ثمَّ ذكر صَاحب التصنيف بَابا تَرْجمهُ بإستوائه على الْعَرْش وأوهم معنى التَّمْكِين والإستقرار وَذَلِكَ مِنْهُ خطأ لِأَن إستواءه على الْعَرْش سُبْحَانَهُ لَيْسَ على معنى التَّمْكِين والإستقرار بل هُوَ على معنى الْعُلُوّ بالقهر وَالتَّدْبِير وإرتفاع الدرجَة بِالصّفةِ على الْوَجْه الَّذِي يَقْتَضِي مباينة الْخلق ثمَّ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا مُنْقَطِعًا عَن عمر ﵁ أَن إمرأة أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت
أدع الله أَن يدخلني الْجنَّة فَعظم الله تَعَالَى ثمَّ قَالَ إِن كرسيه وسع سبع السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَن لَهُ أطيطا كأطيط الرحل الْجَدِيد إِذا ركب من ثقله // أخرجه عبد بن حميد //
وَقد بَينا تَأْوِيل هَذَا الْخَبَر فِيمَا قبل وأوضحنا أَن معنى الرحل الْجَدِيد وَثقله على كواهل الحملة ثقل التَّعْظِيم والإجلال لَا ثقل الْجنَّة
стр. 323
ذكر فصل آخر
ثمَّ ذكر صَاحب الْكتاب الَّذِي ذكرنَا قبل فِي تَرْجَمَة بَاب الْبَيَان أَن الله جلّ وَعلا فِي السَّمَاء
وَأعلم أَنه لَيْسَ يُنكر قَول من قَالَ إِن الله فِي السَّمَاء لأجل أَن لفظ الْكتاب قد ورد بِهِ وَهُوَ قَوْله ﴿أم أمنتم من فِي السَّمَاء﴾
وَمعنى ذَلِك أَنه فَوق السَّمَاء لَا على معنى فوقية المتمكن فِي الْمَكَان لِأَن ذَلِك صفة الْجِسْم الْمَحْدُود الْمُحدث وَلَكِن بِمَعْنى مَا وصف بِهِ أَنه فَوق من طَرِيق الرُّتْبَة والمنزلة وَالْعَظَمَة وَالْقُدْرَة
ثمَّ ذكر هَذَا الْقَائِل فِي ذَلِك قَوْله ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾
وَقَوله ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾
وَهَذَا مِنْهُ غلط من قبل صعُود الْكَلم الطّيب إِلَيْهِ لَيْسَ على معنى صعُود من سفل إِلَى علو بالسفل لإستحالة ذَلِك على الْكَلَام لكَونه عرضا لَا يبْقى وَكَذَلِكَ الْعلم الصَّالح وَإِنَّمَا معنى صعُود الْكَلَام الطّيب إِلَيْهِ قبُوله ووقوعه عَنهُ موقع الْجَزَاء وَالثَّوَاب
стр. 324
وَذكرنَا قَول الْقَائِل الْحق ثقيل مر وَلَيْسَ ذَلِك على معنى الثّقل بِالْوَزْنِ
وَبينا أَنه لَا يُنكر أَن يخلق الله أطيطا فِي الْكُرْسِيّ يكون ذَلِك عَلامَة للْمَلَائكَة فِيمَا يُرِيد أَن ينزل من الْعقُوبَة بِبَعْض خلقه فيثقل عَلَيْهِم ثقل استثقال لما يكون فِيمَا يَتَجَدَّد لَهُم من الهيبة والإجلال
ثمَّ ذكر أَيْضا حَدِيث أَسمَاء بنت عُمَيْس أَنَّهَا قَالَت
كنت مَعَ جَعْفَر بِأَرْض الْحَبَشَة فَرَأَيْت إمرأة على رَأسهَا مكتل من دَقِيق فمرت بِرَجُل من الْحَبَشَة فطرحت على رَأسهَا فسفت الرّيح الدَّقِيق فَقَالَت أدلك إِلَى الْملك يَوْم يقْعد على الْكُرْسِيّ وَيَأْخُذ للمظلوم من الظَّالِم // أخرجه ابْن أبي عَاصِم //
وَأعلم أَنه كَمَا لَا يَصح أَن ينفى عَن الله مَا أطلقهُ لنَفسِهِ من الصّفة بِرَأْي بعض أهل الْأَهْوَاء الَّذين لَا يوثق بهم فَكَذَلِك لَا يَصح أَن يُضَاف إِلَى الله سُبْحَانَهُ وصف من غير أَن يكون مضبوطا عَمَّن يوثق بِهِ وَقَول هَذِه الْمَرْأَة فمما لم يوثقه دَلِيل وَلَا حجَّة فِيهِ فِي إِثْبَات صِفَات رب الْعَالمين وَكَيف يستجيز ذَلِك وَذكر مثل هَذَا الْخَبَر فِي إِثْبَات صِفَات الله وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا أثْبته نَص كتاب وَلَا سنة
وَأعلم أَن وصف الله تَعَالَى ذكره بالقعود مِمَّا لم يثبت بِهِ نَص كتاب وَلَا سنة ولوثبت لَكَانَ ذَلِك مَحْمُولا على مَا تحمل عَلَيْهِ سَائِر أَوْصَاف أَفعاله كنحو مَا ذكر أَنه ينزل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَمَا ذكر فِي قَوْله جلّ ذكره
стр. 325
﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد﴾
وَالْأَصْل فِي ذَلِك ثُبُوت اللَّفْظَة بِنَصّ فِي كتاب الله أَو سنة من طَرِيق موثوق بهَا ثمَّ يرتب عَلَيْهَا التَّأْوِيل
فَأَما شَيْء لم يثبت من طَرِيق صَحِيح لفظ الْقعُود فِي سنة النَّبِي ﷺ فَلَا وَجه للتعليق بِهِ وَقد ذكرنَا عَن مُجَاهِد فِيمَا قبل تَأْوِيله لقَوْله تَعَالَى ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾
أَنه يقعده على الْعَرْش مَعَه وَلم يُنكر إقعاد النَّبِي ﷺ على الْعَرْش تأويلنا لَفْظَة مَعَه على مَا يَلِيق بِهِ من معنى النُّصْرَة والمعونة لِأَنَّهَا لَفْظَة مُشْتَركَة مستعملة فِي معنى الْعلم كَقَوْلِه ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ بِمَعْنى النُّصْرَة
وَكَقَوْلِه ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا﴾
وَأما الَّذِي يكون بِمَعْنى الْمُجَاورَة فَلَا يَلِيق بِهِ جلّ ذكره
стр. 326
وَقَوله يرفعهُ لأعلى معنى رفع من مَكَان إِلَى مَكَان وَلَكِن رفع لَهُ على معنى أَنه قد تقبل وَأَن الْكَلَام إِذا اقْترن بِهِ الْعَمَل الصَّالح قبلا دون أَن ينْفَرد الْكَلَام من الْعَمَل وَأما قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة عِيسَى ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾
فَمَعْنَاه رَفعه إِلَى الْموضع الَّذِي لَا يعبد فِيهِ إِلَّا الله وَلَا يذكر فِيهِ غَيره لَا على معنى أَنه ارْتَفع إِلَيْهِ كَمَا يترفع الْجِسْم من سفل إِلَى جسم فِي علو بِأَن يقرب مِنْهُ بالمسافة والمساحة
