الركن الثاني: الزوجة محل الطلاق:
فيشترط لوقوع الطلاق وجود محل له وهي الزوجة ويشترط أن تكون الزوجة في عصمة الرجل بنكاح صحيح، وعليه فلا يقع الطلاق على الأجنبية ولو كانت خطيبة ونحو ذلك، ولا على من تزوجها بنكاح باطل أو فاسد، أو وطئها بشبهة ونحو ذلك لانتفاء الولاية على محل الطلاق. ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك" (١).
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بعدم وقوع طلاق الخاطب قبل النكاح في فتواها رقم (١٨٢١٢)(٢).
طلاق المعتدة: يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب عندهم وقوع الطلاق على المعتدة من طلاق رجعي، فلو قال الرجل لزوجته المدخول بها: أنت طالق، ثم قال لها في عدتها: أنت طالق ثانية، اعتبر ذلك طلقتين ما لم يرد بذلك تأكيدًا للأولى ولم تكن هناك قرائن تمنع صحة إرادة التأكيد.
стр. 982
الركن الثالث: الصيغة:
والمقصود بها ما يقع به الطلاق من الألفاظ والعبارات، فلا يكفي لوقوع الطلاق النية فحسب بل لا بد من صدور ذلك بلفظ يدل عليه صراحة أو كناية. والأصل في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به" متفق عليه (١).
وقد أفتت بذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في عدد من فتاواها من ذلك الفتوى رقم (٣٢٦)، ورقم (٣٢٩)، ورقم (٢٠٣٥)، ورقم (٨١٩٠)، ورقم (٦٦٨٠)، ورقم (٨٥٠١)، ورقم (٩٢٢٢)، ورقم (١٩٣٠٧)(٢).
والصيغة الصريحة: هي ما لا تحتمل غير الطلاق، فيقع بها الطلاق من غير حاجة إلى النية حتى لو ادعى المطلق خلافه لم يقبل منه. وصريح الطلاق عند الحنفية والمالكية والحنابلة هو لفظ الطلاق وما تصرف منه غير الأمر والمضارع كأنت طالق ومطلقة وطلقتك ونحو ذلك، وهو عند الشافعية والحنابلة في قول ثلاثة ألفاظ وما تصرف منها وهي الطلاق، والفراق، والسراح (٣).
وأما الكناية: فهي ما يحتمل الطلاق وغيره، ولا يقع بها الطلاق إلا بالنية أو ما يقوم مقامها، وألفاظها كثيرة مختلف فيها بين الفقهاء ويمكن تقسيمها إلى قسمين (٤):
стр. 983
١ - ظاهرة جلية: وهي الألفاظ الموضوعة للبينونة؛ لأن معنى الطلاق فيها أظهر كأنت بريّة وخليّة وبائن وبتلة ونحو ذلك.
٢ - خفية: وهي الألفاظ الموضوعة للطلقة الواحدة وألفاظها كثيرة نحو الحقي بأهلك، ولا حاجة لي فيك، واستبرئي، ولست لي بامرأة، واعتدي، واخرجي، وأنت واحدة ونحو ذلك.
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بعدم وقوع الطلاق بقول المستفتي لزوجته: تغطي عني في حالة غضب ولم يقصد الطلاق وذلك في فتواها رقم (٣٧٨)، وقول آخر: اذهبي إلى أهلك ولم يقصد الطلاق (٨٧٣١)(١).
وأفتت بوقوع الطلاق بقول السائل لزوجته: غطي وجهك، وأرسلي لأهلك يحملون عفشك، وذلك في فتواها رقم (٣٠٤)، وعللت ذلك بأنه كناية وجد معها قرينة إرادة الطلاق وهي قوله: سأرسل لك ورقتك (٢).
شروط الصيغة: يشترط في الصيغة ما يأتي:
القصد: أي قصد النطق باللفظ الصريح أو الكناية فإن سبق لسانه ولم يقصده لم يقع الطلاق، ومن مسائل القصد طلاق الهازل والمكره وفيما يلي بيان حكم كل منهما:
طلاق الهازل واللاعب: لا خلاف بين الفقهاء في وقوع طلاق الهازل واللاعب قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن جد الطلاق وهزله سواء" (٣)؛ لقوله
стр. 984
تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (١)، ولحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة" (٢)، وحديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "من لعب بطلاق أو عتاق فهو كما قال" (٣) أي يقع لأن جدهما وهزلهما سواء (٤).
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بما تقدم في حق المازح في فتواها رقم (١٢٩٦٧)، والفتوى رقم (٢٠١٢١)(٥).
طلاق المكره: لا يخلو الإكراه إما أن يكون بحق أو بغير حق فإن كان بحق فإن الطلاق يقع بغير خلاف، وذلك نحو إكراه الحاكم المولى على الطلاق بعد التربص وعدم الفيئة، وإكراهه الرجلين اللذين زوجهما وليان ولا يعلم السابق منهما على الطلاق ونحو ذلك؛ لأنه قول حمل عليه بحق فصح كإسلام المرتد إذا أكره عليه، ولأنه إنما جاز إكراهه على الطلاق ليقع طلاقه فلو لم يقع لم يحصل
стр. 985
المقصود. وأما الإكراه بغير حق فقد اختلف الفقهاء هل يقع معه الطلاق أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أن المكره لا يقع طلاقه وهو مذهب المالكية الشافعية والحنابلة (١).
واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢)، وحديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٣)، والإغلاق هو الإكراه لأن المكره مغلق عليه في أمره ومضيق عليه في تصرفه كما يغلق الباب على الإنسان (٤).
وقد جاءت بذلك عدد من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية من ذلك الفتوى رقم (٧٠٧) حيث ذكرت أن طلاق المستفتي زوجته بإكراه من أولياء الزوجة فلا يقع إن أثبت ذلك شرعًا، والفتوى رقم (٨٢٧) حيث ذكرت أن طلاق الرجل بناء على أخذ زوجته بحلقه ومطالبته بطلاقها إن تحقق بذلك إكراه ملجئ فطلاقه لا يقع، والفتوى رقم (١٠٨١١)
стр. 986
حيث أفتت فيها بعدم وقوع الطلاق لوجود التهديد بالقتل (١).
