← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5906

كشف المشكل من حديث الصحيحين

ابن الجوزي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أَرْضَعَتْه حليمة أَيَّامًا، فَلَمَّا بعث رَسُول الله ﷺ عَادَاهُ وهجاه وَكَانَ شَاعِرًا ثمَّ تَلقاهُ فِي فتح مَكَّة فَأسلم قبل الْفَتْح، وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ لأَهله: لَا تبكوا عَليّ، فَإِنِّي لم أتنطف بخطيئة مُنْذُ أسلمت. [١٥] وَقَوله: " أَنا النَّبِي لَا كذب " قد تكلم النَّاس فِي إنشاده مثل هَذَا مَعَ كَونه لَا يحسن قَول الشّعْر، فَقَالَ قوم: كَانَ إِذا أنْشد بَيْتا لَا يقيمه، واحتال بعض الروَاة فروى: أَنا النَّبِي لَا كذب بِنصب الْبَاء، وَهَذَا كُله لَا يحْتَاج إِلَيْهِ؛ لِأَن كل مَا ينْقل عَنهُ من الشّعْر فَهُوَ لغيره وَإِنَّمَا كَانَ يتَمَثَّل بِهِ، فَأَما قَول الشّعْر من قبل نَفسه فَإِنَّهُ منع من ذَلِك فَلَا يَتَأَتَّى لَهُ. وَهَذَا الْبَيْت لَا يَخْلُو من أَمريْن: إِمَّا أَن يكون قد قَالَه غَيره فأنشده: أَنْت النَّبِي لَا كذب، فَغَيره هُوَ وَقت الإنشاد. أَو يكون قد قَالَه وَلَا يقْصد الشّعْر فَوَقع شعرًا. وَإِذا تَأَمَّلت هَذَا وجدته يَقع كثيرا فِي كَلَام النَّاس، حَتَّى فِي الْقُرْآن الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شعر قطعا، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ [آل عمرَان: ٩٢] وَقَوله: ﴿وجفان كالجواب وقدور راسيات﴾ [سبأ: ١٣] . وَقَالَ بعض المرضى لأَهله: اذْهَبُوا بِي إِلَى الطَّبِيب وَقُولُوا قد اكتوى. فَخرج هَذَا على وزن الشّعْر وَإِن لم يَقْصِدهُ. [١٥] فَإِن قيل: فَكيف يفتخر بِعَبْد الْمطلب وفخره بِالدّينِ أولى، مَعَ أَنه قد نهى عَن الافتخار بِالْآبَاءِ؟

стр. 737

[١٥] فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه يصلح فِي الْحَرْب مَالا يصلح فِي غَيرهَا من الافتخار وَالْخُيَلَاء. وَقد قَالَ عَليّ ﵇ يَوْم خَيْبَر: أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي حيدرة. وَالثَّانِي: أَنه لم يرد بذلك الافتخار بِالْآبَاءِ، إِنَّمَا قصد الافتخار بِنَفسِهِ، وَإِنَّمَا ذكر الْأَب للتعريف، كَمَا يَقُول الْغَالِب لعَدوه: أَنا فلَان بن فلَان، وَمَعْنَاهُ: اعرفني، فَأَنا الَّذِي قهرتك، وَأَنا الَّذِي عاديتني، أَو يُرِيد: إِن نسبي صَحِيح، قَالَ خفاف بن ندبة: (أَقُول لَهُ وَالرمْح يأطر مَتنه ... تَأمل خفافا إِنَّنِي أَنا ذالكا) [١٥] وَالثَّالِث: أَنه ذكرهم بِهَذَا النّسَب أَشْيَاء كَانُوا يعرفونها فِي عبد الْمطلب، مشهورها أَرْبَعَة أَشْيَاء: أَحدهَا رُؤْيا رَآهَا عبد الْمطلب فَأخْبر بهَا قُريْشًا فعبرت أَنه سَيكون لَهُ ولد يسود النَّاس ويملكهم، فأذكرهم النَّبِي ﷺ تِلْكَ الرُّؤْيَا لتقوى نفوس المنهزمين من أَصْحَابه، ويوقنوا بِأَن الْعَاقِبَة لَهُ. وَالثَّانِي: أَن عبد الْمطلب وَفد على سيف بن ذِي يزن فَأخْبرهُ سيف أَنه سَيكون من أَوْلَاده نَبِي، وَكَانَ هَذَا الْأَمر مَشْهُورا بَينهم. وَالثَّالِث: أَن عبد الْمطلب أُتِي فِي مَنَامه فَقيل لَهُ: احْفِرْ زَمْزَم: قَالَ: وَمَا زَمْزَم؟ قَالَ: لَا تنزح وَلَا تذم، تَسْقِي الحجيج الْعظم فانتبه فحفرها، فَقَالَت لَهُ قُرَيْش: أشركنا فِيهَا، قَالَ: لَا، هَذَا شَيْء خصصت بِهِ دونكم، فحاكموه إِلَى كاهنة بن يسْعد، فَلَمَّا خَرجُوا عطشوا فِي الطَّرِيق، فانبعثت عين مَاء من تَحت خف رَاحِلَة عبد الْمطلب، فَقَالُوا: قد قضى لَك الَّذِي سقاك، فَلَا نخاصمك أبدا.

стр. 738

[١٥] وَالرَّابِع: أَنهم أمروا فِي النّوم أمروا فِي النّوم بالاستسقاء بِعَبْد الْمطلب: أخبرنَا عبد الله بن عَليّ بن عَليّ الْمُقْرِئ وَمُحَمّد بن نَاصِر قَالَا: أخبرنَا طراد ابْن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن بَشرَان قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن صَفْوَان قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد الْقرشِي قَالَ: حَدثنِي زَكَرِيَّا بن يحيى الطَّائِي قَالَ: حَدثنِي زحر من حُصَيْن عَن جده حميد بن منْهب قَالَ: قَالَ عمي عُرْوَة بن مُضرس يحدث عَن مخرمَة ابْن نَوْفَل عَن أمه رقيقَة ابْنة أبي صَيْفِي بن هِشَام. وَكَانَت لِدَة عبد الْمطلب، قَالَ: تَتَابَعَت على قُرَيْش سنُون أقحلت الضَّرع، وأدقت الْعظم، فَبينا أَنا نَائِمَة - اللَّهُمَّ أَو مهمومة - إِذا هَاتِف يصْرخ بِصَوْت صَحِلَ يَقُول: يَا معشر قُرَيْش، إِن هَذَا النَّبِي الْمَبْعُوث فِيكُم قد اظلتكم أَيَّامه، وَهَذَا إبان نجومه، فحي هلا بالحيا وَالْخصب، أَلا فانظروا رجلا مِنْكُم وسطا عظاما جِسَامًا ابيض بضا، أَوْطَفُ الْأَهْدَاب، سهل الْخَدين، أَشمّ الْعرنِين، لَهُ فَخر يَكْظِم عَلَيْهِ، وَسنة تهدى إِلَيْهِ، فَلْيخْلصْ هُوَ وَولده، وليهبط إِلَيْهِ من كل بطن رجل فليشنوا من المَاء، وليمسوا من الطّيب، ثمَّ ليستلموا الرُّكْن، ثمَّ ليرتقوا أَبَا قبيس، فليستسق الرجل، وليؤمن الْقَوْم، فغثتم مَا شِئْتُم،

стр. 739

فَأَصْبَحت علم الله مَذْعُورَة قد اقشعر جلدي، وَوَلِهَ عَقْلِي، واقتصصت رُؤْيَايَ. فالحرمة وَالْحُرْمَة مَا بَقِي بهَا أبطحي إِلَّا قَالُوا: هَذَا شيبَة الْحَمد، وتتامت إِلَيْهِ رجالات قُرَيْش، وَهَبَطَ إِلَيْهِ من كل بطن رجل، فَمَشَوْا وَمَشوا، واستلموا ثمَّ ارْتَقَوْا أَبَا قبيس، وَطَفِقُوا جنابيه، فَمَا يبلغ سَعْيهمْ مهله حَتَّى إِذا اسْتَوَى بذورة الْجَبَل قَامَ عبد الْمطلب وَمَعَهُ رَسُول الله ﷺ غُلَام قد أَيفع أَو كرب، فَقَالَ: اللَّهُمَّ سَاد الْخلَّة، وَكَاشف الْكُرْبَة، أَنْت معلم غير معلم، وَمَسْئُول غير مبخل، وَهَذِه عبداؤك وإماؤك بِعَذِرَاتٍ حَرمك، يَشكونَ إِلَيْك سنيهم، أذهبت الْخُف والظلف. اللَّهُمَّ فأمطرن علينا معرقًا مريعا، فوالكعبة مَا راموا حَتَّى تَفَجَّرَتْ السَّمَاء، وَاكْتفى الْوَادي بثجيجه، فلسمعت شَيْخَانِ قُرَيْش وحلفها عبد الله بن جدعَان وَحرب بن أُميَّة وَهِشَام بن الْمُغيرَة يَقُولُونَ لعبد الْمطلب: هَنِيئًا لَك أَبَا الْبَطْحَاء، أَي عَاشَ بك أهل الْبَطْحَاء. وَفِي ذَلِك تَقول رقيقَة: (بِشَيْبَة الْحَمد أسْقى الله بَلْدَتنَا ... لما فَقدنَا الحيا واجلوذ الْمَطَر) (فجَاء بِالْمَاءِ جَوْنِي لَهُ سبل ... سَحا، فَعَاشَتْ بِهِ الْأَنْعَام وَالشَّجر) (منا من الله بالميمون طَائِره ... وَخير من بشرت يَوْمًا بِهِ مُضر) (مبارك الْأَمر يستسقى الْغَمَام بِهِ ... مَا فِي الْأَنَام لَهُ عدل وَلَا خطر) [١٥] قَالَ مُحَمَّد بن سعد: أسلمت رقيقَة، وَأدْركت رَسُول الله ﷺ . وَقَوله: كُنَّا إِذا احمر الْبَأْس نتقي بِهِ. أَي إِذا اشتدت الْحَرْب