ثمَّ ذكر قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾ وتوهم أَنه يحْتَج بِهِ على الجسمية فَقَالَ أَلَيْسَ الْعلم محيطا يَا ذَوي الْأَلْبَاب إِن الله لَو كَانَ فِي كل مَوضِع وَمَعَ كل بشر وَخلق كَمَا زعمت المعطلة الْجَهْمِية لَكَانَ متجليا لكل شَيْء ويدك جَمِيع مَا فِي الأَرْض كَمَا دك الْجَبَل وَهَذَا مِنْهُ وهم فَاسد من قبل أَن التجلي للرب سُبْحَانَهُ تَعَالَى للجبل على معنى أَنه جعل الْجَبَل حَيا عَالما رائيا حَتَّى رأى الله تَعَالَى ثمَّ دكه عِنْد الرُّؤْيَة عَلامَة لمُوسَى ﵇ لِأَنَّهُ لَا يرَاهُ أحد فِي الدُّنْيَا إِلَّا دكه إِلَّا من خصّه بِالرُّؤْيَةِ إنابة وتشريفا وَهُوَ نَبينَا ﵊ وَلَيْسَ معنى تجلي الله لخلقه بِأَن يكون مَعَهم بالمساحة والصحبة والمجاورة وَلَا أَن ذَلِك مَذَاهِب الْمُخَالفين أَيْضا حَتَّى يتَوَهَّم عَلَيْهِم أَنه يجب عَلَيْهِم إِذا قَالُوا إِن الله فِي كل مَكَان وَمَوْضِع قَالَ
стр. 327
وَإِنَّمَا يلْزم مخالفيه مَا لَا يلْزمهُم ويتوهم عَلَيْهِم مَا لَا يَقُولُونَهُ وتوهم بذلك الْخَطَأ فِي التَّأْوِيل وَالْمذهب ليعلم أَنه لم يكن يَبْنِي كَلَامه على أساس صَحِيح اخْتَلَّ عَلَيْهِ واضطرب فَلم يَصح مذْهبه وَلَا أفسد مَذَاهِب مخالفيه
ثمَّ ذكر فِي تأييد ذَلِك مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لفاطمة ﵂ وَهِي تسأله خَادِمًا
قولي اللَّهُمَّ رب السَّمَوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم رَبنَا وَرب كل شَيْء منزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل // أخرجه بن عبد الْبر //
وَقَالَ مرّة وَالْقُرْآن الْعَظِيم فالق الْحبّ والنوى أعوذ بك من شَرّ كل دَابَّة أَنْت آخذ بناصيتها وَمن شَرّ كل ذِي شَرّ أَنْت آخذ بناصيته أَنْت الأول فَلَيْسَ قبلك شَيْء وَأَنت الآخر فَلَيْسَ بعْدك شَيْء وَأَنت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شَيْء وَأَنت الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شَيْء اقْضِ عَنَّا الدّين وأعذنا من الْفقر
وَأعلم أَن هَذَا الْخَبَر يبين صِحَة مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل وصف الله أَنه فَوق كل شَيْء لَا على معنى الْمسَافَة والمساحة وَذَلِكَ أَن كل مَا كَانَ فَوق شَيْء على معنى المساحة والتمكن فِيهِ والعلو عَلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه كَانَ دونه شَيْء وَهُوَ على مَا عَلَيْهِ من الْمَكَان فَلَمَّا أبان ﷺ أَنه لَيْسَ دونه شَيْء علمنَا أَن معنى أَنه فَوق كل شَيْء لَا على معنى التَّمْكِين والمساحة والمسافة
وَقد أوهم هَذَا الْقَائِل خلاف ذَلِك وَهَذَا الَّذِي رُوِيَ من الْخَبَر يدل على
стр. 328
فَسَاد مَا أَوْهَمهُ
ثمَّ ذكر فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا مَا روى أَبُو هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
إِن الْمَلَائِكَة تحضر الْمَيِّت فَإِذا كَانَ الرجل الصَّالح قيل أَخْرِجِي أيتها النَّفس الطّيبَة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب عَلَيْك غير غَضْبَان
قَالَ فَتَقول ذَلِك حِين تخرج فَإِذا خرجت عرجت إِلَى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَيُقَال
من هَذَا
فَيُقَال فلَان فَيُقَال مرْحَبًا بِالنَّفسِ الطّيبَة كَانَت فِي الْجِسْم الطّيب ادخلي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان
فَيُقَال لهَذَا كَذَلِك حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الرب ﵎ // أرجه الْأَمَام احْمَد //
стр. 329
وَكَذَلِكَ ذكر مَا رُوِيَ عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ أَن قُريْشًا جَاءَت إِلَى الْحصين وَكَانَت تعظمه فَقَالُوا لَهُ
كلم لنا هَذَا الرجل فَإِنَّهُ يذكر آلِهَتنَا ويسبهم
فجاؤوا مَعَه حَتَّى جاؤوا قَرِيبا من بَاب النَّبِي ﵊ دخل حُصَيْن فَلَمَّا رَآهُ النَّبِي ﷺ قَالَ
أوسعوا للشَّيْخ فَقَالَ حُصَيْن
مَا هَذَا الَّذِي بلغنَا عَنْك إِنَّك تَشْتُم آلِهَتنَا وتذكرهم وَقد كَانَ آباؤك جَفْنَة وخبزا
فَقَالَ يَا حُصَيْن إِن أبي وأباك فِي النَّار يَا حُصَيْن كم من إِلَه تعبد
قَالَ سَبْعَة فِي الأَرْض وإلها من السَّمَاء
قَالَ فَإِذا أَصَابَك الضّر من تَدْعُو
قَالَ الَّذِي فِي السَّمَاء
قَالَ فَإِذا هلك المَال من تَدْعُو
قَالَ الَّذِي فِي السَّمَاء قَالَ يستجيب لَك وَحده وتشكرهم مَعَه الحَدِيث
стр. 330
بِطُولِهِ
أعلم أَن معنى قَوْله ﷺ حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الرب يحْتَمل أوجها
أَحدهَا أَن يكون مَعْنَاهُ إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا خَزَائِن الْأَرْوَاح وسائغ أَن يُقَال ذَلِك فِي اللُّغَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ وَالْمعْنَى حب الْعجل
стр. 331
وَقد ذكرنَا فِيمَا قبل أَنا لَا ننكر القَوْل أَن الله فِي السَّمَاء إتباعا للفظ الْكتاب وَلَكنَّا نأبى أَن يكون مَعْنَاهُ على معنى كَون الْجِسْم فِي الْجِسْم بالتمكن عَلَيْهِ وَلِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بحدوثه ونفيه تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
وتأويلنا أَيْضا حَدِيث الْجَارِيَة لما قَالَ لَهَا أَيْن الله فَقَالَت فِي السَّمَاء فَلم يُنكر عَلَيْهَا بل اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة ونابت إشارتها عَن إِقْرَارهَا ودلت على مَا فِي قَلبهَا من الْإِخْلَاص والمعرفة بِاللَّه فَكَذَلِك شهد النَّبِي ﷺ بإيمانها
стр. 332
فصل
ثمَّ ذكر صَاحب الْكتاب الَّذِي أورد فصل إصْلَاح بعض مَا غلط فِي إبهامه وَأَخْطَأ مَذْهَب الْحق فِي إِيرَاده حَدِيث النُّزُول وَقد بَينا تَأْوِيله فِيمَا قبل غير أَنه ذكر فِي بَعْضهَا لفظا اقتصرنا تَأْوِيلهَا فَذَكرنَا من ذَلِك مَا روى فضَالة عَن عبيد عَن أبي الدَّرْدَاء عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
