Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
(٢٠٩) وَأخرج لنبيشه الْهُذلِيّ حَدِيثا
٢٤٤٨ - / ٣١٣٨ - وَهُوَ: " أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب وَذكر الله تَعَالَى ".
وَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه لَا يجوز صَومهَا؛ لِأَنَّهُ وسمها بِالْأَكْلِ وَالشرب كَمَا وسم الْعِيد بِالْفطرِ. والاتفاق وَاقع على أَنه لَا يجوز صيامها نفلا، وَاخْتلفُوا فِي صَومهَا عَن فرض، وَقد ذكرنَا ذَلِك وَسبب تَسْمِيَتهَا بأيام التَّشْرِيق فِي مُسْند كَعْب بن مَالك.
وَقَوله: " كُنَّا ننهاكم عَن لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث كي تَسَعكُمْ " أَي لتعم الْكل، وَكَانَ ﷺ قد حرم عَلَيْهِم الادخار فَوق ثَلَاث ليتصدقوا على قوم أقدمتهم إِلَى الْمَدِينَة المجاعة، ثمَّ أباحهم مَا كَانَ مَحْظُورًا، وأعلمهم سَبَب الْحَظْر، وَهَذَا مشروح فِيمَا سَيَأْتِي من مُسْند عَائِشَة ﵍.
قَوْله: " وَائْتَجِرُوا " كَذَا فِي كتاب الْحميدِي. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبرْقَانِي، وَهُوَ اللَّفْظ الصَّحِيح، وَمَعْنَاهُ: تصدقوا طلبا لِلْأجرِ. وَقد رَوَاهُ بعض الْمُحدثين فَقَالَ: " وَاتَّجرُوا " من التِّجَارَة، وَالتِّجَارَة لَا تكون فِي
стр. 1927
لُحُوم الْأَضَاحِي إِلَّا أَن يُرَاد بهَا تِجَارَة الْآخِرَة، من قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل أدلكم على تِجَارَة﴾ [الصَّفّ: ١٠] ، وَاللَّفْظ الصَّحِيح وَالْمعْنَى هُوَ مَا أَنْبَأتك.
стр. 1928
(٢١٠) وَأخرج لعياض بن حمَار حَدِيثا وَاحِدًا
٢٤٤٩ - / ٣١٣٩ - وَفِيه: " كل مَال نحلته عبدا حَلَال ".
النحلة: الْعَطِيَّة المبتدأة لَا عَن عوض.
والحنفاء جمع حنيف. وَفِي الحنيف قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الْمُسْتَقيم، وَإِنَّمَا قيل للأعرج حنيف تطيرا إِلَى السَّلامَة، قَالَه ابْن قُتَيْبَة. وَالثَّانِي: أَنه المائل إِلَى دين الله سُبْحَانَهُ. والحنف: ميل كل وَاحِدَة من الْقَدَمَيْنِ إِلَى أُخْتهَا بأصابعها، قَالَه الزّجاج.
وَقَوله: " واجتالتهم عَن دينهم " أَي أزالتهم، مَأْخُوذ من الجولان، والجائل زائل عَن مَكَانَهُ. وَرَوَاهُ أَبُو عبيد: فأحالتهم.
وَالسُّلْطَان: الْحجَّة.
والمقت: أَشد الْغَضَب. وَإِنَّمَا اسْتثْنى بقايا من أهل الْكتاب لأَنهم لم يبدلوا.
والإبتلاء: الاختبار.
وَقَوله: " لَا يغسلهُ المَاء " أَي لَا ينمحي لدوام ظُهُوره وشهرته، فَهُوَ لكَونه مبثوثا فِي الصُّحُف والصدور لَو مُحي من صحيفَة وجد فِي
стр. 1929
أُخْرَى، أَو قَامَ بِهِ الْحفاظ.
فَإِن قيل: فَكيف يَقْرَؤُهُ نَائِما؟ فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه: أَن معنى تقرؤه: تجمعه حفظا وَأَنت نَائِم كَمَا تقرؤه فِي الْيَقَظَة. وَالثَّانِي: أَن الْإِشَارَة إِلَى تسهيله، فَضرب النّوم مثلا للسهولة، كَمَا يُقَال: أَنا أسبق فلَانا - إِذا عدا - قَاعِدا. وَالثَّالِث: أَن الْمَعْنى: تقرؤه وَأَنت متهيئ للنوم، وَالْمرَاد عَن ظهر الْقلب. وَمن سبق من الْأُمَم كَانُوا لَا يقرءُون كتبهمْ إِلَّا من الصُّحُف.
وَقَوله: " أَمرنِي أَن أحرق قُريْشًا " كِنَايَة عَن الْقَتْل.
وَقَوله: " يثلغوا رَأْسِي " الثلغ: الشدخ، وَقيل: هُوَ فَضَحِك الشَّيْء الرطب باليابس، فَإِذا انبسط بالثلغ أشبه الخبزة فِي انبساطها.
وَقَوله: " واغزهم نعنك " كَذَا فِي كتاب الْحميدِي، وَهُوَ من الْإِعَانَة، وَفِي مُسْند أَحْمد: " نغزك ".
وَقَوله: " نبعث خَمْسَة مثله " إِشَارَة إِلَى الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: " مقسط " أَي عَادل.
وَقَوله: " موفق " كَذَا فِي كتاب الْحميدِي، وَهُوَ فِي مُسْند أَحْمد " مرفق " وَهُوَ أليق للمناسبة بَين التَّصَدُّق والإرفاق.
وَقَوله: " رَحِيم " رَقِيق الْقلب. وَهَذَا يدْخلهُ الْجنَّة رَحمته لِلْخلقِ ورقة
стр. 1930
قلبه، فَيحسن إِلَيْهِم وَلَا يظلمهم.
والعفيف: الَّذِي يكف يَده عَمَّا لَا يحل لَهُ.
وَقَوله: " لَا زبر لَهُ " قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَي لَا رَأْي لَهُ يرجع إِلَيْهِ، يُقَال: رجل لَا زبر لَهُ وَلَا زور لَهُ وَلَا صيور: إِذا لم يكن لَهُ رَأْي يرجع إِلَيْهِ. وَقَالَ الْحميدِي: لَا عقل لَهُ.
وَقَوله: " الَّذين هم فِيكُم تبعا لَا يَبْتَغُونَ أَهلا وَلَا مَالا " قد جَاءَ فِي هَذَا الحَدِيث تَفْسِير هَذَا، وَأَنَّهُمْ الَّذين يتبعُون الْقَوْم لفساد يطلبونه، قَالُوا: فَكَانَ الرجل يرْعَى على الْحَيّ مَا بِهِ إِلَّا وليدتهم يَطَؤُهَا.
قَوْله: " والشنظير: الفحاش " الشنظير: السَّيئ الْخلق. والفحاش: المبالغ فِي الْفُحْش فِي كَلَامه.
стр. 1931
(٢١١) وَقد أخرج مُسلم عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لم يسم
٢٤٥٠ - / ٣١٤٠ - أَن رَسُول الله ﷺ أقرّ بالقسامة على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقضى بهَا رَسُول الله ﷺ بَين نَاس من الْأَنْصَار فِي قَتِيل ادعوهُ على الْيَهُود.
والقسامة: الْأَيْمَان فِي أَمر الْقَتِيل.
وَاعْلَم أَن صَاحب الشَّرْع ﷺ بعث بمكارم الْأَخْلَاق، وَدفع الظُّلم، فَرَأى أَشْيَاء فِي الْجَاهِلِيَّة حَسَنَة فأقرها، فَمِنْهَا الْقسَامَة. وَأول من قضى بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، فأقرها رَسُول الله ﷺ وَقضى بهَا بَين نَاس من الْأَنْصَار، وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي مُسْند سهل بن أبي حثْمَة.
وَمِنْهَا خلع النَّعْلَيْنِ عِنْد دُخُول الْكَعْبَة، أول من فعله فِي الْجَاهِلِيَّة الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، فَخلع النَّاس نعَالهمْ فِي الْإِسْلَام. وَهُوَ أول من قطع فِي السّرقَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَأقرهُ الْإِسْلَام.
وَأول من سنّ مائَة من الْإِبِل عبد الْمطلب. وَيُقَال: أَبُو سيارة العدواني.
وَأول عَرَبِيّ قسم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ عَامر بن جشم ذُو
стр. 1932
المجاسد، فَنزل الْقُرْآن بذلك.
وَأول من قضى فِي الْجَاهِلِيَّة فِي الْخُنْثَى بِالْمِيرَاثِ من حَيْثُ يَبُول عَامر ابْن الظرب.
وَأول من سبى السَّبي سبأ بن يعرب بن قحطان، وَلذَلِك سمي سبأ، وَإِنَّمَا اسْمه عَامر.
وَأول عَرَبِيَّة كست الْكَعْبَة الْحَرِير والديباج نتيلة بنت جناب، أم الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.
