Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وعزير اسْم عبراني وَإِن وَافق لَفظه لفظ الْعَرَبيَّة.
وتخيل لَهُم جَهَنَّم كالسراب فيظنونه مَاء كَمَا ظنُّوا جَوَاز وجود الْوَلَد فِي حق من لَا بعض لَهُ.
وَأما الْمَسِيح عِيسَى بن مَرْيَم ﵇، فَاخْتَلَفُوا لم سمي الْمَسِيح؟ على أَقْوَال ذكرتها فِي مُسْند ابْن عمر.
وَقَوله: ((فيأتيهم الله فِي أدنى صُورَة من الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك)) وَقَوله بعد هَذَا: ((فيرفعون رؤوسهم وَقد تحول فِي صُورَة)) وَفِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: ((فيأتيهم فِي غير الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُول: أَنا ربكُم، فَيَقُولُونَ: نَعُوذ بِاللَّه مِنْك، فيأتيهم فِي الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُول: أَنا ربكُم، فَيَقُولُونَ: أَنْت رَبنَا)) وَهَذَا شَيْء قد تخبط فِيهِ جمَاعَة، فالمتقدمون من السّلف قرأوه وعبروا وَلم ينطقوا بِشَيْء، مَعَ علمهمْ واعتقادهم أَن الصُّورَة الَّتِي هِيَ تخاطيط لَا تجوز على الله ، وَلَا التَّغَيُّر. وَهَذَا أصلان لَا بُد من اعتقادهما: التخاطيط لَا تكون إِلَّا فِي الْأَجْسَام، والتغير لَا يصلح أَن يطْرَأ على الْإِلَه، فَإِن الْخَلِيل ﵇ عَابَ النَّجْم بالأفول فَقَالَ: ﴿لَا أحب الآفلين﴾ [الْأَنْعَام: ٧٦] لِأَنَّهُ علم أَن مَا يطرقه التَّغَيُّر لَا يصلح أَن يكون معبودا، فَإِذا وَقع اعْتِقَاد هذَيْن الْأَصْلَيْنِ ثمَّ سكت السَّاكِت عَن تَفْسِير هَذِه الْكَلِمَات فقد سلك مَذْهَب القدماء. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: معنى إتْيَان الله كشف الْحجاب لَهُم حَتَّى رَأَوْهُ فأثبتوه عيَانًا كَمَا اعْتَرَفُوا بوحدانيته فِي الدُّنْيَا اسْتِدْلَالا، فرؤيته بعد أَن لم
стр. 1227
يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَنْزِلَة إتْيَان الْآتِي لم يكن شوهد قبل. قَالَ: وَأما الصُّورَة فتتأول على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنَّهَا بِمَعْنى الصّفة، كَقَوْل الْقَائِل: صُورَة هَذَا الْأَمر كَذَا. وَالثَّانِي: أَن الْمَذْكُور من المعبودات فِي أول الحَدِيث صور، فَخرج الْكَلَام على نوع من الْمُطَابقَة. قَالَ: وَقَوله: ((فِي أدني صُورَة رَأَوْهُ فِيهَا)) دَلِيل على أَن المُرَاد بالصورة الصّفة، لأَنهم مَا رَأَوْهُ قبلهَا، فَعلمت أَن المُرَاد الصّفة الَّتِي عرفوه بهَا. وَقَالَ غَيره من الْعلمَاء: يَأْتِيهم بأهوال الْقِيَامَة وصور الْمَلَائِكَة، وَمَا لم يعهدوا مثله فِي الدُّنْيَا، فيستعيذون من تِلْكَ الْحَال وَيَقُولُونَ: إِذا جَاءَ رَبنَا - أَي إِذا أَتَانَا بِمَا نعرفه من لطفه وَهِي الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ، فَيكْشف عَن سَاق: أَي عَن شدَّة، كَأَنَّهُ يرفع تِلْكَ الشدائد، فيسجدون شكرا.
وَقد أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد الْحَاكِم وَيحيى بن عَليّ المدير قَالَا: أخبرنَا ابْن النقور قَالَ: أخبرنَا ابْن حبابة قَالَ: أَنبأَنَا الْبَغَوِيّ قَالَ: حَدثنَا هدبة قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد يَعْنِي ابْن سَلمَة، عَن عَليّ بن زيد عَن عمَارَة الْقرشِي عَن أبي بردة قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: ((إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مثل لكل قوم مَا كَانُوا يعْبدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَيبقى أهل التَّوْحِيد، فَيُقَال لَهُم: مَا تنتظرون وَقد ذهب النَّاس؟
стр. 1228
فَيَقُولُونَ: إِن لنا رَبًّا كُنَّا نعبده فِي الدُّنْيَا لم نره. قَالَ: وتعرفونه إِذا رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ: نعم، فَيُقَال لَهُم: وَكَيف تعرفونه وَلم تروه؟ قَالُوا: إِنَّه لَا شبه لَهُ، فَيكْشف لَهُم الْحجاب، فَيَنْظُرُونَ إِلَى الله ﵎ فَيَخِرُّونَ لَهُ سجدا، وَيبقى أَقوام فِي ظُهُورهمْ مثل صياصي الْبَقر، فيريدون السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، فَذَلِك قَول الله : ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الْقَلَم: ٤٢] فَيَقُول الله : عبَادي، ارْفَعُوا رؤوسكم، فقد جعلت بدل كل رجل مِنْكُم رجلا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي النَّار)) .
وَكَانَ ابْن عقيل يَقُول: الصُّورَة على الْحَقِيقَة تقع على التخاطيط والأشكال، وَذَلِكَ من صِفَات الْأَجْسَام، وَالَّذِي صرفنَا عَن كَونه جسما من الْأَدِلَّة النطقية قَوْله: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ [الشورى: ١١] وَمن أَدِلَّة الْعُقُول أَنه لَو كَانَ جسما لكَانَتْ صورته عرضا، وَلَو كَانَ جسما حَامِلا للأعراض لجَاز عَلَيْهِ مَا يجوز على الْأَجْسَام، وَاحْتَاجَ إِلَى مَا احْتَاجَت إِلَيْهِ من الصَّانِع وَلَو جَازَ قدمه مَعَ كَونه جسما لما امْتنع قدم أَحَدنَا، فَلَيْسَ لله سُبْحَانَهُ عِنْدهَا، وَلَا الْقَوْم الَّذِي أَنْكَرُوا فِي الْقِيَامَة صُورَة من صور الذوات يُنْكِرُونَهَا ويأنسون بِمَا سواهَا، فأحوجتنا لذَلِك الْأَدِلَّة إِلَى تَأْوِيل صُورَة تلِيق إضافتها إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَيصِح عَلَيْهَا التَّغَيُّر والتعريف والتنكير، وَمَا ذَلِك إِلَّا الْحَال الَّتِي يُوقع عَلَيْهَا أهل اللُّغَة اسْم صُورَة، فَيَقُولُونَ: كَيفَ صُورَتك مَعَ فلَان، وَفُلَان على صُورَة من الْفقر.
стр. 1229
وَالْحَال الَّتِي أنكروها العسف، وَالَّتِي يعرفونه بهَا هِيَ اللطف وَمَا وعد بِهِ من حسن الْجَزَاء، وَلذَلِك قَالَ: ((فتجلى لَهُم كاشفا عَن سَاقه)) يَعْنِي عَن شدَّة الْقيمَة الَّتِي صدرت عَنهُ، والتغيرات أليق بِفِعْلِهِ الَّذِي هُوَ إحالات الْأَعْيَان وتغييرات الزَّمَان. وَأما ذَاته وَوَصفه فتعالى عَن ذَلِك. فَيكْشف لَهُم عَمَّا وعدهم بِهِ، فَيَخِرُّونَ سجدا لنعمته، شاكرين لَهُ على إنجاز وعده، فَيَقَع الْخَبَر مَقْبُولًا. وَلَو حمل - ونعوذ بِاللَّه - على مَا قَالَت المجسمة من صُورَة ترجع إِلَى ذَاته لَكَانَ ذَلِك تجويزا لتغيير صِفَاته وَخُرُوجه فِي صُورَة. فَإِن كَانَت حَقِيقَة فَهُوَ اسْتِحَالَة، وَإِن كَانَت تخيلا فَلَيْسَ ذَاك هُوَ، وَإِنَّمَا يُرِيهم غَيره، فَمَا أشنع مقَالَة من يصدر قَوْله عَن الْجَهَالَة، وَيتَعَلَّق بالظواهر كَمَا تعلّقت النَّصَارَى فِي الْمَسِيح وَقَالُوا: هُوَ روحه حَقِيقَة.
وَقَوله: ((حَتَّى كَاد بَعضهم أَن يَنْقَلِب)) . أَي عَن اعْتِقَاده الصَّحِيح لموْضِع الامتحان الَّذِي وَقع. وَلَفْظَة ((أَن)) من زيادات بعض الروَاة، لِأَن كَاد لَا يَقع بعْدهَا ((أَن)) وَإِنَّمَا هُوَ: كَاد يَنْقَلِب.
وَقَوله: ((ثمَّ يضْرب الجسر)) يَعْنِي الصِّرَاط.
وَقَوله: ((دحض مزلة)) أَي زلق لَا تثبت الْأَقْدَام فِيهِ.
والخطاطيف وَاحِدهَا خطَّاف: وَهِي كالمحجن متعقفة.
والخطف: أَخذ الشَّيْء بِسُرْعَة.
стр. 1230
والكلاليب جمع كلاب وكلوب، وَهِي من جنس الخطاطيف.
والحسك جمع حسكة: وَهِي شَوْكَة حَدِيدَة صلبة.
والركاب: الْإِبِل.
والمخدوش: الَّذِي يخدش جلده بِمَا لَهُ حد. وَالْمعْنَى: قد نجا بعد خدشه.
