← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إذا غيب الإنسان حشفته في الفرج ولم ينزل منيًا فإنه يجب عليه الغسل؛ لأن العبرة بتغييب الحشفة لا بالإنزال، وهذا يخفى على كثير من الناس لظنهم عدم وجوب الغسل إلا بالإنزال. وهذا خطأ بدليل حديث أبي هريرة السابق وفيه قوله ﷺ : "وإن لم ينزل" (١). إذا غيب الإنسان حشفته في دبر ولو من بهيمة أو ميت هل يجب عليه الغسل؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فقال بعضهم: يشترط لوجوب الغسل أن يكون في فرج آدمي حي، فلو أولج في فرج آدمي ميت أو أولج في بهيمة فإنه لا يجب الغسل. وقال بعضهم: بل يجب عليه الغسل، والصحيح أنه يأثم ويجب عليه الغسل. هل يشترط عدم وجود الحائل ؟ محل خلاف بين العلماء؛ فقال بعضهم: يشترط أن يكون ذلك بلا حائل، فإن كان هناك حائل فلا يصدق عليه مس الختان، ولذلك لا يجب الغسل. وهذا هو قول الحنابلة؛ فإنهم يقولون بأنه لا يجب الغسل على من أولج بحائل مطلقًا (٢). وقال آخرون: بل يجب الغسل؛ لعموم قوله: "ثم جهدها" والجهد يحصل ولو مع الحائل. وقال آخرون بالتفصيل: إن كان الحائل رقيقًا بحيث تكمل به اللذة وجب الغسل، وإن لم يكن رقيقًا فإنه لا يجب. وهذا تفصيل جيد، ولو قيل بالغسل احتياطًا لكان أولى.

стр. 107

٣ - الحيض والنفاس: هذا هو الموجب الثالث من موجبات الغسل، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (١) أي إذا اغتسلن، فمنع الله من وطء زوجته قبل غسلها فدل على وجوبه عليها. أما السنة: فقد جاء في صحيح البخاري ومسلمٌ من حديث فاطمة بنت أبي حبيش قوله ﷺ لها: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٢). وقد أجمع الفقهاء على وجوب الغسل على الحائض والنفساء. ٤ - الموت: إذا مات المسلم وجب على المسلمين تغسيله، دليل ذلك: * قوله ﷺ فيمن وقصته ناقته بعرفة: "اغسلوه بماء وسدر" (٣) والأصل في الأمر الوجوب. * وحديث أم عطية حين توفيت إحدى بناته ﷺ : "اغسلنها ثلانًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" (٤).

стр. 108

هل يشمل الغسل السقط ؟ الجواب: فيه تفصيل، إن نفخت فيه الروح غسل وكفن وصُلِّي عليه، وإن لم تنفخ فيه الروح فلا، وتنفخ فيه الروح إذا تم له أربعة أشهر. اتفق الفقهاء على أن الشهيد لا يغسل؛ لقوله ﷺ في شهداء أحد: "ادفنوهم في دمائهم" (١) وهذا خاص بشهيد المعركة، أما ما ورد فيه لفظ الشهادة كالمبطون والمطعون وصاحب الهدم والغرق والنفساء ونحوهم، فإنهم يُغَسَّلُون. إن كان الشهيد جنبًا أو كانت الشهيدة حائضًا أو نفساء فهل يشرع غسلها ؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: أ- فذهب أبو حنيفة (٢) والحنابلة (٣) -وهو الرواية عند الشافعية (٤) وقول عند المالكية-، إلى أنه يغسل. ب- وذهب جمهورهم إلى عدم تغسيله (٥). والأولى أن يغسل؛ لما ورد من أن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري المعروف بحنظلة بن الراهب غسلته الملائكة بين السماء والأرض (٦)، وقد قيل: إن ذلك

стр. 109

غسل تكريم وتشريف. البغاة وقطاع الطريق هل يغسلون ؟ ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أنهم يغسلون. وذهب الحنفية (٢) إلى أنهم لا يغسلون إذا قتلوا في الحرب؛ إهانة لهم وزجرًا لغيرهم من فعلهم، أما إذا قتلوا بعد ثبوت يد الإمام عليهم فإنهم يغسلون. والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من تغسيلهم والصلاة عليهم. إذا قطع شيء من الميت وجعل معه في أكفانه فإنه يغسل بلا خلاف بين الفقهاء، لكن إن كان لم يحصل إلا جزء من الميت فقط فقد اختلف الفقهاء في ذلك؛ فذهب الحنفية (٣) والمالكية (٤) إلى أنه إن كان الموجود هو الأكثر غسل، وإلا فلا. وذهب الشافعية (٥) والحنابلة (٦) إلى أنه يغسل سواء كان أكثر البدن أو أقله. وهذا هو الصحيح. ٥ - إسلام الكافر: هذا هو الموجب الخامس عند بعض الفقهاء للغسل. وقد اختلف الفقهاء في هذا الموجب على قولين:

стр. 110

أ- فذهب المالكية (١) والحنابلة (٢) إلى أن إسلام الكافر موجب للغسل، فمتى أسلم الكافر فإن الواجب عليه أن يغتسل، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة ﵁ أن ثُمَامَة بن أُثالٍ ﵁ عندما أسلم فقال النبي ﷺ : "اذهبوا به إلى حائط بني فلان فَمُرُوهُ أن يغتسل" (٣) وكذلك أمره ﷺ قيس بن عاصم حين أسلم أمره أن يغتسل بماء وسدر (٤). ب- وذهب الحنفية (٥) والشافعية (٦) إلى استحباب غسل الكافر إذا أسلم وهو غير جنب، أما إن كان جنبًا فالواجب عليه الاغتسال للجنابة، واحتجوا لذلك أنه في عهد النبي ﷺ أسلم خلق كثير ولم يأمرهم ﷺ بالاغتسال، أما أمره ﷺ ثمامة بن أثال وقيس بن عاصم فهو محمول على الاستحباب لا الوجوب. ثالثًا: ذكر بعض الأغسال المستحبة: ١ - غسل الجمعة: اختلف الفقهاء في غسل الجمعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه واجب على من أتى الجمعة؛ لقوله ﷺ : "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" (٧) قال ابن حجر ﵀ في الفتح تعليقًا على هذا