стр. 740

نستقبل الْعَدو بِهِ فنجعله أمامنا. وَالْعرب تصف الشَّديد بالحمرة، فَيَقُولُونَ: سنة حَمْرَاء وَمَوْت أَحْمَر. ٧٢٢ - / ٨٥٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ أول مَا قدم الْمَدِينَة نزل على أجداده، أَو قَالَ: على أَخْوَاله من الْأَنْصَار، وَأَنه صلى قبل بَيت الْمُقَدّس سِتَّة عشر أَو سَبْعَة عشر شهرا، وَكَانَ يُعجبهُ أَن تكون قبلته قبل الْبَيْت. [١٥] قَوْله: نزل على أجداده أَو على أَخْوَاله. قد بَينا فِي مُسْند أبي بكر أَنه قَالَ: " أنزل على أخوال عبد الْمطلب ". [١٥] وَقَوله: صلى ﷺ قبل بَيت الْمُقَدّس. قبل الشَّيْء وَقبل الشَّيْء: مُقَابِله. وَسميت الْقبْلَة لمقابلة الْمُصَلِّي إِيَّاهَا. [١٥] وَاتفقَ الْعلمَاء على أَنه دخل الْمَدِينَة فِي ربيع الأول، وَاخْتلفُوا فِي أَي شهر حولت الْقبْلَة على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا يَوْم الْإِثْنَيْنِ لِلنِّصْفِ من رَجَب، قَالَه الْبَراء بن عَازِب وَمَعْقِل بن يسَار. وَالثَّانِي: لِلنِّصْفِ من شعْبَان، قَالَه قَتَادَة. قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: حولت يَوْم الثُّلَاثَاء وَقت الظّهْر لِلنِّصْفِ من شعْبَان، زار رَسُول الله ﷺ أم بشير بن الْبَراء ابْن معْرور، فتغدى وَأَصْحَابه وَجَاءَت الظّهْر، فصلى بِأَصْحَابِهِ فِي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ من الظّهْر إِلَى الشَّام وَأمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة وَهُوَ رَاكِع فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة، فَاسْتَدَارَ إِلَى الْكَعْبَة واستدارت الصُّفُوف خَلفه ثمَّ أتم الصَّلَاة، فَسُمي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ لهَذَا.

стр. 741

[١٥] وَالثَّالِث: حولت فِي جُمَادَى الْآخِرَة، حَكَاهُ ابْن سَلامَة الْمُفَسّر عَن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ. [١٥] وَقَوله: وَكَانَ يُعجبهُ أَن تكون قبلته قبل الْبَيْت. سَبَب هَذَا ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَنَّهَا قبْلَة إِبْرَاهِيم ﵉، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: لمُخَالفَة الْيَهُود، قَالَه مُجَاهِد. وَالثَّالِث: أَن اسْتِقْبَال الْبَيْت أمس فِي عبَادَة صَاحبه، وَهَذَا الْبَيْت الْمَعْمُول عَلَيْهِ دون بَيت الْمُقَدّس. [١٥] وَقَوله: أول صَلَاة صلاهَا. ظَاهره أَنَّهَا الصَّلَاة الَّتِي حولت الْقبْلَة فِيهَا. وَقد ذكرنَا أَنَّهَا حولت فِي الظّهْر. فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَنه صلى الْعَصْر كلهَا إِلَى الْكَعْبَة. [١٥] وَقَول الرجل: أشهد بِاللَّه، لقد صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ قبل الْكَعْبَة، فدار الْقَوْم كلهم - أصل فِي قبُول خبر الْوَاحِد فِي أَمر الدّين إِذا كَانَ ثِقَة، وأصل فِي أَن كل مَأْذُون فِيهِ لَا يبطل مَا مضى قبل النّسخ. [١٥] قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٣] أَي صَلَاتكُمْ. وسماها إِيمَانًا لِأَنَّهَا عَن الْإِيمَان نشأت. ٧٢٣ - / ٨٥٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: أهدي لرَسُول الله ﷺ ثوب حَرِير، فَجعلنَا نلمسه ونعجب مِنْهُ، فَقَالَ: " مناديل سعد بن معَاذ فِي الْجنَّة خير من هَذَا ".

стр. 742

[١٥] إِنَّمَا خص المناديل لِأَنَّهَا لَيست من رفيع الْمَتَاع، وَإِنَّمَا جعلت للابتذال، فَإِذا مدح المبتذل دلّ على رفْعَة المصون، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿بطائنها من إستبرق﴾ [الرَّحْمَن: ٥٤] وَفِي هَذَا ثَنَاء عَظِيم على الظَّوَاهِر. ٧٢٤ - / ٨٥٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: اعْتَمر رَسُول الله ﷺ فَأبى أهل مَكَّة أَن يَدعُوهُ يدْخل مَكَّة حَتَّى قاضاهم، فَكَتَبُوا: هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله. فَقَالُوا: مَا نقر بهَا، فَلَو نعلم أَنَّك رَسُول الله مَا منعناك، وَلَكِن أَنْت مُحَمَّد بن عبد الله. فَقَالَ لعَلي: " امح: رَسُول الله " قَالَ: لَا وَالله، لَا أمحوك أبدا، فَأخذ رَسُول الله ﷺ الْكتاب فَكتب: هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله. [١٥] قاضاهم: من الْقَضَاء، وَالْقَضَاء: إحكام الْأَمر وإمضاؤه. [١٥] وَقَوله: فَأخذ رَسُول الله ﷺ الْكتاب فَكتب، إِطْلَاق يَده بِالْكِتَابَةِ وَلم يحسنها كالمعجزة لَهُ، وَلَا يُنَافِي هَذَا كَونه أُمِّيا لَا يحسن الْكِتَابَة، لِأَنَّهُ مَا حرك يَده تَحْرِيك من يحسن الْكِتَابَة، إِنَّمَا حركها فجَاء الْمَكْتُوب صَوَابا. [١٥] وَقَوله: فَلَمَّا خَرجُوا تبعتهم بنت حَمْزَة. قد ذكرنَا اسْمهَا فِي مُسْند عَليّ ﵇. [١٥] وَقَول جَعْفَر: خَالَتهَا تحتي، يَعْنِي أَسمَاء بنت عُمَيْس، لِأَن أم بنت حَمْزَة سلمى بنت عُمَيْس، وَأسْلمت سلمى وبايعت رَسُول الله

стр. 743

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتَزَوجهَا حَمْزَة، فَلَمَّا قتل عَنْهَا تزَوجهَا شَدَّاد بن الْهَاد. وَأما أَسمَاء فَإِنَّهَا أسلمت قَدِيما وبايعت وَهَاجَرت إِلَى الْحَبَشَة مَعَ زَوجهَا جَعْفَر، فَلَمَّا قتل عَنْهَا تزَوجهَا أَبُو بكر الصّديق، فَلَمَّا مَاتَ تزَوجهَا عَليّ بن أبي طَالب. [١٥] وَقَول زيد: بنت أخي، لِأَن النَّبِي ﷺ آخى بَين حَمْزَة وَزيد، فَقضى بهَا رَسُول الله ﷺ لخالتها. وَزوجهَا رَسُول الله ﷺ سَلمَة بن أبي سَلمَة بن عبد الْأسد، فَهَلَك قبل أَن يجمعها إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا قضى بهَا لخالتها لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْأُم، وَالأُم أولى بالحضانة من الْأَب، لِأَنَّهَا أحنى على الْوَلَد وَأعرف بِمَا يصلحه، فَإِذا عدمت الْأُم فالجدة أم الْأُم، فَإِذا اجْتمعت الْخَالَة والعمة كَانَت الْخَالَة أولى لِأَنَّهَا تدلي بِالْأُمِّ والعمة تدلي بِالْأَبِ، وَالأُم فِي الْحَضَانَة مُقَدّمَة على الْأَب. [١٥] وَقَوله: جلبان السِّلَاح، قد أَجَازُوا كسر الْجِيم وَضمّهَا، وَقد وَقع تَفْسِيره فِي هَذَا الحَدِيث قَالَ: السَّيْف والقوس وَنَحْوه. والأزهري يَقُول: الجلبان شبه الجراب من الْأدم يوضع فِيهِ السَّيْف مغمودا ويطرح فِيهِ سَوط الرَّاكِب وأداته، ويعلقه من آخِرَة الرحل أَو واسطته. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: لَا أرَاهُ سمي بذلك إِلَّا لجفائه، وَلذَلِك قيل للْمَرْأَة الغليظة الجافية جلبانه

