Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
وَمعنى الْكَلَام: لَيْتَني بقيت إِلَى وَقت مخرجك وَكنت شَابًّا لأبالغ فِي نصرتك بِقُوَّة الشَّبَاب.
وَقَوله: إِلَّا عودي. يَعْنِي أَن الْحق لَا يَخْلُو من أهل بَاطِل يعادونه.
أنصرك نصرا مؤزرا: أَي بليغا مؤكدا.
وَقَوله: فَلم ينشب ورقة أَن مَاتَ. أَي لم يلبث، كَأَن الْمَعْنى: فجئه الْمَوْت قبل أَن ينشب فِي فعل شَيْء. وَالْكِنَايَة عَن السرعة.
والشواهق جمع شَاهِق: وَهُوَ الْجَبَل العالي.
وَقَوله: فيسكن جأشه: أَي يسكن مَا ثار من فزعه وهاج من حزنه.
٢٤٧٩ - / ٣١٧٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي من اللَّيْل وَأَنا مُعْتَرضَة بَينه وَبَين الْقبْلَة فأكره أَن أسنحه.
أسنحه مَأْخُوذ من سنح لي كَذَا: إِذا عرض، وأرادت: أكره أَن أَمر بَين يَدَيْهِ، والسانح عِنْد الْعَرَب مَا مر بَين يَديك عَن يَمِينك، وَكَانُوا يتيمنون بِهِ.
وَقَوْلها: فأنسل: أَي أَمر بِرِفْق.
٢٤٨٠ - / ٣١٧٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: وَمَا كَانَ لكم أَن تنزروا رَسُول الله. أَي تلحوا عَلَيْهِ. يُقَال: نزرت الرجل: أَي ألححت عَلَيْهِ.
٢٤٨١ - / ٣١٧٨ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: كَانَ لرَسُول الله ﷺ حَصِير، وَكَانَ يحتجره بِاللَّيْلِ.
стр. 1962
أَي يَتَّخِذهُ حجرَة يسْتَتر فِيهَا ويخلو.
ويثوبون: يرجعُونَ.
وَقَوله: " اكلفوا من الْعَمَل مَا تطيقون " اللَّام فِي قَوْله: " اكلفوا " مَفْتُوحَة، كَذَلِك قَالَ أهل اللُّغَة، وَالْمعْنَى تكلفوا فعل مَا تقوى عَلَيْهِ طاقتكم دون مَا تعجزون عَنهُ.
وَقَوله: " فَإِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا " الْملَل للشَّيْء: الاستثقال لَهُ والكراهية ونفور النَّفس عَنهُ، وَذَلِكَ لَا يجوز فِي صِفَات الله ، لِأَنَّهُ لَو جَازَ لدخلت عَلَيْهِ الْحَوَادِث.
وَاخْتلفُوا فِي معنى الْكَلَام على أَرْبَعَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن الْمَعْنى: لَا يمل أبدا، مللتم أَو لم تملوا، وَجرى هَذَا مجْرى قَوْلهم: حَتَّى يشيب الْغُرَاب، ويبيض القار، وأنشدوا:
(صليت مني هُذَيْل بخرق ... لَا يمل الشَّرّ حَتَّى يملوا)
الْمَعْنى: لَا يمل وَإِن ملوا، إِذا لَو مل عِنْد ملالهم لم يكن لَهُ عَلَيْهِم فضل.
وَالثَّانِي: لَا يمل من الثَّوَاب مَا لم تملوا من الْعَمَل، وَمعنى يمل: يتْرك، لِأَن من مل شَيْئا تَركه، حَكَاهُمَا أَبُو سُلَيْمَان.
وَالثَّالِث: أَن الْمَعْنى: لَا يقطع عَنْكُم فَضله حَتَّى تملوا سُؤَاله، فَسمى فعله مللا وَلَيْسَ بملل، وَلَكِن لتزدوج اللَّفْظَة بأختها فِي اللَّفْظ وَإِن خالفتها فِي الْمَعْنى، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٤]
стр. 1963
وَقَوله: ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ [آل عمرَان: ٥٤] وَقَوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ [الشورى: ٤٠] . وأنشدوا:
(أَلا لَا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فَوق جهل الجاهلينا)
وَالرَّابِع: أَن الْمَعْنى: لَا يطرحكم حَتَّى تتركوا الْعَمَل لَهُ وتزهدوا فِي الرَّغْبَة إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الاطراح لَا يكَاد يَقع إِلَّا عَن ملل وَكَانَ المجازى عَلَيْهِ هُوَ الْملَل، حسن أَن يُسمى باسمه.
وَقَوله: " فَإِن أحب الْأَعْمَال إِلَى الله أدومها وَإِن قل " إِنَّمَا أحب الدَّائِم لمعنيين:
أَحدهمَا أَن الْمقبل على الله بِالْعَمَلِ إِذا تَركه من غير عذر كَانَ كالمعرض بعد الْوَصْل، فَهُوَ معرض للذم، وَلِهَذَا ورد الْوَعيد فِي حق من حفظ آيَة ثمَّ نَسِيَهَا، وَإِن كَانَ قبل حفظهَا لَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْحِفْظ، وَلكنه أعرض بعد المواصلة، فلاق بِهِ الْوَعيد، وَكَذَلِكَ يكره أَن يُؤثر الْإِنْسَان بمكانه من الصَّفّ الأول لِأَنَّهُ كالراغب عَن الْقرب إِلَى الله ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇ لعبد الله بن عَمْرو: " لَا تكونن مثل فلَان، كَانَ يقوم اللَّيْل فَترك قيام اللَّيْل ".
وَالثَّانِي: أَن مداوم الْخَيْر ملازم للْخدمَة، فَكَأَنَّهُ يتَرَدَّد إِلَى بَاب الطَّاعَة كل وَقت، فَلَا ينسى من الْبر لتردده، وَلَيْسَ كمن لَازم الْبَاب يَوْمًا دَائِما
стр. 1964
ثمَّ انْقَطع شهرا كَامِلا.
وَأما الصَّارِخ فَقَالَ الْحميدِي: هُوَ الديك. قَالَ لنا شَيخنَا ابْن نَاصِر: أول مَا يَصِيح نصف اللَّيْل.
وَقَوله: " لن يدْخل الْجنَّة أحدا عمله " قد سبق فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة.
٢٤٨٢ - / ٣١٧٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: إِن كَانَ رَسُول الله ﷺ ليَدع الْعَمَل وَهُوَ يحب أَن يعْمل بِهِ خشيَة أَن يعْمل بِهِ النَّاس فيفرض عَلَيْهِم.
قَوْلهَا: ليَدع الْعَمَل، تَعْنِي التَّنَفُّل.
وَقَوْلها: فيفرض عَلَيْهِم، يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: فيفرضه الله تَعَالَى: وَالثَّانِي: فيعملونه اعتقادا أَنه مَفْرُوض.
وَقَوْلها: مَا سبح سبْحَة الضُّحَى. يَعْنِي مَا صلى صَلَاة الضُّحَى. وَهَذَا اللَّفْظ نفت بِهِ، وَقد أثبت فِي اللَّفْظ الآخر، وَالْعَمَل على الْإِثْبَات
٢٤٨٣ - / ٣١٨٠ - والْحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
٢٤٨٤ - / ٣١٨١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: كن نسَاء الْمُؤمنِينَ يشهدن مَعَ رَسُول الله ﷺ متلفعات بمروطهن، لَا يعرفهن أحد من الْغَلَس.
стр. 1965
المروط: الأكسية، وَاحِدهَا مرط. وَقد سبق فِي مُسْند عمر.
والتلفع بِهِ: الاشتمال بِهِ.
والغلس: اخْتِلَاط ضِيَاء الصُّبْح بظلمة اللَّيْل. والغبش قريب مِنْهُ، فَإِنَّهُ بقايا ظلمَة اللَّيْل، وَبَعْضهمْ يَقُول: الغبس بِالسِّين الْمُهْملَة، قَالَ الْأَزْهَرِي: الغبس: بَقِيَّة ظلمَة اللَّيْل يخالطها بَيَاض الْفجْر، وَلذَلِك قيل فِي ألوان الدَّوَابّ: أغبس. وَقَالَ الزّجاج: غطش اللَّيْل وأغطش، وغبس وأغبس، وغبش وأغبش، وغسق وأغسق، وغسا وأغسى، كُله بِمَعْنى أظلم.
وَفِي هَذَا حجَّة لمن يرى التغليس بِالْفَجْرِ أفضل إِذا اجْتمع الْجِيرَان، فَإِن تَأَخّر الْجِيرَان فَالْأَفْضَل تَأْخِيرهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: الْأَفْضَل التَّقْدِيم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْإِسْفَار أفضل.
٢٤٨٥ - / ٣١٨٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس لم تخرج من حُجْرَتهَا.
وَالْمعْنَى: لم تصعد من قاعة الدَّار إِلَى أعالي الْحِيطَان. وَهَذِه إِشَارَة إِلَى تَقْدِيم الْعَصْر. وتعجيلها عندنَا أفضل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تَأْخِيرهَا أفضل مَا لم تصفر الشَّمْس.
стр. 1966
٢٤٨٦ - / ٣١٨٣ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي خميصة لَهَا أَعْلَام، فَنظر إِلَى أعلامها نظرة، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: " اذْهَبُوا بخميصتي هَذِه إِلَى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم؛ فَإِن ألهتني آنِفا عَن صَلَاتي ".
الخميصة: كسَاء مربع أسود معلم، فَإِن لم يكن معلما فَلَيْسَ بخميصة، وَقد يكون من خَز وَمن صوف، وَجَمعهَا خمائص.
والأنبجانية: كسَاء غليظ من الصُّوف لَهُ خمل وَلَيْسَ لَهُ علم.
وَأَبُو جهم اسْمه عَامر بن حُذَيْفَة الْقرشِي. وَقيل: اسْمه عبيد. وَفِي الصَّحَابَة آخر يُقَال لَهُ أَبُو جهيم بِزِيَادَة يَاء، واسْمه عبد الله بن الْحَارِث بن الصمَّة الْأنْصَارِيّ.
