Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
قُرَيْظَة، فَانْتدبَ الزبير.
اعْلَم أَن يَوْم الخَنْدَق هُوَ يَوْم الْأَحْزَاب، وَهُوَ يَوْم بني قُرَيْظَة. وَلَيْسَ الْإِشَارَة إِلَى يَوْم بِعَيْنِه، فَإِن ذَلِك كَانَ فِي أَيَّام، وَالْعرب تَقول: يَوْم بُعَاث، وَيَوْم كَذَا، تُشِير إِلَى أَيَّام. وَلما انقشع عَسْكَر الْمُشْركين يَوْم الخَنْدَق قَالَ: ((لأصلين الْعَصْر فِي بني قُرَيْظَة)) .
وَقد بَينا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود معنى الْحوَاري.
١٢٧٤ - / ١٥٥١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: ((هَل لكم من أنماط)) .
الأنماط جمع نمط: وَهُوَ ضرب من الْبسط والفرش.
١٢٧٥ - / ١٥٥٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: كَانَت الْيَهُود تَقول: إِذا جَامعهَا من وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَد أَحول، فَنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٣] .
الْإِشَارَة إِلَى الرَّد على الْيَهُود. وَمعنى الْآيَة: فَأتوا حَرْثكُمْ كَيفَ شِئْتُم، من بَين يَديهَا وَمن خلفهَا - وَالْمَقْصُود أَن زعم الْيَهُود محَال، وَبِهَذَا القَوْل ينْدَفع قَول من فسر ((أَنى)) بِغَيْر هَذَا.
стр. 1122
١٢٧٦ - / ١٥٥٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: رَأَيْت عمر يحلف بِاللَّه عِنْد النَّبِي ﷺ أَن ابْن صائد الدَّجَّال فَلم يُنكره النَّبِي ﷺ .
هَذَا لِأَن عمر حلف على غَالب ظَنّه، وَلم يكن النَّبِي ﷺ يتَيَقَّن خلاف ذَلِك، فَلذَلِك سكت عَن الْإِنْكَار.
١٢٧٧ - / ١٥٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: ((رَأَيْتنِي دخلت الْجنَّة فَإِذا أَنا بالرميصاء)) .
الرميصاء هِيَ أم أنس بن مَالك، وَسَيَأْتِي ذكرهَا فِي مسندها إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَوله: ((وَسمعت خشفة)) قَالَ أَبُو عبيد: الخشفة: الصَّوْت لَيْسَ بالشديد، يُقَال خشف يخشف خشفا: إِذا سَمِعت لَهُ صَوتا وحركة.
وفناء الْبَيْت: مَا امْتَدَّ مَعَ الْبَيْت من جوانبه.
١٢٧٨ - / ١٥٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: جِيءَ بِأبي مسجى.
المسجى: المغطى المستور.
والمجدع: الْمَقْطُوع الْأنف وَالْأُذن. والتمثيل: قطع بعض
стр. 1123
الْأَعْضَاء وتشويه الْخلق.
١٢٧٩ - / ١٥٥٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: ولد لرجل منا غُلَام فَسَماهُ الْقَاسِم، فَقُلْنَا: لَا نكنيك أَبَا الْقَاسِم وَلَا ننعمك عينا. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ((تسموا باسمي وَلَا تكتنوا بكنيتي)) .
قَوْله: لاننعمك عينا: أَي لَا نقر عَيْنك بذلك، وَلَا نساعدك عَلَيْهِ.
وَقَوله: ((تسموا باسمي وَلَا تكتنوا بكنيتي)) بعض الْعلمَاء يرى أَن هَذَا كَانَ فِي زَمَانه. وَقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد: فَروِيَ أَنه يكره الْجمع بَين اسْمه وكنيته، فَإِن أفرد الكنية عَن الإسم لم يكره، وَرُوِيَ عَنهُ الْكَرَاهَة للْجمع والإفراد، وَرُوِيَ عَنهُ نفي الْكَرَاهَة فِي الْجُمْلَة.
١٢٨٠ - / ١٥٥٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: أتيت رَسُول الله ﷺ فدققت الْبَاب، فَقَالَ: ((من ذَا؟)) فَقلت: أَنا: فَقَالَ: ((أَنا، أَنا)) كَأَنَّهُ كرهها.
اعْلَم أَن كَرَاهِيَة هَذِه الْكَلِمَة لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا لَيست بِجَوَاب قَوْله: ((من ذَا؟)) فَبَقيَ سُؤال الرَّسُول ﵇ الَّذِي انْتظر جَوَابه بِلَا جَوَاب. ودق الْبَاب يَوْمًا على بعض الْعلمَاء فَقَالَ: من؟ فَقَالَ الداق: أَنا، فَقَالَ: هَذَا دق ثَان. وَالثَّانِي: أَن لَفْظَة أَنا من غير أَن يُضَاف إِلَيْهَا فلَان تَتَضَمَّن نوع كبر، كَأَنَّهُ يَقُول: أَنا الَّذِي لَا أحتاج
стр. 1124
أَن أسمي نَفسِي، أَو: أتكبر على تَسْمِيَتهَا، فَيكْرَه لهَذَا أَيْضا.
١٢٨١ - / ١٥٥٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: لَا يَرِثنِي إِلَّا كَلَالَة، فَكيف الْمِيرَاث؟ فَنزلت آيَة الْفَرَائِض.
أما الْكَلَالَة فقد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند عمر.
وَأما آيَة الْفَرَائِض فَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ [النِّسَاء: ١١] .
وَقَوله: لَيْسَ بِرَاكِب بغل. يَعْنِي أَنه كَانَ مَاشِيا. والبرذون: نوع من الدَّوَابّ مَعْرُوف.
١٢٨٢ - / ١٥٥٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: ((اهتز الْعَرْش لمَوْت سعد بن معَاذ)) .
المُرَاد بالعرش هَا هُنَا عرش الله الَّذِي قَالَ فِيهِ: ﴿ذُو الْعَرْش﴾ [غَافِر: ١٥] . وَالْعرش فِي اللُّغَة: السرير، وَقد روى إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن سعد الطَّائِي أَنه قَالَ: الْعَرْش: ياقوتة حَمْرَاء.
وَفِي معنى اهتزازه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه تحركه كاهتزاز الْفَرح، وَهَذَا الظَّاهِر. وَالثَّانِي: أَن معنى الإهتزاز: الاستبشار وَالسُّرُور، يُقَال: فلَان يَهْتَز للمعروف: أَي يستبشر وَيسر، وَإِن فلَانا لتأخذه للثناء
стр. 1125
هزة: أَي ارتياح وطلاقه، قَالَه ابْن قُتَيْبَة. وَقد أنكر قوم أَن يكون المُرَاد عرش الله ، وَقَالُوا: هُوَ السرير الَّذِي حمل عَلَيْهِ، فروى ((البُخَارِيّ)) فِي هَذَا الحَدِيث أَن رجلا قَالَ لجَابِر: إِن الْبَراء يَقُول: اهتز السرير، فَقَالَ: إِنَّه كَانَ بَين هذَيْن الْحَيَّيْنِ ضغائن، سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: ((اهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت سعد بن معَاذ)) ويقصد بالحيين الْأَوْس والخزرج، والضغائن كَانَت بَينهم قبل الْإِسْلَام، وَكَانَ سعد من الْأَوْس والبراء من الْخَزْرَج، وكل مِنْهُم لَا يقر بِفضل صَاحبه عَلَيْهِ. والضغائن: الأحقاد والعداوة. ويروى عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: إِن الْعَرْش لَا يَهْتَز لمَوْت أحد، وَلكنه سَرِيره حمل عَلَيْهِ. فهذان الشخصان - أَعنِي الْبَراء وَابْن عمر - لاحظا تَعْظِيم الْعَرْش؛ فَإِن الله نسبه إِلَيْهِ نِسْبَة الصِّفَات فَقَالَ: ﴿ذُو الْعَرْش﴾ كَمَا قَالَ: ﴿ذُو الرَّحْمَة﴾ [الْأَنْعَام: ١٣٣] وَلَا شكّ فِي تَعْظِيمه، غير أَن الْمُؤمن أعظم، وَإِنَّمَا تَأَول مَا لَيْسَ بِصَرِيح، وعرش الرَّحْمَن لفظ صَرِيح لَا يحْتَمل التَّأْوِيل، وَلَو بلغهما هَذَا اللَّفْظ مَا تأولا. ثمَّ أَي فَخر فِي اهتزاز سَرِير؟ وكل سَرِير لمَيت يَهْتَز عِنْد تجاذب الرِّجَال إِيَّاه.
فَإِن قيل: مَا فَائِدَة اهتزاز الْعَرْش لمثل هَذِه الْأَشْيَاء؟ فَالْجَوَاب: أَن الله سُبْحَانَهُ لما كَانَ يفعل وَلَا ينفعل، إِذْ لَيْسَ بجسم وَلَا ذِي مزاج وطبع، أَرَادَ إِعْلَام خلقه وَمَلَائِكَته مقادير عظم الْحَوَادِث عِنْده، طَاعَة كَانَت أَو مَعْصِيّة، فيسلط الإنفعال على ذَوَات من خلقه تقبل الإنفعال، كزلزلة الأَرْض ودك الْجبَال واهتزاز الْعَرْش، ليعلم الْعَالم مِقْدَار ذَلِك عِنْده، والخالق سُبْحَانَهُ أبدا يُقيم الْمَخْلُوقَات للمخلوقين معالم
стр. 1126
ومناسك ومرابط، كالكعبة وَالْحجر، وَإِنَّمَا منع من التوسل بالأصنام، لِأَنَّهَا من وضع الْخلق لأَنْفُسِهِمْ.