стр. 111

الحديث: "وهو بمعنى اللزوم مطلقًا" (١) وهذا القول حكاه ابن المنذر عن مالك وحكاه الخطابي عن الحسن البصري (٢) وهو رواية عن الإمام أحمد (٣) وهو رأي الشيخ ابن العثيمين (٤). القول الثاني: أنه يستحب ولا يجب، وهذا هو مذهب (٥) جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار، واحتجوا لذلك بما رواه مسلم عن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا" (٦)، قال الحافظ ابن حجر: هذا من أقوى الأدلة على الاستحباب وعدم فريضة الغسل يوم الجمعة (٧). ولحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت (٨)، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٩).

стр. 112

القول الثالث: أنه واجب على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره وهذا رواية عند الحنابلة واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀. والراجح من هذه الأقوال هو استحباب الغسل لمن أتى الجمعة، ووقته يمتد من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، وإن كان المستحب أن يتصل غسله بالذهاب (٢). المرأة إن أتت الجمعة يسن لها الغسل، وهذه إحدى الروايتين عند الحنابلة، والصحيح في المذهب عندهم أن المرأة لا يستحب لها الاغتسال للجمعة (٣). لكن الراجح هو سنية الاغتسال للمرأة إذا أتت الجمعة؛ وذلك لأن النصوص الواردة في فضل الغسل عامةٌ فتشمل الرجل والمرأة. ٢ - غسل العيدين: استحب العلماء غسل العيدين، وهذا هو الصحيح في مذهب الحنابلة وعليه جمهورهم، وهناك آخر عندهم بوجوبه. والصحيح الاستحباب، والأدلة الواردة في غسل العيدين قال عنها العلماء: إنها ضعيفة، لكن جاءت آثار عن الصحابة أنهم كانوا يغتسلون للعيدين. ومحل الاستحباب أن يكون حاضرها ويصلي سواء صلى وحده أو في جماعة

стр. 113

على الصحيح في المذهب، وقيل: لا يستحب إلا إذا صلى في جماعة (١). ٣ - غسل من غسَّل ميتًا: هذا من الأغسال المستحبة، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة (٢)، واحتجوا لذلك بقوله ﷺ : "من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" (٣). وظاهر الحديث الوجوب، لكن جاءت أدلة أخرى صرفته إلى الاستحباب ومنها قوله ﷺ : "ليس عليكم في غسل ميتكم إذا غسلتموه غسل؛ فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم" (٤). وقال ابن عمر ﵄: "كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل" (٥). وبالاستحباب أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٦). ٤ - غسل دخول مكة: هذا الغسل مستحب عند جميع العلماء كما قاله ابن المنذر (٧)، واستدلوا لذلك بما جاء في صحيحي البخاري ومسلمٌ عن ابن عمر ﵄: "أنه كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طُوَى (٨)، ثم يصلي به الصبح

стр. 114

ويغتسل، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك" (١). ٥ - غسل الإحرام: يستحب لمن أحرم بحج أو عمرة الاغتسال، ودليل ذلك حديث زيد بن ثابت ﵁: "أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل" (٢). ٦ - الاغتسال من الإغماء والجنون: من الأغسال المستحبة غسل المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام، فإن كان هناك إنزال وجب في حقهما الغسل. وهذا القيد هو المذهب عند الحنابلة. ودليل سنية هذا الغسل ما رواه البخاري ومسلمٌ عن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى ثقل النبي ﷺ فقال: "أصلى الناس؟ " قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: "ضعوا لي ماء في المخضب"، قالت: ففعلنا فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق، فقال ﷺ : "أصلى الناس؟ " قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: "ضعوا لي ماء في المخضب"، قالت: فقعد فاغتسل ... (٣). قال الشوكاني ﵀ تعليقًا على هذا الحديث في نيل الأوطار: "وقد

стр. 115

ساقه المصنف ها هنا للاستدلال به على استحباب الاغتسال للمغمى عليه، وقد فعله النبي ﷺ ثلاث مرات وهو مثقل بالمرض، فدل ذلك على تأكد استحبابه" (١). هل غسل المجنون والمغمى عليه مشروع تعبدًا أم لتقوية البدن ؟ يَحْتَمِلُ الأمرين: وقال بعض الفقهاء: إنه مشروع تعبدًا (٢). الأغسال المستحبة: لا يستحب الاغتسال للوقوف بعرفة وطواف الوداع والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار، وكذلك الطواف؛ لأنه لم يرد في هذا نصوص شرعية، هذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ﵀. والمذهب على استحباب ذلك، لكن الصحيح عدم الاستحباب (٤). هل يستحب الاغتسال لداخل المدينة النبوية ؟ أحد الوجهين عند الحنابلة استحباب ذلك، وهو المنصوص عن الإمام أحمد ﵀. والصحيح من المذهب عند الحنابلة عدم استحباب ذلك (٥). آكد الأغسال حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية: غسل الجمعة، ثم غسل من غسَّل ميتًا، وفي رواية عند الحنابلة (٦) أن آكدها هو غسل من غسَّل ميتًا، ثم يليه