стр. 744

[١٥] وَقَوله: جَاءَ أَبُو جندل يحجل. يُقَال: حجل فلَان فِي مَشْيه: إِذا قَارب الخطو، إِمَّا لقيد أَو تبختر، وَيكون الحجل بِمَعْنى القفز، وَقد شرحنا قصَّة أبي جندل فِي مُسْند سهل بن حنيف. ٧٢٥ - / ٨٥٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: وَعِنْده فرس مربوط بشطنين. [١٥] أَي بحبلين. والشطن: الْحَبل الطَّوِيل، وَالْجمع أشطان. ٧٢٦ - / ٨٦٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: لَيْسَ بالطويل الْبَائِن. يَعْنِي الوافر الطول. [١٥] وَقَوله: وجمته تضرب قَرِيبا من مَنْكِبَيْه. والجمة: شعر الرَّأْس. والمنكب: فرع الْكَتف. ٧٢٧ - / ٨٦٥ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: أَنه قَالَ لحسان: " اهجهم أَو هاجهم، وَجِبْرِيل مَعَك ". [١٥] الهجاء: ذكر المساوىء. وَالْإِشَارَة إِلَى الْمُشْركين. [١٥] وَفِي جِبْرِيل إِحْدَى عشرَة لُغَة، قد ذكرتها فِي التَّفْسِير، أَجودهَا جبرئيل على وزن جبرعيل، قَالَ جرير: (عبدُوا الصَّلِيب وكذبوا بِمُحَمد ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا)

стр. 745

[١٥] وَقَالَ أَبُو عبيد: معنى ايل معنى الربوبية، فأضيف جبر وميكا إِلَيْهِ، وجبر هُوَ الرجل، فَكَانَ مَعْنَاهُ عبد ايل، رجل ايل. ٧٢٨ - / ٨٦٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٧] وَالْمعْنَى يثبتهم على الْحق عِنْد السُّؤَال فِي الْقَبْر بالْقَوْل الثَّابِت وَهُوَ التَّوْحِيد. ٧٢٩ - / ٨٦٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ: [١٥] لما نزل صَوْم رَمَضَان كَانُوا لَا يقربون النِّسَاء رَمَضَان كُله، وَكَانَ رجال يخونون أنفسهم، فَأنْزل الله : ﴿علم الله أَنكُمْ كُنْتُم تختانون أَنفسكُم فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفا عَنْكُم﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٧] . [١٥] كَانَ الْمُسلمُونَ إِذا صَامُوا رَمَضَان فَنَامَ أحدهم فِي اللَّيْل لم يجز لَهُ أَن يَأْكُل بعد انتباهه وَلَا أَن يغشى أَهله، فأنزلت هَذِه الْآيَة، وأبيح لَهُم مَا منعُوا مِنْهُ. ٧٣٠ - / ٨٦٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كَانَ أَبُو رَافع يُؤْذِي رَسُول الله ﷺ ، فَبعث إِلَيْهِ رجَالًا من الْأَنْصَار وَأمر عَلَيْهِم عبد الله بن عتِيك، فجَاء عبد الله فتلطف حَتَّى دخل، ثمَّ تقنع بِثَوْبِهِ. وأغلق البواب الْبَاب، ثمَّ علق الأغاليق على ود.

стр. 746

[١٥] قَوْله: تقنع بِثَوْبِهِ: أَي تغطى بِهِ. [١٥] والأغاليق: يُرِيد بهَا المفاتيح. والود: يُرِيد بِهِ الوتد. والأقاليد: المفاتيح، وَاحِدهَا إقليد. قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور: الإقليد: الْمِفْتَاح، فَارسي مُعرب، قَالَ الراجز (لم يؤذها الديك بِصَوْت تغريد ... ) (وَلم تعالج غلقا بإقليد ... ) [١٥] والمقليد لُغَة فِي الإقليد، وَالْجمع مقاليد. [١٥] قَوْله: وَكَانَ يسمر عِنْده. السمر حَدِيث اللَّيْل. [١٥] والعلالي: الْمَوَاضِع الْعَالِيَة. ونذروا بِي: علمُوا بِي. والدهش والداهش: الَّذِي يبدهه الْأَمر فيحيره. [١٥] وظبة السَّيْف: حَده. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: حداه من جانبيه ظبتاه، وغراره: مَا بَين ظبتيه. وَقَوله: وثئت رجْلي، الْوَاو مَضْمُومَة لَا غير، والوثء: وجع مؤلم. [١٥] والواعية: أصوات الباكين عَلَيْهِ، وَمَا عَداهَا من الْأَصْوَات يُقَال لَهُ صُرَاخ. وَكَذَلِكَ البغض فَإِنَّهُ عَام، والفرك بَين الزَّوْجَيْنِ خَاصَّة. وَالنَّظَر إِلَى الْأَشْيَاء عَام، والشيم للبرق خَاصَّة. والذنب للحيوان

стр. 747

عَام، والذنابي للْفرس خَاصَّة. وَكَذَلِكَ السّير عَام، والسرى فِي اللَّيْل خَاصَّة. والهرب عَام، والإباق للعبيد خَاصَّة. [١٥] وَقَوله: أنعى أَبَا رَافع: أخبر بِمَوْتِهِ، والنعي: الْإِخْبَار بِالْمَوْتِ. [١٥] وَقَوله: حَتَّى سَمِعت نعايا أبي رَافع. والنعايا جمع ناعية: وَهِي النوائح، قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: هَكَذَا يرْوى نعايا، وَإِنَّمَا حق الْكَلَام أَن يُقَال: نعاء أبي رَافع: أَي انعوا أَبَا رَافع، كَقَوْلِهِم: دراك: أَي أدركوا، وَمن هَذَا قَول شَدَّاد بن أَوْس: يَا نعاء الْعَرَب، يُرِيد: انعوا الْعَرَب. قَالَ ابْن السّكيت: كَانَت الْعَرَب إِذا مَاتَ ميت لَهُ قدر ركب رَاكب وَسَار فِي النَّاس يَقُول: نعاء فلَانا: أَي انعوه، أخرجه مخرج نزال. قَالَ الحوفي: هَكَذَا روايتي: نعاء بِغَيْر يَاء، وَكَذَا يعرفهُ البصريون. والكوفيون يَقُولُونَ: نعائي، يضيفه إِلَى نَفسه، مثل ضربي زيدا. [١٥] وَقَوله: وَمَا بِي قلبة: أَي لَيست بِي عِلّة أقلب لأَجلهَا فَأنْظر. ٧٣١ - / ٨٧٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: جعل رَسُول الله ﷺ على الرجالة يَوْم أحد عبد الله بن جُبَير، وَقَالَ: " إِن رَأَيْتُمُونَا تخطفنا الطير فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أرسل إِلَيْكُم ".

стр. 748

[١٥] قَوْله: " تخطفنا الطير ": مثل يُرِيد بِهِ الْهَزِيمَة. [١٥] والاشتداد: الْعَدو. وَقد رُوِيَ يسندن قَالَ الزّجاج: يُقَال: سَنَد الرجل فِي الْجَبَل وَأسْندَ: إِذا صعد. والأسواق جمع سَاق. [١٥] وَقَوله: " وَالْحَرب سِجَال " أَي مرّة لهَؤُلَاء وَمرَّة لهَؤُلَاء. وَأَصله أَن المستقين بالسجل - وَهِي الدَّلْو - يكون لكل وَاحِد مِنْهُم سجل. [١٥] وهبل: اسْم لصنم من أصنامهم. [١٥] وَأما الْعُزَّى فَفِيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا شَجَرَة لغطفان كَانُوا يعبدونها، قَالَه مُجَاهِد. وروى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: بعث رَسُول الله ﷺ خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى الْعُزَّى ليقطعها. وَالثَّانِي: أَنه صنم، قَالَه الضَّحَّاك وَأَبُو عُبَيْدَة. [١٥] وَقَوله: " الله مَوْلَانَا وَلَا مولى لكم " فَإِن قيل: أَلَيْسَ الله مولى الْخلق كلهم؟ فَالْجَوَاب: أَن الْمولى هَاهُنَا بِمَعْنى الْوَلِيّ، فَالله يتَوَلَّى الْمُؤمنِينَ بالنصرة والإعانه، ويخذل الْكفَّار. ٧٣٢ - / ٨٧١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: أَكَانَ وَجه رَسُول الله ﷺ مثل السَّيْف؟ قَالَ: لَا بل مثل الْقَمَر. [١٥] فِي السَّيْف طول، وَفِي الْقَمَر تدوير، وَالْقَمَر يُوصف بالْحسنِ مَالا يُوصف السَّيْف، فَلذَلِك عدل إِلَى تشبيهه بالقمر.

стр. 749

٧٣٣ - / ٨٧٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: عَن الْبَراء قَالَ: تَعدونَ أَنْتُم الْفَتْح فتح مَكَّة، وَقد كَانَ فتح مَكَّة فتحا، وَنحن نعد الْفَتْح بيعَة الرضْوَان يَوْم الْحُدَيْبِيَة، وَالْحُدَيْبِيَة بِئْر فنزحناها. [١٥] قَالَ الزُّهْرِيّ: لَك يكن فتح أعظم من صلح الْحُدَيْبِيَة، وَذَلِكَ أَن الْمُشْركين اختلطوا بِالْمُسْلِمين فَسَمِعُوا كَلَامهم فَتمكن الْإِسْلَام فِي قُلُوبهم، وَأسلم فِي ثَلَاث سِنِين خلق كثير. [١٥] فَأَما الْحُدَيْبِيَة فأنبأنا ابْن نَاصِر عَن أبي زَكَرِيَّا عَن الرقي قَالَ: الْحُدَيْبِيَة بِالتَّخْفِيفِ وبالتشديد أَجود. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا هِيَ مُخَفّفَة. [١٥] والنزح: استقصاء مَا فِي الْبِئْر من المَاء. [١٥] وشفيرها: جَانبهَا. [١٥] وَقَوله: أصدرتنا مَا شِئْنَا: أَي عدنا عَنْهَا بِمَا نحب من المَاء. وَالْعرب تَقول: مَا شِئْت، فِي كل شَيْء تبلغ فِيهِ الأمل. قَالَ ذُو الرمة: غثنا مَا شِئْنَا. [١٥] والركاب: الْإِبِل. ٧٣٤ - / ٨٧٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: أول من قدم علينا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ مُصعب بن عُمَيْر وَابْن أم مَكْتُوم، ثمَّ جَاءَ عمار وبلال وَسعد، ثمَّ جَاءَ عمر فِي عشْرين، ثمَّ جَاءَ رَسُول الله ﷺ ،

