← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فقال طلقها ففعل فقال لها عمر: انطلقي فتزوجي من شئت فتزوجت ثم جاء زوجها الأول فقال عمر: أين كنت؟ قال يا أمير المؤمنين استهوتني الشياطين فوالله ما أدري في أي أرض الله كنت عند قوم يستعبدونني حتى غزاهم قوم مسلمون فكنت فيما غنموه فقالوا لي أنت رجل من الإنس وهؤلاء من الجن فمالك وما لهم؟ فأخبرتهم خبري فقالوا: بأي أرض الله تحب أن تصبح؟ قلت: المدينة هي أرضي فأصبحت وأنا انظر إلى الحرة فخيره عمر إن شاء امرأته وإن شاء الصداق فاختار الصداق وقال: قد حبلت لا حاجة لي فيها" (١). قال الإمام أحمد: يروى عن عمر من ثلاثة وجوه ولم يعرف في الصحابة له مخالف (٢). وروى الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين ثم تنتظر أربعة أشهر وعشرا" (٣). وروى الجوزجاني وغيره عن علي في امرأة المفقود: "تعتد أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها وتعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا، فإن جاء زوجها المفقود بعد ذلك خير بين الصداق وبين امرأته" (٤).

стр. 1052

وعن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان ﵁ قالا: "امرأة المفقود تتربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ثم تنكح" (١). وعن جابر بن زيد قال: "تذاكر ابن عباس وابن عمر المفقود فقالا جميعًا تتربص امرأته أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها ثم تتربص أربعة أشهر وعشرا" (٢). قالوا في هذه الآثار جميعًا: إنها قضايا انتشرت في الصحابة فلم تنكر فكانت إجماعًا (٣). ولأن هذه المدة أكثر مدة الحمل. الراجح: هو القول الثاني لما استندوا إليه ولأنه أكثر موافقة للقياس وهو ما اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم (٤). أما قولهم قد صح رجوع عمر إلى قول علي ﵁ (٥) فهي دعوى تحتاج إلى إثبات وقد قال عنه الحافظ ابن حجر: "وأما رجوع عمر فلم أره" (٦).

стр. 1053

وتبدأ المدة من حين ضربها الحاكم في المشهور من مذهب المالكية ورواية عند الحنابلة،؛ لأنها مدة مختلف فيها فافتقرت إلى ضرب الحاكم كمدة العنة (١). والصحيح عند الحنابلة عدم اشتراط ذلك. وهذا كله في حق الزوج الحر، وأما العبد فيؤجل نصف الحر في المشهور من مذهب المالكية، وهو رواية عند الحنابلة في الأمة (٢). والصحيح من مذهب الحنابلة أن الأمة كالحرة في ذلك (٣). حساب بداية العدة: يبدأ حساب العدة للمطلقة من تاريخ وقوع طلاقها من الزوج لا من تاريخ صدور الصك ونحو ذلك، ويبدأ بالنسبة للمتوفى عنها من تاريخ الوفاة. وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية فتواها رقم (٦٣٦٠)، ورقم (١٩٥٤)، ورقم (١٦٤٨٨) (٤). أحكام المعتدة: للمعتدة أحكام منها: ١ - إن كانت متوفى عنها زوجها يجب عليها الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي فيه (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً﴾

стр. 1054

لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (١)، ولقوله ﷺ للفريعة بنت مالك بن سنان ﵂ حين توفي عنها زوجها واستأذنته بالاعتداد عند أهلها: "امكثي في بيتك" (٢)، وفي رواية: "اعتدي في البيت الذي جاء فيه نعي زوجك" (٣)، وفي لفظ: "حيث أتاك الخبر" رواه النسائي (٤). ولا يجوز لها الخروج إلا لحاجة ويكون ذلك نهارًا لا ليلًا؛ لأنه مظنة الفساد والأصل في ذلك ما رواه مجاهد ﵀ قال: استشهد رجال يوم أحد فآم نساؤهم وكن متجاورات في دار فجئن النبي ﷺ فقلن: يا رسول الله إنا نستوحش بالليل فنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا تبدرنا إلى بيوتنا؛ فقال النبي ﷺ : "تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة منكن إلى بيتها" (٥). وكذلك الحكم في المطلقة الرجعية يجب عليها الإعتداد في منزلها الذي طلقت فيه، ولا تخرج إلا لعذر ويكون ذلك في النهار لعموم قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٦).ولما رواه جابر ﵁ قال: طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي ﷺ فقال: "بلى فجدي نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا" رواه مسلم (٧).

стр. 1055

وتخرج المعتدة لنحو مراجعة المستشفى للعلاج، ولشراء حاجاتها من السوق إذا لم يكن لديها من يقوم بذلك، والذهاب إلى الجامعة لحضور المحاضرات إن كانت طالبة ونحو ذلك، أما العذر الشرعي الذي يجيز لها الانتقال من بيت الزوجية فنحو الخوف على نفسها من البقاء وحدها في البيت إذا لم يكن معها أحد يصونها ونحو ذلك. وأفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في الفتوى رقم (١٨٨٧٥) (١) بجواز خروجها لزيارة أمها إذا لم يحتج ذلك إلى سفر؛ لأن ذلك من أعظم حاجاتها. ٢ - الإحداد: وهو اجتناب كل ما تتزين به النساء (٢). والعبرة فيه بما يعتبر زينة عادة من الثياب والحلي والطيب والخضاب ونحو ذلك، وهو تابع للعدة والأصل فيه حديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" رواه البخاري ومسلمٌ (٣). وحديث أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا, ولا تلبس ثوبًا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار" رواه البخاري ومسلمٌ (٤).

