Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
الرُّؤْيَا يكرهها فليبصق عَن يسَاره)) وَقد سبق فِي مُسْند أبي قَتَادَة.
١٣٩٥ - / ١٦٩٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين: ((من رَآنِي فِي النّوم فقد رَآنِي)) .
وَقد سبق فِي مُسْند أبي قَتَادَة، وتكلمنا هُنَالك عَن أَقسَام الرُّؤْيَا.
وَفِي هَذَا الحَدِيث أَن رجلا قَالَ: رَأَيْت كَأَن رَأْسِي ضرب فتدحرج، واشتددت فِي إثره. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((لَا تحدث النَّاس بتلعب الشَّيْطَان بك)) وَهَذَا تَنْبِيه على أَن كل رُؤْيا كَانَت من هَذَا الْجِنْس فَلَا يَنْبَغِي أَن يتحدث بهَا، فَإِنَّهَا من الشَّيْطَان.
١٣٩٦ - / ١٦٩١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين: أَن عبدا لحاطب قَالَ: ليدخلن حَاطِب النَّار. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((كذبت، لَا يدخلهَا، فَإِنَّهُ شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة)) .
هَذَا حَاطِب بن أبي بلتعة. وَفِي هَذَا الحَدِيث بِشَارَة لمن شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة، وَقد قَالَ فِي أهل بدر: ((لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم؛ فَإِنِّي قد غفرت لكم)) . وَقَالَ الله تَعَالَى فِي أهل الْحُدَيْبِيَة: ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ [الْفَتْح: ١٨] .
стр. 1192
١٣٩٧ - / ١٦٩٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين: ((أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ فَذكر الحَدِيث وَقَرَأَ: ﴿لست عَلَيْهِم بمسيطر﴾ [الغاشية: ٢٢] أما الحَدِيث فقد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
وَأما المسيطر فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الْمُسَلط. قَالَ اللغويون: يُقَال: تسيطر وتصيطر بِالسِّين وَالصَّاد، وَالْأَصْل السِّين، وكل سين بعْدهَا طاء يجوز أَن تقلب صادا، كَمَا تَقول سطر وصطر، وسطا علينا وصطا.
وَلم يَأْتِ فِي كَلَام الْعَرَب اسْم على ((مفيعل)) إِلَّا خَمْسَة أَسمَاء: مسيطر وَهُوَ الْمُسَلط، ومهيمن وَهُوَ الشَّاهِد، ومجيمر وَهُوَ اسْم جبل، ومبيطر أَي بيطار، ومبيقر وَهُوَ الَّذِي خرج من أَرض إِلَى أَرض، يُقَال: بيقر الرجل: إِذا خرج من بلد إِلَى بلد، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس.
(أَلا هَل أَتَاهَا والحوادث جمة ... بِأَن امْرأ الْقَيْس بن تملك بيقرا) .
١٣٩٨ - / ١٦٩٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع والثمانين: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 1193
دخل مَكَّة يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء.
المُرَاد من هَذَا الحَدِيث أَنه دخل غير محرم. وَاعْلَم أَن من أَرَادَ دُخُول مَكَّة لَا للنسك بل لحَاجَة، فَلَا تَخْلُو هَذِه الْحَاجة من أَمريْن: إِمَّا أَن تكون متكررة كالإحتطاب والإحتشاش فَهَذَا لَا يلْزمه الْإِحْرَام.
وَإِمَّا أَن تكون غير متكررة كالتجارة، فَهَل يلْزمه الْإِحْرَام أم لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد، وقولان للشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: من كَانَ من أهل الْمِيقَات إِلَى مَكَّة لَا يلْزمه، وَمن كَانَ خَارج الْمِيقَات لزمَه الْإِحْرَام. فَإِذا قُلْنَا: لَا يلْزم الدَّاخِل لحَاجَة غير متكررة الْإِحْرَام فَلَا كَلَام، وَإِن قُلْنَا: يلْزم، كَانَ دُخُول الرَّسُول ﷺ إِلَى مَكَّة غير محرم خَاصّا لَهُ، بِدَلِيل قَوْله: ((وَإِنَّمَا أحلّت لي سَاعَة من نَهَار)) .
١٣٩٩ - / ١٦٩٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين: فِيهِ شَيْء يتَعَلَّق بِالْقدرِ. وَقد سبق بَيَانه فِي مُسْند عمر وَعلي وَعمْرَان بن حُصَيْن وَغَيرهم.
وَفِيه: أَرَأَيْت عُمْرَتنَا، لِعَامِنَا أم لِلْأَبَد؟ وَفِيه: ((من لم يكن مَعَه هدي فليحلل)) وَقد سبق تَفْسِير ذَلِك فِي مُسْند ابْن عَبَّاس وَغَيره.
١٤٠٠ - / ١٦٩٦ - وَفِي الحَدِيث التسعين: ((لَا تذبحوا إِلَّا مُسِنَّة إِلَّا أَن يعسر عَلَيْكُم فتذبحوا جَذَعَة من الضَّأْن)) .
стр. 1194
المسنة: مَا لَهَا سنتَانِ وَأكْثر. والجذعة من الضَّأْن: مَا كمل لَهُ سِتَّة أشهر وَدخل فِي السَّابِع، فَأَما من الْمعز فَمَا لَهُ سنة وَقد دخل فِي الثَّانِيَة. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: ولد الضَّأْن أول سنة حمل، ثمَّ يكون جذعا فِي الثَّانِيَة، ثمَّ ثنيا، ثمَّ رباعيا. وَولد المعزى أول سنة جدي، ثمَّ تنقله فِي الْأَسْنَان مثل تنقل الْحمل. وَقَالَ ابْن فَارس: يُقَال لأَوْلَاد الْغنم سَاعَة تضعه أمه من الضَّأْن والمعز جَمِيعًا، ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى: سخلة، ثمَّ هُوَ الْبَهِيمَة. فَإِذا أَتَى عَلَيْهَا الْحول وَدخلت فِي الثَّانِيَة فَهِيَ جَذَعَة. فَإِذا أَتَت عَلَيْهَا سنتَانِ وَدخلت فِي الثَّالِثَة فَهِيَ ثنية. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْجذع يخْتَلف فِي أَسْنَان الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبَقر والشاه، وَيَنْبَغِي أَن يُفَسر قَول الْعَرَب فِيهِ تَفْسِيرا مشبعا لحَاجَة النَّاس إِلَى مَعْرفَته فِي أضاحيهم وصدقاتهم: فَأَما الْبَعِير فَإِنَّهُ يجذع لاستكماله أَرْبَعَة أَعْوَام ودخوله فِي الْخَامِسَة، وَأما الْجذع من الْخَيل فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: إِذا استتم الْفرس سنتَيْن وَدخل فِي الثَّالِثَة فَهُوَ جذع، وَإِذا استتم الثَّالِثَة وَدخل فِي الرَّابِعَة فَهُوَ ثني. وَأما الْجذع من الْبَقر فَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِذا طلع قرن الْعجل وَقبض عَلَيْهِ فَهُوَ عضب، ثمَّ هُوَ بعد ذَلِك جذع، وَبعده ثني. وَقَالَ عتبَة بن أبي حَكِيم: لَا يكون الْجذع من الْبَقر حَتَّى يكون لَهُ سنتَانِ وَأول يَوْم من الثَّالِثَة. وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير الْجذع من الضَّأْن والمعز، فَقَالَ أَبُو زيد فِي المعزى خَاصَّة: يكون جذعا فِي السّنة الثَّانِيَة، ثمَّ ثنيا فِي الثَّالِثَة، ثمَّ رباعيا فِي الرَّابِعَة، وَلم يذكر الضَّأْن. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الإجذاع وَقت وَلَيْسَ بسن. وَقَالَ:
стр. 1195
والعناق تجذع لسنة، وَرُبمَا أجذعت العناق قبل تَمام السّنة للخصب فتسمن فيسرع إجذاعها، فَهِيَ جَذَعَة لسنة، وثنية لتَمام سنتَيْن. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: فرق ابْن الْأَعرَابِي بَين المعزى والضأن، فَجعل الضَّأْن أسْرع إجذاعا، وَهَذَا الَّذِي قَالَ إِنَّمَا يكون مَعَ خصب السّنة وَكَثْرَة اللَّبن والعشب. وَقَالَ يحيى بن آدم: إِنَّمَا يَجْزِي الْجذع من الضَّأْن فِي الْأَضَاحِي لِأَنَّهُ ينزو ويلقح، وَإِذا كَانَ من المعزى لم يلقح حَتَّى يثني. وَقَالَ اللَّيْث: الْجذع من الدَّوَابّ والأنعام أول مَا يُسْتَطَاع ركُوبه.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْخرقِيّ: سَمِعت أبي يَقُول: سَأَلت بعض أهل الْبَادِيَة: كَيفَ تعرفُون الضَّأْن إِذا أجذع؟ فَقَالُوا: لَا تزَال الصوفة قَائِمَة على ظَهره مَا دَامَ حملا، فَإِذا نَامَتْ الصوفة على ظَهره علم أَنه قد أجذع.
١٤٠١ - / ١٦٩٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالتسْعين: كَانَ ينْبذ لرَسُول الله ﷺ فِي سقاء فَإِن لم يَجدوا سقاء نبذوا لَهُ فِي تور من حِجَارَة. فَقيل لأبي الزبير: من برام؟ قَالَ: من برام.
السقاء: الْقرْبَة. قَالَ أَبُو زيد: يُقَال لمسك السخلة مَا دَامَت ترْضع الشكوة، فَإِذا فطم فمسكة البدرة. قَالَ فَإِذا أجذع فمسكة السقاء.