إِن الله تَعَالَى ذكره فِي ثَلَاث سَاعَات يبْقين من اللَّيْل يفتح الذّكر فِي السَّاعَة الأولى الَّذِي لم يره أحد غَيره فَيَمْحُو مَا يَشَاء وَيثبت مَا يَشَاء
ثمَّ ينزل فِي السَّاعَة الثَّانِيَة إِلَى جنَّة عدن الَّتِي لم تَرَهَا عين وَلم يخْطر على قلب بشر وَلَا يسكنهَا من بني آدم غير ثَلَاثَة النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء فَيَقُول طُوبَى لمن دَخلك
ثمَّ ينزل فِي السَّاعَة الثَّالِثَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا بِرُوحِهِ وَمَلَائِكَته فتنتفض فَيَقُول قومِي بعزتي ثمَّ يطلع على عباده فَيَقُول
هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ هَل من دَاع فَأُجِيبَهُ حَتَّى تكون صَلَاة الْفجْر وَكَذَلِكَ يَقُول ﴿وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾
стр. 333
يشهده الله تَعَالَى وَمَلَائِكَته اللَّيْل وَالنَّهَار
وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فِي خبر آخر
ثمَّ ينظر فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فِي جنَّة عدن وَهِي مَسْكَنه لَا يكون مَعَه فِيهَا إِلَّا النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء وفيهَا مَا لم تره عين وَلم يخْطر على قلب بشر ثمَّ يهْبط فِي السَّاعَة الثَّالِثَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول ﴿من يسألني فَأعْطِيه﴾ الْخَبَر
أعلم أَن الَّذِي يحب أَن نبين فِي تَأْوِيل هَذِه الزِّيَادَة بعد مَا تقدم ذكر معنى النُّزُول وَتَأْويل قَوْله ثمَّ ينظر فِي جنَّة عدن وَهِي مَسْكَنه وَمعنى ذَلِك أَنَّهَا كَرَامَة ومثوبة وَهَذَا كَقَوْلِنَا للكعبة بَيت الله وَهِي إِضَافَة تشريف وتخصص لَا على معنى أَنه يسكنهَا سكن مجاورة لَكِنَّهَا مسكن الساكنين من أنبيائه وأوليائه وَهِي لَهُ مسكن على معنى أضافة التَّخْصِيص والتشريف
وَقَوله ﴿لَا يكون مَعَه فِيهَا إِلَّا النَّبِيُّونَ﴾ فِيهَا بالحلول والسكون وَالله مَعَهم بالنصرة والكرامة على مَا تقدم ذكره فِي إبانة معنى مَعَ
وَأما قَوْله ﴿ثمَّ يهْبط فِي السَّاعَة الثَّالِثَة﴾ فعلى نَحْو معنى قَوْله ينزل وَذَلِكَ إِخْبَار عَن فعل يَفْعَله كَمَا روينَا عَن الْأَوْزَاعِيّ فِي تَأْوِيل قَوْله ينزل الله أَنه قَالَ ﴿وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾
стр. 334
وَأما قَوْله ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ فَلَيْسَ ذَلِك على معنى تَغْيِير حكم قد اسْتَقر بِأَمْر يَبْدُو لَهُ وَلكنه على معنى مَا لَهُ من تَغْيِير الْأَحْوَال وتصريف الْأَسْبَاب على مَا يَشَاء وَيُرِيد
وَأما قَوْله ﴿ثمَّ ينظر فِي السَّاعَة الثَّانِيَة﴾ فَلَيْسَ ذَلِك بِمَعْنى نظر الرُّؤْيَة وَلكنه بِمَعْنى نظر التعطف وَالرَّحْمَة وَهُوَ يَا يبديه من نعْمَة ويجدده من كراماته
وَأما قَوْله ﵊ ثمَّ نزل فِي السَّاعَة الثَّالِثَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا بِرُوحِهِ وَمَلَائِكَته
فَيحْتَمل أَن يكون الرّوح جِبْرِيل إِضَافَة إِلَيْهِ تَشْرِيفًا وإبانة بِالذكر تَخْصِيصًا وَقد ذكر فِي كِتَابه تَعَالَى فَقَالَ ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾ يَعْنِي جِبْرِيل
وَأعلم أَن قَوْله ﴿نزل بملائكته إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا﴾ يُؤَيّد مَا نقُول أَنه إِنْزَال فعل وَأَنه نزُول بِمَعْنى مَا يحدث عَن أمره ويضاف إِلَيْهِ لأجل أَنه عَن أمره حدث كَقَوْل الْقَائِل ضرب الْأَمِير اللص إِذا أَمر بِهِ
стр. 335
فصل آخر
ثمَّ ذكر صَاحب الْكتاب أبوابا فِي أَن الله كلم مُوسَى موهما فِيهِ خلافًا بَين النَّاس وَلم يَخْتَلِفُوا على تفَاوت مذاهبهم فِي ان الله كلم مُوسَى وَخَصه بالتكليم بِمَا أبانه من غَيره وتكلف ذكر آي وَسنَن فِي ذَلِك وَلَا معنى لتكلفيه فِيمَا أغْنى عَنهُ الْإِجْمَاع وَزَالَ الْخلاف فِيهِ مَا بَين أهل الصَّلَاة كلهم وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي معنى ذَلِك وَلم يعرض لَهُم وَلَا فصل فِيهِ مَوضِع الْخلاف
ثمَّ ذكر بعد ذَلِك تَرْجَمَة أفسد بهَا جَمِيع مَا تقدم ذكره وَمَا تَأَخّر مِمَّا يَنْتَحِلهُ من القَوْل بِأَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق وَأَنه كَلَام الله لم يزل فَقَالَ
بَاب فِي صفة معنى تكلم الله بِالْوَحْي وَالْبَيَان وَأَن كَلَام رَبنَا لَا يشبه كَلَام المخلوقين لِأَن كَلَام الله كَلَام متواصل لَا سكت بَينه وَلَا صمت لَا ككلام الْآدَمِيّين الَّذين يكون بَين كَلَامهم صمت وَسكت لإنقطاع النَّفس أَو التَّذَكُّر والعي
وَأعلم أَنه قد نقض بِهَذِهِ التَّرْجَمَة مَا هُوَ أصل من أصُول السّنة فِي أَن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَلَا مُحدث وَأَنه لم يزل كلَاما وَذَلِكَ بِمَا ذكره فِي قَوْله إِنَّه كَلَام متواصل لَا سكت بَينه من قبل أَن مَا كَانَ كَذَلِك فَالثَّانِي متجدد بعد الأول وَكَذَلِكَ الثَّالِث بعد الثَّانِي وَمَا كَانَ كَذَلِك كَانَ مُحدثا مخلوقا وَلم تزد
стр. 336
الْجَهْمِية الْقَائِلُونَ بِخلق الْقُرْآن على ذَلِك لما قَالُوا إِنَّه كَلَام يحدثه حَالا بعد حَال ويجدده مرّة بعد أُخْرَى فنقض مَا أسس وَهدم مَا بنى وَقد تقدم من شَرط وَاضع هَذَا الْكتاب فِي بَاب صِفَات الله أَنه لَا يتَكَلَّم فِي كيفيتها فَإِنَّهُ لَا يثبتها على هَذَا الْوَجْه بل يجريها مجْرى التَّسْلِيم دون الْبَحْث والتغير وَهَذَا مِنْهُ نقض لذَلِك الأَصْل
ثمَّ توهم أَن مَا روى عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ حجَّته فِي ذَلِك وَهُوَ قَوْله
إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَاء للسماء صلصة كجر السلسلة على الصفاء