стр. 1933
(٢١٢) كشف الْمُشكل من مُسْند أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة
وَجُمْلَة مَا رَوَت عَن رَسُول الله ﷺ ألفا حَدِيث وَمِائَتَا حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث، أخرج مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثمِائَة حَدِيث إِلَّا ثَلَاثَة أَحَادِيث.
٢٤٥١ - / ٣١٤٤ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: اسْتَأْذَنت سَوْدَة النَّبِي ﷺ لَيْلَة جمع - وَكَانَت ثَقيلَة ثبطة - أَن تفيض من جمع بلَيْل.
الثبطة / البطيئة. والتثبط: الإبطاء.
والإفاضة: الدّفع. وَكَانَ النَّبِي ﷺ يقدم ضعفة أَهله لَيْلَة جمع قبل حطمة النَّاس على مَا بَينا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
٢٤٥٢ - / ٣١٤٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: طمثت صَفِيَّة.
الطمث: الْحيض. يُقَال: طمثت الْمَرْأَة، بِفَتْح الْمِيم، وطمثت بِكَسْرِهَا. وطمث الرجل الْمَرْأَة: إِذا افتضها، بِفَتْح الْمِيم لَا غير.
стр. 1934
وَقَوله: فَرَأى صَفِيَّة كئيبة. الكآبة: الانكسار من الْحزن.
وَقَوله: " عقرى حلقى " أَصْحَاب الحَدِيث يَرْوُونَهُ عقرى حلقى على وزن " فعلى " وَقَالَ أَبُو عبيد: الصَّوَاب: عقرا حلقا، على الْمصدر، يُرِيد: عقرهَا الله عقرا، وحلقها حلقا. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: معنى عقرى: عقرهَا الله. وحلقى: أَصَابَهَا بوجع فِي حلقها. وَظَاهر هَذَا الدُّعَاء عَلَيْهَا؛ وَلَيْسَ يُرَاد بِهِ الدُّعَاء، إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب مَعْرُوف للْعَرَب يَقُولُونَ مَا ظَاهره الدُّعَاء على الشَّخْص وَلَا يقصدون ذَلِك، كَقَوْلِهِم: تربت يداك.
وَطواف الْإِفَاضَة هُوَ الَّذِي يدعى الزِّيَارَة، وَهُوَ الَّذِي لَا يتم الْحَج إِلَّا بِهِ. ويحتج بِهَذَا الحَدِيث من يرى طواف الْوَدَاع لَيْسَ بِوَاجِب وَقد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
٢٤٥٣ - / ٣١٤٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ وَأَنا أبْكِي، فَقَالَ: " مَالك أنفست؟ " وَفِي رِوَايَة: " طمثت؟ ".
قَوْله: " نفست " أَي حِضْت. يُقَال: نفست الْمَرْأَة ونفست بِضَم النُّون وَفتحهَا: إِذا ولدت، وَأما إِذا حَاضَت فتفتح النُّون، هَذَا هُوَ المشتهر، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال: نفست تنفس، ونفست تنفس، وطمثت ودرست وعركت بِمَعْنى حَاضَت.
وَقَوله: " كتبه الله على بَنَات آدم " أَي قضى بِهِ عَلَيْهِنَّ، كَقَوْلِه: (كتب
стр. 1935
الله لأغلبن أَنا ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١] .
وَقَوله: " غير أَن لَا تطوفي بِالْبَيْتِ " دَلِيل على أَن طواف الْمُحدث لَا يُجزئ، وَلَو كَانَ ذَلِك لأجل الْمَسْجِد لقَالَ: لَا تدخلي الْمَسْجِد: وَقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي طواف الْمُحدث وَالنَّجس، فَروِيَ عَنهُ: لَا يَصح. وَرُوِيَ عَنهُ: يَصح وَيلْزمهُ دم كَقَوْلِه أبي حنيفَة.
وَقَوله: " اجْعَلُوهَا عمْرَة " قد سبق الْكَلَام فِيهِ.
وأهلوا: رفعوا أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ.
وَقَوله: فَأمرنِي فأفضت. يَعْنِي دفعت للطَّواف باليبت.
وَلَيْلَة الحصبة هِيَ اللَّيْلَة الَّتِي ينزل النَّاس المحصب عِنْد انصرافهم من منى إِلَى مَكَّة. والتحصيب: إقامتهم بالمحصب: وَهُوَ الشّعب الَّذِي مخرجه إِلَى الأبطح.
ومؤخرة الرحل: آخِره.
وَقَوله: " فأحقبها ": أَي أردفها. والمحقب: المردف.
والقتب: أَدَاة الرجل للجمل كالإكاف لغيره.
وَقَوْلها: وَحرم الْحَج: يَعْنِي فروضه وَمَا يجب الْتِزَامه فِيهِ واجتنابه.
وَقَوله: " يَا هنتاه ". قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: مَعْنَاهُ: يَا هَذِه، يُقَال للمذكر إِذا كني عَنهُ: هن، وللمؤنث هنة، وَقَالَ الْحميدِي: يَا هنتاه: كَأَنَّهُ نَسَبهَا إِلَى البله وَقلة الْمعرفَة بِالشَّرِّ. وَيُقَال: امْرَأَة هنتاء: أَي بلهاء.
стр. 1936
وَقَوله: " دعِي عمرتك " قَالَ الشَّافِعِي: إِنَّمَا أمرهَا بترك الْعَمَل للْعُمْرَة من الطّواف وَالسَّعْي، لَا أَنه أمرهَا بترك الْعمرَة أصلا. وَلما قَضَت حَجهَا أخْبرهَا أَن طوافها وسعيها يَكْفِي عَن النُّسُكَيْنِ، فآثرت هِيَ عمْرَة مُفْردَة، فَأمر أخاها فأعمرها فَكَانَت عمرتها هَذِه تَطَوّعا.
وَقَوْلها: وَأما الَّذين جمعُوا الْحَج وَالْعمْرَة فَإِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا.
ثمَّ إِن هَذَا يدل على أَن الْقَارِن يَكْفِيهِ طواف وَاحِد على مَا بَينا فِي مُسْند ابْن عمر.
وَقَوْلها: ويصدر النَّاس بنسكين. الصَّدْر: الرُّجُوع، وَهُوَ خلاف الْوُرُود.
والنسك: كل مَا تقرب بِهِ إِلَى الله . وأرادت بالنسكين الْحَج وَالْعمْرَة.
وَلَيْلَة النَّفر: لَيْلَة الرُّجُوع من منى بعد تَمام الْحَج.
وَقَوله: " الْحجر من الْبَيْت " دَلِيل على أَنه إِذا ترك الْحجر فِي طَوَافه لم يجزه، خلافًا لأبي حنيفَة.
٢٤٥٤ - / ٣١٤٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَنَّهَا استعارت من أَسمَاء قلادة فَهَلَكت. أَي ضَاعَت.
وَقَوْلها: فصلوا بِلَا وضوء. دَلِيل على أَن من لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا صلى على حَاله، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ، وعنهما فِي الْإِعَادَة رِوَايَتَانِ. وَإِنَّمَا صلوا لأَنهم فَهموا أَن فقد الشَّرْط لَا يمْنَع فعل الْمَشْرُوط.
стр. 1937
وَلم يُنكر عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ وَلَو كَانَ مُنْكرا لأنكره، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: من لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا لم يصل، وَعَن مَالك كالمذاهب الثَّلَاثَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: ظَاهر الحَدِيث أَنَّهَا كَانَت فِي قصتين فِي حالتين. قُلْنَا: بل كَانَت قصَّة وَاحِدَة، وَإِنَّمَا الروَاة تختصر وتخالف بَين الْعبارَات، فَإِن القلادة كَانَت لأسماء واستعارتها مِنْهَا عَائِشَة وأضافتها إِلَيْهَا فَقَالَت: ضَاعَ عقد لي، فَأَقَامَ النَّبِي ﷺ لالتماسها، وَبعث رجَالًا يطلبونها فِي الْموضع الَّذِي رحلوا عَنهُ، فصلى أُولَئِكَ بِغَيْر وضوء، وَجَاءُوا وَقد نزلت آيَة التَّيَمُّم، فصلى رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه بِالتَّيَمُّمِ.
٢٤٥٥ - / ٣١٤٨ - والْحَدِيث الْخَامِس: حَدِيث بَرِيرَة، وَفِيه: " إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق "، وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عمر.
وَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَن اشْتِرَاط الْوَلَاء كَانَ مُقَارنًا للْعقد، فَالْأَظْهر أَن يكون سَابِقًا للْعقد وَعدا بذلك.
وَقَوله: " وليشترطوا مَا شَاءُوا " الْمَعْنى: لَيْسَ لَهُم تحكم فِي الشَّرْع؛ لِأَن الشُّرُوط اللَّازِمَة شَرْعِيَّة. وَقد رُوِيَ فِي لفظ صَحِيح: " خذيها واشترطي لَهُم الْوَلَاء، فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق " وَهَذَا مِمَّا قد رده قوم وأبوا صِحَّته، وَذكروا فِي رده علتين:
إحدهما: أَنه شَيْء انْفَرد بِهِ مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة.