وَقَوله: ((مكدوس فِي النَّار)) قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: أَي مَدْفُوع فِي جَهَنَّم، يُقَال: تكدس الْإِنْسَان على رَأسه: إِذا دفع من وَرَائه فَقَط.
والتكدس فِي سير الدَّوَابّ: أَن يركب بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَالَ غَيره: هَذَا تَصْحِيف من الروَاة، وَإِنَّمَا هُوَ مكردس، وَهُوَ الَّذِي قد جمعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ فِي وُقُوعه.
وَقَوله: ((فِي اسْتِيفَاء الْحق)) أَي فِي استضاءته واتضاحه. وَمعنى الْكَلَام: أَن الْمُؤمنِينَ يبالغون فِي سُؤال الله سُبْحَانَهُ فِي إخْوَانهمْ الْمُؤمنِينَ شَفَاعَة لَهُم. وَقد روينَاهُ من طَرِيق آخر بِلَفْظ آخر: ((فَمَا أحدهم فِي حق يعلم أَنه لَهُ بأشد مناشدة مِنْهُم فِي إخْوَانهمْ الَّذين سقطوا فِي النَّار، يَقُولُونَ: أَي رب، كُنَّا نغزو جَمِيعًا، ونحج جَمِيعًا، ونعتمر جَمِيعًا، فَبِمَ نجونا الْيَوْم وهلكوا؟ فَيَقُول الله تَعَالَى: انْظُرُوا من فِي قلبه زنة دِينَار من إِيمَان فأخرجوه)) .
وَقَوله: ((مِثْقَال ذرة)) أَي وَزنه، والذرة: نملة حَمْرَاء صَغِيرَة.
стр. 1231
وَقد دلّ هَذَا على تفاضل النَّاس فِي الْإِيمَان، وَذكر المثقال تقريب إِلَى الْفَهم، لَا أَن الْخَيْر وَالْإِيمَان يحضرهما الْوَزْن، غير أَن مَا يشكل يرد إِلَى الْحس ليفهم. وَمن هَذَا قَوْله: ((من تقرب مني شبْرًا تقربت مِنْهُ ذِرَاعا)) .
والحمم: الفحم.
والحبة بِكَسْر الْحَاء: بزر النَّبَات. وَبِفَتْحِهَا: الْحبّ الْمَأْكُول.
قَالَ النَّضر بن شُمَيْل: الْحبَّة اسْم جَامع لحبوب الْبُقُول الَّتِي تنتثر إِذا هَاجَتْ، ثمَّ إِذا مطرَت من قَابل نَبتَت. وَقَالَ الْكسَائي: الْحبَّة من حب الرياحين. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هُوَ نبت ينْبت فِي الْحَشِيش صغَار.
وَقَالَ أَبُو عبيد: كل شَيْء لَهُ حب فاسم الْحبّ مِنْهُ حَبَّة. فَأَما الْحِنْطَة وَالشعِير فحبة لَا غير.
وحميل السَّيْل: كل مَا حمله. وكل مَحْمُول حميل، قَالَه الْأَصْمَعِي. وَقَالَ أَبُو سعيد الضَّرِير: حميل السَّيْل: مَا جَاءَ بِهِ من طين أَو غثاء، فَإِذا اتّفق فِيهِ الْحبَّة واستقرت على شط مجْرى السَّيْل فَإِنَّهَا تنْبت فِي يَوْم وَلَيْلَة، وَهِي أسْرع شَيْء نباتا. وَإِنَّمَا المُرَاد من الحَدِيث سرعَة نجاتهم.
وَقَوله: فِي رقابهم الخواتيم. وَكَأَنَّهَا بقايا من آثَار النَّار.
стр. 1232
وَقَوْلهمْ: أَعطيتنَا مَا لم تعط أحدا من الْعَالمين. لقَائِل أَن يَقُول: كَيفَ يَقُولُونَ هَذَا وهم يعلمُونَ أَن من لم يدْخل النَّار فقد أعطي خيرا من عطائهم؟ فقد ذكرنَا فِي هَذَا جوابين فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
وَقَوله: ((امتحشوا)) قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يَعْنِي احترقوا.
والحيا: الْمَطَر.
وَقَوله: فأماتتهم إماتة. رُبمَا قَالَ قَائِل: كَيفَ يموتون فِي النَّار وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ [الْأَعْلَى: ١٣] فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذِه صفة الْمُوَحِّدين وَتلك صفة الْكَافرين، فَجَائِز أَن تلفح النَّار الْمُؤمن فَيَمُوت فَلَا يَدُوم عَذَابه إِلَى أَن يحيى فَيخرج. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: أَنهم يغشى عَلَيْهِم ويغيب إحساسهم، فيعبر بِالْمَوْتِ عَن ذَلِك.
والضبائر: جماعات فِي تَفْرِقَة.
فبثوا: أَي فرقوا.
والحسك قد بَيناهُ آنِفا.
والمفلطحة فِيهَا سَعَة وتدوير.
والعقيفة من التعقف. والمتعقف: المعوج الطّرف.
١٤٤٧ - / ١٧٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: ((كَمَا تتراءون الْكَوْكَب الدُّرِّي الغابر)) .
стр. 1233
قد سبق تَفْسِير هَذَا فِي مُسْند سهل بن سعد والغابر: الْبَاقِي.
١٤٤٨ - / ١٧٥٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: ((إِن مِمَّا أَخَاف عَلَيْكُم بعدِي مَا يفتح عَلَيْكُم من زهرَة الدُّنْيَا)) .
زهرَة الدُّنْيَا: حسنها وَنَعِيمهَا.
والرحضاء: الْعرق الْكثير. يُقَال: رحضت الثَّوْب: إِذا غسلته بِالْمَاءِ.
والحبط: أَن تكْثر الدَّابَّة من أكل المرعى حَتَّى ينتفخ لذَلِك بَطنهَا، وتمرض عَنهُ، فَلَا تثلط وَلَا تبول، واحتباس ذَلِك رُبمَا قَتلهَا ((أَو ألم)) بذلك أَي قَارب ذَلِك. هَذَا مثل لمن يستكثر من جمع الدُّنْيَا من غير وَجههَا، لِأَن الرّبيع ينْبت جيد المرعى، فتستطيبه الْمَاشِيَة فتستكثر مِنْهُ فتهلك، فَكَذَلِك جَامع الدُّنْيَا من غير وَجههَا يستكثر مِنْهَا محبا لذَلِك بالطبع، فَيهْلك دينه.
وَقَوله: ((إِلَّا آكِلَة الْخضر)) وَالْمعْنَى أَنَّهَا تنجو إِذا قتل غَيرهَا الحبط. فَهَذَا مثل للمقتصد فِي طلب الدُّنْيَا، الَّذِي لَا يحملهُ حرصه على أَخذ مَا لَا يحل لَهُ، فَهُوَ ينجو من وبال الْحساب كَمَا نجت آكِلَة الْخضر، لِأَن الْخضر لَيْسَ من جيد الْبُقُول، بل هُوَ نوع من أدناها، يبْقى بعد يبس المرعى، فترعاه الْمَوَاشِي ضَرُورَة لعدم غَيره، فَإِذا امْتَلَأت خاصرتاها اسْتقْبلت عين الشَّمْس تستمرئ بذلك مَا أكلت، فتجتر وتثلط، فيزول عَنْهَا الحبط. وَإِنَّمَا تحبط الْمَاشِيَة إِذا لم تثلط
стр. 1234
وَلم تبل. وَمعنى ثَلَطَتْ: أَلْقَت رجيعها سهلا رَقِيقا. وَذكر الثلط وَالْبَوْل للتشبيه بِمَا يُخرجهُ المقتصد فِي جمع المَال فِي الْحُقُوق.
قَوْله: ((إِن هَذَا المَال خضر)) قَالَ أَبُو عبيد: الخضرة: الْحسن الغض، وكل شَيْء غض طري فَهُوَ خضر، وَأَصله من خضرَة الشّجر.
وَقَوله: ((وَنعم صَاحب الْمَرْء الْمُسلم هُوَ لمن أعْطى مِنْهُ الْمِسْكِين واليتيم)) . رُبمَا رَأَيْت فِي الْأَحَادِيث ذمّ المَال ومدحه، فاسمع فصل الْخطاب: المَال لَا يُرَاد لذاته، وَإِنَّمَا هُوَ سَبَب للتوصل إِلَى الْآخِرَة، كَمَا أَن النَّاقة سَبَب للوصول إِلَى الْكَعْبَة، فَمن لم يحسن إِلَى رَاحِلَته عطبت فافتقر إِلَى النَّاس أَو تلف، وَمن تشاغل بتسمينها وتزيينها سبقه الْحَاج. فَكَذَلِك المَال إِنَّمَا يُرَاد للبلاغ إِلَى الْآخِرَة، فَإِذا تشاغل الْإِنْسَان بجمعه عَمَّا وضع لَهُ توجه الذَّم إِلَى قبح هَذَا الْفِعْل، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(وَمن ينْفق الْأَيَّام فِي حفظ مَاله ... مَخَافَة فقر، فَالَّذِي فعل الْفقر)
وَلما قصد السّلف المَال للمعنى الممدوح جمعُوا مِنْهُ مَا يَكفهمْ عَن الطمع، وَيجمع هممهم عَن التشتت، فَكَانَ أَبُو بكر الصّديق يخرج للتِّجَارَة يقدمهَا على صُحْبَة الرَّسُول ﷺ . وَقَالَ عمر: لِأَن أَمُوت بَين
стр. 1235
شُعْبَتَيْ رجْلي أطلب كفاف وَجْهي أحب إِلَى من أَن أَمُوت غازيا فِي سَبِيل الله. وَقد قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ: يَا بني، مَا افْتقر أحد إِلَّا أصَاب ثَلَاث خلال مَكْرُوهَة: آفَة فِي دينه، وضعفا فِي عقله، وَذَهَاب مروءته. وَأعظم من هَذِه الْخلال استخفاف النَّاس بِهِ. يَا بني، قد ذقت المرارة كلهَا فَلم أر شَيْئا أَمر من الْفقر. وَقَالَ قيس بن عَاصِم عِنْد الْمَوْت: يَا بني، عَلَيْكُم باصطناع المَال، فَإِنَّهُ منبهة للكريم، ويستغنى بِهِ عَن اللَّئِيم. وَكَانَ أحيحة بن الجلاح سيدا فِي قومه، وَكَانَ يصلح مَاله، وَيُقِيم بذلك مَا ينوبه من الْحق، وَيَقُول:
(استغن أَو مت وَلَا يغررك ذُو نشب ... من ابْن عَم وَلَا عَم وَلَا خَال)
(إِنِّي أكب على الزَّوْرَاء أعمرها ... إِن الحبيب إِلَى الإخوان ذُو المَال)
وَمَا جمعه ابْن عَوْف، وَخَلفه طَلْحَة وَالزُّبَيْر من المَال مَعْلُوم.
وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: لَا خير فِيمَن لَا يجمع المَال ليؤدي عَن أَمَانَته، ويكف وَجهه، ويصل رَحمَه. وَكَانَ يتجر فِي الزَّيْت وَيَقُول لأَصْحَابه: هُوَ خير من الْحَاجة إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُلُوك. وَترك عِنْد مَوته أَرْبَعمِائَة دِينَار وَقَالَ: وَالله مَا تركتهَا إِلَّا لأصون بهَا عرضي ووجهي.
وَسَأَلَ رجل رجلا: من سيد الْبَصْرَة؟ فَقَالَ: الْحسن، قَالَ: وَبِمَ سادهم؟ قَالَ: اسْتغنى عَن دنياهم وافتقروا إِلَى علمه. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: من كَانَ مَعَه شَيْء فَقدر أَن يَجعله فِي قرن ثَوْر فَلْيفْعَل، فَإِن
стр. 1236
هَذَا زمَان إِذا احْتَاجَ الرجل كَانَ أول مَا يبْذل دينه، وَلَوْلَا بضيعتنا تلاعب بِنَا هَؤُلَاءِ. وَقَالَ رجل للسري بن يحيى، وَكَانَ يتجر فِي الْبَحْر: تركب الْبَحْر فِي طلب الدُّنْيَا؟ قَالَ: أحب أَن أستغني عَن ضربك من النَّاس. وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: تثمير المَال إِلَه المكارم.
وَقَالَ آخر: مقاساة الْفقر الْمَوْت الْأَحْمَر، وسؤال النَّاس الْعَار الْأَكْبَر، وَكَانَ يُقَال: من حفظ مَاله فقد حفظ الأكرمين: الدّين وَالْعرض.
١٤٤٩ - / ١٧٥٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: ذكر الْعَزْل، وَقَول الرَّسُول ﵇: ((لَا عَلَيْكُم أَلا تَفعلُوا، مَا من نسمَة كائنة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا وَهِي كائنة)) .
النَّسمَة: النَّفس.
وَهَذَا الحَدِيث تضمن كَرَاهِيَة الْعَزْل، وَهَذَا لِأَنَّهُ إِخْرَاج للنِّكَاح عَن وَضعه الْأَصْلِيّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا وضع للتناسل، وَالْمرَاد تَكْثِير الْخلق، وَالَّذِي يعْزل يصرفهُ إِلَى أدون الْأَمريْنِ وَهُوَ قَضَاء الشَّهْوَة، عَن أَعلَى الْحَالين وَهُوَ التناسل. وَمثل الْآدَمِيّ كَمثل عبد سلم إِلَيْهِ سَيّده بذرا وأرضا وَأمره بالزرع، ووكل بِهِ مستحثا، فبذر فِي الْبذر وَلم يزرع، فالبذر المَاء، وَالْأَرْض الْمَرْأَة، وَالْمُسْتَحب الشَّهْوَة. وَمَعَ هَذَا فقد ترك الشَّرْع مُرَاده لمراد العَبْد، فأباحه الْعَزْل، وَقد ذكرنَا حكمه فِي مُسْند جَابر.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ردهم إِلَى الْقدر فِي هَذَا دون غَيره؟ فَإِن
стр. 1237
الْمقَاتل لَا يُصِيبهُ إِلَّا مَا قدر لَهُ، وَقد أَمر بِأخذ الْعدة. وَكَذَلِكَ الرزق لَا يتَعَدَّى صَاحبه، وَقد أَمر بِالطَّلَبِ، وأبيحت لَهُ الْأَسْفَار.
فَالْجَوَاب: أَنه إِنَّمَا ذكر لَهُم الْقدر لَا أَنه كرهه لَهُم.
١٤٥٠ - / ١٧٥٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: ((لَا تخيروني من بَين الْأَنْبِيَاء؛ فَإِن النَّاس يصعقون يَوْم الْقِيَامَة؛ فَأَكُون أول من يفِيق، فَإِذا أَنا بمُوسَى أَخذ بقائمة من قَوَائِم الْعَرْش؛ فَلَا أَدْرِي: أَفَاق قبلي أَو جوزي بصعقة الطّور)) .
الصَّعق يكون بِمَعْنى الْمَوْت، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصعِقَ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض﴾ [الزمر: ٦٨] . وَيكون بِمَعْنى الغشي، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وخر مُوسَى صعقا﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٣] . والصعق فِي هَذَا الحَدِيث بِالْمَوْتِ أشبه. وَإِنَّمَا أَرَادَ تَفْضِيل مُوسَى وَذكر شرفه.
وَفِي هَذَا الحَدِيث إشْكَالَانِ: الأول: أَنه قَالَ: ((لَا تخيروني)) وَقد قَالَ: ((أَنا سيد ولد آدم)) وَالثَّانِي: أَنه قَالَ: ((أكون أول من يفِيق)) ثمَّ قَالَ: ((لَا أَدْرِي أَفَاق قبلي)) .
فَالْجَوَاب عَن الأول من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا أَن يكون قَالَه قبل علمه بِأَنَّهُ أفضل الْأَنْبِيَاء، فَلَمَّا أعلم قَالَ: ((أَنا سيد ولد آدم)) .
وَالثَّانِي: أَن يكون نَهَاهُم عَن التَّخْيِير، لأَنهم كَانُوا يخيرون بواقعاتهم وظنونهم، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يسند التَّخْيِير إِلَى دَلِيل. وَالثَّالِث: أَن الْغَالِب فِي الْمُخَير الإزراء بالأنقص رُتْبَة، وَلَا يجوز الإستنقاص بِأحد
стр. 1238
من الْأَنْبِيَاء. وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَلْفَاظ: ((لَا تخيروني بَين الْأَنْبِيَاء)) وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ ترك التَّخْيِير بَينهم على وَجه الإزراء ببعضهم، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى فَسَاد الإعتقاد فيهم، والإخلال بِوَاجِب حَقهم، وَلَيْسَ المُرَاد أَن يعْتَقد التَّسْوِيَة بَينهم، وفقد أخبرنَا الله تَعَالَى بِأَنَّهُ قد فضل بَعضهم على بعض.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَنه لما رأى نَفسه ﵇ قد أَفَاق وَبَاقِي الْخلق لم يفيقوا علم أَنه أول مُفِيق: فَلَمَّا رأى مُوسَى عَاد يشك: هَل أَفَاق قبله أَو لم يصعق؟ ، وَالْمرَاد الْقرب بَين الإفاقتين.
١٤٥١ - / ١٧٥٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: ((لَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ صَدَقَة)) .
وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند جَابر.
١٤٥٢ - / ١٧٦٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: كنت فِي مجْلِس من مجَالِس الْأَنْصَار؛ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مذعور، فَقَالَ: اسْتَأْذَنت على عمر ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لي، فَرَجَعت، فَقَالَ: مَا مَنعك؟ قلت: اسْتَأْذَنت ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لي فَرَجَعت، وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَليرْجع)) فَقَالَ: وَالله لتقيمن عَلَيْهِ بَيِّنَة أَو لأجعلنك عظة. أمنكم أحد سَمعه من رَسُول الله ﷺ ؟
стр. 1239
فَقَالَ أبي بن كَعْب: فوَاللَّه لَا يقوم مَعَك إِلَّا أَصْغَر الْقَوْم، فَكنت أَصْغَر فَقُمْت مَعَه، فَقَالَ عمر: خَفِي عَليّ هَذَا من أَمر رَسُول الله ﷺ ، ألهاني عَنهُ الصفق بالأسواق.
المذعور: الْخَائِف.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن السّنة الإستئذان ثَلَاث مَرَّات، وَلَا يُزَاد على ذَلِك، لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يسمع صَاحب الْمنزل فِي الْمرة الأولى وَلَا فِي الثَّانِيَة، فَإِذا لم يجب فِي الثَّالِثَة فالغالب أَنه قد سمع وَلَكِن لَهُ عذره.
فَإِن قيل: إِذا كَانَ عمر يخَاف من مثل أبي مُوسَى، فبمن يوثق؟ فَالْجَوَاب أَنه مَا اتهمه، وَإِنَّمَا خَافَ أَن ينْطَلق فِي التحديث عَن رَسُول الله ﷺ من لَيْسَ من أَهله، فتوعد الثِّقَة ليحذر غَيره. وَقد قَالَ لَهُ أبي بن كَعْب: يَا ابْن الْخطاب، أَنا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ذَلِك، فَلَا تكونن عذَابا على أَصْحَاب رَسُول الله. فَقَالَ: سُبْحَانَ الله! إِنَّمَا سَمِعت شَيْئا فَأَحْبَبْت أَن أتثبت.
وَأما الصفق فِي الْأَسْوَاق فيريد بِهِ عقد الصفقات، وَكَانُوا يضْربُونَ بِالْيَدِ على الْيَد عِنْد العقد عَلامَة لتَمام البيع، وَالْمعْنَى فِي ذَلِك: أَنه لما كَانَت الْأَمْلَاك مُضَافَة إِلَى الْأَيْدِي جعلُوا ضرب يَد البَائِع على يَد المُشْتَرِي أَمارَة ناقلة، كَأَنَّهُ يَقُول: قد نقلت مَا فِي يَدي إِلَى مَا فِي يدك، ثمَّ استمرت التَّسْمِيَة بالصفقة وَإِن لم يَقع صفق.