стр. 1196
والتور كلمة فارسية: وَهُوَ اسْم آنِية من حِجَارَة، مَعْرُوف. قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ عَن أبي عبيد عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: وَمِمَّا دخل فِي كَلَام الْعَرَب الطست، والتور. وَهِي فارسية. قَالَ شَيخنَا: وَقَالَ ابْن دُرَيْد: فَأَما التور: الرَّسُول فعربي صَحِيح، وَأنْشد:
(والتور فِيمَا بَيْننَا معمل ... يرضى بِهِ المأتي والمرسل)
المأتي: الَّذِي يُؤْتى فِي الرسَالَة، من قَول: أَتَيْته. قَالَ: وَقَالَ ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي. التورة: الْجَارِيَة الَّتِي ترسل بَين العشاق.
والبرام: نوع من الْحِجَارَة يعْمل مِنْهُ الْقُدُور. وَكَانَ ينْبذ لَهُ فِي تِلْكَ الْأَوَانِي مَا يطْلب نقيعه كالتمر وَالزَّبِيب وَغير ذَلِك.
١٤٠٢ - / ١٦٩٨ - وَقد سبق بَيَان الحَدِيث الثَّانِي وَالتسْعين: عَن مُسْند ابْن عَبَّاس، والْحَدِيث الثَّالِث وَالتسْعين فِي مُسْند النُّعْمَان بن بشير.
١٤٠٣ - / ١٧٠٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالتسْعين: ((لايموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه ) .
стр. 1197
اعْلَم أَن الْخَوْف كالسوط يَسُوق النَّفس لتسعى فِي الْعَمَل، فَإِذا نزل الْمَوْت كَانَ ككلال الْبَعِير، فَيكون الرَّجَاء أولى، لِأَن المسوق قد كل فَلَا فَائِدَة فِي ضربه بِسَوْط الْخَوْف. قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ لِابْنِهِ عِنْد الْمَوْت: اقْرَأ عَليّ أَحَادِيث الرُّخص لألقى الله وَأَنا أحسن الظَّن بِهِ.
١٤٠٤ - / ١٧٠١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالتسْعين: إِن النَّبِي ﷺ رأى امْرَأَة، فَأتى امْرَأَته زَيْنَب وَهِي تمعس منيئة لَهَا، فَقضى حَاجته ثمَّ خرج فَقَالَ: ((إِن الْمَرْأَة تقبل فِي صُورَة شَيْطَان وتدبر فِي صُورَة شَيْطَان، فَإِذا أبْصر أحدكُم امْرَأَة فليأت أَهله، فَإِن ذَلِك يرد مَا فِي نَفسه)) .
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: تمعس: تدبغ، وأصل المعس الدَّلْك. والمنيئة: الْجلد مَا كَانَ فِي الدّباغ.
وَقَوله: ((فِي صُورَة شَيْطَان)) أَي إِن الشَّيْطَان يزين أمرهَا ويحث عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يقوى ميل النَّاظر إِلَيْهَا على قدر قُوَّة شبقه، فَإِذا جَامع أَهله قل المحرك وَحصل الْبَدَل.
١٤٠٥ - / ١٧٠٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالتسْعين: أَوله قد تقدم فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَآخره فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس.
١٤٠٦ - / ١٧٠٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالتسْعين: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((من يصعد الثَّنية ثنية المرار - وَفِي لفظ - أَو المرار - فَإِنَّهُ يحط عَنهُ مَا حط عَن بني إِسْرَائِيل)) وَكَانَ أول من صعد خَيْلنَا خيل بني
стр. 1198
الْخَزْرَج، ثمَّ تتام النَّاس، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((وكلكم مغْفُور لَهُ إِلَّا صَاحب الْجمل الْأَحْمَر)) فأتيناه، فَقُلْنَا: تعال يسْتَغْفر لَك رَسُول الله. فَقَالَ: وَالله لِأَن أجد ضالتي أحب إِلَيّ من أَن يسْتَغْفر لي صَاحبكُم - وَكَانَ رجلا ينشد ضَالَّة لَهُ.
هَذَا كَانَ فِي غزَاة. وصعود هَذِه الثَّنية إِنَّمَا كَانَ للإقدام على الْأَعْدَاء، وَصَاحب الْجمل الْأَحْمَر كَانَ منافقا.
١٤٠٧ - / ١٧٠٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالتسْعين: أَن الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي قَالَ: يَا رَسُول الله، هَل لَك فِي حصن حُصَيْن ومنعة. حصن كَانَ لدوس فِي الْجَاهِلِيَّة. فَأبى ذَلِك رَسُول الله ﷺ للَّذي ذخر الله للْأَنْصَار، فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة هَاجر إِلَيْهِ الطُّفَيْل، وَهَاجَر مَعَه رجل من قومه، فاجتووا الْمَدِينَة، فَمَرض فجزع، فَأخذ مشاقص لَهُ فَقطع بهَا براجمه، فشخبت يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْل فِي مَنَامه وهيئته حَسَنَة، وَرَآهُ مغطيا يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا صنع بك رَبك؟ . قَالَ: غفر لي لهجرتي إِلَى نبيه ﷺ . فَقَالَ: مَا لي أَرَاك مغطيا يَديك؟ قَالَ: قيل لي: لن نصلح مِنْك مَا أفسدت. فَقَصَّهَا الطُّفَيْل على رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ وليديه فَاغْفِر)) .
أما امْتنَاع رَسُول الله ﷺ من الْحصن فَإِن التحصن بالجدران فعل الجبان، وَإِنَّمَا التحصن بِالسُّيُوفِ والمبارزة فعل الشجاع. وَسمي الْحصن حصنا من الإمتناع. والمنعة: مَا تمنع. وَهَذَا إِنَّمَا عرضه
стр. 1199
عَلَيْهِ لما كَانَ بِمَكَّة.
واجتووا الْمَدِينَة: كرهوها وَلم توافقهم.
والمشاقص جمع مشقص: وَهُوَ نصل السهْم إِذا كَانَ طَويلا وَلم يكن عريضا.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: والبراجم عِنْد الْعَرَب: الفصوص الَّتِي فِي فضول ظُهُور الْأَصَابِع تبدو إِذا جمعت، وَتغمضُ إِذا بسطت.
والرواجب: مَا بَين البراجم، بَين كل برجمتين راجبة.
وَقَوله: فشخبت يَدَاهُ. والشخب: مَا امْتَدَّ من اللَّبن حَتَّى يسيل.
وَيُقَال: شخبت أوداج الْقَتِيل دَمًا، تَشْبِيها بذلك.
وَإِنَّمَا تركت يَدَاهُ على حَالهَا وَقد كَانَ يُمكن أَن تعمها الْمَغْفِرَة فتصلح ليعلم قدر هَذَا الذَّنب، محذرا السَّامع للْحَال من مثله.
١٤٠٨ - / ١٧٠٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالتسْعين: أَنه قَالَ لامْرَأَة: ((مَالك تزفزفين؟)) قَالَت: الْحمى، لَا بَارك الله فِيهَا.
تزفزفين من الزفزفة وَهِي تَحْرِيك الرِّيَاح الْحَشِيش حَتَّى يصوت، وَيُقَال للريح إِذا اشْتَدَّ هبوبها زفزافة، لصوت حركتها. وَقد رَوَاهُ بَعضهم: ((ترفرفين)) بالراء واجتح بِأَن الرفرفة تَحْرِيك الطَّائِر جناحيه، فَشبه رعدتها للحمى وانزعاجها بتحريك الطَّائِر جناحيه، وَالْأول أصح.
وَقَوله: فِي الْحمى: ((إِنَّهَا تذْهب الْخَطَايَا كَمَا يذهب الْكِير
стр. 1200
خبث الْحَدِيد)) قد سبق معنى الْكِير والخبث. وَإِنَّمَا فعلت الْحمى فِي الْخَطَايَا هَذَا لِأَن الإلتذاذ بِالْمَعَاصِي يكون بِالْقَلْبِ والجوارح، والحمى حرارة تنشأ من الْقلب وتعم الْجَوَارِح، فَلَا يبْقى فِي الْبدن - الَّذِي التذ - شَيْء إِلَّا تألم، فَلذَلِك تصفيه من الْخَطَايَا.
١٤٠٩ - / ١٧٠٦ - وَفِي الحَدِيث الْمِائَة: قد تقدم فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٤١٠ - / ١٧٠٧ - وَفِي الحَدِيث الأول بعد الْمِائَة: دخل عمر فَوجدَ النَّبِي ﷺ واجما.
الواجم: السَّاكِت لأمر يكرههُ كالمهتم بِهِ، يُقَال: وجم يجم وجوما. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: وجم بِمَعْنى حزن.
قَوْله: لأقولن شَيْئا أضْحك رَسُول الله ﷺ . دَلِيل على جَوَاز التحديث بِحَدِيث يضْحك.
قَوْله: فوجأ عُنُقهَا. يُقَال: وجأ عُنُقه يجأها: إِذا دقها.
وَبَاقِي الحَدِيث قد تقدم فِي مُسْند عمر.
١٤١١ - / ١٧٠٩ - والْحَدِيث الثَّالِث بعد الْمِائَة: قد تقدم فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
стр. 1201
١٤١٢ - / ١٧١٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْمِائَة: ((أَلا لَا يبيتن رجل عِنْد امْرَأَة ثيب إِلَّا أَن يكون ناكحا أَو ذَا محرم)) .
