Полный текст (2 175 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
السبط الْأَكْبَر - يَعْنِي ابْن الْحسن بن عَليّ، ثمَّ يملك بعدهمْ خَمْسَة رجال من ولد السبط الْأَصْغَر، ثمَّ يُوصي آخِرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الْأَكْبَر فَيملك، ثمَّ يملك بعده وَلَده، فَيتم بذلك اثْنَا عشر ملكا كل وَاحِد مِنْهُم إِمَام مهْدي. قَالَ ابْن الْمُنَادِي: وَوجدنَا فِي رِوَايَة أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه ذكر الْمهْدي فَقَالَ: اسْمه مُحَمَّد بن عبد الله، وَهُوَ رجل ربعَة مشرب حمرَة، يفرج الله بِهِ عَن هَذِه الْأمة كل كرب، وَيصرف بعدله كل جور، ثمَّ يَلِي الْأَمر بعده اثْنَا عشر رجلا خمسين وَمِائَة، فستة من ولد الْحسن، وَوَاحِد من ولد عقيل بن أبي طَالب، وَخَمْسَة من ولد الْحُسَيْن، ثمَّ يَمُوت فَيفْسد الزَّمَان وَيعود الْمُنكر. قَالَ: وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: يكون اثْنَا عشر مهديا، ثمَّ ينزل روح الله فَيقْتل الدَّجَّال. قَالَ: وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بقوله " لَا مهْدي إِلَّا عِيسَى " يَعْنِي لَا نَبِي يظْهر سواهُ.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَنه أَرَادَ وجود اثْنَي عشر خَليفَة فِي جَمِيع مُدَّة الْخلَافَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة يعلمُونَ بِالصَّوَابِ وَإِن لم تتوال أيامهم، فقد يكون الرجل عادلا، وَيَأْتِي بعده من يجور، ثمَّ يَأْتِي بعد مُدَّة من يعدل، فَيتم عدل الاثْنَي عشر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَيدل على هَذَا الْوَجْه مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَزاز قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد ابْن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد بن عمر الْمُقْرِئ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الشَّافِعِي قَالَ: حَدثنَا معَاذ بن الْمثنى قَالَ:
стр. 457
حَدثنَا مُسَدّد قَالَ: حَدثنَا يحيى بن أبي يُونُس قَالَ: حَدثنَا أَبُو بَحر أَن أَبَا المجلد حَدثهُ وَحلف عَلَيْهِ: أَنه لَا تهْلك هَذِه الْأمة حَتَّى يكون فِيهَا اثْنَا عشر خَليفَة كلهم يعْمل بِالْهدى وَدين الْحق، مِنْهُم رجلَانِ من أهل بَيت النَّبِي ﷺ ، يعِيش أحدهم أَرْبَعِينَ سنة والأخر ثَلَاثِينَ سنة.
وَأما الْأَسْلَمِيّ فَهُوَ مَاعِز.
والعصبة والعصابة: الْجَمَاعَة.
وَالْبَيْت الْأَبْيَض قصر كسْرَى، وَكَانَ مَبْنِيا بالجص، وَكَانَت فِيهِ أَمْوَال عَظِيمَة، فروينا فِي الْفتُوح أَن سعد بن أبي وَقاص خَاضَ بِأَصْحَابِهِ دفتيه وَهِي تطفح - إِلَى ولد كسْرَى، فَمَا بلغ المَاء إِلَى حزَام الْفرس، وَمَا ذهب للْمُسلمين شَيْء، إِلَّا أَن قدحا وَقع وَأَخذه رجل برمحه من المَاء، فَعرفهُ صَاحبه فَأَخذه، ووجدوا قبابا مَمْلُوءَة سلالا فِيهَا آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، ووجدوا كافورا فظنوه ملحا فعجنوا بِهِ فوجدوا مرارته فِي الْخبز، فَكَانَ فِي بيُوت أَمْوَال كسْرَى ثَلَاثَة آلَاف ألف ألف ثَلَاث مَرَّات.
٤٢٨ - / ٥٢١ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" لينتهين أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة أَو لَا يرجع إِلَيْهِم ".
لما كَانَ الْمَأْخُوذ على المتعبد فِي الصَّلَاة أَن يخشع، والخشوع: التذلل والتواضع، ناسب هَذَا الْوَعيد سوء الْأَدَب.
стр. 458
٤٢٩ - / ٥٢٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " مَالِي أَرَاكُم رافعي أَيْدِيكُم كَأَنَّهَا أَذْنَاب خيل شمس، اسكنوا فِي الصَّلَاة " ثمَّ خرج علينا فرآنا حلقا فَقَالَ: " مَالِي أَرَاكُم عزين؟ ".
الشَّمْس جمع شموس: وَهُوَ من الدَّوَابّ الَّذِي لَا يكَاد يسْتَقرّ. وَقد احْتج بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة بِهَذَا الحَدِيث فِي مَنعهم رفع الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوع وَعند الرّفْع مِنْهُ، وَلَيْسَ لَهُم فِيهِ حجَّة؛ لِأَنَّهُ قد رُوِيَ مُفَسرًا بعد حديثين، قَالَ جَابر: صلينَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فَكُنَّا إِذا سلمنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَام عَلَيْكُم، السَّلَام عَلَيْكُم، فَنظر إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " مَا شَأْنكُمْ تشيرون بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَاب خيل شمس؟ إِذا سلم أحدكُم فليلتفت إِلَى صَاحبه وَلَا يُومِئ بِيَدِهِ " فَبَان بِهَذَا أَنه لَيْسَ لرفع الْأَيْدِي للتكبير.
وَالْحلق جمع حَلقَة: وَهِي الْجَمَاعَة المستديرة.
قَالَ الْفراء: والعزون الْحلق، الْجَمَاعَات، وَاحِدهَا عزه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عزين جمع عزة، مثل ثبة وثبين، فَهِيَ جماعات فِي تَفْرِقَة. وَقيل: الأَصْل فِي الِاسْم أَن كل جمَاعَة كَانَ اعتزاؤها وَاحِدًا فَهِيَ عزة.
وَقَوله: " وتتراصون فِي الصَّفّ " أَي تتضامون فِيهِ.
стр. 459
٤٣٠ - / ٥٢٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أتوضأ من لُحُوم الْإِبِل؟ قَالَ: " نعم، فَتَوَضَّأ من لُحُوم الْإِبِل " قَالَ: أُصَلِّي فِي مرابض الْغنم؟ قَالَ: " نعم ". قَالَ: أُصَلِّي فِي مبارك الْإِبِل؟ قَالَ: " لَا ".
فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على وجوب الْوضُوء على من أكل لحم الْجَزُور، وَبِه قَالَ من الصَّحَابَة جَابر بن سَمُرَة رَاوِي هَذَا الحَدِيث، وَمن الْفُقَهَاء يحيى بن يحيى، وَابْن رَاهَوَيْه، وَدَاوُد، وَهُوَ أظهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، خلافًا لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. فَأَما إِذا شرب من لَبنهَا أَو أكل من كَبِدهَا أَو طحالها فَهَل ينْتَقض وضوءه؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد.
ومرابض الْغنم: مَوَاضِع ربوضها. ومبارك الْإِبِل: مَوضِع بروكها، والبرك فِي اللُّغَة الصَّدْر، وَإِنَّمَا قيل: برك الْبَعِير لوُقُوعه على صَدره، وَالْمرَاد بمباركها أَمَاكِن إِقَامَتهَا. وَظَاهر هَذَا أَن الصَّلَاة فِيهَا لَا تصح، وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: تكره وَتَصِح، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ.
٤٣١ - / ٥٢٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " ثمَّ يسلم على أَخِيه من على يَمِينه وشماله ".
عندنَا أَنه يَنْوِي بِالسَّلَامِ الْخُرُوج من الصَّلَاة، فَيحمل هَذَا الْكَلَام
стр. 460
على معنى: ثمَّ يسلم كَمَا يسلم على أَخِيه: وَعند أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يَنْوِي السَّلَام على الْمَلَائِكَة والمأمومين. وَنحن نقُول: مَتى نوى هَذَا وَلم ينْو الْخُرُوج من الصَّلَاة كره لَهُ، إِلَّا أَن أَحْمد نَص على أَنَّهَا لَا تبطل. وَقَالَ ابْن حَامِد: تبطل، وَاخْتلف أَصْحَابنَا: هَل تجب نِيَّة الْخُرُوج من الصَّلَاة؟ على وَجْهَيْن.
٤٣٢ - / ٥٢٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " إِن الله تَعَالَى سمى الْمَدِينَة طابة ".