قَالَ فيصعقون فَلَا يزالون كَذَلِك حَتَّى يَأْتِيهم جبرئيل ﵇ فَإِذا أَتَاهُم جِبْرِيل فزع عَن قُلُوبهم فَيَقُولُونَ
يَا جِبْرِيل مَاذَا قَالَ رَبك
قَالَ فَيَقُول الْحق فينادون الْحق الْحق
وَفِي حَدِيث عِكْرِمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
إِذا قضى الله فِي السَّمَاء أمرا ضربت الْمَلَائِكَة بأجنحتها خضعانا لقَوْله كَأَنَّهَا سلسلة على صَفْوَان فَإِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير
وَفِي بعض الْأَخْبَار فيفزعون يرَوْنَ أَنه من أَمر السَّاعَة قَالَ فيسمعها مسترقو
стр. 337
السّمع وهم هَكَذَا وَاحِد فَوق الآخر وَأَشَارَ سُفْيَان بِأُصْبُعَيْهِ وَرُبمَا أدْرك الشهَاب المستمع فيحرقه وَرُبمَا لَا يُدْرِكهُ حَتَّى يَرْمِي إِلَيْهِ بِهِ إِلَى الَّذِي أَسْفَل مِنْهُ ويرميه الآخر على من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ فيلقيه على فَم السَّاحر أَو الكاهن فيكذب مَعهَا مائَة كذبة فَيُقَال أَلَيْسَ قد قَالَ يَوْم كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فوجدناه حَقًا فَيصدق بِالْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعت من السَّمَاء
وَأعلم أَن هَذَا الْخَبَر مِمَّا تقدم تَأْوِيله وَمِمَّا بَينا أَنه إِنَّمَا أثبت الصلصلة للسماء وَبَين فِي خبر آخر أَن صَوت الْمَلَائِكَة بأجنحتها خضعانا لقَوْله كَأَنَّهَا سلسلة على صَفْوَان وَلم يتَضَمَّن هَذَا الْخَبَر شَيْئا مِمَّا ترْجم بِهِ الْبَاب من قَوْله إِن كَلَام الله متواصل لَا سكت بَينه وَلَا صمت وَإِنَّمَا ذَلِك توهم مِنْهُ بِرَأْيهِ الْفَاسِد وَلَو اسْتعْمل مَا قدم فِي أول كِتَابه من وعده أَنه لَا يتَعَدَّى لفظ الْخَبَر وَمَا نطق بِهِ الْكتاب وَلَا يزِيد فِيهِ من عِنْد نَفسه لإستراح من هَذَا الْغَلَط وأراح مقلديه فِيهِ
وَقد بَينا فِيمَا قبل أَن معنى ذَلِك رَاجع إِلَى الْعبارَات والدلالات الَّتِي هِيَ الطَّرِيق إِلَى الْكَلَام وَبهَا يفهم مُرَاده مِنْهُ لَا أَنه تَعَالَى قَوْله إِذا تكلم الله بِالْوَحْي أَنه يَتَجَدَّد لَهُ كَلَام وَلكنه يَتَجَدَّد إسماع وإفهام بِخلق عِبَارَات وَنصب دلالات بهَا يفهم الْكَلَام ثمَّ يُقَال على طَرِيق السعَة وَالْمجَاز لهَذِهِ الْعبارَات كَلَام من حَيْثُ أَنَّهَا دلالات عَلَيْهِ وَقد مضى شرح فِيمَا قبل بِمَا يُغني عَن رده هَا هُنَا
وَأعلم أَنه لَا يَصح على أصلنَا فِي قَوْلنَا أَن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَلَا حَادث بِوَجْه من الْوُجُوه أَن يَقُول
стр. 338
إِن الله يتَكَلَّم كلَاما بعد كَلَام لِأَن ذَلِك يُوجب حُدُوث الْكَلَام وَإِنَّمَا يَتَجَدَّد الإسماع والإفهام وَنصب الْعبارَات وَإِقَامَة الدلالات على الْكَلَام الَّذِي لم يزل مَوْجُودا وحدوث الدّلَالَة والعبارة لَا يَقْتَضِي حُدُوث الْمَدْلُول الْمعبر عَنهُ كَمَا أَن حُدُوث الذّكر وَالدُّعَاء لَا يَقْتَضِي حُدُوث الْمَذْكُور والمدعو ولسنا نقُول أَيْضا أَن الله إِنَّمَا تكلم فِي الْأَزَل ثمَّ لم يتَكَلَّم بعد ذَلِك كَمَا توهمه بعض من غلط على أصولنا فَظن أَنا إِذا قُلْنَا إِن لله كلَاما وَاحِدًا لم يزل بِهِ متكلما وَلَا يزَال بِهِ متكلما فقد قُلْنَا أَنه تكلم بِهِ مرّة ثمَّ لم يتَكَلَّم بِهِ بعد ذَلِك حَتَّى حمله إِنْكَار ذَلِك على القَوْل بِأَن الله يتَكَلَّم كلَاما بعد كَلَام لَا سكت بَينهمَا وَلَا صمت فنقض بذلك أَصله أَن كَلَام الله غير حَادث وَلَا متجدد وَأَبَان عَن خَفَاء مَا ذَهَبْنَا عَلَيْهِ وتوهمه بِخِلَاف مَا هُوَ بِهِ وَذَلِكَ أَنا نقُول
إِن الله لم يزل متكلما وَلَا يزَال متكلما وَإنَّهُ قد أحَاط كَلَامه بِجَمِيعِ مَعَاني الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والإستخبار وَأَن الْعبارَات عَنهُ والدلالات كَثِيرَة تتجدد وتتزايد وَلَا يزِيد بتزايد الْعبارَات كَمَا أَن الدلالات على الله عز ذكره تتجدد وتتزايد وَلَا يَقْتَضِي تجدّد الْمَدْلُول وتزايده فَإِذا حصلت هَذَا الأَصْل علمت حَقِيقَة مَا نقُول وَأَن الْغَلَط فِي ذَلِك إِنَّمَا وَقع لمن توهم أَن تَجْدِيد الْعبارَات تَجْدِيد الْكَلَام وَلم يفرق على الْحَقِيقَة بَين مَا هُوَ كَلَام لى الْحَقِيقَة وَبَين مَا هُوَ عبارَة عَنهُ ودلالات عَلَيْهِ
стр. 339
فصل آخر
ثمَّ ذكر صَاحب كتاب التَّوْحِيد أبوابا وَترْجم فِي بَاب الرُّؤْيَة وروى أَخْبَارًا أَكْثَرهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهَا مَا يشكل مَعْنَاهُ وَمِنْهَا مَا يشكل بعض أَلْفَاظه فَيَقْتَضِي بَيَانا وتفصيلا غير أَنه خلط بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَتَأَول فِيهِ أَخْبَارًا لَا تدل على مَا قَالَ ثمَّ خلط بِهِ قَوْله أَن من الْكفَّار من يرى الله يَوْم الْقِيَامَة وَأَنه يرَاهُ بَعضهم رُؤْيَة إمتحان وَأَن تِلْكَ الرُّؤْيَة قبل أَن يوضع الجسر بَين ظَهْري جَهَنَّم وَأَن ذَلِك كَمَا يكلم الْكفَّار بالطرد والإبعاد ويكلم الْمُؤمنِينَ بِالرَّحْمَةِ وَالْقَبُول وَكَذَلِكَ يرَاهُ بعض أهل الْكتاب وَيَرَاهُ المُنَافِقُونَ وَلَا يَجدونَ فِي رُؤْيَته لَذَّة وسرورا وَإِنَّمَا تُوجد اللَّذَّة وَالسُّرُور فِي رُؤْيَة الْمُؤمنِينَ فَقَط
وَأعلم أَن هَذِه مقَالَة محدثة لِأَن النَّاس فِي رُؤْيَة الله على مقالتين
فَمنهمْ من قَالَ هِيَ ممتنعة وَلَا يرَاهُ كَافِر وَلَا مُؤمن وَهُوَ مَذْهَب الْجَهْمِية والمعتزلة
وقائلون قَالُوا وهم أهل الْحق إِن رُؤْيَة الله تَعَالَى جَائِزَة فِي الْآخِرَة وَإِنَّمَا يرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْم الْقِيَامَة دون الْكفَّار لقَوْله تَعَالَى