стр. 1938
وَالثَّانِي: أَنه غرور، وَلَا يجوز على رَسُول الله ﷺ أَن يَأْمر بغرور أحد، قَالَه يحيى بن أَكْثَم.
وَقَول من قَالَ: انْفَرد بِهِ مَالك، غلط؛ فَإِنَّهُ قد تَابعه جرير بن عبد الحميد وَحَمَّاد بن أُسَامَة، وَفَسرهُ الْمُزنِيّ فَقَالَ: اشترطي لَهُم: أَي عَلَيْهِم، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَهُم اللَّعْنَة﴾ [غَافِر: ٥٢] .
وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا ثَلَاثَة أَشْيَاء:
أَن يكون هَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة بعض الروَاة بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهَا قَالَت: إِنَّهُم يشترطون الْوَلَاء فَقَالَ: خذيها، ظن الرَّاوِي أَن الْمَعْنى خذيها واشترطي لَهُم الْوَلَاء، فَذكره بِالْمَعْنَى فغلط.
وَالثَّانِي: أَنهم لما كَانُوا جاهلين بِالشَّرْعِ لم يعبأ باشتراطهم فتركهم يشترطون ليَكُون نَهْيه على الْمِنْبَر عَن أَمر قد جرى فَيكون أبلغ، من جنس قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَهُم مُوسَى ألقوا﴾ [يُونُس: ٨٠] .
وَالثَّالِث: أَنه مَحْمُول على أَن الْقَوْم قد علمُوا قبل هَذَا أَن الْوَلَاء لمن أعتق ثمَّ أَرَادوا اشْتِرَاطه فَجعل نقض مَا اشترطوه أبلغ فِي عقوبتهم.
وَقد روى أَبُو بكر الْأَثْرَم قَالَ: سَأَلت أَحْمد بن حَنْبَل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: قد كَانَ النَّبِي ﷺ أخْبرهُم أَن الْوَلَاء لمن أعتق، فَلَمَّا لم يقبلُوا سنة رَسُول الله ﷺ وَعمِلُوا بِخِلَاف مَا أَمرهم واشترطوا شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله وَلَا سنة رَسُول الله ﷺ قَالَ لعَائِشَة: " اشترطي لَهُم الْوَلَاء " أَي لَيْسَ ذَلِك لَهُم وَلَا يجب عَلَيْك.
وَقَوله: " شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله " لم يرد أَن الشُّرُوط مَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الْقُرْآن، وَإِنَّمَا أَشَارَ بِالْكتاب إِلَى حكم الله ، وَمن
стр. 1939
حكمه مَا ينْطق بِهِ رَسُوله ﷺ ، وَهَذَا كَمَا قَالَ: اقْضِ بَيْننَا بِكِتَاب الله.
وَأما الأواقي فَجمع أُوقِيَّة، وَهِي أَرْبَعُونَ درهما، وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
ونجمت: أَي جعلت نجوما. والنجم: وَظِيفَة معلقَة بِوَقْت.
وَقَوله: ونفست فِيهَا، النُّون مَفْتُوحَة وَالْفَاء مَكْسُورَة، وَالْمعْنَى: بخلت بهَا عَائِشَة أَن تخرج عَن يَدهَا.
وَقَوله: " فاشتريها فأعتقيها " دَلِيل على جَوَاز بيع رَقَبَة الْمكَاتب، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل خلافًا لأكثرهم. وَعنهُ رِوَايَة توَافق الْقَوْم.
وَقَوله: فَخَيرهَا رَسُول الله ﷺ من زَوجهَا؛ وَذَاكَ لِأَن زَوجهَا كَانَ عبدا. وَقد سبق بَيَان هَذَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
٢٤٥٦ - / ٣١٤٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: قدم رَسُول الله ﷺ وَقد سترت سهوة لي بقرام فِيهِ تماثيل.
حكى أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: السهوة كالصفة تكون بَين يَدي الْبَيْت، وَقيل: هِيَ شَبيهَة بالرف أَو الطاق يوضع فِيهِ الشَّيْء. وَأهل الْيمن يَقُولُونَ: هِيَ عندنَا بَيت صَغِير منحدر فِي الأَرْض، وسمكه مُرْتَفع من الأَرْض، شَبيه بالخزانة الصَّغِيرَة يكون فِيهَا الْمَتَاع.
стр. 1940
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: السهوة: الكوة بَين الدَّاريْنِ.
والقرام: السّتْر الرَّقِيق.
والتماثيل: الصُّور.
ويضاهون: يشبهون.
والمرفقة: الوسادة، وَجَمعهَا مرافق، وَكَذَلِكَ النمرقة، وَجَمعهَا نمارق.
وَإِنَّمَا جَازَ أَن تجْعَل وسَادَة لِأَنَّهَا تبتذل، وَكَذَلِكَ لَو فرشت بِخِلَاف مَا إِذا علقت فَإِن فِيهَا تَعْظِيمًا لَهَا.
وَقد بَينا سَبَب امْتنَاع الْمَلَائِكَة من بَيت فِيهِ صُورَة أَو كلب، فِي مُسْند أبي طَلْحَة.
والدرنوك: مَا كَانَ لَهُ حمل من الستور، وَأَصله الثِّيَاب الْغِلَاظ الَّتِي لَهَا حمل، فَإِذا بسط سمي بساطا، وَإِذا علق سمي سترا.
والقطيفة وَاحِدَة القطائف: وَهُوَ ضرب من الأكسية.
والنمط: ضرب من الْبسط.
وَقَوله: " لم يَأْمُرنَا أَن نكسو الْحِجَارَة والطين " دَلِيل على كَرَاهِيَة ستر الْجِدَار كَمَا يَفْعَله كثير من الْعَوام فِي الأعراس.
٢٤٥٧ - / ٣١٥٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: طيبت رَسُول الله ﷺ حِين
стр. 1941
أحرم، ولحله حِين أحل بِطيب فِيهِ مسك. وَفِي لفظ بذريرة.
الذريرة: شَيْء من الطّيب.
فَأَما الوبيص فَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ البريق، وَقد وبص الشَّيْء يبص وبيصا. والبصيص مثله أَو نَحوه، يُقَال مِنْهُ: بص يبص.
والمفارق جمع مفرق: وَهُوَ حَيْثُ يتفرق شعر الرَّأْس.
وَقَوله: " أنضح طيبا " أَي يظْهر مني. يُقَال: عين نضاحة: كَثِيرَة المَاء.
وَالْحرم بِضَم الْحَاء وَسُكُون الرَّاء: الْإِحْرَام، وَرُبمَا كسرهَا بعض قرأة الحَدِيث وَلَيْسَ بصواب؛ لِأَنَّهَا إِذا كسرت صَارَت بِمَعْنى الْحَرَام، يُقَال: حرم وَحرَام.
وَقد دلّ هَذَا الْحَدث على أَن للْمحرمِ أَن يتطيب قبل إِحْرَامه بِطيب يبْقى أَثَره بعد الْإِحْرَام. وَعِنْدنَا أَنه يسْتَحبّ لَهُ أَن يتطيب. وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، إِلَّا أَنه قد رُوِيَ عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: إِن تطيب بِمَا يبْقى بعد الْإِحْرَام فَعَلَيهِ الْفِدْيَة، وَشبهه أَصْحَابه باللباس يستصحب بعد الْإِحْرَام. والفارق بَين مَا جمعُوا من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن النَّبِي ﷺ فرق بِفِعْلِهِ بَين الطّيب واللباس.
وَالثَّانِي: أَن الطّيب بغرض الِاسْتِهْلَاك واللباس للاستبقاء. وَلِهَذَا لَو حلف وَهُوَ متطيب: لَا تطيبت، لَا يلْزمه إزاله مَا على بدنه، بِخِلَاف مَا لَو حلف: لَا لبست، فَإِنَّهُ يلْزمه نزع اللبَاس.
стр. 1942
وَقَالَ مَالك: لَا يجوز للْمحرمِ أَن يتطيب، وَإِن فعل غسله.
٢٤٥٨ - / ٣١٥١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أَن عَائِشَة قَالَت: مَا لفاطمة خير فِي أَن تذكر هَذَا - يَعْنِي قَوْلهَا: لَا سُكْنى وَلَا نَفَقَة.
اعْلَم أَن فَاطِمَة بنت قيس طَلقهَا زَوجهَا ثَلَاثًا فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : " لَا سُكْنى لَك وَلَا نَفَقَة " وَسَيَأْتِي هَذَا فِي مسندها إِن شَاءَ الله، وَأنْكرت عَائِشَة عَلَيْهَا هَذَا وتأولته، وَقَالَت: كَانَت فَاطِمَة فِي مَكَان وَحش فخيف على ناحيتها، فَلذَلِك أرخص لَهَا رَسُول الله ﷺ ، يَعْنِي أَن تخرج من بَيتهَا.