стр. 750

فَرَأَيْت الولائد وَالصبيان يَقُولُونَ: هَذَا رَسُول الله. [١٥] قد بَينا فِي حَدِيث الْعقبَة أَن النَّبِي ﷺ بعث مصعبا إِلَى الْمَدِينَة. يفقههم ويقرئهم. وَإِنَّمَا جَاءَ عمر فِي عشْرين لِأَنَّهُ هَاجر جَهرا دون الْكل. والولائد: الْجَوَارِي. ٧٣٥ - / ٨٧٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْم بدر نيفا على السِّتين. [١٥] قَالَ ابْن قُتَيْبَة: نَيف مَأْخُوذ من أناف على الشَّيْء: إِذْ أظل عَلَيْهِ وأوفى، كَأَنَّهُ لما زَاد على ذَلِك الْعدَد أشرف عَلَيْهِ. ٧٣٦ - / ٨٧٦ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: كُنَّا نتحدث أَن عدَّة أَصْحَاب بدر على عدَّة أَصْحَاب طالوت الَّذين جاوزا مَعَه النَّهر بضعَة عشر وثلاثمائة. [١٥] قَالَ الزّجاج: طالوت اسْم أعجمي لَا ينْصَرف، وَاجْتمعَ فِيهِ التَّعْرِيف والعجمة. [١٥] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما غلب عَدو بني إِسْرَائِيل عَلَيْهِم سَأَلُوا نَبِيّهم شمويل - وَقيل: سمعون - أَن يبْعَث لَهُم ملكا، فَأتي بعصا وَقرن فِيهِ

стр. 751

دهن، وَقيل لَهُ: إِن صَاحبكُم الَّذِي يكون ملكا يكون على طول هَذِه الْعَصَا، وَمَتى دخل عَلَيْك فنشق الدّهن فادهن بِهِ فَهُوَ الْملك، وَكَانَ طالوت سقاء يسْقِي على حمَار لَهُ، فَخرج يَطْلُبهُ وَقيل: كَانَ دباغا فضلت حمر لِأَبِيهِ فَخرج مَعَ غُلَام لَهُ يطْلبهَا فَمر بِبَيْت النَّبِي ﷺ فدخلاه فنشق الدّهن، فقاسه بالعصا ودهنه، فانزعج بَنو إِسْرَائِيل وَقَالُوا: أَنى يكون لَهُ الْملك علينا! لِأَن النُّبُوَّة كَانَت فِي سبط لاوي، وَالْملك فِي سبط يهوذا، وَلم يكن من السبطين، غير أَنه كَانَ أعلم النَّاس بالحروب، وَكَانَ يفوق النَّاس بمنكبيه وعنقه وَرَأسه، فَلَمَّا جعل مَجِيء التابوت بعد أَن يغلب عَلَيْهِ الْعَدو عَلامَة تدل على تَمْلِيكه عَلَيْهِم، فَجَاءَت بِهِ الْمَلَائِكَة، أطاعوه حِينَئِذٍ، فَخرج مَعَه مائَة ألف، فَسَارُوا فِي حر شَدِيد، وابتلاهم الله بالنهر ليظْهر بالبلوى من لَهُ نِيَّة فِي الْمُوَافقَة مِمَّن هُوَ مَعَه بِالظَّاهِرِ، فَشرب الْقَوْم إِلَّا الْقَلِيل. [١٥] والبضع: مَا بَين الْوَاحِد إِلَى التِّسْعَة. [١٥] وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي عدَّة أهل بدر على مَا ذكرنَا فِي مُسْند عمر. ٧٣٧ - / ٨٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: أشهد عَليّ بَدْرًا؟ فَقَالَ: بارز وَظَاهر. [١٥] بارز: بِمَعْنى دَعَا البرَاز، وأصل البرَاز مَا ظهر واستوى من الأَرْض.

стр. 752

[١٥] وَمعنى ظَاهر: أَي جمع بَين درعين فِي اللبَاس لَهما والتوقي بهما. ٧٣٨ - / ٨٧٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: " من شَاءَ أَن يعقب مَعَك فليعقب ". [١٥] أَي فليجلس عقيب ذهَاب أَصْحَابه. ٧٣٩ - / ٨٧٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: إِن النَّبِي ﷺ قَالَ لما مَاتَ إِبْرَاهِيم: " إِن لَهُ مُرْضعًا فِي الْجنَّة ". [١٥] البستي: هَذَا يروي على وَجْهَيْن: مُرْضعًا بِضَم الْمِيم: أَي من يتم رضاعه فِي الْجنَّة. يُقَال: امْرَأَة مرضع بِلَا هَاء. ومرضعا بِفَتْح الْمِيم: أَي رضَاعًا. ٧٤٠ - / ٨٨٢ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: [١٥] أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقنت فِي الصُّبْح وَالْمغْرب. [١٥] قد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قنت شهرا يَدْعُو على قوم من الْمُشْركين، فَفِي هَذَا الحَدِيث أَنه قنت فِي الصُّبْح وَالْمغْرب. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه قنت فِي الْعَتَمَة، وَفِي لفظ عَنهُ أَنه قنت فِي الظّهْر وَالْعشَاء وَالصُّبْح. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: قنت فِي جَمِيع الصَّلَوَات. إِلَّا أَن

стр. 753

الصَّحِيح أَنه ترك الْقُنُوت. ٧٤١ - / ٨٨٥ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: مر رَسُول الله ﷺ على يَهُودِيّ محمم مجلود. [١٥] المحمم: المسود الْوَجْه، مفعل من الحمم، والحمم: الفحم. ٧٤٢ - / ٨٨٦ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " إِذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك " المُرَاد بِهَذَا أَلا يضع ذراعه على الأَرْض. ٧٤٣ - / ٨٨٧ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: مرت بجذل شَجَرَة. [١٥] أَي بأصلها. وأصل كل شَيْء جذله.

стр. 754

(٦٩) كشف الْمُشكل من مُسْند زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ [١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ أحد وَثَمَانُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَمَانِيَة. ٧٤٤ - / ٨٨٨ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، اقْضِ بَيْننَا بِكِتَاب الله. [١٥] إِن قيل: الَّذِي قضى بِهِ لَيْسَ فِي كتاب الله. وَالْجَوَاب أَنه أَرَادَ: اقْضِ بَيْننَا بِمَا كتب الله: أَي فرض. كَذَلِك قَالَ الْعلمَاء، مِنْهُم ابْن قُتَيْبَة. [١٥] والعسيف: الْأَجِير. ٧٤٥ - / ٨٨٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْأمة إِذا زنت وَلم تحصن. [١٥] فِي إِحْصَان الْأمة قَولَانِ: أَحدهمَا: التَّزْوِيج. وَالثَّانِي: الْعتْق. [١٥] وَقَوله: " بيعوها وَلَو بضفير " الضفير: الْحَبل المضفور: أَي

стр. 755

المفتول، وَهُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول. ٧٤٦ - / ٨٩٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ فَسلم فِي إِثْر سَمَاء. [١٥] أَي فِي إِثْر مطر: وَالْعرب تسمى الْمَطَر سَمَاء لِأَنَّهُ يَأْتِي من السَّمَاء، وَالسَّمَاء عِنْدهم كل مَا علا. [١٥] وَقَوله: " مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا " قَالَ أَبُو عبيد: الأنواء جمع نوء، وَهِي ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ نجما مَعْرُوفَة الْمطَالع فِي أزمنة السّنة كلهَا، يسْقط مِنْهَا فِي كل ثَلَاث عشرَة لَيْلَة نجم فِي الْمغرب مَعَ طُلُوع الْفجْر، ويطلع آخر يُقَابله فِي الْمشرق من سَاعَته. وَإِنَّمَا سمي نوءا لِأَنَّهُ إِذا سقط السَّاقِط ناء الطالع، وَذَلِكَ النهوض هُوَ النوء، فَسُمي النَّجْم نوءا لذَلِك، وانقضاء هَذِه الثَّمَانِية وَالْعِشْرين مَعَ انْقِضَاء السّنة. وَكَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا سقط مِنْهَا نجم وطلع آخر يَقُولُونَ: لَا بُد أَن يكون عِنْد ذَلِك مطر ورياح / فينسبون كل غيث يكون ذَلِك إِلَى النَّجْم الَّذِي يسْقط حِينَئِذٍ، فَيَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الساقطة مِنْهَا فِي الغرب هِيَ الأنواء، والطالعة مِنْهَا فِي الْمشرق هِيَ البوارح. وَأما قَول عمر: كم بَقِي من نوء الثريا؟ فَإِنَّهُ أَرَادَ كم بَقِي من الْوَقْت الَّذِي جرت الْعَادة أَنه إِذا؟ أَتَى الله بالمطر. وَمن لم يكن اعْتِقَاده أَن الْكَوْكَب يفعل لم يضرّهُ هَذَا القَوْل. وَقد أجَاز الْعلمَاء أَن يُقَال: مُطِرْنَا فِي نوء كَذَا، وَلَا يُقَال بِنَوْء كَذَا.

