فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا" (١)، ولأنه تحريم للزوجة بغير طلاق فوجبت به كفارة الظهار كما لو قال: أنت علي حرام كظهر أمي. ولأنه صريح في تحريمها فكان ظهارًا وإن نوى غيره كما لو قال: أنت علي كظهر أمي.
الثالث: ذهب المالكية في المشهور عندهم (٢) إلى أن التحريم يقع به الطلاق ثلاثًا في حق المدخول بها ونيته في غير الدخول بها.
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في ألفاظ التحريم أنها ظهار كما في قول الزوج لزوجته: تراك علي حرام مدة عام في فتواها رقم (١١٧٨)، وقول زوج آخر: أنت علي حرام اعتبارًا من هذا اليوم في فتواها رقم (١١٧٢)(٣).
وفي الفتوى رقم (٩٠١٠) في قول الرجل: "أنت محرمة علي لن أقترب منك ولن أجامعك" فأفتت بأنه إن كان قصده من التحريم الظهار فهو ظهار وإن قصد به الطلاق فهو طلاق وإن قصد به اليمين فهو كذلك (٤).
آثار الظهار:
١ - حرمة الوطء قبل التكفير:
لا خلاف بين الفقهاء أن المظاهر يحرم عليه وطء زوجته قبل أن يكفر عن ظهاره إذا كان فرضه في الكفارة العتق أو الصيام (٥) لقوله : ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ
стр. 1017
نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، وهو أمر المظاهر بتحرير رقبة قبل المسيس فلو لم يحرم الوطء قبل المسيس لم يكن للأمر بتقديم التحرير قبل المسيس معنى ومثل ذلك في الصيام، ولحديث ابن عباس ﵁: أن رجلًا أتى النبي ﷺ قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال: يا رسول الله إني قد ظاهرت من زوجتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال: "وما حملك على ذلك يرحمك الله؟ " قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: "فلا تقربها حتى تفعل أمرك به الله" رواه أصحاب السنن (٢). وفي رواية: "استغفر الله ولا تعد حتى تكفر" (٣) فأمره ﷺ بالاستغفار ولا يكون ذلك إلا عن الذنب فدل على حرمة الوطء، ونهاه ﷺ عن العود إلى الجماع ومطلق النهي للتحريم فيدل على حرمة الجماع قبل الكفارة.
стр. 1018
أما إذا كان فرضه في الكفارة الإطعام فالجمهور على أن ذلك لا يجوز أيضًا حتى يكفر قياسًا على الكفارة.
٢ - حرمة الاستمتاع بما دون الوطء:
اختلف الفقهاء هل يحرم الاستمتاع بالزوجة المظاهر منها بالمباشرة والتقبيل واللمس عن شهوة ونحو ذلك قبل التكفير عن الظهار أم لا؟ على قولين:
الأول: ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في القديم والحنابلة في المذهب عندهم (١) إلى أنه يحرم؛ لقوله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وأخف ما يقع عليه اسم المس هو اللمس باليد إذ هو حقيقة لهما جميعا أعني الجماع واللمس باليد لوجود معنى المس باليد فيهما؛ ولأن الاستمتاع داع إلى الجماع فإذا حرم الجماع حرم الداعي إليه إذ لو لم يحرم لأدى إلى التناقض، ولأن ما حرم الوطء من القول حرم دواعيه كالطلاق والإحرام.
الثاني: ذهب الشافعية في الجديد والحنابلة في رواية إلى جوازه (٢)؛ لأنه وطء يتعلق بتحريمه حال فلم يتجاوزه التحريم كوطء الحائض. وقالوا: إن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ محمول على الجماع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٣).
وعلى القول بالتحريم لا ينبغي للمرأة إذا ظاهر منها زوجها أن تدعه يقربها بالوطء والاستمتاع حتى يكفر؛ لأن ذلك حرام عليه والتمكين من الحرام
стр. 1019
حرام (١)، على أن ذلك لا يسقط حقها في الاستمتاع به فلها أن تطالبه بالوطء، وإذا طالبته به فعلى الحاكم أن يجبره على أن يكفر حتى يطأ؛ لأنه بالتحريم بالظهار أضر بها حيث منعها حقها في الوطء مع قيام الملك فكان لها المطالبة بإيفاء حقها ودفع التضرر عنها وفي وسعه إيفاء حقها بإزالة الحرمة بالكفارة فيجب عليه ذلك ويجبر عليه لو امتنع.
كفارة الظهار:
كفارة الظهار أحد ثلاثة أمور على الترتيب: إعتاق رقبة لمن يجد ذلك، ثم صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد الرقبة، ثم الإطعام لمن لم يجد الرقبة ولم يستطع الصيام.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
ولحديث خولة بنت مالك حين ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فشكت أمرها إلى رسول الله ﷺ ونزل القرآن فقال لها رسول الله ﷺ : "يعتق رقبة"، قالت: لا يجد، قال: "فيصوم شهرين متتابعين"، قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: "فليطعم ستين مسكينا"، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قال: "فإني سأعينه بعرق من تمر"، قالت: يا رسول الله وإني أعينه بعرق آخر، قال: "قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا وارجعي إلى
стр. 1020
ابن عمك" (١).
ولحديث سلمة بن صخر الأنصاري ﵁ حين ظاهر من امرأته في شهر رمضان ثم وقع عليها في إحدى لياليه فقد قال له ﷺ : "اعتق رقبة"، قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي فقلت: لا والذي بعثك بالحق لا أملك غيرها، قال: "فصم شهرين"، قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: "فأطعم ستين مسكينا"، فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وُحُشًا ما لنا عشاء، قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك ... " (٢)، فمن وجد رقبة يستغني عنها أو وجد ثمنها فاضلا عن حاجته ووجدها به لم يجزئه إلا الإعتاق.