فَإِن قيل: فَمَا وَجه إنفاذها إِلَى أبي جهم؟ فَالْجَوَاب: أَنه كَانَ أَبُو جهم قد أهداها إِلَيْهِ فَردهَا عَلَيْهِ. أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور الْحَافِظ قَالَ: أخبرنَا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن المظفر الْحَافِظ قَالَ: أخبرنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد الطَّحَاوِيّ قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن يحيى الْمُزنِيّ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي قَالَ: حَدثنَا مَالك عَن عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة عَن أمه عَن عَائِشَة قَالَت: أهْدى أَبُو جهم بن حُذَيْفَة إِلَى رَسُول الله ﷺ خميصة شامية لَهَا علم، فَشهد فِيهَا الصَّلَاة، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: " ردي هَذِه الخميصة إِلَى أبي جهم؛ فَإِنِّي نظرت إِلَى علمهَا فِي
стр. 1967
الصَّلَاة فَكَانَ يفتنني ".
فَإِن قيل: كَيفَ يخَاف الافتتان بِعلم من لم يلْتَفت إِلَى الأكوان لَيْلَة ﴿مَا زاغ الْبَصَر وَمَا طَغى﴾ ؟ فَالْجَوَاب: أَنه كَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة خَارِجا عَن طباعة، وأشبه ذَلِك نظره من وَرَائه. فَأَما إِذا رد إِلَى طبعة البشري فَإِنَّهُ يُؤثر فِيهِ مَا يُؤثر فِي الْبشر. وَلم يرد بالافتتان إِلَّا دُعَاء الطَّبْع إِلَى النّظر.
فَإِن قيل: فالمراقبة فِي الصَّلَاة قد شغلت خلقا من أَتْبَاعه حَتَّى إِنَّه وَقع سقف إِلَى جَانب مُسلم بن يسَار وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَلم يعلم. فَالْجَوَاب: أَن هَؤُلَاءِ كَانُوا يؤخذون عَن طباعهم فيغيبون عَن وجودهم. وَكَانَ الرَّسُول ﷺ يسْلك طَرِيق الْعَوام وَطَرِيق الْخَواص، فَإِذا دخل طَرِيق الْخَواص عبر الْكل فَقَالَ: " لَيست كأحدكم " وَإِذا سلك طَرِيق الْعَوام قَالَ: " إِنَّمَا أَنا بشر " فقد رد إِلَى حَالَة الطَّبْع فَرَأى الْأَعْلَام، فَنزع الخميصة ليستن بِهِ فِي ترك كل شاغل.
٢٤٨٧ - / ٣١٨٤ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: " عرضت نَفسِي على ابْن عبد ياليل ".
وَهُوَ عَظِيم الطَّائِف. روى ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نزل هَذَا الْقُرْآن على رجل من القريتين عَظِيم﴾ [الزخرف: ٣١] . قَالَ: عَظِيم الطَّائِف ابْن عبد ياليل. وَكَانَ رَسُول الله ﷺ لما يئس من أهل مَكَّة أَن يُجِيبُوهُ خرج إِلَى الطَّائِف لِيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام، وَذَلِكَ بعد
стр. 1968
موت أبي طَالب، ثمَّ قدر الله تَعَالَى أَن قدم وَفد الطَّائِف فِي سنة تسع من الْهِجْرَة مَعَ عبد ياليل فأسلموا.
وَقَوله: " إِن شِئْت أطبقت عَلَيْهِم الأخشبين " قَالَ أَبُو عبيد: الأخشب: الْجَبَل، وَأَصله الغليظ، وَأنْشد:
(تحسب فَوق الشول مِنْهُ أخشبا ... )
يَعْنِي الْبَعِير، شبه ارتفاعه فَوق النوق بِالْجَبَلِ. فَأَما تَثْنِيَة الأخشب فَلِأَن مَكَّة بَين جبلين.
وَمعنى أطبقت: جمعت بَين أعالي الجبلين حَتَّى يكون ذَلِك لاما بَينهمَا عَلَيْهِم.
٢٤٨٨ - / ٣١٨٨ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: عَن عَائِشَة: أَنَّهَا كَانَت تَأمر بالتلبين للْمَرِيض والمحزون.
التلبين والتلبينة: حساء يعْمل من دَقِيق أَو نخاله وَيجْعَل فِيهِ الْعَسَل، كَذَلِك وَصفه الْأَصْمَعِي. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَلَا أَرَاهَا سميت تلبينة إِلَّا لبياضها ورقتها.
وَقَوْلها: هُوَ البغيض النافع. تُشِير إِلَى أَن الْمَرِيض يبغضها كَمَا يبغض الْأَدْوِيَة.
стр. 1969
وَمعنى تجم الْفُؤَاد: تكشف عَنهُ وتخفف وتريح. وَقيل: تجمه بِمَعْنى تريح ألمه وتنبه شَهْوَته وتكمل صَلَاحه ونشاطه.
وَيَجِيء فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: إِنَّه يرتو فؤاد الحزين: أَي يشده ويقويه، ويسرو عَن فؤاد السقيم: أَي يكْشف عَنهُ.
٢٤٨٩ - / ٣١٨٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: " أعوذ بك من فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال " قد سبق ذكره وَتَفْسِير الاسمين.
فَإِن قيل: كَيفَ احْتَاجَ رَسُول الله ﷺ أَن يستعيذ من الدَّجَّال وَقد ثَبت أَن الدَّجَّال إِذا رأى عِيسَى ﵇ يذوب، وَنَبِينَا أَعلَى منزلَة؟ فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا أَنه أَرَادَ تعليمنا. وَالثَّانِي: أَن يكون تعوذ مِنْهُ لأمته. وَالثَّالِث: لِأَن عصمته من الله ، فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى الِاسْتِعَاذَة من كل شَيْء.
والفتنة فِي الأَصْل الاختبار، ثمَّ يُقَال لمن " وَقع فِيمَا يُخَالف الاختبار لأَجله: قد فتن، فَيحْتَمل قَوْله: " أعوذ بك من فتْنَة الْغنى والفقر " أَن يكون بِمَعْنى الاختبار وَبِمَعْنى الافتتان.
وَأما فتْنَة النَّار فَهِيَ الإحراق، كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَوْم هم على النَّار يفتنون﴾ [الذاريات: ١٣] .
وَقَوله: اغسل خطاياي بِمَاء الثَّلج وَالْبرد " قد ذكرنَا فِي مُسْند عبد الله
стр. 1970
ابْن أبي أوفى فِي تَخْصِيصه الثَّلج وَالْبرد وَجْهَيْن: أَحدهمَا: لِأَنَّهُمَا على أهل الطَّهَارَة لم تمسهما يَد. وَالثَّانِي: لِأَنَّهُمَا غَايَة الصفاء، والإنقاء بِالْمَاءِ الصافي أَكثر من الإنقاء بالكدر، فَذكر الْمُبَالغَة فِي الْغسْل للْمُبَالَغَة فِي محو الذُّنُوب. وَقيل لما اشْتَمَل الْبرد على الْبرد استعير هَاهُنَا للسرور، كَمَا يُقَال: أقرّ الله عَيْنك.
فَأَما قَوْله: " كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس " و " كَمَا باعدت " إشباع وتوكيد فِي الْبَيَان على مَذْهَب الْعَرَب الْجَارِي بَين المتخاطبين، وَإِلَّا فَالله سُبْحَانَهُ غَنِي أَن يضْرب لَهُ الْأَمْثَال، وَأَن يدل على مَعَاني الْأُمُور بالنظائر والأشباه.
٢٤٩٠ - / ٣١٩٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: " كَانَ عَاشُورَاء يَوْمًا تستر فِيهِ الْكَعْبَة " أَي تُكْسَى، وَأول من كسا الْكَعْبَة تبع، واسْمه أسعد الْحِمْيَرِي، رأى فِي الْمَنَام أَن يَكْسُوهَا فكساها الأنطاع، ثمَّ أرِي أَن اكسها، فكساها ثِيَاب حبرَة. فَلَمَّا نَشأ أَبُو زَمعَة بن الْمُغيرَة قَالَ: أَنا أكسو أَو جدي الْكَعْبَة سنة، وَجَمِيع قُرَيْش سنة، فَكَانَ يَأْتِي الْحبرَة فيكسوها إِلَى أَن مَاتَ، فَسَمتْهُ قُرَيْش الْعدْل لِأَنَّهُ عدل فعله بِفعل قُرَيْش كلهَا.
وَأول عَرَبِيَّة كست الْكَعْبَة الْحَرِير والديباج نتيلة بنت جناب، أم الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.
وَقد روى الْوَاقِدِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن أبي حَبِيبَة عَن أَبِيه قَالَ: كسي الْبَيْت فِي الْجَاهِلِيَّة بالأنطاع، ثمَّ كَسَاه النَّبِي ﷺ الثِّيَاب اليمانية، ثمَّ كَسَاه عمر وَعُثْمَان الْقبَاطِي، ثمَّ كَسَاه الْحجَّاج الديباج.
وروى ابْن أبي نجيح عَن أَبِيه أَن عمربن الْخطاب كسا الْكَعْبَة الْقبَاطِي
стр. 1971
من بَيت المَال.
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الْأَزْرَقِيّ: حَدثنِي جدي قَالَ: كَانَت الْكَعْبَة تُكْسَى فِي كل سنة كسوتين: كسْوَة ديباج وَكِسْوَة قَبَاطِي. فَأَما الديباج فتكساه يَوْم التَّرويَة فيعلق الْقَمِيص ويدلى وَلَا يخاط، فَإِذا صدر النَّاس من منى خيط الْقَمِيص وَترك الْإِزَار حَتَّى يذهب الْحَاج لِئَلَّا يحرقوه، فَإِذا كَانَ عَاشُورَاء علق الْإِزَار فوصل بالقميص، فَلَا تزَال هَذِه الْكسْوَة عَلَيْهَا إِلَى يَوْم سبع وَعشْرين من رَمَضَان فتكسى الْقبَاطِي للفطر.