١٢٨٣ - / ١٥٦٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: لما بنيت الْكَعْبَة ذهب النَّبِي ﷺ وَالْعَبَّاس ينقلان الْحِجَارَة، فَقَالَ الْعَبَّاس للنَّبِي ﷺ اجْعَل إزارك على رقبتك، فَخر إِلَى الأَرْض، فطمحت عَيناهُ إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: ((أَرِنِي إزَارِي)) فَمَا رئي بعد ذَلِك عُريَانا.
اعْلَم أَن الْكَعْبَة بقيت على بِنَاء الْخَلِيل ﵇ مُدَّة، ثمَّ انْهَدَمت فبنتها العمالقة ثمَّ مر عَلَيْهَا الدَّهْر فبنتها قُرَيْش، وَكَانَ بناؤها إِيَّاهَا وَنَبِينَا ﷺ غُلَام، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لما بلغ رَسُول الله ﷺ الْحلم أجمرت امْرَأَة الْكَعْبَة فطارت شرارة فأحرقت ثِيَاب الْكَعْبَة، فوهى الْبَيْت، فنقضته قُرَيْش وبنته. فَلَمَّا أَرَادَ وضع الرُّكْن اخْتلفُوا فِيمَن يرفعهُ من الْقَبَائِل، فَاجْتمع رَأْيهمْ أَن يتحاكموا إِلَى أول دَاخل إِلَى الْمَسْجِد، فَدخل نَبينَا ﷺ وَهُوَ غُلَام فحكموه، فَقَالَ: ((هاتوا ثوبا)) فَأخذ الرُّكْن فَوَضعه فِيهِ بِيَدِهِ، ثمَّ أَمر سيد كل قَبيلَة أَن يَأْخُذ بِنَاحِيَة من الثَّوْب، ثمَّ قَالَ: ((ارفعوه جَمِيعًا)) فَلَمَّا رَفَعُوهُ وَضعه بِيَدِهِ.
وَقَوله: فطمحت عَيناهُ. يُقَال: طمح بَصَره: أَي علا وارتفع، وكل مُرْتَفع طامح. وَالظَّاهِر أَن رَسُول الله ﷺ جزع لانكشاف جسده وَلَيْسَ فِي الحَدِيث دَلِيل على أَنه انْكَشَفَ شَيْء من عَوْرَته.
١٢٨٤ - / ١٥٦٢ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: غزونا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 1127
وَقد ثاب مَعَه نَاس من الْمُهَاجِرين حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ من الْمُهَاجِرين رجل لعاب، فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا.
هَذِه الْغُزَاة هِيَ غزَاة الْمُريْسِيع: وَهُوَ مَاء لبني المصطلق، وَإِنَّمَا خرج مَعَه المُنَافِقُونَ لِأَن السّفر كَانَ قَرِيبا، فطعموا فِي الْغَنِيمَة.
وثاب بِمَعْنى رَجَعَ.
وكسع بِمَعْنى ضرب دبره بِيَدِهِ أَو بِرجلِهِ.
وتداعوا بِمَعْنى اسْتَغَاثُوا بالقبائل يستنصرون بهم فِي ذَلِك.
وَالدَّعْوَى: الإنتماء. وَكَانَت الْجَاهِلِيَّة تنتمي فِي الإستغاثة إِلَى الْآبَاء فَتَقول: يَا آل فلَان، وَذَلِكَ من العصبية، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن تكون الإستغاثة بِالْإِسْلَامِ وَحكمه، فَإِذا وَقعت بِغَيْرِهِ فقد اعْترض عَن حكمه والإستنصار بِهِ.
وَقَوله: ((فَإِنَّهَا خبيثة)) يَعْنِي دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة.
وَقَوله: ((لَا يتحدث النَّاس أَنه يقتل أَصْحَابه)) سياسة عَظِيمَة وحزم وافر، لِأَن النَّاس يرَوْنَ الظَّاهِر، وَالظَّاهِر أَن عبد الله بن أبي كَانَ من الْمُسلمين وَمن أَصْحَاب الرَّسُول ﷺ ، فَلَو عُوقِبَ من يظنّ خلاف مَا يظْهر لم يعلم النَّاس ذَلِك الْبَاطِن، فينفرون عَمَّن يفعل هَذَا بِأَصْحَابِهِ.
١٢٨٥ - / ١٥٦٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: ((الْحَرْب خدعة)) وَقد فسرناه فِي مُسْند عَليّ ﵇.
стр. 1128
١٢٨٦ - / ١٥٦٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: دخل رجل يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب، فَقَالَ: ((أصليت؟)) قَالَ: لَا: قَالَ: ((فصل رَكْعَتَيْنِ وَتجوز فيهمَا)) .
هَذَا الحَدِيث يشْتَمل على حكمين: أَحدهمَا: أَن الْكَلَام فِي حَال الْخطْبَة لَا يحرم على الْخَطِيب، وَهل يحرم على المستمع؟ فِيهِ عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ. وَإِذا قُلْنَا: يحرم، فَإِنَّمَا يحرم عَلَيْهِ إِذا كَانَ بِحَيْثُ يسمع، فَأَما إِذا كَانَ بِحَيْثُ لَا يسمع لم يحرم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: الْكَلَام مَحْظُور على الْخَطِيب والمستمع، سَوَاء كَانَ بِحَيْثُ يسمع أَو لَا يسمع. وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: أَحدهمَا مثل هَذَا، وَالثَّانِي: لَا يحرم ذَلِك.
وَالْحكم الثَّانِي: اسْتِحْبَاب تَحِيَّة الْمَسْجِد وَإِن كَانَ الْخَطِيب فِي الْخطْبَة، وَهَذَا قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يسْتَحبّ.
وَتجوز فيهمَا: أَي خففهما وَلَا تطل.
وَهَذَا الرجل اسْمه سليك الْغَطَفَانِي، وَقد سمي فِي الحَدِيث.
١٢٨٧ - / ١٥٦٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: أَتَى رَسُول الله ﷺ عبد الله بن أبي بَعْدَمَا أَدخل حفرته، فَأمر بِهِ فَأخْرج، فَوَضعه على رُكْبَتَيْهِ، وَنَفث فِيهِ من رِيقه، وَألبسهُ قَمِيصه،
стр. 1129
وَكَانَ كسا عباسا قَمِيصًا.
وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عمر أَن ولد عبد الله بن أبي طلب من رَسُول الله ﷺ قَمِيصه ليكفن فِيهِ أَبَاهُ، فَيجوز أَن يكون جَابر شَاهد من ذَلِك مَا لم يُشَاهِدهُ ابْن عمر، وَيجوز أَن يكون أعطَاهُ قميصين: قَمِيصًا للكفن، ثمَّ أخرجه فألبسه آخر، وَقد بَين فِي هَذَا الحَدِيث سَبَب إِعْطَائِهِ الْقَمِيص.
وَقَوله: فوجدوا قَمِيص ابْن أبي يقدر عَلَيْهِ: أَي يكون بِقَدرِهِ فِي الطول وَيصْلح للباسه، وَهَذَا لِأَن الْعَبَّاس كَانَ جسيما طَويلا، وَكَذَلِكَ ابْن أبي.
١٢٨٨ - / ١٥٦٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: بعثنَا رَسُول الله ﷺ وأميرنا أَبُو عُبَيْدَة. فَذكر الحَدِيث الْمُتَقَدّم فِي مُسْند أبي عُبَيْدَة، إِلَّا أَن فِي هَذَا الحَدِيث كَلِمَات لم نذكرها ثمَّ، مِنْهَا: وادهنا من الودك. والودك: الدّهن الْخَارِج من الشَّحْم الْمُذَاب.
وَقَوله: ثَابت أجسامنا: أَي رجعت قوتها.
وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث - وَلم يذكرهُ الْحميدِي: فَإِذا حوت فأكلنا مِنْهُ مَا أحببنا - بِالْبَاء. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ لنا أشياخنا. وَقَالَ اللغويون مِنْهُم: الصَّوَاب: مَا أحيينا، بياءين: أَي قوينا وَرجعت إِلَيْنَا نفوسنا.
وَقَوله: وَجلسَ فِي حجاج عينه نفر. الْحجَّاج: الْعظم المشرف
стр. 1130
على الْعين، وهما حجاجان، لكل عين حجاج.
والقلة: الجرة، قَالَ ابْن فَارس: الْقلَّة مَا أَقَله الْإِنْسَان من جرة أَو حب، وَلَيْسَ فِي ذَلِك عِنْد أهل اللُّغَة حد مَحْدُود.
وَقَوله: نحر ثَلَاث جزائر. الجزائر جمع جزور: وَهُوَ مَا قصد بِهِ الذّبْح.
١٢٨٩ - / ١٥٦٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: مر رجل بسهام فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : ((أمسك بنصالها)) .
نصال السهْم ونصولها: حديديها.
وَفِي لفظ: أَمر رَسُول الله ﷺ رجلا كَانَ ينْصَرف بِالنَّبلِ. كَذَا كتب الْحميدِي بِخَطِّهِ: ينْصَرف، وَهُوَ سَهْو، وَإِنَّمَا هُوَ يتَصَدَّق بِالنَّبلِ. كَذَا ذكره أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَغَيره.
١٢٩٠ - / ١٥٦٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: ((يخرج من النَّار قوم كَأَنَّهُمْ الثعارير)) قيل: مَا الثعارير؟ قَالَ: ((الضغابيس)) .
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الثعارير والضغابيس: صغَار القثاء.
١٢٩١ - / ١٥٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ معَاذ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي ﷺ ، ثمَّ يَأْتِي فيؤم قومه.