إِنَّمَا خص الثّيّب بِالذكر وَإِن كَانَت الْبكر فِي حكمهَا أَيْضا؛ لِأَن الْبكر كالشيء الْمَخْتُوم عَلَيْهِ، وَلها زواجر من نَفسهَا: مِنْهَا كَونهَا لم تعرف هَذَا الْفَنّ وَلم تذق لذته، وَمِنْهَا شدَّة الْحيَاء لبعدها عَن الرِّجَال، وَمِنْهَا حذرها من الْأَلَم، وَمِنْهَا خوف الفضيحة، وكل هَذِه الْأَشْيَاء تقاوم مَا تؤثره فَتَردهُ أَو تقفه، وللرجل من جملَة زواجره خَوفه الفضيحة بافتضاضها، وَالثَّيِّب قد ارْتَفَعت هَذِه الْمَوَانِع فِي حَقّهَا، فَلذَلِك خصت بِالذكر.
١٤١٣ - / ١٧١١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس بعد الْمِائَة: ((فَإِن قِرَاءَة آخر اللَّيْل محضورة)) .
أَي تحضرها الْمَلَائِكَة.
١٤١٤ - / ١٧١٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس بعد الْمِائَة: إِن من اللَّيْل سَاعَة لَا يُوَافِقهَا مُسلم يسْأَل الله خيرا إِلَّا أعطَاهُ.
إِنَّمَا سترت هَذِه السَّاعَة وَلم تعين ليقوى الْحِرْص فِي طلبَهَا فيكثر التَّعَبُّد، كَمَا أخفيت سَاعَة الْجُمُعَة وَلَيْلَة الْقدر، وَلَو عينت لخصها النَّاس بِالطَّلَبِ وَترك مَا سواهَا.
١٤١٥ - / ١٧١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع بعد الْمِائَة: ((الإستجمار تو)) .
قد فسر هَذَا الحَدِيث، وَأَنه كالوتر، كالثلاثة والخمسة والسبعة
стр. 1202
وَمَا كَانَ فَردا.
١٤١٦ - / ١٧١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الْمِائَة: ((لَا يحل حمل السِّلَاح بِمَكَّة)) .
الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى تَحْرِيم الْقِتَال بِمَكَّة. وَإِنَّمَا أحلّت لرَسُول الله ﷺ سَاعَة من نَهَار.
١٤١٧ - / ١٧١٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع بعد الْمِائَة: سَأَلت جَابِرا عَن ثمن الْكَلْب والسنور فَقَالَ: زجر النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك.
أما الْكَلَام فِي ثمن الْكَلْب فقد سبق فِي مُسْند أبي جُحَيْفَة.
وَأما بيع السنور فقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي جَوَاز بيع السنور. فَروِيَ عَنهُ: يجوز، وَهِي اخْتِيَار الْخرقِيّ وَمذهب الشَّافِعِي.
وَعَن أَحْمد: لَا يجوز، وَهِي اخْتِيَار أبي بكر عبد الْعَزِيز بن جَعْفَر، وَهِي أصح لهَذَا الحَدِيث، وَلِأَن السنور كالوحشي الَّذِي لَا يملك قياده، وَلَا يكَاد يَصح التَّسْلِيم فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قد يألف بعض الْأَمَاكِن مُدَّة ثمَّ ينْتَقل عَنْهَا إِلَى غَيرهَا، وَلَيْسَ كالدواب الَّتِي ترْبط وتحبس، وَلَو ربطه المُشْتَرِي وحبسه لم ينْتَفع بِهِ. وَيحْتَمل أَن يكون نهى عَن بيع هَذِه الْأَشْيَاء ليرتفق بهَا النَّاس وَلَا يَأْخُذُوا لَهَا ثمنا.
١٤١٨ - / ١٧١٦ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر بعد الْمِائَة: أَن امْرَأَة سرقت،
стр. 1203
فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ((وَالله، لَو أَن فَاطِمَة سرقت لَقطعت يَدهَا)) .
وَإِنَّمَا قَالَ: لَو كَانَت فَاطِمَة، لِأَن تِلْكَ الْمَرْأَة اسْمهَا فَاطِمَة، فَقَالَ: لَو كَانَت فَاطِمَة ابْنَتي. وَسَتَأْتِي قصَّة هَذَا الْمَرْأَة مشروحة فِي مُسْند عَائِشَة.
١٤١٩ - / ١٧١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر بعد الْمِائَة: أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير. فَمَا زَالَ الرجل يَأْكُل مِنْهُ وضيفهما حَتَّى كاله، فَأتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: ((لَو لم تكله لأكلتم مِنْهُ ولقام لكم)) .
الشّطْر: النّصْف. والوسق: سِتُّونَ صَاعا. وَقَوله: ((لقام لكم)) أَي بَقِي، وَكَانَت الْبركَة تنزل فِي ذَلِك الطَّعَام فاستطال الرجل مدَّته فكاله، ينظر مَا بَقِي، فَلَمَّا وقف مَعَ الْعَادَات وكل إِلَيْهَا كَمَا وقف المَاء حِين زمته هَاجر.
١٤٢٠ - / ١٧٢٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر بعد الْمِائَة: أَن أم مَالك كَانَت تهدي للنَّبِي ﷺ فِي عكة لَهَا سمنا، فيأتيها بنوها فَيسْأَلُونَ الْأدم، فتعمد إِلَى الَّتِي كَانَت تهدي فِيهَا للنَّبِي ﷺ فتجد فِيهَا سمنا، فَمَا زَالَ يُقيم لَهَا أَدَم بَيتهَا حَتَّى عصرته.
أم مَالك هِيَ بنت أبي بن مَالك بن عيد، من بني الْخَزْرَج، أسلمت، وبايعت. وَهَذَا الحَدِيث من جنس الحَدِيث الَّذِي قبله.
стр. 1204
والعكة: كل مَا يوضع فِيهِ السّمن من ظروف الْأدم.
١٤٢١ - / ١٧٢٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر بعد الْمِائَة: ((لَا يدْخل أحدكُم الْجنَّة عمله وَلَا يجيره من النَّار وَلَا أَنا إِلَّا برحمة الله)) وَفِي لفظ: ((قاربوا وسددوا)) وَقَالَ: ((إِلَّا أَن يتغمدني برحمة مِنْهُ)) .
السداد: الإستقامة وَلُزُوم الصَّوَاب.
وَقَوله: ((يتغمدني)) قَالَ أَبُو عبيد: أَي يلبسني ويغشيني. قَالَ: وَلَا أَحْسبهُ مأخوذا إِلَّا من غمد السَّيْف، لِأَنَّك إِذا أغمدته فقد ألبسته الغمد.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ((لَا يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة عمله)) وَقد قَالَ: ﴿ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْل: ٣٢] ؟ فَالْجَوَاب: من أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَنه لَوْلَا رَحْمَة الله السَّابِقَة الَّتِي كتب بهَا الْإِيمَان فِي الْقُلُوب ووفق للطاعات مَا نجا أحد وَلَا وَقع عمل تحصل بِهِ النجَاة، فالتوفيق للْعَمَل من رَحمته أَيْضا. وَالثَّانِي: أَن مَنَافِع العَبْد لسَيِّده، فعمله مُسْتَحقّ لمَوْلَاهُ، فَإِن أنعم عَلَيْهِ بالجزاء فَذَلِك بفضله، كَالْمكَاتبِ مَعَ الْمولى. وَالثَّالِث: أَنه قد رُوِيَ فِي بعض الْأَحَادِيث أَن نفس دُخُول الْجنَّة بِالرَّحْمَةِ، واقتسام الدَّرَجَات بِالْأَعْمَالِ. وَالرَّابِع: أَن أَعمال الطَّاعَات كَانَت فِي زمن يسير، وثوابها لَا يبيد أبدا، فالمقام الَّذِي لَا ينْفد فِي جَزَاء مَا نفد بِفضل الله لَا بِمُقَابلَة الْأَعْمَال.
١٤٢٢ - / ١٧٢٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر بعد الْمِائَة: كَانَ عبد الله ابْن أبي ابْن سلول يَقُول لجارية لَهُ: اذهبي فابغينا شَيْئا. فَأنْزل الله عز
стр. 1205
وَجل: ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ الْآيَة [النُّور: ٣٣] .
كَانَ الْقَوْم فِي الْجَاهِلِيَّة يكْرهُونَ فتياتهم على الزِّنَا وَيَأْخُذُونَ أُجُورهنَّ: فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام كَانَ ابْن أبي يكره جواريه. وَفِي هَذَا الحَدِيث اسْم جاريتين لَهُ: أُمَيْمَة ومسيكة، وأنهما شكتا إِلَى رَسُول الله ﷺ ذَلِك فَنزلت الْآيَة. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: معَاذَة ومسيكه، وَأَن معَاذَة قَالَت لمسيكة: إِن هَذَا الْأَمر الَّذِي نَحن فِيهِ إِن كَانَ خيرا فقد استكثرنا مِنْهُ، وَإِن كَانَ شرا فقد آن لنا أَن ندعه، فَنزلت الْآيَة. وَزعم مقَاتل أَنَّهَا نزلت فِي سِتّ جوَار كن لعبد الله بن أبي: معَاذَة ومسيكة وَأُمَيْمَة وَقتيلَة وَعمرَة وأروى.
والبغاء: الزِّنَا. والتحصن: التعفف.
والإشكال فِي هَذِه الْآيَة أَن يُقَال: كَيفَ قَالَ: ﴿إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ فَيجوز إكراههن إِن لم يردن التحصن. فَالْجَوَاب من أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَن الْكَلَام ورد على السَّبَب الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَخرج النَّهْي على صفة السَّبَب وَإِن لم يكن شرطا فِيهِ. وَالثَّانِي: أَنه إِنَّمَا شَرط إِرَادَة التحصن لِأَن الْإِكْرَاه لَا يتَصَوَّر إِلَّا عِنْد إِرَادَة التحصن، فَأَما إِذا لم ترد الْمَرْأَة التحصن فَإِنَّهَا تبغي بالطبع. وَالثَّالِث: أَن (إِن) بِمَعْنى إِذْ، وَمثله: ﴿وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ [الْبَقَرَة: ٢٧٨] . وَالرَّابِع: أَن فِي الْكَلَام تَقْدِيمًا وتأخيرا، تَقْدِيره: وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم. . إِلَى قَوْله: وَإِمَائِكُمْ إِن أردن تَحَصُّنًا، وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء لتبتغوا
стр. 1206
عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور للمكرهات رَحِيم.