قَالَ ابْن فَارس: طابة وطيبة من الطّيب، وَذَلِكَ أَنَّهَا طهرت من الشّرك، وكل طَاهِر طيب، وَلذَلِك يُسمى الِاسْتِنْجَاء استطابة، لِأَن الْإِنْسَان تطيب نَفسه من الْخبث.
٤٣٣ - / ٥٢٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: رَأَيْت ماعزا حِين جِيءَ بِهِ وَهُوَ أعضل.
الأعضل: الْكثير اللَّحْم، مَأْخُوذ من العضلة: وَهِي اللحمة الصلبة فِي العصب.
والأخر: على فعل الْمُدبر المتخلف، وَهَذَا يُقَال فِي السب والشتم: أبعد الله الْأُخَر.
فرجمه: أَي ضربه بِالرَّجمِ، وَالرَّجم: الْحِجَارَة، وَفِي الحَدِيث:
стр. 461
" لَا ترجموا قَبْرِي " أَي لَا تدعوا عَلَيْهِ الْحِجَارَة، دَعوه مستويا.
وَقَوله: " خلف أحدهم " أَي بَقِي بَعدنَا.
وَقَوله: " لَهُ نبيب كنبيب التيس " نبيبه صَوته عِنْد السفاد.
وَقَوله: " يمنح أحدهم " أَي يُعْطي " الكثبة " وَهِي الْقَلِيل من اللَّبن.
وَقَوله: " لأنكلنه عَنْهُن " النكال: الْعقُوبَة، وَالْمعْنَى لأعاقبنه ليرْجع عَنْهُن.
وَقَوله فَرده مرَّتَيْنِ - وروى: أَرْبعا. من روى أَرْبعا فقد زَاد، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مُقَدّمَة. وَعِنْدنَا أَنه لَا يجب حد الزِّنَا إِلَّا بِالْإِقْرَارِ أَربع مَرَّات. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: إِذا أقرّ مرّة وَاحِدَة حد. وَأَبُو حنيفَة يوافقنا فِي الْأَرْبَع إِلَّا أَنه يَقُول: يحْتَاج الْإِقْرَار أَن يكون فِي أَرْبَعَة مجَالِس مُتَفَرِّقَة، فَلَو أقرّ عَن يَمِين الْحَاكِم ويساره وأمامه ووراءه كَانَت أَرْبَعَة مجَالِس، وَعِنْدنَا أَنه يَصح الْإِقْرَار فِي مجْلِس وَاحِد. فَأَما إِذا ثَبت الزِّنَا بالشهود فعندنا أَن الْمجْلس الْوَاحِد شَرط فِي اجْتِمَاع الشُّهُود وَأَدَاء الشَّهَادَة، فَإِذا جمعهم مجْلِس وَاحِد سَمِعت شَهَادَتهم وَإِن جَاءُوا مُتَفَرّقين، ووافقنا أَبُو حنيفَة وَمَالك أَن الْمجْلس الْوَاحِد شَرط لكنهما قَالَا: هُوَ شَرط فِي مجيئهم مُجْتَمعين، فَإِن جَاءُوا مُتَفَرّقين فِي مجْلِس وَاحِد حدوا. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَيْسَ الْمجْلس الْوَاحِد شرطا فِي اجْتِمَاعهم وَلَا فِي مجيئهم، وَمَتى شهدُوا بِالزِّنَا مُتَفَرّقين وَجب الْحَد على الزَّانِي، فَإِذا لم يكمل عدد الشُّهُود فَإِنَّهُم قذفة يحدون عندنَا وَعند أبي حنيفَة وَمَالك، خلافًا لأحد
стр. 462
قولي الشَّافِعِي: إِنَّهُم لَا يحدون.
٤٣٤ - / ٥٢٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: كَانَ يخْطب قَائِما ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم فيخطب.
أما خطْبَة الْجُمُعَة فَإِنَّهَا شَرط فِي صِحَة الْجُمُعَة عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء خلافًا لداود، وَأما الْقيام فِي الْخطْبَتَيْنِ وَالْجُلُوس بَينهمَا فَسنة عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد، وَعند الشَّافِعِي أَن ذَلِك شَرط فِي صِحَّتهَا فَلَا تجزي مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام، وَإِن ترك الْقعُود بَينهمَا لم تجز الْخطْبَة، فَإِن كَانَ مَرِيضا خطب جَالِسا وَفصل بَين الْخطْبَتَيْنِ بسكته.
٤٣٥ - / ٥٣٠ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: كَانَت صلَاته قصدا وخطبته قصدا.
الْقَصْد: بَين الطول وَالْقصر.
٤٣٦ - / ٥٣٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: كَانَ بِلَال يُؤذن إِذا دحضت الشَّمْس.
يَعْنِي زَالَت.
٤٣٧ - / ٥٣٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: كَانَ إِذا صلى الْفجْر
стр. 463
جلس فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تطلع الشَّمْس حسناء.
الَّذِي قرأناه على مَشَايِخنَا حسناء على وزن فعلاء، وَإِنَّمَا تظهر حَسَنَة إِذا أخذت فِي الِارْتفَاع، فَحِينَئِذٍ يتكامل ضوءها وَيحسن. ورأيته بِخَط أبي عبد الله الْحميدِي: حسنا منونا، يُرِيد: طلوعا حسنا. وَفِي فعله هَذَا فَائِدَتَانِ: إِحْدَاهمَا: الْجُلُوس للذّكر فَإِنَّهُ وَقت شرِيف، وَقد جَاءَت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الذّكر فِي ذَلِك الْوَقْت. وَالثَّانيَِة: أَنه لما تعبد الْإِنْسَان لله قبل طُلُوع الشَّمْس لَازم مَكَان التَّعَبُّد إِلَى أَن تَنْتَهِي حركات الساجدين للشمس إِذا طلعت.
٤٣٨ - / ٥٣٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ الْعِيدَيْنِ بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة.
إِنَّمَا كَانَ هَذَا لأحد أَمريْن: إِمَّا لتمييز مَا هُوَ فرض عَن غَيره، كَمَا أَن صَلَاة الْكُسُوف لما كَانَت سنة نُودي لَهَا: الصَّلَاة جَامِعَة، لتمييز الْفَرَائِض العينية. وَالثَّانِي: أَن الْأَذَان وَالْإِقَامَة للإعلام بِالصَّلَاةِ، والعيد إِنَّمَا يُقَام فِي الصَّحرَاء لَا عِنْد الْبيُوت، فَالَّذِينَ يقصدونها قد خَرجُوا والمتأخرون لَا يسمعُونَ الْأَذَان فِي أغلب الْمَوَاضِع، فَلم يكن فِيهِ فَائِدَة.
٤٣٩ - / ٥٣٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: صلى رَسُول الله ﷺ على ابْن الدحداح.
اسْم هَذَا الرجل ثَابت بن الدحداح، وَيُقَال الدحداحة، ويكنى
стр. 464
أَبَا الدحداح، وَهُوَ من الْأَنْصَار، وَقد اخْتلف الروَاة فِي مَوته، فَقَالَ بَعضهم: قتل يَوْم أحد فِي المعركة. وَقَالَ آخَرُونَ: بل جرح وبرأ ثمَّ مَاتَ على فرَاشه مرجع رَسُول الله ﷺ من الْحُدَيْبِيَة، وَهَذَا أصح لهَذَا الحَدِيث.
وَقَوله: ثمَّ أُتِي بفرس عري - أَي عُرْيَان، وَكَذَلِكَ معرورى.
فعقله رجل: أَي أمْسكهُ لَهُ حَتَّى رَكبه، فَجعل يتوقص بِهِ. قَالَ أَبُو عبيد: التوقص أَن يقصر عَن الخبب ويمرح عَن الْعُنُق وينقل قوائمه نقل الخبب، غير أَنَّهَا أقرب قدرا فِي الأَرْض.
والعذق بِفَتْح الْعين: النَّخْلَة، وبكسرها: الكباسة، وَالْمرَاد هَاهُنَا الكباسة؛ لِأَنَّهُ قَالَ: " مُعَلّق أَو مدلى ".
والرداح: الثقيل بِحمْلِهِ، وَمِنْه امْرَأَة رداح: إِذا كَانَت ثَقيلَة الْأَوْرَاك.
وَكَانَ هَذَا الرجل لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤٥] تصدق ببستان لَهُ فِيهِ سِتّمائَة نَخْلَة، وَكَانَ أَهله فِيهِ، فجَاء فَقَالَ: يَا أم الدحداح، اخْرُجِي فقد أَقْرَضته رَبِّي ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " كم من عذق رداح فِي الْجنَّة لأبي الدحداح " فَكَأَنَّهُ ﵇ أعَاد ذَلِك عِنْد موت هَذَا الرجل.