٢٤٩١ - / ٣١٩١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: أَن أَزوَاج رَسُول الله ﷺ كن يخْرجن قبل المناصع - وَهُوَ صَعِيد أفيح.
المناصع: مَوضِع مَعْرُوف.
والصعيد: وَجه الأَرْض. والأفيح: الْوَاسِع. يُقَال: دَار فيحاء: إِذا كَانَت وَاسِعَة.
وَقَوله: تفرع النِّسَاء: أَي تعلوهن. والفارع من كل شَيْء: العالي. وجبل فارع: عَال، وَفرع فلَان فلَانا: إِذا علاهُ طولا أَو قدرا.
وانكفأت: رجعت.
والعرق: عظم عَلَيْهِ بَقِيَّة لحم.
٢٤٩٢ - / ٣١٩٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ يعْتَكف الْعشْر الْأَوَاخِر.
стр. 1972
الِاعْتِكَاف: الْإِقَامَة، وَكَذَلِكَ الْمُجَاورَة.
والتحري للشَّيْء: الِاجْتِهَاد فِي طلبه فِي مظان وجوده.
وتقويض الْبناء: نقضه من غير هدم.
وَأما اعْتِكَافه فِي شَوَّال فدليل على أَن قَضَاء النَّوَافِل مسنون.
٢٤٩٣ - / ٣١٩٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول وَهُوَ صَحِيح: " إِنَّه لن يقبض نَبِي حَتَّى يرى مَقْعَده من الْجنَّة ثمَّ يُخَيّر ".
إِن قَالَ قَائِل: مَا وَجه التَّخْيِير بعد أَن يرى مَقْعَده من الْجنَّة؟ وَلَو أَن أَحَدنَا رأى مَكَانَهُ من الْجنَّة لم يتَخَيَّر الدُّنْيَا عَلَيْهِ.
فَالْجَوَاب: أَن التَّخْيِير يكون إِكْرَاما لَهُ ليَكُون قبض روحه عَن أمره، فَيجوز أَن يخْتَار تَعْجِيل معاناة الْمَوْت لما يصير إِلَيْهِ، وَيجوز أَن يخْتَار تَأْخِير الْمَوْت عَنهُ مَعَ علمه بِمَنْزِلَتِهِ إيثارا لطاعة الله على حَظّ النَّفس.
وَأما " الرفيق الْأَعْلَى " فقد ذهب قوم إِلَى أَن الْمَعْنى: ألحقني بك، وَقد رده الْأَزْهَرِي وَقَالَ: هَذَا غلط؛ وَإِنَّمَا الرفيق هَاهُنَا جمَاعَة الْأَنْبِيَاء الَّذين يسكنون أَعلَى عليين، اسْم جَاءَ على " فعيل " وَمَعْنَاهُ الْجَمَاعَة. وَيُقَوِّي هَذَا القَوْل أَن فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث أَنه قَالَ: " مَعَ الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ ". وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الرفيق بِمَعْنى الرفقاء، كَمَا يُقَال للْجَمَاعَة: صديق وعدو. قَالَ: وَيَعْنِي الْمَلَائِكَة.
قَوْلهَا: فَأَخَذته بحة. البحح: انخفاض الصَّوْت لمَرض أَو غَيره.
стр. 1973
وَكَانَ ابْن عقيل يَقُول: لما كَانَ السّتْر مسبلا قَالَ: " واكرباه " فَلَمَّا كشف قَالَ: " الرفيق الْأَعْلَى " وَإِنَّمَا أسبل السّتْر لينطق بالتألم تخويفا لأهل الْغَفْلَة من مثل ذَلِك المقطع، وَإِنَّمَا كشف السّتْر لينطق بِمثل ذَلِك النُّطْق لأرباب الْأَحْوَال فتصفو لَهُم مناهلهم وتعذب مشاربهم، وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي خلع على السَّحَرَة بعد رغبتهم فِي الدُّنْيَا حَتَّى قَالُوا: ﴿أئن لنا لأجرا﴾ [الشُّعَرَاء: ٤١] فَقَالُوا عِنْد تغير الْأَحْوَال: ﴿فَاقْض مَا أَنْت قَاض﴾ [طه: ٧٢] .
٢٤٩٤ - / ٣١٩٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين: أَنَّهَا كَانَت ترجل النَّبِي ﷺ وَهِي حَائِض وَهُوَ معتكف فِي الْمَسْجِد، وَهِي فِي حُجْرَتهَا يناولها رَأسه.
ترجل: تسرح. وَشعر مرجل.
ويصغي: يمِيل.
وَقد روى أَبُو مُحَمَّد الرامَهُرْمُزِي بِإِسْنَاد لَهُ أَن امْرَأَة وقفت على مجْلِس فِيهِ يحيى بن معِين وَأَبُو خَيْثَمَة وَخلف بن سَالم فِي جمَاعَة يتذاكرون الحَدِيث، فسألتهم عَن الْحَائِض تغسل الْمَوْتَى وَكَانَت غاسلة، فَلم يجبها أحد مِنْهُم، وَجعل ينظر بَعضهم إِلَى بعض، فَأقبل أَبُو ثَوْر فَقَالُوا لَهَا: عَلَيْك بِهَذَا الْمقبل، فألتفتت إِلَيْهِ فَسَأَلته، فَقَالَ: نعم، تغسل الْمَيِّت لحَدِيث عَائِشَة، فَإِذا فعلت هَذَا بِرَأْس الْحَيّ فرأس الْمَيِّت أولى فَقَالُوا: نعم، رَوَاهُ فلَان، وَحدثنَا فلَان. فَقَالَت الْمَرْأَة: فَأَيْنَ كُنْتُم إِلَى
стр. 1974
الْآن؟ .
وَأما الْمُبَاشرَة فَهِيَ إلصاق الْبشرَة بالبشرة. وَقد اتّفق الْعلمَاء على تَحْرِيم جماع الْحَائِض، فَأَما الِاسْتِمْتَاع بِمَا دون الْفرج فَقَالَ أَحْمد: يجوز، وَقَالَ أَكْثَرهم: لَا يجوز إِلَّا مَا فَوق الْإِزَار.
٢٤٩٥ - / ٣١٩٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: " كَانَ إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه كل لَيْلَة جمع كفيه ثمَّ نفث فيهمَا ".
يُقَال: أويت إِلَى منزلي بقصر الْألف، وآويت غَيْرِي بمدها، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يُوسُف: ٦٩] أَي ضمه. والمأوى: الْمَكَان الَّذِي يأوي إِلَيْهِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: أَوَى وآوى بِمَعْنى وَاحِد ,
وَأما النفث فَهُوَ شَبيه بالنفخ بِلَا ريق. فَأَما التفل فَلَا يكون إِلَّا وَمَعَهُ شَيْء من ريق، وأنشدوا:
( ... ... ... ... ... . ... مَتى مَا يحس مِنْهَا مائح الْقَوْم يتفل)
يصف بِئْرا نزل فِيهَا المائح فذاق ماءها فكرهه فَرَمَاهُ من فِيهِ.
٢٤٩٦ - / ٣١٩٨ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: أَن عقبَة بن أبي وَقاص عهد إِلَى أَخِيه سعد: أَن ابْن وليدة زَمعَة مني فاقبضه إِلَيْك، فَلَمَّا
стр. 1975
كَانَ عَام الْفَتْح أَخذه سعد فَقَالَ: ابْن أخي، عهد إِلَيّ فِيهِ. فَقَالَ عبد بن زَمعَة: أخي وَابْن وليدة أبي، ولد على فرَاشه، فتساوقا إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ سعد: يَا رَسُول الله، ابْن أخي قد كَانَ عهد إِلَيّ فِيهِ أَنه ابْنه، انْظُر إِلَى شبهه، وَقَالَ عبد بن زَمعَة: أخي وَابْن وليدة أبي، ولد على فرَاشه، فَنظر رَسُول الله ﷺ فَرَأى شبها بَينا بِعتبَة فَقَالَ: " هُوَ لَك يَا عبد بن زَمعَة، الْوَلَد للْفراش، وللعاهر الْحجر "، ثمَّ قَالَ لسودة بنت زَمعَة: " احتجبي مِنْهُ " لما رأى من شبهه بِعتبَة.
هَذَا حَدِيث يعبره أَكثر الْمُحدثين وَلَا يعتبرون رُؤْيَاهُ؛ لِأَن هَمهمْ فِي الحَدِيث إِسْنَاده لَا مُرَاده، وَنحن نكشف إِن شَاءَ الله إشكاله كَمَا أوضحنا أشكاله:
أعلم أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانَت تكون لَهُم إِمَاء يبغين، وَفِي ذَلِك نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ [النُّور: ٣٣] وَكَانَت السَّادة تَأتي فِي خلال ذَلِك الْإِمَاء، فَإِذا أَتَت إِحْدَاهُنَّ بِولد فَرُبمَا يَدعِيهِ السَّيِّد، وَرُبمَا يَدعِيهِ الزَّانِي، فَإِن مَاتَ السَّيِّد وَلم يكن ادَّعَاهُ وَلَا أنكرهُ فَادَّعَاهُ ورثته لحق بِهِ، إِلَّا أَنه لَا يُشَارك مستلحقيه فِي ميراثهم إِلَّا أَن يستلحقه قبل الْقِسْمَة، وَإِن كَانَ السَّيِّد قد أنكرهُ لم يلْحق بِحَال.