стр. 1056

ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها كبيرة كانت أم صغيرة دخل بها الزوج أم لا لأن الإحداد تبع للعدة والعدة واجبة عليهن لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١)، واختلفوا في غيرها على قولين: الأول: أن الإحداد لا يجب على المطلقة رجعية كانت أم مبتوتة. وإليه ذهب المالكية، والشافعية في الجديد عندهم والحنابلة في المذهب عندهم (٢). الثاني: أن الإحداد يجب على المطلقة البائن، وإليه ذهب الحنفية والشافعية في القديم والحنابلة في رواية (٣)؛ لما روي أن النبي ﵊ نهى المعتدة أن تختضب بالحناء وقال الحناء طيب (٤)، ولأنه يجب إظهارًا للتأسف على فوت نعمة النكاح الذي هو سبب لصونها وكفاية مؤنها والإبانة أقطع لها من الموت حتى كان لها أن تغسله ميتًا قبل الإبانة لا بعدها. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بوجوب

стр. 1057

اجتناب المعتدة من الوفاة كل ما يعتبر زينة من الملابس الجميلة والخضاب والتحلي بالذهب والفضة، واستعمال الكحل والطيب ونحو ذلك في عدد من فتاواها من ذلك الفتوى رقم (٩١٥٣) و (١٠٦٥٢)، و (١٧٧٠٥) و (١٩٧٥٦) (١)، وغيرهما. وأفتت اللجنة أيضًا بأن من تجتنب الزينة وكل ما يلحق بها عن عمد فهي آثمة ويجب عليها التوبة والاستغفار بخلاف من تركتها عن جهل فلا إثم عليها وذلك في فتواها رقم (١٤١٥٧)، وفتواها رقم (١١٢٨)، ورقم (١٨٢٣) و (٥٩٣٢) و (٧٤٢٢) و (٢٠٥٠٤) (٢). الغلو في الإحداد: لا يشرع في الإحداد تجاوز حد المشروع بترك ما لم يشرع تركه، فلا يشرع ترك الغسل وترك تمشيط الشعر ونحو ذلك، كما لا يشرع الانعزال وعدم مكالمة الناس أو ترك الرد على المكالمات التليفونية ونحو ذلك مما قد يعتقد العوام أن الشرع قد أمر به. بل كل ذلك من الغلو غير المشروع. وقد أفتت بذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٥٧٧٥)، ورقم (٧٠٧٩) (٣). انتهاء الإحداد بمضي المدة: سبق أن قلنا إن الإحداد تبع للعدة وعليه فينقضي بانقضاء العدة وذلك بوضع العمل إن كانت حاملا سواء زادت مدته على أربعة أشهر أم قلت، وإن لم

стр. 1058

تكن حاملا فتنتهي بمضي أربعة أشهر وعشرا. فإن توفي زوجها وهي لا تعلم ومضى بعض هذه المدة جلست ما تبقى منها بحسابه، وإن مضت المدة كلها ولم تعلم بذلك أو لم تعلم بالحكم انقضت العدة والإحداد. وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في عدد من فتاواها من ذلك الفتوى رقم (٩١٥٣)، ورقم (١٤٤٦٣)، ورقم (١٦٦٨٠)، ورقم (١٤٥٠٦)، ورقم (١٣٧٦٧) ورقم (١٢٠٨١) (١). ٣ - خطبة المعتدة: يحرم التصريح بخطبة المعتدة البائن في فترة العدة دون التعريض، والتصريح هو ما لا يحتمل غير النكاح كقوله: أطلب يدك في النكاح ونحو ذلك، والتعريض ما يفهم منه النكاح مع احتمال غيره نحو أن يقول: إني في مثلك راغب، ولا تفوتيني بنفسك، أو إذا انقضت عدتك فأعلميني، أو ما أحوجني إلى مثلك ونحو ذلك. والدليل على ذلك الإجماع (٢)، وسنده قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٣). وأما المطلقة الرجعية فيحرم التصريح والتعريض بخطبتها لأنها في حكم المتزوجة.

стр. 1059

الاستبراء الاستبراء لغة: طلب البراءة تقول استبرأت المرأة إذا طلبت براءة رحمها من الحبل (١). وشرعا: تربص يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك يمين (٢). مشروعيته: الأصل في مشرعية الاستبراء السنة ومنها حديث رويفع بن ثابت الأنصاري قال: قام فينا خطيبًا قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم حنين قال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره يعني إتيان الحبالى ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها, ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم" رواه أحمد وأبو داود (٣). الحكمة من استبراء الرحم: الحكمة منه تجنب اختلاط الأنساب. ما يكون به الاستبراء: يكون استبراء الأمة الحامل بوضع الحمل، وغير الحامل إن كانت تحيض فاستبراؤها بحيضة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤)، وحديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس ورفعه: "لا توطأ حامل

стр. 1060

حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" (١) رواه أحمد وأبو داود. وأما الآيسة والصغيرة فتستبرآن بمضي شهر لأنه يقوم مقام حيضة.

стр. 1061

الرضاع الرضاع لغة: مص اللبن من الثدي، وفي ماضيه لغتان بكسر الضاد وفتحها رضِع يرضَع، ورضَع يرضِع رضْعًا ورضاعًا ورضاعةً، وتقول امرأة مرضع إذا كان لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاعه قلت: مُرضِعةٌ (١). وشرعًا: مص الرضيع اللبن من ثدي الآدمية في وقت مخصوص (٢). وقيل: مص من دون الحولين لبنًا ثاب عن حمل أو شربه أو نحوه (٣). مشروعية الرضاعة: الأصل في مشروعية الرضاع وحصول التحريم به الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٥). وأما السنة فحديث علي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله مالك تنوق في قريش وتدعنا؟ فقال: وعندكم شيء؟ قلت: نعم، بنت حمزة، فقال رسول الله