٢٤٥٩ - / ٣١٥٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: تَلا رَسُول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ [آل عمرَان: ٧] وَقَالَ: " إِذا رَأَيْت الَّذين يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ فَأُولَئِك الَّذين سمى الله، فاحذروهم ".
اخْتلف الْعلمَاء فِي الْمُحكم والمتشابه على أَقْوَال كَثِيرَة قد ذكرتها فِي " التَّفْسِير "، وَأظْهر الْأَقْوَال فِي الْمُحكم أَنه الَّذِي يتَبَيَّن مَعْنَاهُ بِنَفس تِلَاوَته.
وَأما الْمُتَشَابه فينقسم: فَمِنْهُ مَا إِذا رد إِلَى الْمُحكم وَاعْتبر بِهِ عقل مَعْنَاهُ، وَمِنْه مَا لَا سَبِيل إِلَى معرفَة كنهه، وَهُوَ الَّذِي انْفَرد الْحق بِعِلْمِهِ، وَهُوَ الَّذِي يتبعهُ أهل الزيغ وَيطْلبُونَ سره، كالقدر وَنَحْوه،
стр. 1943
فالباحث عَن مثل هَذَا طَالب للفتنة، وَلَا يبعد أَن يتعبدنا الله بِمَا طريقنا فِيهِ تَسْلِيم الْأَمر.
٢٤٦٠ - / ٣١٥٣ - والْحَدِيث الْعَاشِر: قد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
٢٤٦١ - / ٣١٥٤ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: كَانَ إِذا أَرَادَ سفرا أَقرع بَين نِسَائِهِ.
وَفِيه دَلِيل على جَوَاز الحكم بِالْقُرْعَةِ. وَقد سبق بَيَانهَا فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن.
٢٤٦٢ - / ٣١٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: " من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد ".
الْأَمر هَاهُنَا المُرَاد بِهِ الدّين. وَالْحَدَث فِيهِ: مَا يناقضه ويضاده.
وَالرَّدّ بِمَعْنى الْمَرْدُود.
٢٤٦٣ - / ٣١٥٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: وَكَانَ مَعَه مثل الهدبة، فَلم يقربنِي إِلَّا هنة وَاحِدَة.
стр. 1944
الهدب: طرف الثَّوْب وَمَا لَان مِنْهُ وتفرق كالخيوط.
والجلباب: الْإِزَار.
وَقَوْلها: إِلَّا هنة: أَي مرّة وَلم يصل مني إِلَى شَيْء.
والعسيلة تَصْغِير الْعَسَل. وَهَذَا كِنَايَة عَن بُلُوغ الشَّهْوَة فِي الْجِمَاع بالإنزال، شبه ذَلِك بالعسل وحلاوته.
وَفِي عِلّة تَأْنِيث الْعسيلَة أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الْعَسَل يذكر وَيُؤَنث. وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْقطعَة من الْعَسَل. وَالثَّالِث: أَنه أنث على معنى النُّطْفَة، وَهِي مُؤَنّثَة. وَالرَّابِع: أَنه أنث على نِيَّة اللَّذَّة.
وَقَوْلها: فَتزوّجت عبد الرَّحْمَن بن الزبير. الزبير هَاهُنَا بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْبَاء. ولعَبْد الرَّحْمَن صُحْبَة، وَكَانَ لَهُ ابْن اسْمه الزبير بِضَم الزَّاي. وروى مَالك بن أنس عَن الْمسور بن رِفَاعَة عَن الزبير بن عبد الرَّحْمَن ابْن الزبير.
وَالزُّبَيْر أَيْضا بِفَتْح الزَّاي عبد الله بن الزبير الشَّاعِر، أَتَى عبد الله بن الزبير يستعطيه فحرمه، فَقَالَ: لعن الله نَاقَة حَملتنِي إِلَيْك، قَالَ لَهُ: إِن وراكبها.
وَيَجِيء فِي حَدِيث آخر أَن الزبير بن باطا من عُلَمَاء الْيَهُود تحدث بِخُرُوج رَسُول الله ﷺ قبل أَن يبْعَث، فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة بِفَتْح الزَّاي. فَأَما الزبير بضَمهَا فكثير. وَقد يشكل بزنبر، وَهُوَ سعيد بن دَاوُد بن أبي زنبر، لَهُ أَحَادِيث مَنَاكِير.
стр. 1945
وَقَوله: أنفضها نفض الْأَدِيم، هَذِه كِنَايَة عَن شدَّة الْحَرَكَة عِنْد المواقعة.
وَقَوله: وَلكنهَا ناشز، يُقَال: نشزت الْمَرْأَة فَهِيَ ناشز: إِذا نفرت عَن زَوجهَا.
٢٤٦٤ - / ٣١٥٧ - والْحَدِيث الرَّابِع عشر: قد سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٢٤٦٥ - / ٣١٥٨ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: أَنا فتلت تِلْكَ القلائد من عهن كَانَ عندنَا، فَأصْبح فِينَا حَلَالا يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَال من أَهله.
القلائد: مَا يعلق فِي عنق الْهَدْي ليعلم أَنه هدي.
والعهن: الصُّوف الملون، واحدته عهنة.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن إِشْعَار الْبدن وتقليدها سنة، وَقد سبق الْكَلَام فِي ذَلِك فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
وَقَوْلها: فَأصْبح فِينَا حَلَالا. دَلِيل على أَن سوق الْهَدْي لَا يدْخل صَاحبه فِي الْإِحْرَام. وَكَانَ ابْن عمر يَقُول: إِذا قلد هَدْيه فقد أحرم.
٢٤٦٦ - / ٣١٥٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: كَانَ إِذا اغْتسل دَعَا بِشَيْء نَحْو الحلاب.
الحلاب والمحلب: الْإِنَاء الَّذِي تحلب فِيهِ ذَوَات الألبان، وَهُوَ يسع
стр. 1946
قدر حلبة نَاقَة، وأنشدوا:
(صَاح، هَل رَأَيْت أَو سَمِعت براع ... رد فِي الضَّرع مَا قرا فِي الحلاب)
وَقد غلط جمَاعَة فِي تَفْسِيره، مِنْهُم البُخَارِيّ؛ فَإِنَّهُ ظن الحلاب شَيْئا من الطّيب فَقَالَ: بَاب من بَدَأَ بالحلاب وَالطّيب، وَذكر هَذَا الحَدِيث فَقَط، وَكَأَنَّهُ توهم أَن الحلاب هُوَ المحلب الَّذِي يسْتَعْمل فِي غسل الْأَيْدِي، وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَهُ.
وصحف آخَرُونَ لَفظه، مِنْهُم الْأَزْهَرِي فَإِنَّهُ قَالَ: دَعَا بِشَيْء مثل الْجلاب بِالْجِيم وَتَشْديد اللَّام، وَقَالَ: هُوَ مَاء الْورْد، وَهُوَ فَارسي مُعرب، كَذَلِك حَكَاهُ عَنهُ الْحميدِي وقرأناه على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: أَرَادَ بالجلاب مَاء الْورْد، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَكَذَلِكَ ذكره أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ فِي بَاب الْجِيم فَقَالَ: الْجلاب، إِلَّا أَنه كَأَنَّهُ لم ينصره.
وَهَؤُلَاء عَن معرفَة الحَدِيث بمعزل، إِنَّمَا البُخَارِيّ أعجب حَالا؛ لِأَن لفظ الحَدِيث: دَعَا بِشَيْء نَحْو الحلاب، فَلَو كَانَ دَعَا بالحلاب كَانَ رُبمَا يشكل، وَنَحْو الشَّيْء غَيره، على أَنه فِي بعض الْأَلْفَاظ: دَعَا بِإِنَاء مثل الحلاب.
стр. 1947
وَأما الْفرق فالراء مَفْتُوحَة، وَمِقْدَار الْفرق سِتَّة عشر رطلا، وَمن سكن الرَّاء فقد غلط؛ لِأَن الْفرق بالتسكين مائَة وَعِشْرُونَ رطلا.
قَالَ الْخطابِيّ: وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن الْوضُوء بِفضل الْمَرْأَة جَائِز، فَإِن النَّهْي عَن ذَلِك مَنْسُوخ.
وَقَول الْخطابِيّ لَيْسَ بِشَيْء؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يغتسلان مَعًا، فَمن أَيْن لَهُ أَنه كَانَ يغْتَسل بفضلها وَقد خلت بِهِ، فاستدلاله بِاللَّفْظِ الْمُطلق على معنى خَاص، ثمَّ قد فسر بِمَا ذكرنَا غَايَة الْخَطَأ.