стр. 1021
العود الذي تجب به الكفارة:
لا يخلو الظهار إما أن يكون مطلقًا من غير تقييد بوقت أو يكون مؤقتا فإن كان مطلقًا فلا خلاف بين الفقهاء أن الكفارة لا تجب إلا بعد وجود العود إلا أنهم اختلفوا في طبيعة هذا العود على ثلاثة أقوال:
الأول: ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة في رواية (١) إلى أن العود هو العزم على الوطء عزمًا مؤكدًا حتى لو عزم ثم بدا له في أن لا يطأها لا كفارة عليه لعدم العزم المؤكد.
الثاني: ذهب الشافعية (٢) إلى أن العود هو أن يمسكها بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلقها فلم يفعل والدليل على ذلك أن تشبيهها بالأم يقتضي ألا يمسكها فإذا أمسكها فقد عاد فيما قال؛ لأن العود للقول مخالفته وهو قريب من قولهم عاد في هبته.
الثالث: ذهب الحنابلة في المذهب عندهم والشافعية في القديم (٣) إلى أنه الوطء في الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٤)، فأوجب الكفارة عقب الوطء وذلك يقتضي تعلقها به، ولا تجب قبل ذلك إلا أنها شرط لحل الوطء فيؤمر بها من أراده ليستحله بها كما يؤمر بعقد النكاح من أراد حلها ولأن العود في القول هو فعل ضد ما قال كما أن العود في الهبة استرجاع ما وهب.
стр. 1022
ما ينتهي به حكم الظهار:
ينتهي حكم الظهار بموت أحد الزوجين لأنه بذلك يبطل محله ولا يتصور بقاء الشيء في غير محله، وبالكفارة إن كان مطلقًا ولم يقيده الزوج بوقت، أما إن قيده بوقت كأن قال: أنت علي كظهر أمي أسبوعًا أو شهرًا أو شهرين ونحو ذلك فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
الأول: فقد ذهب الحنفية والشافعية في الأظهر عندهم والحنابلة (١) إلى صحة الظهار مؤقتًا بوقت كيوم وشهر وشهرين ونحو ذلك؛ لحديث سلمة بن صخر البياضي أنه قال: "تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان ... " وأخبر النبي ﷺ أنه أصابها في الشهر فأمره بالكفارة ولم يعتبر عليه تقييده، ولأنه منع نفسه منها بيمين لها كفارة فصح مؤقتًا كالإيلاء.
الثاني: ذهب المالكية والشافعية في قول (٢) إلى عدم صحته مؤقتًا وأنه إذا وقته يلغى التوقيت ويكون مؤبدًا تشبيهًا له بالطلاق.
стр. 1023
اللعان
اللعان في اللغة: المباهلة، وهو مصدر لاعن يلاعن مأخوذ من اللعن وهو الطرد والإبعاد. والملاعنة بين الزوجين أن يقذف الرجل امرأته بالزنا، أو برجل أنه زنى بها، وسمي بذلك لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه (١).
واللعان شرعًا: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن أو الغضب قائمة مقام حد القذف في جانب الزوج ومقام حد الزنا في جانب الزوجة (٢).
مشروعية اللعان:
الأصل في مشروعية اللعان الكتاب والسنة:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣).
وأما السنة فحديث عويمر العجلاني قال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد أنزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها"، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين. متفق عليه (٤).
стр. 1024
الحكمة من مشروعية اللعان:
أن الرجل قد يبتلى بامرأة تفسد فراشه بالزنا فيعظم عليه إشهاد شهود عليها وقتئذ حيث يلحقه العار بذلك، وإن قذفها وليس له بينة أقيم عليه الحد، وإن سكت قد يلحقه من ذلك نسب غيره، فشرع له اللعان خروجًا من ذلك، لهذا لما نزلت آية اللعان قال النبي ﷺ : "أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجًا ومخرجا" فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي (١).
شروط اللعان:
يشترط لصحة اللعان ما يلي:
١ - أن يقذف الزوج زوجته بالزنا في القبل أو الدبر، أو ينفي حملها أو ولدها.
٢ - قيام الزوجية بين المتلاعنين فلو قذف أجنبية ولم تكن لديه بينة حد حد القذف (٢). ولا يشترط الدخول بالزوجة فلو قذف امرأته قبل أن يدخل بها جاز له ملاعنتها بالإجماع (٣).
٣ - أن تكذبه الزوجة في قذفه لها ولا تكون لديه بينة على ما ادعاه ويستمر ذلك إلى انقضاء اللعان (٤).
٤ - أن يكون الزوجان مكلفين أي بالغين عاقلين. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الصبي إذا قذف امرأته أنه لا يضرب ولا يلاعن (٥).
стр. 1025
٥ - الإِسلام (١): أما الإِسلام فهو شرط لصحة اللعان في الرجل عند الحنفية والمالكية؛ لأنه شهادة وغير المسلم ليس من أهلها. وعند الشافعية والحنابلة يصح لعان غير المسلم لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٢)، ولأن اللعان أيمان بدليل قوله ﷺ : "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" (٣). والأيمان تكون من غير المسلمين كما في حديث القسامة.
٦ - أن يكون بالصيغة التي ورد بها الشرع أشهد في الأربع مرات منه ومنها واللعن منه في الخامسة والغضب منها، فيقول: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنا مشيرًا إليها إن كانت حاضرة وإن لم تكن حاضرة بالمجلس سماها ونسبها بما تتميز به حتى تنتفي المشاركة بينها وبين غيرها ويعيد قوله أشهد بالله الخ مرة بعد أخرى حتى يكمل ذلك أربع مرات، ثم يقول في المرة الخامسة أن لعنة الله عليَّ إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا، ثم تقول هي أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتشير إليه إن كان حاضرًا بالمجلس وإن كان غائبا عن المجلس سمته ونسبته كما تقدم وتكرر ذلك أربع مرات ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين فيما رماني من الزنا.