стр. 1062

- ﷺ : "إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة" رواه مسلم (١). وحديث عائشة ﵂ أن عمها من الرضاعة يسمى أفلح استأذن عليها فحجبته فأخبرت رسول الله ﷺ فقال لها: "لا تحتجبي منه فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" رواه البخاري ومسلمٌ (٢). وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من الفقهاء منهم ابن المنذر وابن حزم والموفق وغيرهم (٣). أركانه ثلاثة: مرضع ولبن ورضيع (٤). شروط الرضاع المحرّم: يشترط للرضاع المحرم أربعة شروط هي (٥): ١ - أن يكون باللبن خاصة: فلو امتص الرضيع غير اللبن كما لو امتص من ثدي المرأة ماء أو دما أو قيحا ونحو ذلك فلا يثبت بذلك حكم الرضاع المحرم. ويستوي الحكم بين ما إذا كانت طريق الرضاع هي امتصاصه الرضيع اللبن من ثدي المرأة، أو شربه من كأس ونحو ذلك؛ لأن المؤثر في التحريم هو حصول الغذاء باللبن وإنبات اللحم وإنشاز العظم وسد المجاعة وذلك حاصل بهذه الطرق.

стр. 1063

وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة بعدم ثبوت أحكام الرضاع في حالة التبرع بالدم بين المتبرع والمتبرع له وفي حالة كون ما يمتصه الرضيع ماء وليس لبنا لأن ذلك كله ليس رضاعًا شرعيًا وذلك في فتواها رقم (٣١٠) و (١٥٠٧)، والفتوى (١٤٧٥٣) (١). كما أفتت بثبوت حكم الرضاع باستخراج اللبن وبشربه من الزجاجة في فتواها رقم (١٣١٧٨) (٢). حكم اللبن المخلوط: اختلف الفقهاء في اللبن المخلوط بغيره هل يثبت حكم الرضاع به؟ على قولين: الأول: أنه يثبت به حكم الرضاع سواء كان اللبن هو الغالب أم غيره وهو الأظهر في مذهب الشافعية وقول عند الحنابلة (٣)؛ لأن أجزاءه موجودة في الخلطة ويحصل بها إنبات اللحم وإنشاز العظم فثبت به حكم الرضاع. الثاني: أنه إن كان الغالب هو اللبن ثبت به حكم التحريم وإلا لم يثبت ذلك وهو قول أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن من الحنفية ومذهب المالكية وقول للشافعية والمذهب عند الحنابلة (٤)؛ لأنه إن لم يكن غالبًا لم يكن مؤثرًا في الرضيع. الثالث: أنه إن كان مخلوطًا بالطعام لم يحرم وإن كان هو الغالب، بخلاف ما لو كان مخلوطًا بالماء أو الدواء أو لبن الحيوان ونحو ذلك فالحكم فيه للغالب وهو

стр. 1064

قول أبي حنيفة (١)؛ لأن الطعام إذا كان أقل من اللبن فإنه يسلب قوة اللبن لأنه يرق ويضعف بحيث يظهر ذلك في حس البصر فلا تقع الكفاية به في تغذية الصبي فكان اللبن مغلوبًا معنى وإن كان غالبًا صورة. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بالقول الثاني في فتواها رقم (٢١٠٥٧) و (٣٥٠٤) (٢). ٢ - أن يكون اللبن لآدمية: فلو كان لغير الآدمية كما لو ارتضع صغيران من لبن شاة ونحو ذلك لم يثبت بذلك حكم الرضاعة شرعًا؛ لأن الأخوة فرع الأمومة فإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع (٣). وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (٤). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة بعدم ثبوت التحريم بالرضاع من الحليب الصناعي في فتواها رقم (٣٠٨٥) (٥). حكم الرضاع من لبن الميتة: اختلف الفقهاء هل يشترط لثبوت التحريم أن يكون الرضاع من امرأة حية أم لا؟ على قولين: الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة (٦) إلى أنه لا يشترط لثبوت التحريم أن يكون الرضاع من امرأة حية بل يثبت حكم الرضاع المحرم بالارتضاع من ثدي امرأة ميتة؛ لأنّ اللبن لا يموت.

стр. 1065

الثاني: ذهب الشافعية في المذهب عندهم إلى اشتراط حياة المرأة صاحبة اللبن وقت انفصال اللبن عن ثديها فالرضاع من ثدي الميتة لا يحرم؛ لأنه من لبن جثة منفكة عن الحل والحرمة كالبهيمة (١). هل يشترط أن يثوب اللبن عن وطء؟ للفقهاء في ذلك قولان: الأول: ذهب المالكية والشافعية في الأصح وأحمدُ في أظهر الروايتين عنه (٢) إلى عدم اشتراط ذلك فلو ثاب اللبن من غير الوطء فرضع منه الطفل نشرت به الحرمة؛ بل وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك فقال: "وأجمعوا على أن البكر التي لم تنكح ثم نزل بها لبن فأرضعت به مولودًا أنه ابنها ولا أب له من الرضاعة" (٣). وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٤)، ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم، ولأنه وإن كان نادرًا إلا أن جنسه معتاد. الثاني: ذهب الحنابلة في المذهب عندهم (٥) إلى اشتراطه فلا تنتشر الحرمة إذا لم يكن اللبن ثاب عن الوطء؛ لأنه نادر لم تجر العادة به لتغذية الأطفال فأشبه لبن الرجال. أما إسلام المرضع: فليس بشرط بالاتفاق (٦)؛ لأن الزواج من أهل الكتاب

стр. 1066

جائز فما ترتب عليه من الرضاع والحضانة ونحو ذلك يكون مشروعا تباعا. ولكن يكره الرضاع من الفاجرة لقول عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ﵄: "اللبن يشبه عليه فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية" (١). ولأن لبن الفاجرة ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور فإنه يقال إن الرضاع يغير الطباع. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة بجواز أن تكون المرضع نصرانية في فتواها رقم (٤٦٦٨) (٢). ٣ - أن يبلغ عدد الرضعات ما يحرّم شرعًا: وقد اختلف الفقهاء هل يشترط للرضاع المحرم عددًا معينًا أم لا؟ على أقوال أهمها ما يأتي: الأول: يشترط له خمس رضعات فصاعدًا وهو مذهب الشافعية والصحيح في مذهب الحنابلة (٣). واستدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن" رواه مسلم (٤). وعن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ أمر امرأة أبي حذيفة فأرضعت سالما خمس رضعات فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة" رواه مالك (٥). قالوا إن هذين