стр. 340
﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾
فَأخْبر أَن الْكَافرين محجوبون عَن رُؤْيَة الله تَعَالَى وَأخْبر أَن الْوُجُوه الناظرة وَهِي المشرقة وَهِي وُجُوه الْمُؤمنِينَ المخلصين هِيَ الناظرة إِلَى رَبهَا يَوْمئِذٍ فَدلَّ هَذَا التَّقْيِيد وَهَذَا النَّص على أَن الْكَافرين لَا يرَوْنَ الله تَعَالَى وَمَا كنت أَظن أَن أحدا قَالَ بِرُؤْيَة الْكفَّار سوى ابْن سلم الْبَصْرِيّ وَكَانَ مذْهبه مزهودا فِيهِ عِنْد الْعلمَاء مرغوبا عَنهُ مبتدعا فِيهِ عِنْد عُلَمَاء الْعرَاق والحجاز ويهجنونه بذلك وينسبونه إِلَى الْبِدْعَة لهَذَا القَوْل حَتَّى رَأَيْته لهَذَا المُصَنّف وَقد خص بذلك أَيْضا بعض الْكَافرين لِأَنَّهُ قَالَ أَن الْمُنَافِقين وَبَعض أهل الْكتاب يرَوْنَ الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ ابْن سلم يذهب إِلَى أَن سَائِر الْكَافرين يرونه ثمَّ وجدت هَذَا المُصَنّف تعلق فِي ذَلِك بِخَبَر رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَقَالَ
سَأَلنَا رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ
هَل تضَارونَ فِي الشَّمْس لَيْسَ دونهَا سَحَاب
قَالَ قُلْنَا لَا
قَالَ فَهَل تضَارونَ فِي الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَيْسَ دونه سَحَاب
قَالَ قُلْنَا لَا
قَالَ فَإِنَّكُم ترَوْنَ ربكُم كَذَلِك يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ وَيُقَال من كَانَ يعبد شَيْئا فليتبعه
стр. 341
فَيتبع الَّذين كَانُوا يعْبدُونَ الشَّمْس الشَّمْس فيتساقطون فِي النَّار
وَيتبع الَّذين كَانُوا يعْبدُونَ الْقَمَر الْقَمَر فيتساقطون فِي النَّار
وَيتبع الَّذين كَانُوا يعْبدُونَ الْأَصْنَام الْأَصْنَام والأوثان الْأَوْثَان وكل من كَانَ يعبد من دون الله شَيْئا فيتساقطون فِي النَّار
وَيبقى الْمُؤْمِنُونَ ومنافقوهم بَين أظهرهم وبقايا من أهل الْكتاب
قَالَ وقللهم بِيَدِهِ فَيُقَال لَهُم أَلا تتبعون مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ
فَيَقُولُونَ كُنَّا نعْبد الله وَلم نر الله
قَالَ فَيكْشف عَن سَاق فَلَا يبْقى أحد كَانَ يسْجد لله إِلَّا خر سَاجِدا وَلَا يبْقى أحد كَانَ يسْجد رِيَاء وَسُمْعَة إِلَّا وَقع على قَفاهُ
وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذِه الْأَخْبَار إِلَّا على ظَهره طبق كلما أَرَادَ أَن يسْجد خر على قَفاهُ ثمَّ قَالَ ترفع رؤسنا وَقد عَاد لنا فِي صورته الَّتِي رَأَيْنَاهُ فِيهَا أول مرّة فَنَقُول
نعم أَنْت رَبنَا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ يضْرب الجسر على جَهَنَّم قَالَ رَسُول الله
فَأَكُون أول من يجوز من الرُّسُل بأمتي وَلَا يتَكَلَّم يَوْمئِذٍ أحد إِلَّا الرُّسُل
وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر
стр. 342
وَتبقى هَذِه الْأمة فِيهَا منافقوها فيأتيهم الله فِي غير صورته فَيَقُول ﴿أَنا ربكُم﴾ فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه هَذَا مَكَاننَا حَتَّى يأتينا رَبنَا فَإِذا جَاءَ رَبنَا عرفنَا فيأتيهم الله فِي صورته الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُولُونَ
أَنْت رَبنَا فيدعوهم وَيضْرب الصِّرَاط بَين ظَهْري جَهَنَّم
وَذكر فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر وَيبقى الْمُسلمُونَ فَيطلع عَلَيْهِم رب الْعَالمين فَيَقُول أَلا تتبعون النَّاس
فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك الله رَبنَا وَهَذَا مَكَاننَا حَتَّى نرى رَبنَا وَهُوَ يَأْمُرهُم ويثبتهم ثمَّ يتَوَارَى ثمَّ يطلع فَيَقُول أَلا تتبعون النَّاس
فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك الله رَبنَا وَهَذَا مَكَاننَا حَتَّى نرى رَبنَا وَهُوَ يَأْمُرهُم ويثبتهم قَالُوا هَل نرَاهُ يَا رَسُول الله
قَالَ وَهل تمارون فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر
قَالُوا لَا يَا رَسُول الله قَالَ فَإِنَّكُم لَا تمارون فِي رُؤْيَته تِلْكَ السَّاعَة ثمَّ يتَوَارَى تِلْكَ السَّاعَة ثمَّ يطلع عَلَيْهِم فيعرفهم بِنَفسِهِ فَيَقُول ﴿أَنا ربكُم فَاتبعُوني﴾
فَيقوم الْمُسلمُونَ وَيُوضَع الصِّرَاط وهم يجوزون على مثل جِيَاد الْخَيل والركاب وَقَوْلهمْ عَلَيْهِ سلم سلم
стр. 343
وَذكر فِي بعض أَلْفَاظه أَيْضا قَالَ ثمَّ يتَمَثَّل الله لِلْخلقِ فيلقي الْيَهُود فَيَقُول ﴿من تَعْبدُونَ﴾ إِلَى ان قَالَ حَتَّى يلقى الْمُسلمين فَيَقُول من تَعْبدُونَ فَيَقُولُونَ نعْبد الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا فَيَقُول ﴿هَل تعرفُون ربكُم سُبْحَانَهُ﴾ فَيَقُولُونَ إِذا اعْترف لنا عَرفْنَاهُ فَعِنْدَ ذَلِك يكْشف عَن سَاق وَلَا يبْقى مُؤمن وَلَا مُؤمنَة إِلَّا خر سَاجِدا
وَاحْتج أَيْضا بِحَدِيث سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ
فَيلقى العَبْد فَيَقُول ألم أكرمك ألم أسودك ألم أسخر لَك الْخَيل وَالْإِبِل ألم أزَوجك وأتركك ترأس وتربع قَالَ بلَى يَا رب قَالَ أفظننت أَنَّك ملاقي قَالَ لَا يارب قَالَ فاليوم ننساك كَمَا نسيتني
قَالَ ثمَّ يلقى الآخر فَيَقُول مَا أَنْت فَيَقُول أَنا عَبدك آمَنت بك وَنَبِيك وكتابك وَصمت وَصليت وتصدقت ويثني بِخَير مَا اسْتَطَاعَ فَيُقَال لَهُ أَفلا نبعث عَلَيْك شَاهدا قَالَ فيكفر فِي نَفسه من الَّذِي يشْهد عَلَيْهِ قَالَ فيختم على فِيهِ وَيُقَال لفخذه انْطِقِي فَتَنْطِق فَخذه ولحمه وعظامه بِمَا كَانَ يعْمل فَذَلِك الْمُنَافِق وَذَلِكَ
стр. 344
ليعذر من نَفسه وَذَلِكَ الَّذِي يسْخط الله عَلَيْهِ