١٤٢٣ - / ١٧٢٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر بعد الْمِائَة: ((يبْعَث كل عبد على مَاتَ عَلَيْهِ)) .
اعْلَم أَن الْإِنْسَان قد يبْقى زَمَانا على الْكفْر ثمَّ ينْتَقل إِلَى الْإِيمَان، أَو على الْمعاصِي ثمَّ ينْتَقل إِلَى الطَّاعَة. وَقد يكون على الْإِيمَان وَالطَّاعَة فَينْتَقل إِلَى الْكفْر والمعاصي، فالأحوال تَتَغَيَّر وتتقلب فِي الدُّنْيَا، وَالْعَمَل على الخواتيم، فَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان على حَالَة فقد ختم لَهُ بهَا، فعلَيْهَا يبْعَث.
١٤٢٤ - / ١٧٢٦ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين بعد الْمِائَة: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غزَاة فَقَالَ: ((إِن بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ، حَبسهم الْمَرَض)) .
هَؤُلَاءِ قوم صدقت نياتهم فِي الْخُرُوج إِلَى تِلْكَ الْغُزَاة، فحبسهم الْقدر بِالْمرضِ، فَكَانُوا كَأَنَّهُمْ غزوا، وعَلى هَذَا جَمِيع أَفعَال الْخَيْر مَتى نَوَاهَا الْإِنْسَان فَمَنعه الْقدر، كتب لَهُ ثَوَاب الْفِعْل. وَمن جنس هَذَا: ﴿قد صدقت الرءيا﴾ [الصافات: ١٠٥] وَرُبمَا زَادَت النِّيَّة الصادقة
стр. 1207
على الْفِعْل، لِأَن الْفَاعِل قد يُلَاحظ عمله، والممنوع بالعذر لَا يرى إِلَّا عَجزه.
١٤٢٥ - / ١٧٢٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: (مثل الصَّلَوَات كَمثل نهر جَار غمر، فَمَا يبقي من الدَّرن؟)) .
الْغمر: المَاء الْكثير. والدرن: الْوَسخ.
١٤٢٦ - / ١٧٢٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: ((إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبده المصلون فِي جَزِيرَة الْعَرَب، وَلَكِن فِي التحريش بنيهم)) .
قد سبق اشتقاق اسْم الشَّيْطَان. وَقد ذكرنَا حد جَزِيرَة الْعَرَب فِي مُسْند عمر.
والتحريش: الإغراء. وَالْمعْنَى أَنه يجْتَهد فِي إِفْسَاد مَا بَينهم من التواصل ليَقَع التباغض.
١٤٢٧ - / ١٧٢٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: ذكر التَّنَفُّل فِي الْبَيْت. وَقد سبق بَيَانه فِي مُسْند زيد بن ثَابت وَابْن عمر.
وَسبق تَفْسِير مَا بعده.
١٤٢٨ - / ١٧٣٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 1208
قدم من سفر، فَلَمَّا كَانَ قرب الْمَدِينَة هَاجَتْ ريح تكَاد تدفن الرَّاكِب، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((بعثت هَذِه الرّيح لمَوْت مُنَافِق)) فَلَمَّا قدمُوا الْمَدِينَة إِذا مُنَافِق عَظِيم من الْمُنَافِقين قد مَاتَ.
قَالَ الْوَاقِدِيّ: هَذَا القفول كَانَ فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع، وَكَانَ بَين عُيَيْنَة ابْن حصن الْفَزارِيّ وَبَين رَسُول الله ﷺ مُدَّة، فخاف أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَن يكون عُيَيْنَة قد أغار على الْمَدِينَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((لَيْسَ عَلَيْكُم بَأْس، مَا بِالْمَدِينَةِ من نقب إِلَّا عَلَيْهِ ملك، وَمَا كَانَ ليدخلها عَدو حَتَّى تأتوها، وَلكنه مَاتَ الْيَوْم رجل من الْمُنَافِقين عَظِيم، وَلذَلِك عصفت هَذِه الرّيح)) وَهُوَ زيد بن رِفَاعَة بن التابوت.
١٤٢٩ - / ١٧٣٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: أَخذ رَسُول الله ﷺ بيَدي إِلَى منزله، فَأخْرج إِلَيْهِ فلقا من خبز فَقَالَ: ((مَا من أَدَم؟)) فَقَالُوا: لَا، إِلَّا شَيْء من خل، قَالَ: ((فَإِن الْخلّ نعم الْأدم)) - وَفِي لفظ -: فَأتي بِثَلَاثَة قرصة فوضعن على نَبِي.
الفلق: الْقطع، وَالْمرَاد بهَا الأرغفة.
وَقَوله: ((نعم الإدام الْخلّ)) يشْتَمل على مَعْنيين وَحكم: فَالْمَعْنى الأول: مدح الْخلّ فِي نَفسه، وَله فَوَائِد مِنْهَا: أَنه ينفع الْمعدة، ويقمع الصَّفْرَاء، وَيقطع البلغم، ويشهي الطَّعَام، إِلَى غير ذَلِك من الْفَوَائِد. وَالثَّانِي: أَنه نبه بذلك، على مدح الإقتصاد فِي المأكل، وَمنع النَّفس من ملاذ الطَّعَام، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ائتدموا بِمَا خفت مُؤْنَته
стр. 1209
وَسَهل وجوده، فَإِن من تعود التأنف فِي الْمطعم لم يصبر عَنهُ، وَطيب الطَّعَام يحمل على الشِّبَع، وَقل أَن يسلم تَحْصِيله من شُبْهَة. وَأما الحكم فَإِنَّهُ سَمَّاهُ أدما، لِأَنَّهُ يصطبغ بِهِ، وكل شَيْء يصطبغ بِهِ يلْزمه اسْم الإدام، كَذَلِك قَالَ أهل اللُّغَة، مِنْهُم أَبُو عبيد. وَفَائِدَة هَذَا أَنه لَو حلف حَالف: لَا أكلت أدما، فَأكل الْخلّ أَو بعض مَا يصطبغ بِهِ حنث.
وَقَوله: فَأتي بِثَلَاثَة قرصة. القرصة جمع قرص.
وَالنَّبِيّ غير مَهْمُوز: الشَّيْء الْمُرْتَفع، مَأْخُوذ من النباوة وَهِي الإرتفاع، فَإِذا همز فَهُوَ من النبأ، وَهُوَ الْخَبَر.
стр. 1210
(٧٨) كشف الْمُشكل من مُسْند أبي سعيد بن مَالك الْخُدْرِيّ
وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْخُدْرِيّ لِأَن فِي آبَائِهِ الأبجر بن عَوْف، وَكَانَ يُقَال للأبجر: خدرة. وَقَالَ قوم: خدرة هِيَ أم الأبجر.
وَجُمْلَة مَا روى عَن النَّبِي ﷺ ألف حَدِيث وَمِائَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا.
أخرج لَهُ مِنْهَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مائَة وَأحد عشر حَدِيثا.
١٤٣٠ - / ١٧٣٣ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: ((فيغزو فِئَام من النَّاس)) .
الفئام بِالْهَمْز. الْجَمَاعَة.
والبعث: قوم يبعثون فِي الْغَزْو.
١٤٣١ - / ١٧٣٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: ((يَأْتِي الدَّجَّال وَهُوَ محرم عَلَيْهِ أَن يدْخل نقاب الْمَدِينَة)) .
النقاب جمع نقب: وَهُوَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل.
стр. 1211
المسالح: الْجراحَة فِي الجبين.
والشج: الْجراحَة فِي الجبين.
والميشار فِيهِ ثَلَاث لُغَات: ميشار بِإِسْكَان الْيَاء. ومئشار بِالْهَمْز. ومنشار بالنُّون. وَالْجمع مياشير، ومآشير، ومناشير. وَقد وشرت الْخَشَبَة وأشرتها ونشرتها بِمَعْنى.
وَفِي هَذَا الحَدِيث أَن الدَّجَّال يقتل رجلا ثمَّ يحييه. وَقد أشكل هَذَا على قوم فَقَالُوا: قد كَانَ إحْيَاء الْمَوْتَى أكبر معجزات عِيسَى، فَكيف قدر عَلَيْهِ هَذَا الْكذَّاب؟ وَالْجَوَاب: أَن ذَلِك وَقع امتحانا ليَكُون الْعَمَل على الدَّلِيل الدَّافِع للشُّبْهَة، وَقد ثَبت أَن الدَّجَّال كَاذِب فِي دَعْوَاهُ، وَكَونه جسما يَكْفِي، ثمَّ قد شين بِالْعَيْبِ والعور، فَلَو كَانَ رَبًّا لدفع عَن نَفسه النَّقْص، فَهَذِهِ حجج تدحض شبهه، بِخِلَاف آيَات الْأَنْبِيَاء، إِذْ لَيْسَ لَهَا داحض. ثمَّ لم تتْرك هَذِه الشُّبْهَة حَتَّى دفعت فِي الْحَال؛ فَإِن فِي هَذَا الحَدِيث أَنه يهم بقتْله مرّة أُخْرَى فَلَا يقدر، وَيَأْمُر بقتْله فَلَا يَصح لَهُ، وَيَأْخُذهُ ليذبحه فَيضْرب على رقبته نُحَاس فَلَا يُمكنهُ، فَمَا نَفعه الْفِعْل الأول حِين افتضح فِي الثَّانِي، فَعلم أَن الأول كَانَ من الله ليقيم الشُّبْهَة بِإِزَاءِ الْحجَّة، ويفرض على الْعقل دحضها.