١٤٥٣ - / ١٧٦١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: خطب رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: ((إِن الله خير عبدا بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده، فَاخْتَارَ
стр. 1240
ذَلِك العَبْد مَا عِنْد الله)) فَبكى أَبُو بكر.
هَذَا الحَدِيث هَذَا قد دلّ على فطنة أبي بكر، إِذْ علم أَن الْمُخَير هُوَ رَسُول الله ﷺ . وَبَاقِي الحَدِيث قد بَيناهُ فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٤٥٤ - / ١٧٦٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: قَالَ النِّسَاء للنَّبِي ﷺ : غلبنا عَلَيْك الرِّجَال، فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا. فوعدهن يَوْمًا لقيهن فِيهِ، فوعظهن وأمرهن.
كَانَ النِّسَاء فِي ذَلِك الزَّمن يطلبن الْخَيْر ويقصدن الْأجر، ويصلين مَعَ الرَّسُول ﷺ جمَاعَة، وَكَانَ مثل الرَّسُول واعظهن، فصلح أَن يَجْعَل لَهُنَّ يَوْمًا.
فَأَما مَا أحدث الْقصاص من جمع النِّسَاء وَالرِّجَال فَإِنَّهُ من الْبدع الَّتِي تجْرِي فِيهَا الْعَجَائِب، من اخْتِلَاط النِّسَاء بِالرِّجَالِ، وَرفع النِّسَاء أصواتهن بالصياح والنواح إِلَى غير ذَلِك. فَأَما إِذا حضرت امْرَأَة مجْلِس خير فِي خُفْيَة، غير متزينة، وَخرجت بِإِذن زَوجهَا، وَتَبَاعَدَتْ عَن الرِّجَال، وقصدت الْعَمَل بِمَا يُقَال لَا التَّنَزُّه، كَانَ الْأَمر قَرِيبا مَعَ الْخطر، وَإِنَّمَا أجزنا مثل هَذَا لِأَن الْبعد عَن سَماع التَّذْكِير يُقَوي الْغَفْلَة، فينسي الْآخِرَة بِمرَّة. وَيَنْبَغِي للمذكر أَن يحث على الْوَاجِبَات، وَينْهى عَن الْمَحْظُورَات، وَيذكر مَا ينفع الْعَوام وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْجُهَّال فِي دينهم، وهيهات، مَا أقل هَذَا الْيَوْم، إِنَّمَا شغل الْقصاص الْيَوْم
стр. 1241
ذكر إزليخا ويوسف، ومُوسَى والجبل، وإنشاد الْغَزل، فَيكون الضَّرَر بذلك أقوى من النَّفْع.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: ((مَا مِنْكُن امْرَأَة تقدم ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث)) يُرِيد بُلُوغ الْحلم، وَكَأَنَّهُ بلغ إِلَى زمَان إِذا حلف فِيهِ حنث. وَإِنَّمَا اشْترط الصغر لِأَن الرَّحْمَة للصغار أَكثر، والمحبة لَهُم أوفر، وشفقة الْأُم أوفى من شَفَقَة الْأَب، فَذكر للنِّسَاء مَا هُوَ أخص بِهن من فِرَاق المحبوب.
١٤٥٥ - / ١٧٦٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: ((إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ، وليدرأه مَا اسْتَطَاعَ، فَإِن أَبى فليقاتله، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان)) .
الدرء: الدّفع، وَهَذَا يسْتَعْمل فِي أول الْمَنْع. فَإِن أَبى المجتاز كَانَ للْمُصَلِّي دَفعه بالعنف.
وَقَوله: ((فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان)) قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الْمَعْنى أَن الشَّيْطَان يحملهُ على ذَلِك. وَهَذَا إِذا كَانَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي إِلَى ستْرَة.
وَفِي اللَّفْظ الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ: ((إِذا صلى أحدكُم إِلَى شَيْء يستره)) فَأَما إِذا لم يكن ستْرَة فَلَيْسَ لَهُ دفع الْجَائِز بَين يَدَيْهِ، مَعَ أَن الْجَائِز مَنْهِيّ عَن الْجَوَاز.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن الْعَمَل الْقَلِيل لَا يقطع الصَّلَاة.
стр. 1242
١٤٥٦ - / ١٧٦٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: ((إِذا أعجلت أَو قحطت فَلَا غسل عَلَيْك، عَلَيْك الْوضُوء)) وَفِي لفظ: ((إِنَّمَا المَاء من المَاء)) .
أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: أَو قحطت بِفَتْح الْقَاف، وَقَالَ لنا أَبُو مُحَمَّد الخشاب: الصَّوَاب ضم الْقَاف، وَالْمعْنَى: لم ينزل. قَالَ ابْن فَارس: يُقَال: أقحط الرجل: إِذا خالط أَهله وَلم ينزل.
والقحط: احتباس الْمَطَر. وَهَذَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام، ثمَّ نسخ على مَا بَيناهُ فِي مُسْند عُثْمَان بن عَفَّان ﵁.
١٤٥٧ - / ١٧٦٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: ((يُؤْتى بِالْمَوْتِ كَهَيئَةِ كَبْش أَمْلَح فينادي مُنَاد: يَا أهل الْجنَّة، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيذْبَح)) .
الْمَوْت حَادث تَزُول مَعَه الْحَيَاة، وَيدل على أَنه شَيْء قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي خلق الْمَوْت والحياة﴾ [الْملك: ٢] وَذَلِكَ الْحَادِث يصور فِي هَيْئَة كَبْش، وَإِنَّمَا صور لَهُم ليعلموا عدم الْمَوْت فِيمَا بعد.
وَقد فسرنا الأملح فِي مُسْند أبي بكرَة.
ويشرئبون: أَي يرفعون رؤوسهم لرُؤْيَته، يُقَال: اشرأب يشرئب: إِذا ارْتَفع وَعلا.
стр. 1243
١٤٥٨ - / ١٧٦٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: ((يَقُول الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة: يَا آدم، فَيَقُول: لبيْك وَسَعْديك، فينادي: إِن الله أَمرك أَن تخرج بعثا إِلَى النَّار ... فَحِينَئِذٍ تضع الْحَامِل حملهَا، ويشيب الْوَلِيد)) .
قَوْله: ((لبيْك وَسَعْديك)) قد تقدم تَفْسِيره فِي مُسْند عَليّ ﵇.
والبعث: الَّذين يبعثون.
وَالْحَامِل: الحبلى. وَقد فرقوا بَين حملهَا فِي الْبَطن، وَحملهَا على الرَّأْس وَالظّهْر، فَقَالُوا هَا هُنَا: حَامِل، وَهُنَاكَ: حاملة.
فَإِن قيل: فَهَل يبْقى حَامِل يَوْم الْقِيَامَة؟ فَالْجَوَاب: أَنه لَو حضرت حَامِل حِينَئِذٍ لوضعت، وَلَو حضر مَوْلُود يعقل أهوال الْقِيَامَة لشاب.
وَأما (يَأْجُوج وَمَأْجُوج) فهما اسمان أعجميان. وَقد قَرَأَ عَاصِم بهمزهما. قَالَ اللَّيْث: الْهَمْز لُغَة رَدِيئَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: يَأْجُوج رجل، وَمَأْجُوج رجل، وهما ابْنا يافث بن نوح، فيأجوج وَمَأْجُوج عشرَة أَجزَاء وَولد آدم كلهم جُزْء، وهم شبر وشبران وَثَلَاثَة أشبار. وَقَالَ عَليّ ﵇: مِنْهُم من طوله شبر، وَمِنْهُم من هُوَ مفرط فِي الطول. وَقَالَ السّديّ: التّرْك سَرِيَّة من يَأْجُوج وَمَأْجُوج،
стр. 1244
خرجت تغير، فجَاء ذُو القرنين فَضرب السد فَبَقيت خَارجه. وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ((لَا يَمُوت الرجل مِنْهُم حَتَّى ينظر إِلَى ألف ذكر بَين يَدَيْهِ من صلبه، كل قد حمل السِّلَاح)) .
وَقَوله: ((كرقمة فِي ذِرَاع الْحمار)) الرَّقْمَة خطوط مخططة فِي ذراعه.
١٤٥٩ - / ١٧٦٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: ((لَا تسبوا أَصْحَابِي، فَإِن أحدكُم لَو أنْفق مثل أحد ذَهَبا مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه)) .
الْمَدّ: ربع الصَّاع. والنصيف: نصفه. قَالَ أَبُو عبيد: وَالْعرب تسمي النّصْف النصيف كَمَا قَالُوا فِي الْعشْر عشير، وَفِي الْخمس خَمِيس، وَفِي الثّمن ثمين، وَفِي التسع تسيع. وَاخْتلفُوا فِي الرّبع وَالسُّدُس والسبع، فَمنهمْ من قَالَ: ربيع وسديس وسبيع، وَمِنْهُم من لَا يَقُول بذلك، وَلم أسمع أحدا مِنْهُم يَقُول فِي الثُّلُث شَيْئا من ذَلِك، وأنشدوا:
(لم يغذها مد وَلَا نصيف ... وَلَا تُمَيْرَات وَلَا تعجيف)
أَرَادَ: أَنَّهَا منعمة، لم تغذ بِمد تمر وَلَا نصيفه، لَكِن بِاللَّبنِ.
стр. 1245
والنصيف فِي غير هَذَا: الْخمار، كَقَوْلِه ﵇ فِي الْحور الْعين: ((ولنصيف إِحْدَاهُنَّ على رَأسهَا خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)) .