стр. 116

غسل الجمعة. والصحيح أن آكدها غسل الجمعة. هل يجوز أن يتيمم لما يستحب له الغسل عند الحنابلة ؟ قيل: يجوز أن يتيمم لما يستحب له، وقيل: لا يتيمم، وقيل: يتيمم لغير الإحرام، وقيل: يتيمم لما يستحب له الوضوء لعذر (١). والصحيح: أنه يتيمم لما تستحب له الطهارة؛ لأن النبي ﷺ حينما ألقي ﵇ تيمم ثم رد على المسلِّم ﵇، ومن المعلوم أن التيمم لرد السلام ليس بواجب بالإجماع. ثم إن التيمم بدل عن الطهارة بالماء والبدل له حكم المبدل منه، فمتى استحبت الطهارة بالماء استحبت الطهارة بالتيمم، وهذا هو قول الشيخ ابن العثيمين (٢). رابعًا: فرائض الغسل: ١ - النية: لعموم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٣). ومذهب المالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) أن النية فرض في الغسل، وذهب الحنفية (٧) إلى أن النية في الغسل سنة

стр. 117

وليست بفرض. والراجح أن النية فرض في الغسل بل هي شرط في صحة جميع العبادات. ٢ - تعميم البدن بالماء: قال النووي: "إفاضة الماء على جميع البدن؛ شعره وبشره، واجب بلا خلاف" (١). هل يجب غسل باطن الفرج ؟ الصحيح في المذهب عند الحنابلة (٢) أنه لا يجب غسل باطن الفرج، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ﵀. نقض شعر المرأة: أ- ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) إلى أنه لا يجب نقض شعر المرأة في الغسل إذا كان الماء يصل إلى أصول شعرها. احتجوا لذلك بحديث أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: "لا، إنما يكفيك أن تَحْثِي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء" (٧).

стр. 118

أما إذا كان لا يصل الماء إلى أصول الشعر فالواجب عندهم نقضه. ب- وذهب الحنابلة (١) إلى أنه لا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة لكن يجب نقضه في غسل الحيض والنفاس. واحتجوا لذلك بحديث عائشة ﵂ حيث قال لها رسول الله ﷺ : "انقضي رأسك وامتشطي" (٢) وهذا هو المذهب عندهم. ج- وذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا يجب لا في الجنابة ولا في الحيض والنفاس (٣). الراجح: الصحيح عدم الوجوب؛ لحديث أم سلمة سابق الذكر، ففي رواية أنها قالت للنبي ﷺ : إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه للحيضة والجنابة؟ قال: "لا، إنما يكفيك أن تَحْثِي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" (٤) فهذا الحديث في عدم الوجوب وبه أفتت اللجنة الدائمة (٥). المضمضة والاستنشاق في الغسل: ذهب الحنفية (٦) والحنابلة (٧) إلى وجوبها في الغسل؛ لأن الأنف والفم من الوجه، والوجه مأمور بغسله في الطهارتين الكبرى والصغرى، فيجب لذلك المضمضة والاستنشاق في الغسل.

стр. 119

وذهب المالكية (١) والشافعية (٢) إلى أن المضمضة والاستنشاق غير واجبتين في الغسل، لأن الأنف والفم ليس ظاهر الجسد فلا يجب غسلهما. والصحيح أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين الكبرى والصغرى. ٣ - الموالاة: اختلف الفقهاء في فرضية الموالاة في الغسل: أ- فذهب الحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) إلى أنها سنة في غسل جميع البدن؛ لفعل النبي ﷺ ، لكن إن فأتت الموالاة بأن جف ما غسله من بدنه بزمن معتدل وأراد أن يتم غسله، جدد لإتمامه النية وجوبًا؛ لانقطاع النية بفوات الموالاة. ب- أما المالكية (٦) فقالوا بأن الموالاة فرض في الغسل. وبه قال بعض الحنابلة (٧). ونرى أن الراجح هو الوجوب؛ لأنها عبادة واحدة لا يجوز تجزئتها ولأن من تمام فعله ﷺ أنه كان يراعي الموالاة.

стр. 120

٤ - الدلك: اختلف الفقهاء في حكمه: أ- ذهب المالكية (١) إلى وجوب الدلك في الغسل وقالوا بأنه واجب بنفسه لا لإيصال الماء للبشرة فيعيد تاركه أبدًا، وبه قال المزني من الشافعية (٢). ب- وذهب الحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) إلى عدم الوجوب، وقالوا بأن دلك الأعضاء في الغسل سنة، واحتجوا لذلك بحديث أم سلمة المتقدم وفيه قوله ﷺ لها: " ... ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" (٦) فلم يذكر ﷺ لها الدلك. وهذا هو الصحيح، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٧). ٥ - التسمية: أ- ذهب الحنفية (٨) والشافعية (٩) والمالكية (١٠) إلى أن التسمية سنة من سنن

стр. 121

الغسل ولا تجب، وهذا أحد القولين في مذهب الحنابلة (١). ب- والمذهب عند الحنابلة (٢) وجوبها؛ لقوله ﷺ : "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (٣) فقاسوا إحدى الطهارتين على الأخرى. والصحيح أن التسمية سنة في الوضوء والغسل ولا تجب. خامسًا: سنن الغسل: ١ - غسل الكفين ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء: اتفق الفقهاء على سنة غسل الكفين ثلاثًا قبل أن يدخلهما في الإناء، ودليل ذلك حديث ميمونة ﵂ قالت: "وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا ... " (٤). ٢ - إزالة الأذى: يسن البداءة بإزالة الأذى وذلك بأن يغسل فرجه ويفيض الماء بيده اليمنى ثم يغسله باليسرى، دليل ذلك حديث ميمونة المتقدم وفيه "ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره" (١). ٣ - الوضوء: ذهب الجمهور إلى أنه يسن في الغسل الوضوء، وذلك لحديث عائشة