وَكَانَ لزمعة بن قيس بن عبد شمس أبي سَوْدَة زوج رَسُول الله ﷺ أمة على مَا وَصفنَا من أَن عَلَيْهَا ضريبة وَأَنه يلم بهَا، فَظهر بهَا حمل كَانَ يظنّ أَنه من عتبَة بن أبي وَقاص أخي سعد، وَهلك عتبَة كَافِرًا، فعهد إِلَى اخيه سعد قبل مَوته فَقَالَ: استلحقوا الْحمل الَّذِي بِأمة زَمعَة، فَلَمَّا
стр. 1976
اسْتَلْحقهُ سعد خاصمه عبد بن زَمعَة، فَقَالَ سعد: هُوَ ابْن أخي، يُشِير إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَقَالَ عبد: بل هُوَ أخي ولد على فرَاش أبي، يُشِير إِلَى مَا اسْتَقر عَلَيْهِ الحكم فِي الْإِسْلَام، فَقضى بِهِ رَسُول الله ﷺ لعبد إبطالا لحكم الْجَاهِلِيَّة.
وَفِي قَوْله لسودة: " احتجبي مِنْهُ " دَلِيل على أَن من فجر بِامْرَأَة حرمت على أَوْلَاده وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل، وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ لما رأى الشبة بِعتبَة علم أَنه من مَائه، فأجراه فِي التَّحْرِيم مجْرى النّسَب فَأمرهَا بالاحتجاب مِنْهُ. وَعند مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا تحرم عَلَيْهِم، وحملوا قَوْله: " احتجبي مِنْهُ " على الإستحباب والتنزه.
وَقَوله: " الْوَلَد للْفراش " أَي لصَاحب الْفراش. وَهَذَا يدل على أَن الْأمة فرَاش كَالْحرَّةِ.
وَقَوله: " وللعاهر الْحجر " يَعْنِي الخيبة، تَقول الْعَرَب للرجل إِذا آيسته من شَيْء: مَا فِي يدك غير الْحجر، وَمَا فِي كفك إِلَّا التُّرَاب.
وَلَيْسَ المُرَاد بِالْحجرِ هَاهُنَا الرَّجْم، إِذْ لَيْسَ كل زَان يرْجم. وَقد فسرنا هَذَا فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة.
٢٤٩٧ - / ٣١٩٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين: أَن أم حَبِيبَة بنت جحش استحيضت سبع سِنِين، فاستفتت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " إِن هَذِه لَيست بالحيضة، وَلَكِن هَذَا عرق ".
اعْلَم أَن الْمُسْتَحَاضَة ترجع إِلَى عَادَتهَا فِي الْحيض لتفرق بَين الْحَائِض
стр. 1977
والاستحاضة، فَإِن لم يكن لَهَا عَادَة رجعت إِلَى تمييزها، فَكَانَ حَيْضهَا أَيَّام الدَّم الْأسود، واستحاضتها أَيَّام الدَّم الْأَحْمَر.
فَإِن لم يكن لَهَا عَادَة وَلَا تَمْيِيز فَمَا مِقْدَار مَا تجلسه للْحيض؟ فِيهِ عَن أَحْمد أَربع رِوَايَات: إِحْدَاهُنَّ: تجْلِس أقل الْحيض. وَالثَّانيَِة: تجْلِس غَالب الْحيض، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ كالروايتين. وَالثَّالِثَة: أَكثر الْحيض، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَعَن مَالك مثل هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي قبلهَا. وَالرَّابِعَة: تجْلِس كعادة نسائها مثل أمهَا وَأُخْتهَا وخالتها.
فَإِن كَانَت لَهَا عَادَة فنسيت وَقتهَا وعددها فَهَذِهِ تسمى الحيرى، وَفِيمَا تجلسه رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: أقل الْحيض، وَالثَّانيَِة: غَالب الْحيض، وَبَعض أَصْحَابنَا يَقُول: هِيَ بِمَنْزِلَة الَّتِي لَا عَادَة لَهَا وَلَا تَمْيِيز. وَقد ذكرنَا فِي تِلْكَ أَربع رِوَايَات.
فَإِذا انْقَضى الزَّمَان الَّذِي تعتده الْمُسْتَحَاضَة حيضا اغْتَسَلت، وَفِي بَقِيَّة الزَّمَان تغسل فرجهَا وتشده وتتوضأ لوقت كل صَلَاة، فَتُصَلِّي مَا شَاءَت من الْفَرَائِض والنوافل، فطهارتها مقدرَة بِوَقْت الصَّلَاة، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد بن حَنْبَل. وَقَالَ الشَّافِعِي: تتوضأ لكل صَلَاة مَفْرُوضَة. فَالْخِلَاف يَقع مَعَه فِي قَضَاء الْفَوَائِت وَالْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقت إِحْدَاهمَا، فَعنده لَا يجوز، وَعند البَاقِينَ يجوز.
وَأما من روى فِي هَذَا الحَدِيث أَنَّهَا كَانَت تَغْتَسِل لكل صَلَاة، فقد قَالَ اللَّيْث: لم يذكر ابْن شهَاب أَن رَسُول الله ﷺ أمرهَا أَن تَغْتَسِل عِنْد كل صَلَاة، وَلكنه شَيْء فعلته هِيَ. وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث الزُّهْرِيّ أَن النَّبِي ﷺ أمرهَا بِالْغسْلِ لكل صَلَاة. وَهَذَا مَحْمُول
стр. 1978
على الِاسْتِحْبَاب لَا أَنه يجب.
وَأما قَوْله: " هَذَا عرق " فَمَعْنَاه دم عرق. وَإِنَّمَا كَانَ الْمَعْنى هَذَا لِأَن الدَّم لَيْسَ بعرق، وَإِنَّمَا حذف الْمُضَاف توسعا فِي الْكَلَام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ [الْبَقَرَة: ٩٣] أَي حب الْعجل. وَقد روى هَذَا الحَدِيث التِّرْمِذِيّ فَقَالَ فِيهِ: " إِنَّمَا ذَلِك عرق، فَإِذا أَقبلت الْحَيْضَة فدعي الصَّلَاة، وَإِذا أَدْبَرت فاغسلي عَنْك الدَّم، وتوضئي لكل صَلَاة ".
وَقد أَفَادَ هَذَا أَن خُرُوج النَّجَاسَات من غير السَّبِيلَيْنِ ينْقض الْوضُوء لِأَنَّهُ علل بِأَنَّهُ دم عرق، وعلق عَلَيْهِ الْوضُوء.
وَدم الفصاد دم عرق، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأحمد بن حَنْبَل، إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة يسْتَثْنى الْقَيْء، وَيَقُول: إِن كثر نقض.
وَلأَحْمَد فِي يسير النَّجَاسَات رِوَايَتَانِ، فَأَما الْفَاحِش فينقض، رِوَايَة وَاحِدَة. وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ فِي الْفَاحِش فَقَالَ فِي رِوَايَة الْأَثْرَم: لَا أحده، مَا كَانَ عنْدك أَنه فَاحش.
وَاعْلَم أَن تعرف الْفَاحِش على هَذَا يُوجد من أوساط النَّاس، فَلَا يعْتَبر بالمتبذلين فِي الأنجاس كالجزارين، وَلَا بالمتقززين كالموسوسين. وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: أَن الْفَاحِش شبر فِي شبر، نقلهَا ابْن مَنْصُور عَن أَحْمد. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد: ينْقض خُرُوج النَّجَاسَات من غير السَّبِيلَيْنِ بِحَال. وَزَاد مَالك فَقَالَ: وَلَا ينْقض دم الِاسْتِحَاضَة، وَلَا كل مَا يخرج من الْفرج نَادرا كالدود. فالحجة على الشَّافِعِي أَنه علل بِأَنَّهُ دم عرق،
стр. 1979
وعَلى مَالك أَنه نَص على انْتِقَاض الطَّهَارَة بِدَم الِاسْتِحَاضَة فَقَالَ: " توضئي لكل صَلَاة ".
فَإِن قَالَ الْخصم: فَمَا علمْتُم وَلَا أَبُو حنيفَة بِهَذَا الحَدِيث، لأنكم فهمتم من إِطْلَاقه شَيْئا ثمَّ خصصتم. فَالْجَوَاب: أما بِحَق فَلَا تَخْصِيص على رِوَايَة، فَيَنْقَطِع كلامكم، وَإِن نصرنَا الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَذَاك لأدلة خصصت.
وَأما المركن فَهُوَ شَبيه بالجفنة الْكَبِيرَة.
٢٤٩٨ - / ٣٢٠٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين: سَأَلَ رَسُول الله ﷺ نَاس عَن الْكُهَّان، فَقَالَ: " لَيْسَ بِشَيْء ".
أَي لَيْسَ قَوْلهم بِشَيْء يعْتَمد عَلَيْهِ، وَالْعرب تَقول لمن عمل شَيْئا لم يحكمه: مَا عملت شَيْئا.
والاختطاف: الاستلاب بِسُرْعَة.
وَقَوله: " فيقرها " الْيَاء مَضْمُومَة. وَقَوله: " قر الدَّجَاجَة " أَي كصوتها إِذا قطعته. يُقَال: قرت الدَّجَاجَة تقر قرا. فَإِن رَددته قيل: قرقرت قرقرة. والقر: ترديدك الْكَلَام فِي أذن الأطروش حَتَّى يفهم، كَمَا يسْتَخْرج مَا فِي القارورة شَيْئا إِذا أفرغت.
وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: قر الزجاجة بالزاي. فَكَأَنَّهُ اعْتَبرهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي فِيهِ، كَمَا تقر القارورة، وَيكون قر الزجاجة مَعْنَاهُ صَوتهَا إِذا أفرغ مَا فِيهَا، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: صحف الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي هَذَا، وَالصَّوَاب الدَّجَاجَة بِالدَّال.
стр. 1980
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: الكهنة قوم لَهُم أذهان حادة ونفوس شريرة، وطباع نارية، وَألفتُهُم الشَّيَاطِين لما بَينهم من التناسب فِي هَذِه الْأُمُور، وساعدتهم بِمَا فِي وسعهَا من الْقُدْرَة.
٢٤٩٩ - / ٣٢٠١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: حَدِيث أم زرع وَالَّذِي فِي الصَّحِيح: قَالَت عَائِشَة: جلس إِحْدَى عشرَة امْرَأَة ... ثمَّ قَالَت فِي آخر الحَدِيث: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : " كنت لَك كَأبي زرع لأم زرع ".