стр. 1026
ويشترط أن يبدأ به الزوج ثم المرأة فإن بدأت به المرأة أعادته بعده، ولكن لو لم تعد المرأة وفرق بينهما نفذ (١).
٧ - أن يكون بحضور السلطان أو نائبه: وقد أجمع الفقهاء على أن اللعان لا يكون إلا بحضور السلطان أو من ينيبه (٢)، ويشترط المالكية إضافة إلى ذلك حضور جماعة أقلها أربعة من العدول، بينما استحب ذلك الشافعية والحنابلة (٣).
٨ - أن يكون في المسجد: لا يختلف الفقهاء أن اللعان لا يكون إلا في المسجد الجامع؛ لأن النبي لاعن بين المتلاعنين في مسجده (٤).
٩ - ويشترط المالكية في اللعان إن كان لنفي الحمل أو الولد التعجيل بأن لا يؤخره بعد العلم بالوضع أو الحمل. وأن لا يطأ المرأة بعد الرؤية أو العلم بالوضع أو الحمل (٥).
نكول الزوج عن اللعان (٦):
إذا نكل الزوج عن اللعان بعد قذفه لزوجته بالزنا وطالبته الزوجة بحد القذف فللفقهاء في ذلك قولان:
стр. 1027
الأول: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يحد للقذف لعموم أدلة حد القذف.
الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يحبس حتى يلاعن أو تصدقه المرأة فيما ادعاه أو يكذب نفسه فيحد للقذف؛ لأن الله جعل اللعان موجب قذف الرجل زوجته. وقالوا: آية حد القذف منسوخ منها حد الزوج بآية اللعان والدليل عليه ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "كنا جلوسًا في المسجد ليلة الجمعة فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله أرأيتم الرجل يجد مع امرأته رجلًا فإن قتله قتلتموه وإن تكلم به جلدتموه، وإن أمسك أمسك على غيظ؟ ثم جعل يقول: اللَّهم افتح فنزلت آية اللعان" (١)، قالوا: دل قوله: "وإن تكلم به جلدتموه" على أن موجب قذف الزوجة كان الحد قبل نزول آية اللعان ثم نسخ في الزوجات بآية اللعان حيث ينسخ عندهم الخاص المتأخر العام المتقدم.
نكول المرأة عن اللعان بعد يمين الزوج (٢):
وإذا امتنعت المرأة عن اليمين بعد أن حلف الزوج فقد اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:
الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنها تحبس حتى تلاعن أو تقر بالزنا أربع مرات فتحد حده.
стр. 1028
الثاني: ذهب الشافعية والمالكية إلى أنها بنكولها تحد حد الزنا لأن الحد إنما يدرأ عنها باللعان فإذا امتنعت عنه لم يسقط عنها لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (١).
الآثار المترتبة على اللعان (٢):
١ - انتفاء الحد عن الزوجين:
فعندما يتم اللعان بين الزوجين يسقط حد القذف في حق الزوج ويسقط حد الزنا في حق الزوجة.
٢ - حصول الفرقة المؤبدة بين الزوجين:
لا خلاف بين الفقهاء في أن اللعان تترتب عليه فرقة مؤبدة بين الزوجين المتلاعنين، واختلفوا هل حصول الفرقة متوقف على حكم القاضي أم لا؟ على قولين:
الأول: ذهب الحنفية والحنابلة في رواية إلى أنه يتوقف على حكم القاضي؛ لحديث نافع عن ابن عمر: "أن رجلًا لاعن امرأته في زمن النبي ﷺ وانتفى من ولدها ففرق النبي ﷺ بينهما وألحق الولد بالمرأة" متفق عليه (٣)، وحديث سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر: رجل قذف امرأته فقال: فرق النبي ﷺ بين أخوي بني العجلان وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " فأبيا، وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " فأبيا، فقال: "الله يعلم أن أحدكما
стр. 1029
كاذب فهل منكما تائب؟ " فأبيا ففرق بينهما (١)، فقالوا إن الحديثين يدلان على أن رسول الله هو الذي فرق بين المتلاعنين.
الثاني: ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب عندهم وزفر من الحنفية أن الفرقة تقع بمجرد اللعان من غير توقف على حكم القاضي. واستدلوا بحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" (٢)، وحديث عمر ﵁ أنه قال: "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا" (٣)، وقالوا: في بقاء النكاح اجتماعهما وهو خلاف النص، ولأن اللعان يقتضي التحريم المؤبد فلا يحتاج إلى حكم القاضي في التفريق كالرضاع، ولأنها فرقة واقعة بدون رضا الزوجين فلم يتوقف على حكم القاضي.
٣ - انتفاء الولد إن نفاه الزوج في اللعان:
ينتفي نسب الولد إذا نفاه الزوج باللعان، فينسب إلى الزوجة؟ لحديث ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ لاعن بين رجل وامرأته فانتفى من ولدها ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة" رواه البخاري ومسلمٌ (٤).
стр. 1030
هل الفرقة بين الزوجين باللعان فسخ أم طلاق ؟
اختلف الفقهاء في الفرقة الحاصلة باللعان هل هي فسخ أم طلاق؟ على قولين:
الأول: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية (١) إلى أنها فسخ يوجب التحريم المؤبد كحرمة الرضاع لما تقدم من قوله ﷺ : "لا يجتمعان أبدًا"، ولحديث سهل بن سعد ﵁ في حديث المتلاعنين قال: "فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا" (٢).
الثاني: ذهب أبو حنيفة ومحمَّد إلى أن فرقة اللعان طلاق بائن (٣)، قالوا إنها طلاق لأنها من جانب الزوج، وبائن لتوقفها على القضاء.