٤٤٠ - / ٥٣٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: أُتِي النَّبِي ﷺ بِرَجُل قتل نَفسه بمشاقص فَلم يصل عَلَيْهِ.
стр. 465
المشاقص جمع مشقص، وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ قوم: هُوَ سهم فِيهِ نصل عريض، وَقَالَ قوم: هُوَ اسْم لنصل السهْم إِذا كَانَ طَويلا، فَإِن كَانَ عريضا فَهُوَ المعبلة.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن الإِمَام لَا يُصَلِّي على من قتل نَفسه، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل خلافًا للباقين.
٤٤١ - / ٥٤٠ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: " أَلا إِنِّي فرط لكم على الْحَوْض، كَأَن الأباريق فِيهِ النُّجُوم ".
وَقد سبق بَيَان الفرط وَأَنه الْمُتَقَدّم إِلَى المَاء.
والأباريق جمع إبريق، وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الإبريق فَارسي مُعرب، وترجمته من الفارسية أحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا أَن يكون طَرِيق المَاء، أَو صب المَاء على هينة، وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَدِيما، قَالَ عدي بن زيد:
(ودعا بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يَمِينهَا إبريق)
وَأما شبه الأباريق بالنجوم لكثرتها، وَإِنَّمَا كثرت فِيهِ لِئَلَّا يقف شَارِب لانتظار آخر
٤٤٢ - / ٥٤١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: كَأَنَّمَا أخرج يَده من
стр. 466
جونة عطار.
الجونة: وعَاء يَجْعَل فِيهِ الطّيب وَغَيره وَجَمعهَا جون.
وَهَذَا الحَدِيث يتَضَمَّن كَثْرَة اسْتِعْمَال رَسُول الله ﷺ للطيب.
٤٤٣ - / ٥٤٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: كَانَ رَسُول الله ﷺ ضليع الْفَم.
أَي وَاسع الْفَم، وَالْعرب تمدح بذلك لأجل التَّمَكُّن من الْكَلَام.
وَقَوله: أشكل الْعين، قد فسر فِي الحَدِيث أَنه طَوِيل شقّ الْعين. وَقد قيل: الشكلة فِي الْعين حمرَة فِي سوادها، وَقيل: حمرَة فِي بياضها.
وَقَوله: منهوس الْعقب، وَقد فسر فِي الحَدِيث أَنه قَلِيل لحم الْعقب، وَفِي الْعقب لُغَتَانِ: كسر الْقَاف وتسكينها. قَالَ الْأَصْمَعِي: الْعقب اسْم لما أصَاب الأَرْض من مُؤخر الرجل إِلَى مَوضِع الشرَاك.
٤٤٤ - / ٥٤٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: كَانَ رَسُول الله ﷺ قد شمط مقدم رَأسه ولحيته، وَكَانَ إِذا ادهن لم يتَبَيَّن، وَإِذا شعث رَأسه تبين.
стр. 467
قد سبق معنى الشمط، وَأَنه اخْتِلَاط الْبيَاض بِالسَّوَادِ.
والشعث: تلبد شعر الرَّأْس وتغيره إِذا بعد عَنهُ الدّهن والمشط.
قَوْله: وَرَأَيْت الْخَاتم، كَانَ الْخَاتم غُدَّة من اللَّحْم عَلَيْهَا شَعرَات. أخبرنَا عمر بن أبي الْحسن البسطامي قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن أبي مَنْصُور الخليلي قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد الْخُزَاعِيّ قَالَ: أخبرنَا الْهَيْثَم بن كُلَيْب الشَّاشِي قَالَ: حَدثنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة قَالَ: حَدثنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن الْجَعْد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: سَمِعت السَّائِب بن يزِيد يَقُول: ذهبت بِي خَالَتِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِن ابْن أُخْتِي وجع، فَمسح رَأْسِي، ودعا لي بِالْبركَةِ، وَقمت وَرَاء ظَهره فَنَظَرت إِلَى الْخَاتم بَين كَتفيهِ فَإِذا هُوَ مثل زر الحجلة.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَحدثنَا سعيد بن يَعْقُوب الطَّالقَانِي قَالَ: حَدثنَا أَيُّوب بن جَابر عَن سماك بن حَرْب عَن جَابر بن سَمُرَة قَالَ: رَأَيْت الْخَاتم بَين كَتِفي رَسُول الله ﷺ غُدَّة حَمْرَاء مثل بَيْضَة الْحَمَامَة.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَحدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَاصِم قَالَ: حَدثنَا عزْرَة بن ثَابت قَالَ: حَدثنِي علْبَاء بن أَحْمَر قَالَ: حَدثنِي أَبُو زيد بن أَخطب قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : " يَا أَبَا زيد، ادن
стр. 468
مني فامسح ظَهْري " فمسحت ظَهره فَوَقَعت أصابعي على الْخَاتم، ثمَّ قلت: وَمَا الْخَاتم؟ قَالَ شَعرَات مجتمعات.
وَقَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: كَانَ الْخَاتم بضعَة نَاشِزَة.
стр. 469
كشف الْمُشكل من مُسْند سُلَيْمَان بن صرد
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسَة عشر حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حديثان.
٤٤٥ - / ٥٤٤ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي ﷺ ورجلان يستبان وَأَحَدهمَا قد احمر وَجهه وَانْتَفَخَتْ أوداجه.
الْأَوْدَاج جمع ودج، وَإِنَّمَا هما ودجان، وهما العرقان اللَّذَان يقطعهما الذَّابِح، وَأما ذكرهمَا بِلَفْظ الْجمع فَلَا يَخْلُو أَن يكون على لُغَة من يُوقع الْجمع على التَّثْنِيَة، كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٧٨] أَو لِأَن كل قِطْعَة من الودج تسمى ودجا، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: " كَانَ أَزجّ الحواجب ".
قَوْله: " أعوذ بِاللَّه " معنى أعوذ: ألجأ وألوذ. وَقد سبق معنى الشَّيْطَان.
стр. 470
وَفِي الرَّجِيم قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الملعون، قَالَه قَتَادَة. وَالثَّانِي: أَنه فعيل بِمَعْنى مفعول، مثل قَتِيل بِمَعْنى مقتول، فَهُوَ المرجوم، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، فَإِنَّمَا يرْجم بالنجوم.
وَقد أَفَادَ هَذَا الحَدِيث أَنه يَنْبَغِي أَن يلجأ إِلَى الله تَعَالَى من الشَّيْطَان الَّذِي يغري بالسب وَيُقَوِّي الْغَضَب للنَّفس.
٤٤٦ - / ٥٤٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَنه قَالَ حِين أجلى الْأَحْزَاب عَنهُ: " الْآن نغزوهم وَلَا يغزونا، نَحن نسير إِلَيْهِم ".
أجلى الْأَحْزَاب: انصرفوا.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على صدق نبوة نَبينَا عَلَيْهِ اسلام؛ لِأَن الْقَوْم بعد غزَاة الْأَحْزَاب لم يَأْتُوا لقِتَال، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يخرج إِلَيْهِم، وَخرج لفتح مَكَّة فَدَخلَهَا قاهرا.
стр. 471
كشف الْمُشكل من مُسْند عُرْوَة الْبَارِقي
هَذَا الرجل يُقَال لَهُ عُرْوَة بن الْجَعْد، وَيُقَال: ابْن أبي الْجَعْد. وَفِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ خلق كثير على هَذَا الْفَنّ، فَمن الصَّحَابَة أَوْس بن أَوْس الثَّقَفِيّ، وَيُقَال: ابْن أبي أَوْس، وَبشر بن أَرْطَأَة، وَيُقَال ابْن أبي أَرْطَأَة، وَعبد الرَّحْمَن بن عميرَة، وَيُقَال: ابْن أبي عميرَة، وَعبد الرَّحْمَن بن عَلْقَمَة، وَيُقَال ابْن أبي عَلْقَمَة. وَفِي التَّابِعين من بعدهمْ خلق كثير قد أحصيتهم فِي كتابي الْمُسَمّى بالتلقيح.