стр. 1067

الحديثين وأمثالهما مبينة للآية في تحديد الرضاعة المحرمة. الثاني: أن قليل الرضاع وكثيره يحرّم وهو مذهب الحنفية والمالكية ورواية عند الحنابلة (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢)، وعموم حديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" متفق عليه (٣). وقالوا إن ما ورد فيه التقدير منسوخ بما روي عن ابن عباس ﵄ حين قيل له: إن الناس يقولون إن الرضعة لا تحرم، فقال: "كان ذلك ثم نسخ" (٤). وما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: "آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم" (٥). وعن عمرو بن دينار قال: "سئل ابن عمر ﵄ عن شيء من أمر الرضاع فقال: لا أعلم إلا أن الله قد حرم الأخت من الرضاعة فقلت: إن أمير المؤمنين ابن الزبير يقول: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ولا المصة ولا المصتان فقال ابن عمر ﵁: قضاء الله خير من قضائك وقضاء أمير المؤمنين معك" (٦). وفي رواية

стр. 1068

أخرى عن شعبة عن عمرو بن دينار سمع رجلا قال لابن عمر ﵁: "إن أمير المؤمنين بن الزبير ﵄ يقول: لا تحرم الرضعة والرضعتان فقال بن عمر ﵄: كتاب الله أصدق من أمير المؤمنين: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١) " (٢). الثالث: لا يثبت التحريم إلا بثلاث رضعات فأكثر وهو رواية عند الحنابلة (٣). واستدلوا بحديث: "لا تحرّم المصة والمصتان" رواه مسلم (٤)، وعن أم الفضل بنت الحارث قالت: دخل أعرابي على نبي الله ﷺ وهو في بيتي فقال: يا نبي الله إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين فقال نبي الله ﷺ : "لا تحرّم الإملاجة والإملاجتان" رواه مسلم (٥). وفي لفظ عنده أيضًا أن أم الفضل حدثت أن نبي الله ﷺ -قال: "لا تحرّم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان"، ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث. القول الرابع: لا يحرم دون عشر رضعات روي ذلك عن حفصة وعائشة (٦)؛ لما جاء في بعض روايات حديث سهلة بنت سهيل قال لها رسول الله ﷺ : "فأرضعيه عشر رضعات ثم ليدخل عليك كيف شاء ... " رواه أحمد (٧) وما رواه مالك عن نافع أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره أن عائشة أم المؤمنين

стр. 1069

أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق فقالت: "أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل علي قال سالم: فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات ثم مرضت فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تتم لي عشر رضعات" (١). حد الرضعة الواحدة: والمرجع في معرفة الرضعة إلى العرف لأن الشرع ورد بها مطلقا ولم يحدها بزمن ولا مقدار فدل ذلك على أنه ردهم إلى العرف فإذا ارتضع الصبي وقطع قطعًا بينًا باختياره كان ذلك رضعة ولو انقطع للتنفس أو الملل أو اللهو أو النومة الخفيفة أو ازدراد ما جمعه في فمه وعاد للرضاع في الحال فلا تَعدُّد بل الكل رضعة واحدة (٢). ٤ - أن تكون الرضعات في الحولين: وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط على أقوال كثيرة نذكر أهمها فيما يلي: القول الأول: يشترط في الرضاع المحرم أن يكون في الحولين، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وقول أبي يوسف ومحمَّد من الحنفية، ورواية عن مالك (٣). والاعتبار عندهم بالحولين لا بالفطام فلو فطم قبل الحولين ثم ارتضع فيهما حصل التحريم ولو لم يفطم حتى تجاوز الحولين ثم ارتضع بعدهما قبل الفطام لم يثبت التحريم.

стр. 1070

واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١)، حيث جعل سبحانه تمام الرضاع في الحولين فدل ذلك على أن ما بعد الحولين بخلافه. ولحديث ابن عباس ﵁ قال ﷺ : "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" رواه الدارقطني (٢). وعن عائشة أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها رجل فتغير وجه النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة فقال رسول الله ﷺ : "انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه (٣). وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" أخرجه الترمذيُّ (٤). القول الثاني: أن الرضاع المحرم هو ما يتم خلال ثلاثين شهرًا، وهو مذهب الحنفية (٥)، ولا يحرم بعد ذلك سواء فطم الولد أو لم يفطم. واستدلوا بقوله تعالى:

стр. 1071

﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١). قالوا: إن الله ذكر شيئين في الآية وضرب لهما مدة فكانت لكل واحد منهما بكمالها إلا أن الدليل قد قام على أن أدنى مدة الحمل ستة أشهر، فبقي مدة الفصال على ظاهره، ولأن اللبن كما يغذي الصبي قبل الحولين يغذيه بعده والفطام لا يحصل في ساعة واحدة لكن يفطم درجة فدرجة حتى ينسى اللبن ويتعود الطعام فلا بد من زيادة على الحولين بمدة وإذا وجبت الزيادة قدرنا تلك الزيادة بأدنى مدة الحبل وذلك ستة أشهر اعتبارا للانتهاء بالابتداء. القول الثالث: أن رضاع الكبير يثبت به التحريم وهو مذهب عائشة وعلي وعروة بن الزبير ﵃، وعطاء والليث بن سعد والظاهرية، وهو واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقيده بالحاجة ووافقه تلميذه ابن القيم والشوكاني والصنعاني ﵏ جميعا (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٣). حيث لم يفصل بين الرضاع حال الصغر والرضاع حال الكبر. وحديث سهلة بنت سهيل ﵂ قالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالمًا ولدا فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلى وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال النبي ﷺ : "أرضعيه". فأرضعته خمس رضعات