стр. 1131
قد احْتج بِهَذَا الحَدِيث من يرى جَوَاز اقْتِدَاء المفترض بالمتنفل، وَمن يُصَلِّي الظّهْر بِمن يُصَلِّي الْعَصْر، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، والمنصور من الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَنه لَا يجوز ذَلِك، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك، وَالْجَوَاب عَن احتجاجهم أَن حَدِيث معَاذ قَضِيَّة فِي عين، فَيحْتَمل أَن معَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُول الله ﷺ نفلا ثمَّ يُصَلِّي بقَوْمه الْفَرِيضَة. فَإِن قَالُوا: فقد رُوِيَ عَن جَابر أَنه قَالَ: فَيكون لَهُ تَطَوّعا. قُلْنَا: لَا يَصح، وَلَو صَحَّ كَانَ ظنا من جَابر. وَإِن قَالُوا: فَكيف يتْرك معَاذ فَضِيلَة الْفَرِيضَة خلف النَّبِي ﷺ ؟ قُلْنَا: يحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ أمره أَن يُصَلِّي بقَوْمه الْفَرَائِض فامتثل أمره.
وَالرجل الَّذِي انحرف وَصلى وَحده اسْمه حرَام بن ملْحَان، خَال أنس بن مَالك.
والنواضح: مَا يسْتَعْمل من الْإِبِل فِي سقِِي الزَّرْع وَالنَّخْل.
وَقَوله: ((أفتان أَنْت؟)) اسْتِفْهَام إِنْكَار. وَالْمعْنَى: أَتُرِيدُ أَن تصرف النَّاس عَن صَلَاة الْجَمَاعَة؟ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: أَتُرِيدُ صرف النَّاس عَن الدّين.
وجنح اللَّيْل: أظلم.
١٢٩٢ - / ١٥٧١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِينَا: ﴿إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا﴾ [آل عمرَان: ١٢٢] بني سَلمَة
стр. 1132
وَبني حَارِثَة.
الطَّائِفَة: الْجَمَاعَة.
والفشل: الْجُبْن والخور.
وَهَذَا كَانَ فِي غَزْوَة أحد. وَقيل: لما رَجَعَ عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه يَوْم أحد هَمت الطائفتان بذلك، فعصمهما الله .
١٢٩٣ - / ١٥٧٢ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((من لكعب بن الْأَشْرَف؟)) .
كَانَ كَعْب من رُؤَسَاء الْيَهُود، وَكَانَ يهجو النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه، وَبكى على قَتْلَى قُرَيْش يَوْم بدر، وحرضهم بالشعر، فَمضى إِلَيْهِ مُحَمَّد بن مسلمة وَأَبُو نائلة - واسْمه سلكان بن سَلامَة بن وقش الأشْهَلِي، وَكَانَ أَبُو نائلة أَخا كَعْب من الرضَاعَة، فَاسْتَأْذَنا، فَقَالَت امْرَأَته: أسمع صَوتا كَأَنَّهُ صَوت دم. فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد ورضيعه أَبُو نائلة. كَذَا قَالَ الرَّاوِي: ورضيعه، إِنَّمَا قَالَ: ورضيعي، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي لفظ آخر.
واللأمة: السِّلَاح.
فَإِن قيل: كَيفَ أذن رَسُول الله ﷺ فِي قتل كَعْب فتكا وَقد قَالَ: ((الْإِيمَان قيد الفتك)) فَالْجَوَاب: أَنه نقض الْعَهْد، فَجَاز قَتله على أَي صفة كَانَت، كَمَا يجوز تبييت الْكفَّار على غرَّة، وَإِنَّمَا الفتك بِمن
стр. 1133
لَا يحل قَتله. قَالَ جَابر بن عبد الله: كَانَ كَعْب بن الْأَشْرَف عَاهَدَ رَسُول الله أَلا يعين عَلَيْهِ وَلَا يقاتله، وَلحق بِمَكَّة. ثمَّ قدم الْمَدِينَة مُعْلنا بمعاداة رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ أبياتا يهجوه بهَا، فَعِنْدَ ذَلِك ندب رَسُول الله ﷺ إِلَى قَتله.
١٢٩٤ - / ١٥٧٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة وَالْمرَاد إِفْرَاده بِالصَّوْمِ، وسنشرح هَذَا فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٢٩٥ - / ١٥٧٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين: ((إِن كَانَ فِي شَيْء من أدويتكم شِفَاء فَفِي شرطة محجم، أَو لذعة بِنَار. وَمَا أحب أَن أكتوي)) .
وَقد تكلمنا فِي الكي فِي مُسْند عمرَان بن الْحصين، وَبينا مراتبه.
وَقَوله: رقي سعد فِي أكحله. الأكحل: عرق مَعْرُوف فِي ذِرَاع الْإِنْسَان.
وَقَوله: فحسمه. قَالَ أَبُو عبيد: أصل الحسم الْقطع، وَإِنَّمَا أَرَادَ بالحسم أَنه قطع الدَّم عَنهُ.
والمشقص: نصل السهْم إِذا كَانَ طَويلا وَلَيْسَ بالعريض، فَإِذا كَانَ
стр. 1134
عريضا وَلَيْسَ بالطويل فَهُوَ معبلة.
١٢٩٦ - / ١٥٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: مرت جَنَازَة فَقَامَ لَهَا رَسُول الله ﷺ قد بَينا أَن الْقيام للجنازة مَنْسُوخ، فِي مُسْند عَليّ ﵇.
١٢٩٧ - / ١٥٧٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: بَينا نَحن نصلي إِذْ أَقبلت عير تحمل طَعَاما، فالتفتوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِي مَعَ النَّبِي ﷺ إِلَّا اثْنَا عشر رجلا، فَنزلت: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوك قَائِما﴾ [الْجُمُعَة: ١١] .
قَوْله: بَيْنَمَا نَحن نصلي: أَي حَضَرنَا للصَّلَاة. وَكَانَ النَّبِي ﷺ حِينَئِذٍ يخْطب قَائِما. وَقد بَين فِي هَذَا الحَدِيث، وَكَانَ الْقَوْم قد أَصَابَهُم جوع وَغَلَاء سعر، فَقدم دحْيَة بن خَليفَة - قبل أَن يسلم - بِتِلْكَ العير - وَالْعير: الْإِبِل تحمل الْميرَة - وَضرب لَهُ طبل يُؤذن النَّاس، وَهُوَ اللَّهْو، وَهَذِه كَانَت عَادَتهم إِذا قدمت عير.
وانفضوا: تفَرقُوا.
فَإِن قيل: لماذا قَالَ: ﴿إِلَيْهَا﴾ وَلم يقل ((إِلَيْهِمَا)) ؟ فَجَوَابه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن التِّجَارَة كَانَت أهم إِلَيْهِم فَرد الضَّمِير إِلَيْهَا، هَذَا قَول الْفراء والمبرد. وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة انْفَضُّوا إِلَيْهَا أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهِ، فَحذف خبر أَحدهمَا لِأَن الْخَبَر الثَّانِي يدل على الْمَحْذُوف، قَالَه الزّجاج.
стр. 1135
١٢٩٨ - / ١٥٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: جهش النَّاس إِلَى رَسُول الله ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة. أَي فزعوا إِلَيْهِ وأسرعوا نَحوه واستغاثوا بِهِ. وَيُقَال: جهش فلَان: إِذا تهَيَّأ للبكاء.
قَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا سميت الْحُدَيْبِيَة لشَجَرَة كَانَت بذلك الْموضع.
١٢٩٩ - / ١٥٧٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين: ((نصرت بِالرُّعْبِ من مسيرَة شهر)) .
الرعب: الْفَزع. وَالْمعْنَى أَنه يَقع فِي قُلُوب الْأَعْدَاء من مسيرَة شهر.
وَقَوله: ((وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا)) قد فسرناه فِي مُسْند حُذَيْفَة.
وَقَوله: ((وَأحلت لي الْغَنَائِم)) كَانَ من سلف من الْأُمَم إِذا غزوا فغنموا جَمَعُوهُ، فَأَقْبَلت نَار فأكلته، فَإِن كَانُوا قد غلوا شَيْئا من الْغَنِيمَة امْتنعت. وَكَذَلِكَ كَانُوا إِذا قربوا قربانا من ذبح وَغَيره، فَإِن نزُول النَّار كَانَ عَلامَة الْقبُول.