وَيدل على مَا قُلْنَا الحَدِيث الثَّامِن عشر: كَانَ يوضع لي ولرسول الله ﷺ هَذَا المركن فنشرع فِيهِ جَمِيعًا والمركن: الإجانة الَّتِي يغسل فِيهَا الثِّيَاب، قَالَه أَبُو عبيد، وَمعنى نشرع فِيهِ: نغترف مِنْهُ مَعًا، وَأَصله شُرُوع الْإِبِل فِيمَا تورد عَلَيْهِ من المَاء.
٢٤٦٧ - / ٣١٦٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: " إِن قَوْمك حِين بنوا الْكَعْبَة اقتصروا عَن قَوَاعِد إِبْرَاهِيم " فَقلت: أَلا تردها على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم؟ فَقَالَ: " لَوْلَا حدثان قَوْمك بالْكفْر لفَعَلت ".
قَوْله: " إِن قَوْمك حِين بنوا الْكَعْبَة " قَالَ الزُّهْرِيّ: لما بلغ رَسُول الله ﷺ الْحلم أجمرت امْرَأَة الْكَعْبَة، فطارت شررة فاحترقت ثِيَاب الْكَعْبَة، فوهى الْبَيْت، فنقضته قُرَيْش وبنته.
стр. 1948
وَقَوله: " اقتصروا عَن قَوَاعِد إِبْرَاهِيم " أَي قصروا عَنْهَا فبنوا دونهَا.
وَقَوله: " لَوْلَا حدثان قَوْمك بالْكفْر " أَي حَدَاثَة عَهدهم. وَهَذَا تَنْبِيه على مُرَاعَاة أَحْوَال النَّاس ومداراتهم، وَألا يبدهوا بِمَا يخَاف قلَّة احتمالهم لَهُ، أَو بِمَا يُخَالف عاداتهم إِلَّا أَن يكون ذَلِك من اللازمات.
وَأما كنز الْكَعْبَة فقد ذكرنَا فِي مُسْند شبية أَنهم كَانُوا يهْدُونَ المَال إِلَيْهَا فيخبأ فِيهَا.
والجدر: الْحجر، سمي جدرا لما فِيهِ من أصُول الْحِيطَان.
وَقَوله: قصرت بهم النَّفَقَة: أَي قلت.
وَقَوله: احْتَرَقَ الْبَيْت زمن يزِيد بن مُعَاوِيَة. قد بَينا فِي مُسْند أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ أَن يزِيد قَالَ: لَا أقبل من ابْن الزبير مبايعته حَتَّى أُوتى بِهِ فِي وثاق، فَأبى عبد الله، وَأَن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ لما ولي الْمَدِينَة بعث الْبعُوث إِلَى ابْن الزبير بِمَكَّة وَأمر عَلَيْهِ عَمْرو بن الزبير أَخا عبد الله - وَكَانَت بَينهمَا معاداة - فَمضى إِلَى مَكَّة، وراسل عبد الله فَقَالَ: أما أَنا فَمَا أُخَالِف، فَأَما أَن يَجْعَل فِي عنقِي جَامِعَة ثمَّ أقاد إِلَى الشَّام فَلَا يحل لي أَن أحل بِنَفس، فَجرى بَينهمَا قتال.
ثمَّ إِن يزِيد عزل عَن الْمَدِينَة عَمْرو بن سعيد وولاها الْوَلِيد بن عتبَة ثمَّ عَزله وَولى عُثْمَان بن مُحَمَّد، فَوَثَبَ عَلَيْهِ أهل الْمَدِينَة فأخرجوه فَوجه يزِيد مُسلم بن عقبَة وَأمره أَن يتَّخذ الْمَدِينَة طَرِيقا، فَإِن هم تَرَكُوهُ مضى إِلَى ابْن الزبير فقاتله، فَإِن منعُوهُ دُخُولهَا ناجزهم الْقِتَال، فمنعوه فَكَانَت الْحرَّة.
стр. 1949
ثمَّ خرج يُرِيد ابْن الزبير فَمَاتَ فِي الطَّرِيق، فولى الْحصين بن نمير، فَقدم الْحصين فحاصر ابْن الزبير أَرْبَعَة وَسِتِّينَ يَوْمًا، وَنصب الْحصين المنجنيق على ابْن الزيبر، وَرمى الْكَعْبَة، وَمَات يزِيد فارتحل الْحصين، فَأمر ابْن الزبير بِتِلْكَ الحصاص الَّتِي كَانَت حول الْكَعْبَة فهدمت، فبدت الْكَعْبَة، وَأمر بِالْمَسْجِدِ فكنس مَا فِيهِ من الْحِجَارَة والدماء، فَإِذا الْكَعْبَة قد وهت من أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا من حِجَارَة المنجنيق، وَإِذا الرُّكْن قد اسود وَاحْتَرَقَ من الْحَرِيق الَّذِي كَانَ حول الْكَعْبَة، فَتَركهَا ابْن الزبير كَذَلِك حَتَّى جَاءَ الْمَوْسِم وَرَآهَا النَّاس، ليذموا أهل الشَّام.
قَوْله: يُرِيد أَن يحربهم: أَي يزِيد فِي غضبهم. يُقَال: حَرْب الرجل: أَي غضب، وحربته أَنا: إِذا حرشته وسلطته وعرفته مَا يغْضب مِنْهُ. وَمن قَالَ يجرئهم أَرَادَ يزِيد جرأتهم عَلَيْهِم وعَلى مطالبتهم باستحلالهم بحريق الْكَعْبَة.
وَقَوله: قد فرق لي رَأْي فِيهَا: أَي اتَّضَح وانكشف.
وَقَوله: فتحاماه النَّاس: أَي تجنبوه وَلم يجسروا عَلَيْهِ. ثمَّ إِن ابْن الزبير هَدمه وبناه.
والتلطيخ: التلويث والتخليط بِالرَّأْيِ الْفَاسِد.
٢٤٦٨ - / ٣١٦٣ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ , فأقرت صَلَاة السّفر وأتمت صَلَاة الْحَضَر.
стр. 1950
هَذِه إِشَارَة مِنْهَا إِلَى الْفَرْض الأول، فَإِنَّهُ قد نقل أَنه كَانَ فرض على النَّاس فِي أول الْإِسْلَام أَن يصلوا رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا فرضت الْخمس وَجَبت على الْمُقِيم تَامَّة، وَرخّص للْمُسَافِر فِي الْقصر فَعَاد إِلَى الْفَرْض الأول.
٢٤٦٩ - / ٣١٦٤ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: أَلا يُعْجِبك أَبُو فلَان، جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانب حُجْرَتي يحدث عَن رَسُول الله ﷺ يسمعني ذَلِك وَكنت أسبح.
أَبُو فلَان تُرِيدُ بِهِ أَبَا هُرَيْرَة.
وأسبح بِمَعْنى أتنفل.
وسرد الحَدِيث: أَن يُؤْتى بِهِ مُتَتَابِعًا على الْوَلَاء. وَكَأَنَّهَا إِنَّمَا أنْكرت سرد الحَدِيث وكثرته وأرادت مِنْهُ أَن يتحدث قَلِيلا بتثبت، لَا أَنَّهَا أنْكرت نفس مَا حدث بِهِ.
٢٤٧٠ - / ٣١٦٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: إِن أَبَا سُفْيَان رجل مسيك.
المسيك " فعيل " من الْإِمْسَاك، وَهُوَ بياء الْمُبَالغَة، فَكَأَنَّهُ يتَكَرَّر مِنْهُ الْإِمْسَاك، كالصديق والسكيت والسكير. وَالْمرَاد بالإمساك هَاهُنَا الْبُخْل: وَالشح نَحْو الْبُخْل، وَقد ذكرنَا بَينهمَا فرقا فِي مُسْند جَابر بن عبد الله، وَإِنَّمَا أجَاز لَهَا أَن تَأْخُذ مَا يكفيها لِأَنَّهُ حق عَلَيْهِ، وَقيد ذَلِك بقوله: " بِالْمَعْرُوفِ " لِئَلَّا تَأْخُذ فَوق الْكِفَايَة.
стр. 1951
٢٤٧١ - / ٣١٦٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: إِن أَفْلح أَخا أبي القعيس اسْتَأْذن عَليّ بعد الْحجاب، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " ائذني لَهُ؛ فَإِنَّهُ عمك ".
قَالَ هِشَام بن عُرْوَة: إِنَّمَا هُوَ أَبُو القعيس أَفْلح، يكنى أَبَا الْجَعْد، وَهُوَ عَم عَائِشَة من الرضَاعَة، وَقَول هِشَام لَيْسَ بِصَحِيح؛ إِنَّمَا هُوَ أَبُو الْجَعْد أَخُو أبي القعيس.
وَقد سبق معنى " تربت يَمِينك " فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
٢٤٧٢ - / ٣١٦٨ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: " فاقدروا قدر الْجَارِيَة العربة الحديثة السن ".
العربة: الطّيبَة النَّفس الحريصة على اللَّهْو.