فَإِن قَالَ قَائِل: لمن خَاطب؟ إِن كَانَ خَاطب أَصْحَابه فَكيف يَقُول: ((يَا أَصْحَابِي)) ، ((وَلَا تسبوا أَصْحَابِي)) وَإِن كَانَ خَاطب التَّابِعين فَمَا وجدوا بعد. فَالْجَوَاب: أَنه يحْتَمل الْأَمريْنِ، فَإِن كَانَ خَاطب أَصْحَابه فالخطاب للمتأخرين مِنْهُم، فأعلمهم أَنهم لن يبلغُوا مرتبَة الْمُتَقَدِّمين، كَمَا قَالَ فِي حق أبي بكر: ((قُلْتُمْ: كذبت، وَقَالَ: صدقت، فَهَل أَنْتُم تاركو صَاحِبي)) . ويكشف هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح﴾ [الْحَدِيد: ١٠] وَإِن كَانَ قَالَ لمن سَيَأْتِي فعلى معنى: بلغُوا من يَأْتِي، ويوضحه قَوْله تَعَالَى: ﴿لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ [الْأَنْعَام: ١٩] .
١٤٦٠ - / ١٧٦٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: كُنَّا نخرج زَكَاة الْفطر صَاعا من طَعَام، أَو صَاعا من شعير، أَو صَاعا من تمر، أَو صَاعا من أقط، أَو صَاعا من زبيب، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَة وَجَاءَت السمراء قَالَ: أرى مدا من هَذَا يعدل مَدين.
وَقد ذكرنَا قدر الصَّاع فِي مُسْند ابْن عمر، وَذكرنَا هُنَاكَ أَنه لَا يُجزئ أقل من صَاع من أَي الْأَجْنَاس المخرجة كَانَ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يُجزئ نصف صَاع بر، وَهُوَ المُرَاد بقول أبي سعيد: فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَة وَجَاءَت السمراء، يَعْنِي الْحِنْطَة، قَالَ: أرى مدا من هَذَا - يَعْنِي الْحِنْطَة -
стр. 1246
يعدل مَدين - يَعْنِي من التَّمْر.
والأقط: شَيْء يعْمل من اللَّبن ويجفف، وَيجوز إِخْرَاجه على أَنه أصل. هَذَا قَول أَحْمد وَمَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يخرج على وَجه الْقيمَة، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ.
١٤٦١ - / ١٧٦٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: ذكر خطْبَة الْعِيد بعد الصَّلَاة، قَالَ أَبُو سعيد: فَخرجت مخاصرا مَرْوَان، فَإِذا بِهِ يُرِيد أَن يَبْتَدِئ بِالْخطْبَةِ، فجبذته فَقَالَ: ذهب مَا تعلم.
أما تَقْدِيم الصَّلَاة على الْخطْبَة فقد بَينا سَببه فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
والمخاصرة: أَن يَأْخُذ الرجل بيد آخر يتماشيان، فيد كل وَاحِد مِنْهُمَا عِنْد خصر صَاحبه، وأنشدوا:
(ثمَّ خَاصرتهَا إِلَى الْقبَّة الخضراء ... نمشي فِي مرمر مسنون)
وجبذته بِمَعْنى جذبته. وَمثله كبكبت الشَّيْء وبكبكته: إِذا طرحت بعضه على بعض، وهجهجت بالسبع وجهجهت بِهِ، وفثأت الْقدر وثفأتها: إِذا سكنت غليانها.
وَقَول مَرْوَان: ذهب مَا تعلم: أَي ترك اتِّبَاع السّنة.
وَقَوله: ((يكثرن اللَّعْن ويكفرن العشير)) قد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
стр. 1247
وَذكر نُقْصَان عقلهن ودينهن قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
وَأما امْرَأَة ابْن مَسْعُود فاسمها زَيْنَب بنت أبي مُعَاوِيَة الثقفية. وَقد دلّ حَدِيثهَا على أَن الصَّدَقَة على الْأَقَارِب أولى من الصَّدَقَة على الْأَجَانِب.
١٤٦٢ - / ١٧٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: فِي ذكر أبي طَالب: ((لَعَلَّه تَنْفَعهُ شَفَاعَتِي فَيجْعَل فِي ضحضاح من النَّار يبلغ كعبيه)) .
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الضحضاح: الْقَلِيل من الْعَذَاب، وَالْعرب تسمى المَاء الْقَلِيل ضحضاحا. قيل لأعرابي: إِن فلَانا يَدعِي الْفضل عَلَيْك، فَقَالَ: لَو وَقع فِي ضحضاح مني لغرق: أَي فِي الْقَلِيل من مياهي. وَقَالَ غَيره: الضحضاح مَا يبلغ الْكَعْبَيْنِ، وكل مَا رق من المَاء على وَجه الأَرْض فَهُوَ ضحضاح.
١٤٦٣ - / ١٧٧١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: ((من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله بعد الله وَجهه عَن النَّار سبعين خَرِيفًا)) .
إِذا أطلق ذكر سَبِيل الله كَانَ الْمشَار بِهِ إِلَى الْجِهَاد.
والخريف زمَان مَعْلُوم من السّنة تخترف فِيهِ الثِّمَار. المُرَاد بِهِ هَا هُنَا السّنة كلهَا، وَالْمعْنَى: مسيرَة سبعين سنة.
١٤٦٤ - / ١٧٧٢ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: الْجواد الْمُضمر. وَقد
стр. 1248
سبق بَيَانه فِي مُسْند سهل بن سعد.
١٤٦٥ - / ١٧٧٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: نهى عَن المزانبة والمحاقلة وَقد فسرناه فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٤٦٦ - / ١٧٧٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: كُنَّا فِي مسير لنا، فنزلنا منزلا، فَجَاءَت جَارِيَة فَقَالَت: إِن سيد الْحَيّ سليم، وَإِن نفرنا غيب، فَهَل مِنْكُم راق؟ فَقَامَ مَعهَا رجل مَا كُنَّا نأبنه برقية، فرقاه.
قد سبق ذكر النَّفر فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن وَغَيره.
والغيب: الغائبون.
وَالرجل الَّذِي رقى هُوَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَاوِي الحَدِيث.
ونأبنه بِضَم الْبَاء، كَذَلِك قَالَه لنا عبد الله بن أَحْمد النجوي، وَقَالَ: أبنت بِمَعْنى عبت، كَأَنَّهُمْ مَا علمُوا أَنه يرقى فَكَانَ يعاب بالرقية.
وَقَوله: وشفوا لَهُ بِكُل شَيْء: أَي عالجوه بِكُل شَيْء طلبا للشفاء، يُقَال: شفى الطَّبِيب للْمَرِيض: إِذا عالجه بِمَا يشفيه.
والجعل: مَا يعطاه الْإِنْسَان على الْأَمر يَفْعَله، وَكَذَلِكَ الْجعَالَة والجعيلة.
стр. 1249
والقطيع: مَا اقتطع من الْغنم.
وَقَوله: يتفل: التفل: نفخ بِلَا ريق.
وَقَوله: نشط من عقال: هَكَذَا وَقع فِي الرِّوَايَة، وَأكْثر اللُّغَة على أَن نشط بِمَعْنى عقل، وَأنْشط بِمَعْنى حل، وَقد جَاءَ فِي بعض اللُّغَات: نشط بِمَعْنى حل، وَهُوَ المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث.
ويستدل بِهَذَا الحَدِيث من يرى جَوَاز الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن وَجَمِيع الْقرب، وَقد بَينا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس أَن فِيهِ رِوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، واعتذرنا على الْمَنْصُور عندنَا عَن هَذَا الحَدِيث.
١٤٦٧ - / ١٧٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: أَن رجلا كَانَ قبلكُمْ رغسه الله مَالا، فَقَالَ لِبَنِيهِ: إِذا مت فأحرقوني.
قَوْله: رغسه الله مَالا، قَالَ أَبُو عبيد: أَكثر لَهُ مِنْهُ وَبَارك لَهُ فِيهِ.
يُقَال: رغسه الله يرغسه رغسا، وَكَذَلِكَ فِي الْحبّ وَغَيره.
قَالَ العجاج:
(خَليفَة سَاس بِغَيْر تعس ... أَمَام رغس فِي نِصَاب رغس)
стр. 1250
وَقَوله: ((فِي يَوْم عاصف)) أَي عاصف الرّيح.
وَقَوله: لم يبتئر. قَالَ أَبُو عبيد: أَي لم يقدم خيرا، وَهُوَ من الشَّيْء يخبأ، كَأَنَّهُ لم يقدم لنَفسِهِ شَيْئا خبأه لَهَا، يُقَال: بأرت الشَّيْء وابتأرته: إِذا خبأته، وَمِنْه سميت الحفرة البؤرة. وَفِي الابتئار لُغَتَانِ: ابتأرت الشَّيْء وائتبرته ابتئارا وائتبارا، قَالَ الْقطَامِي:
(فَإِن لم تأتبر رشدا قُرَيْش ... فَلَيْسَ لسَائِر النَّاس ائتبار)
وَقَالَ آخر:
(فَإنَّك إِن تبأر لنَفسك بؤرة ... تجدها إِذا مَا غَيْبَتِك الْمَقَابِر)
ويخلط ابْن جني فِي ((غَرِيب الحَدِيث)) : ابتأرت الشَّيْء وابترته ابتئارا وابتيارا. وَأما امتار بِالْمِيم فَإِنَّمَا رويت لنا مَهْمُوزَة، فعلى هَذَا تكون الْمِيم نائبة عَن الْبَاء، كَقَوْلِهِم: سمد رَأسه وسبد. وَإِن كَانَت غير مَهْمُوزَة بالإمتيار طلب الْميرَة، فَيكون الْمَعْنى: مَا حصل خيرا.