وَقَوله: ((وَبعثت إِلَى النَّاس عَامَّة)) كَانَ النَّبِي إِذا بعث فِي الزَّمَان الأول إِلَى قوم بعث غَيره إِلَى آخَرين، وَكَانَ يجْتَمع فِي الزَّمن الْوَاحِد جمَاعَة من الرُّسُل. فَأَما نَبينَا ﷺ فَإِنَّهُ انْفَرد بِالْبَعْثِ فَصَارَ نذيرا للْكُلّ من غير أَن يزاحمه أحد. وقرأت بِخَط ابْن عقيل قَالَ: جَاءَت فَتْوَى من دمشق: مَا تَقولُونَ فِي هَذَا الحَدِيث: ((بعثت إِلَى الْخلق كَافَّة))
стр. 1136
وَالنَّظَر والتأمل يمْنَع صِحَة هَذَا، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ النَّبِي مَبْعُوثًا إِلَى قوم يبلغ من تعدته إِلَى غَيرهم، لِأَن صفة التخصص فِي الْإِرْسَال لَا تَقْتَضِي الْعُمُوم، كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل لرَسُوله: اذْهَبْ إِلَى بني تَمِيم، فَإِنَّهُ إِذا تعدى إِلَى بني عدي كَانَ مُخَالفا. فَلَو كَانَ مُوسَى مَخْصُوصًا ببني إِسْرَائِيل ثمَّ جَاءَهُ غَيرهم من الْأُمَم يسألونه عَمَّا جَاءَ بِهِ لم يجز لَهُ كِتْمَانه عَنْهُم، وَلَا أَن يَقُول إِنِّي غير مَبْعُوث إِلَيْكُم، بل كَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِ إِجَابَة التّرْك وَالْفرس وَالْعرب وكل من سَأَلَهُ عَن الْأَحْكَام الَّتِي جَاءَ بهَا بِمَا بعث بِهِ إِلَى بني إِسْرَائِيل، بل كَانَ لَا يجوز لَهُ أَن يُجيب أحدا من هَؤُلَاءِ إِذا كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى بني إِسْرَائِيل خَاصَّة. قَالَ السَّائِل: وَأَيْضًا إِذا قَالَ لَهُ: مر بني إِسْرَائِيل بِالصَّلَاةِ، وَمن زنى من بني إِسْرَائِيل فعاقبه على زِنَاهُ، لم يجز أَن يُعَاقب غَيرهم على الزِّنَا، وَهَذَا كَالْحكمِ إِذا علق على غَايَة لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيرهَا. فَإِن قُلْنَا: إِنَّه منع من إرشاد من جَاءَ إِلَيْهِ للإسترشاد من أَنْوَاع الْخلق لم يجز ذَلِك، وَإِذا بَطل هَذَانِ القسمان ثَبت أَن كل رَسُول إِنَّمَا بعث إِلَى جَمِيع الْخلق. وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول: أَنه أرسل إِلَى بني إِسْرَائِيل خَاصَّة، وَالنَّاس بِالْخِيَارِ بَين اتِّبَاعه وَتَركه. قَالَ السَّائِل: وَطَرِيقَة أُخْرَى: وَهُوَ أَن الله تَعَالَى رفع الْعَذَاب عَن الْخلق مَعَ عدم الرُّسُل بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ [الْإِسْرَاء: ١٥] وَأثبت الْحجَّة على الْخلق ببعثه الرُّسُل. وَقد ثَبت أَن الله تَعَالَى أهلك جَمِيع أهل الأَرْض بالطوفان، وَمَا ذَلِك إِلَّا لمُخَالفَة نوح، فَلَو لم يكن مُرْسلا إِلَى جَمَاعَتهمْ لما أهلكهم بمخالفته ودعا عَلَيْهِم. وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول: فقد قَالَ فِي حق نوح: ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ [نوح: ١] ﴿وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبا﴾ [الْأَعْرَاف: ٨٥] فقد خصص مثل ذَلِك نَبينَا بقوله: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٨] فامتن على قُرَيْش بذلك.
стр. 1137
فَأجَاب حنبلي مُحَقّق فِي الْأُصُول - يَعْنِي ابْن عقيل نَفسه - فَقَالَ: إِن خصيصة النَّبِي ﷺ حَاصِلَة من جِهَة خُفْيَة عَن كثير من الْعلمَاء؛ وَذَلِكَ أَن شَرِيعَة نَبينَا ﷺ جَاءَت ناسخة لكل شَرِيعَة قبلهَا، فَلم يبْق يَهُودِيَّة وَلَا نَصْرَانِيَّة وَلَا دين من سَائِر الْأَدْيَان الَّتِي جَاءَت بهَا النبوات إِلَّا أَمر بِتَرْكِهَا ودعا إِلَى شَرِيعَته، وَمعنى قَوْله: ((كل نَبِي بعث إِلَى قومه)) المُرَاد أَنه قد كَانَ يجْتَمع فِي الْعَصْر الْوَاحِد نبيان يَدْعُو كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى شَرِيعَة تختصه وَلَا يَدْعُو الْأمة الَّتِي بعث فِيهَا غَيره إِلَى دينه وَلَا يصرف عَنهُ، وَلَا ينْسَخ مَا جَاءَ بِهِ الآخر، فَهَذِهِ خصيصة لم تكن لأحد قبله، حَتَّى إِن نوحًا لم ينْقل أَنه كَانَ مَعَه نَبِي، فَدَعَا إِلَى مِلَّته مِلَّة ذَلِك النَّبِي وَلَا نسخهَا، وَهَذَا يدْفع مَا قَالُوا وقدروه من الأسئلة وعقبوه بالأجوبة، ويوضح هَذَا أَنه لما وجد ورقة من التَّوْرَاة بيد عمر قَالَ: ((ألم آتكم بهَا بيضًا نقية؟ وَالله لَو أدركني مُوسَى لما وَسعه إِلَّا اتباعي)) . لِأَنَّهُ لَا يقدر عِيسَى أَن يَقُول فِي التَّوْرَاة وَلَا فِي حق مُوسَى هَذِه الْمقَالة، فَعلم أَن هَذِه الخصيصة الَّتِي امتاز بهَا عَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء دون مَا توهمه السَّائِل من الْبعْثَة الْعَامَّة إِلَى جَمِيع النَّاس وَدون أَرْبَاب الشَّرَائِع، وَالله أعلم.
١٣٠٠ - / ١٥٧٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين: رَأَيْت بِالنَّبِيِّ ﷺ خمصا، فَانْكَفَأت إِلَى امْرَأَتي، وَلنَا بَهِيمَة دَاجِن فذبحتها وقطعتها فِي برمتها.
الخمص: الْجُوع. والمخمصة: المجاعة.
стр. 1138
وانكفأت: رجعت.
والداجن: مَا يحبس فِي الْبَيْت من الْغنم.
والبرمة: الْقدر.
وَقَوله: ((صنع لكم سورا)) هَذِه كلمة فارسية، قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: قَالَ ثَعْلَب: إِنَّمَا يُرَاد من هَذَا أَن النَّبِي ﷺ تكلم بِالْفَارِسِيَّةِ فَقَالَ: ((صنع لكم سورا)) أَي طَعَاما دَعَا إِلَيْهِ النَّاس.
وَقَوله: ((فحي هلا بكم)) . كلمة حث واستعجال، قَالَ لبيد:
( ... . ... وَلَقَد تسمع قولي حيهل)
قَوْله: فَقَالَت: بك وَبِك، وَهَذَا كِنَايَة عَن اللوم والسب.
وَقَوله: فبسق: أَي بزق. يُقَال: بزق وبسق وبصق. قَالَ شَيخنَا أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: مرض النَّضر بن شُمَيْل فَدخل عَلَيْهِ النَّاس يعودونه، فَقَالَ لَهُ رجل: مسح الله مَا بك. فَقَالَ النَّضر: لَا تقل: مسح، وَقل: مصح، ألم تسمع قَول الْأَعْشَى:
(وَإِذا الْخمْرَة فِيهَا أزبدت ... أفل الإزباد فِيهَا ومصح)
فَقَالَ الرجل: لَا بَأْس، السِّين قد تعاقب الصَّاد فتقوم مقَامهَا.
فَقَالَ النَّضر: فَيَنْبَغِي أَن تَقول لمن اسْمه سُلَيْمَان: يَا صليمان، وَتقول: قَالَ رصول الله، ثمَّ قَالَ النَّضر: لَا يكون الصَّاد مَعَ السِّين
стр. 1139
إِلَّا فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع: إِذا كَانَت مَعَ الطَّاء وَالْخَاء وَالْقَاف والغين، تَقول فِي الطَّاء: سطر وصطر، وَفِي الْخَاء صَخْر وسخر، وَفِي الْقَاف صقب وسقب، وَفِي الْغَيْن صدغ وسدغ. فَإِذا تقدّمت هَذِه الأحرف الْأَرْبَعَة السِّين لم يجز ذَلِك، وَلَا يجوز أَن تَقول خصر وخسر، وَلَا قصب وقسب، وَلَا طرس وطرص، وَلَا غسل وغصل.
وَقَوله: ((اقدحي من برمتكم)) أَي اغرفي مَا فِيهَا، والمقدحة: المغرفة. المقدح: الحديدة الَّتِي يقْدَح بهَا النَّار، أَي يسْتَخْرج، والقداح من الإستخراج أَيْضا.
وَقَوله: وَإِن برمتنا لتغط: أَي تغلي بِمَا فِيهَا. يُقَال: غطت الْقدر تغط، وغطيطها: صَوت غليانها.
وَقَوله: فعرضت كدية. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الكدية قِطْعَة من الأَرْض غَلِيظَة صلبة. يُقَال: حفرت حَتَّى أكديت. وَقد رَوَاهُ بَعضهم: فعرضت كبدة. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَهِي الْقطعَة الصلبة، وَمثله قَوس كبداء: شَدِيدَة.
وَقَوله: وبطنه معصوب: أَي مشدود بِالْعِصَابَةِ من الْجُوع.
وَقَوله: فَعَاد كثيبا أهيل. الأهيل: المنهار الَّذِي لَا يتماسك.
يُقَال: كثيب أهيل وأهيم: وَهُوَ الرمل الْيَابِس الَّذِي لم يمر بِهِ الْمَطَر، فَهُوَ إِلَى السيلان أسْرع.
والأثافي: حِجَارَة تُوضَع تَحت الْقدر، وَيُقَال فِيهَا أفافي، كَمَا يُقَال جدث وجدف.
стр. 1140
وَقَوله: ((لَا تضاغطوا)) أَي لَا تزدحموا.
وَقَوله: ويخمر البرمة: أَي يغطيها حَتَّى لَا يرى نقصانها وَلَا زيادتها.
١٣٠١ - / ١٥٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: ((مثلي وَمثل الْأَنْبِيَاء كَرجل بنى دَارا فأكملها وأحسنها إِلَّا مَوضِع لبنة، وَجعل النَّاس يعْجبُونَ وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوضِع اللبنة)) وَفِي لفظ: ((فَأَنا مَوضِع اللبنة)) .