١٤٣٢ - / ١٧٣٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: نهى عَن اختناث الأسقية.
قَالَ أَبُو عبيد: الاختناث: أَن يثني أفواهها ثمَّ يشرب مِنْهَا، وأصل الإختناث التكسر والتثني، وَمن هَذَا سمي المخنث لتكسره.
стр. 1212
وَقد ذكرنَا وَجه الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن ذَلِك فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٤٣٣ - / ١٧٣٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: ((يَمْرُقُونَ من الدّين مروق السهْم من الرَّمية، فَينْظر الرَّامِي إِلَى سَهْمه، إِلَى نصله، إِلَى رصافه. فيتمارى فِي الفوقة: هَل علق بهَا من الدَّم شَيْء؟)) .
قَوْله: ((يَمْرُقُونَ من الدّين مروق السهْم من الرَّمية)) قد فسرناه فِي مُسْند عَليّ ﵇.
قَوْله: ((ينظر الرَّامِي إِلَى سَهْمه)) السهْم: هُوَ الَّذِي يرْمى بِهِ. والنصل: حَدِيدَة السهْم. قَالَ أَبُو عبيد: والرصاف: الْعقب الَّذِي فَوق الرعظ: وَهُوَ مدْخل سنخ النصل فِي السهْم. وَوَاحِد الرصاف رصفة ورصفة. والفوق والفوقة: مَوضِع الْوتر. والقدح. السهْم. وَفِي لفظ: ((ينظر إِلَى نضيه، ثمَّ ينظر إِلَى قذذه)) النضي مُخْتَلف فِيهِ:
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: هُوَ نصل السهْم. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ الْقدح قبل أَن ينحت، فَإِذا نحت فَهُوَ مخشوب، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: والقذذ: ريش السهْم، كل وَاحِدَة مِنْهُ قُذَّة.
وَقَوله: ((سبق الفرث)) وَهُوَ مَا فِي الكرش. وَالْمعْنَى: إِن هَذَا السهْم مر مرا سَرِيعا فِي الرَّمية وَخرج فَلم يعلق بِهِ من الفرث وَالدَّم شَيْء، فَشبه خُرُوجهمْ من الدّين لم يعلقوا مِنْهُ بِشَيْء بِخُرُوج ذَلِك السهْم.
стр. 1213
وَأما قَول ذِي الْخوَيْصِرَة لرَسُول الله ﷺ : ((اعْدِلْ)) فَإِن أصل هَذَا الضلال أَن يرتضي الْإِنْسَان رَأْي نَفسه، فَلَو أَن هَذَا الرجل وفْق لعلم أَنه لَا رَأْي فَوق رَأْي رَسُول الله ﷺ ، وَلكنه وَأَصْحَابه ردوا على الرَّسُول ﷺ فعله، وحاربوا عليا ﵇، يَزْعمُونَ أَنه أَخطَأ فِي تحكيمه، وَإِذا ظن الْإِنْسَان من هَؤُلَاءِ أَنه أتقى من رَسُول الله ﷺ ، وَأعلم من عَليّ ابْن أبي طَالب لم يبْق مَعَه حَدِيث. وعَلى هَذَا كثير من الْعَوام، يَعْتَقِدُونَ الشَّيْء الْخَطَأ من الْعلم الَّذِي لم يتشاغلوا بِهِ، فَلَا يقدر الْعَالم أَن يردهم عَنهُ، وَسَببه اقتناعهم بآرائهم وإعجابهم بهَا. فَيَنْبَغِي أَلا ينزعج الْعَالم إِذا ردوا عَلَيْهِ، فقد جرى لهَذَا مَعَ رَسُول الله ﷺ مَا يسلي.
وَالتَّاء فِي ((خبت وخسرت)) مَفْتُوحَة، وَبَعْضهمْ يضمها، وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند جَابر.
وَقَوله: ((إِن لَهُ أصحابا يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاتهم)) يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه نهى عَن قَتله لِئَلَّا يُقَال: قتل الْمُصَلِّين الْعباد.
وَفِي هَذِه الْقِصَّة تَنْبِيه على شرف الْعلم؛ لِأَن هَؤُلَاءِ اشتغلوا بالتعبد عَن الْعلم، فضيعوا الْأُصُول. وَكم من متزهد شغله الصَّلَاة وَالصَّوْم وَهُوَ مفرط فِي أصُول كَثِيرَة، والشيطان يلْعَب بِهِ لقلَّة علمه، وَأَقل مَا يصنع بِهِ أَنه يرِيه أَنه خير من غَيره.
وَأما الْبضْعَة فَهِيَ الْقطعَة من اللَّحْم.
وَقَوله: ((تدَرْدر)) قَالَ ابْن قُتَيْبَة: تذْهب وتجىء، وَمثله تدلدل وتذبذب.
стр. 1214
وَقَوله: ((يخرجُون على حِين فرقة من النَّاس)) وَهَذَا من إِخْبَار الرَّسُول ﷺ عَن الغائبات، فَكَانَت كَمَا قَالَ؛ لِأَن الْخَوَارِج خَرجُوا على عَليّ ﵇ عِنْد افْتِرَاق من النَّاس، وَذَلِكَ بعد تحكيمه الْحكمَيْنِ وَمَا جرى لَهُ مَعَ مُعَاوِيَة.
وَقَوله: ((بذهيبة)) تَصْغِير ذهب. فِي تربَتهَا. أَي قد أخرجت من الْمَعْدن وَلم تخلص من ترابها. ويجىء فِي رِوَايَة أُخْرَى: فِي أَدِيم مقروظ. أَي مدبوغ بالقرظ: وَهُوَ ورق السّلم.
وَقَوله: ((غائر الْعَينَيْنِ)) يُقَال: غارت الْعين: إِذا دخلت إِلَى دَاخل الحدقة.
وَقَوله: ((ناتئ الْجَبْهَة)) . يُقَال: نتأ الشَّيْء: إِذا خرج عَن مَوْضِعه وارتفع عَن مَكَانَهُ من غير أَن يبين.
وَقَوله: ((كث اللِّحْيَة)) ، واللحية الكثة: المجتمعة.
وَقَوله: ((مشرف)) بِالْفَاءِ يَعْنِي أَنَّهُمَا ناتئتان.
وقفى بِمَعْنى ولى.
والضئضىء هَا هُنَا بِمَعْنى النَّسْل والعقب.
وَقَوله: ((يقتلُون أهل الْإِسْلَام وَيدعونَ أهل الْأَوْثَان)) هَذَا من تسويل الشَّيْطَان للْقَوْم وتزيينه لَهُم، فَإِنَّهُ لما أحس بقلة عُقُولهمْ ملكهَا.
وَقَوله: ((لأقتلنهم قتل عَاد)) . أَي أستأصلهم، فَإِن عادا استؤصلوا.
стр. 1215
فَإِن قيل: فقد قَالَ لَهُ عمر، وَفِي رِوَايَة: خَالِد: أقتل هَذَا؟ فَقَالَ: ((لَا)) . فَالْجَوَاب أَنه أَرَادَ إِدْرَاك خُرُوجهمْ بِالسِّلَاحِ على الْأَئِمَّة. وَحِينَئِذٍ يسْتَحقُّونَ الْقَتْل.
والتسبيد مثل التحليق. يُقَال: سبد رَأسه: إِذا حلقه. وَإِنَّمَا حَلقُوا شُعُورهمْ رفضا لزينة الدُّنْيَا. وَكثير من جهال المتزهدين لَا يعْرفُونَ مَا يصلح تَركه من الدُّنْيَا وَمَا لَا يصلح.
والبصيرة: الْقطعَة من الدَّم إِذا وَقعت على الأَرْض استدارت.
وَقَوله: ((يقرأون كتاب الله رطبا)) فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه الحذق بالتلاوة، وَالْمعْنَى أَنهم يأْتونَ بِهِ على أحسن أَحْوَاله: وَالثَّانِي: يواظبون على التِّلَاوَة فَلَا تزَال ألسنتهم رطبَة بِهِ. وَالثَّالِث: أَن يكون من حسن الصَّوْت بِالْقِرَاءَةِ.
وَقَوله: ((تقتلهم أدنى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحق)) . أَي أقربهما. وَأَرَادَ بالطائفتين هم ومخاصمهم.
١٤٣٤ - / ١٧٣٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: كُنَّا نرْزق تمر الْجمع على عهد رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الْخَلْط من التَّمْر، فَكُنَّا نبيع صَاعَيْنِ بِصَاع، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: ((لَا صَاعَيْنِ تَمرا بِصَاع، وَلَا صَاعَيْنِ حِنْطَة بِصَاع، وَلَا دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ)) .
أما تمر الْجمع فَهُوَ التَّمْر الْمُخْتَلط من كل جنس، وَيُقَال: مَا أَكثر الْجمع فِي أَرض فلَان، لنخل خرج من النَّوَى لَا ينْسب إِلَى شَيْء من أَصْنَاف التَّمْر الْمَعْرُوفَة.
стр. 1216
وَقَوله: ((أوه، عين الرِّبَا)) أَي هَذَا عين الرِّبَا. وَذكر التأوه دَلِيل التألم من هَذَا الْفِعْل أَو من سوء الْفَهم.