وَجُمْلَة مَا روى عَن النَّبِي ﷺ ثَلَاثَة عشر حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث وَاحِد:
٤٤٧ - / ٥٤٦ - " الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر " وَقد فسرناه فِي مُسْند جرير، وَقد رَوَاهُ البرقاني فَزَاد فِيهِ: " الْإِبِل عز لأَهْلهَا، وَالْغنم بركَة " وَذَلِكَ لِأَن الْعَرَبِيّ يشرف قدره بَينهم بِكَثْرَة مَاله، وأنفس أَمْوَالهم عِنْدهم الْإِبِل، وَالْبركَة فِي الْغنم من جِهَة أَلْبَانهَا وَأَوْلَادهَا.
стр. 472
كشف الْمُشكل من مُسْند عمرَان بن حُصَيْن
أسلم قَدِيما، وروى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة وَثَمَانِينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أحد وَعِشْرُونَ حَدِيثا.
٤٤٨ - / ٥٤٧ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أسرينا مَعَ النَّبِي ﷺ .
وَقد بَينا فِي مُسْند أبي بكر أَن سرى وَأسرى لُغَتَانِ: وَهُوَ سير اللَّيْل.
وَقَوله: وقعنا وقْعَة لَا وقْعَة عِنْد الْمُسَافِر أحلى مِنْهَا. وَذَاكَ لِأَنَّهُ يكون قد أَخذ مِنْهُ السّير والسهر فيستلذ النّوم.
وَقَوله: وَكَانَ جليدا. يُقَال للرجل إِذا كَانَ قوي الْجِسْم أَو الْقلب: إِنَّه لجليد، وَجلد.
وَقَوله: " لَا ضير " أَي مَا جرى لَا يضر.
فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: " ارتحلوا " وَأخر الصَّلَاة، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ
стр. 473
من حَدِيث أنس عَنهُ أَنه قَالَ: " من نسي صَلَاة أَو نَام عَنْهَا فكفارتها أَن يُصليهَا إِذا ذكرهَا، لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِك "؟
فَالْجَوَاب: أَن يعْمل على حَدِيث أنس، وَأَنه لَا يجوز تَأْخِير الصَّلَاة عِنْد الذّكر والانتباه، وَأما ارتحاله عَن الْمَكَان فقد جَاءَ فِي الحَدِيث أَنه قَالَ: " إِن هَذَا الْوَادي بِهِ شَيْطَان فارتحلوا مِنْهُ " وَهَذَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاء.
فَإِن قيل: فَكيف ذهب الْوَقْت وَلم يشْعر بِهِ رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ: " وَلَا ينَام قلبِي "؟
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن ذَلِك خَاص فِي أَمر الْحَدث؛ لِأَن النَّائِم يكون مِنْهُ الْحَدث وَلَا يشْعر بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك رَسُول الله ﷺ . وَالثَّانِي: أَنه أعطي ذَلِك لأجل الْوَحْي فِي الْمَنَام، فَأَما معرفَة الْوَقْت، ورؤية الشَّمْس، فَذَلِك يدْرك بالبصر لَا بِالْقَلْبِ.
وَقَوله: بَين مزادتين. قَالَ أَبُو عبيد: المزادة هِيَ الَّتِي يسميها النَّاس الراوية، وَإِنَّمَا الرِّوَايَة الْبَعِير الَّذِي يستقى عَلَيْهِ.
وَقَوله: ونفرنا خلوف. قد سبق أَن النَّفر مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة.
стр. 474
والخلوف: الْغَيْب. وَقيل: الخلوف: الَّذين خَرجُوا يستقون المَاء، يُقَال: أخلف الرجل واستخلف: إِذا استقى المَاء، وأرادت أَنه لم يبْق فِي الْحَيّ إِلَّا النِّسَاء.
وَقَوْلها: الصَّابِئ، تَعْنِي الْخَارِج من دين قومه إِلَى غَيره. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: كل من خرج من دين إِلَى دين غَيره سمي صابئا، مهموزا، يُقَال: صَبأ الرجل: إِذا فعل ذَلِك. فَأَما الصابي بِلَا همز فَهُوَ الَّذِي يمِيل إِلَى الْهوى. يُقَال: صبا يصبو فَهُوَ صاب.
وَقَوله: وأوكأ أفواههما: أَي ربط الْعليا. والوكاء: اسْم لما يشد بِهِ من خيط وَنَحْوه. والعزالى: أَفْوَاه المزاد السُّفْلى، وَاحِدهَا عزلاء.
وأقلع عَنْهَا: تنحى عَنْهَا.
والعجوة: جنس من التَّمْر يكون بِالْمَدِينَةِ.
وَقَوله: " تعلمين " أَي اعلمي " مَا رزأنا " أَي مَا نقصنا.
وَقَوله: " أسقانا " أَي جعل لنا سقيا. قَالَ الْفراء: الْعَرَب مجتمعون على أَن يَقُولُوا: سقيت الرجل فَأَنا أسقيه: إِذا سقيته لشفته، فَإِذا أجروا للرجل نَهرا قَالُوا: أسقيته. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل مَا كَانَ من السَّمَاء فَفِيهِ لُغَتَانِ: أسقاه الله وسقاه، قَالَ لبيد:
(سقى قومِي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هِلَال)
فجَاء باللغتين. وَتقول: سقيت الرجل مَاء وَشَرَابًا، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا لُغَة وَاحِدَة: إِذا كَانَ فِي الشّفة، فَإِذا جعلت لَهُ شرابًا قلت: أسقيته،
стр. 475
وأسقيت أرضه وَإِبِله، فَلَا يكون غير هَذَا، وَكَذَلِكَ إِذا اسْتَسْقَيْت لَهُ، كَقَوْل ذِي الرمة:
(وقفت على رسم لمية نَاقَتي ... فَمَا زلت أبْكِي عِنْده وأخاطبه)
(وأسقيه حَتَّى كَاد مِمَّا أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه)
قَوْله: وَلَا يصيبون الصرم. قَالَ أَبُو عبيد: الصرم: الْفرْقَة من النَّاس لَيْسَ بالكثير، وَجمعه أصرام، قَالَ الطرماح:
(يَا دَار أقوت بعد أصرامها ... عَاما، وَمَا يبكيك من عامها)
وَقَوله: تكَاد تنضرج بِالْمَاءِ، يَعْنِي المزادتين، أَي تَنْشَق لِكَثْرَة امتلائها. والانضراج: الانشقاق، يُقَال: انضرج الْبَرْق وتضرج: أَي تشقق.
فَإِن قيل: كَيفَ استباحوا أَخذ المَاء الَّذِي مَعهَا؟
فَالْجَوَاب من أَرْبَعَة أوجه:
أَحدهَا: أَنَّهَا كَانَت كَافِرَة.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَو كَانَت مسلمة، ففداء نفس رَسُول الله ﷺ بأنفس أمته جَائِز.
وَالثَّالِث: أَن ضَرُورَة الْعَطش تبيح للْإنْسَان المَاء الْمَمْلُوك لغيره على عوض يُعْطِيهِ.
стр. 476
وَالرَّابِع: أَنهم لما جَاءُوا بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ أظهر معجزته فِي سقِِي أَصْحَابه من ذَلِك المَاء، ثمَّ رده وَلم ينقص شَيْئا.
٤٤٩ - / ٥٤٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أنزلت آيَة الْمُتْعَة فِي كتاب الله ففعلناها، قَالَ رجل بِرَأْيهِ مَا شَاءَ.
أما آيَة الْمُتْعَة فَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٦] وَقد سبق شرح معنى الْمُتْعَة فِي مُسْند عَليّ ﵇.
وَقَوله: قَالَ رجل بِرَأْيهِ مَا شَاءَ. قد ذكرنَا هُنَاكَ أَن عُثْمَان ﵇ كَانَ ينْهَى عَن الْمُتْعَة.
وَقَوله: " قد كَانَ يسلم عليّ " كَانَ عمرَان بن حُصَيْن قد سقِِي بَطْنه فَبَقيَ ثَلَاثِينَ سنة على ذَلِك، وَكَانَ يعرض عَلَيْهِ أَن يكتوي فيأبى، فروى مطرف عَنهُ أَن الْمَلَائِكَة كَانَت تسلم عَلَيْهِ. وروى عَنهُ قَتَادَة أَن الْمَلَائِكَة كَانَت تصافحه، فَلَمَّا اكتوى انْقَطع ذَلِك عَنهُ. وروى عَنهُ الْحسن أَنه قَالَ: اكتوينا فَمَا أفلحنا وَلَا أنجحنا. وَكَانَ هِشَام يُنكر هَذَا اللَّفْظ وَيَقُول: إِنَّمَا هُوَ فَمَا أفلحن وَلَا أنجحن، يَعْنِي المكاوي. فَلَمَّا ترك الكي عَاد التَّسْلِيم إِلَيْهِ، ثمَّ مَاتَ قَرِيبا من ذَلِك.