стр. 1072

فكان بمنزلة ولدها فبذلك كانت عائشة تأخذ تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرًا خمس رضعات وأبت ذلك أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها رخصة من النبي ﷺ لسالم دون الناس. رواه أبو داود والنسائيُّ وغيرهما (١). وما روي عن زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي قال: فقالت عائشة: أما لك في رسول الله ﷺ إسوة؟ قالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شيء فقال رسول الله ﷺ : "أرضعيه حتى يدخل عليك" رواه مسلم (٢). وقد رد الجمهور الاستدلال بحديث الجواز بأنّه رخصة في حق سالم خاصة فعن أم سلمة قالت: "أبى سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن أحدًا بتلك الرضاعة وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا" رواه مسلم (٣). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بعدم ثبوت التحريم برضاع الكبير في فتواها رقم (٣٠٥٥) حيث كان سن المرتضع ثلاث سنين، وفي فتواها رقم (١٤٩٠) لكون عمر المرتضع ثمان أو تسع سنوات (٤).

стр. 1073

ما يثبت به الرضاعة: يثبت حكم الرضاعة بالإقرار والبينة والإقرار كأن تقول امرأة هو ابني من الرضاعة ونحو ذلك، والبينة أن يشهد به رجلان فأكثر ونحو ذلك ولا خلاف بين الفقهاء في ثبوت حكمه بالإقرار وبشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، واختلفوا فيما سوى ذلك على أربعة أقوال: الأول: لا يقبل إلا رجل وامرأتان وهو مذهب الحنفية (١) واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢). الثاني: يكفي شهادة رجل وامرأة، أو شهادة امرأتين إن فشا ذلك وهو مذهب المالكية (٣). الثالث: لا يقبل أقل من أربع نسوة وهو مذهب الشافعية (٤). الرابع: يكفي لثبوت حكم الرضاعة شهادة امرأة واحدة إذا كانت مرضية وهو مذهب الحنابلة (٥). واستدلوا بما روى عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما فأتيت النبي ﷺ فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إني قد أرضعتكما وهي كاذبة، فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه قلت: إنها كاذبة، قال: "كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما دعها عنك" رواه البخاري (٦). قالوا: إن هذا يدل على الاكتفاء بالمرأة

стр. 1074

الواحدة في ثبوت حكم الرضاعة. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة بالقول الرابع في فتواها رقم (١٩٣٢٨)، و (٥٥٤٢) (١). أثر الرضاعة: عندما يحصل الرضاع بشروطه الشرعية يترتب عليه نشر التحريم بين الرضيع والمرضع وصاحب اللبن تماما كما ينشره النسب وهذا بالإجماع قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٢). وسنده حديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" متفق عليه (٣). وإذا ثبت هذا فالمقصود بالتحريم إنما هو من حيث النكاح وجواز النظر والخلوة وعدم نقض الوضوء باللمس ونحو ذلك، أما بقية أحكام النسب من النفقة والعتق ورد الشهادة وسقوط القود في القتل وغير ذلك فلا يوجبها الرضاع؛ لأن النسب أقوى منه فلا يقاس عليه في جميع أحكامه وإنما يأخذ حكم حكمه فيما نص الشارع عليه (٤).

стр. 1075

الحضانة الحضانة في اللغة: الضم إلى الحِضن، وهي مأخوذ من الحِضن بكسر الحاء وهو الجنب أو ما بين العضدين من منطقة الصدر وما حولها، سميت بذلك لأن الحاضنة تضم الطفل إلى حضنها، تقول حضَن الطائر بيضه حَضْنًا وحِضانا إذا ضمه تحت جناحه، والاسم منه الحضانة بكسر الحاء وفتحها (١). وشرعًا: وهي حفظ صغير ونحوه عما يضره وتربيته بعمل مصالحه (٢). مشروعيتها: الحضانة واجبة للطفل لأنه يهلك بتركها فوجب حفظه عن الهلاك كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك (٣). ونقل بعض الفقهاء الإجماع على وجوبها للصغير حتى يقوم بنفسه (٤). ووجوبها على الكفاية إن قام بها قائم سقط الإثم عن الباقين (٥). الحكمة من مشروعيتها: لما كان الصغير ومن في حكمه كالمجنون والمعتوه ونحوهم لا يستطيعون رعاية أنفسهم ولا تربيتها لقصورهم اقتضت الحكمة أن شرع الله ولاية الحضانة لصيانة هؤلاء المحتاجين ورعاية شؤونهم وتربيتهم لا سيما في حالة فراق الزوجين وذلك رحمةً بهم حتى لا يهلكوا أو يضيعوا فيصبحوا وبالا على الأمة.

стр. 1076

الحق في الحضانة: الحضانة حق لكل من المحضون والحاضن فهو حق للمحضون باعتبار أن فيها محافظة عليه وفي تركها هلاك له، وحق للحاضن باعتبار أن له الحرية في المطالبة بها أو إسقاطها ما لم يمتنع المحضون عمن سواها (١). ويستحق المطالبة بها كل رجل عصبة كالأب، والجد، والأخ لغير أم, والعم كذلك، وكل امرأة وارثة كالأم والجدة والأخت، أو مدلية بوارث كالخالة، وبنات الأخوات، أو مدلية بعصبة كبنات الإخوة وبنات الأعمام، وذوي رحم غير من تقدم كالعم لأم والجد لأم والأخ لأم، والحاكم عند عدم وجود هؤلاء جميعا (٢). شروط الحضانة: يشترط لاستحقاق المطالبة بالحضانة ما يلي: ١ - الإسلام: يشترط جمهور الفقهاء في الحاضن الإسلام لأن الحضانة ولاية ولا ولاية للكافر على المسلم، وخوفًا من فتنة المحضون في دينه بتعليمه الكفر وتربيته عليه وفي ذلك ضرر عليه (٣). ٢ - التكليف: يشرط جمهور الفقهاء أن يكون الحاضن بالغًا عاقلًا فإن لم يكن كذلك لم يستحق المطالبة بها، فلا حضانة للطفل أو الصبي ولا المجنون أو المعتوه؛ لأنهم عاجزون عن تولي شؤونهم وضانة أنفسهم فلا يكونوا مؤهلين