قَالَ ثمَّ يُنَادي مُنَاد أَلا تتبع كل أمة مَا كَانَت تعبد قَالَ فَيتبع الشَّيَاطِين والصليب أولياؤهم إِلَى جَهَنَّم وَبَقينَا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ فَيَأْتِينَا رَبنَا فَيَقُول على مَا هَؤُلَاءِ
فَيَقُولُونَ نَحن عباد الله الْمُؤْمِنُونَ آمنا بربنا وَلم نشْرك بِهِ شَيْئا وَهُوَ رَبنَا وَهُوَ يأتينا وَهُوَ يثبتنا وَهُوَ أقامنا حَتَّى يأتينا
فَيَقُول أَنا ربكُم فَانْطَلقُوا فننطلق حَتَّى نأتي الجسر وَعَلِيهِ كلاليب من نَار يخطف عِنْد ذَلِك حلت الشَّفَاعَة
اللَّهُمَّ سلم اللَّهُمَّ سلم فَإِذا جاوزوا الجسر فَكل من كَانَ أنْفق زَوْجَيْنِ من المَال فِي سَبِيل الله مِمَّا يملكهُ فَكل خَزَنَة الْجنَّة يَقُول يَا عبد الله يَا مُسلم تَعَالَى هَذَا خير لَك
قَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله إِن هَذَا عَبدِي لَا توى عَلَيْهِ يدع بَابا ويلج من آخر فَضرب كتفه وَقَالَ إِنِّي لَا أَرْجُو أَن تكون مِنْهُم // أخرجه الْأَمَام مُسلم //
стр. 345
فصل
الْجَواب عَن ذَلِك
أعلم إِنَّمَا ذكرنَا أَلْفَاظ هَذِه الْأَخْبَار وانتقيناها من مَجْمُوع كَلَامه لنرى لَا حجَّة لَهُ فِيهِ على مَا قَالَ ثمَّ نبين بعد ذَلِك تَأْوِيل مَا كَانَ فِيهِ مُشكلا من اللَّفْظ وَتظهر صِحَة مَعْنَاهُ على الْوَجْه الَّذِي يَلِيق بِاللَّه جلّ ذكره وَلَا يُؤَدِّي إِلَى تَشْبِيه بخلقه
وَقد ذكرنَا فِيمَا قبل بعض هَذِه الْأَلْفَاظ وَبينا تَأْوِيله وَطَرِيق تَخْرِيجه وَتَفْسِيره على الْوَجْه الصَّحِيح وَلَكنَّا نذْكر الْآن مالم يضمنهُ كلامنا قبل ليَكُون مَا نذْكر مَعَ مَا سبق ذكره جَامعا لما يَهْتَدِي بِهِ إِلَى تَأْوِيله على الْوَجْه الصَّحِيح
فَأَما مَا ذكره هَذَا الْقَائِل من أَن بعض أهل الْكتاب وَالْمُنَافِقِينَ يرَوْنَ الله يَوْم الْقِيَامَة رُؤْيَة إمتحان وإختبار لَا رُؤْيَة فَرح وإبتهاج إحتجاجا بِهَذَا الْخَبَر فَلَا دَلِيل فِيهِ وَذَلِكَ أَن أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث تَدور على ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا مَا قيل فِيهِ فكشف عَن سَاق ويخرون لَهُ سجدا وَلَيْسَ فِي ذَلِك ذكر اللِّقَاء وَلَا إِثْبَات رُؤْيَة الْمُنَافِقين وَقد فسرنا معنى قَوْله ﴿يكْشف عَن سَاق﴾ على مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ
يكْشف عَن سَاق عَن شدَّة أَو يكْشف عَن أَمر عَظِيم يُرِيد بِهِ هَؤُلَاءِ من أهوال الْقِيَامَة وَلم يذكر فِي هَذَا الْخَبَر رُؤْيَة الْكفَّار لله عز وَجل
стр. 346
فَأَما الْوَجْه الثَّانِي فَهُوَ مَا قيل فِيهِ فَيطلع الله عَلَيْهِم فَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يخْتَص بِمَعْنى الرُّؤْيَة لِأَن الأطلاع عَلَيْهِم قد يكون بِغَيْر أَن يردوه بِأَن يظْهر لَهُم فعلا من أَفعاله وعلما من أَعْلَامه وَآيَة من آيَاته
وَأما قَوْله فَيَقُولُونَ أَلا تتبعون النَّاس فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك
أَي من هَذَا القَوْل الَّذِي تدعونا إِلَيْهِ فِيهِ إِلَى إتباع النَّاس
وَهَذَا يدل على أَن ذَلِك لم يكن رُؤْيَة إِذْ لَو كَانَ ذَلِك رُؤْيَة عين لقالوا
نَعُوذ بك مِنْك من هَذَا القَوْل وَلم يَقُولُوا نَعُوذ بِاللَّه مِنْك فَدلَّ على أَن هَذَا الإطلاع على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يخْتَص معنى الرُّؤْيَة فَلَا دلَالَة فِيهِ على ان الْكَافرين يرَوْنَ رَبهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ معنى قَوْله بعد ذَلِك ثمَّ يتَوَارَى ثمَّ يطلع فَيَقُول
أَلا تتبعون النَّاس فِي أَن ذَلِك يرجع إِلَى خلق من خلقه وَملك من مَلَائكَته يناديهم بِأَمْر الله ويخاطبهم عَن وحيه فَيكون التواري والإطلاع رَاجعا إِلَيْهِ دون أَن يكون رَاجعا إِلَى الله
فَأَما قَوْله ثمَّ يَقُول انا ربكُم فاتبعون فَلَيْسَ فِيهِ أَيْضا مَا يدل على رُؤْيَة الْكفَّار لله لِأَن هَذَا خطاب وَلَيْسَ فِيهِ معنى الرُّؤْيَة وَلَا ذكر فِيهِ أَنهم يرونه بل فِيهِ أَنه يخاطبهم بذلك وَقد يجوز أَن يُخَاطب الْخلق من غير أَن يروه
فَأَما مَا قيل فِي الْخَبَر الآخر ثمَّ يتَمَثَّل الله لِلْخلقِ فَيلقى الْيَهُود فَيَقُول
стр. 347
من تَعْبدُونَ
وَأعلم أَنه لَا يجوز أَن يكون لله تَعَالَى مِثَال يتَمَثَّل بِهِ لِلْخلقِ لإستحالة أَن يكون لَهُ شبه أَو مثل بِوَجْه من الْوُجُوه وَإِذا لم يجز ذَلِك احْتمل معنى هَذَا الْكَلِمَة أَن يُقَال فِيهِ إِنَّه أَرَادَ أَن خلقا من خلقه يتَصَوَّر لَهُم من الْمَلَائِكَة يخاطبهم بِأَمْر الله تَعَالَى
وَيُقَال على التَّوَسُّع تمثل الله بخلقه وَالْمرَاد بِهِ مَلَائكَته ووليه كَمَا أَنهم يَقُولُونَ فِي اللُّغَة ضرب الْأَمِير اللص وَإِنَّمَا أَمر بِهِ فنسب إِلَيْهِ الْفِعْل إِذا كَانَ عَن أمره وَإِذا كَانَ كَذَلِك وأستحال أَن يكون لله تَعَالَى من خلقه مِثَال وَجب أَن يحمل على مَا قُلْنَا وَأَن يكون التَّمْثِيل لِلْخلقِ هُوَ الَّذِي يلقِي الْيَهُود ويخاطبهم عَن الله بقوله من تَعْبدُونَ
فَأَما معنى قَوْله فِي الْخَبَر الآخر
فيأتيهم الله فِي صورته الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُولُونَ
أَنْت رَبنَا فقد تقدم تَأْوِيل ذَلِك وَبينا أَنه نَظِير مَا فِي الْآيَة من قَوْله جلّ ذكره ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾
فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي تَأْوِيله أَن مَعْنَاهُ بظلل من الْغَمَام وَأَن فِي بِمَعْنى
стр. 348
الْبَاء وَكَذَلِكَ قَوْله فيأتيهم فِي غير صورته بِمَعْنى بِغَيْر صورته وَإِضَافَة الصُّورَة إِلَيْهِ من طَرِيق الْملك