القول الثاني: أن طلاقه يقع وهو مذهب الحنفية (٢). واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣)، وأنه سبحانه لم يفرق بين طلاق المكره وغيره، وما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه"، ولبقاء الأهلية والخطاب مع الإكراه، ولأنه قصد إيقاع الطلاق في محل يملكه وهو منكوحته في حال أهليته فنفذ كطلاق غير المكره.
والراجح: هو القول الأول لما استندوا إليه.
ويشترط في الإكراه العائب للإرادة ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون من قادر بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه.
الثاني: أن يغلب على ظنه حصول ما هدد به إن لم يجبه إلى ما طلبه.
والثالث: أن يكون مما يستضر به ضررًا كثيرًا كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين بخلاف الشتم والسب وأخذ المال اليسير ونحو ذلك.
أقسام الطلاق باعتبار موافقته للشرع من عدمها:
يقسم الفقهاء الطلاق باعتبار موافقته للشرع من عدمها إلى سني وبدعي:
الطلاق السني:
وهو الذي وافق أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، وهو طلاق الرجل امرأته طلقة واحدة في طهر لم يصبها فيه ثم يتركها حتى تنقضي عدتها. وقد أجمع الفقهاء
стр. 987
على أن من طلق بهذه الصورة مصيب للسنة ومطلق للعدة التي أمر الله بها (١). ودليله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (٢). فقد بين ذلك النبي ﷺ في حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك فقال له رسول الله ﷺ : "مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء".
الطلاق البدعي:
وهو ما خالف شرع الله وسنة نبيه ﷺ ، وهو نوعان:
أحدهما: ما خالف الشرع من حيث توقيته وذلك بأن يطلق الرجل المرأة وهي حائض أو نفساء أو في طهر أصابها فيه. ولا خلاف أن مثل هذا الطلاق مكروه وفاعله عاص لله إن كان عالمًا بالنهي عنه (٣). ووقوع الطلاق في هذه الحالة هو قول عامة أهل العلم (٤). لحديث ابن عمر: "مره فليراجعها" إذ أن الرجعة لا تكون إلا بعد وقوع الطلاق، ولأنه طلاق من مكلف في محل الطلاق فوقع كطلاق الحامل، ولأنه ليس بقربة فيعتبر لوقوعه موافقة السنة بل هي إزالة عصمة وقطع ملك فإيقاعه في زمن البدعة أولى تغليظًا عليه وعقوبة له (٥).
стр. 988
وقد صدرت فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بعدم وقوع الطلاق في الحيض أو النفاس أو الطهر الذي جامع فيه في فتواها رقم (٦٥٤٢)، وفتواها رقم (٩٥٤١)(١).
واختلف الفقهاء في حكم مراجعة الزوجة في هذه الحالة على قولين:
الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى استحباب مراجعتها؛ لأمر النبي ﷺ بمراجعتها كما في حديث ابن عمر، إذ أقل أحوال الأمر كما قالوا: الاستحباب، ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم من أجله الطلاق.
الثاني: ذهب بعض الحنفيه، والمالكية والظاهرية، والحنابلة في رواية إلى وجوب مراجعتها عملا بظاهر الأمر، ولأن بالرجعة يحصل استبقاء النكاح وهو هنا واجب بدليل تحريم الطلاق (٢).
النوع الثاني: ما خالف الشرع من حيث العدد وهو الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد، وقد اختلف الفقهاء فيما يقع بذلك على قولين:
الأول: ذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الذي يقع به هو ثلاث طلقات.
الثاني: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الذي يقع به طلقة واحدة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٣).
стр. 989
واستدلوا جميعًا بحديث ابن عباس: "كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم" (١). فقال الأولون إن عمر قد أمضاه ثلاثًا وسنته متبعة، وقال الآخرون إن ما كان في عهد رسول الله ﷺ أولى بالاتباع.
وقد جاءت فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بوقوع طلاق المرأة ثلاثًا باللفظ الواحد واعتباره طلقة واحدة في فتواها رقم (٦٥٤٢)، وفتواها رقم (٨٩٢٥)(٢).
أقسام الطلاق باعتبار الرجعة من عدمها:
يتفق الفقهاء على أن الطلاق بهذا الاعتبار ينقسم إلى رجعي وبائن، وأن الرجعي هو الذي يملك به الزوج رجعة زوجته من غير اختيارها بدون عقد جديد ما دامت في العدة، ولا يكون إلا في حق المدخول بها التي لم يكتمل فيها عدد الطلقات، وأن البائن هو الذي لا يملك الزوج فيه الرجعة إلا بعقد جديد. والبينونة:
١ - بينونة صغرى: وهي من كان عدد طلاقها دون الثلاث وقد انتهت عدتها، ومثلها من لا عدة لها وهي المطلقة قبل الدخول.
٢ - وبينونة كبرى: وهي من اكتمل عدد الطلقات في حقها أي بأن كان ذلك آخر الثلاث فلا تحل للزوج حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا شرعيًا صحيحًا ويصيبها ثم يطلقها.
стр. 990
ودليل هذا التقسيم قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١)، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
وحديث عائشة ﵂: أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير فجاءت رسول الله ﷺ فقالت: إنها كانت عند رفاعة فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير وإنه والله ما معه إلا مثل هذه الهدبة، وأخذت بهدبة من جلبابها قالت: فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا وقال: "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" متفق عليه (٣).
стр. 991
الفِقهُ الميَسَّر
كتاب الرجعة
стр. 992
كتاب الرجعة
الرجعة في اللغة: اسم المرة من الرجوع بمعنى العود، تقول راجع المرأة وارتجعها أي أرجعها إلى نفسه بعد الطلاق، وتفتح راؤها وتكسر. قال الأزهري: أكثر ما يقال بالكسر الرِّجعة، وقال الجوهري: الفتح أفصح (١).