وَقد اعْترض على هَذَا الحَدِيث فَقيل: هَذَا رجل كَافِر، لقَوْله: إِن يقدر الله عَلَيْهِ. وَمن ظن أَن الله تَعَالَى لَا يقدر عَلَيْهِ فَهُوَ كَافِر، فَكيف يُقَال: غفر الله لَهُ، وتلقاه برحمته؟ فَالْجَوَاب من سِتَّة أوجه: أَحدهَا: أَن هَذَا الرجل مُؤمن، غير أَنه جهل صفة من صِفَات الله ، وَقد يغلط فِي صِفَات الله قوم من الْمُسلمين وَلَا يحكم لَهُ
стр. 1251
بالْكفْر، قَالَه ابْن قُتَيْبَة. قَالَ ابْن عقيل: والجهالة من جِهَة الْقُصُور عذر، وَكَذَلِكَ إِذا لم يُؤْت قوم صِحَة الْعُقُول وسلامتها لم يكلفوا مَا كلفه أَصْحَاب النّظر الصَّحِيح، وَإِنَّمَا يكفر من يسْتَدلّ وَينظر دون من قصر. وَالثَّانِي: أَنه جهل صفة من صِفَات الله فَكفر بذلك، إِلَّا أَن الْكفْر قد كَانَ يغْفر فِي ذَلِك الزَّمَان إِلَى أَن نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] . وَالثَّالِث: أَن هَذَا رجل غلب عَلَيْهِ الْخَوْف والجزع، فَقَالَ هَذَا الْكَلَام وَهُوَ لَا يدْرِي مَا يَقُول، كَمَا قَالَ ذَلِك الرجل: ((أَنْت عَبدِي وَأَنا رَبك)) . ذكرهمَا ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي كتاب ((تَهْذِيب الْآثَار)) . وَالرَّابِع: أَن يكون بِمَعْنى التَّضْيِيق، من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه﴾ [الطَّلَاق: ٧] أَي ضيق، فَالْمَعْنى: أَن يضيق عَليّ ويبالغ فِي محاسبتي. وَالْخَامِس: أَن يقدر خَفِيفَة بِمَعْنى يقدر مُشَدّدَة، يُقَال: قدرت وقدرت بِمَعْنى، وَالْمرَاد: إِن قدر وَسبق قَضَاؤُهُ أَن يعذب كل ذِي جرم ليعذبني عذَابا لَا يعذبه أحدا. ذكرهَا أَبُو عمر بن عبد الْبر الْحَافِظ. وَالسَّادِس: أَن هَذَا الرجل كَانَ يثبت الصَّانِع وَلَكِن لم تخاطبه النبوات، وَمن لم تصله دَعْوَة لَا يُؤَاخذ - عِنْد أهل السّنة - بِمَا يُخَالف الْعُقُول؛ لِأَن الْمُؤَاخَذَة ببلوغ الدعْوَة فَقَط، وَمَا لم يسمع الدعْوَة فَلَا مُؤَاخذَة، وعَلى قَول من يرى أَن الْعقل مُوجب يحمل ذَلِك على أَنه كَانَ فِي مهلة النّظر لم يتكامل لَهُ النّظر، ذكره ابْن عقيل.
стр. 1252
فَإِن قيل: وَكَيف جمعه قبل الْقِيَامَة؟ إِن قُلْتُمْ: خَاطب روحه فَلَيْسَ ذَلِك بِجمع، وَإِن قُلْتُمْ: جمع أجزاءه فَهُوَ عين الْبَعْث، ثمَّ لَو بَعثه لم يخاطبه لِأَنَّهُ لَا يكلمهُ فِي الدُّنْيَا. فَالْجَوَاب أَنه إِخْبَار عَمَّا سيجري، وَأَن الله تَعَالَى يجمعه فِي الْقِيَامَة فَيَقُول لَهُ هَذَا.
١٤٦٨ - / ١٧٧٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ النَّبِي ﷺ أَشد حَيَاء من الْعَذْرَاء فِي خدرها.
الْحيَاء: الإنقباض والإحتشام. وَقد بَينا فضل الْحيَاء فِي مُسْند ابْن عمر عِنْد قَوْله: ((الْحيَاء من الْإِيمَان)) .
الْعَذْرَاء اسْم مَأْخُوذ من الْعذرَة، وَهُوَ مَا يهتكه الإفتضاض.
والخدر: مَا تستتر فِيهِ الْمَرْأَة، وَالْأَصْل فِي الخدر الإستتار، وَلذَلِك قيل: أَسد خادر، كَأَن الأجمة لَهُ خدر يسْتَتر فِيهَا.
والخداري: اللَّيْل المظلم، لِأَنَّهُ يستر مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ.
وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا كره شَيْئا أثر فِيهِ، وَيزِيد التَّأْثِير بكتمانه إِيَّاه عَن صاحيه.
١٤٦٩ - / ١٧٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: قصَّة الَّذِي قتل تِسْعَة وَتِسْعين نفسا ثمَّ طلب التَّوْبَة وَخرج فأدركه الْمَوْت، فنَاء بصدره نَحْو الْقرْيَة الصَّالِحَة.
стр. 1253
نأى بِمَعْنى: مَال.
وَالْمرَاد من الحَدِيث أَنه لما صدق فِي التَّوْبَة اجْتهد فِي الْقرب إِلَى أهل الْخَيْر فأعين على اجْتِهَاده بِالْوَحْي إِلَى الأَرْض الصَّالِحَة: أَن تقربي، وَإِلَى الخبيثة: أَن تباعدي، وَهَذَا من جنس قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك كدنا ليوسف﴾ [يُوسُف: ٧٦] .
١٤٧٠ - / ١٧٧٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِن أخي اسْتطْلقَ بَطْنه، فَقَالَ: ((اسْقِهِ عسلا)) .
قد يشكل هَذَا على قوم: فَيَقُولُونَ: كَيفَ أَمر صَاحب الإسهال بالعسل؟ وَالْجَوَاب من أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَن رَسُول الله ﷺ تَأَول الْآيَة، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ [النَّحْل: ٦٩] وَلم يلْتَفت إِلَى اخْتِلَاف الْأَمْرَاض. وَالثَّانِي: أَن مَا كَانَ يذكرهُ النَّبِي ﷺ من الطِّبّ على مَذَاهِب الْعَرَب وعاداتهم كَمَا بَينا فِي مُسْند رَافع بن خديج فِي إبراد الْحمى بِالْمَاءِ. وَالثَّالِث: أَن الْعَسَل كَانَ يُوَافق ذَلِك الرجل، فَقَالَ قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: كَانَ استطلاقه من الإمتلاء وَسُوء الهضم، وَسَائِر الْأَطِبَّاء يأمرون صَاحب الهيضة بألا يمسك الطبيعة ليستفرغ الفضول. وَالرَّابِع: أَن يكون أمره بطبخ الْعَسَل قبل سقيه، والمطبوخ قد يعقل المبلغمين.
стр. 1254
وَقَوله: ((صدق الله وَكذب بطن أَخِيك)) ذكر فِيهِ الْخطابِيّ احْتِمَالَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون إِخْبَارًا عَن غيب أطلعه الله عَلَيْهِ، وأعلمه بِالْوَحْي أَن شِفَاء ذَلِك من الْعَسَل، فكرر عَلَيْهِ الْأَمر بسقي الْعَسَل ليظْهر مَا وعد بِهِ. وَالثَّانِي: أَن تكون الْإِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ وَيكون قد علم أَن ذَلِك النَّوْع من الْمَرَض يشفيه الْعَسَل.
وَقَوله: عرب بَطْنه: أَي فسد.
١٤٧١ - / ١٧٧٩، ١٧٨٠ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: مشروح فِي مُسْند أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث الثَّانِي: قد سبق مُسْند أبي ذَر.
١٤٧٢ - / ١٧٨١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: ((يَجِيء نوح وَأمته فَيُقَال: من يشْهد لَك؟ فَيَقُول: مُحَمَّد وَأمته)) .
اعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث يتَضَمَّن الشَّهَادَة على الشَّهَادَة، وَهِي مَقْبُولَة عِنْد عَامَّة الْعلمَاء، وَأمة مُحَمَّد شهدُوا على شَهَادَة الله عِنْدهم بالتبليغ.
١٤٧٣ - / ١٧٨٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: مُبين فِي مُسْند ابْن عمر.
стр. 1255
وَالسَّادِس وَالثَّامِن فِي مُسْند أبي قَتَادَة. وَالسَّابِع فِي مُسْند عبَادَة.
١٤٧٤ - / ١٧٩٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: ((لَا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن جن وَلَا إنس وَلَا شَيْء إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة)) .
المدى: الْغَايَة.
١٤٧٥ - / ١٧٩١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: ((يُوشك أَن يكون خير مَال الْمُسلم غنم يتبع بهَا شعف الْجبَال)) .
يُوشك: أَي يقرب ويشرع. وَقد بَينا هَذِه الْكَلِمَة فِي مُسْند كَعْب ابْن مَالك.
والشعفة: رَأس الْجَبَل، وَجَمعهَا شعف وشعفات.
١٤٧٦ - / ١٧٩٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: ((وَيْح عمار)) .
وَيْح كلمة رَحْمَة، قَالَ الْخَلِيل: وَلم يسمع على بنائها إِلَّا وَيس، وويه، وويك، وويب، وويل. قَالَ الْأَصْمَعِي: وَيْح ترحم، وويس تصغر ذَلِك.
وَقَوله: ((تقتله الفئة الباغية)) الفئة: الْجَمَاعَة. والباغية:
стр. 1256
الظالمة. وَالْبَغي: الظُّلم.
وَقَوله: ((يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة)) أَي إِلَى مَا يحمل إِلَى الْجنَّة.
١٤٧٧ - / ١٧٩٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث من أَفْرَاد مُسلم: ((إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته، فليطرح الشَّك وليبن على مَا استيقن، ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم)) .