وَقَول بِلَال: بِعْت صَاعَيْنِ بِصَاع لمطعم النَّبِي ﷺ . هَذَا دَلِيل على تخير الأجود للنَّبِي ﷺ . وَمن هَذَا مَا تقدم فِي حَدِيث أبي بكر: أَنه برد اللَّبن وَطلب لَهُ الظل وَقد كَانَ ﵇ يتَخَيَّر لنَفسِهِ الأجود، كَقَوْلِه: ((إِن كَانَ عنْدكُمْ مَاء بَات فِي شن وَإِلَّا كرعنا)) وكل هَذِه الْأَشْيَاء من الرِّفْق بِالنَّفسِ لِأَن لَهَا حَقًا. وجهال المتزهدين يحملون على النُّفُوس مَا لَا تطِيق، جهلا مِنْهُم بالحكمة.
وَقَوله: ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب إِلَّا مثلا بِمثل)) قد ذكرنَا الْأَعْيَان السِّتَّة الَّتِي يجْرِي فِيهَا الرِّبَا فِي مُسْند عبَادَة.
وَقَوله: ((لَا تشفوا بَعْضهَا على بعض)) أَي لَا تفضلوا وَلَا تَزِيدُوا.
والشفوف: الزِّيَادَة، يُقَال: شف يشف: إِذا زَاد. وَقد يُقَال: شف: إِذا نقص، فَهُوَ من الأضداد.
وَقَوله: ((فقد أربى)) أَي دخل فِي الرِّبَا.
وَقَوله: ((وَلَا تَبِيعُوا غَائِبا مِنْهَا بناجز)) هَذَا نهي عَن رَبًّا النَّسِيئَة.
وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند عمر.
١٤٣٥ - / ١٧٣٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: ((إِذا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَة فَقومُوا،
стр. 1217
فَمن تبعها فَلَا يقْعد حَتَّى تُوضَع)) .
أما الْقيام للجنازة فقد سبق أَنه مَنْسُوخ، فِي مُسْند عَليّ ﵇.
وَأما قَوْله: ((حَتَّى تُوضَع)) فَإنَّا كُنَّا نقُول: تُوضَع عَن أَعْنَاق الرِّجَال، حَتَّى رَأينَا فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ((حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد)) . وَفِي لفظ أخرجه مُسلم: ((حَتَّى تُوضَع فِي الْقَبْر)) وَوجه ذَلِك أَن التَّابِع للشَّيْء يكون بِحكمِهِ، فَمن قعد قبل وَضعهَا فَمَا تأدب لَهَا، وَلَا كَأَنَّهُ تبعها، ووضعها على الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ فِي الْقَبْر، فَلَا اعْتِبَار بحطها عَن الرؤوس. ثمَّ رَأينَا أَبَا بكر الْأَثْرَم وَكَانَ من كبار الْعلمَاء - يَقُول: إِنَّمَا المُرَاد بِهِ: حَتَّى تُوضَع عَن مناكب الرِّجَال، وَاحْتج بِحَدِيث الْبَراء: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي جَنَازَة، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْر وَلما يلْحد، فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا حوله. قَالَ: وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة غلط من أبي مُعَاوِيَة، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة. وَإِنَّمَا رَوَاهُ سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ((من تبع جَنَازَة فَلَا يقْعد حَتَّى تُوضَع)) فغلط أَبُو مُعَاوِيَة فِي إِسْنَاده وَفِي كَلَامه. قلت: وَيُمكن أَن يُقَال: إِن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا جلس هُنَاكَ لِأَنَّهُ لم يكمل حفر الْقَبْر فَرَأى الْأَمر يطول، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ محفورا.
стр. 1218
١٤٣٦ - / ١٧٣٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: اعتكفنا الْعشْر الْأَوْسَط، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَة عشْرين نقلنا متاعنا، وهاجت السَّمَاء، وَكَانَ الْمَسْجِد على عَرِيش، فَرَأَيْت على أرنبته - وَفِي لفظ: رَوْثَة أَنفه - الطين وَالْمَاء.
الِاعْتِكَاف: اللّّبْث بِالْمَكَانِ.
وَالْمَتَاع: مَا كَانُوا يستعملونه فِي مُدَّة الإعتكاف من الْآلَات وَغَيرهَا.
وهاجت السَّمَاء: أَي ثارت بالغيم وعلامات الْمَطَر.
والعريش: مَا يستظل بِهِ، وَإِذا جمع قيل عرش.
والأرنبة: مقدم الْأنف. والروثة: طرف الأرنبة.
والقبة التركية: الَّتِي لَهَا بَاب وَاحِد.
والسدة: الْبَاب.
والجريد: سقف النّخل إِذا يبس وجرد مَا عَلَيْهِ من الخوص.
ورطبه يُسمى الشطب، واحدتها شطبة. وَقد يُقَال لَهُ سعف، على معنى أَنه يؤول إِلَى تِلْكَ الْحَال.
والقزعة وَاحِد القزع: وَهِي قطع السَّحَاب.
وتقويض الْبناء: نقضه من غير هدم.
وأثبتت لَهُ من الْإِثْبَات، هَكَذَا ضَبطه الْمُحَقِّقُونَ بالثاء. وَبَعض قرأة الحَدِيث يَقُول: أبينت من الْبَيَان.
ويحتقان: يختصمان، أَي يَدعِي كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن الْحق مَعَه.
стр. 1219
يُقَال: حاق فلَان فلَانا: إِذا خاصمه وَادّعى كل وَاحِد مِنْهُمَا الْحق، فَإِذا غَلبه قيل: حَقه وأحقه.
١٤٣٧ - / ١٧٤١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: نهى عَن الْمُلَامسَة، والمنابذة، واشتمال الصماء، وَأَن يحتبي الرجل بِثَوْب لَيْسَ على فرجه مِنْهُ شَيْء.
قد ذكر أَبُو عبيد فِي الْمُلَامسَة قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يَقُول أَحدهمَا لصَاحبه: إِذا لمست ثوبي أَو لمست ثَوْبك فقد وَجب البيع بِكَذَا وَكَذَا.
وَالثَّانِي: أَن يلمس الْمَتَاع من وَرَاء الثَّوْب وَلَا ينظر إِلَيْهِ، فَيَقَع البيع على ذَلِك.
وَذكر فِي الْمُنَابذَة قَوْلَيْنِ أَيْضا: أَحدهمَا: أَن يَقُول لَهُ: انبذ إِلَيّ الثَّوْب، أَو أنبذه إِلَيْك وَقد وَجب البيع بِكَذَا وَكَذَا. وَالثَّانِي: أَن يَقُول إِذا نبذت الْحَصَاة فقد وَجب البيع، وَهُوَ معنى نَهْيه عَن بيع الْحَصَا.
وَأما اشْتِمَال الصماء فقد فسر فِي الحَدِيث، وَقد زدناه شرحا فِي مُسْند جَابر، وَذكرنَا هُنَاكَ الإحتباء بِالثَّوْبِ لَيْسَ على الْفرج مِنْهُ شَيْء.
١٤٣٨ - / ١٧٤٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: أَن أهل قُرَيْظَة نزلُوا على حكم سعد بن معَاذ، فَلَمَّا حكم فيهم قَالَ النَّبِي ﷺ : ((لقد حكمت بِمَا حكم بِهِ الْملك)) .
لما حاصر النَّبِي ﷺ : بني قُرَيْظَة قيل لَهُم: انزلوا على حكم
стр. 1220
رَسُول الله، فَأَبَوا واختاروا أَن ينزلُوا على حكم سعد بن معَاذ.
وَسبب اختيارهم إِيَّاه أَنهم كَانُوا موَالِيه وحلفاءه فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا حضر سعد جعلُوا يَقُولُونَ لَهُ: حلفاؤك ومواليك. فَمَا حاباهم، وَلَا بالى بهم، وَحكم بِأَن تقتل مُقَاتلَتهمْ، وتسبى ذَرَارِيهمْ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ((لقد حكمت بِمَا حكم بِهِ الْملك)) يَعْنِي الله . وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: وَفِيه وَجه آخر: ((الْملك)) بِفَتْح اللَّام، وَهُوَ الَّذِي نزل بِالْوَحْي فِي أَمرهم. قلت: وَهَذَا تَأْوِيل مَرْدُود من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه مَا نقل أَن ملكا نزل فِي شَأْنهمْ بِشَيْء، وَلَو نزل بِشَيْء تبع الْوَحْي لَا اجْتِهَاد سعد. وَالثَّانِي: أَن فِي بعض أَلْفَاظ ((الصَّحِيح)) : ((قضيت بِحكم الله ) .
١٤٣٩ - / ١٧٤٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأعرابي: ((هَل تمنح من إبلك؟)) قَالَ: نعم. قَالَ: ((هَل تحلبها يَوْم وردهَا)) قَالَ: نعم. قَالَ: ((فاعمل من وَرَاء الْبحار، فَإِن الله لن يتْرك من عَمَلك شَيْئا)) .
قد سبق بَيَان المنحة فِي مُسْند جَابر. وَبينا هُنَاكَ فَائِدَة حلبها يَوْم وردهَا.
قَوْله: ((لن يتْرك)) قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَي لن ينْقصك وَلنْ يظلمك يُقَال: وترتني حَقي: أَي بخستنيه.
стр. 1221
١٤٤٠ - / ١٧٤٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: ((وَمن يستعفف يعفه الله، وَمن يسْتَغْن يغنه الله)) .
الْمَعْنى أَن من يتَكَلَّف فعل مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَاده ينعم الله عَلَيْهِ بِمَا لَا يدْخل تَحت وَسعه.
وَاعْلَم أَن مُسْتَعْمل العفاف دَاخل فِي زمرة المعاملين لله ، فَإِن التعفف يُوجب ستر الْحَال عَن الْخلق وَإِظْهَار الْغنى لَهُم، فَيصير معاملا فِي الْبَاطِن، وَيَقَع لَهُ من الرِّبْح على قدر صبره وَصدقه. وَإِنَّمَا جعل الصَّبْر خير الْعَطاء لِأَنَّهُ حبس للنَّفس عَمَّا تحب مِمَّا يؤذيها، وعَلى مَا تكره مِمَّا يقْصد بِهِ صَلَاحهَا، وَذَلِكَ خير مَا أَعْطَيْت النَّفس.