الرجعة اصطلاحًا: إعادة المطلقة غير البائن إلى ما كانت عليه بغير عقد (٢).
مشروعية الرجعة:
وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٤). فإن المقصود بذلك كله الرجعة.
وأما السنة: فحديث ابن عمر ﵄ قال: طلقت امرأتي وهي حائض فسأل عمر النبي ﷺ فقال: "مره فليراجعها" متفق عليه (٥). وحديث عمر بن الخطاب ﵁: "أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها" (٦).
стр. 993
وأما الإجماع: فقد أجمع الفقهاء على أن الحر إذا طلق الحرة دون الثلاث أو العبد إذا طلق دون الاثنتين وكان بغير عوض ولا أمر يقتضي بينونتها أن له الرجعة في العدة نقل ذلك غير واحد من الفقهاء منهم ابن المنذر وابن حزم والموفق (١).
أركان الرجعة:
يرى الحنفية أن الرجعة لها ركن واحد هو كل ما يدل عليه من قول أو فعل (٢). ولها عند الجمهور والمالكية ثلاثة أركان هي: زوج مرتجع، وصيغة، وزوجة.
شروط الرجعة:
يشترط لصحة الرجعة ما يأتي (٣):
١ - أن تكون المرأة مدخولا بها: فإن لم تكن كذلك فلا يملك الزوج رجعتها لعدم وجوب العدة في حقها ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ
стр. 994
تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (١).
وهذا ما جاءت به فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية رقم (١٥٧)، وفتواها رقم (٨٧٢)، والفتوى رقم (٩٨٨١) وغيرها (٢).
٢ - أن تكون بعد طلاق رجعي: أي بأن لم يستكمل الزوج نصابه في عدد الطلقات وهو ثلاث طلقات في الحر وطلقتان في العبد. فإن لم يكن الطلاق رجعيًا بأن استكمل الزوج عدد الطلقات فلا تحل له المرأة حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا ويصيبها ثم يطلقها كما تقدم.
فإن كان الطلاق بعوض لم يملك الزوج مراجعة المرأة؛ لأنه يكون عندئذ طلاقًا بائنًا والعوض لمنع الرجعة فلو كان للزوج حق الرجعة لم يكن له فائدة.
وهذا ما جاءت به فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية رقم (٥١٧٠)، والفتوى رقم (٦١)، والفتوى رقم (٧٣) وغيرها (٣).
٣ - أن تكون الرجعة في العدة: لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٤). فإن انتهت عدتها فلا سبيل للزوج عليها إلا برضاها وعقد جديد.
وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في عدد من فتاواها من ذلك الفتوى رقم (١٦٨٥)(٥).
стр. 995
٤ - أهلية المرتجع: بأن يكون بالغًا عاقلًا وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط على ثلاثة أقوال:
الأول: لا يشترط أن يكون المرتجع مكلفًا وهو مذهب الحنفية فتصح عندهم رجعة المجنون بالفعل كالجماع واللمس والقبلة ونحو ذلك دون القول (١). وإذا صحت عندهم من المجنون فالصبي أولى.
الثاني: يشترط ذلك وهو مذهب المالكية والشافعية فلا تصح رجعة غير المكلف عندهم كالمجنون والصبي (٢).
الثالث: يشترط فيه العقل دون البلوغ وهو ظاهر مذهب الحنابلة؛ فتصح الرجعة عندهم من صبي مميز يعقلها؛ لأن الرجعة إمساك وهو يملكه (٣).
٥ - أن تكون الرجعة منجزة: فلا تصح معلقة كإن جاء فلان فقد راجعتك ونحو ذلك (٤).
الإشهاد على الرجعة:
يتفق الفقهاء على القول بسنية الإشهاد في الرجعة؛ إذ لو لم يشهد الرجل على الرجعة لا يأمن من أن تنقضي العدة فلا تصدقه المرأة، واختلفوا هل هو واجب لصحتها أم لا؟ (٥) على قولين:
стр. 996
الأول: ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة في المذهب عندهم والشافعية في الأظهر إلى عدم وجوبه؛ لأن الرجعة لا تفتقر إلى قبول فلم تفتقر إلى شهادة كسائر حقوق الزوج، ولأنها لا يشترط فيها الولي وما لا يشترط فيه الولي لا يشترط فيه الإشهاد كالبيع.
الثاني: ذهب الشافعية في قول والحنابلة في رواية إلى وجوبه، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٢)، إذ أن ظاهر الأمر الوجوب، ولأنه استباحة بضع مقصود فوجبت الشهادة فيه كالنكاح وعكسه البيع.
والراجح: هو القول الأول، والآية محمولة على الاستحباب بدليل أن الله تعالى جمع فيها بين الرجعة والفرقة ومعلوم أن الإشهاد على الفرقة ليس بواجب بل هو مستحب فكذا الرجعة.
وقد أجمع الفقهاء على أنه لا يشترط لصحة الرجعة علم المرأة ولا رضاها أو رضا وليها, ولا يشترط تقديم صداق جديد (٣).
ما تحصل به الرجعة:
لا خلاف بين الفقهاء أن الرجعة تحصل بالقول، ومن ألفاظها أن يقول: راجعتها وأرجعتها وارتجعتها ورددتها وأمسكتها ونحو ذلك. واختلفوا في وقوعها بالفعل على قولين:
стр. 997
القول الأول: أن الرجعة لا تصح بالفعل كالجماع وما دونه، بل ولا تباح إلا بالقول وهو مذهب الشافعية (١). وعللوا ذلك بأن الرجعة إعادة لعقد الزواج، فكما أن عقد الزواج لا يصح إلا بالقول مع القدرة فكذلك الرجعة.
القول الثاني: أن الرجعة تحصل بالفعل مع النية فلو وطئها أو قبلها أو لمسها مع نية الرجعة حصلت الرجعة بذلك وهذا مذهب جمهور الفقهاء (٢).