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بالرأي الأول في فتواها رقم (٧٥١٨)(٤).
стр. 1031
باب استلحاق النسب
الاستلحاق لغة: ادعاء الشيء وطلب لحوقه (١).
واصطلاحا: ادعاء رجل أبوة آخر (٢).
إذا ولدت الزوجة مولودًا وأمكن أن يكون لزوجها نسب إليه ما لم ينفه باللعان. والأصل في ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: اختصم سعد ابن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة ابن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة فقال: "هو لك يا عبد الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة"، فلم تره سودة قط. متفق عليه (٣).
الحالات التي ينسب المولود فيها للزوج:
نسب المولود يمكن أن يكون للزوج في الحالات الآتية (٤):
١ - أن تكون الزوجة في عصمة زوجها:
إذا أتت الزوجة بالمولود بعد ستة أشهر فأكثر من وقت إمكان وطء الزوج لها وكان الزوج ممّن يولد لمثله، فهذا المولود ينسب إليه سواء كان حاضرًا بعد ذلك أم غائبا؛ لأن هذه المدة هي أقل ما يمكن الحمل والولادة فيها. وعليه فإن أتت بالمولود لأقل من ستة أشهر منذ زواجها وعاش لم يلحقه نسبه؛ لأنها مدة لا
стр. 1032
يمكن أن تحمل المرأة وتلد فيها، فعلم أنها كانت حاملًا قبل زواجها. وهذا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن المرأة إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم عقد نكاحها أن الولد لا يلحق به وإن جاءت به لستة أشهر من يوم عقد نكاحها فالولد له" (١).
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بهذا الحكم في فتواها رقم (٨٥٧٦)، ورقم (١٤٣٤٨)(٢).
وإذا ثبت هذا فلو سافر الزوج سفرًا طويلًا بعد معاشرة الزوجة ولم يعلم بحملها قبل السفر ثم لما رجع وجدها حاملًا أو قد ولدت فالولد يلحق به ولا يجوز له إنكاره إلا باللعان. وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٧٥١٨)(٣).
عدم تأثير تغير لون المولود في لحوق النسب:
إذا ولدت الزوجة مولودًا بعد ستة أشهر فأكثر من زواجها وكان لونه مخالفا للون الزوج لم يؤثر ذلك في لحوق نسبه إليه، ولا يملك الزوج نفيه إلا باللعان؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود فقال النبي ﷺ : "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: إن فيها لورقًا، قال: "فأنى أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" رواه البخاري ومسلمٌ (٤).
стр. 1033
قال الإِمام النووي: "وفي هذا الحديث أن الولد يلحق الزوج وإن خالف لونه لونه حتى لو كان الأب أبيض والولد أسود أو عكسه لحقه ولا يحل له نفيه بمجرد المخالفة في اللون وكذا لو كان الزوجان أبيضين فجاء الولد أسود أو عكسه لاحتمال أنه نزعه عرق من أسلافه" (١).
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بهذا الحكم في فتواها رقم (٨٣٣١)(٢).
زنا الزوجة وأثره على نسب المولود:
إذا زنت امرأة وهي في عصمة رجل يطؤها فأتت بمولود فهو لزوجها ما لم ينفه باللعان لحديث عائشة المتقدم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بهذا الحكم في فتواها رقم (٤٢٢٥)(٣).
٢ - أن تكون الزوجة مطلقة:
ففي هذه الحالة إما أن يكون الطلاق رجعيًا أو بائنا فإن كان رجعيًا فيلحقه نسبه إذا أتت إلا بأن تأتي بالمولود بعد أربع سنين من انقضاء عدتها؛ لأن هذه المدة هي أكثر مدة الحمل والرجعية في حكم الزوجات فأشبه ما بعد الطلاق ما قبله.
أما إن كان الطلاق بائنا فإن أتت به لدون أربع سنين منذ أبانها نسب إليه لما تقدم، وإن أتت به أكثر من أربع سنين منذ أبانها لم يلحقه نسبه؛ لأنا علمنا أنها حملت به بعد النكاح. وكذا لو أخبرت بانقضاء عدتها بالقرء ثم أتت به لأكثر من
стр. 1034
ستة أشهر لم يلحق الزوج نسبه؛ لأنها أتت به بعد الحكم بانقضاء عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه فلم يلحقه كما لو انقضت عدتها بالحمل (١).
حكم لحوق النسب بالقيافة:
اختلف الفقهاء في لحوق النسب بالقيافة على قولين:
الأول: جواز لحوق النسب بالقيافة عند التنازع وعدم الدليل، أو عند تعارض الأدلة وعدم وجود ما هو أقوى منها وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (٢)، على أنهم اختلفوا في تفاصيل ذلك.
واستدلوا بأن رسول الله ﷺ اعتبرها في نسب زيد بن حارثة فعن عائشة رضي الله تعالى عنها: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم وهو مسرور فقال: "يا عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٣) متفق عليه.
وجه الاستدلال أن النبي ﷺ سر بذلك ولا يسر ﷺ بباطل.
وكذلك حديث عائشة ﵂: أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ : هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء؟ فقال: "نعم"، فقالت لها عائشة: تربت يداك وأُلَّتْ (٤)، فقال رسول الله ﷺ : "دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا
стр. 1035
على ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا على ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه" (١) رواه مسلم.
وحديث أنس بن مالك أن أم سليم سألت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل"، فقالت أم سليم واستحييت من ذلك -قالت-: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله ﷺ : "نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما على أو سبق يكون منه الشبه" (٢) رواه مسلم.
فقد دل الحديثان على أن مني المرأة ومني الرجل يحدث شبها في الولد بالأبوين فيأتي في الخلقة والأعضاء والمحاسن ما يدل على الأنساب.