وَقيل أَيْضا أَن الْآتِي فِي غير صورته غير الله جلّ ذكره بِدلَالَة قَوْله إِنَّهُم يَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك وَلَو كَانَ الْآتِي هُوَ الله لَكَانَ قَوْلهم نَعُوذ بك وَلم يَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك حَتَّى يأتينا رَبنَا هَذَا مَكَاننَا
وَأما قَوْله وَيَقُولُونَ فَإِذا جَاءَ رَبنَا عَرفْنَاهُ فَتَأْوِيل مَجِيء الرب على مَا تقدم ذكره فِي تَأْوِيل الْآيَة من قَوْله ﴿وَجَاء رَبك﴾ وَأَن ذَلِك بِظُهُور فعل لَا بتحويل من مَكَان إِلَى مَكَان
وَأما قَوْله فيأتيهم الله فِي صورته الَّتِي يعْرفُونَ فَمَعْنَاه يَأْتِيهم بصورته الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُولُونَ أَنْت رَبنَا وَمعنى ذَلِك أَن الْإِتْيَان فعل من أَفعَال الله أَو فعل بعض مَلَائكَته فيضاف إِلَيْهِ من طَرِيق أَنه يَقع بأَمْره
فَأَما قَوْلهم أَنْت رَبنَا فَيحْتَمل وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن يُقَال إِن مَعْنَاهُ أَنْت رَبنَا يخاطبنا صدقا فيتحققون نداءه وخطابه أَنه عَن الله تَعَالَى
وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك عَن تجلي الله للْمُؤْمِنين من خلقه فَيَقُولُونَ عِنْد رُؤْيَتهمْ لَهُ وَظُهُور تِلْكَ الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ مِمَّا أضيف إِلَى الله تَعَالَى ملكا وخلقا أَنْت رَبنَا إعترافا بالربوبية وفصلا بَين حَالهم وأحوال الْكفَّار الجاحدين فَأَما مَا رتب عَلَيْهِ هَذَا الْقَائِل هَذَا الْخَبَر مَعَ الْآيَة فِي قَوْله
стр. 349
﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾
وَأَن ذَلِك يرجع إِلَى الْكَافِر الجاحد وَأَن الْمُنَافِق وَإِن كَانَ بِقَلْبِه مُكَذبا فَهُوَ بِلِسَانِهِ مقرا وَأَن الله تَعَالَى ذكره يُرِيهم نَفسه رُؤْيَة إمتحان وإختبار ليَكُون عجبه إيَّاهُم بعد ذَلِك رُؤْيَة حسرة عَلَيْهِم وندامة فَهَذَا مِمَّا لَا حَاجَة إِلَى ترتيبه على هَذَا الْوَجْه من قبل أَن مَا ذكر من الْأَخْبَار لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على إِثْبَات رُؤْيَة الْمُنَافِقين والآي ناطقة بتخصيص النّظر إِلَى الرب يَوْم الْقِيَامَة للْمُؤْمِنين وبحجب الْكَافرين وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَلَيْسَ للنَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَّا قَولَانِ على الْوَجْه الَّذِي بَينا بَان لَك أَن هَذِه مقَالَة محدثة لم يسْبق هَذَا الْقَائِل إِلَيْهَا حَتَّى فصل بَين الْكَافرين من أهل الْكتاب وَغَيرهم وَبَين الْمُنَافِق وَالْمقر وَبَين الجاحد
وَإِذا كَانَ كَذَلِك علمت أَن مَا ذكر من أَلْفَاظ هَذِه الْأَخْبَار فمعناها مَحْمُولَة على مَا ذكرنَا على الْوَجْه الَّذِي لَا يُؤَدِّي إِلَى تَمْثِيل الله بخلقه مَعَ قبُول الْخَبَر إِفَادَة مَعْنَاهُ وَبَان لَك فَسَاد مَا اخْتَار هَذَا الْقَائِل من إِثْبَات رُؤْيَة الْكَافِر لله تَعَالَى ذكره وَأَن لَا تعلق فِيمَا احْتج بِهِ
стр. 350
فصل آخر
ثمَّ ذكر صَاحب هَذَا الْكتاب الملقب بِالتَّوْحِيدِ بَابا فِي إِثْبَات ضحك الرب تَعَالَى فَقَالَ
ضحك لَا يشبه ضحك المخلوقين كَمَا أَن كَلَامه لَا يشبه كَلَام الْمَخْلُوق وَقَالَ
إِنَّا نؤمن بِأَنَّهُ يضْحك رَبنَا كَمَا أعلمنَا النَّبِي ﷺ ونسكت عَن صفة ضحكه جلّ وَعلا إِذْ الله اسْتَأْثر بِصفة ضحكه فَلم يطلعنا على ذَلِك ثمَّ ذكر حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
إِن آخر من يدْخل الْجنَّة رجل يمشي على الصِّرَاط فَينكب مرّة وَيَمْشي مرّة أُخْرَى إِلَى أَن قَالَ فِي آخر الْخَبَر فَيَقُول الله ﵎ مَا يرضيك مني أَي عَبدِي أيرضيك أَن أُعْطِيك من الْجنَّة مثل الدُّنْيَا وَمثلهَا مَعهَا
قَالَ فَيَقُول أتهزأ بِي يارب وَأَنت رب الْعِزَّة
قَالَ فَضَحِك عبد الله حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه ثمَّ قَالَ
أَلا تسألونني لم ضحِكت
فَقَالُوا لم ضحِكت
قَالَ لضحك رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالَ قَالَ لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 351
أَلا تسألونني لم ضحِكت
فَقَالُوا لم ضحِكت يَا رَسُول الله قَالَ لضحك الرب ﵎ حِين قَالَ
أتهزأ بِي يَا رب وَأَنت رب الْعِزَّة // أخرجه مُسلم
وَذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة
إِن النَّاس قَالُوا للنَّبِي ﷺ يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ وَقَالَ
يبْقى رجل بَين الْجنَّة وَالنَّار وَهُوَ آخر أهل الْجنَّة دُخُولا مقبل بِوَجْهِهِ على النَّار فَيَقُول يَا رب اصرف وَجْهي عَن النَّار فقد أحرقني ذكاؤها وقشبني رِيحهَا
فَيَقُول الله
هَل عَسَيْت أَن فعل بك أَن تسْأَل غير ذَلِك فَيَقُول لَا وَعزَّتك فيعطي ربه مَا شَاءَ من عهد وميثاق فَيصْرف وَجهه عَن النَّار فَذكر الحَدِيث
فَيَقُول أولست قد أَعْطَيْت العهود والمواثيق أَن لَا تسْأَل غير هَذَا الَّذِي أَعطيتك فَيَقُول يَا رب لَا تجعلني أَشْقَى خلقك فيضحك الله // اخرجه مُسلم // مِنْهُ ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث
стр. 352
فصل آخر
ذكر مَا يجب أَن نبين مَا فِي الْفَصْل من اللَّفْظ
أعلم أَن وصف الله بالضحك على مَا ورد بِهِ الْخَبَر مُطلق سَائِغ وَأما على توهم هَذَا الْقَائِل أَنه ضحك صفة كَالْكَلَامِ فخطأ وَقد بَينا فِيمَا قبل تَأْوِيل الْأَخْبَار الَّتِي رُوِيَ فِيهَا الضحك وفسرناه وبيناه وَبينا وَجهه وأوضحنا أَن أصل معنى الضحك فِي اللُّغَة هُوَ الظُّهُور والبروز والإيضاح على وَجه مَخْصُوص مِنْهُ