اعْلَم أَن بَدْء الشَّرَائِع كَانَ على التَّخْفِيف، فَلَا يعرف فِي شرع نوح وَهود وَصَالح وَإِبْرَاهِيم تثقيل، ثمَّ جَاءَ مُوسَى بِالتَّشْدِيدِ والإثقال، وَجَاء عِيسَى بِنَحْوِ من ذَلِك، وَجَاءَت شَرِيعَة نَبينَا ﷺ تنسخ تَشْدِيد أهل الْكتاب، وَلَا تطلق فِي تسهيل من كَانَ قبلهم، فَهِيَ على غَايَة من الإعتدال مَعَ مَا تحوي من محَاسِن الْآدَاب وتلقيح الْعُقُول وَتَعْلِيم الفطنة، وتدل على استنباط خَفِي الْمعَانِي، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لم يكن فِيمَا تقدم.
١٣٠٢ - / ١٥٨١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: صلى جَابر فِي إِزَار وثيابه على المشجب.
المشجب: أَعْوَاد متداخلة يَجْعَل عَلَيْهَا الثِّيَاب.
وَقَوله: ((مَا السرى؟)) السرى: سير اللَّيْل، وَالْمعْنَى: لأي شَيْء كَانَ مسراك اللَّيْلَة؟
وَقَوله: ((مَا هَذَا الإشتمال؟)) الإشتمال: الالتفاف بِالثَّوْبِ حَتَّى يَشْمَل الملتف وَلَا يخرج يَده مِنْهُ، فَلهَذَا أنكرهُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: ((إِن كَانَ
стр. 1141
وَاسِعًا فالتحف بِهِ، وَإِن كَانَ ضيقا فاتزر بِهِ)) .
وَقَوله: ((أَلا تشرع؟)) الْمَعْنى: أَلا تورد الْإِبِل المشرعة.
والشريعة: مورد الْإِبِل الشاربة المَاء. قَالَ الزّجاج: يُقَال: شرعت فِي المَاء: إِذا دَخلته، وشرعت بَابا إِلَى الطَّرِيق، وشرعت فِي الدّين شَرِيعَة، وأشرعت الرمْح نَحْو الْعَدو: إِذا صوبته إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد: أشرعت بَابا إِلَى الطَّرِيق، لَا غير.
وَقَوله: متوشحا بِهِ. يُقَال: توشح الرجل بِالثَّوْبِ: إِذا تجلله وَبسطه على جسده.
١٣٠٣ - / ١٥٨٢ - وَفِي الحَدِيث السِّتين: بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يقسم غنيمَة إِذْ قَالَ لَهُ رجل: اعْدِلْ. فَقَالَ ((لقد شقيت إِن لم أعدل)) .
هَذَا الرجل يُقَال لَهُ ذُو الْخوَيْصِرَة، كَذَلِك ذكره أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ فِي مُسْنده.
وَالتَّاء فِي ((شقيت)) مَفْتُوحَة، كَذَلِك سمعناها من أشياخنا، وَالْمعْنَى أَنَّك إِذا تبِعت من لَا يعدل فقد شقيت، وَقد روى بَعضهم بِضَم التَّاء، وَالْأول أصح.
وَقَوله: ((معَاذ الله أَن يتحدث النَّاس أَنِّي أقتل أَصْحَابِي)) قد بَينا فِي الحَدِيث الْأَرْبَعين من هَذَا الْمسند وَجه هَذَا.
وَقَوله: ((لَا يُجَاوز حَنَاجِرهمْ)) الْمَعْنى أَنهم لَا يفهمون مَا فِيهِ وَلَا
стр. 1142
يعْرفُونَ مضمونه، فَإِن هَذَا الشَّخْص لَو عرف وجوب طَاعَة الرَّسُول ﷺ من الْقُرْآن وَأَنه على الْحق فِي جَمِيع أَحْوَاله مَا قَالَ هَذَا، وَلكنه اقْتصر على الْقِرَاءَة من غير تدبر لما يقْرَأ.
وَقَوله: ((كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية)) قد سبق فِي مُسْند عَليّ ﵇.
١٣٠٤ - / ١٥٨٣ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
قضى رَسُول الله ﷺ بِالشُّفْعَة فِي كل مَال لم يقسم، فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة.
هَذَا الحَدِيث دَلِيل على إِثْبَات الشُّفْعَة فِي الْمشَاع ونفيها عَمَّا قد قسم. وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل أَن الشُّفْعَة لَا تسْتَحقّ بالجوار. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تسْتَحقّ بالجوار.
١٣٠٥ - / ١٥٨٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن إهلال رَسُول الله ﷺ من ذِي الحليفة حِين اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته قد سبق بَيَان هَذَا فِي مُسْند ابْن عمر.
١٣٠٦ - / ١٥٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: قَالَ جَابر: لما حضر أحد
стр. 1143
دَعَاني أبي من اللَّيْل فَقَالَ: مَا أَرَانِي إِلَّا مقتولا فِي أول من يقتل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ .
اسْم أبي جَابر عبد الله بن عَمْرو. وَكَانَ من النُّقَبَاء الإثني عشر، وَشهد بَدْرًا.
وَقَوله: مَا أَرَانِي إِلَّا مقتولا. دَلِيل على أَن الرجل علم من نَفسه قُوَّة الْجد فِي الْجِهَاد والإقدام فِي الأول، فَلذَلِك قَالَ: فِي أول من يقتل. وَكَانَ لَهُ تسع بَنَات، فَلذَلِك قَالَ: واستوص بأخواتك.
قَوْله: ودفنت مَعَه آخر. وَالرجل الَّذِي دفن مَعَه عَمْرو بن الجموح، فَإِنَّهُمَا دفنا فِي قبر وَاحِد لِكَثْرَة الْقَتْلَى يَوْمئِذٍ، فَأخْرجهُ جَابر بعد سِتَّة أشهر فدفنه فِي قبر على حِدة، ثمَّ نقل عَن ذَلِك الْقَبْر بعد سِنِين لأجل إِجْرَاء عين من المَاء. أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَزاز قَالَ: أخبرنَا عبد الْعَزِيز بن عَليّ الْحَرْبِيّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو طَاهِر المخلص، قَالَ: حَدثنَا الْبَغَوِيّ قَالَ: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد قَالَ: حَدثنَا عبد الْجَبَّار بن الْورْد قَالَ: سَمِعت أَبَا الزبير قَالَ: سَمِعت جَابر بن عبد الله يَقُول: كتب مُعَاوِيَة إِلَى عَامله بِالْمَدِينَةِ أَن يجْرِي عينا إِلَى أحد، فَكتب لَهُ عَامله: إِنَّهَا لَا تجْرِي إِلَّا على قُبُور الشُّهَدَاء، فَكتب إِلَيْهِ أَن أنفذها. قَالَ فَسمِعت جَابِرا يَقُول: فرأيتهم يخرجُون على رِقَاب الرِّجَال كَأَنَّهُمْ نوم، حَتَّى أَصَابَت المسحاة قدم حَمْزَة فانبعثت دَمًا. أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْبَزَّاز قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ:
أخبرنَا ابْن حيويه قَالَ: حَدثنَا ابْن الْفَهم قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن الْهَيْثَم قَالَ: حَدثنَا
стр. 1144
هِشَام الدستوَائي عَن أبي الزبير عَن جَابر قَالَ: صرخَ بِنَا إِلَى قَتْلَانَا يَوْم أحد حِين أجْرى مُعَاوِيَة الْعين فأخرجناهم بعد أَرْبَعِينَ سنة لينَة أَجْسَادهم تتثنى أَطْرَافهم.
١٣٠٧ - / ١٥٨٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: سُئِلَ عَمَّن حلف قبل أَن يذبح. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٣٠٨ - / ١٥٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: ((عمْرَة فِي رَمَضَان تقضي حجَّة معي)) قد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٣٠٩ - / ١٥٨٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: ((كل مَعْرُوف صَدَقَة)) .
الْمَعْرُوف: فعل شَيْء من الْخَيْر يتَطَوَّع بِهِ الْفَاعِل، فَيجْرِي لذَلِك مجْرى الصَّدَقَة، وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند حُذَيْفَة.
١٣١٠ - / ١٥٨٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: ((رحم الله رجلا سَمحا)) أَي سهلا.
١٣١١ - / ١٥٩٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: ((من قَالَ حِين يسمع النداء: اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة)) .
стр. 1145
النداء يَعْنِي بِهِ الْأَذَان. وَقد سبق فِي أول الْكتاب معنى اللَّهُمَّ.
والدعوة التَّامَّة: التَّوْحِيد. قَالَ : ﴿لَهُ دَعْوَة الْحق﴾ [الرَّعْد: ١٤] ، وَإِنَّمَا قيل لَهَا التَّامَّة لِأَنَّهُ لَا نقص فِيهَا وَلَا عيب، إِذْ لَو كَانَ للموحد شريك كَانَ ذكر التَّوْحِيد نَاقِصا.
والوسيلة: الْقرْبَة. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال: توسلت إِلَيْهِ: أَي تقربت، وَأنْشد:
(إِذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وَعَاد التصافي بَيْننَا والوسائل)
وَالْمقَام الْمَحْمُود: الَّذِي يحمده لأَجله جَمِيع أهل الْموقف، وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الشَّفَاعَة للنَّاس يَوْم الْقِيَامَة، قَالَه ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَابْن عمر وسلمان وَجَابِر فِي خلق كثير. وَالثَّانِي: يجلسه على الْعَرْش، رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَمُجاهد. وَقَالَ عبد الله بن سَلام: يقعده على الْكُرْسِيّ. ١٣١٢ / ١٥٩١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: كَانَ يعلمنَا الاستخارة. والاستخارة: أَن يسْأَل خير الْأَمريْنِ.
١٣١٣ - / ١٥٩٢ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: اصطبح الْخمر يَوْم أحد نَاس، قتلوا شُهَدَاء.