ولأن الصحابة ﵃ عملوا بها في إثبات النسب عند التنازع فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يلحق أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإِسلام وكان يدعو القافة ويأخذ بقولهم واشتهر ذلك بين الصحابة من غير نكير. فعن سليمان بن يسار "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يُلِيط (٣) أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإِسلام فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة فدعا عمر بن الخطاب قائفًا فنظر إليهما فقال القائف: لقد اشتركا فيه، فضربه عمر بن الخطاب بالدرة ثم دعا المرأة فقال: أخبريني خبرك فقالت: كان هذا لأحد الرجلين يأتيني وهي في إبل لأهلها فلا يفارقها حتى يَظُنّ وتَظُنّ أنه قد استمر بها حبل، ثم انصرف عنها فأُهريقت عليه دماءٌ ثم خَلَفَ عليها هذا تعني الآخر فلا أدري من أيهما هو. قال:
стр. 1036
فكبر الفائق، فقال عمر للغلام: وال أيهما شئت" رواه مالك (١).
الثاني: عدم جواز لحوق النسب بالقيافة وهو مذهب الحنفية (٢). واستدلوا بحديث: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (٣)، وأنه يفيد الحصر في أن النسب يلحق للفراش فلا يجوز ثبوته بالقيافة.
وأجابوا عن حديث سرور النبي ﷺ بما قاله القافة في قصة زيد بأن ذلك لم يكن لإلحاق النسب بل لأنه يكف المنافقين عن الطعن في نسب زيد لاعتقادهم بحجية القيافة.
الترجيح: ولعل الراجح هو قول الجمهور للأدلة التي استدلوا بها.
حكم لحوق النسب بواسطة البصمة الوراثية:
لقد شهد القرن العشرون تطورا هائلًا في شتى مجالات العلوم وكان من ثمرة ذلك من الناحية الطبية اكتشاف البصمة الوراثية (DNA) وتعرف أيضًا بالحمض النووي وهي المادة الوراثية الموجودة في خلايا جميع الكائنات الحية والتي يمكن عن طريق تحليلها معرفة الكائن وتحديده بدقة.
وقد قال كثير من الفقهاء المعاصرين بالأخذ بالحمض النووي كقرينة قوية مقدمة على القيافة في ثبوت النسب؛ لأنه يمكن عن طريقه معرفة الأم والأب والأخت والأخ بصورة قاطعة تصل إلى حد ٩٩. ٩ %، ويمكن معرفة انتفاء النسب عن طريقه بنسبة ١٠٠ %، ففي حالة تنازع اثنين في ولد يمكن إثباته أو نفيه بذلك مع الأخذ في الاعتبار الضمانات الشرعية الكفيلة بمنع التلاعب.
стр. 1037
نسب ولد الزنا:
اختلف الفقهاء في نسب ولد الزنا وهو الذي يولد على غير فراش الزوجية هل يلحق بأمه أو بالزاني؟ على قولين:
القول الأول: أنه يلحق بالزاني إذا استلحقه وهو مذهب إسحاق بن راهويه واختيار ابن تيمية وتلميذه ابن القيم؛ وقال الحسن وابن سيرين: يلحقه إذا أقيم عليه الحد، وقال إبراهيم يلحقه إن أقيم عليه الحد أو ملك الموطوءة (١).
وذلك كله بناء على أن زنا الرجل حقيقة ثابتة فكما ثبت نسبه من الأم ثبت نسبه من الزاني حتى لا يضيع نسب الولد فيصيبه الضرر والعار بسبب جريمة لم يرتكبها. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢). والقول بهذا القول قوي وخصوصًا في المجتمعات الغربية التي يتعارف فيها الزوجان وينجبان قبل الزواج ثم يتزوجان بعد ذلك ثم يتوبان إلى الله وتصلح أحوالهما بعد ذلك وقد نسب إليهما أولادهما وعاشوا في كنفهم.
القول الثاني: أنه يلحق بأمه ولا يلحق بالزاني وهو مذهب جمهور الفقهاء لحديث عائشة ﵂: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر". ولأن النسب نعمة من الله تعالى في علاقة مشروعة فيجب أن لا يترتب على الزنا الذي هو جريمة. ولأنه لا يلحق به إذا لم يستلحقه، فلم يلحق به بحال، كما لو كانت أمه فراشا، أو كما لو لم يجلد الحد عند من اعتبره (٣).
стр. 1038
وقد أجاب الأولون عن الحديث بأنه إنما يكون للعاهر الحجر في دعوى النسب إذا نازعه ذو فراش.
وقد رجحت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية قول الجمهور وأفتت به في فتواها رقم (٦٤٩٩)(١).
ولا يختلف الحكم عند الجمهور لو ادعى الزاني النسب أو تزوج بالمرأة المزني بها زواجًا شرعيًا صحيحًا بعد الزنا واستلحق المولود فلا يجوز إلحاق نسبه بهذا الرجل. وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في عدد من فتاواها من ذلك الفتوى رقم (٥٥٥٤)، والفتوى رقم (١٠٦٦٣)(٢)، وغيرهما.
وإذا ثبت هذا فولد الزنا من حيث الإِسلام والحقوق كالإرث ووجوب النفقة ونحو ذلك تابع لأمه وأقاربها, ولا تجب على الزاني نفقته ولا توارث بينهما. وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٣٤٠٨) ورقم (٦٤٩٩)، ورقم (٥٥١٢)(٣).
стр. 1039
حكم التبني
كان التبني معروفًا في الجاهلية وهو أن يلحق الرجل شخصًا أجنبيًا بنسبه، فيكون كالولد الحقيقي في نسبه وإرثه ونصرته ونحو ذلك. وكان النبي ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة قبل الرسالة فكان يدعى زيد بن محمد، ثم جاء تحريم ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١). ولحديث سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة عن النبي ﷺ : "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام" رواه البخاري ومسلمٌ (٢).