стр. 756

٧٤٨ - / ٨٩١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " من جهز غازيا فقد غزا ". [١٥] يُقَال: جهزت فلَانا: إِذا هيأت لَهُ مَا يصلحه فِي قَصده. وَقد بَينا آنِفا أَن الْمعِين على الشَّيْء كالفاعل فِي وُقُوع الْمُشَاركَة فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب. ٧٤٨ - / ٨٩٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن لقطَة الذَّهَب أَو الْوَرق فَقَالَ: " اعرف وكاءها وعفاصها " وَفِي لفظ: " فَعرف عفاصها، ثمَّ عرفهَا سنة، فَإِن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وَدِيعَة عنْدك، فَإِن جَاءَ طالبها يَوْمًا من الدَّهْر فأدها إِلَيْهِ ". [١٥] فَأَما اللّقطَة فَإِن الروَاة قد اتَّفقُوا على فتح الْقَاف فِيهَا، وَأَرَادُوا أَنَّهَا الشَّيْء الْمُلْتَقط. قَالَ الْخَيل بن أَحْمد: اللّقطَة بِفَتْح الْقَاف: اسْم للَّذي يلقط، وبسكون الْقَاف: اسْم لما يلتقط: قَالَ الزُّهْرِيّ: هَذَا قِيَاس اللُّغَة، لِأَن فعلة فِي كَلَامهم جَاءَ فَاعِلا كالهمزة، وفعلة بِالسُّكُونِ جَاءَ مَفْعُولا كالهمزة، إِلَّا أَن كَلَام الْعَرَب فِي اللّقطَة على غير الْقيَاس، فَإِن الروَاة أَجمعُوا على أَن اللّقطَة اسْم الشَّيْء الْمُلْتَقط. [١٥] وَالْوَرق: الْفضة. [١٥] والوكاء: الَّذِي يشد بِهِ رَأس الصرة. والعفاص: الْوِعَاء الَّذِي يكون فِيهِ المَال. وَفِي عرفان هَذَا فَائِدَتَانِ. إِحْدَاهمَا: أَنه إِذا أَتَى صَاحبهَا سلمت إِلَيْهِ بِمُجَرَّد وَصفه. وَالثَّانِي: يتَمَيَّز من مَال الْمُلْتَقط،

стр. 757

وَلَا يتَعَذَّر ردهَا على الْوَرَثَة إِن حدث الْمَوْت. وَمن روى: " فَعرف عفاصها " أَي اطلب من يعرفهُ. وَقَوله: " فَإِن جَاءَ طالبها يَوْمًا من الدَّهْر فأدها إِلَيْهِ " رد صَرِيح لمَذْهَب دَاوُد، فَإِن عِنْده إِذا جَاءَ صَاحبهَا بعد الْحول لم يغرم لَهُ. [١٥] وَقَوله: فِي ضَالَّة الْإِبِل: " دعها " دَلِيل على أَنه لَا يجوز التقاطها خلافًا لأبي حنيفَة. [١٥] وَفِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ غضب عِنْد هَذَا السُّؤَال حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه. وَإِنَّمَا غضب لقلَّة فهم السَّائِل، لِأَن اللّقطَة إِنَّمَا أُبِيح أَخذهَا لِأَنَّهَا لَا تصرف لَهَا يُوجب هدايتها إِلَى السَّبِيل الَّذِي يُوقع صَاحبهَا عَلَيْهَا، وَالْإِبِل بِخِلَاف ذَلِك. [١٥] وَقَوله: " فَإِن مَعهَا حذاءها " الْحذاء: النَّعْل. وَأَرَادَ بِهِ مَا يطَأ عَلَيْهِ الْبَعِير من خفه، فَإِن قوته كالحذاء لَهُ، والسقاء كالقربة وَنَحْوهَا من ظروف المَاء. وَأَرَادَ بالسقاء هَاهُنَا بطن الْبَعِير، فَإِنَّهُ يدّخر فِيهِ مَا يدْفع عَنهُ الْعَطش زَمَانا. [١٥] وَقَوله فِي الشَّاة: " خُذْهَا " مَحْمُول على مَا إِذا وجدت فِي أَرض فلاة، فَأَما إِذا وجدت بَين ظهراني عمَارَة فَلَا، لِأَنَّهُ لَا يُؤمن عَلَيْهَا هُنَاكَ، وَالْأَفْضَل تَركهَا. وَقد شرحنا أَحْوَال اللّقطَة فِي مُسْند أبي بن كَعْب.

стр. 758

٧٤٩ - / ٨٩٣ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " أَلا أخْبركُم بِخَير الشُّهَدَاء؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يسْأَلهَا ". [١٥] هَذَا مدح لمؤدي الشَّهَادَة بعد تحملهَا، فَكَأَنَّهُ يقيمها لأَدَاء الْأَمَانَة، وَلَا يَعْنِي صَاحبهَا بطلبها. وَالشُّهَدَاء فِي هَذَا الحَدِيث جمع شَاهد. وَقد فسرنا هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن. ٧٥٠ - / ٨٩٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " من آوى ضَالَّة فَهُوَ ضال مَا لم يعرفهَا ". [١٥] الضَّالة إِنَّمَا تسْتَعْمل فِي الْحَيَوَان، فَأَما الجمادات فَهِيَ اللّقطَة.

стр. 759

(٧٠) كشف الْمُشكل من مُسْند سهل بن سعد السَّاعِدِيّ [١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة حَدِيث وَثَمَانِية وَثَمَانُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ تِسْعَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا. ٧٥١ - / ٨٩٦ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَن رجلا اطلع من جُحر فِي بَاب رَسُول الله ﷺ وَمَعَ رَسُول الله ﷺ مدرى يرجل بِهِ رَأسه. [١٥] المدرى: شَيْء محدد الطّرف كالمسلة، من الْحَدِيد أَو غَيره، فَهُوَ كبعض أَسْنَان الْمشْط إِلَّا أَنه أطول. وأصل المدرى أَنه قرن الثور المحدد الطّرف الَّذِي يدْرَأ بِهِ عَن نَفسه: أَي يدْفع. والمدري يرفع عَن الشّعْر تلبده واشتباكه وَمَا يقف فِي أُصُوله من أَذَى. [١٥] ويرجل بِمَعْنى يسرح. وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن من اطلع فِي بَيت إِنْسَان بِحَيْثُ ينظر إِلَى عَوْرَته أَو حرمته فَلهُ أَن يَرْمِي عينه، فَإِن فقأها فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ. وَقد دلّ على هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من مُسْند أبي هُرَيْرَة: " لَو أَن رجلا

стр. 760

اطلع عَلَيْك فخذفته بحصاة ففقأت عينه مَا كَانَ عَلَيْك جنَاح ". ٧٥٢ - / ٨٩٧ - الحَدِيث الثَّانِي: حَدِيث الملاعنين. [١٥] وَفِيه: كره رَسُول الله ﷺ تِلْكَ الْمسَائِل وعابها. وَفِيه: " إِن جَاءَت بِهِ أُحَيْمِر كَأَنَّهُ وحرة ". [١٥] أما الْمسَائِل الَّتِي كرهها فَهِيَ مَالا حَاجَة إِلَيْهِ؛ لِأَن عَاصِمًا سَأَلَ لَا لنَفسِهِ، وَعَن شَيْء مَا ابْتُلِيَ بِهِ، وَهُوَ أَمر يكْشف العورات. [١٥] والوحرة: دويبة كالعظاءة تلصق بِالْأَرْضِ وتتشبث بِمَا تعلق بِهِ، وَإِذ دنت على الأَرْض وحر الْمَكَان: أَي اشْتَدَّ حره. وَجَمعهَا وحر. [١٥] وَقَوله: " أعين " أَي وَاسع الْعين، وَمِنْه الْحور الْعين. [١٥] وَهَذَا الرجل الَّذِي لَاعن مُبين الِاسْم فِي الحَدِيث، وَهُوَ عُوَيْمِر، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. [١٥] وَقَول الزُّهْرِيّ: فَكَانَت سنة المتلاعنين. يَعْنِي التَّفْرِيق بَينهمَا. ٧٥٣ - / ٨٩٨ - الحَدِيث الثَّالِث: " إِن كَانَ الشؤم فِي شَيْء فَفِي الْفرس وَالْمَرْأَة والمسكن " وَفِي مُسْند ابْن عمر: " الشؤم فِي الْفرس وَالْمَرْأَة وَالدَّار " وَلم يقل: إِن كَانَ، وَفِي مُسْند جَابر: " إِن كَانَ فِي شَيْء فَفِي الرّبع وَالْخَادِم وَالْفرس يَعْنِي الشؤم.