حكم الرجعية:
يتفق الفقهاء على أن الرجعية لها حكم الزوجات ما دامت في العدة فتجب لها النفقة والكسوة والمسكن ونحو ذلك، وتجب إقامتها في منزل الزوج، وترث الزوج كما يرثها، ويشرع لها أن تتزين للزوج لعل ذلك يكون سببا لمراجعتها، ويلحقها الطلاق والظهار والإيلاء بغير خلاف قال ابن قدامة: "والرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ولعانه ويرث أحدهما صاحبه بالإجماع" (٣).
стр. 998
الإيلاء
الإيلاء لغة: الحلف تقول: آلى يولي إيلاء إذا حلف على فعل شيء أو تركه (١).
وشرعًا: حلف الزوج القادر على الوطء بالله تعالى أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته مدة زائدة على أربعة أشهر (٢).
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
وحكمه: اختلف الفقهاء في حكم الإيلاء هل هو حرام أم لا؟
على قولين:
الأول: أنه من حيث هو يمين مشروع لكن فيه معنى الظلم لمنع حق الزوجة في الوطء، ولا يلزم به المعصية على سبيل الإطلاق؛ إذ قد يكون برضاها لخوف الغِيل على ولدها أو عدم موافقة مزاجها ونحوه فيتفقان عليه لقطع لجاج النفس وهو مذهب الحنفية والمالكية (٤).
الثاني: أنه محرم لما يترتب عليه من الضرر والإيذاء فهو يمين على ترك واجب يترتب عليه الإضرار بالزوجة (٥).
стр. 999
حكمة تحديد مدة الإيلاء بأربعة أشهر:
كان الرجل في الجاهلية إذا غضب على زوجته آلى منها فحلف ألا يطأها ما شاء من المدة فتبقى الزوجة معلقة، فجاء الإِسلام وأبقى أصل الإيلاء إذ قد يحتاج الزوج إلى هجر زوجته لسبب شرعي تأديبا لها غير أنه حدد ذلك بأربعة أشهر؛ لأنها المدة التي تصبر فيها المرأة عن الرجل عادة، وألزمه بعد مضي هذه المدة إما أن يفيء فيطأها أو يطلقها رفعا للضرر عنها.
شروطه:
يشترط للإيلاء شروط يجب توافرها لصحته وهي كالآتي (١):
١ - أن يحلف الزوج على ترك الوطء في القبل فإن تركه بغير حلف أو حلف على ترك وطء غير الفرج لم يكن موليا.
وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٢٠٤٤٣) فيمن هجر زوجته لنشوزها أكثر من ثلاثة أشهر تأديبا لها أن ذلك لا يكون إيلاء (٢).
٢ - أن يكون الحلف بالله أو اسم من أسمائه أو بصفة من صفاته وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء (٣). أما لو علق ترك الوطء على غير ذلك كالعتاق والطلاق والصوم والصلاة ونحو ذلك فقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في
стр. 1000
الجديد من مذهبهم والحنابلة في رواية إلى حصول الإيلاء به؛ لأن ذلك يمين يلزمه فيها حق فصح به الإيلاء كاليمين بالله . والمذهب عند الحنابلة أن ذلك لا يكون إيلاء (١).
٣ - يشترط لصحة الإيلاء في الرجل والمرأة معا قيام النكاح بين المولي ومن يقع عليها الإيلاء حقيقة كالتي في عصمة الرجل، أو حكمًا كالرجعية؛ لأن الإيلاء كالطلاق، فلو انتفى ذلك بأن كانت المرأة أجنبية أو لم تكن في حكم الزوجة كالمبانة لم يقع الإيلاء عليها؛ لأنه لا حق لها في وطئه (٢).
٤ - أن يكون من زوج يمكنه الوطء، وتكون الزوجة ممّن يمكن وطؤها.
٥ - يشترط في المولي التكليف كما في الطلاق فلا يصح من الصبي الذي لا يعقل، ولا من مجنون ولا معتوه ولا مكره على نحو ما تقدم في الطلاق (٣).
ألفاظ الإيلاء:
وألفاظ الإيلاء الدالة على ترك الوطء عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة تنقسم إلى صريحة وكناية ويضيف الحنفية والحنابلة قسما يسمونه ما يجري مجري الصريح، وعليه فالصريح هو: ما دل على الوطء لغة وعرفا، وما يجري مجرى الصريح هو ما يستعمل في الجماع عرفا كأن يحلف ألا يقربها أو لا يغتسل منها ونحو ذلك. وحكم الصريح أنه لا يشترط فيه النية حتى لو ادعى الزوج خلافه لم يقبل منه، وما يجري مجرى الصريح كذلك غير أنه يقبل منه دعوى خلافه ديانة لا قضاء.
стр. 1001
والكناية هو: ما يحتمل الجماع وغيره، ولم يغلب استعماله في الجماع عرفا، كأن يحلف ألا يمس جلده جلدها، أو ألا يقرب فراشها ونحو ذلك، ولا يكون ذلك إيلاء إلا بالنية (١).
مدة الإيلاء:
يتفق الفقهاء على أن من حلف ألا يطأ زوجته أقل من أربعة أشهر لا يكون موليا، بل يلزمه كفارة يمين إذا حنث في يمينه، كما يتفقون أن من حلف ألا يقرب امرأته أبدًا أو أطلق ولم يحدد المدة فهو مول، واختلفوا في التحديد بأربعة أشهر على قولين:
الأول: أن التحديد بأربعة أشهر إيلاء فمن حلف ألا يطأ زوجته أربعة أشهر يكون موليًا وهو مذهب الحنفية ورواية عند المالكية والحنابلة (٢)؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
الثاني: أن الإيلاء لا يكون إلا بأكثر من أربعة أشهر وهو المشهور في مذهب المالكية، ومذهب الشافعية والصحيح من مذهب الحنابلة (٤).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ووجه الاستدلال أن الآية جعلت للمولي حق التربص أربعة أشهر كاملة فلا اعتبار بما دون ذلك، كما جعلت المطالبة بالفيء عقب تربص المدة المذكورة بفاء التعقيب فدل على تأخرها عنه.