٤٥٠ - / ٥٤٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: عَن مطرف: صليت أَنا وَعمْرَان خلف عَليّ بن أبي طَالب، فَكَانَ إِذا سجد كبر، وَإِذا رفع كبر، وَإِذا
стр. 477
نَهَضَ من الرَّكْعَتَيْنِ كبر، فَقَالَ عمرَان: قد ذَكرنِي هَذَا صَلَاة مُحَمَّد ﷺ .
وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن التَّكْبِيرَات غير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَاجِبَة، لِأَنَّهُ وصف صَلَاة النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَدَاوُد، خلافًا للباقين فِي قَوْلهم إِنَّهَا سنة.
٤٥١ - / ٥٥٠ - الحَدِيث الرَّابِع: " أصمت من سرة هَذَا الشَّهْر شَيْئا؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَإِذا أفطرت فَصم يَوْمَيْنِ " وَفِي لفظ: " من سرر شعْبَان ".
سرر الشَّهْر وسراره وسراره: آخِره، وَسمي بذلك لِأَن الْهلَال يستسر، قَالَ الشَّاعِر:
(نَحن صبحنا عَامِرًا فِي دارها ... )
(جردا تعادى طرفِي نَهَارهَا ... )
(عَشِيَّة الْهلَال أَو سرارها ... )
وَأما سرته فظاهرها أَنَّهَا وسط الشَّهْر، فعلى هَذِه اللَّفْظَة تكون الْإِشَارَة إِلَى أَيَّام الْبيض، وعَلى بَاقِي الْأَلْفَاظ يشكل الْأَمر، لِأَنَّهُ قد نهى عَن اسْتِقْبَال رَمَضَان بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَن الْعلمَاء تأولوا ذَلِك فَقَالُوا: لَعَلَّه علم من ذَلِك الرجل أَن عَلَيْهِ نذرا نَذره فِي ذَلِك الْوَقْت،
стр. 478
فَلَمَّا فَاتَ أمره بِقَضَائِهِ. قَالَ أَبُو عبيد: لَا أعرف للْحَدِيث وَجها غير هَذَا. قَالَ الْخطابِيّ: يجوز أَن يكون لهَذَا الرجل عَادَة فَأمره أَن يحافظ على عَادَته. وَأما قَول بعض الروَاة: أَظُنهُ يَعْنِي رَمَضَان فخطأ؛ لِأَن رَمَضَان يتَعَيَّن صَوْمه جَمِيعه.
٤٥٢ - / ٥٥١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: عَن أبي الْأسود: قَالَ لي عمرَان: أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس، أَشَيْء قضي؟ قلت: نعم. قَالَ: أَفلا يكون ظلما؟ فَفَزِعت من ذَلِك، فَقَالَ: إِنِّي لم أرد بِمَا سَأَلتك إِلَّا لأحرز عقلك.
الكدح: السَّعْي وَالِاجْتِهَاد فِي الْعَمَل. وَقد نبه هَذَا الحَدِيث على سبر عقول الطالبين للْعلم لينْظر مبلغ فهمهم، وليحدثوا بِمَا تحتمله عُقُولهمْ.
والفجور: الْخُرُوج عَن الْحق والانبعاث فِي المناهي.
٤٥٣ - / ٥٥٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: خير أمتِي قَرْني.
قد سبق ذكر الْقرن فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
وَقَوله: " يشْهدُونَ وَلَا يستشهدون " إِن قَالَ قَائِل: كَيفَ الْجمع بَين هَذَا وَبَين حَدِيث زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " أَلا
стр. 479
أخْبركُم بِخَير الشُّهَدَاء؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يسْأَلهَا ".
فَالْجَوَاب أَن أَبَا عِيسَى التِّرْمِذِيّ ذكر عَن بعض أهل الْعلم أَن المُرَاد بِالَّذِي يشْهد وَلَا يستشهد شَاهد الزُّور، وَاسْتدلَّ بِحَدِيث عمر بن الْخطاب عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " يفشو الْكَذِب حَتَّى يشْهد الرجل وَلَا يستشهد " وَالْمرَاد بِحَدِيث زيد: الشَّاهِد على الشَّيْء، فَيُؤَدِّي شَهَادَته وَلَا يمْتَنع من إِقَامَتهَا.
وَقَوله: " وَيظْهر فِيهِ السّمن " وَذَلِكَ إِنَّمَا ينشأ من كَثْرَة الْمطعم وَقُوَّة الْغَفْلَة؛ لِأَن الْعَاقِل المتيقظ يمنعهُ خَوفه أَن يشْبع وَأَن يسمن.
وَقَوله: " ويحلفون وَلَا يستحلفون " هَذَا من قلَّة احترامهم لاسم الله ، وَقد كَانَ النَّاس يتورعون عَن الْحلف فِي الصدْق.
٤٥٤ - / ٥٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: " الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير ".
وَهَذَا لِأَن المستحيي منقبض عَن كثير من القَوْل وَالْفِعْل، والوقاحة توجب الانبساط فَيَقَع الشَّرّ من ذَلِك.
٤٥٥ - / ٥٥٥ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
" اطَّلَعت فِي الْجنَّة فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا الْفُقَرَاء، واطلعت فِي النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء ".
стр. 480
لما كَانَ الْفَقِير فاقدا لِلْمَالِ الَّذِي يتسبب بِهِ إِلَى الْمعاصِي وَيحصل بِهِ البطر والشبع وَالْجهل وَاللَّهْو، بعد عَمَّا يقرب إِلَى النَّار. وَلما كَانَ الْأَغْلَب على النِّسَاء الشِّبَع والبطر وَالْجهل وَاللَّهْو لازمهن مَا يحمل إِلَى النَّار.
فَإِن قيل: إِذا كَانَ هَذَا فضل الْفقر، فَلم استعاذ مِنْهُ رَسُول الله ﷺ ؟
فَالْجَوَاب: أَن قوما يَقُولُونَ: إِنَّمَا استعاذ من فقر النَّفس، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: الْفقر مُصِيبَة من مصائب الدُّنْيَا، والغنى نعْمَة من نعمها، فوزانهما الْمَرَض والعافية، فَيكون الْمَرَض فِيهِ ثَوَاب لَا يمْنَع سُؤال الله الْعَافِيَة.
٤٥٦ - / ٥٥٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " من صلى قَاعِدا فَلهُ نصف أجر الْقَائِم، وَمن صلى نَائِما فَلهُ نصف أجر الْقَاعِد ".
هَذَا مَحْمُول على أَن من أطَاق الْقيام فِي التَّنَفُّل فَاخْتَارَ الْقعُود، أَو أطَاق الْقعُود فَاخْتَارَ الِاضْطِجَاع. فَأَما الَّذِي يمنعهُ عَجزه فنيته تتمم.
وَأما صفة صَلَاة الْقَاعِد فَإِنَّهُ يُصَلِّي متربعا ويثني رجلَيْهِ فِي حَال سُجُوده، فَإِن عجز عَن الْقعُود صلى على جنبه الْأَيْمن مُسْتَقْبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ، وَإِن صلى مُسْتَلْقِيا على ظَهره وَرجلَاهُ إِلَى الْقبْلَة جَازَ وَإِن كَانَ تَارِكًا للاستحباب، وَعند أَصْحَاب الرَّأْي أَن هَذَا هُوَ الْمُسْتَحبّ. وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ يَقُول: لَا أحفظ عَن أحد من أهل الْعلم أَنه رخص فِي صَلَاة التَّطَوُّع نَائِما كَمَا رخصوا فِيهَا قَاعِدا، فَإِن صحت هَذِه اللَّفْظَة عَن النَّبِي ﷺ وَلم تكن من كَلَام بعض الروَاة أدرجه فِي الحَدِيث
стр. 481
وقاسه على صَلَاة الْقَاعِد، أَو اعْتَبرهُ بِصَلَاة الْمَرِيض نَائِما إِذا لم يقدر على الْقعُود، فَإِن التَّطَوُّع مُضْطَجعا للقادر على الْقعُود جَائِز كَمَا يجوز للْمُسَافِر أَن يتَطَوَّع على رَاحِلَته. فَأَما من جِهَة الْقيَاس فَلَا يجوز أَن يُصَلِّي مُضْطَجعا كَمَا يجوز أَن يُصَلِّي قَاعِدا؛ لِأَن الْقعُود شكل من أشكال الصَّلَاة وَلَيْسَ الِاضْطِجَاع فِي شَيْء من أشكال الصَّلَاة.