стр. 761

[١٥] وَلقَائِل أَن يَقُول: فَكيف الْجمع بَين هَذَا وَبَين قَوْله: " لَا عدوى وَلَا طيرة "؟ وَالْجَوَاب: أما عَائِشَة فقد غَلطت من روى هَذَا، وَقَالَت: إِنَّمَا قَالَ: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ: الطَّيرَة فِي الْمَرْأَة وَالدَّابَّة وَالدَّار. وَهَذَا رد مِنْهَا لصريح خبر رَوَاهُ جمَاعَة ثِقَات، فَلَا يعْتَمد على ردهَا. وَالصَّحِيح أَن الْمَعْنى: إِن خيف من شَيْء أَن يكون سَببا لما يخَاف شَره ويتشاءم بِهِ فَهَذِهِ الْأَشْيَاء، لَا على السَّبِيل الَّتِي تظنها الْجَاهِلِيَّة من الْعَدوي والطيرة، وَإِنَّمَا الْقدر يَجْعَل للأسباب تَأْثِيرا. وَقَالَ الْخطابِيّ: لما كَانَ الْإِنْسَان فِي غَالب أَحْوَاله لَا يَسْتَغْنِي عَن دَار يسكنهَا، وَزَوْجَة يعاشرها، وَفرس يرتبطه. وَكَانَ لَا يَخْلُو من عَارض مَكْرُوه، أضيف الْيمن والشؤم إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء إِضَافَة مَحل وظرف وَإِن كَانَا صادرين عَن قَضَاء الله سُبْحَانَهُ. قَالَ: وَقد قيل: شُؤْم الْمَرْأَة أَلا تَلد، وشؤم الْفرس أَلا يحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله، وشؤم الدَّار سوء الْجَار. ٧٥٤ - / ٨٩٩ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: خرج رَسُول الله ﷺ يصلح بَين بني عَمْرو بن عَوْف، فَتقدم أَبُو بكر فصلى بِالنَّاسِ، وَجَاء رَسُول الله ﷺ فَأخذ النَّاس فِي التصفيق، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ، فَرفع أَبُو بكر يَده فَحَمدَ الله وَرجع القهقهرى وَرَاءه حَتَّى قَامَ فِي الصَّفّ، وَتقدم رَسُول الله ﷺ فصلى بِالنَّاسِ. قد دلّ هَذَا الحَدِيث على اسْتِحْبَاب الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا؛ لِأَن الصَّحَابَة لم ينتظروا رَسُول الله ﷺ إِلَى آخر الْوَقْت، وَلَا هُوَ أنكر عَلَيْهِم. وَدلّ على تَفْصِيل أبي بكر حَيْثُ قدموه وَإِشَارَة الرَّسُول ﷺ إِلَيْهِ أ

стр. 762

يثبت على حَاله تَقْرِير لفضله. [١٥] وَدلّ على جَوَاز الصَّلَاة بإمامين، وَذَلِكَ أَن الرَّسُول ﵇ لما وقف عَن يسَار أبي بكر علم أَبُو بكر أَنه قد نوى الْإِمَامَة فَنوى أَبُو بكر الائتمام. [١٥] فَأَما رفع أبي بكر يَده وحمده الله تَعَالَى فَإِنَّمَا كَانَ إِشَارَة مِنْهُ إِلَى السَّمَاء شكرا لله، لَا أَنه تكلم. [١٥] فَإِن قَالَ قَائِل: لم لم يثبت أَبُو بكر وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّسُول ﵇ بالثبوت، وَظَاهر هَذَا الْمُخَالفَة؟ فَالْجَوَاب: أَنه علم أَنَّهَا إِشَارَة تكريم لَا إِلْزَام، والأشياء تعرف بقرائنها، وَيدل على ذَلِك أَن رَسُول الله ﷺ شقّ الصُّفُوف حَتَّى خلص إِلَيْهِ، وَلَوْلَا أَنه أَرَادَ الْإِمَامَة لصلى فِي آخر الصُّفُوف. [١٥] وَقَوله أبي بكر: مَا كَانَ لِابْنِ أبي قُحَافَة أَن يتَقَدَّم رَسُول الله ﷺ . فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن الإِمَام يكون فِي الْغَالِب أفضل من الْمَأْمُوم، وَإِن كَانَ فِي حق الرَّسُول لَا يحْتَمل هَذَا. وَالثَّانِي: أَنه لما علم أَبُو بكر أَن من الْجَائِز حُدُوث وَحي فِي الصَّلَاة يُغير حكما لم يستجز أَن يتَوَلَّى الصَّلَاة مَعَ وجود الرَّسُول ﵇، خوفًا من ذَلِك. [١٥] وَقَوله: " التصفيق للنِّسَاء " سَمِعت شَيخنَا أَبَا الْفضل بن نَاصِر يَقُول: لَيْسَ هُوَ التصفيق الْمَعْرُوف الَّذِي هُوَ ضرب بطن الْكَفّ بباطن الْأُخْرَى، فَإِن ذَلِك يطرب، وَإِنَّمَا هُوَ أَن تضرب الْمَرْأَة بِظهْر راحتها الْيُمْنَى على بَاطِن الرَّاحَة الْيُسْرَى. والتصفيح مثل التصفيق. ٧٥٥ - / ٩٠٠ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله فَقَالَت: يَا رَسُول الله، جِئْت أهب لَك نَفسِي، فَنظر إِلَيْهَا

стр. 763

رَسُول الله ﷺ فَصَعدَ النّظر فِيهَا وَصَوَّبَهُ. [١٥] أَي نظر إِلَى وَجههَا وَحط النّظر إِلَى مَا دونه. وَهَذَا يدل على جَوَاز النّظر إِلَى الْمَرْأَة الَّتِي يُرَاد نِكَاحهَا، وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لجَوَاز أَن يريدها، فَلَمَّا لم يردهَا طأطأ رَأسه. [١٥] وَقَوله: " ملكتكها " كلمة عبر بهَا الرَّاوِي عَن زوجتكها. وَقد رَوَاهُ جمَاعَة فَقَالُوا: " زوجتكها ". وَعِنْدنَا أَنه لَا ينْعَقد النِّكَاح بِغَيْر لفظ: زوجت أَو أنكحت. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: ينْعَقد بِكُل لفظ يُوجب التَّمْلِيك. [١٥] وَقَوله: " بِمَا مَعَك من الْقُرْآن " دَلِيل على أَن تَعْلِيم الْقُرْآن يجوز أَن يكون صَدَاقا، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَفِي أُخْرَى: لَا يجوز، وَإِنَّمَا جَازَ لذَلِك الرجل خَاصَّة. فعلى الرِّوَايَة الأولى نقُول: يجوز أَن تكون مَنَافِع الْحر مهْرا كالخياطة وَغَيرهَا من الْأَعْمَال. [١٥] وَقَوله: " تزوج وَلَو بِخَاتم من حَدِيد " دَلِيل على جَوَاز عقد النِّكَاح بالشَّيْء الْيَسِير وَعِنْدنَا أَن أقل الْمهْر لَا يتَقَدَّر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يتَقَدَّر بِمَا يقطع بِهِ السَّارِق. وَقد اخْتلفَا فِيمَا يقطع بِهِ السَّارِق: فَقَالَ أَبُو حنيفَة: النّصاب دِينَار أَو عشرَة دَارهم أَو قيمَة أَحدهمَا من الْعرُوض. وَقَالَ مَالك: النّصاب ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو قيمتهَا من الذَّهَب أَو الْعرُوض. وَفِي رِوَايَة عَنهُ: ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو ربع دِينَار أَو قيمَة

стр. 764

أَحدهمَا من الْعرُوض. ٧٥٦ - / ٩٠١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أَنه بشراب فَشرب مِنْهُ، وَعَن يَمِينه غُلَام وَعَن يسَاره الْأَشْيَاخ، فَقَالَ للغلام: " أتأذن لي أَن أعطي هَؤُلَاءِ؟ " فَقَالَ: لَا أوثر بنصيبي مِنْك أحدا. فتله فِي يَده. هَذَا الحَدِيث يدل على تَقْدِيم أهل الْيَمين وَذَلِكَ لشرف الْيَمين. وتله: وَضعه فِي يَده وَدفعه إِلَيْهِ. ٧٥٧ - / ٩٠٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " لَا يزَال النَّاس بِخَير مَا عجلوا الْفطر ". وَهَذَا لِأَن إِلْزَام النَّفس مَا لَا يلْزم شرعا ابتداع يخَاف مِنْهُ الزيغ، كَمَا ابتدع أهل الْكتاب فِي دينهم فزاغوا، وشددوا فَشدد الله عَلَيْهِم. ٧٥٨ - / ٩٠٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أَن نَفرا تماروا فِي الْمِنْبَر: من أَي عود هُوَ؟ فَقَالَ سعد: من طرفاء الغابة، وَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ قَامَ عَلَيْهِ فَكبر وَكبر النَّاس وَرَاءه وَهُوَ على الْمِنْبَر، ثمَّ رَجَعَ فَنزل الْقَهْقَرَى حَتَّى سجد فِي أصل الْمِنْبَر، ثمَّ عَاد حَتَّى فرغ من آخر صلَاته، ثمَّ أقبل على النَّاس فَقَالَ: " يَا أَيهَا النَّاس، إِنَّمَا صنعت هَذَا لتأتموا بِي ولتعلموا صَلَاتي ".