وبعاث يَوْم كَانَ للْأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة، اقْتَتَلُوا فِيهِ وَقَالُوا الْأَشْعَار، وَبقيت الْحَرْب قَائِمَة بَين الْأَوْس والخزرج مائَة وَعشْرين سنة حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام. وَرُبمَا صحف بعض قرأة الحَدِيث فَقَالَ: بغاث بالغين الْمُعْجَمَة.
والمغنية: الَّتِي اتَّخذت الْغناء صناعَة، وَلَا يَلِيق بِالنَّبِيِّ ﷺ سَماع مثلهَا، وَأما من أنْشد بَيْتا أَو بَيْتَيْنِ من غير تطريب وَلَا فحش فِي القَوْل فَلَا بَأْس بِهِ.
стр. 1952
وَقَوله: بِمَا تقاذفت بِهِ الْأَنْصَار: أَي رمى بِهِ بَعضهم بَعْضًا من الْأَشْعَار.
وَقد روى: تعازفت. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَيحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون من عزف اللَّهْو وَضرب المعازف على ذَلِك الشّعْر. وَالثَّانِي: أَن يكون من العزيف، كعزيف الرِّيَاح وَهُوَ دويها، وعزيف الْجِنّ وَهُوَ أصواتها.
وَقَوله: " دونكم يَا بني أرفدة " إِذن لَهُم وإغراء. وَحقّ هَذِه الْكَلِمَة أَن تتقدم على الِاسْم، وَقد جَاءَ تَقْدِيم الِاسْم عَلَيْهَا فِي قَول الشَّاعِر:
(يَا أَيهَا المائح دلوي دونكا ... )
وَبَنُو أرفدة لقب للحبشة.
وَفِي الحَدِيث رخصَة فِي المثاقفة بِالسِّلَاحِ رياضة للحرب.
وَقَوله: " أمنا يَا بني أرفدة " فِي نَصبه وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن الْمَعْنى آمنُوا منا وَلَا تخافوا.
وَالثَّانِي: أَنه أَقَامَ الْمصدر مقَام الصّفة، كَقَوْلِهِم: رجل صَوْم: أَي صَائِم، وَالْمعْنَى: آمِنين.
٢٤٧٣ - / ٣١٧٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: كَانُوا يهلون لمناة فيتحرجون أَن يطوفوا بَين الصَّفَا والمروة.
جُمْهُور الروَاة على أَن الْقَوْم فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذا أهلوا لمناة لم يطوفوا بَين الصَّفَا والمروة، وَانْفَرَدَ أَبُو مُعَاوِيَة عَن هِشَام عَن عُرْوَة عَن
стр. 1953
عَائِشَة قَالَت: كَانَت الْأَنْصَار يهلون فِي الْجَاهِلِيَّة لصنمين على شط الْبَحْر يُقَال لَهما أساف ونائلة، ثمَّ يجيئون فيطوفون بَين الصَّفَا والمروة وَقد ذكرنَا فِي مُسْند أنس عَن الشّعبِيّ: أَن أسافا ونائلة كَانَا على الجبلين فَكَانُوا يسعون بَينهمَا وفسرنا الْآيَة هُنَاكَ، وَالله أعلم.
٢٤٧٤ - / ٣١٧١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: دخل رَهْط من الْيَهُود على رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا: السام عَلَيْك. ففهمتها، فَقلت: عَلَيْكُم السام والذام واللعنة.
الرَّهْط: دون الْعشْرَة. وَيُقَال: بل إِلَى الْأَرْبَعين، حَكَاهُ ابْن فَارس.
والسام: الْمَوْت. وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي رِوَايَة: السآم عَلَيْكُم، يمد الْألف من السَّآمَة، يُرِيدُونَ أَنكُمْ تسأمون دينكُمْ.
قَالَ الْفراء: والذام: الذَّم، يُقَال: ذأمت الرجل أذأمه وذممته أذمه ذما، وذمته أذيمه ذيما. وَرجل مذءوم ومذموم ومذيم، قَالَ حسان بن ثَابت:
(وَأَقَامُوا حَتَّى انبروا جَمِيعًا ... فِي مقَام وَكلهمْ مذءوم)
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: المذءوم: المذموم بأبلغ الذَّم.
стр. 1954
وَقَوله: " يحب الرِّفْق فِي الْأَمر كُله " وَالْمعْنَى: فِي كل شَيْء حَتَّى فِي خطاب الْأَعْدَاء الْمُشْركين، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا﴾ [طه: ٤٤] .
وَقَوله: " عَلَيْكُم " بِلَا وَاو، رد صَرِيح لقَولهم. وَأما قَوْله: " وَعَلَيْكُم " بِالْوَاو، فَإِنَّهُ قد بَين أَنه يُسْتَجَاب لنا فيهم وَلَا يُسْتَجَاب لَهُم فِينَا، وَذَلِكَ لأننا على الْحق وهم على الْبَاطِل، ثمَّ إِنَّهُم يعلمُونَ صدقنا ويعاندوننا، فَنحْن فِي مقَام مظلوم.
والعنف وَالْفُحْش: مَا جَاوز الْحَد المألوف من السب.
وَمَا فعلته عَائِشَة فَلَيْسَ بفاحش، وَلكنه نهاها عَن مُجَاوزَة الْقَصْد فِي الْأُمُور إِلَى الإفراط.
٢٤٧٥ - / ٣١٧٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: أَن قُريْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْن الْمَرْأَة المخزومية الَّتِي سرقت. وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَت امْرَأَة مخزومية تستعير الْمَتَاع وتجحده، فَأمر النَّبِي ﷺ بِقطع يَدهَا.
اسْم هَذِه الْمَرْأَة فَاطِمَة بنت الْأسود بن عبد الْأسد بن هِلَال بن عبد الله ابْن عَمْرو بن مَخْزُوم، أسلمت وبايعت، وَإِنَّمَا سرقت فِي غزَاة الْفَتْح، مرت بركب نزُول فَأخذت عَيْبَة لَهُم، فَأَخَذُوهَا فأوثقوها، فَلَمَّا أَصْبحُوا أَتَوا بهَا رَسُول الله ﷺ فعاذت بحقوي أم سَلمَة، فَأمر بهَا النَّبِي ﷺ فافتكت يداها من حقويها، وَقَالَ: " وَالله لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد سرقت لَقطعت يَدهَا " ثمَّ أَمر بهَا فَقطعت يَدهَا، فَخرجت تقطر يَدهَا دَمًا حَتَّى
стр. 1955
دخلت على امْرَأَة أسيد بن الْحضير فآوتها.
وَقد زعم قوم أَن السارقة أم عَمْرو بنت سُفْيَان بن عبد الْأسد.
وَأما قَوْله: كَانَت تستعير الْمَتَاع وتجحده، فعندنا أَنه يجب الْقطع على جَاحد الْعَارِية أخذا بِهَذَا الحَدِيث، وَهُوَ مَذْهَب سعيد بن الْمسيب وَاللَّيْث ابْن سعد خلافًا لأكْثر الْعلمَاء.
٢٤٧٦ - / ٣١٧٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ تبرق أسارير وَجهه فَقَالَ: " ألم تري مجززا نظر آنِفا إِلَى زيد بن حَارِثَة وَأُسَامَة بن زيد فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَقْدَام بَعْضهَا من بعض ".
قَول: تبرق أسارير وَجهه. البريق: الْإِشْرَاق، قَالَ أَبُو عبيد: والأسارير: الخطوط الَّتِي فِي الْجَبْهَة مثل التكسر فِيهَا، الْوَاحِد سر وسرر، وَالْجمع أسرار وأسرة، ثمَّ الأسارير جمع الْجمع، قَالَ الْأَعْشَى:
(انْظُر إِلَى كف وأسرارها ... هَل أَنْت إِن واعدتني ضائري)
يَعْنِي خطوط بَاطِن الْكَفّ. وَالْمعْنَى: انْظُر من طَرِيق الكهانة كَمَا ينظر فِي الْيَد فِي التخت، ثمَّ إِن الخطوط فِي كل شَيْء كَذَلِك.
ومجزز كَانَ قائفا، والقائف: الَّذِي يتتبع الْآثَار فيقف عَلَيْهَا، ويتعرف الِاشْتِبَاه فيدركه بِالنّظرِ، وَلَا نَعْرِف أَنه أسلم.
стр. 1956
وَقَوله: " نظر آنِفا " أَي مُنْذُ سَاعَة.
وسرور النَّبِي ﷺ بذلك لاخْتِلَاف لونيهما؛ فَإِن زيدا كَانَ أَبيض، وَأُسَامَة أسود، فَتكلم النَّاس بِشَيْء كَانَ يسوء رَسُول الله ﷺ سَمَاعه، فَلَمَّا سمع قَول مجزز سر بذلك، وَهُوَ لَا يسر إِلَّا بِالْحَقِّ. فَدلَّ على ثُبُوت أَمر الْقَافة، وَصِحَّة الحكم بقَوْلهمْ فِي إِلْحَاق الْوَلَد. وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء خلافًا لأهل الرَّأْي.