قَالَ الْخطابِيّ فِي كتاب " الْأَعْلَام ": قد كنت تأولت هَذَا الحَدِيث فِي كتاب " المعالم " على أَن المُرَاد بِهِ صَلَاة التَّطَوُّع، إِلَّا أَن قَوْله: " من صلى نَائِما " يفْسد هَذَا التَّأْوِيل؛ لِأَن المضطجع لَا يُصَلِّي التَّطَوُّع كَمَا يُصَلِّي الْقَاعِد، فَرَأَيْت الْآن أَن المُرَاد بِهِ الْمَرِيض المفترض الَّذِي يُمكنهُ أَن يتحامل فَيقوم مَعَ مشقة، فَجعل أجر الْقَاعِد على النّصْف من أجر الْقَائِم ترغيبا لَهُ فِي الْقيام مَعَ جَوَاز قعوده، وَكَذَلِكَ المضطجع الَّذِي لَو تحامل لأمكنه الْقعُود مَعَ شدَّة الْمَشَقَّة.
٤٥٧ - / ٥٥٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بني تَمِيم " فَقَالُوا: بشرتنا فَأَعْطِنَا، فَتغير وَجهه.
أما تغير وَجهه لقلَّة علم أُولَئِكَ، فَإِنَّهُم عَلقُوا آمالهم بعاجل الدُّنْيَا دون الْآخِرَة.
وَالذكر: اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
وَأما السراب فَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ مَا ترَاهُ نصف النَّهَار كَأَنَّهُ مَاء.
стр. 482
٤٥٨ - / ٥٦٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي من أَفْرَاد مُسلم: " قد ظَنَنْت أَن بَعْضكُم خالجنيها ".
أَي نازعنيها، كَأَنَّهُ ينْزع ذَلِك من لِسَانه، ويخلط عَلَيْهِ لموْضِع جهره بهَا، وأصل الخلج الجذب والنزع.
٤٥٩ - / ٥٦١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " يدْخل الْجنَّة سَبْعُونَ ألفا بِغَيْر حِسَاب " قَالُوا: وَمن هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: " هم الَّذين لَا يَكْتَوُونَ ولايسترقون ".
فَإِن قَالَ قَائِل: قد أكد هَذَا الحَدِيث مَا روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الكي. فَكيف الْجمع بَين هَذَا وَبَين مَا سَيَأْتِي فِي مُسْند جَابر أَن النَّبِي ﷺ بعث إِلَى أبي بن كَعْب طَبِيبا يقطع لَهُ عرقا وكواه. وَلما رمي سعد بن معَاذ فِي أكحله حسمه النَّبِي ﷺ ، ثمَّ ورمت فحسمت ثَانِيَة. وَفِي الصَّحِيح أَنه رخص فِي الرّقية من الْعين والحمة، وَقَالَ للَّذي رقى بِفَاتِحَة الْكتاب: " وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية؟ ".
стр. 483
فَالْجَوَاب: أما الكي فعلى خَمْسَة أضْرب: أَحدهَا: كي الصَّحِيح لِئَلَّا يسقم، كَمَا يفعل كثير من الْعَجم. وَالثَّانِي: أَن كثيرا من الْعَرَب يعظمون أَمر الكي على الْإِطْلَاق وَيَقُولُونَ إِنَّه يحسم الدَّاء وَإِذا لم يفعل عطب صَاحبه، فَيكون النَّهْي عَن الكي على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ، وَتَكون الْإِبَاحَة لمن طلب الشِّفَاء وَرَجا الْبُرْء من فضل الله عِنْد الكي، فَيكون الكي سَببا لَا عِلّة.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن يكون نهى عَن الكي فِي عِلّة علم أَنه لَا ينجع فِيهَا، وَقد كَانَ عمرَان بِهِ عِلّة الناصور، فَيحْتَمل أَن يكون نَهَاهُ عَن الكي فِي مَوضِع من الْبدن لَا يُؤمن فِيهِ الْخطر.
وَالْوَجْه الرَّابِع: كي الْجرْح إِذا نغل والعضو إِذا قطع، فَهَذَا دَوَاء مَأْمُور بِهِ كَمَا يُؤمر باتقاء الْحر وَالْبرد.
وَالْوَجْه الْخَامِس: اسْتِعْمَال الكي على وَجه اسْتِعْمَال الدَّوَاء فِي أَمر يجوز أَن ينجح فِيهِ وَيجوز أَلا ينجح، كَمَا تسْتَعْمل أَكثر الْأَدْوِيَة، وَرُبمَا لم يفد، فَهَذَا يخرج المتَوَكل عَن التَّوَكُّل.
وَعِنْدنَا أَن ترك التَّدَاوِي بالكي فِي مثل هَذَا الْحَال أفضل.
وَأما الرّقية فعلى ضَرْبَيْنِ: رقية لَا تفهم، فَرُبمَا كَانَت كفرا فينهى عَنْهَا لذَلِك الْمَعْنى. وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " لَا بَأْس بالرقى مَا لم تكن شرك ". ورقية جَائِزَة فَهَذِهِ على ضَرْبَيْنِ: رقية يعْتَقد
стр. 484
فِيهَا أَنَّهَا تدفع مَا سيعرض، فَهَذِهِ مَنْهِيّ لهَذَا الْمَعْنى. ورقية لما قد حدث، فَهَذِهِ مرخص فِيهَا. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: لَا بَأْس بالرقية من الْعين، وَسَأَلَهُ مهنا عَن الرجل تَأتيه الْمَرْأَة مسحورة فيطلق عَنْهَا السحر فَقَالَ: لَا بَأْس.
وَأما الِاسْتِشْفَاء بِالْقُرْآنِ وَالدُّعَاء فَهُوَ فِي معنى الرقيه فَلَا يكره بِحَال.
وَقَوله: " وَلَا يَتَطَيَّرُونَ " التطير: التشاؤم بالشَّيْء ترَاهُ أَو تسمعه وتتوهم وُقُوع الْمَكْرُوه بِهِ، واشتقاقه من الطير، كتطيرهم من الْغُرَاب رُؤْيَة وصوتا، ثمَّ اسْتمرّ ذَلِك فِي كل مَا يتطير بِرُؤْيَتِهِ وصوته. فالمؤمنون يضيفون الْكل إِلَى تَقْدِير الله وَلَا يلتفتون إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء، وَلِهَذَا وَصفهم فَقَالَ: " وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ " أَي يعتمدون عَلَيْهِ.
قَوْله: فَقَامَ عكاشة. عكاشة هُوَ ابْن مُحصن بن حرثان، وَيُقَال عكاشة بتَشْديد الْكَاف، شهد بَدْرًا.
وَقَوله: فَقَامَ رجل فَقَالَ: ادْع الله أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم. اخْتلفُوا فِي هَذَا الرجل، فَقَالَ قوم: كَانَ منافقا؛ أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا أَبُو عبد الله أَحْمد بن أَحْمد الوَاسِطِيّ إِذْنا قَالَ: أخبرنَا أَبُو أَحْمد الفرضي قَالَ: أخبرنَا أَبُو عمر النَّحْوِيّ قَالَ: سَأَلت ثعلبا: لم قَالَ للْأولِ نعم وَللثَّانِي لَا؟ قَالَ: الأول مُؤمن وَالْآخر مُنَافِق، فَلم
стр. 485
يقل لَهُ: أَنْت مُنَافِق، فَقَالَ لَهُ: " سَبَقَك بهَا عكاشة ". وَقد روى الدَّارَقُطْنِيّ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى البرتي القَاضِي أَنه قَالَ: يُقَال إِن هَذَا الرجل كَانَ منافقا فَأَجَابَهُ النَّبِي ﷺ بمعاريض الْكَلَام. وَقد روى أَبُو بكر الْخَطِيب بِإِسْنَاد لَهُ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: هَذَا الرجل هُوَ سعد بن عبَادَة. فَإِن صَحَّ هَذَا فسعد بَرِيء من النِّفَاق، وَإِنَّمَا يكون الْمَنْع لأحد ثَلَاثَة أَشْيَاء: إِمَّا لكَون سعد مَا بلغ تِلْكَ الْمنزلَة، فَإِنَّهُ لم يشْهد بَدْرًا، فَمَنعه الْمقَام الْأَعْلَى بالتعريض. وَإِمَّا لِأَن طلب هَذِه الْمنزلَة يحْتَاج إِلَى حرقة قلب من الطَّالِب، فَلَعَلَّهُ لم يملك حرقة قلب عكاشة وَإِنَّمَا سَمعه يطْلب فَطلب، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَو أَجَابَهُ لقام آخر وَآخر، فَرُبمَا تعرض بِهَذِهِ الْفَضِيلَة من لَا يَسْتَحِقهَا، فاقتصر على الأول لِئَلَّا يَقع رد للْبَعْض.