فلا يجوز أن يتبنى أحد أجنبيًا عنه ويلحقه بنسبه كأحد أولاده أو بناته بحيث يكون له حقوق الأبناء الشرعية، وسواء كان الشخص معلوم النسب أم لا. وقد أفتت بهذا الحكم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في عدد من فتاواها من ذلك فتاواها رقم (٥٣)، ورقم (٦٠٠٦)، ورقم (٣٠٠٠)، ورقم (٣١٤٩)(٣).
استحباب رعاية الأطفال مجهولي النسب:
لا يعني إبطال الشرع للتبني عدم مشروعية الإحسان إلى الأيتام واللقطاء ونحوهم من مجهولي النسب، بل قد أوجب الشرع رعايتهم على بيت المال.
стр. 1040
ويستحب للفرد المتقدم لطلب رعاية أحد هؤلاء وتربيته وتنشئته بحيث يتربى في أحضان الأسرة بشرط أن لا يلحقه بنسبه مع مراعاة أحكام الشريعة من حيث الاختلاط لأن حكمه في الأسرة حكم الأجنبي شرعًا وإن أمكن إرضاعه من إحدى المحارم لكان أولى حتى يكون كأحد أولادهم من حيث الخلوة والمحرمية.
ودليل استحباب ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). وقوله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" رواه مسلم (٢)، وحديث: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" رواه البخاري ومسلمٌ (٣). ولأن ذلك يعينه على تأمين مستقبل زاهر له ويكفل للأمة الأمان من شر سوء تربيته.
وقد أفتتت بذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٨٥٩٢)(٤)، وفي الفتاوى التي تقدّمت الإشارة إليها قريبا.
стр. 1041
الفِقهُ الميَسَّر
كتاب العدة
стр. 1042
كتاب العدة
العدة لغة: الإحصاء، أو الشيء المعدود، مأخوذة من العد والحساب ومنه قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، أي عدد ما فاته من أيام شهر رمضان. وعدة المرأة هي الأيام التي بانقضائها يحل لها التزوج وهي مأخوذة من العد أيضًا لاشتمالها على العدد من الأقراء أو الأشهر غالبًا، وجمعها عِدَد (٢).
العدة شرعا: التربص المحدود شرعا (٣).
مشروعيتها:
الأصل في مشروعية العدة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦).
وأما السنة فمنها حديث فاطمة بنت قيس ﵂: أن أبا حفص ابن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثًا ثم انطلق إلى اليمن فقال لها أهله: ليس لك علينا نفقة، فانطلق خالد بن الوليد ﵁ في نفر فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة ﵂
стр. 1043
فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثًا فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليست لها نفقة وعليها العدة" الحديث رواه مسلم (١).
وحديث عائشة ﵂ قالت: "أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض" رواه ابن ماجه (٢).
وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من الفقهاء (٣).
وأما المعقول فلأن الزوج يحتاج لمدة يفكر فيها ويراجع أموره وكذا تحتاج الزوجة لمدة تستبرئ بها رحمها وليعرف الزوجان عظم ما بينهما من عقد فلا يقدمان على إنهائه إلا بعد ترو وتفكير.
الحكمة من مشروعية العدة:
إن من أهم المعاني التي تظهر فيها الحكمة من العدة استبراء رحم المرأة للتأكد من حملها أو عدمه حتى لا يحصل اختلاط للأنساب، وفيها أيضا إتاحة الفرصة للزوج لمراجعة نفسه إن أراد إبقاء المرأة في عصمته في الطلاق الرجعي، كما أن فيها معنى تعظيم خطر عقد النكاح ورفع قدره وإظهار شرفه، والاحتياط لحق الزوج ومصلحة الزوجة وحق الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه (٤).
стр. 1044
شروط العدة:
يشترط لوجوب العدة ما يلي (١):
١ - حصول الفرقة سواء بالطلاق أو الخلع أو الفسخ أو بالموت.
٢ - أن يسبق الفرقة حصول الوطء، وهذا بغير خلاف بين الفقهاء، أو حصول خلوة يمكن فيها الوطء عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في القديم والحنابلة، وذهب الشافعية في الجديد عندهم إلى أن العدة لا تجب بخلوة مجردة عن الوطء.
إذًا فلو لم يقع الوطء ولا الخلوة لم تجب العدة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٢). ويرى الشافعية وجوب العدة أيضًا باستدخال الزوجة مني الزوج ولو لم يحصل الوطء؛ لأنه أقرب إلى العلوق بالرحم من مجرد الإيلاج (٣)
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بعدم وجوب العدة على الزوجة المطلقة غير المدخول بها في فتواها رقم (٥٦٢)(٤).
٣ - أن يكون الزوج بالغصا أو ممّن يولد لمثله.
٤ - أن تكون الزوجة بالغة أو ممّن يوطأ مثلها. فلو كانت ممّن لا يوطأ مثلها كالتي دون تسع سنين فلا عدة للعلم ببراءة الرحم في حقها.
стр. 1045
أقسام المعتدات:
١ - الحامل:
وعدتها بوضع جميع الحمل سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها، مسلمة أو كافرة، حرة أو أمة، ودليل ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١).
٢ - المتوفى عنها زوجها غير الحامل:
وعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢). ولا يختلف ذلك سواء كانت المرأة مدخولًا بها أم لا، كبيرة كانت أو صغيرة لعموم الآية وقد أجمع الفقهاء على ذلك قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن عدة الحرة المسلمة التي ليست بحامل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرا مدخولًا بها وغير مدخول صغيرة لم تبلغ أو كبيرة" (٣). ونقل الإجماع أيضًا ابن رشد، والموفق وغيرهما (٤).