وَقد روى هَذَا الحَدِيث سعيد بن سَلمَة الْمَدِينِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَخِيه عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : " كنت لَك كَأبي زرع لأم زرع " ثمَّ أنشأ يحدث بِحَدِيث أم زرع وصواحبها، قَالَ: اجْتمع
стр. 1981
إِحْدَى عشرَة امْرَأَة ... وَهَذَا مَحْمُول على أَن الْقَائِل: ثمَّ أنشأ يحدث هُوَ هِشَام بن عُرْوَة يَحْكِي عَن أَبِيه أَنه أنشأ يحدث. فدرج الرَّاوِي ذَلِك وَصَارَ كَأَنَّهُ إِخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ ، وَإِلَّا فَالصَّحِيح أَنه من كَلَام عَائِشَة، وَلَيْسَ فِيهِ من قَول رَسُول الله ﷺ إِلَّا: " كنت لَك كَأبي زرع لأم زرع ".
وَأما قَول الأولى: زَوجي لحم جمل غث. الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة خفض الغث، ويروى بِالرَّفْع والتنوين على الصّفة للحم، قَالَ لنا شَيخنَا ابْن نَاصِر: الْجيد بِالرَّفْع، وَكَذَا قرأته على أبي زَكَرِيَّا، وَقَالَ: رَأَيْته بِخَط أبي الْقَاسِم الرقي بِالرَّفْع وفوقه مَكْتُوب: رفع. والغث: المهزول.
على رَأس جبل: تصف قلَّة خَيره، وَبعده مَعَ الْقلَّة، كالشيء الحقير فِي قلَّة الْجَبَل الصعب، فَلَا ينَال إِلَّا بالمشقة فِي الصعُود إِلَيْهِ والانحدار بِهِ، يبين ذَلِك قَوْلهَا: لَا سهل فيرتقى - تَعْنِي الْجَبَل - وَلَا سمين فَينْتَقل: أَي لهزاله لَا تنتقله النَّاس إِلَى مَنَازِلهمْ للْأَكْل، بل يرغبون عَنهُ وَلَا يتكلفون الْمَشَقَّة فِيهِ.
وَمن روى: ينتقى، أَرَادَ لَيْسَ لَهُ نقي، وَهُوَ المخ، وَقلة المخ دَلِيل على الهزال. يُقَال: نقوت الْعظم ونقيته وانتقيته: إِذا استخرجت مخه، وَمِنْه قَوْلهم: نَاقَة منقية: أَي سَمِينَة، قَالَ الْأَعْشَى:
(حاموا على أضيافهم فشووا لَهُم ... من لحم منقية وَمن أكباد)
وَهَذِه تصف زَوجهَا بِسوء الْخلق والكنز مَعَ الْبُخْل.
стр. 1982
وَقَوله الثَّانِيَة: لَا أبث خَبره، إِنِّي أَخَاف أَلا أذره. فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: إِنِّي أَخَاف أَلا أبث خَبره من طوله واتصال مَا أصف مِنْهُ، قَالَه يَعْقُوب بن السّكيت.
وَالثَّانِي: إِنِّي أَخَاف أَلا أقدر على ترك زَوجي لعلقي عِنْده وأولادي مِنْهُ، قَالَه أَحْمد بن عبيد النَّحْوِيّ.
وَقَوْلها: إِن أذكرهُ أذكر عُجَره وبجره. قَالَ أَبُو عبيد: العجر: أَن يتعقد العصب وَالْعُرُوق حَتَّى ترَاهَا ناتئة من الْجَسَد. والبجر نَحْوهَا إِلَّا أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا فِي الْبَطن، وَاحِدهَا بجرة، وَهُوَ كالانتفاخ، يُقَال: رجل أبجر: إِذا كَانَ عَظِيم الْبَطن أَو ناتئ السُّرَّة، وَالْجمع بجر، وَمِنْه قَول عَليّ ابْن أبي طَالب ﵇ يَوْم الْجمل: أَشْكُو إِلَى الله عجري وبجري. أَي همومي وأحزاني، وأرادت بالبجر والعجر عيوبه الْبَاطِنَة. وَقَالَ ثَعْلَب: العجر من الظّهْر، والبجر من الْبَطن، وَالْمعْنَى: إِن ذكرته ذكرت عيوبه الَّتِي أشتكيها.
وَقَول الثَّالِثَة: زَوجي العشنق. قَالَ الْأَصْمَعِي: العشنق: الطَّوِيل، وَهَذِه الْمَرْأَة تذم زَوجهَا، وتعني أَنه طَوِيل لَيْسَ عِنْده أَكثر من طوله بِلَا مَنْفَعَة، فَهُوَ منظر بِلَا مخبر، فَإِن ذكرت مَا فِيهِ طَلقنِي، وَإِن سكت
стр. 1983
تركني معلقَة، لَا أَيّمَا وَلَا ذَات بعل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ [النِّسَاء: ١٢٩] .
وَقَوله الرَّابِعَة: زَوجي كليل تهَامَة. ضربت ذَلِك مثلا، أَي لَيْسَ عِنْده أَذَى وَلَا مَكْرُوه، لِأَن الْحر وَالْبرد كِلَاهُمَا فِيهِ أَذَى إِذا اشْتَدَّ.
وَقَوْلها: وَلَا مَخَافَة. أَي لَيْسَ عِنْده غائلة وَلَا شَرّ أخافه. وَلَا سآمة: أَي لَا يسأمني فيمل صحبتي. وَأَبُو عبيد يرويهِ: لَا حر وَلَا قر بِالرَّفْع والتنوين، وَكَذَلِكَ بَاقِي الْكَلِمَات.
وَقَول الْخَامِسَة: زَوجي إِن دخل فَهد. تصفه بِكَثْرَة النّوم والغفلة فِي الْمنزل، على جِهَة الْمَدْح، لِأَن الفهد مَوْصُوف بِكَثْرَة النّوم، يُقَال فِي الْمثل: " أنوم من فَهد " وأرادت أَنه لَا يتفقد مَا يذهب من مَاله وَلَا يلْتَفت إِلَى معايب الْبَيْت، وَيبين هَذَا الْمَعْنى قَوْلهَا: وَلَا يسْأَل عَمَّا عهد تَعْنِي عَمَّا كَانَ يعهده عِنْدهَا. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس: إِن دخل فَهد: أَي وثب كَمَا يثب الفهد، فَكَأَنَّهَا مدحت بعض أَحْوَاله وذمت بَعْضًا.
وَقَوْلها: وَإِن خرج أَسد. أَسد واستأسد بِمَعْنى وَاحِد، وَالْمعْنَى أَنَّهَا تصفه بالشجاعة إِذا خرج إِلَى الْبَأْس: أَي إِنَّه يقوم فِي الحروب مقَام الْأسد فِي شجاعته وحمايته.
стр. 1984
وَقَول السَّادِسَة: زَوجي إِن أكل لف. اللف فِي الْأكل: الْإِكْثَار من الْمطعم مَعَ التَّخْلِيط فِي صنوفه. وَقَوْلها: وَإِن شرب اشتف. والاشتفاف فِي الشّرْب: استقصاء مَا فِي الْإِنَاء، وَإِنَّمَا أَخذ من الشفافة، وَهِي الْبَقِيَّة تبقى فِي الْإِنَاء من الشَّرَاب، فَإِذا شربهَا قيل: اشتفها وتشافها.
وَقَوْلها: وَلَا يولج الْكَفّ. قَالَ أَبُو عبيد: أَحْسبهُ كَانَ بجسدها دَاء أَو عيب تكتئب بِهِ؛ لِأَن البث هُوَ الْحزن، فَكَانَ لَا يدْخل يَده فِي ثوبها ليمس ذَلِك الْعَيْب فَيشق عَلَيْهَا. تصفه بِالْكَرمِ.
قلت: وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: أَنه لَا يمس الْعَوْرَة، لِأَنَّهُ رُبمَا شقّ هَذَا على الْمَرْأَة فِي بعض الْأَوْقَات وأحزنها، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث " حَتَّى تستحد المغيبة ".
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: قد ذمَّته بلفظين فَكيف تمدحه بالثالث؟ وَإِنَّمَا أَرَادَت أَنه إِذا رقد التف نَاحيَة وَلم يَمَسهَا كَمَا يمس الرجل زَوجته فَيعلم البث، وَلَا بَث هُنَاكَ غير حب الْمَرْأَة دنو زَوجهَا مِنْهَا. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: يجوز أَن تمدحه بِشَيْء وتذمه بِشَيْء، فَإِنَّهُنَّ تعاهدن أَلا يكتمن شَيْئا. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَعْنَاهُ لَا يضاجعني فَيعلم مَا عِنْدِي لَهُ من الْحبّ لقُرْبه، وَلَا بَث هُنَاكَ إِلَّا مَا ينطوي عَلَيْهِ من الشَّهْوَة لقرب زَوجهَا مِنْهَا. وَقَالَ أَحْمد ابْن عبيد تَفْسِيره: وَلَا يدْخل يَده فِي أموري فَيعلم مِنْهَا مَا أكرهه فيزيله عني.
стр. 1985
وَقَول السَّابِعَة: عياياء أَو غياياء. الصَّحِيح بِالْعينِ غير الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الْعنين الَّذِي يعييه مباضعة النِّسَاء، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْإِبِل الَّذِي لَا يضْرب وَلَا يلقح. والطباقاء: الغبي الأحمق الفدم. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ المطبق عَلَيْهِ حمقا. وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الجاحظ فِي قَوْلهَا: عياياء طباقاء، قَالَ: خبرت عَن جَهله بإتيان النِّسَاء وعيه وعجزه، وَأَنه إِذا سقط عَلَيْهَا انطبق وَالنِّسَاء يُكْرهن وُقُوع صُدُور الرِّجَال على صدورهن، وَلذَلِك قَالَت: عياياء طباقاء.