стр. 1002
الأثر المترتب على انعقاد الإيلاء:
يترتب على الإيلاء أثران هما:
الأول: أن المولي يمهل أربعة أشهر لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ومتى رجع إلى معاشرة زوجته خلال مدة الإيلاء وجبت عليه كفارة يمين لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ (١).
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية لمن آلى من زوجته لأكثر من أربعة أشهر ثم جامعها قبل مضي المدة أن عليه كفارة يمين في فتواها رقم (٩٤٠٤)(٢).
الفيئة: أن يرجع الزوج عن يمينه، وتحصل بالجماع لمن لا عذر له إجماعًا (٣)، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الفيء الجماع إذا لم يكن عذر" (٤). والفيئة مستحبة؛ لأن بها يرتفع الضرر عن المرأة، ويكون الرجل راجعًا عما ارتكبه من المعصية بتحريم ما أحل الله له قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥)، ولحديث أبي هريرة ﵁
стр. 1003
عن النبي ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (١).
الثاني: حق الزوجة في مطالبة الزوج المولي بالفيء أو الطلاق لقوله تعالى لأن الإيلاء لا يحرم الزوجة على زوجها؛ لأنه تحريم لما أحل الله، بل يستحب للمولي الرجوع عن الإيلاء ويجب عليه الاستغفار والتوبة عنه، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)، ولعموم قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣). فإن استجاب لطلبها فطلقها انتهى الأمر، وإلا فللسلطان أن يطلق عليه.
وقد جاء بذلك فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية رقم (١٠٢٩٨)(٤).
متى يقع الطلاق؟
اختلف الفقهاء هل يقع الطلاق بمجرد مضي المدة أم لا بد من قضاء الحاكم؟ على قولين:
الأول: أن الطلاق يقع بمجرد مضي أربعة أشهر، ولا يتوقف على رفع الأمر إلى الحاكم، ولا صدور حكم منه بتطليقها وهو مذهب الحنفية (٥).
стр. 1004
الثاني: أن الطلاق لا يقع بمضي أربعة أشهر، بل يحق للزوجة بمضي ذلك أن ترفع الأمر إلى الحاكم ليأمره بالفيء أو الطلاق، فإن أبى طلقها عليه، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (١).
واستدلوا بما رواه الدارقطني في سننه عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: "سألت اثني عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ عن رجل يولي من امرأته قالوا: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر، فيوقف، فإن فاء وإلا طلق" (٢)، فقوله يوقف دليل على أنه لا بد من رفع الأمر للحاكم.
نوع الفرقة بسبب الإيلاء:
اختلف الفقهاء في نوع الفرقة الحاصلة بسبب الإيلاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الفرقة بسبب الإيلاء طلاق بائن وهو مذهب الحنفية وقول أبي ثور (٣)؛ لأنه طلاق لدفع الضرر عن الزوجة ولا يتحقق ذلك إلا بالبينونة.
القول الثاني: أن هذه الفرقة طلاق رجعي ما لم يستكمل الرجل عدد الطلقات، سواء أوقعه بنفسه أو طلق الحاكم عليه، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب عندهم (٤)؛ لأنه طلاق بدون عوض ولم يستكمل العدد كغير الإيلاء.
стр. 1005
القول الثالث: أنها طلاق رجعي إن أوقعه بنفسه، وبائن إن طلق عليه الحاكم وهو رواية عند الحنابلة (١).
стр. 1006
الظهار
الظهار لغة: مأخوذ من الظَهْر يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر منها، وهو أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي أو نحوه، أي إذا أراد تحريمها، وإنما خص ذلك بذكر الظهر لأن الظهر من الدابة موضع الركوب (١).
وشرعًا: تشبيه الرجل زوجته أو جزءًا منها بامرأةٍ محرمة عليه تحريمًا مؤبدًا أو بجزء منها يحرم عليه النظر إليه كالظهر والبطن والفخذ ونحو ذلك (٢).
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٣). وحديث خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله ﷺ -أشكو إليه ورسول الله يجادلني فيه ويقول: "اتقي الله فإنه ابن عمك" فما خرجت حتى أنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ الآيات. فقال: "ليعتق رقبة"، قالت: لا يجد، قال: "فيصوم شهرين متتابعين". قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينا". قالت: ما عنده من شيء يتصدق به. قال: "فإني سأعينه بعرق من تمر". قالت: وأنا أعينه بعرق آخر. قال: "لقد أحسنت، اذهبي فأطعمي عنه ستين مسكينا" خرجه أبو داود (٤).
стр. 1007
حكمه:
الظهار محرم لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (١). وهو من كبائر الذنوب لأن الله وصفه بأنه منكر من القول في هذه الآية. وقد كان طلاقًا في الجاهلية فجاء الإِسلام فحرمه وجعله يمينا مكفرة مغلظة بحيث لا يجوز للمظاهر أن يقرب زوجته المظاهر منها إلا بعد الكفارة.
أركان الظهار:
للظهار عند الحنفية ركن واحد هو اللفظ الدال عليه، وله عند الجمهور أربعة أركان هي: الزوج المظاهر، والزوجة المظاهر منها، ومشبه به وهو من يحرم وطؤه أصالة، والصيغة الدالة عليه (٢).
شروط الظهار:
يشترط لصحة الظهار ما يلي:
١ - أن يكون المظاهر مكلفًا:
لا يختلف الفقهاء في اشتراط تكليف الزوج لصحة الظهار أي بأن يكون المظاهر بالغًا عاقلًا، فلا يصح ظهار المجنون ولا الصبي غير المميز بغير خلاف؛ لأن حكم الظهار الحرمة وخطاب التحريم لا يتناول من لا يعقل. ولا يصح من الصبي المميز أيضًا عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح من مذهبهم؛ لأنه ليس من أهل الكفارة لعدم التكليف، ولأن الظهار من التصرفات
стр. 1008
الضارة المحضة فلا يملكه الصبي كما لا يملك الطلاق والعتاق وغيرهما من التصرفات التي هي ضارة محضة. وظهار السكران والمكره كطلاقه وهو على التفصيل الذي ذكرناه في كتاب الطلاق (١).