стр. 1077

لحضانة غيرهم (١). ٣ - الأمانة في الدين: فلا حضانة لفاسق ولو كان أبًا للمحضون كمدمن خمر، وسارق، ومشتهر بالزنا ونحو ذلك؛ لأنه المحضون يتأثر بذلك (٢). ويرى الحنفية أن الحاضنة إن كانت أما للمحضون وهي فاسقة فسقًا يلزم منه ضياعه سقط حقها، وإلا لم يسقط حقها حتى يعقل الولد فجورها فتنزع منها كالكتابية (٣). ٤ - القدرة على القيام بالحضانة: يشترط لاستحقاق الحضانة قدرة الحاضنة على القيام بأعمال الحضانة أي القيام بشؤون الطفل وما يتطلبه من تربية، فمن لم يكن قادرًا على القيام بذلك إما لعجز خلقي أو مرض يعيقه كالعمى والزمانة لم يكن من أهل الحضانة (٤). ٥ - الرشد: يشترط المالكية والشافعية في الحاضن أن يكون رشيدًا وهو القدرة على حفظ مال المحضون وصيانته، فلا حضانة عندهم لسفيه مبذر لئلا يتلف مال المحضون (٥). ٦ - الحرية: يشترط الشافعية والحنابلة في الحاضن الحرية فلا حضانة للرقيق عندهم؛ لأن الحضانة ولاية وهو ليس من أهل الولايات، ولأن منافعه لسيده.

стр. 1078

٧ - انتفاء الأمراض المعدية: يشترط خلو الحاضن من الأمراض المعدية خوفًا من انتقالها إلى المحضون وذلك كمرض نقص المناعة المكتسبة (الأيدز)، والبرص والجذام ونحو ذلك (١). ٨ - عدم زواج الحاضنة: يشترط في حق الأم لاستحقاق حضانة ابنها ألا تتزوج الأم، وهذا مما لا يختلف فيه الفقهاء (٢). قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تنكح، وأجمعوا على أن لا حق للأم في الولد إذا تزوجت" (٣). ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدع عبد الله بن عمرو بن العاص: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي" رواه أحمد وأبو داود (٤). ٩ - يشترط في حق الرجل أن يكون لديه من هو صالح للحضانة: كالزوجة أو سرية أو أمة لخدمة أو مستأجرة ونحو ذلك؛ لأن الرجل لا صبر له على أحوال الأطفال كالنساء فإن لم يكن عنده من يقوم بذلك فلا حق له انتقل الحق إلى غيره (٥).

стр. 1079

١٠ - يشترط في حالة كون المحضون أنثى تشتهى والحاضن ذكرًا أن يكون محرمًا لها زمن الحضانة. فإن لم يكن كذلك فلا حق له في حضانة البنت لما يترتب على ذلك من المحظورات (١). ترتيب الحاضنين: يحق للحاضن المطالبة بالحضانة حسب الترتيب الآتي: الأم: فأحق الناس في المطالبة بالحضانة الأم ما لم تتزوج إذا توافرت فيها شروط الأهلية الأخرى المتقدم ذكرها. وهذا مما لا يختلف فيه الفقهاء (٢). قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تنكح" (٣). ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره قريبا. وما روي عن ابن عباس ﵁: "أن عمر خاصم امرأته أم ابنه عاصم إلى أبي بكر إذ طلقها وقال: أنا أحق به، فقال له أبو بكر: ريحها وحرها وفراشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه وقضى أبو بكر لها به" (٤). ولأن الأم أقرب إلى الطفل وأشفق عليه والأب لا يتولى الحضانة بنفسه بل يدفعه إلى امرأته وأمه أولى به من امرأة أبيه.

стр. 1080

وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بذلك في فتواها رقم (١٤٨٠٦) (١). الجدة أم الأم: إذا تزوجت الأم أو أسقطت حقها في الحضانة انتقل الحق إلى أمها لقربها ولأنها في معنى الأم من حيث كمال الشفقة على المحضون (٢). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بذلك في فتواها رقم (١٤٨٠٦) (٣). الأب: تنتقل الحضانة إليه بعد الأم وأم الأم؛ لأنه أقرب إلى المحضون وأكثر شفقة من غيره. الجدة أم الأب: لأنه تدلي بمن هو أحق, وتقدم على الجد؛ لأن الأنوثة مع التساوي توجب الرجحان. الجد أبو الأب؛ لأنه بمنزلة الأب. ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ترجيح جهة الأبوة على جهة الأمومة في الحضانة، وإنما رجحت الأم على الأب لأنها أنثى ولأنها أشفق على الطفل وأصبر عليه. وبناء على هذا فترجح الجدة أم الأب على أم الأم، وترجح الأخت لأب على الأخت لأم؛ لأن جهة الأبوة ترتبط برابطتي العصوبة والرحم بخلاف جهة الأمومة فإنها إنما ترتبط مع المحضون برابطة الرحم (٤). أخوات المحضون: لأنهن يشاركنه في النسب، وتقدم الأخت لأبوين لقوة