стр. 122

-﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ وضوءه للصلاه ... " (١). واختلف الفقهاء في محل غسل الرجلين، هل يغسلهما مع وضوئه أم إذا فرغ من غسله غسلها؟ أ- فذهب الحنفية (٢) والشافعية (٣) والصحيح في مذهب الحنابلة (٤) إلى أنه لا يؤخرهما بل يكمل الوضوء بغسل الرجلين. ب- وذهب المالكية (٥) إلى تأخير غسلهما إلى فراغه من غسله. والصواب أن يقال: إنه يغسل قدميه في مكان آخر عند الحاجة كما لو كانت الأرض طينًا؛ لأنه لو لم يغسلهما لتلوثت رجلاه بالطين، أما في وقتنا الحاضر فالأولى أن يتوضأ وضوءًا كاملًا؛ لأنه ليس هناك حاجة لذلك، ويدل لذلك حديث عائشة ﵂ المتقدم حيث إنها ذكرت أنه ﷺ اغتسل من الجنابة ثم توضأ وضوءه للصلاة فلم تذكر للرجلين تأخيرًا. وخلاصة الأمران حديث عائشة يحمل عند عدم الحاجة، وحديث ميمونة الذي فيه أنه كان يؤخر غسل رجليه فيغسلهما في مكان آخر يحمل عند الحاجة.

стр. 123

٤ - البدء باليمين: اتفق الفقهاء على استحباب البداءة باليمين في الغسل؛ لحديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله" (١). ٥ - تثليث الغسل: دليل ذلك حديث ميمونة ﵂ وفيه: "ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات" (٢) وكذلك حديث عائشة-﵂. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) أنه لا يشرع تثليث غسل اليدين لعدم؛ صحته عن النبي ﷺ ، وإنما المشروع هو غسل الرأس ثلاثًا، أما سائر البدن فلا يشرع غسله ثلاثًا. وبهذا قال المالكية (٤). سادسًا: صفة الغسل: للغسل صفتان: صفة إجزاء، وصفة كمال. أولًا: صفة الإجزاء، وهي أن ينوي ثم يسمِّي ثم يعمم بدنه بالغسل. ثانيًا: صفة الكمال، وهي أن ينوي ثم يسمِّي ويغسل يديه ثلاثًا وما لوثه ثم يتوضأ ويَحْثِي على رأسه ثلاثًا تُرَوِّيْه ثم يفيض الماء على سائر جسده مع مراعاة تدليكه.

стр. 124

سابعًا: ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالغسل: ١ - يجزئ غسل واحد عن حيض وجنابة أو عن جمعة وعيد أو عن جنابة وعن جمعة، وإذا نوى الكل أجزأه؛ لعموم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١). ٢ - يقوم الغسل مقام الوضوء، فمتى اغتسل الرجل من الجنابة وكذلك المرأة متى اغتسلت من الحيض أو النفاس ولم تكن توضأت قبل الشروع في الغسل أجزأ الغسل عن الوضوء. ٣ - يجوز للإنسان أن ينام وهو جنب، لكن الأفضل له أن يتوضأ؛ لحديث عمر ﵁ أنه سأل النبي ﷺ : أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال ﷺ : "نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب" (٢). ٤ - من أراد أن يغتسل غسلًا واجبًا أو مستحبًا فيجوز له أن يستخدم الصابون والشامبو ونحو ذلك من المنظفات ولا حرج عليه في ذلك.

стр. 125

باب التيمم تعريفه: التيمم هو: مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص (١). دليل مشروعيته: دل الكتاب والسنة والإجماع على جواز التيمم: ١ - دليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢). ٢ - أما السنة فدليله: قوله ﷺ في حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي" إلى أن قال: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٣). ٣ - أما الإجماع: فقد أجمع العلماء على أن التيمم مشروع بدلًا عن الوضوء والغسل في أحوال، سنذكرها -إن شاء الله- لاحقًا (٤). هل التيمم خاص بهذه الأمة ؟ نعم، التيمم من الخصائص التي خص الله تعالى بها هذه الأمة، فلم يكن

стр. 126

مشروعًا عند الأمم السابقة، وهذا دليل رحمة الله بهذه الأمة وتخفيفه عنها. ففي حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي" إلى أن قال: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" (٢). هل التيمم رخصة أم عزيمة ؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة؛ فذهب الجمهور (١) إلى أن التيمم رخصة للمسافر والمقيم، وقال الحنابلة (٢) وبعض المالكية (٣): إنه عزيمة. والصحيح أن التيمم عزيمة في حق العادم للماء، ورخصة في حق الواجد للماء العاجز عن استعماله. وثمرة الخلاف هنا تكمن في الآتي: أن الرخصة لا تستباح بالمعصية؛ فمتى سافر الإنسان سفر معصية ثم لم يجد ماء فتيمم للصلاة، فعلى من قال بأنه رخصة يجب عليه الإعادة؛ لأن التيمم رخصة فلا تستباح بمحرم. وإن قلنا بأنه عزيمة فنقول بأن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه مع ثبوت الإثم عليه بسفره سفر المعصية. شروط التيمم: للتيمم شروط بعضها مجمع عليها وبعضها يختلف فيها بين العلماء، ومن هذه الشروط:

стр. 127

١ - النية؛ لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١) ٢ - الإسلام. ٣ - العقل. ٤ - التمييز. وهذه الشروط الثلاثة شروط لكل عبادة، إلا التمييز في الحج فإنه لا يشترط. ٥ - دخول وقت الصلاة: وهذا الشرط اختلف فيه الفقهاء: أ- فذهب الجمهور (٢) إلى اشتراط دخول الوقت لما يتيمم له من فرض أو نفل له وقت مخصوص، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٣)، والقيام إلى الصلاة لا يكون إلا بعد دخول الوقت لا قبله. وقالوا أيضًا بأن التيمم ضرورة، فلذلك لم يجز قبل الوقت. ب- وذهب الحنفية (٤) إلى جواز التيمم قبل الوقت لأكثر من فرض ولغير الفرض أيضًا؛ لأن التيمم يرفع به الحدث إلى وجود الماء وليس يبيح فقط، وقاسوا ذلك على الوضوء، وهذا هو الصحيح وهو اختيار الشيخ ابن العثيمين (٥)؛ لأنه بدل عن الماء فيقوم مقامه إلى أن يوجد.