٢ - الإسلام:
يشترط الحنفية والمالكية لصحة الظهار أن يكون المظاهر مسلمًا فلا يصح ظهار الذمي عندهم؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢)، ولأن حكم الظهار حرمة مؤقتة بالكفارة بتحرير رقبة يخلفه الصوم والكافر ليس من أهل هذا الحكم فلا يكون من أهل الظهار (٣).
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الإِسلام ليس شرطًا لصحة الظهار فيصح عندهم ظهار الكافر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٤)، إذ لم يفرق بين المسلم والكافر، ولأن الكافر يصح طلاقه فصح ظهاره (٥).
٣ - أن تكون المرأة المظاهر منها زوجة للمظاهر:
اختلف الفقهاء في اشتراط الزوجية بين المظاهر والمظاهر منها على قولين:
القول الأول: أن الزوجية شرط لانعقاد الظهار وصحته وإليه ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية (٦)، فلو قال لأجنبية أنت علي كظهر أمي أو إن
стр. 1009
تزوجتك فأنت كظهر أمي لم يكن ظهارًا حتى أنه لو تزوجها لم يجب عليه شيء، فيشترط لصحة الظهار أن تكون المرأة زوجة للرجل لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١)، والأجنبية ليست من نسائه، ولأن الظهار يمين ورد الشرع بحكمها مقيدًا بنسائه فلم يثبت حكمها في الأجنبية كالإيلاء، ولأنها ليست بزوجة فلم يصح الظهار منها كأمته، ولأن الأجنبية محرمة فلم يلزمه شيء كما لو قال أنت حرام، ولأنه نوع تحريم فلم يتقدم النكاح كالطلاق.
القول الثاني: أن الزوجية ليست شرطًا لانعقاد الظهار وصحته بل يصح من الأجنبية حتى إذا تزوجها لم يقربها إلا بعد الكفارة وهو مذهب المالكية والصحيح من مذهب الحنابلة (٢)، وسواء كان الظهار من أجنبية بعينها أو قال كل النساء علي كظهر أمي، وسواء أوقعه مطلقًا أو علقه على التزويج فقال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي. ومتى تزوج التي ظاهر منها لم يطأها حتى يكفر لما روى الإِمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب أنه قال في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي فتزوجها قال: "عليه كفارة الظهار" (٣)، ولأنها يمين مكفرة فصح انعقادها قبل النكاح كاليمين بالله تعالى.
وقد جاءت عدد من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية موافقة للقول الأول منها الفتوى رقم (١٤٧٦) في حق من خطب امرأة
стр. 1010
ثم قال لها نتيجة غضب بينه وبين والدتها: محرم علي مثل أمي وأختي حيث أفتت بأن لا تأثير لهذا التحريم على عقد الزواج لوقوعه قبله، ولا تلزمه كفارة ظهار بل يلزمه كفارة يمين بالإقدام على زواجها. وفتواها رقم (١٦١٣٣) في حق من قال لخطيبته: اعتبريني مثل أخيك هذا أي اعتبريني محرمًا عليك مثل أخيك؛ لأنها حين التحريم ليست زوجة له، وكذلك فتواها رقم (٣٧٦٢)(١).
وبناء على اشتراط قيام الزوجية في الظهار فلا يصح الظهار من المطلقة ثلاثًا ولا المبانة والمختلعة وإن كانت في العدة؛ لأن الظهار تحريم وقد ثبتت الحرمة بالإبانة والخلع، وتحريم المحرم نوع من العبث (٢).
٤ - تشبيه الرجل زوجته أو عضوًا منها بمن تحرم عليه أو بعض منها:
لا خلاف بين الفقهاء أن الزوج إذا شبه زوجته بظهر أمه أو شبه نفسها أو ذاتها أو جسمها أو بدنها أو قال: كلك أو جملتك أو أنت وأشار إليها ونحو ذلك مما يعبر به عن جملتها يكون مظاهرًا منها. واختلفوا في أي الأجزاء منها يكون تشبيهه بظهر الأم ظهارًا؟ على قولين:
الأول: ذهب الحنفية (٣) إلى أن الرجل إذا شبه جزءًا شائعًا من المرأة كالنصف والربع والثلث أو ما يعبر به عن الكل كالرأس والرقبة والفرج والوجه يكون مظاهرًا لها؛ لأن هذه الأعضاء يعبر بها عن جميع البدن فكانت الإضافة إليها إضافة إلى جميع البدن. أما إن كان الجزء لا يعبر به عن الكل كاليد والرجل والأصبع ونحو ذلك فلا يكون ظهارًا.
стр. 1011
الثاني: ذهب المالكية والشافعية في الجديد والحنابلة (١) إلى أن الظهار يكون بتشبيه كل عضو من أعضاء الزوجة شائعًا كان أو غير شائع إلا أن الشافعية استثنوا من ذلك ما يذكر في معرض الإعزاز كالعين فلا يكون ظهارًا عندهم، واستثنى الحنابلة من ذلك الأعضاء غير الثابتة كالشعر والظفر والسن والريق والدم ونحو ذلك فلا يصح به الظهار عندهم.
وأما المرأة المشبه بها وهي في الأصل الأم فلا خلاف أنه إن شبه الزوجة بظهرها يكون ظهارًا واختلفوا فيما سوى ذلك. فذهب الحنفية (٢) إلى أنه إن شبه الزوجة بذات الأم أو كل عضو منها يحرم النظر إليه كالظهر والبطن والفخذ والفرج ونحو ذلك يكون مظاهرًا، بخلاف ما لو شبهها بعضو لا يحرم النظر إليه كالرأس أو الوجه أو اليد أو الرجل ونحو ذلك فلا يصير مظاهرًا؛ لأن هذه الأعضاء من أمه يحل له النظر إليها.