стр. 1081

القرابة، ثم الأخت لأم لأنها تدلي بالأم وهي مقدمة على الأب، ثم الأخت لأب. الخالات: لأنهن يدلين بالأم، ولحديث: "الخالة بمنزلة الأم"، وتقدم الخالة لأبوين ثم الخالة لأم فالخالة لأب كما في الأخوات. ثم العمات، ثم بنات الإخوة، ثم بنات الأخوات ثم بنات الأعمام، ثم بنات العمات، ثم بقية العصبة الأقرب فالأقرب؛ لأن لهم ولاية وتعصيبًا بالقرابة فثبتت لهم الحضانة كالأب. ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن العمة أحق من الخالة وأن نساء الأب يقدمن على نساء الأم؛ لأن الولاية للأب وكذا أقاربه كما سبق. أجرة الحضانة: اختلف الفقهاء هل تجب للحاضنة أجرة أم لا؟ على ثلاثة أقوال: الأول: تجب للحاضنة أجرة إذا طالبت بها ولو كانت هي أم المحضون وهو مذهب الشافعية والحنابلة (١). وذلك لأن الحضانة ليست واجبة فلو امتنعت عنها لم تجبر. والأجرة تكون في مال المحضون إن كان له مال وإلا فعلى من تجب عليه نفقته. الثاني: لها الأجرة ما لم تكن الحضانة مستحقة عليها وهو مذهب الحنفية (٢) كأن تكون أمًا للمحضون وهي تحت أبيه، أو في عدة الطلاق الرجعي؛ لأن

стр. 1082

الإرضاع مستحق عليها ديانة لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (١)، وإنما تعذر لاحتمال عجزها، فإذا أقدمت عليه بالأجر ظهر قدرتها فكان الفعل واجبًا عليها فلا يجوز أخذ الأجر عليه. الثالث: ليس لها أجرة إلا إذا كانت أمًا وهي فقيرة والمحضون غني وهو المشهور من مذهب المالكية (٢)؛ لأنها في هذه الحالة تجب عليه نفقتها. الحكم عند بلوغ المحضون سبع سنين: عندما يبلغ المحضون الذكر سبع سنين إما أن يتفق أبواه المنفصلان على أن يكون لدى أحدهما أو يختلفا فإن اتفقا على شيء كان لهما ذلك؛ لأن الحق لا يعدوهما، وإن تنازعا فقد اختلف الفقهاء عند من يكون؟ على قولين: الأول: يخيره الحاكم بينهما ويكون عند من اختاره وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٣)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ وأنا قاعد عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال رسول الله ﷺ : "استهما عليه"، فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : "هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت" فأخذ بيد أمه فانطلقت به، وفي لفظ مختصر عن أبي هريرة ﵁ قال: "خير النبي ﷺ غلامًا بين أبيه وأمه" (٤).

стр. 1083

وما رواه عبد الرحمن بن غنم "أن عمر بن الخطاب ﵁ خير غلامًا بين أبيه وأمه" (١)، ولأنه إذا مال إلى أحد أبويه دل على أنه أرفق به وأشفق عليه. الثاني: لا يخير وهو مذهب الحنفية والمالكية (٢)؛ لأنه دون البلوغ فهو كمن دون السبع سواء فلا قول له، ولا يعرف حظه وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه ويمكنه من شهواته فيؤدي إلى فساده. ويضم إلى الأب عند الحنفية؛ لأنه استغنى بنفسه ويحتاج إلى التثقيف والتأدب والتخلق بأخلاق الرجال وآدابهم والأب أقدر على ذلك. ويبقى مع الأم عند المالكية كما كان قبل هذا السن. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بالقول الأوّل في فتواها رقم (١٤٨٠٦) (٣). هل يختلف حكم الجارية إذا بلغت سبع سنين عن حكم الصبي ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: الأول: أن الأم أو الجدة أحق بها حتى تحيض وهو مذهب الحنفية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد قال ابن القيم في زاد المعاد: هي الأشهر عن الإمام (٥)؛ لأن الجارية بعد الاستغناء تحتاج إلى معرفة آداب النساء من الطبخ والغسل ونحو ذلك، والأم أقدر على ذلك فإذا بلغت كان الأب أحق بها؛ لأنها عند ذلك تحتاج إلى التزويج

стр. 1084

والصيانة، وإلى الأب ولاية التزويج وهو أقدر على الصيانة. وإن كانت الحاضنة غير الأم فإذا بلغت البنت حدًا تشتهى تضم إلى الأب وحدد ذلك بسبع سنين، وقيل تسع سنين وعليه الفتوى عندهم (١). الثاني: أن الأم أحق بها حتى تبلغ النكاح وتتزوج إلا إذا خيف عليها وكانت الأم في غير حرز ومنعة فتضم إلى الأب وهو مذهب المالكية (٢)، ورواية في مذهب الحنابلة إذا كانت الأم أيما أو كان زوجها محرمًا للجارية (٣). الثالث: أن حكمها لا يختلف عن حكم الغلام الذي بلغ هذا السن وهو مذهب الشافعية (٤). الرابع: أن الأب أحق بها وهو المذهب عند الحنابلة (٥). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بالقول الرابع في فتواها رقم (١٤٨٠٦) (٦). أثر السن في إنهاء الحضانة: لا يختلف الفقهاء أن الحضانة تنتهي بالنسبة للذكر بالبلوغ مع العقل والرشد لأنه بذلك يستقل بنفسه ويقدر على إصلاح أموره بنفسه فوجب انفكاك الحجر عنه، ومن ثم فهو بالخيار في الإقامة مع من شاء من أبويه أو الانفراد عنهما.

стр. 1085

وإن كانت أنثى فكذلك غير أنه ليس لها حق الانفراد بنفسها لما قد يترتب عليه من المحظورات (١). وفرق الحنفية بين البكر والثيب وقالوا إن الثيب كالصبي عند البلوغ رشيدا وأما البكر فتضم إلى الأب لسرعة انخداعها (٢).