стр. 1146
الإصطباح: شرب أول النَّهَار. وَكَانَت يَوْمئِذٍ حَلَالا، وَإِنَّمَا حرمت بعد وقْعَة أحد.
١٣١٤ - / ١٥٩٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: لما نزل على رَسُول الله ﷺ : ﴿على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم﴾ [الْأَنْعَام: ٦٥] قَالَ: ((أعوذ بِوَجْهِك)) .
الْعَذَاب: الْأَلَم المستمر. والفوق من ظروف الْمَكَان، ويقابله التحت.
وَفِي هَذَا الْعَذَاب قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الَّذِي فَوْقهم مَا ينزل من السَّمَاء، كَمَا حصب قوم لوط. وَالَّذِي من تَحت أَرجُلهم: كَمَا خسف بقارون، قَالَه ابْن عَبَّاس وَالسُّديّ.
وَالثَّانِي: أَن الَّذِي من فَوْقهم من قبل أمرائهم، وَالَّذِي من تَحْتهم من سفلتهم، رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: الَّذِي من فَوْقهم أَئِمَّة السوء، وَالَّذِي من تَحت أَرجُلهم عبيد السوء.
وَقَوله: ﴿أَو يلْبِسكُمْ شيعًا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يبث فِيكُم الْأَهْوَاء الْمُخْتَلفَة فتصيرون فرقا. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يلْبِسكُمْ من الإلتباس عَلَيْهِم، فَالْمَعْنى: حَتَّى يَكُونُوا شيعًا: أَي فرقا مُخْتَلفين، ثمَّ يُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض بِالْقِتَالِ وَالْحَرب.
وأصل الْبَأْس: الشدَّة فِي الْحَرْب.
стр. 1147
١٣١٥ - / ١٥٩٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: الَّذِي قتل خبيبا هُوَ أَبُو سروعة.
وَكَانَ خبيب قد قتل يَوْم بدر الْحَارِث بن عَامر، فَلَمَّا بعث رَسُول الله ﷺ خبيبا فِي بعض السَّرَايَا، أَخذ فَبيع بِمَكَّة، فَاشْتَرَاهُ بَنو الْحَارِث، فَقتله مِنْهُم أَبُو سروعة بن الْحَارِث، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة مشروحا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٣١٦ - / ١٥٩٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: إِن أَبَاهُ توفّي وَترك عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وسْقا لرجل من الْيَهُود.
الوسق: سِتُّونَ صَاعا.
وَقَوله: ((إِذا جددته)) جددت بِمَعْنى قطعت الثَّمر. وجداد النّخل: قطع ثَمَرهَا.
والمربد: البيدر، وَهُوَ الجرين أَيْضا حَيْثُ يوضع التَّمْر قبل أَن يوضع فِي الأوعية وينقل إِلَى الْبيُوت. وَيُقَال لموقف الْإِبِل مربد أَيْضا، واشتقاقه من ربد: إِذا أَقَامَ. والمربد والجرين لأهل الْحجاز. والأندر لأهل الشَّام. والبيدر لأهل الْعرَاق، ويسميه أهل الْبَصْرَة الجوخان.
والعجوة نوع من التَّمْر، وَهِي من أَجود تمور الْمَدِينَة.
وعذق زند: نوع مَعْرُوف.
стр. 1148
وتمزعوه: أَي اقتسموه.
والناضح من الْإِبِل: مَا يسقى عَلَيْهِ المَاء.
وأزحف الْبَعِير وزحف وأزحفه السّير: إِذا قَامَ من الإعياء وَلم يقدر على النهوض.
١٣١٧ - / ١٥٩٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: نهى أَن تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وخالتها.
وَهَذَا مِمَّا ثَبت تَحْرِيمه بِالسنةِ، وعلته خوف التقاطع.
١٣١٨ - / ١٥٩٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: نهى رَسُول الله ﷺ عَن الظروف، فَقَالَت الْأَنْصَار: إِنَّه لَا بُد لنا مِنْهَا، قَالَ: ((فَلَا إِذن)) .
كَانَ النَّهْي عَن الظروف خوف اشتداد مَا ينْبذ فِيهَا، فَلَمَّا أخبروا بحاجتهم إِلَيْهَا عِنْد نَهْيه قَالَ: ((فَلَا إِذن)) أَي: لَا أنهى عَنْهَا، وَيكون الإعتبار على هَذَا بالإشتداد، فَإِذا اشْتَدَّ أريق، أَو أَن يحترزوا من تَركه مُدَّة يشْتَد فِيهَا.
١٣١٩ - / ١٥٩٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: كُنَّا إِذا صعدنا كبرنا، وَإِذا نزلنَا سبحنا.
لما كَانَ الصعُود ارتفاعا ناسبه التَّكْبِير. أَي أَن الله سُبْحَانَهُ أكبر من كل كَبِير وَأَعْلَى من كل رفيع، وَلما كَانَ النُّزُول انهباطا ناسبه التَّنْزِيه
стр. 1149
لمن لَا يُوصف بِمَا يُنَافِي الْعُلُوّ.
١٣٢٠ - / ١٦٠٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: جَاءَت مَلَائِكَة إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ بَعضهم: الْعين نَائِمَة وَالْقلب يقظان وَمُحَمّد فرق بَين النَّاس.
كَانَ من صِفَات رَسُول الله ﷺ أَن تنام عَيناهُ وَلَا ينَام قلبه. قَالَ ابْن عقيل: النّوم يتَضَمَّن أَمريْن معطلين: أَحدهمَا رَاحَة الْجَسَد، فَهَذَا أَمر يشْتَرك فِيهِ هُوَ وَأمته. وَالثَّانِي: غَفلَة الْقلب عَمَّا وضع لَهُ الْقلب من النّظر والإعتبار والتأمل والآراء الصائبة، وَزيد فِي حَقه تلقي الْوَحْي، فَكل الْقُلُوب عِنْد النّوم عاطلة عَمَّا ينْتَفع بِهِ من الآراء والفكر سوى قلبه. وَقد كَانَ إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي استطرح وَغشيَ عَلَيْهِ، وَمثل تِلْكَ الغشية لَو أَصَابَت بعض أمته لانتقض وضوءه، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال حَافظ مَحْفُوظ من غليان الطباع واسترخاء مخارج الْأَحْدَاث، لِأَنَّهُ فِي سرائر الرب؛ فَبَان من هَذَا أَن النّوم يتَضَمَّن أَمريْن: رَاحَة وغفلة، فالراحة دَاخِلَة على أدواته من تَعب الْأَعْمَال، والغفلة غير دَاخِلَة على قلبه؛ إِذْ كَانَ قلبه على صفة أَعمال أهل الْيَقَظَة من سَلامَة الأفكار، وصيانة المحفوظات عَن الذّهاب، وَقَلبه غير عاطل عَمَّا وضع لَهُ من تلقي الْوَحْي واستمداده من أوَامِر الرب ونواهيه. قَالَ فَإِن قيل: فقد نَام عَن الصَّلَاة. قيل: إِنَّمَا فعل ذَلِك ليشرع بِفِعْلِهِ مَا يتعبد بِهِ أهل النسْيَان، وللأعمال أَحْكَام أوضح من الْأَقْوَال، كَمَا أمه جِبْرِيل فِي الصَّلَوَات، وَقد كَانَ يَنْتَظِم ذَلِك القَوْل، قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون نسيانه ونومه لعوارض كشف من عُلُوم تخصه ومعارف عطلته عَن الْقيام
стр. 1150
بِحُقُوق الظَّاهِر للُزُوم الْبَاطِن آدَاب التلقي، وَكَانَ كمن قَالَ من شغله ذكر محبوبه:
(فوَاللَّه مَا أَدْرِي إِذا مَا ذكرتها ... أثنتين صليت الضُّحَى أم ثمانيا)
وَمن هَذَا نسيانه عدد الرَّكْعَات حَتَّى قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ، فَلَمَّا عَاد الْقلب إِلَى حكم الظَّاهِر قَالَ: ((أحقا مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟)) .
وَقَوله: وَمُحَمّد فرق بَين النَّاس: أَي فَارق بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر، فَمن آمن بِهِ فَهُوَ مُؤمن، وَمن كفر بِهِ فَهُوَ كَافِر.
١٣٢١ - / ١٦٠١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: كَانَ رَسُول الله ﷺ يجمع بَين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد فِي ثوب وَاحِد، ثمَّ يَقُول: ((أَيهمْ اكثر أخذا لِلْقُرْآنِ؟)) فَيقدمهُ فِي اللَّحْد.
إِنَّمَا كَانَ يجمع بَينهم لِكَثْرَة الْقَتْلَى وَقلة الأكفان. وَإِنَّمَا قدم أَكْثَرهم قُرْآنًا لفضله على غَيره.
وَقَوله: ((أَنا شَهِيد على هَؤُلَاءِ)) أَي أشهد بإخلاصهم وَصدقهمْ.
وَأما كَونهم لم يغسلوا فقد اتّفق جَمَاهِير الْعلمَاء على أَن الشَّهِيد لَا يغسل بِحَال، وَقَالَ أَحْمد: إِلَّا أَن يكون جنبا وَاخْتلفُوا: هَل يصلى عَلَيْهِ؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يصلى عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي
стр. 1151
وَدَاوُد: لَا يصلى عَلَيْهِ. وَعَن أَحْمد كالمذهبين فَإِن قُلْنَا بِمذهب الشَّافِعِي فَهَذَا الحَدِيث دَلِيل عَلَيْهِ، وَإِن قُلْنَا بِمذهب أبي حنيفَة فقد رويت أَحَادِيث فِي أَنه صلى على قَتْلَى أحد، وَقَول جَابر: لم يصل، شَهَادَة على نفي، وَالْإِثْبَات مقدم.