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٣) إلى صحة وقوع الظهار بتشبيه الزوجة بكل عضو من أعضاء الأم سواء كان مما يحرم النظر إليه أم لا؛ لأن العضو وإن لم يحرم النظر إليه إلا أنه يحرم أن يفعل به ما يباح في الزوجة وهو التلذذ والاستمتاع. إلا أن الشافعية خصوا ذلك بما لا يذكر في معرض الكرامة والإعزاز كالعين ونحو ذلك. على حين المالكية والحنابلة ذلك بالأجزاء الثابتة فقط كاليد والرجل والرأس ونحوها دون غيرها كالريق والدمع والكلام ونحو ذلك.
стр. 1012
وقد أفتت اللجنة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في قول الرجل: أنت علي مثل فرج أمي أنه ظهار في فتواها رقم (١٢٨٤٢)(١).
هل يقع الظهار بتشبيه الزوجة زوجها بمن يحرم عليها ؟
لا يقع الظهار بتشبيه الزوجة زوجها بمن يحرم عليها لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٣)، حيث إن الخطاب موجه للزوج لا الزوجة. وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (١١٥٢)، ورقم (٦١٣٠)، ورقم (٥٨٣٩)(٤).
٥ - أن تكون المرأة التي شبه الزوجة بها ممّن تحرم عليه تحريمًا مؤبدا:
يتفق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في الجديد والحنابلة على أن الظهار ينعقد بتشبيه المرأة بكل من تحرم على الرجل تحريمًا مؤبدًا سواء حرمت عليه بالرحم كالأم والجدة والعمة والخالة والبنت والأخت وبنت الأخ أو الأخت، أو بالرضاع كالأمهات المرضعات والأخوات من الرضاعة، أو بالمصاهرة كحلائل الآباء والأبناء وأمهات النساء؛ لأنه يحرم عليه نكاحهن على التأبيد فأشبهن الأم من حيث التحريم.
وذهب الشافعي في القديم إلى أن الظهار لا يصح إلا بتشبيه المرأة بالأم أو الجدة فقط دون من سواهما؛ لأن اللفظ الذي ورد به القرآن مختص بالأم، والجدة أم فإذا عدل عنه لم يتعلق به ما أوجبه الله تعالى فيه.
стр. 1013
تشبيه الزوجة بظهر من تحرم تحريمًا مؤقتا:
أما إذا شبه الرجل الزوجة بظهر من تحرم عليه تحريمًا مؤقتًا كأخت امرأته، وعمتها، أو بالأجنبية فقد اختلف الفقهاء في ذلك فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية (١)، إلى أن ذلك لا يعتبر ظهارًا؛ لأنه شبهها بمن لا تحرم على التأبيد كالحائض والمُحْرِمة من نسائه.
وذهب المالكية والحنابلة في المذهب عندهم (٢) إلى أن ذلك يعتبر ظهارًا؛ لأنه شبهها بمحرَّمة عليه وقت الظهار فأشبه ما لو شبهها بالأم.
تشبيه الزوجة بظهر من يحرم من الرجال: إذا شبه زوجته بظهر أبيه أو غيره من الرجال كابنه أو أخيه ونحو ذلك فلا يكون ظهارًا عند الحنفية، والمالكية في قول، والشافعية، والحنابلة في رواية (٣)، قال ابن قدامة: وهو قول أكثر العلماء؛ وذلك لعدم ورود الشرع به، ولأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع.
والمذهب عند المالكية والحنابلة (٤) أنه يكون ظهارًا، وهو مروي عن جابر بن زيد. واشترط الحنابلة النية أو القرينة. واستدلوا بأن ظهر الرجل حرام كظهر الأم.
стр. 1014
تشبيه الزوجة بالمحرمات كالخمر والخنزير والميتة والدم ونحو ذلك:
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب عندهم إلى أن العبرة في ذلك بنية الرجل، فإن نوى به الظهار كان ظهارًا وإن نوى به الطلاق كان طلاقًا وإن نوى به اليمين كان يمينًا (١).
الثاني: وذهب المالكية إلى أن ذلك يقع به طلاق ويكون باتًا إلا أن ينوي أقل من ذلك في غير المدخول بها (٢).
ألفاظ الظهار:
يقسم الفقهاء ألفاظ الظهار إلى صريحة وكناية، فالصريح: أن يقول: أنت علي كظهر أمي فهذا ظهار صريح بالإجماع نقله غير واحد من الفقهاء (٣). وكذلك قوله أنت عندي أو مني أو معي كظهر أمي فهو ظهار بمنزلة عليَّ؛ لأن هذه الألفاظ في معناه (٤). وكذا قوله أنا منك مظاهر، أو قد ظاهرتك، أو أنت علي كبطن أمي أو كفخذ أمي أو كفرج أمي فهذا كله يكون مظاهرًا سواء نوى الظهار أولا؛ لأن هذا صريح في الظهار فلو نوى به غيره لم يقبل منه (٥).
والكناية ما يحتمل الظهار وغيره كما لو قال: أنت علي كأمي أو مثل أمي فقد
стр. 1015
ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعية والحنابلة في الأظهر (١) إلى أنه كناية لا يكون ظهارًا إلا بالنية، فإن نوى به الظهار كان ظهارًا، وإن نوى به الكرامة كان كرامة، وإن نوى به الطلاق كان طلاقًا، وإن نوى به اليمين كان إيلاء؛ لأن اللفظ يحتمل كل ذلك، ويستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم فلم ينصرف إليه بغير نية ككنايات الطلاق.
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بهذا الرأي في فتواها رقم (٨١٨)، ورقم (٥٥٧)، ورقم (١٤٦٠٩)، (١٩٣١٤)، وفتواها رقم (٢٠٨٨٩)(٢).
واختلفوا في قوله: "أنت علي حرام" على ثلاثة أقوال:
الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية (٣) إلى أن المعتبر فيه النية فإن نوى به الظهار كان ظهارًا وإلا فلا. ووجه ذلك أن التحريم يتنوع فمنه ما يكون بظهار وبحيض وإحرام وصيام فلا يكون صريحًا في واحد منها ولا ينصرف إليه بغير النية كما لا ينصرف إلى تحريم الطلاق.