وهذا الحكم خاص بمن كانت حرة من النساء، وأما الأمة فالقاعدة فيها أن عدتها على النصف من عدة الحرة.
وإذا مات زوج الرجعية استأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا بغير خلاف قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن مطلق زوجته طلاقًا يملك فيه رجعتها ثم توفي قبل انقضاء العدة أن عليها عدة الوفاة وترثه" (٥). وذلك لأن الرجعية زوجة
стр. 1046
يلحقها طلاقه وينالها ميراثه فاعتدت للوفاة كغير المطلقة.
وأما البائن فإذا مات زوجها قبل انتهاء عدتها فقد اتفق الفقهاء على أنها تبني على عدة الطلاق؛ لأنه مات وليست زوجة، واستثنى الحنفية والحنابلة (١) ما إذا طلقها في مرض موته فإنها تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء؛ لأنها عندئذ وارثة له فتجب عليها عدة الوفاة كالرجعية. وأما البناء على عدة الطلاق في حالة الصحة فلعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢)، ولأنها أجنبية منه في نكاحه وميراثه.
٣ - ذات القروء:
وهي التي تحيض وعدتها ثلاثة قروء بالإجماع (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤). وهذا في حكم الحرة أما الأمة فعدتها قرآن روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، وقياسًا على الحدود ولما كان القرء الواحد لا يتبعض وجب تكميله فصار قرءين (٥).
وقد اختلف الفقهاء هل القرء هو الحيض أو الطهر؟ على قولين:
الأول: أن القرء هو الحيض وإليه ذهب الحنفية وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، وهو قول الخلفاء الراشدين والعبادلة وجمع من الصحابة ﵃ جميعا (٦).
стр. 1047
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١)، حيث نقل من لا تحيض إلى الاعتداد بالأشهر فدل ذلك على أن الحيض هو الأصل، ولحديث عروة بن الزبير عن زينب بنت أم سلمة "أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي ﷺ أن تدع الصلاة أيام إقرائها ثم تغتسل وتصلي" رواه أبو داود (٢)، وحديث فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله ﷺ -قال لها: "انظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء" رواه النسائي (٣)، وحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان" رواه أبو داود، وهو نص في الموضوع (٤).
الثاني: أن القرء هو الطهر وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في رواية (٥).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٦)، أي في عدتهن فأمر سبحانه الرجل إذا طلق امرأته أن يكون ذلك في العدة وهو
стр. 1048
الطهر، يؤكده حديث ابن عمر لما طلق امرأته وهي حائض حيث قال ﷺ لعمر ﵁: "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء طلق وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" متفق عليه.
وأجاب الأولون عن الاستدلال بالآية بأن معنى فطلقوهن لعدتهن أي لاستقبال عدتهن على حذف المضاف، أو مستقبلات لعدتهن (١).
الراجح: هو القول الأول لقوة ما استندوا إليه.
٤ - من لا تحيض ليأس أو صغر:
وعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٢). وقيل حد اليأس خمسون سنة، واختار شيخ الإسلام أن لا حد لأكثر سنه (٣)، وهو الذي يؤيده الواقع وطب النساء والولادة.
٥ - من ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه:
إذا ارتفع حيضها لعارض عرفته كالرضاع أو المرض انتظرت حتى يرتفع العارض فتعتد بالحيض وإن طال إلا أن تبلغ سن اليأس فتعتد عدته (٤).
وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (١٤٠٩٨)(٥).
стр. 1049
وأما إذا ارتفع ولم تدر ما رفعه فقد اختلف الفقهاء في عدتها على ثلاثة أقوال:
الأول: ذهب الحنابلة والمالكية والشافعية في قول (١) أن عدتها سنة منذ انقطع الحيض بعد الطلاق، وإن كان الانقطاع قبل الطلاق فتسعة أشهر لتعلم براءة رحمها؛ لأنها غالب مدة الحمل، وثلاثة أشهر عدة الإياس؛ لقضاء عمر بذلك ولم يعلم له نكير، ولأن الغرض بالاعتداد معرفة براءة رحم المرأة وتحصل بذلك فاكتفي به.
الثاني: ذهب الشافعية في قول إلى أنها تعتد أربع سنوات (٢)؛ لأنه أكثر مدة الحمل، وهي المدة التي يتيقن بها براءة رحمها فوجب اعتبارها احتياطا، ثم تعتد ثلاثة شهور للإياس.
الثالث: وذهب الشافعية في الجديد من مذهبهم إلى أن عدتها تستمر أبدا حتى تحيض أو تبلغ سن اليأس فتعتد عدة الإياس ثلاثة أشهر (٣)؛ لأن الاعتداد بالأشهر جعل بعد الإياس فلم يجز قبله.
٦ - زوجة المفقود ظاهر الهلاك:
اختلف الفقهاء في زوجة المفقود ظاهر الهلاك على قولين:
الأول: ذهب الحنفية والشافعية في الجديد إلى أنها لا تعتد حتى يتبين موته أو فراقه فتعتد لذلك (٤)، لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 1050
"امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان" (١). ولما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "امرأة المفقود ابتليت فلتصبر ولا تنكح حتى يأتيها يقين موته" (٢). قالوا إن هذا الأثر بيان لحديث المغيرة المتقدم. ولأن الأصل بقاء حياته فيستصحب ذلك إلى أن يتيقن خلافه.
الثاني: وذهب المالكية، والحنابلة في المذهب عندهم، والشافعية في القديم إلى أنها تعتد أربع سنين ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا (٣).