١٣٢٢ - / ١٦٠٢ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: كَانَ لجَابِر أَرض فخنست، فَخَلا عَاما، فجَاء النَّبِي ﷺ فَقَالَ: ((أَيْن عريشك يَا جَابر؟)) .
قَوْله: خنست - يَعْنِي النّخل: تَأَخَّرت عَن قبُول الإبار وَلم يُؤثر فِيهَا التَّأْثِير الْكَامِل، فَلم تستكمل حملهَا.
والعريش مثل الْخَيْمَة يعْمل من خشب وحشيش وَنَحْو ذَلِك يستظل بِهِ فِي الْبُسْتَان من الشَّمْس.
١٣٢٣ - / ١٦٠٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: لما وضع الْمِنْبَر سمعنَا للجذع مثل أصوات العشار.
العشار: النوق الْحَوَامِل الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا عشرَة أشهر من يَوْم ضرب الْفَحْل لَهَا وَكَانَ فِي أصواتها نوع حنين إِلَى الْوَلَد.
١٣٢٤ - / ١٦٠٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: أَن النَّبِي ﷺ دخل على رجل وَهُوَ يحول المَاء فِي حَائِط لَهُ فِي سَاعَة حارة، فَقَالَ: ((إِن كَانَ عنْدك مَاء فِي شنة وَإِلَّا كرعنا)) .
стр. 1152
الْحَائِط: الْبُسْتَان.
والشنة: الْقرْبَة البالية، وَهِي أَشد تبريدا للْمَاء.
وَقَوله: ((كرعنا)) قَالَ ابْن فَارس: يُقَال: كرع فِي المَاء: إِذا تنَاوله بِفِيهِ من مَوْضِعه.
قَوْله: ثمَّ حلب عَلَيْهِ من دَاجِن. والداجن: الشَّاة تكون فِي الْبَيْت.
وَقد نبه هَذَا الحَدِيث على حفظ النَّفس وإعطائها حَقّهَا مِمَّا يصلحها؛ فَإِن المَاء الْحَار يوهن الأمعاء، ويولد رهلا، وَيفْسد الهضم ويذبل الْبدن، وَالْمَاء الْبَارِد يُقَوي الشَّهْوَة، ويشد الْمعدة، وَيحسن اللَّوْن، وَيمْنَع عفن الدَّم وصعود الأبخرة إِلَى الدِّمَاغ، ويحفظ الصِّحَّة، إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن يكون معتدلا، فَإِن المثلوج والشديد الْبُرُودَة يُؤْذِي. وَفِي هَذَا رد على جهلة المتزهدين الَّذين حرمُوا أنفسهم حظوظها الْمصلحَة لَهَا، وحملوا عَلَيْهَا مَا تعجز عَنهُ، وهم إِلَى أَن يذموا بظُلْم النُّفُوس أقرب من أَن يمدحوا بترك الْمصَالح.
١٣٢٥ - / ١٦٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا كَانَ يَوْم عيد خَالف الطَّرِيق.
هَذَا يحْتَمل عشرَة أوجه: أَحدهَا: أَنه قد رُوِيَ أَن الْمَلَائِكَة تقف يَوْم الْعِيد على أَفْوَاه الطّرق، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يمر على من لم يمر عَلَيْهِ مِنْهُم. وَالثَّانِي: أَن يكون أَرَادَ بِجَوَازِهِ فِي مَكَان لم يجز فِيهِ إِظْهَار الدّين، لِأَنَّهُ أَدَاء يري ذكر الدّين. وَالثَّالِث: أَن يغِيظ الْمُنَافِقين
стр. 1153
وَالْكفَّار بمشيه مَعَ أَصْحَابه. وَالرَّابِع: أَن يكون ذَلِك فِي بَدو أمره عِنْد قلَّة عدد الْمُسلمين. وَالْخَامِس: رُؤْيَة من لم يره من الْمُسلمين وَتَسْلِيم من لم يسلم عَلَيْهِ، لِأَن لقاءه أوفي البركات. وَالسَّادِس: أَن يسر بذلك من يرَاهُ من الْمُسلمين وَالْمُسلمَات. وَالسَّابِع: أَن تشهد الأَرْض بِالْمَشْيِ عَلَيْهَا فِي الْخَيْر. وَالثَّامِن: أَن يكون ذَلِك من سنَن الْعِيد، كالتكبير فِي زمَان الْمُضِيّ إِلَى الْمصلى وَفِي أَيَّام التَّشْرِيق. وَالتَّاسِع: لعلمه بحاجة النَّاس إِلَى مَسْأَلته ورؤيته. والعاشر: التفاؤل بإلقاء الذُّنُوب فِي طَرِيق الْمُضِيّ وَالرُّجُوع متنظفا.
١٣٢٦ - / ١٦٠٧ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَة، ثمَّ نَذْهَب إِلَى جمالنا فنريحها حِين تَزُول الشَّمْس.
هَذَا دَلِيل لمن يرى جَوَاز صَلَاة الْجُمُعَة قبل الزَّوَال، وَقد سبق الْكَلَام فِيهِ فِي مُسْند سهل بن سعد.
١٣٢٧ - / ١٦٠٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: ((من ترك مَالا فلأهله، وَمن ترك دينا أَو ضيَاعًا فَإِلَيَّ وَعلي)) .
الضّيَاع هَاهُنَا: حَاجَة الْعِيَال بعد الْمَيِّت، وفقرهم. وَقد كَانَ
стр. 1154
يشدد فِي أَمر الدّين حَتَّى إِنَّه يمْتَنع عَن الصَّلَاة على صَاحب الدّين كَمَا ذكرنَا فِي مُسْند أبي قَتَادَة وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع. وَقد بَينا هُنَاكَ أَنه مَنْسُوخ بِمَا سَيَأْتِي فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة وَهَذَا الحَدِيث.
١٣٢٨ - / ١٦٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أَن النَّبِي ﷺ خرج عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان، فصَام حَتَّى بلغ كرَاع الغميم، ثمَّ دَعَا بقدح من مَاء فرفعه حَتَّى نظر النَّاس إِلَيْهِ ثمَّ شرب.
قد سبق بَيَان هَذَا.
وكراع الغميم مَوضِع.
وَإِنَّمَا رفع الْإِنَاء ليراه النَّاس فيقتدوا بِفِعْلِهِ.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن الْفطر فِي السّفر أفضل. وَقد ذكرنَا الْخلاف فِي هَذَا فِي مُسْند أبي الدَّرْدَاء. وَلما كَانَ مَقْصُوده بإفطاره إفطار النَّاس لم يكن لأحد أَن يُخَالِفهُ، فَلَمَّا صَامَ قوم أطلق عَلَيْهِم اسْم ((العصاة)) .
١٣٢٩ - / ١٦١٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن أَسمَاء بنت عُمَيْس نفست بِذِي الحليفة، فَأمر رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر أَن تَغْتَسِل وتهل.
هَذِه أَسمَاء زوج أبي بكر الصّديق، كَانَت حَامِلا: فنفست بِمُحَمد ابْن أبي بكر. وَإِنَّمَا أمرهَا أَن تَغْتَسِل - وَإِن كَانَ غسل النُّفَسَاء لَا يَصح -
стр. 1155
لفائدتين: إِحْدَاهمَا: أَن تتشبه بالطاهرات، كَمَا أَمر من أكل يَوْم عَاشُورَاء بإمساك بَقِيَّة النَّهَار. وَالثَّانيَِة: التَّنْبِيه على أَن من سنة الْإِحْرَام الْغسْل.
١٣٣٠ - / ١٦١١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن: دَخَلنَا على جَابر بن عبد الله فَقَامَ فِي نساجة ملتحفا بهَا.
النساجة: ضرب من الملاحف المنسوجة. وَقد رَوَاهُ قوم: ساجة: وَهِي الطيلسان.
وَقد فسرنا المشجب قبل أَحَادِيث يسيرَة، وَأَنه أَعْوَاد مركبة يوضع عَلَيْهَا الرحل وَالثيَاب.
وَإِنَّمَا صلى جَابر فِي ثوب وثيابه مَوْضُوعَة ليعلمهم جَوَاز ذَلِك.
وَقَوله: مكث تسع سِنِين لم يحجّ. يحْتَج بِهِ من لَا يرى وجوب الْحَج على الْفَوْر وَيَقُول: قد ثَبت وجوب الْحَج قبل حج الرَّسُول ﷺ بسنين، ويستدلون بِحَدِيث ضمام الْوَافِد، وَأَنه قدم فِي سنة خمس، وَأَن رَسُول الله ﷺ ذكر لَهُ فَرَائض الْإِسْلَام وَمِنْهَا الْحَج، قَالُوا: فَإِذا كَانَ الْحَج قد فرض فِي سنة خمس ثمَّ أَخّرهُ الرَّسُول ﷺ إِلَى سنة تسع دلّ على أَنه لَا يجب على الْفَوْر.
وَالْجَوَاب: أَن قد ثَبت بالأدلة الجلية أَن الْأَمر الْمُطلق يَقْتَضِي الْفَوْر، فَمن أَدِلَّة الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد إِذْ أَمرتك﴾ [الْأَعْرَاف: ١٢] وَلَو كَانَ الْأَمر على التَّرَاخِي لما حسن العتب. وَمن أَدِلَّة
стр. 1156
الحَدِيث قَول النَّبِي ﷺ لأبي سعيد بن الْمُعَلَّى حِين دَعَاهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَلم يجبهُ: ((مَا مَنعك إِذْ دعوتك أَن تُجِيبنِي. ألم يقل الله : ﴿اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ﴾ ؟ [الْأَنْفَال: ٢٤] وَلم يفسح لَهُ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى أَن تَنْقَضِي الصَّلَاة.