١٤٤١ - / ١٧٤٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: ((رجل معتزل فِي شعب)) .
الشّعب: مَا انخفض بَين الجبلين وَصَارَ كالدرب، وَالْمَقْصُود الإنفراد.
١٤٤٢ - / ١٧٤٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: ((إِذا سَمِعْتُمْ النداء فَقولُوا مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن)) .
النداء هَا هُنَا الْأَذَان. وَإِنَّمَا تسن إِجَابَة الْمُؤَذّن بِمثل قَوْله ليعلم الْمُجيب أَنِّي مقرّ بِمَا تَدعُونِي إِلَيْهِ، مستجيب لَهُ.
١٤٤٣ - / ١٧٤٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: سَمِعت أَبَا سعيد
стр. 1222
الْخُدْرِيّ يحدث عَن النَّبِي ﷺ بِأَرْبَع فأعجبنني وآنقتني.
المونق: المعجب، تَقول: آنقني الشَّيْء يونقني: إِذا أعْجبك.
وَالَّذِي ذكره الْحميدِي: وأينقتني. وَقَالَ لنا عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ: لَا يجوز هَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ وآنقتني.
وَقَوله: ((لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إِلَّا وَمَعَهَا زَوجهَا)) وَأما سفر الْمَرْأَة، وَالصَّلَاة بعد الصُّبْح وَبعد الْعَصْر فقد تقدم كُله فِي مُسْند ابْن عمر.
وَأما صَوْم الْعِيد فاتفق الْعلمَاء أَنه لَا يجوز لأحد أَن يتَطَوَّع بِالصَّوْمِ فِي يومي الْعِيد، وَاخْتلفُوا فِيمَن نذر صَوْم الْعِيد على مَا ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند ابْن عمر أَيْضا وَفِي مُسْند جَابر.
فَأَما شدّ الرّحال إِلَى هَذِه الْمَسَاجِد فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: هَذَا لَفظه لفظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ الْإِيجَاب فِيمَا ينذره الْإِنْسَان من الصَّلَاة فِي الْبِقَاع الَّتِي يتبرك بهَا، يُرِيد أَنه لَا يلْزم الْوَفَاء بِشَيْء من ذَلِك غير هَذِه الْمَسَاجِد.
قلت: وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا إِذا نذر أَن يُصَلِّي فِي هَذِه الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة: فمذهب أَحْمد أَنه يلْزمه، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يلْزمه، بل يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ. وَعَن الشَّافِعِي كالمذهبين.
١٤٤٤ - / ١٧٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: ((غسل الْجُمُعَة وَاجِب
стр. 1223
على كل محتلم)) قَالَ أَبُو سعيد: وَأَن يستن، وَأَن يمس طيبا إِن وجد.
الْوَاجِب: اللَّازِم، فَيكون هَذَا مَنْسُوخا. وَقد ذكر الْعلمَاء أَن ناسخه حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ((من تَوَضَّأ فبها ونعمت، وَمن اغْتسل فالغسل أفضل)) وَكثير من قرأة الحَدِيث يَقُول: ونعمت، بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين، وَالصَّوَاب كسر النُّون وَإِسْكَان الْعين. قَالَ الْأَصْمَعِي: قَوْله: ((فبها)) أَي فبالسنة أَخذ ((ونعمت)) يُرِيد بِهِ: نعمت الْخصْلَة، وَإِنَّمَا ظَهرت التَّاء الَّتِي هِيَ عَلامَة التَّأْنِيث لإضمار السّنة أَو الْخصْلَة، هَذَا اخْتِيَار الْخطابِيّ. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: ((فبها ونعمت)) بِفَتْح النُّون وَالتَّاء وتسكن الْمِيم، على معنى: ونعمك الله، وَالْوَجْه الأول.
ويستن: يستاك.
وَقد بَينا فِي أول مُسْند عمر أَن عُثْمَان أخبرهُ أَنه لم يغْتَسل للْجُمُعَة فَلم يُنكر عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِمحضر من الصَّحَابَة، فَدلَّ على أَنهم علمُوا بنسخه.
وَالظَّاهِر من عطف الإستنان وَالطّيب عَلَيْهِ الْوُجُوب أَيْضا، فَيكون هَذَا مَنْسُوخا، وَقد يجوز أَن يَكُونَا على سَبِيل الإستحباب وَإِن قرنا
стр. 1224
بِوَاجِب، كَقَوْلِه: ((حتيه ثمَّ اقرصيه ثمَّ اغسليه بِالْمَاءِ)) وَالْغسْل وَاجِب، والحت والقرص لَا يجب. هَذَا إِن لم يكن الرَّاوِي لذَلِك خلط كَلَام أبي سعيد بِكَلَام رَسُول الله ﷺ ، فَإنَّا قد ذكرنَا فِي الرِّوَايَة الأولى أَنه من كَلَام أبي سعيد، وَهُوَ فِي رِوَايَة مُسلم من كَلَام رَسُول الله ﷺ . وَسَيَأْتِي فِي مُسْند عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: كَانَ النَّاس مهنة أنفسهم، فَقيل لَهُم: ((لَو اغتسلتم يَوْم الْجُمُعَة)) وَهَذَا يدل على أَنهم لم يؤمروا أَمر إِيجَاب. وعَلى هَذَا تكون لَفْظَة الْوُجُوب مُغيرَة من بعض الروَاة، وَيحْتَمل أَن تكون صَحِيحَة وَقد نسخت كَمَا بَينا، وَلم يبلغ ذَلِك عَائِشَة. وَقد حمل الْخطابِيّ الحَدِيث على معنى آخر فَقَالَ: معنى قَوْله ((وَاجِب)) أَي لَازم فِي بَاب الإستحباب، كَمَا تَقول: حَقك عَليّ وَاجِب.
١٤٤٥ - / ١٧٥١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: ((تكون الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة خبْزَة وَاحِدَة يتكفأها الْجَبَّار بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأ أحدكُم خبزته فِي السّفر، نزلا لأهل الْجنَّة)) فَأتى رجل من الْيَهُود فَقَالَ: أَلا أخْبرك بِإِدَامِهِمْ؟ قَالَ النَّبِي ﷺ : ((بلَى)) قَالَ: إدَامهمْ بَالَام وَنون. قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَوْر وَنون يَأْكُل من زَائِدَة كبدهما سَبْعُونَ ألفا. فَضَحِك النَّبِي ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه.
стр. 1225
قَوْله: ((يتكفأها)) أَي يقلبها ويميلها، من قَوْلك: كفأت الْإِنَاء: إِذا قلبته أَو أملته.
والنزل: مَا يهيأ للنزيل، والنزيل: الضَّيْف.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن اللَّام اسْم للثور. وَقَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون الْيَهُودِيّ أَرَادَ أَن يعمي الإسم، وَإِنَّمَا هُوَ لأى على وزن لعا: أَي ثَوْر. والثور الوحشي اللأى. وَقد صحف فِيهِ الروَاة فأشكل، إِلَّا أَن يكون ذَلِك بالعبرانية. وَسَنذكر وَجه الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص أكل أهل الْجنَّة من كبد ثَوْر وحوت فِي مُسْند أنس، لِأَنَّهُ هَا هُنَا من كَلَام الْيَهُودِيّ، وَهُوَ هُنَاكَ من قَول رَسُول الله ﷺ .
والنواجذ مفسرة فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٤٤٦ - / ١٧٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: ((هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الشَّمْس وَالْقَمَر)) .
قد سبق فِي مُسْند جرير معنى تضَارونَ، وتضامون.
قَوْله: ((وغبر أهل الْكتاب)) الغابر يكون بِمَعْنى الْبَاقِي وَبِمَعْنى الْمَاضِي، فَهُوَ من الأضداد. وَالْإِشَارَة إِلَى من لم يُبدل.
стр. 1226
وعزير اسْم عبراني وَإِن وَافق لَفظه لفظ الْعَرَبيَّة.
وتخيل لَهُم جَهَنَّم كالسراب فيظنونه مَاء كَمَا ظنُّوا جَوَاز وجود الْوَلَد فِي حق من لَا بعض لَهُ.
وَأما الْمَسِيح عِيسَى بن مَرْيَم ﵇، فَاخْتَلَفُوا لم سمي الْمَسِيح؟ على أَقْوَال ذكرتها فِي مُسْند ابْن عمر.