قَالَ ضحِكت الأَرْض بالنبات إِذا ظهر نباتها وَمِنْه قَول الْقَائِل
وَالْأَرْض تضحك من بكاء السَّمَاء وسقيها
أَي بِظُهُور زهرتها ونورها من مطر السَّمَاء وسقيها وَأَن معنى وصف الله جلّ ذكره بِهِ من الضحك فَهُوَ على معنى إِظْهَار ألطافه وفوائده ومننه ونعمه
وَكَذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْخَبَر أَن يظْهر نعمه ومننه لهَذَا الدَّاخِل أخيرا الْجنَّة وَلَيْسَ ذَلِك ضحك كَمَا توهم وَلَا الْأَمر فِيهِ كَمَا قدر أَنه مِمَّا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ فَلم يطلع على ذَلِك خلقه وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ خاطبنا بلغَة الْعَرَب وَإِذا وجدنَا لكَلَامه وَجها فِي اللُّغَة صَحِيح الْمَعْنى مُفِيدا حملناه عَلَيْهِ وَلم يُنكر أَن يكون ذَلِك هُوَ المُرَاد
وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل تَارَة يروي الحَدِيث وَيتَكَلَّم فِي مَعْنَاهُ وَتارَة يَقُول نسكت لِأَن الله لم يطلعنا عَلَيْهِ وَالطَّرِيق فيهمَا وَاحِد وَكلما أمكن اسْتِدْرَاك مَعْنَاهُ من جِهَة اللُّغَة واستقامت الْفَائِدَة فِيهِ لم يُنكر أَن يحمل الْخَبَر عَلَيْهِ وَلَا معنى
стр. 353
لِأَن يُقَال إِن ذَلِك مِمَّا لَا يُوقف على مَعْنَاهُ وَأَن الله جلّ ذكره اسْتَأْثر بِعِلْمِهِ لِأَن النَّبِي ﷺ خاطبنا بِهِ ليفيدنا وخاطبنا بلغَة مَعْرُوفَة وَطَرِيقَة معقولة وَلم يعلمنَا أَن ذَلِك مِمَّا لَا يعلم أَو أَن لَهُ معنى غير مَا يُمكن التَّوَصُّل إِلَيْهِ من طَرِيق اللُّغَة
فَأَما معنى قَوْله أتهزأ بِي وَأَنت رب الْعِزَّة توسع فِي الْخطاب وَمَعْنَاهُ أَن مثله إِنَّمَا يَقُوله الهازئ لعبد رجائه مِمَّا أطمع فِيهِ وَإِنَّمَا استخرج الله تَعَالَى مِنْهُ ذَلِك على هَذَا الْوَجْه من الْخطاب وَمَعْنَاهُ ليعلمنا أَنه الَّذِي لَا يَنْقَطِع عَنهُ رَجَاء عبيده كَيفَ تصرفت بهم الْأَحْوَال وَأَنَّهُمْ أبعد مَا كَانُوا من الرَّجَاء من رَحمته بمقربة مِنْهَا حَتَّى يَكُونُوا أقرب إِلَيْهَا فِي الْحَال الَّتِي كَانُوا عِنْدهم أبعد مِنْهَا وَهَذِه بِشَارَة من الله جلّ ذكره للْمُؤْمِنين برحمته لِئَلَّا يياسوا مِنْهَا
فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ قيل فِي الْخَبَر لم ضحِكت يَا رَسُول الله
فَقَالَ ضحِكت لضحك الرب
قيل إِن ضحك رَسُول الله ﷺ بِتَغَيُّر يحدث فِيهِ يظْهر عِنْده فرحة وَضحك الرب إِظْهَار نعمه وفضله وَرَحمته وَمعنى الْخَبَر أَن رَسُول الله ﷺ أظهر فَرحا وسرورا بِمَا يظْهر الله من نعمه وفضله وَرَحمته على من كَانَ من أمته فِي أبعد حَالَة من رَجَاء ظُهُور مثلهَا فِيهِ من النعم شكرا لله جلّ إسمه على مَا يخص بِهِ الأشقياء من أمته وَإِلَّا بعد من رَحمته
ثمَّ ذكر صَاحب هَذَا الْكتاب أبوابا من شَفَاعَة النَّبِي ﵊ وَلم يكن ذَلِك مِمَّا يَقْتَضِي ذكر الْكَلَام فِي التَّوْحِيد وَمَعَ ذَلِك فَلم يَجِيء فِيهِ شَيْء مِمَّا يجب أَن يبين الْخَطَأ فِيهِ من طَرِيق التَّوْحِيد فاعرضنا عَنهُ
إنتهى مَا أَخذ على ابْن خُزَيْمَة رَحمَه الله
стр. 354
فصل آخر
فِيمَا ذكره الصبغي من كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات
ثمَّ سَأَلَني بعد ذَلِك عِنْد انتهائنا إِلَى هَذَا الْموضع من كتَابنَا أَن نتأمل ايضا مَجْمُوع الشَّيْخ أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب ابْن خُزَيْمَة وَهُوَ الْكتاب الَّذِي سَمَّاهُ كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات فتأملنا ذَلِك فوجدناه قد رتب أبوابه على الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وابتدأ بِذكر الْأَمر بِالْإِيمَان بالمتشابه وَحكى عَن بعض السّلف أَن مَا ذكره من الْمُتَشَابه فِي الْكتاب وَالسّنة من بَاب الصِّفَات وَأَسْمَاء الرب تَعَالَى وَأَنه تمر كَمَا جَاءَت بِلَا كَيفَ
وَذكر ابْن عُيَيْنَة أَنه قَالَ
كَمَا وصف الله تَعَالَى بِهِ نَفسه فقراءته تَفْسِير فَلَيْسَ لأحد أَن يفسره إِلَّا الله عز وَجل
стр. 355
فصل الْجَواب
أعلم أَنا قد ذكرنَا فِي مُقَدّمَة هَذَا الْكتاب أَن كل مَا كَانَ لنا طَرِيق إِلَى مَعْرفَته من طَرِيق اللُّغَة وَأفَاد معنى صَحِيحا إِذا حمل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُنكر أَن يُقَال إِن المُرَاد بِهِ بذلك إِذا كَانَ مُوَافقا بني عَلَيْهِ أصل التَّوْحِيد وَلم يقتض وَجها من وُجُوه التَّمْثِيل لله بخلقه وَبينا أَن مَا قَالَ بعض السّلف من ذكر الْكَفّ مَحْمُول على أحد وَجْهَيْن
إِمَّا أَن يكون أَرَادَ بِهِ أَمر من لَيْسَ من أَهله فِي استنباط تَأْوِيله والتطرق إِلَى معرفَة مَعْنَاهُ
أَو يكون ذَلِك عِنْد تعذر الطَّرِيق إِلَى مَعْنَاهُ فأبانوا أَن ذَلِك لَيْسَ بِفَرْض وَأَن من كف عَنهُ تَسْلِيمًا لأمر تعذر الطَّرِيق أَن لَا يعْتَقد فِيهِ إعتقادا فَاسِدا يُؤَدِّي إِلَى تَشْبِيه الله بخلقه لم يكن فِي حرج
وَذكرنَا أَن سَائِر مَا ذكر من هَذَا الْبَاب مِمَّا جمعهَا الجامعون فِي تصانيفهم مِمَّا يُمكن تَخْرِيج مَعْنَاهُ على الْوَجْه الصَّحِيح من غير تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل وَأَن لكل ذَلِك طَرِيقا فِي اللُّغَة يشْهد لصِحَّته وَيبين مَعْنَاهُ فَوَجَبَ أَن يكون معنى قَوْله ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم﴾ على مَا قُلْنَا أَن الراسخين فِي الْعلم يعلمونه وَمَعَ ذَلِك يصدقون بِهِ ويعترفون بِصِحَّتِهِ وَأَن معنى مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵊ أَنه قَالَ
نزل الْقُرْآن على خَمْسَة أوجه حَلَال وَحرَام ومحكم ومتشابه
следующие страницы →