стр. 128

٦ - تعذراستعمال الماء لعدمه أو لخوف استعماله: أما دليل عدم الماء فللأدلة التي سقناها آنفًا في مشروعية التيمم، أما دليل الخوف من استعمال الماء كأن يكون به مرض فيخاف إن استعمل الماء في الوضوء أو الغسل زاد مرضه أو تأخر بُرْؤُهُ، فهنا يجوز التيمم، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). وعن عمرو بن العاص ﵁: "أن النبي ﷺ بعثه في غزوة ذات السلاسل فاحتلم في ليلة باردة شديدة البرد فأشفق إن اغتسل هلك، فتيمم ثم صلى بأصحابه صلاة الصبح" (٢) فأقره ﷺ على فعله هذا، لكن إن خاف إن استعمل الماء لبرودته وكان عنده ما يمكن به تسخين الماء وجب عليه أن يقوم بتسخين الماء، ولا يعدل إلى التيمم؛ لأنه في حكم واجد الماء في هذه الحالة. ٧ - أن يكون بتراب طهور مبيح غير مخترق له غبار باليد: وهذا الشرط هو مذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤) واختاره أبو يوسف من الحنفية (٥)، أما الحنفية (٦) والمالكية واختاره الشيخ ابن العثيمين (٧)، فقالوا بأنه يجوز بكل ما تصاعد على الأرض، فلا يختص التيمم بالتراب، وهذا هو الصحيح

стр. 129

واختاره شيخنا (١) ﵀ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) والصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض، واشتراط كون التراب طهورًا عند الحنابلة نقول بأن الصحيح أنه ليس في التراب قسم طاهر غير مطهر كما سبق في الماء، فمتى تيمم الإنسان بتراب ثم جاء آخر ليتيمم بهذا التراب الذي تيمم به الأول، جاز له ذلك. ولا يشترط كون التراب له غبار على الصحيح. فروض التيمم: ١ - مسح الوجه؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (٣). ٢ - مسح ظاهر الكفين؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٤). وقد اختلف الفقهاء في صفة مسح اليدين: فذهب الحنفية (٥) والشافعية (٦) إلى أن المسح يكون إلى المرفقين على وجه الاستيعاب كالوضوء؛ لأن التيمم يقوم مقام الوضوء فيقاس عليه. وذهب المالكية (٧) والحنابلة (٨) إلى أن الفرض مسح اليدين إلي الكوعين ومن

стр. 130

الكوعين إلى المرفقين سنة، احتجوا بحديث عمار بن ياسر: "أن النبي ﷺ أمره بالتيمم للوجه والكفين" (١). والصحيح: أن مسح اليدين يكون إلى الكوعين فقط ولا يشرع الزيادة إلى المرفقين؛ لأن هذا هو الثابت من قوله ﷺ لعمار بن ياسر، فعن عبد الرحمن بن أبزى قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "إنما كان يكفيك هكذا" فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٢). ٣ - الترتيب: وقد اختلف الفقهاء في هذا الفرض؛ فذهب المالكية (٣) إلى أن الترتيب في التيمم بين الوجه والكفين مستحب وليس بواجب، وذهب الشافعية (٤) إلى أن الترتيب في التيمم فرض مثل الوضوء، أما الحنابلة (٥) فيقولون بأنه فرض في الحدث الأصغر لا الأكبر؛ لعدم اشتراط الترتيب في الطهارة من الحدث أكبر. والراجح هو وجوب الترتيب في التيمم في المحدثين: الأكبر والأصغر، فيجب على المتيمم أن يبدأ بالوجه قبل اليدين، وأيضًا وصفه ﷺ لصفة التيمم في

стр. 131

حديث عمار بن ياسر المتقدم حيث بدأ بالوجه قبل اليدين فوجب الترتيب لذلك. ٤ - الموالاة: وهذا الفرض أيضًا مختلف فيه بين الفقهاء: فذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) إلى أن الموالاة في التيمم سنة كما في الوضوء. وذهب المالكية (٣) والحنابلة (٤) إلى أنها فرض في الحدث الأصغر، أما الأكبر فهي فيه سنة عند الحنابلة. والصحيح أن الموالاة واجبة في الطهارتين، وهو اختيار الشيخ ابن العثيمين (٥). مبطلات التيمم: ١ - يبطله ما يبطل الوضوء؛ لأنه بدل عن الوضوء. ٢ - وجود الماء؛ لقوله ﷺ : "فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" (٦). ٣ - زوال العذر باستعمال الماء كالمرض والبرد كما ذكرنا، والقاعدة في ذلك: أن ما جاز بعذر بطل بزواله. ٤ - خروج الوقت، وقد اختلف الفقهاء في هذا الناقض:

стр. 132

فذهب الحنابلة (١) إلى أن خروج وقت الصلاة التي تيمم لها ناقض للتيمم؛ فإن تيمم لصلاة الظهر مثلًا فيبطل تيممه بخروج وقت الظهر فلا يصلي به العصر. وذهب بعضهم إلى أن خروج الوقت لا يعتبر ناقضًا للوضوء. والصحيح: أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٢). ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالتيمم: ١ - اتفق الفقهاء على أن تأخير الصلاة بالتيمم لآخر الوقت أفضل من تقديمه لمن كان يرجو الماء آخر الوقت، أما إذا كان يئس من وجوده فيستحب تقديمه أول الوقت عند الجمهور، وهذا هو الصحيح (٣). وذهب بعض العلماء (٤) إلى أنه إذا كان يعلم وجود الماء فيجب أن يؤخر الصلاة. والراجح: أنه لا يجب التأخير بل هو أفضل، فإن صلى في أول الوقت فلا بأس. ٢ - متى وجد المتيمم الماء في صلاته هل يقطعها مباشرة أم له أن يتمها؟ قولان لأهل العلم؛ قيل: عليه أن يقطع صلاته ثم يتوضأ؛ لعموم قوله ﷺ : "فإذا وجد الماء فليمس بشرته". فإن صلى بتيممه بطلت صلاته، أما إذا صلى ثم وجد الماء فلا إعادة عليه. وقيل: بل له أن يتم صلاته، وهي صحيحة؛

стр. 133

لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١). والذي يظهر أن الأولى له أن يقلبها إلى نافلة ثم يتمها ويصلي صلاة الفرض بطهارة الماء، وهنا لا يبطل عمله ويصلي بطهارة الماء، وهذا أولى. ٣ - التيمم للنجاسة: ذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣) إلى أنه إن كانت على بدن المصلي نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء أو خوف الضرر باستعمال الماء، فإنه يتيمم لها ويصلي وعليه القضاء عند الشافعية، وهو رواية عن الحنابلة، والمذهب عند الحنابلة أنه لا قضاء عليه. والصحيح: أنه لا يتيمم إلا عن حدث، أما التيمم عن النجاسة فلا يشرع؛ لأن النص إنما ورد في الحدث ولأن طهارة المتيمم لا تؤثر في إزالة النجاسة. ٤ - من وجد ماء بكلفة مال هل يلزمه شراؤه؟ أ- المذهب عند الحنابلة (٤) أنه إن زاد عن ثمنه كثيرًا لا يلزمه شراؤه وعدل إلى التيمم. ب- وقيل: إذا كان واجدًا لثمنه قادرًا عليه وجب عليه أن يشتريه بأي ثمن؛ لأنه في هذه الحالة واجد للماء، ولا ضرر عليه بقدرته على شرائه لقدرته عليه. أما إن كان ليس معه ثمن الماء أو معه ثمن ليس كاملًا فهنا كالعادم للماء فيتيمم.

стр. 134

والصواب أنه إن زاد عن ثمنه فلا يجب عليه شراؤه وله أن يعدل إلى التيمم. إذا وهب شخص لأحد ماء ليتوضأ به هل يلزمه قبوله؟ نعم، يجب عليه قبوله ولا يجوز له العدول إلى التيمم، وهو قول الجمهور، لكن من دون مِنَّةٍ عليه. فإن وهب ثمنه هل يلزمه ثمنه؟ الصواب أنه لا يلزمه قبوله باتفاق الفقهاء. ٥ - إذا لم يجد من أراد الصلاة إلا ماء قليلًا أو لم يستطع أن يستعمل الماء إلا في بعض أعضائه أو قدر على الوضوء في الجنابة ولم يقدر على الغسل، فهنا يفعل ما يستطيعه بطهارة الماء ثم يتيمم عن الباقي، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (١)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). وقال بعض العلماء: إنه لا يجمع بين طهارة الماء وطهارة التيمم، بل إذا كان الماء يكفي لنصف الأعضاء فأكثر فإنه يستعمل بلا تيمم، وإذا كان لأقل من النصف فإنه لا يستعمل (٣). والصحيح: القول الأول. ٦ - التيمم رافع للحدث الأصغر والأكبر، ومن تيمم جاز له أن يصلي ويقرأ القرآن ويطوف ويذكر الله ويفعل ما يفعله المتوضئ والمغتسل؛ لقوله ﷺ : "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" (٤).

стр. 135

٧ - من خاف فوات عبادة من العبادات كصلاة جنازة أو صلاة عيد أو صلاة جمعة، فهل يعدل عن الطهارة بالماء إلى التيمم خوفًا من فوات مثل هذه العبادات؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فمذهب مالك (١) وأحمدُ (٢) والشافعيُّ (٣) ﵏ عدم جواز التيمم لما يخاف فواته كالجنائز وصلاة العيدين وغيرها لواجد الماء القادر على استعماله وإن فاتته هذه العبادات؛ لأنه منشغل بشرطها وهو الوضوء. وذهب الحنفية (٤) إلى جواز التيمم لما يخاف فواته كالجنائز والعيدين. وهو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال (٥): أصح أقوال العلماء أنه يتيمم لكل ما يخاف فواته كالجنازة وصلاة العيد وغيرها، فإن الصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة، كما أن صلاة التطوع بالتيمم خير من تفويته. لكن الحنفية يقولون بأن ما تفوت إلى بدل كصلاة جمعة فإن لها بدلًا وهو صلاة الظهر، فإنه يلزمه الوضوء ولا يتيمم بخلاف صلاة الجنازة والعيدين فإنه ليس لهما بدل، والصواب القول الأول. ٨ - عادم الطهورين (الماء والتراب): من عدم الماء والتراب كأن يكون مغلقًا عليه الباب ولا يعلم متى يخرج، هل يصلي على حسب حاله؟

стр. 136

هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء؛ الصحيح منها أنه يصلي بلا ماء ولا تيمم وأنه لا إعادة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، ولقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢) وهذا هو مذهب الحنابلة (٣)، وأحد الأقوال في مذهب مالك (٤) والشافعيُّ (٥) وبه قال ابن حزم (٦) وهو اختيار شيخ الإسلام (٧) ﵀. صفة التيمم: صفة التيمم للطهارتين: الكبرى والصغرى لا تختلف، وهي كالآتي: ١ - التسمية. ٢ - أن يضرب بكفيه الأرض ضربة واحدة مفرجة الأصابع. ٣ - يمسح وجهه بباطن أصابعه. ٤ - يمسح ظاهر كفيه براحتيه: هذه هي الصفة الواردة عن النبي في حديث عمار بن ياسر؛ فعن عمار بن ياسر ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنما كان يكفيك أن