٤٦٠ - / ٥٦٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن رجلا أعتق سِتَّة مملوكين لَهُ عِنْد مَوته لم يكن لَهُ مَال غَيرهم، فَدَعَاهُمْ رَسُول الله ﷺ فجزأهم أَثلَاثًا ثمَّ أَقرع بَينهم، فَأعتق اثْنَيْنِ وأرق أَرْبَعَة وَقَالَ لَهُ قولا شَدِيدا.
فَدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْعَمَل بِالْقُرْعَةِ، والقرعة: أَن يكْتب اسْم كل وَاحِد مِنْهُم فِي رقْعَة، وتدرج كل رقْعَة فِي بندقة من طين أَو شمع وَتَكون البنادق مُتَسَاوِيَة فِي الْقدر وَالْوَزْن، ثمَّ تطرح فِي حجر رجل لم يحضر ذَلِك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي مثل هَذِه الْقَضِيَّة: يعْتق من كل وَاحِد ثلثه ويستسعى فِي الْبَاقِي، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يَقُول إِذا أعتق ثَلَاثَة مماليك لَا يملك غَيرهم فِي مَرضه فَمَاتَ أحدهم قبل موت الْمُعْتق، فَإنَّا نقرع بَين الْمَيِّت والحيين، فَإِن خرجت على الْمَيِّت حكمنَا بِأَنَّهُ مَاتَ
стр. 486
حرا، وَإِن خرجت على أحد الْأَحْيَاء حكمنَا بِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقا. وَقَالَ مَالك: الْمَيِّت رَقِيق بِكُل حَال، ويقرع بَين الْحَيَّيْنِ.
وَقَوله: وَقَالَ لَهُ قولا شَدِيدا. أَي أغْلظ لَهُ فِي إقدامه على إِخْرَاج مَال قد تعلّقت بِهِ حُقُوق الْوَرَثَة.
٤٦١ - / ٥٦٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أسر أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ رجلا وَأَصَابُوا مَه العضباء.
العضباء اسْم لناقة رَسُول الله ﷺ ، وَهِي الَّتِي تسمى بالجدعاء والقصواء. قَالَ ابْن الْمسيب: كَانَ فِي طرف أذنها جدع. وَقَالَ الْخطابِيّ: قطع من أذنها فسميت الْقَصْوَاء. وَهَذِه النَّاقة أَصَابَهَا رَسُول الله ﷺ من هَذَا الرجل المأسور، وَكَانَ من بني عقيل، وأسرت امْرَأَة من الْأَنْصَار، وَأُصِيبَتْ العضباء أَي أَخذهَا الْعَدو.
وَقَوله: يريحون نعمهم بَين يَدي بُيُوتهم: أَي يردونها إِلَى مَوضِع مبيتهم.
والمنوقة: المذللة، مثل قَوْله مدربة.
ونذروا بهَا: علمُوا.
وَقَوله: " بئس مَا جزتها " وَذَلِكَ لِأَن هَذِه الْمَرْأَة ركبت العضباء، فَلَمَّا سلمت عَلَيْهَا نذرت نحرها.
стр. 487
وَقَوله: " لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة الله ". هَذَا دَلِيل على انْعِقَاده؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نفى الْوَفَاء لَا الِانْعِقَاد. وَعِنْدنَا إِن نذر الْمعْصِيَة ينْعَقد وَيكون مُوجبه كَفَّارَة يَمِين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا ينْعَقد وَلَا يلْزم بِهِ كَفَّارَة.
وَقَوله: " فِيمَا لَا يملك العَبْد " وَهَذَا من جنس الأول، وَعِنْدنَا أَنه إِذا قَالَ: غُلَام فلَان حر لَأَفْعَلَنَّ كَذَا الْيَوْم، وَلم يفعل، فَعَلَيهِ كَفَّارَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى: لَا شَيْء عَلَيْهِ.
٤٦٢ - / ٥٦٥ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: أَن رَسُول الله ﷺ صلى الْعَصْر فَسلم من ثَلَاث رَكْعَات، ثمَّ دخل منزله فَقَامَ إِلَيْهِ رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق فَذكر لَهُ صَنِيعه، فَخرج غَضْبَان حَتَّى أَتَى إِلَى النَّاس فَقَالَ: " أصدق هَذَا؟ " قَالُوا: نعم، فصلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ، ثمَّ سلم.
ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنه سجد قبل السَّلَام، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة مُبينًا، وَأَنه سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ، إِلَّا أَنه لَيْسَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ذكر سَلام بعد السَّجْدَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْكُور هَاهُنَا فِي مُسْند عمرَان.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن كَلَام الْمُصَلِّي نَاسِيا لم يبطل الصَّلَاة،
стр. 488
فَإِن النَّبِي ﷺ تكلم مُعْتَقدًا أَنَّهَا قد تمت وَأَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة، وَكَذَلِكَ الْخِرْبَاق تكلم مُعْتَقدًا أَنَّهَا تمت لِإِمْكَان وُقُوع النّسخ. فَأَما كَلَام بَقِيَّة النَّاس فقد رُوِيَ أَنهم أومأوا: أَي نعم، فَيكون قَول الرَّاوِي: قَالُوا: نعم، يجوز: رَوَاهُ بِالْمَعْنَى كَمَا تَقول: قلت بيَدي ورأسي، قَالَ الشَّاعِر:
(قَالَت لَهُ العينان سمعا وَطَاعَة ... ... ... ... ... ... . .)
فَإِن ثَبت هَذَا فَلَا كَلَام، وَإِن كَانُوا قَالُوا بألسنتهم فَلَا يضر لِأَنَّهُ لم ينْسَخ من الْكَلَام مَا كَانَ جَوَابا لرَسُول الله ﷺ ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ [الْأَنْفَال: ٢٤] وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث سعيد بن الْمُعَلَّى: كنت أُصَلِّي فدعاني رَسُول الله ﷺ فَلم أجبه، فَقلت: كنت أُصَلِّي، فَقَالَ: " ألم يقل الله: ﴿اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ " وَإِذا ثَبت أَن جَوَاب الرَّسُول وَاجِب فَلَيْسَ بمبطل.
وَقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي كَلَام النَّاسِي فِي الصَّلَاة، فَروِيَ عَنهُ أَنه تبطل، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَاخْتَارَهُ أَكثر مَشَايِخنَا، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه لَا تبطل، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَهُوَ الَّذِي أختاره. والحرف الَّذِي يتنازع فِيهِ: هَل الْكَلَام من المنافيات أَو من الْمَحْظُورَات؟ فعلى الرِّوَايَة الأولى أَنه منَاف كالحدث، وعَلى الْأُخْرَى أَنه مَحْظُور، وَلَا حظر مَعَ النسْيَان.
стр. 489
٤٦٣ - / ٥٦٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: " إِن أَخا لكم قد مَاتَ فصلوا عَلَيْهِ ".
يَعْنِي النَّجَاشِيّ. قَالَ ابْن إِسْحَق: اسْم النَّجَاشِيّ أَصْحَمَة. وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا النَّجَاشِيّ اسْم الْملك كَقَوْلِك هِرقل وَقَيْصَر، وَلست أَدْرِي أبالعربية هُوَ أم وفَاق وَقع بَين الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا. وَالنَّجَاشِي هُوَ الناجش، والنجش: استثارة الشَّيْء، وَمِنْه قيل للزائد فِي السّلْعَة ناجش ونجاش.
وَقد دلّ الحَدِيث على جَوَاز الصَّلَاة على الْمَيِّت الْغَائِب بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز.
٤٦٤ - / ٥٦٧ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: أَن امْرَأَة لعنت ناقتها، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " خُذُوا مَا عَلَيْهَا ودعوها؛ فَإِنَّهَا ملعونة ".