стр. 1086

النفقات النفقة في اللغة: اسم لما يُنفَقُ فيذهب، تقول نفق الشيء إذا مضى ونفد، ونَفِقت الدراهم إذا فنيت، وأنفق الرجل إذا افتقر. وتجمع على نَفَقَات (١). وشرعًا: كفاية من يمونه الشخص خبزًا وإدامًا وكسوةً ومسكنًا وتوابعها (٢). الأسباب الموجبة للنفقة: الأسباب التي توجب النفقة ثلاثة هي: النكاح، والقرابة، وملك اليمين (٣)، وفيما يأتي بيان حكم النفقة حسب ترتيب هذه الأسباب: نفقة الزوجة: الأصل في وجوب نفقة الزوجات الكتاب والسنة الإجماع: أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٥). قال ابن كثير: "أي ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن فليؤدي كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف"، وذلك شامل للنفقة وغيرها من الحقوق الأخرى (٦).

стр. 1087

وأما السنة فما روى جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: "اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" رواه مسلم، وحديث هند بنت عتبة ﵂ أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" متفق عليه. وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من الفقهاء منهم ابن المنذر وابن حزم والموفق وغيرهم (١). شروط وجوب النفقة للزوجة: ١ - أن تكون الزوجة ممّن يمكن وطؤها: فإن كانت صغيرة لا تحتمل الوطء فلا نفقة لها وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والصحيح من مذهب الشافعية والحنابلة (٢)؛ لأنّ النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع ولا يتصور ذلك مع تعذر الاستمتاع كما لو لم تسلم نفسها. ولأن من لا تمكن الزوج من نفسها لا يلزم الزوج نفقتها فهذه أولى لأن تلك يمكن الزوج قهرها والاستمتاع بها كرها وهذه لا يمكن ذلك فيها بحال. وذهب الشافعية في قول إلى وجوب نفقة الصغيرة التي لا يوطأ مثلها إذا سلمت نفسها (٣). فإن تسلمها الزوج لمصلحته كرعاية أولاده أو بهائمه وجبت

стр. 1088

عليه نفقتها. ٢ - أن تمكن الزوجة الزوج من نفسها تمكينًا تامًا: فإن منعت نفسها أو منعها أولياؤها أو سلمت نفسها ولكنها لم تمكن الزوج من قربانها ونحو ذلك فلا نفقة لها بالاتفاق (١)؛ لأن النفقة تجب في مقابلة التمكين المستحق بعقد النكاح فإذا وجد استحقت وإذا فقد لم تستحق شيئا (٢). مقدار ما يجب من النفقة: اتفق الفقهاء على أن النفقة والكسوة تجب بالمعروف، والجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة على أن المعتبر في ذلك الكفاية وهي تختاف باختلاف من تجب لها، ويجتهد الحاكم في تقدير ذلك عند التنازع (٣). والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤)، وما كان دون الكفاية لم يكن معروفا، وقول رسول الله ﷺ لهند بنت عتبة ﵂: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". المعتبر في تقدير النفقة: اختلف الفقهاء في تقدير النفقة هل المعتبر فيه حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما معًا على ثلاثة أقوال: الأوّل: أن الاعتبار في ذلك بحال الزوجة: وهو مذهب المالكية (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٦)، ولأنه سوى بين النفقة

стр. 1089

والكسوة والكسوة على قدر حالها فكذلك النفقة، ولحديث هند بنت عتبة ﵂ حين شكت شح أبي سفيان وأنه لا يعطيها من النفقة ما يكفيها وولدها قال لها رسول الله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١) فاعتبر كفايتها دون حال زوجها، ولأن نفقتها حاجتها فكان الاعتبار بما تندفع به حاجتها دون حال من وجبت عليه كنفقة المماليك، ولأنه واجب للمرأة على زوجها بحكم الزوجية لم يقدر فكان معتبرًا بها كمهرها وكسوتها. الثاني: أن الاعتبار في تقدير النفقة بحال الزوج وهو ظاهر الرواية عند الحنفية ومذهب الشافعية (٢)؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٣). الثالث: أن الاعتبار بحالهما معًا وهو مذهب الحنابلة وما عليه الفتوى عند الحنفية (٤)؛ لأنه بذلك يحصل الجمع بين الأدلة فكان أولى. وقت وجوب النفقة: يجب على الزوج دفع نفقة الزوجة إليها في صدر نهار كل يوم إذا طلعت الشمس؛ لأنه أول وقت الحاجة فإن اتفقا على تأخيرها أو تعجيل نفقة عام أو شهر أو لأقل من ذلك جاز لأن الحق لا يعدوهما كالدين. قال الموفق: "وليس بين أهل العلم في هذا خلاف علمناه" (٥).

стр. 1090

المسكن: ويجب على الزوج توفير مسكن ملائم للزوجة بإجماع الفقهاء لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (١)، إذ أن هذا في حق المطلقة فالتي في عصمة النكاح أولى، ولقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، ومن المعروف أن يسكنها في مسكن ملائم، ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون وفي التصرف والاستمتاع وحفظ المتاع. ويكون المسكن على قدر يسارهما وإعسارهما لقول الله تعالى في الآية السابقة: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، ولأنه واجب لها لمصلحتها في الدوام فجرى مجرى النفقة والكسوة. وجوب ما جرت به العادة للزوجات: ويجب للزوجة على الزوج توفير كل ما تجري به العادة لمثيلاتها في حدود ما يقدر عليه من ذلك ما تحتاج إليه للنوم من فراش ولحاف ووسادة، وزلي وحصير ونحو ذلك على حسب ما تجري به العادة ويسار الزوج وإعساره (٣). الخادم: لا خلاف بين الفقهاء أن الزوجة إذا كانت ممّن لا تخدم نفسها لكونها من ذوي المكانة أو لكونها مريضة وجب لها خادم إذا كان الزوج قادرًا على ذلك (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٥)، ومن العشرة بالمعروف أن يقيم لها خادمًا، ولأنه مما تحتاج إليه في الدوام فأشبه النفقة.
следующие страницы →