стр. 765

الغابة: الغيضة، وَجَمعهَا غابات. [١٥] وَكَانَ الْمِنْبَر مرقاتين، فنزوله وصعوده خطوَات، وَذَلِكَ عمل يسير، وَلَعَلَّه قَامَ على الْمرقاة النَّازِلَة. [١٥] والقهقرى: الرُّجُوع إِلَى وَرَاء. وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لِئَلَّا يستدبر الْقبْلَة فِي صلَاته. وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك الْفِعْل أَن يعلم أَصْحَابه الصَّلَاة ليحفظوا عَنهُ آدابها. [١٥] وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن الإِمَام إِذا كَانَ أَعلَى من الْمَأْمُوم لم تفْسد إِمَامَته، وَجَاز الائتمام بِهِ، وَإِن كَانَ ذَلِك مَكْرُوها. ٧٥٩ - / ٩٠٤ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: أَن رَسُول الله ﷺ التقى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَاقْتَتلُوا، وَفِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ رجل لَا يدع شَاذَّة وَلَا فاذة إِلَّا اتبعها يضْربهَا بِسَيْفِهِ. فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ أحد منا الْيَوْم كَمَا أَجْزَأَ فلَان، فَقَالَ: " إِنَّه من أهل النَّار ". [١٥] هَذِه الْقِصَّة جرت يَوْم أحد، وَهَذَا الرجل اسْمه قزمان، وَهُوَ مَعْدُود فِي جملَة الْمُنَافِقين، وَكَانَ قد تخلف يَوْم أحد فَعَيَّرَهُ النِّسَاء وقلن لَهُ: قد خرج الرِّجَال، مَا أَنْت إِلَّا امْرَأَة، فَخرج لما أحفظنه، فَصَارَ فِي الصَّفّ الأول، وَكَانَ أول من رمى بهم، وَجعل يُرْسل نبْلًا كالرماح، ثمَّ صَار إِلَى السَّيْف فَفعل الْعَجَائِب، فَلَمَّا انْكَشَفَ الْمُسلمُونَ كسر جفن سَيْفه وَجعل يَقُول: الْمَوْت أحسن من الْفِرَار، يال الْأَوْس،

стр. 766

قَاتلُوا على الأحساب، وَجعل يدْخل وسط الْمُشْركين حَتَّى يُقَال: قد قتل، ثمَّ يخرج وَيَقُول: أَنا الْغُلَام الظفري، حَتَّى قتل سَبْعَة، وأصابته جِرَاحَة، فَمر بِهِ قَتَادَة بن النُّعْمَان فَقَالَ: هَنِيئًا لَك الشَّهَادَة. فَقَالَ: إِنِّي وَالله مَا قَاتَلت على دين، مَا قَاتَلت إِلَّا على الْحفاظ، أَلا تسير قُرَيْش إِلَيْهَا حَتَّى تطَأ سعفتنا، ثمَّ أقلقته الْجراحَة فَقتل نَفسه، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " إِن الله ليؤيد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر ". [١٥] وَأما الشاذة فَهِيَ المنفردة. والفاذة مثلهَا. [١٥] وَقَوله: مَا أَجْزَأَ أحد كَمَا أَجْزَأَ فلَان: أَي مَا كفى كِفَايَته وَلَا قَامَ مقَامه، وَيُقَال للشَّيْء الْكَافِي: جزأ وأجزأ. [١٥] وذباب السَّيْف: حد رَأسه. وحد كل شَيْء ذبابه. وَقَالَ بَعضهم: ذبابه: حَده الَّذِي يضْرب بِهِ. [١٥] التحامل: تكلّف الشَّيْء على مشقة. ٧٦٠ - / ٩٠٥ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: جرح وَجه رَسُول الله ﷺ ، وَكسرت رباعيته، وهشمت الْبَيْضَة على رَأسه، فَكَانَت فَاطِمَة تغسل الدَّم وَعلي يسْكب عَلَيْهَا بالمجن. [١٥] الرباعيات تلِي الثنايا، وَهِي اثْنَتَانِ من فَوق وَاثْنَتَانِ من أَسْفَل، وَقد ذكرنَا عدد الْأَسْنَان وأسماءهن فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. [١٥] وَقَوله: وهشمت: كسرت. والهشم: كسر الشَّيْء الأجوف.

стр. 767

والمجن: الترس. ٧٦١ - / ٩٠٦ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: فَبَاتَ النَّاس يدوكون ليلتهم أَيهمْ يعطاها. [١٥] قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يدوكون: يَخُوضُونَ فِيمَن يَدْفَعهَا إِلَيْهِ. يُقَال: النَّاس فِي دوكة: إِذا كَانَ فِي اخْتِلَاط وخوض. [١٥] وَقَوله: " لِأَن يهدي الله بك رجلا " أبين دَلِيل على تَفْضِيل الْعلم. [١٥] وَالنعَم: الْإِبِل. وَإِنَّمَا خص حمرها لِأَنَّهَا كرامها وخيارها. ٧٦٢ - / ٩٠٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: دَعَا أَبُو أسيد السَّاعِدِيّ رَسُول الله ﷺ فِي عرسه، فَكَانَت امْرَأَته خادمتهم وَهِي الْعَرُوس، أنقعت لرَسُول الله ﷺ تمرات من اللَّيْل فِي تور، فَلَمَّا فرغ من الطَّعَام أماثته فسقته تخصه بذلك. [١٥] التور: آنِية كالقدح تكون من حِجَارَة، وَهِي اسْم أعجمي، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند جَابر بن عبد الله. [١٥] وَقَوله: أماثته. يُقَال: مثت الشَّيْء فِي المَاء: إِذا أنقعته فِيهِ ثمَّ عصرته وصفيته. وَيُقَال: انماث ينماث: إِذا ذاب وَتغَير المَاء بِهِ. ٧٦٣ - / ٩٠٩ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: فلهي بِشَيْء بَين يَدَيْهِ. لهي بِكَسْر الْهَاء وَمَعْنَاهُ اشْتغل. فإئا فتحت الْهَاء كَانَ من اللَّهْو.

стр. 768

٧٦٤ - / ٩١٠ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: ذكر امْرَأَة قدم بهَا على رَسُول الله ﷺ ليتزوجها، فَنزلت فِي أجم بني ساعده، فَقَالَت: أعوذ بِاللَّه مِنْك. [١٥] الأجم والأطم: الْحصن. وَقد تقدّمت تَسْمِيَة هَذِه الْمَرْأَة وَشرح حَالهَا فِي مُسْند أبي أسيد. وَيُقَال: إِن بعض نِسَائِهِ قُلْنَ لَهَا: إِذا أردْت الحظوة عِنْده فَقولِي لَهُ: أعوذ بِاللَّه مِنْك، وَمَا علمت هِيَ مَا تَحت هَذَا. ٧٦٥ - / ٩١١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: " يحْشر النَّاس على أَرض بَيْضَاء عفراء كقرصة النقي لَيْسَ فِيهَا معلم لأحد " وَفِي لفظ " علم ". [١٥] قَالَ أَبُو عبيد: العفر: الْأَبْيَض لَيْسَ بشديد الْبيَاض. [١٥] والنقي: الْحوَاري. والمعلم الْأَثر. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان البستي: إِنَّمَا سمي الْحوَاري نقيا لِأَنَّهُ نقي من القشر والنخاله. [١٥] وَيُرِيد بقوله: " لَيْسَ فِيهِ معلم " أَنَّهَا مستوية لَيْسَ فِيهَا حدب يرد الْبَصَر وَلَا بِنَاء يستر مَا وَرَاءه. والمعلم وَاحِد معالم الأَرْض: أَي

стр. 769

أعلامها الَّتِي يهتدى بهَا فِي الطّرق. ٧٦٦ - / ٩١٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: وننقل التُّرَاب على أكتادنا. [١٥] الأكتاد جمع كتد بِفَتْح الْكَاف وَالتَّاء: وَهُوَ موصل الْعُنُق فِي الظّهْر، وَهُوَ فِيمَا بَين الْكَاهِل إِلَى الظّهْر، والكاهل مَا بَين الْكَتِفَيْنِ. ٧٦٧ - / ٩١٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: كُنَّا نفرح بِيَوْم الْجُمُعَة، وَذَلِكَ أَنه كَانَت عَجُوز ترسل إِلَى بضَاعَة، فتأخذ من أصُول السلق فتطرحه فِي الْقدر، وتكركر عَلَيْهِ حبات من شعير، مَا فِيهِ شَحم وَلَا ودك. [١٥] بضَاعَة: بِئْر حولهَا نخل وَزرع. وَمن الْمُحدثين من يضم الْبَاء فَيَقُول: بضَاعَة. [١٥] وَقَوله: تكركر: مَعْنَاهُ تطحن أَو تحبش، وَأَصله من الْكر، ضوعف عود الرَّحَى ورجوعها فِي الطحين مرّة بعد أُخْرَى. والكركرة بِمَعْنى الصَّوْت كالجرجرة. [١٥] والودك: الدّهن، إِلَّا أَنه لَا يُقَال ودك إِلَّا من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم. وَيُقَال من دهن السمسم والجوز واللوز وَالزَّيْتُون دسم. وَيُقَال من الطير والدجاج والبط زهم.

стр. 770

[١٥] وَقَوله: تغرسه على أربعائنا. الْأَرْبَعَاء: النَّهر. [١٥] وَقَوله: وَمَا كُنَّا نقِيل وَلَا نتغدى إِلَّا بعد الْجُمُعَة. القيلولة: النّوم قبل الزَّوَال. وَقد اسْتدلَّ بِهِ أَصْحَابنَا على جَوَاز إِقَامَة الْجُمُعَة قبل الزَّوَال، لِأَن القيلولة والغداء لَا يكونَانِ إِلَّا قبل الزَّوَال. وَقد عضد هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ: كُنَّا نبكر إِلَى الْجُمُعَة ثمَّ نقِيل بعْدهَا. وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث جَابر أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَة ثمَّ نَذْهَب إِلَى جمالنا فنريحها حِين تَزُول الشَّمْس. وَهَذَا عِنْد أَصْحَابنَا وَقت جَوَاز فعل الْجُمُعَة. فَأَما الِاسْتِحْبَاب فَبعد الزَّوَال. وَيُمكن أَن تشبه بِصَلَاة الْعِيد، لِأَن الْجُمُعَة كالعيد. [١٥] وَلقَائِل أَن يَقُول: أَوْقَات الصَّلَاة مَعْلُومَة مُجْتَمع عَلَيْهَا، فَلَا تغير بِأَمْر مُحْتَمل. وَوجه الِاحْتِمَال أَن قَوْله: مَا كُنَّا نقِيل وَلَا نتغدى: أَي كُنَّا يحرضنا على البكور إِلَى الْجُمُعَة، نؤخر غداءنا وقيلولتنا إِلَى مَا بعد الْجُمُعَة. ويوضحه قَول أنس: كُنَّا نبكر إِلَى الْجُمُعَة ثمَّ نقِيل بعْدهَا. وَقد يَقُول من أخر غداءه إِلَى وَقت الْمسَاء: هَذَا غدائي. [١٥] ويكشف هَذَا أَن جَمِيع الْأَلْفَاظ: كُنَّا، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ . وَلَفْظَة كَانَ إِخْبَار عَن دوَام الْفِعْل. وَقد قَالَ الْخصم: إِن ذَلِك جَائِز لَا مُسْتَحبّ، فَمَا كَانُوا بالذين يدومون على ترك الِاسْتِحْبَاب. فَأَما قَول جَابر: كُنَّا نصلي الْجُمُعَة ونريح جمالنا حِين تَزُول الشَّمْس، فَهُوَ