الثاني: وذهب الحنابلة في الصحيح من مذهبهم (٤) إلى أن ذلك ظهار نواه أم لا، وممن قال به عثمان وابن عباس وأبي قلابة وسعيد بن جبير وميمون بن مهران والبتي. واستدلوا بما رواه الأثرم بإسناده عن ابن العباس في الحرام "أنه تحرير رقبة
стр. 1016
فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا" (١)، ولأنه تحريم للزوجة بغير طلاق فوجبت به كفارة الظهار كما لو قال: أنت علي حرام كظهر أمي. ولأنه صريح في تحريمها فكان ظهارًا وإن نوى غيره كما لو قال: أنت علي كظهر أمي.
الثالث: ذهب المالكية في المشهور عندهم (٢) إلى أن التحريم يقع به الطلاق ثلاثًا في حق المدخول بها ونيته في غير الدخول بها.
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في ألفاظ التحريم أنها ظهار كما في قول الزوج لزوجته: تراك علي حرام مدة عام في فتواها رقم (١١٧٨)، وقول زوج آخر: أنت علي حرام اعتبارًا من هذا اليوم في فتواها رقم (١١٧٢)(٣).
وفي الفتوى رقم (٩٠١٠) في قول الرجل: "أنت محرمة علي لن أقترب منك ولن أجامعك" فأفتت بأنه إن كان قصده من التحريم الظهار فهو ظهار وإن قصد به الطلاق فهو طلاق وإن قصد به اليمين فهو كذلك (٤).
آثار الظهار:
١ - حرمة الوطء قبل التكفير:
لا خلاف بين الفقهاء أن المظاهر يحرم عليه وطء زوجته قبل أن يكفر عن ظهاره إذا كان فرضه في الكفارة العتق أو الصيام (٥) لقوله : ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ
стр. 1017
نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، وهو أمر المظاهر بتحرير رقبة قبل المسيس فلو لم يحرم الوطء قبل المسيس لم يكن للأمر بتقديم التحرير قبل المسيس معنى ومثل ذلك في الصيام، ولحديث ابن عباس ﵁: أن رجلًا أتى النبي ﷺ قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال: يا رسول الله إني قد ظاهرت من زوجتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال: "وما حملك على ذلك يرحمك الله؟ " قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: "فلا تقربها حتى تفعل أمرك به الله" رواه أصحاب السنن (٢). وفي رواية: "استغفر الله ولا تعد حتى تكفر" (٣) فأمره ﷺ بالاستغفار ولا يكون ذلك إلا عن الذنب فدل على حرمة الوطء، ونهاه ﷺ عن العود إلى الجماع ومطلق النهي للتحريم فيدل على حرمة الجماع قبل الكفارة.
стр. 1018
أما إذا كان فرضه في الكفارة الإطعام فالجمهور على أن ذلك لا يجوز أيضًا حتى يكفر قياسًا على الكفارة.
٢ - حرمة الاستمتاع بما دون الوطء:
اختلف الفقهاء هل يحرم الاستمتاع بالزوجة المظاهر منها بالمباشرة والتقبيل واللمس عن شهوة ونحو ذلك قبل التكفير عن الظهار أم لا؟ على قولين:
الأول: ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في القديم والحنابلة في المذهب عندهم (١) إلى أنه يحرم؛ لقوله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وأخف ما يقع عليه اسم المس هو اللمس باليد إذ هو حقيقة لهما جميعا أعني الجماع واللمس باليد لوجود معنى المس باليد فيهما؛ ولأن الاستمتاع داع إلى الجماع فإذا حرم الجماع حرم الداعي إليه إذ لو لم يحرم لأدى إلى التناقض، ولأن ما حرم الوطء من القول حرم دواعيه كالطلاق والإحرام.
الثاني: ذهب الشافعية في الجديد والحنابلة في رواية إلى جوازه (٢)؛ لأنه وطء يتعلق بتحريمه حال فلم يتجاوزه التحريم كوطء الحائض. وقالوا: إن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ محمول على الجماع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٣).
وعلى القول بالتحريم لا ينبغي للمرأة إذا ظاهر منها زوجها أن تدعه يقربها بالوطء والاستمتاع حتى يكفر؛ لأن ذلك حرام عليه والتمكين من الحرام
стр. 1019
حرام (١)، على أن ذلك لا يسقط حقها في الاستمتاع به فلها أن تطالبه بالوطء، وإذا طالبته به فعلى الحاكم أن يجبره على أن يكفر حتى يطأ؛ لأنه بالتحريم بالظهار أضر بها حيث منعها حقها في الوطء مع قيام الملك فكان لها المطالبة بإيفاء حقها ودفع التضرر عنها وفي وسعه إيفاء حقها بإزالة الحرمة بالكفارة فيجب عليه ذلك ويجبر عليه لو امتنع.
كفارة الظهار:
كفارة الظهار أحد ثلاثة أمور على الترتيب: إعتاق رقبة لمن يجد ذلك، ثم صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد الرقبة، ثم الإطعام لمن لم يجد الرقبة ولم يستطع الصيام.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
ولحديث خولة بنت مالك حين ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فشكت أمرها إلى رسول الله ﷺ ونزل القرآن فقال لها رسول الله ﷺ : "يعتق رقبة"، قالت: لا يجد، قال: "فيصوم شهرين متتابعين"، قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: "فليطعم ستين مسكينا"، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قال: "فإني سأعينه بعرق من تمر"، قالت: يا رسول الله وإني أعينه بعرق آخر، قال: "قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا وارجعي إلى
стр. 1020
ابن عمك" (١).
ولحديث سلمة بن صخر الأنصاري ﵁ حين ظاهر من امرأته في شهر رمضان ثم وقع عليها في إحدى لياليه فقد قال له ﷺ : "اعتق رقبة"، قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي فقلت: لا والذي بعثك بالحق لا أملك غيرها، قال: "فصم شهرين"، قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: "فأطعم ستين مسكينا"، فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وُحُشًا ما لنا عشاء، قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك ... " (٢)، فمن وجد رقبة يستغني عنها أو وجد ثمنها فاضلا عن حاجته ووجدها به لم يجزئه إلا الإعتاق.