وَمن أَدِلَّة اللُّغَة أَن الْأَلْفَاظ الْمُطلقَة يُفِيد مقتضاها عقيب وجودهَا؛ وَلِهَذَا وَقع حكم اللَّفْظ عقيب اللَّفْظ، كَالْبيع وَالطَّلَاق، وَلِهَذَا أجمع اللغويون على أَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ: قُم، فتوقف من غير عذر أَنه يحسن لومه وعقابه.
فَإِذا ثَبت هَذَا الأَصْل قُلْنَا: قد اخْتلف أَولا فِي قدوم ضمام، فَروِيَ أَنه كَانَ فِي سنة تسع، فَيكون معنى قَول جَابر: مكث تسعا لم يحجّ: أَي لم يُخَاطب بذلك. وَرُوِيَ أَنه كَانَ فِي سنة خمس، فعلى هَذَا نقُول: مَا قعد عَن الْحَج تسعا. وَإِنَّمَا هَذَا ذكر الزَّمَان الَّذِي لم يَقع فِيهِ الْحَج وَإِن سلم أَن الْحَج تقدم فَرْضه فتأخير الرَّسُول ﷺ لَهُ قَضِيَّة فِي عين، فَهِيَ تحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الله أعلم نبيه أَنه لَا يَمُوت حَتَّى يحجّ فَأَخَّرَهُ ثِقَة بالإدراك، وَهَذَا جَوَاب أبي زيد الْحَنَفِيّ.
وَالثَّانِي: أَن يكون أَخّرهُ لعذر، بِدَلِيل اتفاقنا على أَن تَقْدِيمه أفضل وَلم يكن ليترك الْأَفْضَل إِلَّا لعذر. وَقد ذكرُوا لَهُ خَمْسَة أعذار: أَحدهَا: الْفقر. وَالثَّانِي: الْخَوْف على نَفسه، وَلِهَذَا كَانَ يحرس إِلَى أَن نزل عَلَيْهِ ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ [الْمَائِدَة: ٦٧] وَالثَّالِث: الْخَوْف على الْمَدِينَة من الْمُشْركين. وَالرَّابِع: أَن يكون رأى تَقْدِيم الْجِهَاد
стр. 1157
وتدبير الجيوش أولى من تَقْدِيم الْحَج، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر. وَالْخَامِس: غَلَبَة الْمُشْركين على مَكَّة وَظُهُور شركهم فِي زمَان الْحَج، وَلم يُمكنهُ الْإِنْكَار، فَلَمَّا بعث أَبَا بكر ونادى أَلا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك حج لزوَال الْعذر.
وَقَوله لأسماء: ((اغْتَسِلِي)) قد تكلمنا عَلَيْهِ فِي الحَدِيث الَّذِي قبله.
وَقَوله: ((استثفري)) الإستثفار: شدّ الثَّوْب على مَحل الدَّم ليمنع الجريان، وَهُوَ مشبه بثفر الدَّابَّة.
وَقَوله: ثمَّ ركب الْقَصْوَاء. قد بَينا فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك.
وَقَوله: فَأهل بِالتَّوْحِيدِ: أَي بِالْحَجِّ وَحده. وَيحْتَمل: أهل بِهَذِهِ الْكَلِمَات الْمَذْكُورَة: ((لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك)) التَّلْبِيَة الْمُشْتَملَة على التَّوْحِيد، وَهِي الَّتِي سبقت فِي مُسْند ابْن عمر.
وَأهل النَّاس بِهَذَا الَّذِي يهلون بِهِ. أَي أَنهم يزِيدُونَ فِيهَا وينقصون وَلم يُنكر عَلَيْهِم.
واستلم الرُّكْن: أَي لمسه.
والرمل قد فسرناه فِي مَوَاضِع.
والصفا: الْحِجَارَة الصلبة. والمروة: الْحِجَارَة اللينة.
стр. 1158
وشعائر الله: متعبداته.
وَقَوله: ((أبدأ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ)) هَذَا يدل على اعْتِبَار الْبِدَايَة فِي اللَّفْظ وَإِن كَانَ الْكَلَام مجموعا بِالْوَاو، فَإِن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الصَّفَا والمروة﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٨] مثل قَوْله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ﴾ [الْمَائِدَة: ٦] وَفِي هَذَا دَلِيل على أبي حنيفَة فِي وجوب التَّرْتِيب فِي الْوضُوء.
وَقَوله: فرقي عَلَيْهِ. الْقَاف مَكْسُورَة، وَالْمعْنَى: صعد وارتفع.
فَإِذا فتحت الْقَاف كَانَ من الرّقية. وعوام الْمُحدثين يفتحونها جهلا باللغة.
وَقَوله: ((لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت لم أسق الْهَدْي)) قد تقدم الْكَلَام فِي سَبَب تأسفه فِي مُسْند ابْن عَبَّاس، وَتقدم قَول سراقَة وَالْكَلَام فِيهِ هُنَالك أَيْضا.
وَقَوله: ثيابًا صبيغا: أَي مصبوغة.
والتحريش: وصف مَا يُوجب عتاب المغرى وتوبيخه للمحرش عَلَيْهِ.
ونمرة: مَوضِع قريب من عَرَفَة.
وَقَوله: ((إِن أول دم أَضَعهُ من دمائنا دم ابْن ربيعَة بن الْحَارِث)) ربيعَة هُوَ ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وَكَانَ أسن من الْعَبَّاس بِسنتَيْنِ، وَلما خرج الْمُشْركُونَ إِلَى بدر كَانَ ربيعَة غَائِبا بِالشَّام فَلم يشهدها مَعَهم، فَلَمَّا خرج الْعَبَّاس وَنَوْفَل مُهَاجِرين إِلَى رَسُول الله ﷺ أَيَّام الخَنْدَق شيعهما ربيعَة، فَلَمَّا أَرَادَ الرُّجُوع قَالَا:
стр. 1159
أَيْن نرْجِع وَقد عز رَسُول الله وَكثر أَصْحَابه؟ فَأقبل مَعَهم حَتَّى قدمُوا على رَسُول الله ﷺ مُسلمين مُهَاجِرين، وَشهد ربيعَة مَعَ رَسُول الله ﷺ فتح مَكَّة والطائف، وَثَبت مَعَه يَوْم حنين.
وَأما ابْن ربيعَة الَّذِي وضع رَسُول الله ﷺ دَمه فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: إِيَاس. وَالثَّانِي: تَمام. وَالثَّالِث: آدم، ذكرهَا ابْن سعد وَقَالَ: نرى من قَالَ آدم رأى فِي الْكتاب: دم ابْن ربيعَة، فَزَاد ألفا.
وَكَانَ قد استرضع لهَذَا الْوَلَد فِي هُذَيْل، فَقتله بَنو لَيْث بن بكر فِي حَرْب كَانَت بَينهم، كَانَ يحبو أَمَام الْبيُوت فَرَمَوْهُ بِحجر فرضخوا رَأسه.
وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو عبيد وَقَالَ فِيهِ: ((أول دم أَضَع دم ربيعَة ابْن الْحَارِث)) . ثمَّ فسره وَقَالَ: أضَاف الدَّم إِلَى ربيعَة لِأَنَّهُ ولي الدَّم.
وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي بعض الطّرق كَذَلِك، وَحكى أَبُو سُلَيْمَان أَن أَبَا دَاوُد رَوَاهُ دم الْحَارِث بن عبد الْمطلب، فَتكون الْإِشَارَة إِلَى الْجد.
وَقد غلط بعض الْمُحدثين فَرَوَاهُ: دم أبي ربيعَة، وَلَيْسَ بِشَيْء، وَالصَّحِيح الأول.
وَإِنَّمَا خص الرَّسُول ﷺ ابْن عَمه بِالذكر ليعلم أَنه لَا رخصَة لأحد فِي هَذَا.
وَقَوله: ((بِأَمَان الله)) الْأمان: الْعَهْد. ويروى: بأمانة الله.
стр. 1160
وَقَوله: ((بِكَلِمَة الله)) يُشِير إِلَى عقد النِّكَاح. وَقَالَ الْخطابِيّ: هِيَ قَوْله: ﴿فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٩] .
وَقَوله: ((أَن لَا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه)) هَذَا محو لعادة الْعَرَب فِي كَون الْمَرْأَة تَأذن للرِّجَال الْأَجَانِب فِي مجالستها ومحادثتها، فَمن ظن أَنه يُشِير بذلك إِلَى الزِّنَا فقد أَخطَأ.
والمبرح: الشَّديد.
وَقَوله: ينكبها إِلَى النَّاس: أَي يميلها إِلَيْهِم مشهدا الله عَلَيْهِم.
يُقَال نكب الرجل كِنَانَته: إِذا أمالها وكبها.
وَأما الْحَبل فَهُوَ مَا استطال من الرمل. وَقيل: هُوَ مَا كَانَ دون الْجبَال فِي الإرتفاع.
وَقَوله: وَقد شنق للقصواء الزِّمَام. يُقَال: شنق الرجل زِمَام نَاقَته: إِذا ضمه إِلَيْهِ كفا لَهَا عَن الْإِسْرَاع.
ومورك الرحل: مَا يكون بَين يَدي الرحل يضع الرَّاكِب رجله عَلَيْهِ.
وَقَوله: فصلى بِأَذَان وَإِقَامَتَيْنِ. قد سبق بَيَان الْجمع بِمُزْدَلِفَة فِي مُسْند ابْن عمر.
وَقَوله: وَلم يسبح بَينهمَا: أَي لم يتَنَفَّل.
وَقَوله: فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس. هَذَا بِخِلَاف عَادَة الْجَاهِلِيَّة.
следующие страницы →