٢٤٧٧ - / ٣١٧٤ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: " خمس من الدَّوَابّ، كُلهنَّ فَاسق ".
قد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عمر. وَفِي هَذَا الحَدِيث: " والغراب الأبقع " وَهُوَ الَّذِي فِيهِ سَواد وَبَيَاض، وَذَاكَ لَا يحل أكله عندنَا خلافًا فِي قَوْله: تحل الطُّيُور كلهَا.
٢٤٧٨ - / ٣١٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: كَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح.
أَي مثل ضيائه إِذا انْفَلق وانماز عَن ظلام اللَّيْل وَذَلِكَ حِين يَتَّضِح فَلَا يشك فِيهِ.
والخلاء بِالْمدِّ: الْخلْوَة. وَإِنَّمَا حببت إِلَيْهِ الْخلْوَة فِي الْبِدَايَة ليجتمع همه
стр. 1957
لما يلقى إِلَيْهِ.
وحراء مَمْدُود: جبل مَعْرُوف.
ويتحنث: أَي يتعبد. وَالْمعْنَى: يفعل فعلا يخرج فِيهِ من الْحِنْث وَهُوَ الْإِثْم، كَمَا يُقَال: فلَان يتأثم: أَي يلقِي الْإِثْم عَن نَفسه. ويتحرج: أَي يتَجَنَّب مَا يُوجب الْحَرج.
وَينْزع إِلَى أَهله: أَي يرجع.
وفجئه بِمَعْنى فاجأه. وَالْمرَاد أَنه جَاءَ بَغْتَة.
وَقَوله: " فغطني " الغط: الضغط الشَّديد، وَمِنْه الغط فِي المَاء. وغطيط النَّائِم، وَهُوَ تردد النَّفس إِذا لم يجد مساغا مَعَ انضمام الشفتين. وَمعنى الغط فِي هَذَا الحَدِيث الخنق، وَمن فعل بِهِ هَذَا لأجل شَيْء يقدر عَلَيْهِ أَتَى بِهِ، فَلَمَّا لم يَأْتِ بالمطلوب مِنْهُ دلّ على أَنه لَا يقدر عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْهُ.
وَقَوله: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ [العلق: ١] . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْمَعْنى: اقْرَأ اسْم رَبك، وَالْبَاء زَائِدَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَعْنِي اذكر اسْمه مستفتحا بِهِ قراءتك، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿الَّذِي خلق﴾ لِأَن الْكفَّار كَانُوا يعلمُونَ أَنه الْخَالِق دون أصنامهم.
و (الْإِنْسَان) هَاهُنَا ابْن آدم.
و (العلق) جمع علقَة: وَهِي دم عبيط جامد، وَقيل: وَإِنَّمَا سميت علقَة لرطوبتها وتعلقها بِمَا تمر بِهِ، وَلما كَانَ الْإِنْسَان فِي معنى الْجَمَاعَة
стр. 1958
ذكر العلق جمعا.
وَقَوله: ﴿اقْرَأ﴾ تَقْرِير للتَّأْكِيد. ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ: ﴿وَرَبك الأكرم﴾ وَهُوَ الَّذِي لَا يوازيه كريم.
﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ يَعْنِي الْكِتَابَة.
﴿علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ من الْخط والصنائع.
قَوْله: ترجف بوادره. ترجف: تضطرب. والبوادر جمع بادرة: وَهِي اللحمة الَّتِي بَين الْعُنُق والمنكب.
وَقَوله: " زَمِّلُونِي " قد سبق فِي مُسْند جَابر.
والروع: الْفَزع.
وَقَوله: " لقد خشيت على نَفسِي " كَانَ ﷺ يخَاف فِي بداية الْأَمر أَن يكون مَا يرَاهُ من قبل الشَّيْطَان، لِأَن الْبَاطِل قد يلتبس بِالْحَقِّ، وَمَا زَالَ يستقري الدَّلَائِل وَيسْأل الْآيَات إِلَى أَن وضح لَهُ الصَّوَاب. وكما أَن أَحَدنَا يجب عَلَيْهِ أَن يسبر صدق الْمُرْسل إِلَيْهِ وَينظر فِي دَلَائِل صدقه من المعجزات، فَكَذَلِك الرُّسُل يجب عَلَيْهَا أَن تسبر حَال الْمُرْسل إِلَيْهَا، هَل هُوَ ملك أَو شَيْطَان؟ فاجتهادها فِي تَمْيِيز الْحق من الْبَاطِل أعظم من اجتهادنا، وَلذَلِك علت منَازِل الْأَنْبِيَاء لعظم مَا ابتلوا بِهِ من ذَلِك.
وَكَانَ نَبينَا ﷺ فِي بدايته قد نفر من جِبْرِيل وَنسب الْحَال إِلَى الْأَمر الْمخوف، وَقَالَ لِخَدِيجَة: " قد خشيت على نَفسِي " إِلَى أَن بَان لَهُ أَن الْأَمر حق، ثمَّ استظهر بِزِيَادَة الْأَدِلَّة حَتَّى تحقق لَهُ الْيَقِين.
стр. 1959
أخبرنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن السماك قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الطّيب قَالَ: أخبرنَا عُثْمَان بن مُحَمَّد بن يُوسُف العلاف قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن سلمَان النجار قَالَ: حَدثنَا عبد الْملك بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد وَأَبُو ربيعَة وَدَاوُد بن شبيب قَالُوا: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن عَليّ بن زيد عَن أبي رَافع عَن عمر قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ بالحجون فَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَرِنِي آيَة لَا أُبَالِي من كَذبَنِي بعْدهَا من قُرَيْش " فَقيل لَهُ: ادْع هَذِه الشَّجَرَة، فَدَعَاهَا فَأَقْبَلت على عروقها فقطعتها، ثمَّ أَقبلت تخد الأَرْض حَتَّى وقفت بَين يَدي رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالَت: مَا تشَاء؟ مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: " ارجعي إِلَى مَكَانك " فَرَجَعت إِلَى مَكَانهَا، فَقَالَ: " وَالله مَا أُبَالِي من كَذبَنِي من قُرَيْش ".
وَقد كَانَ الشَّيْطَان يلبس على خلق كثير مثل مَا لبس على ابْن صائد، وَبَيَان التلبيس أَنه قَالَ: يأتيني صَادِق وكاذب. وَقد ذكرنَا من جنس تلبيسه على من ادّعى النُّبُوَّة فِي كتاب " تلبيس إِبْلِيس ".
وَأما قَول خَدِيجَة: وَالله مَا يخزيك الله أبدا. فالخزي: الإهانة والذل. ويحزنك من الْحزن.
وَالْكل: الأثقال والحوائج المهمة. وكل مَا يثقل حمله فَهُوَ كل.
وَقَوله: تكسب الْمَعْدُوم. التَّاء مَفْتُوحَة، يُقَال: كسبت مَالا، وكسبت زيدا مَالا، وأكسبته لُغَة أَيْضا، وَأنْشد ثَعْلَب:
стр. 1960
(فاكسبته مَالا وأكسبني حمدا ... )
إِلَّا أَن حذف الْألف أفْصح اللغتين. وَالَّذِي فِي هَذَا الحَدِيث: تكسب الْمَعْدُوم، وَالْمرَاد بِهِ المعدم. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: صَوَابه: تكسب المعدم، لِأَن الْمَعْدُوم لَا يدْخل تَحت الْأَفْعَال. وأرادت خَدِيجَة أَن من يفعل الْخَيْر لَا يجازى عَلَيْهِ بِالشَّرِّ.
وَقَول ورقة: هَذَا الناموس. قَالَ أَبُو عبيد: الناموس: هُوَ صَاحب سر الرجل الَّذِي يطلعه على بَاطِن أمره ويخصه بِمَا يستره عَن غَيره، يُقَال مِنْهُ: نمس الرجل ينمس نمسا، وَقد نامسه منامسة: إِذا ساره، قَالَ الْكُمَيْت:
(فأبلغ يزِيد إِن عرضت ومنذرا ... وعميهما والمستسر المنامسا)
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الناموس: صَاحب سر الْخَيْر، والجاسوس: صَاحب سر الشَّرّ. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: إِنَّمَا سمي جِبْرِيل ناموسا لِأَنَّهُ مَخْصُوص بِالْوَحْي والغيب الَّذِي لَا يطلع عَلَيْهِ غَيره.
وَقَوله: يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا. الْكِنَايَة بقوله فِيهَا عَن نبوة مُحَمَّد ﷺ وَنصب جذعا على إِضْمَار: كنت، كَذَلِك قَالَ الْخطابِيّ. والجذع: اسْم لولد الْمعز إِذا قوى. وَقد سبق الْكَلَام فِي الْجذع فِي مُسْند جَابر،
стр. 1961
وَمعنى الْكَلَام: لَيْتَني بقيت إِلَى وَقت مخرجك وَكنت شَابًّا لأبالغ فِي نصرتك بِقُوَّة الشَّبَاب.