وَقَوْلها: كل دَاء لَهُ دَاء. أَي كل شَيْء من أدواء النَّاس فَهُوَ فِيهِ.
وَقَوْلها: شجك أَو فلك. الشج: شج الرَّأْس: وَهُوَ شقَّه. والفل نَحْو الشج، وَهُوَ تَأْثِير فِي الْجَسَد، وَمِنْه فلول السَّيْف: وَهُوَ انثلام فِيهِ وتأثير فِي حَده. وأصل الفل: الْكسر. والمفلول: المكسور الْمَهْزُوم. وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة:
(وشتيتا كأقحوان عذَابا ... لم يُغَادر بهَا الزَّمَان فلولا)
يَعْنِي ثغر امْرَأَة: وَقيل شجك: أَي شج رَأسك أَو بعض جوارحك. أَو فلك: أَي كسر أسنانك. أَو جمع كلالك: أَي جمع الْأَمريْنِ عَلَيْك.
وَقَول الثَّامِنَة: زَوجي الرّيح ريح زرنب: وَهُوَ نوع من أَنْوَاع الطّيب مَعْرُوف، قَالَ يَعْقُوب بن السّكيت: الزرنب: شجر طيب الرّيح، وَأنْشد:
стр. 1986
(يَا بِأبي أَنْت وفوك الأشنب ... )
(كَأَنَّمَا ذَر عَلَيْهِ زرنب ... )
(أَو أقحوان فَهُوَ - عمري - أطيب ... )
وَيحْتَمل قَوْلهَا ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: ريح جسده وثيابه لِكَثْرَة تطيبه وَالثَّانِي: ريح الثَّنَاء عَلَيْهِ بمكارمه. وَالثَّالِث: حسن عشرته لَهَا.
وَقَوْلها: الْمس مس أرنب. وَصفته بِحسن الْخلق ولين الْجَانِب، تَشْبِيها بِمَسّ الأرنب ولين وبرها.
وَقَول التَّاسِعَة: زَوجي رفيع الْعِمَاد. تصفه بالشرف وعلو الْقدر. وأصل الْعِمَاد عماد الْبَيْت، ثمَّ يستعار لعلو المناقب.
وَقَوْلها: طَوِيل النجاد. النجاد: حمائل السَّيْف، فَهِيَ تصفه بطول الْقَامَة، وأنشدوا:
(قصرت حمائله علهي فقلصت ... وَلَقَد تحفظ قينها فأطالها)
وَقَوْلها: عَظِيم الرماد. يحْتَمل شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن تكون وَصفته بِكَثْرَة الضِّيَافَة، فَإِنَّهُ إِذا نحر وَذبح عظمت ناره فيكثر الرماد. وَالثَّانِي: أَن يكون وَصفا بإيقاد النَّار ليستدل بهَا الضَّيْف، وَهَذِه كَانَت عَادَة للْعَرَب، قَالَ الشَّاعِر:
стр. 1987
(مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناره ... تَجِد خير نَار عِنْدهَا خير موقد)
وَقَوْلها: قريب الْبَيْت من الناد. النادي: الْمجْلس، وَيُقَال لَهُ النادي والندي، قَالَ الشَّاعِر:
(كَانُوا جمالا للْجَمِيع وموئلا ... للخائفين وسَادَة فِي النادي)
وَقَالَ الآخر:
(ودعيت فِي أولى الندي وَلم ... ينظر إِلَيّ بأعين خزر)
أَرَادَ أَنه ينزل بَين ظهراني النَّاس ليعلموا مَكَانَهُ فتنزل بِهِ الأضياف. قَالَ زُهَيْر:
(يسط الْبيُوت لكَي يكون مَظَنَّة ... من حَيْثُ تُوضَع جَفْنَة المسترفد)
وَمعنى يسط: يتوسط. المظنة: الْمعلم. قَالَ الشَّاعِر:
(بَيْضَاء خَالِصَة الْبيَاض كَأَنَّهَا ... قمر توَسط ليل صيف مبرد)
(موسومة بالْحسنِ ذَات حواسد ... إِن الحسان مَظَنَّة للحسد)
وَقَول الْعَاشِرَة: زَوجي مَالك، وَمَا مَالك. هَذَا تَعْظِيم لشأنه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَاب الْيَمين مَا أَصْحَاب الْيَمين﴾ [الْوَاقِعَة: ٢٧] .
وَقَوْلها: مَالك خير من ذَلِك. أَي خير مِمَّا أصفه بِهِ.
وَقَوْلها: لَهُ إبل كثيرات الْمُبَارك، قليلات المسارح. فِي معنى هَذَا
стр. 1988
الْكَلَام ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه أَكثر بروكها وَأَقل تسريحها مَخَافَة أَن ينزل بِهِ ضيف وَهِي غَائِبَة عَنهُ , ذكره أَبُو عبيد. وَالثَّانِي: أَنَّهَا إِذا بَركت كَانَت كَثِيرَة لوفور عَددهَا، وَإِذا سرحت كَانَت قَليلَة لِكَثْرَة مَا نحر من أجل الضيفان، قَالَه إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. وَالثَّالِث: أَنَّهَا كَانَت إِذا بَركت كَانَت كَثِيرَة لكثيرة من يَنْضَم إِلَيْهَا مِمَّن يلْتَمس لَحمهَا ولبنها وَإِذا سرحت كَانَت قَليلَة لقلَّة من يَنْضَم إِلَيْهَا من الضيفان وَالْعَافِينَ، ذكره ابْن الْأَنْبَارِي.
وَقَوْلها: إِذا سمعن صَوت المزهر. المزهر: الْعود الَّذِي يضْرب بِهِ، قَالَ الْأَعْشَى:
(جَالس حوله الندامي فَمَا ... يُؤْتى بمزهر مندوف)
يُرِيد: أَن من عَادَته أَن يَأْتِي أضيافه بالمعازف والملاهي إِكْرَاما للأضياف.
وَقَول الْحَادِيَة عشرَة: أنَاس من حلي أُذُنِي. النوس: الْحَرَكَة من كل شَيْء، يُقَال: نَاس ينوس نوسا. تُرِيدُ أَنه حلاني قرطة وشنوفا تنوس بأذني، والنوس للحلي لَكِنَّهَا جعلته للأذن على وَجه التَّجَوُّز، كَمَا تَقول: أدخلت الْخَاتم فِي إصبعي.
وَقَوْلها: وملأ من شَحم عضدي. أَرَادَت سمن بدنهَا كُله بِكَثْرَة
стр. 1989
إحسانه إِلَيْهَا، فاقتصرت على العضدين لِأَنَّهُمَا إِذا سمنا سمن سَائِر الْبدن.
وَقَوْلها: فبجحني فبجحت إِلَيّ نَفسِي. وَرَوَاهُ أَبُو عبيد: بجحني بِالتَّشْدِيدِ فبجحت بِضَم التَّاء وَفتح الْجِيم وَكسرهَا مَعًا، وأرادت: سرني بتوالي إحسانه فسرى السرُور فِي نَفسِي فَبَان موقعه مني، يُقَال: بجح وبجح إِذا فَرح، قَالَ الرَّاعِي:
(وَمَا الْفقر فِي أَرض الْعَشِيرَة ساقنا ... إِلَيْك وَلَكنَّا بقرباك نبجح)
أَي: نفرح.
وَقَوْلها: وجدني فِي أهل غنيمَة بشق، قد ذكره أَبُو عبيد بِفَتْح الشين وَأَصْحَاب الحَدِيث يكسرون الشين، وَهُوَ اسْم مَوضِع. وَقَالَهُ ابْن جني بِالْكَسْرِ. وَقَالَ غَيرهمَا من الْعلمَاء: الشق: الْجهد. وأرادت أَن أَهلهَا كَانُوا أَصْحَاب غنم لَا أَصْحَاب إبل وَلَا خيل.
فجعلني فِي أهل صَهِيل وأطيط. والصهيل: أصوات الْخَيل. والأطيط أصوات الْإِبِل. وَقَالَ ابْن السّكيت: الأطيط: زفير الْإِبِل من البطنة. وَقَالَ أَحْمد بن عبيد: الأطيط ثَلَاثَة مَوَاضِع، يُقَال: لَا أُكَلِّمك مَا أطت الْإِبِل: تَعْنِي مَا حنت إِلَى أَوْلَادهَا وأوطانها، وَيُقَال: قد أطت الْإِبِل برحالها وَيُقَال: قد أطت الْإِبِل: إِذا شربت فانبسطت جلودها وَسمع لذَلِك
стр. 1990
صَوت.
والدائس: الَّذِي يدوس الطَّعَام بعد حَصَاده، والمنقي: الَّذِي ينقيه وينظفه. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن أويس: ومنق بِكَسْر النُّون، وَفَسرهُ بنقيق الْمَوَاشِي والأنعام. وعنت بِهَذَا الْكَلَام أَنهم أهل زرع، فَأَرَادَتْ أَنه نقلني عَن د قوم لَا قدر لَهُم وَلَا مَال، إِلَى من لَهُ المَال وَالْقدر.
وَقَوْلها: فَعنده أَقُول فَلَا أقبح: أَي يقبل قولي وَلَا يرد. وأشرب فأتقمح أَي أروى حَتَّى أمج الشَّرَاب من كَثْرَة الرّيّ، يُقَال: نَاقَة قامح، وإبل قماح، وَإِنَّمَا ترفع الْإِبِل رءوسها بعد انْتِهَاء شربهَا، قَالَ : ﴿فهم مقمحون﴾ [يس: ٨] .
وَمن رَوَاهُ: فأتقنح بالنُّون فَمَعْنَاه الزِّيَادَة على الشّرْب بعد الرّيّ، يُقَال: قنحت من الشَّرَاب أقنح قنحا: إِذا شربت بعد الرّيّ. وَقَالَ يَعْقُوب ابْن السّكيت أتقنح مَعْنَاهُ أقطع الشّرْب وأشرب قَلِيلا قَلِيلا. وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا أعرف أتقنح بالنُّون وَلَا أرى الْمَحْفُوظ إِلَّا بِالْمِيم.