واستدلوا بفعل عمر وإجماع الصحابة عليه فقد روى الأثرم والجوزجاني بإسنادهما عن عبيد ابن عمير قال: "فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت ذلك له فقال انطلقي فتربصي أربع سنين ففعلت ثم أتته فقال انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرا ففعلت ثم أتته فقال أين ولي هذا الرجل؟
стр. 1051
فقال طلقها ففعل فقال لها عمر: انطلقي فتزوجي من شئت فتزوجت ثم جاء زوجها الأول فقال عمر: أين كنت؟ قال يا أمير المؤمنين استهوتني الشياطين فوالله ما أدري في أي أرض الله كنت عند قوم يستعبدونني حتى غزاهم قوم مسلمون فكنت فيما غنموه فقالوا لي أنت رجل من الإنس وهؤلاء من الجن فمالك وما لهم؟ فأخبرتهم خبري فقالوا: بأي أرض الله تحب أن تصبح؟ قلت: المدينة هي أرضي فأصبحت وأنا انظر إلى الحرة فخيره عمر إن شاء امرأته وإن شاء الصداق فاختار الصداق وقال: قد حبلت لا حاجة لي فيها" (١).
قال الإمام أحمد: يروى عن عمر من ثلاثة وجوه ولم يعرف في الصحابة له مخالف (٢).
وروى الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين ثم تنتظر أربعة أشهر وعشرا" (٣).
وروى الجوزجاني وغيره عن علي في امرأة المفقود: "تعتد أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها وتعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا، فإن جاء زوجها المفقود بعد ذلك خير بين الصداق وبين امرأته" (٤).
стр. 1052
وعن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان ﵁ قالا: "امرأة المفقود تتربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ثم تنكح" (١).
وعن جابر بن زيد قال: "تذاكر ابن عباس وابن عمر المفقود فقالا جميعًا تتربص امرأته أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها ثم تتربص أربعة أشهر وعشرا" (٢).
قالوا في هذه الآثار جميعًا: إنها قضايا انتشرت في الصحابة فلم تنكر فكانت إجماعًا (٣).
ولأن هذه المدة أكثر مدة الحمل.
الراجح: هو القول الثاني لما استندوا إليه ولأنه أكثر موافقة للقياس وهو ما اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم (٤). أما قولهم قد صح رجوع عمر إلى قول علي ﵁ (٥) فهي دعوى تحتاج إلى إثبات وقد قال عنه الحافظ ابن حجر: "وأما رجوع عمر فلم أره" (٦).
стр. 1053
وتبدأ المدة من حين ضربها الحاكم في المشهور من مذهب المالكية ورواية عند الحنابلة،؛ لأنها مدة مختلف فيها فافتقرت إلى ضرب الحاكم كمدة العنة (١). والصحيح عند الحنابلة عدم اشتراط ذلك.
وهذا كله في حق الزوج الحر، وأما العبد فيؤجل نصف الحر في المشهور من مذهب المالكية، وهو رواية عند الحنابلة في الأمة (٢). والصحيح من مذهب الحنابلة أن الأمة كالحرة في ذلك (٣).
حساب بداية العدة:
يبدأ حساب العدة للمطلقة من تاريخ وقوع طلاقها من الزوج لا من تاريخ صدور الصك ونحو ذلك، ويبدأ بالنسبة للمتوفى عنها من تاريخ الوفاة. وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية فتواها رقم (٦٣٦٠)، ورقم (١٩٥٤)، ورقم (١٦٤٨٨)(٤).
أحكام المعتدة:
للمعتدة أحكام منها:
١ - إن كانت متوفى عنها زوجها يجب عليها الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي فيه (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً﴾
стр. 1054
لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (١)، ولقوله ﷺ للفريعة بنت مالك بن سنان ﵂ حين توفي عنها زوجها واستأذنته بالاعتداد عند أهلها: "امكثي في بيتك" (٢)، وفي رواية: "اعتدي في البيت الذي جاء فيه نعي زوجك" (٣)، وفي لفظ: "حيث أتاك الخبر" رواه النسائي (٤).
ولا يجوز لها الخروج إلا لحاجة ويكون ذلك نهارًا لا ليلًا؛ لأنه مظنة الفساد والأصل في ذلك ما رواه مجاهد ﵀ قال: استشهد رجال يوم أحد فآم نساؤهم وكن متجاورات في دار فجئن النبي ﷺ فقلن: يا رسول الله إنا نستوحش بالليل فنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا تبدرنا إلى بيوتنا؛ فقال النبي ﷺ : "تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة منكن إلى بيتها" (٥).
وكذلك الحكم في المطلقة الرجعية يجب عليها الإعتداد في منزلها الذي طلقت فيه، ولا تخرج إلا لعذر ويكون ذلك في النهار لعموم قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٦).ولما رواه جابر ﵁ قال: طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي ﷺ فقال: "بلى فجدي نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا" رواه مسلم (٧).
стр. 1055
وتخرج المعتدة لنحو مراجعة المستشفى للعلاج، ولشراء حاجاتها من السوق إذا لم يكن لديها من يقوم بذلك، والذهاب إلى الجامعة لحضور المحاضرات إن كانت طالبة ونحو ذلك، أما العذر الشرعي الذي يجيز لها الانتقال من بيت الزوجية فنحو الخوف على نفسها من البقاء وحدها في البيت إذا لم يكن معها أحد يصونها ونحو ذلك.
وأفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في الفتوى رقم (١٨٨٧٥)(١) بجواز خروجها لزيارة أمها إذا لم يحتج ذلك إلى سفر؛ لأن ذلك من أعظم حاجاتها.
٢ - الإحداد:
وهو اجتناب كل ما تتزين به النساء (٢). والعبرة فيه بما يعتبر زينة عادة من الثياب والحلي والطيب والخضاب ونحو ذلك، وهو تابع للعدة والأصل فيه حديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" رواه البخاري ومسلمٌ (٣). وحديث أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا, ولا تلبس ثوبًا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار" رواه البخاري ومسلمٌ (٤).