وَقَوله: إِلَّا عودي. يَعْنِي أَن الْحق لَا يَخْلُو من أهل بَاطِل يعادونه.
أنصرك نصرا مؤزرا: أَي بليغا مؤكدا.
وَقَوله: فَلم ينشب ورقة أَن مَاتَ. أَي لم يلبث، كَأَن الْمَعْنى: فجئه الْمَوْت قبل أَن ينشب فِي فعل شَيْء. وَالْكِنَايَة عَن السرعة.
والشواهق جمع شَاهِق: وَهُوَ الْجَبَل العالي.
وَقَوله: فيسكن جأشه: أَي يسكن مَا ثار من فزعه وهاج من حزنه.
٢٤٧٩ - / ٣١٧٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي من اللَّيْل وَأَنا مُعْتَرضَة بَينه وَبَين الْقبْلَة فأكره أَن أسنحه.
أسنحه مَأْخُوذ من سنح لي كَذَا: إِذا عرض، وأرادت: أكره أَن أَمر بَين يَدَيْهِ، والسانح عِنْد الْعَرَب مَا مر بَين يَديك عَن يَمِينك، وَكَانُوا يتيمنون بِهِ.
وَقَوْلها: فأنسل: أَي أَمر بِرِفْق.
٢٤٨٠ - / ٣١٧٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: وَمَا كَانَ لكم أَن تنزروا رَسُول الله. أَي تلحوا عَلَيْهِ. يُقَال: نزرت الرجل: أَي ألححت عَلَيْهِ.
٢٤٨١ - / ٣١٧٨ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: كَانَ لرَسُول الله ﷺ حَصِير، وَكَانَ يحتجره بِاللَّيْلِ.
стр. 1962
أَي يَتَّخِذهُ حجرَة يسْتَتر فِيهَا ويخلو.
ويثوبون: يرجعُونَ.
وَقَوله: " اكلفوا من الْعَمَل مَا تطيقون " اللَّام فِي قَوْله: " اكلفوا " مَفْتُوحَة، كَذَلِك قَالَ أهل اللُّغَة، وَالْمعْنَى تكلفوا فعل مَا تقوى عَلَيْهِ طاقتكم دون مَا تعجزون عَنهُ.
وَقَوله: " فَإِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا " الْملَل للشَّيْء: الاستثقال لَهُ والكراهية ونفور النَّفس عَنهُ، وَذَلِكَ لَا يجوز فِي صِفَات الله ، لِأَنَّهُ لَو جَازَ لدخلت عَلَيْهِ الْحَوَادِث.
وَاخْتلفُوا فِي معنى الْكَلَام على أَرْبَعَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن الْمَعْنى: لَا يمل أبدا، مللتم أَو لم تملوا، وَجرى هَذَا مجْرى قَوْلهم: حَتَّى يشيب الْغُرَاب، ويبيض القار، وأنشدوا:
(صليت مني هُذَيْل بخرق ... لَا يمل الشَّرّ حَتَّى يملوا)
الْمَعْنى: لَا يمل وَإِن ملوا، إِذا لَو مل عِنْد ملالهم لم يكن لَهُ عَلَيْهِم فضل.
وَالثَّانِي: لَا يمل من الثَّوَاب مَا لم تملوا من الْعَمَل، وَمعنى يمل: يتْرك، لِأَن من مل شَيْئا تَركه، حَكَاهُمَا أَبُو سُلَيْمَان.
وَالثَّالِث: أَن الْمَعْنى: لَا يقطع عَنْكُم فَضله حَتَّى تملوا سُؤَاله، فَسمى فعله مللا وَلَيْسَ بملل، وَلَكِن لتزدوج اللَّفْظَة بأختها فِي اللَّفْظ وَإِن خالفتها فِي الْمَعْنى، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٤]
стр. 1963
وَقَوله: ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ [آل عمرَان: ٥٤] وَقَوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ [الشورى: ٤٠] . وأنشدوا:
(أَلا لَا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فَوق جهل الجاهلينا)
وَالرَّابِع: أَن الْمَعْنى: لَا يطرحكم حَتَّى تتركوا الْعَمَل لَهُ وتزهدوا فِي الرَّغْبَة إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الاطراح لَا يكَاد يَقع إِلَّا عَن ملل وَكَانَ المجازى عَلَيْهِ هُوَ الْملَل، حسن أَن يُسمى باسمه.
وَقَوله: " فَإِن أحب الْأَعْمَال إِلَى الله أدومها وَإِن قل " إِنَّمَا أحب الدَّائِم لمعنيين:
أَحدهمَا أَن الْمقبل على الله بِالْعَمَلِ إِذا تَركه من غير عذر كَانَ كالمعرض بعد الْوَصْل، فَهُوَ معرض للذم، وَلِهَذَا ورد الْوَعيد فِي حق من حفظ آيَة ثمَّ نَسِيَهَا، وَإِن كَانَ قبل حفظهَا لَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْحِفْظ، وَلكنه أعرض بعد المواصلة، فلاق بِهِ الْوَعيد، وَكَذَلِكَ يكره أَن يُؤثر الْإِنْسَان بمكانه من الصَّفّ الأول لِأَنَّهُ كالراغب عَن الْقرب إِلَى الله ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇ لعبد الله بن عَمْرو: " لَا تكونن مثل فلَان، كَانَ يقوم اللَّيْل فَترك قيام اللَّيْل ".
وَالثَّانِي: أَن مداوم الْخَيْر ملازم للْخدمَة، فَكَأَنَّهُ يتَرَدَّد إِلَى بَاب الطَّاعَة كل وَقت، فَلَا ينسى من الْبر لتردده، وَلَيْسَ كمن لَازم الْبَاب يَوْمًا دَائِما
стр. 1964
ثمَّ انْقَطع شهرا كَامِلا.
وَأما الصَّارِخ فَقَالَ الْحميدِي: هُوَ الديك. قَالَ لنا شَيخنَا ابْن نَاصِر: أول مَا يَصِيح نصف اللَّيْل.
وَقَوله: " لن يدْخل الْجنَّة أحدا عمله " قد سبق فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة.
٢٤٨٢ - / ٣١٧٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: إِن كَانَ رَسُول الله ﷺ ليَدع الْعَمَل وَهُوَ يحب أَن يعْمل بِهِ خشيَة أَن يعْمل بِهِ النَّاس فيفرض عَلَيْهِم.
قَوْلهَا: ليَدع الْعَمَل، تَعْنِي التَّنَفُّل.
وَقَوْلها: فيفرض عَلَيْهِم، يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: فيفرضه الله تَعَالَى: وَالثَّانِي: فيعملونه اعتقادا أَنه مَفْرُوض.
وَقَوْلها: مَا سبح سبْحَة الضُّحَى. يَعْنِي مَا صلى صَلَاة الضُّحَى. وَهَذَا اللَّفْظ نفت بِهِ، وَقد أثبت فِي اللَّفْظ الآخر، وَالْعَمَل على الْإِثْبَات
٢٤٨٣ - / ٣١٨٠ - والْحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
٢٤٨٤ - / ٣١٨١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: كن نسَاء الْمُؤمنِينَ يشهدن مَعَ رَسُول الله ﷺ متلفعات بمروطهن، لَا يعرفهن أحد من الْغَلَس.
стр. 1965
المروط: الأكسية، وَاحِدهَا مرط. وَقد سبق فِي مُسْند عمر.
والتلفع بِهِ: الاشتمال بِهِ.
والغلس: اخْتِلَاط ضِيَاء الصُّبْح بظلمة اللَّيْل. والغبش قريب مِنْهُ، فَإِنَّهُ بقايا ظلمَة اللَّيْل، وَبَعْضهمْ يَقُول: الغبس بِالسِّين الْمُهْملَة، قَالَ الْأَزْهَرِي: الغبس: بَقِيَّة ظلمَة اللَّيْل يخالطها بَيَاض الْفجْر، وَلذَلِك قيل فِي ألوان الدَّوَابّ: أغبس. وَقَالَ الزّجاج: غطش اللَّيْل وأغطش، وغبس وأغبس، وغبش وأغبش، وغسق وأغسق، وغسا وأغسى، كُله بِمَعْنى أظلم.
وَفِي هَذَا حجَّة لمن يرى التغليس بِالْفَجْرِ أفضل إِذا اجْتمع الْجِيرَان، فَإِن تَأَخّر الْجِيرَان فَالْأَفْضَل تَأْخِيرهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: الْأَفْضَل التَّقْدِيم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْإِسْفَار أفضل.
٢٤٨٥ - / ٣١٨٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس لم تخرج من حُجْرَتهَا.
وَالْمعْنَى: لم تصعد من قاعة الدَّار إِلَى أعالي الْحِيطَان. وَهَذِه إِشَارَة إِلَى تَقْدِيم الْعَصْر. وتعجيلها عندنَا أفضل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تَأْخِيرهَا أفضل مَا لم تصفر الشَّمْس.
следующие страницы →