وَقَوْلها: فأرقد فأتصبح. يَعْنِي أَنَّهَا تستوفي من نومها وَلَا يكرهها على عمل تحْتَاج فِيهِ إِلَى الانتباه.
وَقَوله: عكومها رداح. العكوم جمع عكم: وَهِي الْأَحْمَال والأعدال الَّتِي فِيهَا صنوف الْأَطْعِمَة. وَرُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا خرج مَعَ رَفِيق لَهُ فَسرق شَيْء من عكمه فَرفع عكم رَفِيقه فَإِذا هُوَ ثقيل، فَأَنْشد:
стр. 1991
(عكم تعشى بعض أعكام الْقَوْم ... لم أر عكما سَارِقا قبل الْيَوْم)
والرداح: الْعَظِيمَة الْكَثِيرَة الحشو. وَامْرَأَة رداح: عَظِيمَة الكفل، وَمِنْه قيل للكتيبة الْعَظِيمَة رداح، قَالَ لبيد:
(وأبنا ملاعب الرماح ... ومدره الكتيبة الرداح)
والتأبين: الثَّنَاء على الْمَيِّت.
وَقَوْلها: وبيتها فساح: أَي وَاسع.
وَقَوْلها: ومضجعه كمسل شطبة. أصل الشطبة مَا شطب من جريد النّخل وَهُوَ سعفه، وَذَلِكَ أَن يشقق مِنْهَا قضبان دقاق، فشبهته فِي خفَّة لَحْمه بذلك.
وَقَوْلها: ويشبعه ذِرَاع الجفرة: وَهِي الْأُنْثَى من ولد الْمعز: وَالذكر جفر. وَإِذا أَتَى على ولد العنز أَرْبَعَة أشهر ففصل عَن أمه وَأخذ فِي الرَّعْي قيل لَهُ جفر، وَالْمرَاد أَنَّهَا مدحته بقلة لَحْمه وَقلة أكله، وهما ممدوحان عِنْد الْعَرَب، قَالَ الشَّاعِر:
(تكفيه حزة فلذ إِن ألم بهَا ... من الشواء ويروي شربه الْغمر)
وَقَوْلها: وملء كسائها: تَعْنِي أَنَّهَا ذَات لحم.
وَقَوْلها: وصفر ردائها. وَالْمعْنَى أَنَّهَا ضامرة الْبَطن، فَكَأَن رداءها
стр. 1992
صفر: أَي خَال لشدَّة ضمور بَطنهَا. والرداء يَنْتَهِي إِلَى الْبَطن.
وَقَوْلها: وغيظ جارتها: أَي لما فِيهَا من الْخِصَال الَّتِي تفوق بهَا الْجِيرَان.
وَقَوْلها: وعقر جارتها: أَي هلاكها لمَكَان الْحَسَد.
وَقَوْلها: لَا تبث حديثنا تبثيثا: أَي لَا تشيعه وتنمه. يُقَال: بثثتك مَا عِنْدِي وأبثثتك: إِذا أظهرته لَك، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله﴾ [يُوسُف: ٨٦] وَقَالَ ذُو الرمة:
(وقفت على ربع لمية نَاقَتي ... فَمَا زلت أبْكِي عِنْده وأخاطبه)
(وأسقيه حَتَّى كَاد مِمَّا أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه)
ويروى: لَا تنث حديثنا تنثيثا بالنُّون، وَهُوَ فِي معنى الأول، يُقَال: بَث الحَدِيث ونثه: إِذا أفشاه. وأرادت أَنَّهَا مَأْمُونَة على الْأَسْرَار.
وَقَوْلها: وَلَا تنقث ميرتنا تنقيثا. وَرَوَاهُ أَبُو عبيد: وَلَا تنقل ميرتنا تنقيثا. وأصل التنقيث الْإِسْرَاع فِي السّير، يُقَال: خرج يتنقث فِي سيره: إِذا أسْرع. والميرة: مَا يمتار من مَوضِع إِلَى مَوضِع. وأرادت أَنَّهَا أمينة على حفظ طعامنا لَا تفرط فِيهِ.
وَقَوْلها: وَلَا تملأ بيتنا تعشيشا. قد رويت بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالغين الْمُعْجَمَة؛ فَمن روى بِالْعينِ الْمُهْملَة فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: التعشيش مَأْخُوذ من قَوْلك عشش الْخبز: إِذا تكرج وَفَسَد، تُرِيدُ أَنَّهَا تحسن مُرَاعَاة الطَّعَام
стр. 1993
المخبوز وتتعهده بِأَن يطعم مِنْهُ أَولا فأولا طريا، وَلَا تغفل عَنهُ فيتكرج وَيفْسد.
وَأما التغشيش بالغين الْمُعْجَمَة فَقَالَ يَعْقُوب بن السّكيت: التغشيش: النميمة وَمَا يشاكلها.
وَقَوْلها: خرج أَبُو زرع والأوطاب تمخض، الأوطاب جمع وطب: وَهِي أسقية اللَّبن. وتمخض بِمَعْنى تحرّك ليستخرج زبدها.
وَقَوْلها: مَعهَا ولدان لَهَا كالفهدين يلعبان من تَحت خصرها برمانتين؛ قَالَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس: عَنى بالرمانتين ثدييها. وَقَالَ أَبُو عبيد: لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا عَظِيمَة الكفل، فَإِذا استلقت صَارَت بَينهَا وَبَين الأَرْض فجوة يجْرِي فِيهَا الرُّمَّان.
قَوْلهَا: فنكحت بعده رجلا سريا؛ أَي لَهُ سرو وجلالة. وَقيل: السرو: سخاء فِي مُرُوءَة.
ركب شريا: وَهُوَ الْفرس الَّذِي يستشري فِي سيره: أَي يلج ويمضي بِلَا قنوت، وَيُقَال: شري فِي الْغَضَب: إِذا احتد فِيهِ. وَقَالَ يَعْقُوب بن السّكيت: ركب شريا: أَي ركب مركبا فائقا خيارا.
وَقَوْلها: وَأخذ خطيا. الخطي: رمح ينْسب إِلَى الْخط: وَهِي قَرْيَة ترفأ إِلَيْهَا السفن تحمل الرماح من أَرض الْهِنْد، قَالَ زُهَيْر:
(وَهل ينْبت الخطي إِلَّا وشيجه ... وتغرس إِلَّا فِي منابتها النّخل)
стр. 1994
وَيُقَال: إِن الرماح على جَانب الْبَحْر كالخط بَين البدو وَالْبَحْر، فَقيل للرمح خطي لذَلِك.
وَقَوْلها: وأراح عَليّ نعما ثريا. النعم: الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، فَيُقَال لهَذِهِ الْأَشْيَاء إِذا اجْتمعت نعم، وَيُقَال لِلْإِبِلِ وَحدهَا نعم، وَلَا يُقَال للبقر وَالْغنم إِذا لم يكن مَعهَا إبل نعم، وَإِنَّمَا يُقَال أنعام للأجناس الثَّلَاثَة مجتمعة ومتفرقة. والثري: الْكثير، من قَوْلهم: ثرا بَنو فلَان بني فلَان: إِذا غلبوهم بِالْكَثْرَةِ. والثراء: كَثْرَة المَال، وَأنْشد ثَعْلَب:
(أماوي مَا يُغني الثراء عَن الْفَتى ... إِذا حشرجت يَوْمًا وضاق بهَا الصَّدْر)
وَقَوْلها: وَأَعْطَانِي من كل رَائِحَة: أَي من كل مَا يروح عَلَيْهِ من أَصْنَاف مَاله، زوجا: أَي نَصِيبا مضاعفا؛ لِأَن الزَّوْج مَا كَانَ لَهُ قرين من جنسه، وَلَا يُوقع الزَّوْج على الِاثْنَيْنِ أبدا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنه خلق الزَّوْجَيْنِ الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ [النَّجْم: ٤٥] .
وَمن روى: ذابحة، فَالْمُرَاد بِهِ المذبوحة، وَكثير مَا يَأْتِي " فَاعل " بِمَعْنى " مفعول " كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَهُوَ فِي عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١] أَي مرضية، فَيكون الْمَعْنى: أَعْطَانِي من كل شَيْء يذبح.
٢٥٠٠ - / ٣٢٠٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: قَالَ الْحَارِث بن هِشَام: يَا رَسُول الله! كَيفَ يَأْتِيك الْوَحْي؟ قَالَ: " أَحْيَانًا يأتيني فِي مثل صلصلة الجرس ".
стр. 1995
الصلصلة: الصَّوْت. إِنَّمَا شبهه بالجرس لِأَنَّهُ صَوت متدارك لَا يفهمهُ فِي أول وهلة حَتَّى يتثبت، وَلذَلِك قَالَ: و " هُوَ أشده عَليّ ".
وَقَوله: " فَيفْصم عني " أَي يقْلع عني وينجلي مَا يَغْشَانِي مِنْهُ، وَأَصله من الفصم: وَهُوَ الْقطع.
وَقَوْلها: وَإِن جَبينه. للْإنْسَان جبينان والجبهة بَينهمَا. وَقد سبق هَذَا.
وَقَوله: ليتفصد: بِمَعْنى يسيل عرقا كَمَا يفصد الْعرق.
وَكَانَ ﷺ يلقى مشقة شَدِيدَة لثقل مَا يلقى عَلَيْهِ من الْقُرْآن، فيعتريه مَا يعتري المحموم، وَكَانَ ذَلِك من هَيْبَة الْكَلَام وتعظيم الْمُتَكَلّم، وَجمع الْفَهم للوعي، وَخَوف التحريف لنَقص الْعُقُول، من غير قصد. وَقد خوف من هَذَا بقوله: ﴿وَلَو تَقول علينا بعض الأوقاويل﴾ [الحاقة: ٤٤] إِلَى غير ذَلِك من الْأُمُور المزعجة الَّتِي تضعف عَن إطاقتها البشرية.