وَقَوله: ((فيأتيهم الله فِي أدنى صُورَة من الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك)) وَقَوله بعد هَذَا: ((فيرفعون رؤوسهم وَقد تحول فِي صُورَة)) وَفِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: ((فيأتيهم فِي غير الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُول: أَنا ربكُم، فَيَقُولُونَ: نَعُوذ بِاللَّه مِنْك، فيأتيهم فِي الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُول: أَنا ربكُم، فَيَقُولُونَ: أَنْت رَبنَا)) وَهَذَا شَيْء قد تخبط فِيهِ جمَاعَة، فالمتقدمون من السّلف قرأوه وعبروا وَلم ينطقوا بِشَيْء، مَعَ علمهمْ واعتقادهم أَن الصُّورَة الَّتِي هِيَ تخاطيط لَا تجوز على الله ، وَلَا التَّغَيُّر. وَهَذَا أصلان لَا بُد من اعتقادهما: التخاطيط لَا تكون إِلَّا فِي الْأَجْسَام، والتغير لَا يصلح أَن يطْرَأ على الْإِلَه، فَإِن الْخَلِيل ﵇ عَابَ النَّجْم بالأفول فَقَالَ: ﴿لَا أحب الآفلين﴾ [الْأَنْعَام: ٧٦] لِأَنَّهُ علم أَن مَا يطرقه التَّغَيُّر لَا يصلح أَن يكون معبودا، فَإِذا وَقع اعْتِقَاد هذَيْن الْأَصْلَيْنِ ثمَّ سكت السَّاكِت عَن تَفْسِير هَذِه الْكَلِمَات فقد سلك مَذْهَب القدماء. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: معنى إتْيَان الله كشف الْحجاب لَهُم حَتَّى رَأَوْهُ فأثبتوه عيَانًا كَمَا اعْتَرَفُوا بوحدانيته فِي الدُّنْيَا اسْتِدْلَالا، فرؤيته بعد أَن لم
стр. 1227
يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَنْزِلَة إتْيَان الْآتِي لم يكن شوهد قبل. قَالَ: وَأما الصُّورَة فتتأول على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنَّهَا بِمَعْنى الصّفة، كَقَوْل الْقَائِل: صُورَة هَذَا الْأَمر كَذَا. وَالثَّانِي: أَن الْمَذْكُور من المعبودات فِي أول الحَدِيث صور، فَخرج الْكَلَام على نوع من الْمُطَابقَة. قَالَ: وَقَوله: ((فِي أدني صُورَة رَأَوْهُ فِيهَا)) دَلِيل على أَن المُرَاد بالصورة الصّفة، لأَنهم مَا رَأَوْهُ قبلهَا، فَعلمت أَن المُرَاد الصّفة الَّتِي عرفوه بهَا. وَقَالَ غَيره من الْعلمَاء: يَأْتِيهم بأهوال الْقِيَامَة وصور الْمَلَائِكَة، وَمَا لم يعهدوا مثله فِي الدُّنْيَا، فيستعيذون من تِلْكَ الْحَال وَيَقُولُونَ: إِذا جَاءَ رَبنَا - أَي إِذا أَتَانَا بِمَا نعرفه من لطفه وَهِي الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ، فَيكْشف عَن سَاق: أَي عَن شدَّة، كَأَنَّهُ يرفع تِلْكَ الشدائد، فيسجدون شكرا.
وَقد أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد الْحَاكِم وَيحيى بن عَليّ المدير قَالَا: أخبرنَا ابْن النقور قَالَ: أخبرنَا ابْن حبابة قَالَ: أَنبأَنَا الْبَغَوِيّ قَالَ: حَدثنَا هدبة قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد يَعْنِي ابْن سَلمَة، عَن عَليّ بن زيد عَن عمَارَة الْقرشِي عَن أبي بردة قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: ((إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مثل لكل قوم مَا كَانُوا يعْبدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَيبقى أهل التَّوْحِيد، فَيُقَال لَهُم: مَا تنتظرون وَقد ذهب النَّاس؟
стр. 1228
فَيَقُولُونَ: إِن لنا رَبًّا كُنَّا نعبده فِي الدُّنْيَا لم نره. قَالَ: وتعرفونه إِذا رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ: نعم، فَيُقَال لَهُم: وَكَيف تعرفونه وَلم تروه؟ قَالُوا: إِنَّه لَا شبه لَهُ، فَيكْشف لَهُم الْحجاب، فَيَنْظُرُونَ إِلَى الله ﵎ فَيَخِرُّونَ لَهُ سجدا، وَيبقى أَقوام فِي ظُهُورهمْ مثل صياصي الْبَقر، فيريدون السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، فَذَلِك قَول الله : ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الْقَلَم: ٤٢] فَيَقُول الله : عبَادي، ارْفَعُوا رؤوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل مِنْكُم رجلا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي النَّار)) .
وَكَانَ ابْن عقيل يَقُول: الصُّورَة على الْحَقِيقَة تقع على التخاطيط والأشكال، وَذَلِكَ من صِفَات الْأَجْسَام، وَالَّذِي صرفنَا عَن كَونه جسما من الْأَدِلَّة النطقية قَوْله: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ [الشورى: ١١] وَمن أَدِلَّة الْعُقُول أَنه لَو كَانَ جسما لكَانَتْ صورته عرضا، وَلَو كَانَ جسما حَامِلا للأعراض لجَاز عَلَيْهِ مَا يجوز على الْأَجْسَام، وَاحْتَاجَ إِلَى مَا احْتَاجَت إِلَيْهِ من الصَّانِع وَلَو جَازَ قدمه مَعَ كَونه جسما لما امْتنع قدم أَحَدنَا، فَلَيْسَ لله سُبْحَانَهُ عِنْدهَا، وَلَا الْقَوْم الَّذِي أَنْكَرُوا فِي الْقِيَامَة صُورَة من صور الذوات يُنْكِرُونَهَا ويأنسون بِمَا سواهَا، فأحوجتنا لذَلِك الْأَدِلَّة إِلَى تَأْوِيل صُورَة تلِيق إضافتها إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَيصِح عَلَيْهَا التَّغَيُّر والتعريف والتنكير، وَمَا ذَلِك إِلَّا الْحَال الَّتِي يُوقع عَلَيْهَا أهل اللُّغَة اسْم صُورَة، فَيَقُولُونَ: كَيفَ صُورَتك مَعَ فلَان، وَفُلَان على صُورَة من الْفقر.
стр. 1229
وَالْحَال الَّتِي أنكروها العسف، وَالَّتِي يعرفونه بهَا هِيَ اللطف وَمَا وعد بِهِ من حسن الْجَزَاء، وَلذَلِك قَالَ: ((فتجلى لَهُم كاشفا عَن سَاقه)) يَعْنِي عَن شدَّة الْقيمَة الَّتِي صدرت عَنهُ، والتغيرات أليق بِفِعْلِهِ الَّذِي هُوَ إحالات الْأَعْيَان وتغييرات الزَّمَان. وَأما ذَاته وَوَصفه فتعالى عَن ذَلِك. فَيكْشف لَهُم عَمَّا وعدهم بِهِ، فَيَخِرُّونَ سجدا لنعمته، شاكرين لَهُ على إنجاز وعده، فَيَقَع الْخَبَر مَقْبُولًا. وَلَو حمل - ونعوذ بِاللَّه - على مَا قَالَت المجسمة من صُورَة ترجع إِلَى ذَاته لَكَانَ ذَلِك تجويزا لتغيير صِفَاته وَخُرُوجه فِي صُورَة. فَإِن كَانَت حَقِيقَة فَهُوَ اسْتِحَالَة، وَإِن كَانَت تخيلا فَلَيْسَ ذَاك هُوَ، وَإِنَّمَا يُرِيهم غَيره، فَمَا أشنع مقَالَة من يصدر قَوْله عَن الْجَهَالَة، وَيتَعَلَّق بالظواهر كَمَا تعلّقت النَّصَارَى فِي الْمَسِيح وَقَالُوا: هُوَ روحه حَقِيقَة.
وَقَوله: ((حَتَّى كَاد بَعضهم أَن يَنْقَلِب)) . أَي عَن اعْتِقَاده الصَّحِيح لموْضِع الامتحان الَّذِي وَقع. وَلَفْظَة ((أَن)) من زيادات بعض الروَاة، لِأَن كَاد لَا يَقع بعْدهَا ((أَن)) وَإِنَّمَا هُوَ: كَاد يَنْقَلِب.
وَقَوله: ((ثمَّ يضْرب الجسر)) يَعْنِي الصِّرَاط.
وَقَوله: ((دحض مزلة)) أَي زلق لَا تثبت الْأَقْدَام فِيهِ.
والخطاطيف وَاحِدهَا خطَّاف: وَهِي كالمحجن متعقفة.
والخطف: أَخذ الشَّيْء بِسُرْعَة.
стр. 1230
والكلاليب جمع كلاب وكلوب، وَهِي من جنس الخطاطيف.
والحسك جمع حسكة: وَهِي شَوْكَة حَدِيدَة صلبة.
والركاب: الْإِبِل.
والمخدوش: الَّذِي يخدش جلده بِمَا لَهُ حد. وَالْمعْنَى: قد نجا بعد خدشه.
وَقَوله: ((مكدوس فِي النَّار)) قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: أَي مَدْفُوع فِي جَهَنَّم، يُقَال: تكدس الْإِنْسَان على رَأسه: إِذا دفع من وَرَائه فَقَط.
والتكدس فِي سير الدَّوَابّ: أَن يركب بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَالَ غَيره: هَذَا تَصْحِيف من الروَاة، وَإِنَّمَا هُوَ مكردس، وَهُوَ الَّذِي قد جمعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ فِي وُقُوعه.
وَقَوله: ((فِي اسْتِيفَاء الْحق)) أَي فِي استضاءته واتضاحه. وَمعنى الْكَلَام: أَن الْمُؤمنِينَ يبالغون فِي سُؤال الله سُبْحَانَهُ فِي إخْوَانهمْ الْمُؤمنِينَ شَفَاعَة لَهُم. وَقد روينَاهُ من طَرِيق آخر بِلَفْظ آخر: ((فَمَا أحدهم فِي حق يعلم أَنه لَهُ بأشد مناشدة مِنْهُم فِي إخْوَانهمْ الَّذين سقطوا فِي النَّار، يَقُولُونَ: أَي رب، كُنَّا نغزو جَمِيعًا، ونحج جَمِيعًا، ونعتمر جَمِيعًا، فَبِمَ نجونا الْيَوْم وهلكوا؟ فَيَقُول الله تَعَالَى: انْظُرُوا من فِي قلبه زنة دِينَار من إِيمَان فأخرجوه)) .
وَقَوله: ((مِثْقَال ذرة)) أَي وَزنه، والذرة: نملة حَمْرَاء صَغِيرَة.
следующие страницы →