стр. 137

تصنع هكذا" فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها وجهه، وفي رواية: "فضرب النبي ﷺ بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه" (١). اختلف الفقهاء في هذه المسألة: ١ - فذهب الحنفية (٢) والشافعية (٣) إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين؛ لقوله ﷺ : "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين" (٤). ٢ - وذهب المالكية (٥) والحنابلة (٦) إلى أن التيمم الواجب ضربة واحدة، والأكمل عندهم ضربتان. والصحيح: أن الأكمل ما صحت به السنة؛ وهي ضربة واحدة كما جاء في حديث عمار بن ياسر المتقدم، فالزيادة عن الواحدة لا يشرع. أما الحديث الذي احتج به الأولون فهو ضعيف لا يحتج به.

стр. 138

باب الحيض والاستحاضة والنفاس أولًا: الحيض: تعريف الحيض: الحيض هو: دم طبيعة وجبلة يعتاد الأنثى إذا بلغت، يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة (١). وهل يجب على المرأة أن تتعلم أحكام الحيض؟ نعم، يجب على المرأة أن تتعلم ما تحتاج إليه من أحكام الحيض ويجب على زوجها أو وليها أن يعلمها ما تحتاج إليه إن علم، وإن لم يعلم أذن لها بالخروج لتتعلم أحكامه أو سؤال أهل العلم عند حصول ما يشكل عليها فيه، ويحرم عليه منعها من ذلك. شروط الحيض: لكي يعتبر الخارج من المرأة دم حيض لا بد له من شروط، ومن هذه الشروط: ١ - كونه من رحم المرأة، فالخارج من الدبر ليس بحيض. ٢ - ألَّا يكون بسبب الولادة، فالخارج بسبب الولادة دم نفاس لا دم حيض. ٣ - أن يتقدم الحيض فترةُ طهر، وقد اختلف الفقهاء في فترة الطهر التي يعقبها الحيض: أ- فعند الجمهور (٢) خمسة عشر يومًا.

стр. 139

ب- ويرى الحنابلة (١) أنه ثلاثة عشر يومًا، وهذا هو أقل مدة فاصلة بين الحيضتين. ٤ - ألَّا ينقص الدم عن أقل الحيض، وقد اختلف الفقهاء في تحديد أقل مدة للحيض على أقوال كثيرة أرجحها أنه يوم وليلة (٢). ٥ - أن يكون الدم الخارج في أوانه، وأوانه هو تسع سنين عند كثير من أهل العلم، فمتى خرج الدم قبل ذلك فهو دم فساد على كل حال؛ لأنه لا يجوز أن يكون حيضًا. وبعض أهل العلم لا يرى له سنًا محددة بل قد يحصل قبل سن التاسعة، أما إن خرج بعد بلوغ المرأة سن الإياس فهذا أيضًا لا يعد حيضًا. وقد اختلف الفقهاء في تحديد سن الإياس على أقوال عديدة؛ أرجحها أنه لا حد لسن الإياس، فمتى وجدت المرأة الحيض ثبت حكمه، ومتى لم يوجد لم يثبت له حكم. ٦ - أن لا يزيد الدم عن أكثر الحيض، وقد اختلف الفقهاء في تحديد أكثر الحيض: أ- فذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا حد لأكثر الحيض. وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) والشيخ ابن العثيمين (٤).

стр. 140

ب- وذهب الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، إلى أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وهو الراجح. أوصاف دم الحيض: لدم الحيض خصائصه من حيث اللون والرائحة، وقد اتفق الفقهاء على أن لون دم الحيض هو اللون الأحمر، هذا هو الأصل في لونه، إلا أنه قد يغلب عليه السواد فيصير أسودًا، وقد يكون أصفر أو أكدر اللون. ويتميز دم الحيض بأنه غليظ كريه الرائحة، لكن قد يتغير على حسب اختلاف الطبيعة والبيئة من مكان لآخر. هل الصُّفْرة والكُدرة تعد حيضًا ؟ ١ - ذهب الجمهور (٤) إلى أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، واحتجوا لذلك بأن عائشة ﵂ كان النساء يبعثن إليها بالدَّرَجَة فيها الكُرْسُف فيه الصُّفْرَة فتقول لهن: "لا تَعْجَلْنَ حتى ترين القَصَّة البيضاء" (٥) تريد بذلك الطهر من الحيض. ٢ - وفي وجه عند الشافعية (٦) أنهما ليستا بحيض، واحتجوا بحديث أم عطية: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا" (٧).

стр. 141

والراجح: قول الجمهور أن الصفرة والكدرة في زمن الحيض حيض، أما حديث أم عطية ﵂ فقد جاء في رواية: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا" (١) فهذا القيد المذكور في هذه الرواية يدل على أن هذا الدم إن كان قبل الطهر فهو حيض، أي: في أيامه، وما عداه لا يكون حيضًا. هل الصُّفْرَة والكدرة في غير أيام الحيض تعتبر حيضًا ؟ اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فالحنفية (٢) والحنابلة (٣) على أنهما ليستا بحيض في غير أيام الحيض. ٢ - والمالكية (٤) والشافعية (٥) على أنهما حيض. والصحيح أنهما ليستا بحيض؛ لحديث أم عطية السابق. أحوال الحائض: للمرأة حين نزول الدم عليها ثلاث حالات؛ إما أن تكون مبتدأة، أو معتادة، أو متحيرة. أولًا: المرأة المبتدأة: ١ - تعريفها: هي المرأة التي ينزل معها الدم ولم يتقدم لها حيض قبل ذلك. ٢ - حكمها: إذا رأت الدم تركت الصلاة والصيام والوطء وانتظرت الطهر،