٢٥٠١ - / ٣٢٠٣ - وَفِي الحَدِيث السِّتين: أُتِي رَسُول الله ﷺ بصبي فَبَال على ثَوْبه، فَدَعَا بِمَاء فَأتبعهُ إِيَّاه، وَفِي لفظ: فَلم يغسلهُ.
معنى أتبعه إِيَّاه: رَمَاه عَلَيْهِ على سَبِيل الرش. وَهَذَا الصَّبِي لم يكن أكل الطَّعَام، وَسَيَأْتِي ذَلِك فِي مُسْند أم قيس مُبينًا، وَأَنه دَعَا بِمَاء فنضحه وَلم يغسلهُ. وَالْمرَاد أَنه رشه عَلَيْهِ.
وَعِنْدنَا أَنه يرش بَوْل الْغُلَام الَّذِي لم يَأْكُل الطَّعَام خلافًا لأبي حنيفَة وَمَالك فِي قَوْلهمَا: يغسل. وَالْحَدِيثَانِ حجَّة عَلَيْهِمَا.
стр. 1996
وَلَيْسَ المُرَاد بِالطَّعَامِ كل مَا يطعم، وَإِنَّمَا هُوَ الْقُوت الْمَعْرُوف من حِنْطَة أَو شعير أَو مَا يقوم مقامهما من الْحبّ، وَإِلَّا فهم كَانُوا يحنكون الصَّبِي يَوْم وِلَادَته بِالتَّمْرِ.
وَقد سبق مَا بعد هَذَا إِلَى:
٢٥٠٢ - / ٣٢٠٦ - الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ: وَفِيه: " فَإِن الله تَعَالَى لَا يمل حَتَّى تملوا ".
وَسبق أَن مَعْنَاهُ لَا يمل وَإِن مللتم.
٢٥٠٣ - / ٣٢٠٨ - وَقد سبق بَيَان الْخَامِس وَالسِّتِّينَ فِي مُسْند جَابر ابْن عبد الله.
٢٥٠٤ - / ٣٢٠٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ: لما بدن رَسُول الله ﷺ وَثقل كَانَ أَكثر صلَاته جَالِسا.
قَالَ أَبُو عبيد: بدن الرجل تبدينا: إِذا أسن، وَأنْشد:
(وَكنت خلت الشيب والتبدينا ... والهم مِمَّا يذهل القرينا)
قَالَ فَأَما: بدنت فَمن كَثْرَة اللَّحْم، وَلَيْسَ هَذَا من صِفَاته، وَإِنَّمَا
стр. 1997
يُقَال فِي صِفَاته: رجل بَين رجلَيْنِ، جِسْمه ولحمه.
وَقد حكى الْخطابِيّ أَن قوما يَرْوُونَهُ: بدن، خَفِيفَة. قلت: وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء: أما من جِهَة الراوية فالتشديد ضبط الْمُحَقِّقين، وَهُوَ الَّذِي ضَبطه لنا أشياخنا فِي كتاب أبي عبيد وَغَيره. وَأما من جِهَة الْمَعْنى فَمَا كَانَت كَثْرَة اللَّحْم من صِفَاته كَمَا قَالَ أَبُو عبيد. وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْمسند أَنه كثر لَحْمه، وسترى الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَوْلها: كَانَ يُصَلِّي قَاعِدا بَعْدَمَا حطمه النَّاس. هَذَا كِنَايَة عَن كبره فيهم، يُقَال: حطم فلَانا أَهله: إِذا كبر فيهم كَأَنَّهُمْ بِمَا حملوه من أثقالهم صيروه شَيخا محطوما. وَقد جَاءَ فِي بعض الحَدِيث: من بعد مَا حطمته السن.
٢٥٠٥ - / ٣٢١١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ: مَا ترك رَسُول الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر عِنْدِي قطّ.
ذكر فِيهِ أَبُو سُلَيْمَان وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا دون الْخلق، قَالَ ابْن عقيل: لَا وَجه إِلَّا هَذَا الْوَجْه، لِأَنَّهُ قد نهى عَن الصَّلَاة بعد الْعَصْر، وَكَانَ مَخْصُوصًا بِجَوَاز ذَلِك كَمَا خص بالوصال. وَالثَّانِي: أَنه فَاتَتْهُ يَوْمًا رَكعَتَا الظّهْر فقضاهما بعد الْعَصْر، وَكَانَ إِذا فعل فعلا لم يقطعهُ بعد ذَلِك فواظب عَلَيْهَا. وَفِيه أَن النَّوَافِل تقضى.
стр. 1998
وَقد سبق مَا بعد هَذَا إِلَى:
٢٥٠٦ - / ٣٢١٥ - الحَدِيث الثَّانِي وَالسبْعين: وَفِيه: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " مروا أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ " قَالَت عَائِشَة: إِن أَبَا بكر إِذا قَامَ فِي مقامك لم يسمع النَّاس من الْبكاء فَمر عمر، فَقَالَ: " مروا أَبَا بكر ".
أما اجْتِهَاد عَائِشَة فِي أَلا يتَقَدَّم أَبُو بكر فَلهُ وَجْهَان: أَحدهمَا مَذْكُور فِي الحَدِيث، وَهُوَ قَوْلهَا: كنت أرى أَلا يقوم مقَامه أحد إِلَّا تشاءم النَّاس بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا علمت أَن النَّاس قد علمُوا أَن أَبَا بكر يصلح لخلافة رَسُول الله ﷺ ، فَإِذا رَأَوْهُ استشعروا موت رَسُول الله ﷺ ، بِخِلَاف غَيره.
والأسيف: السَّرِيع الْحزن والبكاء، وَهُوَ الأسوف أَيْضا.
وَقَوله: " هريقوا " بِمَعْنى أريقوا عَليّ.
والوكاء: السّير أَو الْخَيط الَّذِي يشد بِهِ رَأس الْقرْبَة أَو الصرة.
وَأما حصر الْعدَد بالسبع، فَلِأَن السَّبع تكْثر على أَلْسِنَة الْعَرَب وتتردد فِي كثير من أُمُور الشَّرْع، كالطواف، وَالسُّجُود على سَبْعَة أَعْضَاء.
وَإِنَّمَا طلب صب المَاء عَلَيْهِ لِأَن الْمَرِيض فِي بعض الْأَمْرَاض إِذا صب عَلَيْهِ المَاء الْبَارِد رجعت قوته إِلَيْهِ. فَأَما اشْتِرَاطه أَن تكون مَا حلت فَيحْتَمل ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: التَّبَرُّك بِذكر الله تَعَالَى عِنْد شدها وحلها. وَالثَّانِي طَهَارَة المَاء؛ إِذْ لم تمسه بعد يَد. وَالثَّالِث: أَن يكون على برودته لم يسخن بحرارة الْهَوَاء.
стр. 1999
والمخضب كالإجانة.
وَقَوْلها: لينوء: أَي ليقوم.
وَقد اخْتلف النَّاس فِي مُدَّة الْأَيَّام الَّتِي مَرضهَا رَسُول الله ﷺ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: اثْنَا عشر يَوْمًا. وَالثَّانِي: أَرْبَعَة عشر.
وَفِي عدد الصَّلَوَات الَّتِي صلى أَبُو بكر بِالنَّاسِ قَولَانِ: أَحدهمَا: سبع عشرَة صَلَاة. وَالثَّانِي: ثَلَاثَة أَيَّام.
وَقد بَينا فِي مُسْند سهل بن سعد كَيفَ غير رَسُول الله ﷺ نِيَّة الْإِمَامَة. وَقد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أبي مُوسَى وَابْن عمر أَيْضا.
٢٥٠٧ - / ٣٢١٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين: كَانَ رَسُول الله ﷺ يسْأَل فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَيَقُول: أَيْن أَنا غَدا؟ أَيْن أَنا غَدا؟ يُرِيد يَوْم عَائِشَة.
وَفِي هَذَا دَلِيل على فَضلهَا وَشدَّة حبه إِيَّاهَا. وَفِي لفظ لم يذكرهُ الْحميدِي قَالَت عَائِشَة: إِن كَانَ ليتعذر فِي مَرضه: " أَيْن أَنا غَدا؟ " استبطاء ليَوْم عَائِشَة قَالَ الْخطابِيّ: التَّعَذُّر يجْرِي مجْرى التمنع والتعسر، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
стр. 2000
(وَيَوْما على ظهر الْكَثِيب تَعَذَّرَتْ ... عَليّ وآلت حلفة لم تحلل)
والنحر: مَوضِع القلادة. وَالسحر: مَا لصق بالحلقوم. والمريء: من أَعلَى الْبَطن. قَالَ أَبُو عبيد: السحر: مَا يتَعَلَّق بالحلقوم. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: السحر عِنْد الْعَرَب الرئة وَمَا يتَعَلَّق بهَا، وَفِيه ثَلَاث لُغَات: سحر، وسحر، وسحر.
والسواك مكسور السِّين. ويستن: يستاك.
وَقَوْلها: فأبده بَصَره: أَي أتبعه بَصَره، كَأَنَّهُ أعطَاهُ بدة من بَصَره: أَي حظا، والبدة: الْحَظ والنصيب.
وَقَوْلها: فقضمته: أَي لينت مِنْهُ مَا اشْتَدَّ، من قَوْلهم: قضمت الدَّابَّة شعيرها. وَبَعض الْمُحدثين يَقُول: فقضمته بالصَّاد الْمُهْملَة، والقصم: الْكسر، وَالضَّاد أصح.
وَأما الحاقنة فَقَالَ أَبُو عبيد: كَانَ أَبُو عَمْرو يَقُول: هِيَ النقرة الَّتِي بَين الترقوة وحبل العاتق، وهما حاقنتان، والذاقنة طرف الْحُلْقُوم وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: الحاقنة: نقرة الترقوة: والذاقنة مَا يَنَالهُ الذقن من الصَّدْر.
والعلبة: قدح ضخم من خشب يحلب فِيهِ
следующие страницы →