стр. 771

إِخْبَار عَن صَلَاة الْجُمُعَة مَعَ الزَّوَال. ٧٦٨ - / ٩١٤ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: " رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله ... ". [١٥] قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أصل الرِّبَاط والمرابطة: أَن يرْبط هَؤُلَاءِ خيولهم وَهَؤُلَاء خيولهم فِي الثغر، كل يعد لصَاحبه. ٧٦٩ - / ٩١٥ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: هَذَا حري إِن خطب أَن ينْكح. [١٥] حري وحقيق وجدير بِمَعْنى. وَالْمرَاد من الحَدِيث أَلا يزدرى الْفَقِير، فَإِنَّهُ فِي الْأَغْلَب خير من الْغَنِيّ. ٧٧٠ - / ٩١٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: كَانَ بَين مصلى رَسُول الله ﷺ وَبَين الْجِدَار ممر الشَّاة. [١٥] هَذَا الْقرب من الْقبْلَة لأجل من يجوز. ٧٧١ - / ٩٢٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: كَانَ رجال يصلونَ مَعَ النَّبِي ﷺ عاقدي أزرهم على أَعْنَاقهم كَهَيئَةِ الصّبيان، وَيُقَال للنِّسَاء: لَا ترافعن رؤوسكن حَتَّى يَسْتَوِي الرِّجَال جُلُوسًا. [١٥] كَانَت كسْوَة أُولَئِكَ الرِّجَال قَليلَة، وثيابهم قَصِيرَة لمَكَان الْفقر،

стр. 772

فَأمر النِّسَاء أَلا يرفعن رؤوسهن حَتَّى يَسْتَوِي الرِّجَال جُلُوسًا لِئَلَّا يشاهدن عَورَة. ٧٧٢ - / ٩٢١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: إِن أهل الْجنَّة ليتراءون الغرفة فِي الْجنَّة كَمَا تتراءون الْكَوْكَب فِي السَّمَاء. [١٥] إِنَّمَا سميت الْجنَّة جنَّة لاستتار أرضه بأشجارها. وَسمي الْجِنّ لاستتارهم، وَيُسمى الْجَنِين أَيْضا. [١٥] والغرفة: الْمنزل فَوق الْأَبْنِيَة. [١٥] والكوكب: النَّجْم. وَأما الدُّرِّي فَقَالَ الْكسَائي: الدُّرِّي بِضَم الدَّال مشبه بالدر، وبكسر الدَّال: الْجَارِي. وَبِفَتْحِهَا: الملتمع. [١٥] والأفق وَاحِد الْآفَاق: وَهِي النواحي. ٧٧٣ - / ٩٢٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: " إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب الْجواد الْمُضمر السَّرِيع مائَة عَام مَا يقطعهَا ". [١٥] الْجواد: الْفرس السَّرِيع. وتضمير الْخَيل: أَن تشد عَلَيْهَا سُرُوجهَا وتجلل بالأجلة، وتجري حَتَّى تعرق، ويكرر ذَلِك عَلَيْهَا حَتَّى تعتاده، فيقوى لحملها وَيذْهب رهلها، وتخف حركتها، فَإِذا انْتَهَت رياضتها وَبَلغت مَا يُريدهُ الرائضون فِيهَا فَهِيَ مضمرة، وَمَا دَامَت فِي الرياضة فَهِيَ غير مضمرة. وَاسم الْمَكَان الَّذِي تجْرِي فِيهِ الْمِضْمَار. وَقد يُقَال

стр. 773

الْمِضْمَار للْوَقْت الَّذِي تضمر فِيهِ الْخَيل للسباق. وَهَذِه الشَّجَرَة يُقَال: إِنَّهَا طُوبَى. ٧٧٤ - / ٩٢٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: " أَنا فَرَطكُمْ على الْحَوْض، وليردن عَليّ أَقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمَّ يُحَال بيني وَبينهمْ ". [١٥] الفرط: الْمُتَقَدّم لأصلاح أَمر. [١٥] وَهَؤُلَاء الَّذين أَحْدَثُوا بعده يحْتَمل أَن يُرَاد بهم المُنَافِقُونَ والمرتدون والمبتدعون فِي أصل الدّين. [١٥] وَسُحْقًا مصدر أسحقه الله سحقا: أَي أبعده بعدا. [١٥] فَإِن قيل: كَيفَ خَفِي حَالهم عَلَيْهِ وَقد قَالَ: " تعرض عَليّ أَعمال أمتِي " فَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا تعرض عَلَيْهِ أَعمال الْمُوَحِّدين لَا الْمُنَافِقين وَلَا الْكَافرين. ٧٧٥ - / ٩٢٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث من أَفْرَاد البُخَارِيّ: " ليدخلن الْجنَّة من أمتِي سَبْعُونَ ألفا - أَو سَبْعمِائة ألف - سماطين، آخذ بَعضهم بِبَعْض، حَتَّى يدْخل أَوَّلهمْ وَآخرهمْ الْجنَّة، وُجُوههم على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر ".

стр. 774

[١٥] السماط: مَا رتب على جِهَة مُتَسَاوِيَة. وَهَؤُلَاء يدْخلُونَ بَعضهم آخذ بيد بعض. [١٥] وَقَوله: " على صُورَة الْقَمَر " أَي على ضوئه لَيْلَة الْبَدْر، لَيْلَة أَربع عشرَة. [١٥] وَفِي تَسْمِيَتهَا بذلك قَولَانِ ذكرهمَا ابْن الْقَاسِم: أَحدهمَا: لأ، الْقَمَر فِيهَا يُبَادر طلوعه غرُوب الشَّمْس. وَالثَّانِي: لامتلاء الْقَمَر وَحسنه وكماله. وَسميت بدرة الدَّرَاهِم بدرة لامتلائها، وَمِنْه قَوْلهم: عين حدرة بدرة: إِذا كَانَت ممتلئة. ٧٧٦ - / ٩٢٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " أَنا وكافل الْيَتِيم فِي الْجنَّة كَهَذا " وَأَشَارَ بالسبابة وَالْوُسْطَى وَفرج بَينهمَا شَيْئا. [١٥] قَالَ الْأَصْمَعِي: الْيُتْم فِي النَّاس من قبل الْأَب، وَفِي غير النَّاس من قبل الْأُم. وَقَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ فِي كَلَام الْعَرَب الِانْفِرَاد، فَمَعْنَى يَتِيم: مُنْفَرد عَن أَبِيه، وَأنْشد: (أفاطم، إِنِّي ذَاهِب فتثبتي ... وَلَا تجزعي، كل النِّسَاء يَتِيم) [١٥] قَالَ: ويروى يَتِيم، ويئيم، فَمن روى بِالتَّاءِ أَرَادَ كل النِّسَاء ضَعِيف مُنْفَرد، وَمن روى بِالْيَاءِ أَرَادَ: كل النِّسَاء يَمُوت عَنْهُن أَزوَاجهنَّ. قَالَ: وأنشدنا ابْن الْأَعرَابِي: (ثَلَاثَة أحباب فحب علاقَة ... وَحب تملاق، وَحب هُوَ الْقَتْل)

стр. 775

[١٥] فَقُلْنَا لَهُ: زِدْنَا: فَقَالَ: الْبَيْت يَتِيم، أَي مُنْفَرد. [١٥] وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: إِذا بلغ الصَّبِي زَالَ عَنهُ اسْم الْيُتْم، يُقَال مِنْهُ: يتم ييتم يتما ويتما، وَجمع الْيَتِيم يتامى وأيتام، وكل مُنْفَرد عَن الْعَرَب يَتِيم ويتيمة. قَالَ: وَقيل أَيْضا: أصل الْيُتْم الْغَفْلَة، وَبِه سمي الْيَتِيم لِأَنَّهُ يتغافل عَن بره. والمراة تدعى يتيمة مالم تتَزَوَّج، فَإِذا تزوجت زَالَ عَنْهَا اسْم الْيُتْم. وَقيل: لَا يَزُول عَنْهَا اسْم الْيُتْم أبدا. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الْيُتْم: الإبطاء، وَمِنْه أَخذ الْيَتِيم، لِأَن الْبر يبطئ عَنهُ. [١٥] وَأما كَفَالَة الْيَتِيم فمعناها الْقيام بأَمْره وتربيته. ٧٧٧ - / ٩٢٨ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " من يضمن لي مَا بَين لحييْهِ وَمَا بَين رجلَيْهِ أضمن لَهُ الْجنَّة ". [١٥] الْإِشَارَة إِلَى اللِّسَان والفرج. وَالْمرَاد بِالضَّمَانِ الْوَفَاء بترك الْمعاصِي بهما. ٧٧٨ - / ٩٢٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: هَل أكل رَسُول الله ﷺ النقي؟ يَعْنِي الحوارى. [١٥] وَقَوله: مَا بَقِي ثريناه: أَي بللناه بِالْمَاءِ. وَأَصله من الثرى وَهُوَ التُّرَاب الندي.
следующие страницы →