أما سُجُود السَّهْو فَإِنَّهُ عندنَا وَاجِب، ووافقنا مَالك فِيمَا إِذا كَانَ عَن نُقْصَان. وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ مسنون. وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي مَحل سُجُود السَّهْو، فَروِيَ عَنهُ إِن كَانَ من نُقْصَان فَقبل السَّلَام، وَإِن كَانَ من زِيَادَة فَبعد السَّلَام، وَهَذَا قَول مَالك. وَرُوِيَ عَنهُ أَن الْكل قبل السَّلَام، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَرُوِيَ عَنهُ أَن الْكل قبل السَّلَام إِلَّا فِي موضِعين: أَحدهمَا: أَن يسلم من نُقْصَان. وَالثَّانِي: إِذا شكّ الإِمَام وَقُلْنَا يتحَرَّى على رِوَايَة فَإِنَّهُ يسْجد بعد السَّلَام اسْتِحْسَانًا لموْضِع الْأَثر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَدَاوُد: كُله بعد السَّلَام.
وَقَوله: ((كَانَت ترغيما للشَّيْطَان)) أَي دحرا لَهُ ورميا لَهُ باالرغام: وَهُوَ التُّرَاب.
١٤٧٨ - / ١٧٩٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: ((لَا تكْتبُوا عني)) .
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا نهى فِي أول الْأَمر، فَلَمَّا علم أَن السّنَن تكْثر فَيفوت الْحِفْظ أجَاز الْكِتَابَة. قَالَ: وَيجوز أَن يكون إِنَّمَا خص بِإِجَازَة
стр. 1257
الْكِتَابَة عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ حِين قَالَ لَهُ: إِنِّي أسمع مِنْك أَشْيَاء، وَإِنِّي أَخَاف أَن أَنْسَاهَا، أفتأذن لي أَن أَكتبهَا؟ قَالَ: ((نعم)) لِأَن عبد الله كَانَ كَاتبا قَارِئًا للكتب الْمُتَقَدّمَة. وَكَانَ غَيره من الصَّحَابَة أُمِّيين، فخشي عَلَيْهِم فِي كتابتهم الْغَلَط، وَأمن على هَذَا لمعرفته فَأذن لَهُ.
وَقَوله: ((حدثوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج)) فِيهِ خَمْسَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه كَانَ قد تقدم مِنْهُ مَا يشبه النَّهْي، إِذْ جَاءَ عمر بِكَلِمَات من التَّوْرَاة فَقَالَ لَهُ: ((أمطها عَنْك)) فخاف أَن يتَوَهَّم النَّهْي عَن ذكرهم جملَة فَأجَاز الحَدِيث عَنْهُم. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: وَلَا يضيق صدر السَّامع من عجائب مَا يسمع عَنْهُم، فقد كَانَ فيهم أَعَاجِيب.
وَالثَّالِث: أَنه لما كَانَ قَوْله: ((حدثوا)) لفظ أَمر بَين أَنه لَيْسَ على أَمر الْوُجُوب بقوله: ((وَلَا حرج)) أَي: وَلَا حرج إِن لم تحدثُوا.
وَالرَّابِع: أَنه لما كَانَت أفعالهم قد يَقع فِيهَا مَا يتحرز من ذكره الْمُؤمن أَبَاحَ التحديث بذلك، كَقَوْلِه: ﴿فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا﴾ [الْمَائِدَة: ٢٤] ﴿وَاجعَل لنا إِلَهًا﴾ [الْأَعْرَاف: ١٣٨] ((مُوسَى آدر)) . وَالْخَامِس: أَن يكون أَرَادَ ببني إِسْرَائِيل أَوْلَاد يَعْقُوب وَمَا فَعَلُوهُ بِيُوسُف.
وَقَوله: ((من كذب عَليّ)) قد سبق فِي مُسْند عَليّ وَغَيره.
١٤٧٩ - / ١٧٩٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: ((لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله)) .
стр. 1258
فِي تلقين الْمَيِّت هَذِه الْكَلِمَة سِتَّة أوجه: أَحدهَا: أَنَّهَا أول مَا يلْزمه النُّطْق بِهِ فِي بداية التَّكْلِيف فَأَرَادَ أَن تكون خَاتِمَة الْأَقْوَال. وَالثَّانِي: أَنه إِن كَانَ قَالَهَا فِي زمن السَّلامَة شاكا فِي صِحَّتهَا أَو غافلا عَن مضمونها، فَعِنْدَ الْمَوْت يحضر قلبه فينطق بهَا بِيَقِين. وَالثَّالِث: أَن الْأَعْمَال بطلت بِقُوَّة الْمَرَض، فَلم يبْق إِلَّا الْأَقْوَال، وَهِي أفضل الْأَقْوَال. وَالرَّابِع: أَن الْأَعْمَال بخواتيمها، وَهِي أشرف مَا ختم بِهِ. وَالْخَامِس: لِيُقِر الْمُؤمن فِي زمن الشدَّة بِمَا كَانَ مقرا بِهِ فِي زمن السَّلامَة والعافية، وَمثله ابتلاء مُنكر وَنَكِير. وَالسَّادِس: أَن هَذِه الْكَلِمَة كَانَت عَاصِمَة فِي الدُّنْيَا من عَذَابهَا، فَأمر بقولِهَا عِنْد اسْتِقْبَال الْآخِرَة لينجى من عَذَابهَا. وَيسْتَحب أَن تكون آخر كَلَام الْمَرِيض، فَإِن لقنها ثمَّ تكلم بعْدهَا أُعِيدَت عَلَيْهِ لتَكون آخر كَلَامه، وَإِن ثقل عَلَيْهِ النُّطْق فكررت عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَلم يطق النُّطْق لم تكَرر عَلَيْهِ، فَكَانَ اعْتِقَاده قَائِما مقَام النُّطْق.
١٤٨٠ - / ١٨٠١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: ((مثلي وَمثل الْأَنْبِيَاء كَمثل رجل بنى دَارا فأتمها إِلَّا لبنة)) قد تقدم بَيَانه فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
١٤٨١ - / ١٨٠٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: ((احتجت الْجنَّة وَالنَّار، فَقَالَت النَّار: فِي الجبارون والمتكبرون. وَقَالَت الْجنَّة: فِي ضِعَاف النَّاس ومساكينهم)) .
المتكبر: الَّذِي يحتقر النَّاس ويعظم نَفسه.
стр. 1259
والضعفاء جمع ضَعِيف: وَهُوَ الْقَلِيل الْحَظ من الدُّنْيَا.
وَظَاهر هَذِه المحاجة الْمُخَاصمَة فِي الْفَضِيلَة: وَالْمعْنَى: أظهرتا حجج التَّفْضِيل، فَكل وَاحِدَة تَدعِي الْفضل على الْأُخْرَى.
وَيحْتَمل مُرَاد النَّار بقولِهَا: ((فِي الجبارون والمتكبرون)) . وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الجبارين أَعلَى من الضُّعَفَاء. وَالثَّانِي: أَنِّي أنتقم لله من الجبارين الَّذين خالفوه، فحالتي عالية.
وَيحْتَمل قَول الْجنَّة: ((فِي الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين)) وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الضُّعَفَاء كَانُوا يَتَّقُونَ الله، فهم أفضل من المتجبرين.
وَالثَّانِي: أَن الضُّعَفَاء مَوضِع الرَّحْمَة واللطف، وثواب الْمُنعم عَلَيْهِ بعد الْفقر والمسكنة أحسن من عِقَاب المتجبر. وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة، وَمِنْه: (فَقَالَت الْجنَّة: فَمَالِي لَا يدخلني إِلَّا ضعفاء النَّاس وَسَقَطهمْ وغرتهم)) فَيحْتَمل قَوْلهَا هَذَا أَمريْن: أَحدهمَا: الْمَدْح لحالها، لِأَنَّهَا ذكرت قوما لَيْسَ فيهم خب وَلَا دغل، شغلتهم التَّقْوَى عَن ذَلِك. وَالثَّانِي: أَن تكون قَالَت هَذَا كالشكوى إِلَى الله ، فَتكون كالمغلوب فِي المجادلة.
١٤٨٢ - / ١٨٠٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: أَصَابَت النَّاس مجاعَة فِي غَزْوَة تَبُوك، فَقَالُوا: لَو أَذِنت لنا فنحرنا نواضحنا؟ فَقَالَ: ((افعلوا)) فجَاء عمر فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِن فعلت قل الظّهْر، وَلَكِن ادعهم بِفضل أَزْوَادهم ثمَّ ادْع الله لَهُم فِيهَا بِالْبركَةِ، فَذكر أَنهم ملأوا أوعيتهم.
هَذَا الحَدِيث يدل على أَن إِنَّمَا أذن لَهُم بِرَأْيهِ لَا بِالْوَحْي، فَلَمَّا
стр. 1260
أَشَارَ عمر بِمَا رَآهُ أصلح مَال إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا فضل كثير لعمر.
وَقد قَالَ قَائِل: مَا وَجه دُعَائِهِ بالزاد وَالْمَاء ثمَّ يَدْعُو بِالْبركَةِ فِيهِ، فَهَلا دَعَا ليخرج الله تَعَالَى لَهُم الزَّاد وَالْمَاء؟ فَالْجَوَاب: أَن مَا يَتَوَلَّاهُ الْخلق يَقع بالأسباب، فَلَا يخرج على يَد مَخْلُوق شَيْء لَا من شَيْء، كَمَا قَالَ عِيسَى: ﴿أخلق لكم من الطين كَهَيئَةِ الطير﴾ [آل عمرَان: ٤٩] فَأَما ابتداع الْأَشْيَاء لَا من شَيْء فَذَاك مِمَّا انْفَرد الْحق بِهِ.
فَإِن قيل: فقد ركض الأَرْض فنبع المَاء. قُلْنَا: فالأرض مَحل المَاء.
١٤٨٣ - / ١٨٠٤ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: ((الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ)) .
الصَّوْم فِي اللُّغَة: الْإِمْسَاك فِي الْجُمْلَة، يُقَال: صَامت الرّيح: إِذا أَمْسَكت عَن الهبوب.