إِن قيل: اللَّعْنَة الْبعد، وَإِنَّمَا يكون جَزَاء الذَّنب، والناقة غير مكلفة، فَكيف تقع عَلَيْهَا لعنة؟
فَالْجَوَاب من أَرْبَعَة أوجه:
أَحدهَا: أَن معنى وُقُوع اللَّعْنَة عَلَيْهَا خُرُوجهَا من الْبركَة واليمن، ودخولها فِي الشَّرّ والشؤم، وللعنة تَأْثِير فِي الأَرْض والمياه، وَسَيَأْتِي فِي مُسْند ابْن عمر أَن النَّاس نزلُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ أَرض ثَمُود واستقوا من بئارها واعتجنوا بِهِ، فَأَمرهمْ رَسُول الله ﷺ أَن يهريقوا مَا
стр. 490
استقوا من بئارها وَأَن يعلفوا الْإِبِل الْعَجِين، وَأمرهمْ أَن يسقوا من الْبِئْر الَّتِي كَانَت تردها النَّاقة. وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي بَرزَة أَن امْرَأَة لعنت ناقتها، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " لَا تصاحبنا نَاقَة عَلَيْهَا لعنة ". وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي الْيُسْر أَن رجلا لعن بعيره فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " انْزِلْ عَنهُ، فَلَا تصحبنا بملعون. وَلَا تدعوا على أَنفسكُم، وَلَا تدعوا على أَوْلَادكُم، وَلَا تدعوا على أَمْوَالكُم، وَلَا توافقوا من الله سَاعَة يسْأَل فِيهَا عَطاء فيستجاب لكم ".
وَالثَّانِي: أَنه نهى عَن ركُوبهَا؛ لِأَن لَاعن النَّاقة ظلمها باللعن، فتخوف رُجُوع اللَّعْنَة عَلَيْهِ، قَالَ عَمْرو بن قيس: إِذا لعن الرجل الدَّابَّة قَالَت لَهُ: على أعصانا لله لعنته. ذكره ابْن الْأَنْبَارِي.
وَالثَّالِث: أَن دَعْوَة اللاعن للناقة كَانَت مجابة، وَلِهَذَا قَالَ: " إِنَّهَا ملعونة ".
وَالرَّابِع: أَنه إِنَّمَا فعل هَذَا عُقُوبَة لصَاحِبهَا لِئَلَّا يعود إِلَى مثل ذَلِك، حَكَاهُمَا الْخطابِيّ.
стр. 491
كشف الْمُشكل من مُسْند عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة عشر حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة.
٤٦٥ - / ٥٦٨ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول قَوْله: " لَا تسْأَل الْإِمَارَة، فَإنَّك إِن أعطيتهَا من غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا، وَإِن أعطيتهَا عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا ".
أما نَهْيه عَن سُؤال الْإِمَارَة، فَإِن الْإِمَارَة أَمَانَة، والإمارة بلَاء، فَنَهَاهُ عَن سُؤال الْبلَاء.
وَقَوله: " وكلت إِلَيْهَا " أَي أسلمت إِلَيْهَا فضعفت عَنْهَا وَظهر عجزك.
وَقد أَفَادَ هَذَا الحَدِيث تَعْلِيم التَّسْلِيم إِلَى اخْتِيَار الله ؛ فَإِنَّهُ من رَضِي بِالْقضَاءِ أعين على الْمقْضِي، وَمن مَال إِلَى اخْتِيَار نَفسه وكل إِلَى تَدْبيره كَمَا قَالَ فِي حق هَاجر: " لَو تركت زَمْزَم لكَانَتْ عينا معينا ".
стр. 492
٤٦٦ - / ٥٦٩ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" لَا تحلفُوا بالطواغي وَلَا بِآبَائِكُمْ ".
الطواغي جمع طاغية، وَهِي الطواغيت، وَهِي الْأَصْنَام الَّتِي كَانَت تعبد فِي الْجَاهِلِيَّة. والطغيان فِي الْحَقِيقَة مُضَاف إِلَى عابديها، لَكِنَّهَا لما كَانَت السَّبَب أضيف إِلَيْهَا فَقيل طواغي: أَي مطغي فِيهَا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٦] وأصل الطغيان مُجَاوزَة الْحَد فِي الْمعْصِيَة، وَيُقَال: طَغى الْبَحْر: إِذا هَاجَتْ أمواجه، وطغى السَّيْل: جَاءَ بِمَاء كثير. وطغى الدَّم: تتيع. قَالَ الْخَلِيل: والطغوان لُغَة فِي الطغيان، وَالْفِعْل طغيت وطغوت.
وَأما الْحلف بِالْآبَاءِ فقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند عمر.
٤٦٧ - / ٥٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: حسر عَنْهَا: أَي كشف.
стр. 493
كشف الْمُشكل من مُسْند عبد الله بن مُغفل
وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّة.
٤٦٨ - / ٥٧١ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول قَوْله: " بَين كل أذانين صَلَاة لمن شَاءَ ".
المُرَاد بالأذانين الْأَذَان وَالْإِقَامَة، فَلَمَّا أضيفت الْإِقَامَة إِلَى الْأَذَان سميت باسمه، كَمَا قيل الْعمرَان وَالْمرَاد أَبُو بكر وَعمر، وَمعنى الحَدِيث: من شَاءَ تطوع حِينَئِذٍ.
فَإِن قيل: فَلم خص التَّطَوُّع بِهَذَا الْوَقْت وَقد علم أَنه يجوز فِي غَيره؟
فَالْجَوَاب أَنه قد يجوز أَن يتَوَهَّم أَن الْأَذَان للصَّلَاة يمْنَع أَن يفعل سوى الصَّلَاة الَّتِي أذن لَهَا، فَبين جَوَاز التَّطَوُّع.
٤٦٩ - / ٥٧٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: فنزوت.
стр. 494
وَالْمعْنَى: وَثَبت مسرعا.
٤٧٠ - / ٥٧٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: نهى عَن الْخذف وَقَالَ: " إِنَّه لَا ينْكَأ بِهِ عَدو ".
الْخذف فِي الْأَغْلَب: الرَّمْي بالشَّيْء الْيَسِير كالحصاة والنواة، وأغلب مَا يكون بأطراف الْأَصَابِع.
والنكاية فِي الْعَدو: التَّأْثِير فِيهِ ببلوغ الْأَذَى مِنْهُ.
ويفقأ الْعين: يشقها.
٤٧١ - / ٥٧٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: فَرجع فِي قِرَاءَته.
أَي: ردد وَتثبت.
٤٧٢ - / ٥٧٥ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ:
" لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ الْمغرب، والأعراب تَقول هِيَ الْعشَاء ".
الْمَعْنى: سَموهَا أَنْتُم بالمغرب لَا بالعشاء، وَسَيَأْتِي فِي مُسْند ابْن عمر: " لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب، أَلا إِنَّهَا الْعشَاء، وهم يعتمون بحلاب الْإِبِل ". وَهَذِه إِشَارَة إِلَى الْعَتَمَة.
стр. 495
٤٧٣ - / ٥٧٦ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم:
أَمر بقتل الْكلاب ثمَّ قَالَ: " مَا بالهم وبال الْكلاب " ثمَّ أرخص فِي كلب الصَّيْد وكلب الْغنم.
أما أمره بقتل الْكلاب فقد بَقِي هَذَا مُدَّة ثمَّ نهى عَن ذَلِك بقوله: " مَا بالهم وبال الْكلاب " وَسَيَأْتِي فِي مُسْند جَابر قَالَ: أمرنَا رَسُول الله بقتل الْكلاب ثمَّ نهى عَن قَتلهَا. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: اقْتُلُوا مِنْهَا كل أسود بهيم. وَيَجِيء فِي حَدِيث: " لَوْلَا أَن الْكلاب أمة لأمرت بقتلها " أَي لاستدمت الْأَمر بذلك. وَلَو أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ إبِْطَال أمة لما أَمر نوحًا أَن يحمل مَعَه فِي سفينته من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، فَلَمَّا حفظ الحمائر للتناسل علم أَنه أَرَادَ حفظ كل الْأُمَم. وَيحْتَمل قَوْله: " لَوْلَا أَن الْكلاب أمة " أَي خلق كثير يشق استيعابها فِي كل الْأَمَاكِن، فَلَا يحصل استئصالها، وَإِنَّمَا أَمر بقتلها لِأَن الْقَوْم ألفوها، وَكَانَت تخالطهم فِي أوانيهم، فَأَرَادَ فطامهم عَن ذَلِك فَأمر بِالْقَتْلِ، فَلَمَّا اسْتَقر فِي نُفُوسهم تنجيسها وإبعادها نهى عَن ذَلِك، فَصَارَ النَّهْي نَاسِخا لذَلِك الْأَمر.
وَمعنى: رخص فِي كلب الصَّيْد وَالْغنم: أَي فِي اقتنائهما.
وَقَوله: " إِذا ولغَ الْكَلْب ... " ولوغ الْكَلْب: تنَاوله المَاء بِطرف لِسَانه، يُقَال: ولغَ يلغ.
следующие страницы →