стр. 142

فإذا رأت الطهر بعد يوم وليلة أو أكثر إلى خمسة عشر يومًا، اغتسلت وصلَّتْ. فإن استمر معها الدم بعد الخمسة عشر يومًا فهي مستحاضة، وسيأتي بيان حكمها قريبًا -إن شاء الله-. والأظهر عندنا -والله أعلم- أن المرأة تحيض بعادة نساء قومها والغالب بينهن؛ وهو ستة أيام أو سبعة أيام، وهذا هو قول المالكية والحنابلة والوجه الظاهر عند الشافعية؛ لقوله ﷺ : "فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله" (١)، (٢). ٣ - ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالمبتدأة: أ- إذا انقطع دم المبتدأة لتمام أكثر الحيض فما دون ورأت الطهر طهرت، ويكون الدم بين أول ما تراه إلى رؤية الطهر حيضًا يجب عليها ما يجب على الحائض، وهذا رأي الجمهور وهو الراجح. ب- إذا استمر دم المبتدأة أكثر مدة الحيض فقد اختلف الفقهاء في ذلك؛ والصحيح أنها تمكث خمسة عشر يومًا وهي أكثر فترة الحيض، فإن جاوز ذلك فهي مستحاضة. ج- إذا انقطع دمها خلال خمسة عشر يومًا فكانت تراه يومًا أو يومين وينقطع مثل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي كلما رأت الطهر، وتقعد كلما رأت الدم. ثانيًا: المرأة المعتادة: ١ - تعريفها: هي من كانت لها أيام معلومة تحيضها من الشهر.

стр. 143

٢ - حكمها: أنها تترك الصلاة والصوم والوطء أيام عادتهما، فإن رأت صفرة أو كدرة بعد عادتها فالراجح أنها لا تلتفت إليها، لحديث أم عطية المتقدم. أما إذا رأت ذلك أيام عادتها -أي: بأن يتخلل أيام عادتها صفرة أو كدرة- فإن ذلك يعتبر حيضًا كما ذكرنا ذلك سابقًا. ٣ - بم تثبت العادة ؟ أ- جمهور الفقهاء من الحنفية (١) والمالكية (٢) وهو الأصح عند الشافعية (٣) أن العادة تثبت بمرة واحدة في المبتدأة. ب- أما الحنابلة (٤) فقالوا: لا تثبت العادة إلا بثلاث مرات، في كل شهر مرة، وهو قول -أيضًا- عند الشافعية. الأدلة: احتج الجمهور بما رواه أبو داود وغيره من حديث أم سلمة ﵂: أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت لها رسول الله ﷺ فقال: "لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتدع الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلَّفت ذلك فلتغتسل ثم لِتَسْتَثْفِرْ بثوب ثم لتصلِّ فيه" (٥). وجه الدلالة: أن الحديث دل على اعتبار الشهر الذي قبل الاستحاضة.

стр. 144

أما الحنابلة فاحتجوا بقوله ﷺ : "دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها" (١). وجه الدلالة عندهم قوله: "الأيام" وهي صفة جمع وأقله ثلاثة، وقالوا أيضًا بأن العادة مأخوذة من المعاودة، ولا تحصل المعاودة بمرة واحدة. والصحيح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن العادة تثبت بالمرة الواحدة. ٤ - أحوال المرأة المعتادة: للمرأة المعتادة ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يوافق الدم عادتها . فالحكم هنا: تكون أيام الدم حيضًا وما بعدها طهرًا، كأن تكون أيام حيضها خمسة أيام حيضًا وخمسة وعشرين طهرًا ورأت ما يوافق ذلك، فحيضها خمسة أيام وطهرها خمسة وعشرون كعادتها. الحالة الثانية: أن ينقطع الدم دون العادة فإن انقطع دون أقل الحيض فلا يعد حيضًا في حقها، بل هو دم فساد لا تلتفت إليه المرأة. وإن انقطع بأقل الحيض؛ وهو يوم وليلة، وكانت عادتها أكثر من ذلك، فإنها تطهر بذلك ولا تتم عادتها. فإن عاودها الدم بعد انقطاعه وكان في أثناء عادتها ولم يجاوزها فإنها تجلس زمن الدم من العادة، كما لو لم ينقطع؛ لأنه صادف زمن العادة.

стр. 145

الحالة الثالثة: أن يجاوز الدم عادتها . فإن جاوز عادتها المعروفة كأن تكون عادتها خمسة أيام فيتجاوز الدم هذه الخمسة إلى سبعة أيام، فهذا محل خلاف بين الفقهاء. والصواب أنها تجلس الزيادة إن كانت متصلة؛ لعموم الأدلة ولأن الحيض يزيد وينقص ما لم تتجاوز الزيادة خمسة عشر يومًا، فإن جاوزتها فهي مستحاضة وليس لها إلا عادتها المعلومة، وهذا هو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (١). ٥ - انتقال العادة: جمهور (٢) الفقهاء من المالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) على أن العادة تنتقل؛ تتقدم أو تتأخر، أو يزيد قدر الحيض أو ينقص. أما الزيادة والنقصان فقد تقدم الكلام عليها وبينا حكم ذلك. وأما المتقدم والتأخر كأن تكون أيام حيضها الخمسة الأولى من الشهر ثم رأت في بعض المشهور أن أيام حيضها الخمسة الثانية من الشهر، وهكذا في المتقدم، كأن يكون حيضها الخمسة الثانية من الشهر ثم جاءها حيضها في الخمسة الأولى من الشهر، فهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء مع اتفاقهم في أن العادة تنتقل، لكن في حد الانتقال اختلفوا: هل يثبت الانتقال بمرة واحدة، أم لا بد من تكراره ثلاث مرات؟
следующие страницы →