وَالصَّوْم فِي الشَّرِيعَة: الْإِمْسَاك عَن الطَّعَام وَالشرَاب وَالْجِمَاع مَعَ انضمام النِّيَّة إِلَيْهِ.
وَلقَائِل أَن يَقُول: مَا معنى: إِضَافَة الصَّوْم إِلَيْهِ بقوله: ((الصَّوْم لي)) وَجَمِيع الْعِبَادَات لَهُ؟ فَالْجَوَاب عَنهُ من خَمْسَة أوجه: أَحدهَا: أَنه إِضَافَة تشريف كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وطهر بَيْتِي﴾ [الْحَج: ٢٦] وَقَوله: ﴿نَاقَة الله﴾ [الْأَعْرَاف: ٧٣] . وَالثَّانِي: أَنه أَضَافَهُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أحب الْعِبَادَات إِلَيْهِ، يدل عَلَيْهِ أَن فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: ((كل عمل ابْن آدم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لي)) وَكَانَ الْمَعْنى هُوَ الْمُقدم عِنْدِي على غَيره. وَالثَّالِث: لمضاعفته جزاءه، فَالْمَعْنى: أَن جَمِيع الْأَعْمَال لَهَا جَزَاء مَعْلُوم إِلَّا الصَّوْم فَإِنِّي
стр. 1261
أضاعف جزاءه إِلَى مَا لَا يُعلمهُ غَيْرِي، وَيشْهد لَهُ قَوْله: ((وَأَنا أجزي بِهِ))
وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: ((كل عمل ابْن آدم يُضَاعف الْحَسَنَة عشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف، قَالَ الله تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لي، وَأَنا أجزي بِهِ)) وَالرَّابِع: أَن جَمِيع الْعِبَادَات تظهر، وَقل أَن يسلم الظَّاهِر من شوب، وَلِهَذَا قَالَ: ((كل عمل ابْن آدم لَهُ)) وَالْمعْنَى: لنَفسِهِ فِيهِ حَظّ لظُهُوره، وَالنَّاس يثنون عَلَيْهِ بِعِبَادَتِهِ الظَّاهِرَة، وَالصَّوْم بَاطِن فَهُوَ سليم.
وَالْخَامِس: أَن الْمَعْنى أَن الإستغناء عَن الْمطعم وَالْمشْرَب صِفَتي، فَكَأَن الصَّائِم تقرب إِلَى الله بِمَا يشبه صفته وَلَا شبه.
وَقَوله: ((إِذا أفطر فَرح)) هَذَا فَرح الطَّبْع، فَأَما الْعقل فَإِنَّهُ يفرح بِتمَام صَوْمه وسلامته من الْآفَات.
وَأما الخلوف فَهُوَ تغير ريح الْفَم، يُقَال: خلف فَمه يخلف خلوفا. وَكثير من أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: ولخلوف بِفَتْح الْخَاء؛ وَهُوَ غلط؛ لِأَن الخلوف هُوَ الَّذِي بعد وتخلف، قَالَ النمر بن تولب:
(جزى الله عني جَمْرَة ابْنة نَوْفَل ... جَزَاء خلوف بالأمانة كَاذِب)
وَذكر الْمسك تَشْبِيه لنا بِمَا نعقل، فَكَمَا أَن الْمسك طيب الرّيح
стр. 1262
عندنَا، فالخلوف عِنْد الله أطيب.
وَاعْلَم أَن الله ينظر إِلَى قصد الْفَاعِل، فَإِذا كَانَ صَحِيحا أحب مَا يحدث مِنْهُ وَإِن كَانَ مَكْرُوها عِنْد الْخلق كالخلوف فِي الصَّوْم، وَالنَّوْم فِي التَّهَجُّد، وَالدَّم فِي حق الشَّهِيد.
١٤٨٤ - / ١٨٠٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: أُصِيب رجل فِي عهد رَسُول الله ﷺ فِي ثمار ابتاعها، فَكثر دينه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((تصدقوا عَلَيْهِ)) فَلم يبلغ ذَلِك وَفَاء دينه، فَقَالَ لغرمائه: ((خُذُوا مَا وجدْتُم، فَلَيْسَ لكم إِلَّا ذَلِك)) .
رُبمَا توهم متوهم أَن معنى قَوْله: ((لَيْسَ لكم إِلَّا ذَلِك)) أَن مَا وجدوه وَإِن لم يَفِ بِأَمْوَالِهِمْ هُوَ قدر مَا يجب لَهُم، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: لَيْسَ لكم الْآن إِلَّا مَا وجدْتُم وَيبقى من الدُّيُون فِي ذمَّته إِلَى حِين يسَاره. وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي الْمُفلس إِذا بَقِي عَلَيْهِ دين وَكَانَ ذَا صناعَة، هَل يجْبرهُ الْحَاكِم على إِيجَار نَفسه؟ فَروِيَ عَنهُ: يجْبرهُ، وَرُوِيَ: لَا يجْبرهُ، كَقَوْل الْأَكْثَرين.
١٤٨٥ - / ١٨٠٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: ذكر قِرَاءَة أسيد بن حضير، ونزول الْمَلَائِكَة إِلَيْهِ وَقد سبق فِي مُسْند أسيد.
والمربد: الْموضع الَّذِي يجمع فِيهِ تمر النّخل عِنْد الجداد.
стр. 1263
والمربد أَيْضا: موقف الْإِبِل، وَقد سبق هَذَا.
١٤٨٦ - / ١٨٠٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر وَغَيره.
١٤٨٧ - / ١٨٠٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: ذكر آخر من يدْخل الْجنَّة.
وَفِيه: ((فَأَكُون تَحت نجاف الْجنَّة)) والنجاف: أَعلَى الْبَاب.
وأصل النجف الإرتفاع، والنجف شبه التل، وَجمع النجف نجاف.
وَقد سبق الحَدِيث فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٤٨٨ - / ١٨٠٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: لقد كَانَت صَلَاة الظّهْر تُقَام فَيذْهب الذَّاهِب إِلَى البقيع فَيَقْضِي حَاجته ثمَّ يتَوَضَّأ ثمَّ يَأْتِي رَسُول الله ﷺ فِي الرَّكْعَة الأولى، مِمَّا يطولها.
الْحَاجة هَا هُنَا: الْغَائِط وَالْبَوْل. وَهَذَا يدل على اسْتِحْبَاب تَطْوِيل الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة الأولى من كل صَلَاة. وَقد ذكرنَا الْخلاف فِي هَذَا فِي مُسْند أبي قَتَادَة.
١٤٨٩ - / ١٨١٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد ملْء السَّمَوَات
стр. 1264
وَالْأَرْض)) .
قد ذكرنَا فِيمَا تقدم أَن قَوْله: ((ملْء السَّمَاء)) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون ذكر مَا نحس بِهِ للتقريب إِلَى الْفَهم، فَالْمَعْنى: لَك الْحَمد حمدا كثيرا. وَالثَّانِي: أَن تكون الْإِشَارَة إِلَى الصُّحُف الَّتِي تكْتب فِيهَا المحامد.
وَالثنَاء: الْمَدْح وَالْمجد والشرف.
وَقَوله: ((وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد)) قد فسرناه فِي مُسْند الْبَراء ابْن عَازِب.
١٤٩٠ - / ١٨١١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: أتيت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَهُوَ مكثور عَلَيْهِ.
أَي قد كثر النَّاس عَلَيْهِ، فَعدى الْكَثْرَة وَهِي لَازِمَة، كَمَا يُقَال: مَرْغُوب فِيهِ.
وَقَوله: فَلم يعب الصَّائِم على الْمُفطر. وَقد سبق فِي مُسْند أبي الدَّرْدَاء بَيَانه، وَذكرنَا جَوَاز الصَّوْم وَالْفطر فِي السّفر، وَاخْتِلَاف النَّاس فِي الْأَفْضَل.
١٤٩١ - / ١٨١٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: كُنَّا نحزر قيام رَسُول الله ﷺ فِي الظّهْر.
الحزر: تَقْدِير بِظَنّ.
стр. 1265
١٤٩٢ - / ١٨١٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: ((إِذا أَتَى أحدكُم أَهله ثمَّ أَرَادَ أَن يعود فَليَتَوَضَّأ)) .
اعْلَم أَن الْوضُوء يجمع بَين تَخْفيف الْحَدث والنظافة، وَقد علم أَن الْإِنْسَان لَا يتَوَضَّأ بعد الْوَطْء حَتَّى يغسل ذكره، وَذَلِكَ يُقَوي الْعُضْو، ثمَّ إِن الْبدن يسكن من الإنزعاج بِتِلْكَ السَّاعَة فَيَعُود مستريحا. وَلَا يُمكن أَن يحمل قَوْله: ((فَليَتَوَضَّأ)) على غسل الذّكر فَحسب، لِأَن فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث ((وضوءه للصَّلَاة)) .
١٤٩٣ - / ١٨١٤ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: نهى عَن الدُّبَّاء والحنتم والنقير والمزفت. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس، وَبينا أَنه إِنَّمَا نهى عَن هَذِه الْأَشْيَاء لِأَنَّهَا تزيد المنبوذ فِيهَا شدَّة.
١٤٩٤ - / ١٨١٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: نَهَانَا أَن نخلط بسرا بتمرا، أَو زبيبا بِتَمْر.
قد بَينا فِيمَا سبق أَن الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى الإنتباذ، وَأَنه إِذا اجْتمع نَوْعَانِ تعاونا على إِحْدَاث الشدَّة، فكره ذَلِك لِأَنَّهُ يقرب إِلَى الْمحرم، فَإِن حدثت شدَّة حرم.
١٤٩٥ - / ١٨١٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: ((إِذا تثاءب أحدكُم فليمسك بِيَدِهِ على فَمه)) وَفِي لفظ ((فليكظم)) .
следующие страницы →