← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ج- المذي؛ لقوله ﷺ : "اغسل ذكرك وتوضأ" (١). د- المني؛ وذلك إذا خرج بدون لذة لحر أو برد، هذا هو قول جمهور العلماء بخلاف الشافعي الذي يرى وجوب الغسل ولو بدون شهوة (٢). هـ - السائل الذي يخرج من المرأة؛ فهو وإن كان طاهرًا إلا أنه يجب الوضوء منه؛ لأنه خارج من السبيل. ٢ - زوال العقل بجنون أو إغماء أو سكر أو نوم مستغرق ، بحيث لا يحس النائم بمن حوله من الناس. ثانيًا: النواقض المختلف بها مع بيان الراجح وهي كالآتي: ١ - مس الفرج باليد قبلًا كان أو دبرًا من غير حائل: اختلف الفقهاء في هذا الناقض: أ- فذهب المالكية (٣) وفقهاء الحنابلة (٤) إلى أن مس الذكر ناقض للوضوء، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، ذكرًا كان أو أنثى. احتجوا بحديث بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس ذكره فليتوضأ" (٥).

стр. 72

ب- وذهب الحنفية (١) وهو رواية عن أحمد أنه لا ينقض الوضوء، وفي رواية أخرى عند الحنابلة (٢) أنه إذا مسه بشهوة انتقض وضوؤه، وإلا فلا (٣). وذهب شيخ الإسلام (٤) إلى أن الوضوء من مس الذكر مستحب مطلقًا، وهو اختيار الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٥). وهو الراجح؛ لأن النقض يحتاج إلى دليل، وما ذكروه حديث ضعيف. ٢ - مس المرأة بشهوة: اختلف الفقهاء في هذا الناقض على ثلاثة أقوال: أحدها: أن مس المرأة لا ينقض بحال إلا إذا خرج منه شيء، وهذا قول أبي حنيفة (٦) ورواية عن الحنابلة (٧)، واختارها شيخ الإسلام (٨)، والشيخ العثيمين (٩)، وهو الصحيح. الثاني: أنه إن كان بشهوة نقض، وإلا فلا. وهو قول مالك (١٠) والمذهب عند الحنابلة (١١).

стр. 73

الثالث: أن مس المرأة ينقض في الجملة وإن لم يكن بشهوة، وهو قول الشافعي (١) ومذهب داود الظاهري (٢). والراجح من الأقوال: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا إلا إذا خرج منه شيء؛ وذلك أن المسلمين ما زالوا يناولون زوجاتهم الأشياء وتمس أيديهم، ولم يؤمروا بالوضوء من ذلك، وهذا مما يكثر ابتلاء الناس به ولو كان الوضوء واجبًا لكان النبي ﷺ آمرًا به مرة بعد مرة ويشيع ذلك بين الصحابة. وكذلك الأصل عدم النقض حتى يقوم الدليل صريحا على النقض. أما اشتراطهم الشهوة عند المس فنقول بأن هذا القيد لم ينقل عن أحد من الصحابة، بل ما زال المسلمون يقبلون نساءهم، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بالوضوء من ذلك. ٣ - تغسيل الميت: هذا هو الناقض السادس من نواقض الوضوء عند الحنابلة، ومعنى تغسيل الميت هو أن يقوم الإنسان بمباشرة تغسيل ميت، لا من يقوم بصب الماء ولا من يناوله شيئًا، بل المغسل هو الذي يباشر التغسيل. وهذا الناقض من مفردات الإمام أحمد؛ لأن الأئمة الثلاثة على خلاف ذلك. واحتج أحمد بما جاء عن ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس ﵃ أنهم أمروا غاسل الميت بالوضوء (٣). والصحيح: هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو اختيار شيخ الإسلام

стр. 74

ابن تيميه (١)، والشيخ محمد بن صالح العثيمين (٢)، وهو أن الوضوء من تغسيل الميت لا يجب؛ لأن النقض يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل على ذلك لا من الكتاب ولا من السنة، أما ما جاء عن الصحابة في ذلك فهو محمول على الاستحباب. ٤ - أكل لحم الإبل: هذا هو الناقض السابع من نواقض الوضوء عند الحنابلة، وهو أيضًا من مفردات الإمام أحمد (٣) ﵀ وخالف جمهور أهل العلم أحمد في هذا الناقض فقالوا: بأن أكل الجزور لا ينقض مطلقًا (٤). والراجح: هو قول الحنابلة في ذلك، وهو اختيار الإمام البيهقي والنووي، قال النووي: "هو القوي أو الصحيح من حيث الدليل، وهو الذي أعتقد رجحانه، وقد أشار البيهقي إلى ترجيحه" (٥). وهو أيضًا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، والشيخ عبد الرحمن السعدي (٧) وهو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٨)؛ وذلك لأن النبي ﷺ حين سئل عن لحوم الإبل

стр. 75

قال: "توضؤوا منها" (١) وقال أيضًا: "توضأوا من لحوم الإبل ولا تتوضأوا من لحوم الغنم" (٢)، والأصل في الأمر الوجوب حتى يوجد دليل يصرفه عن الوجوب. ٥ - الردة عن الإسلام: هذا هو الناقض الثامن من نواقض الوضوء. أ- الصحيح من مذهب الحنابلة (٣) وهو المعتمد عند المالكية (٤) أن الردة عن الإسلام تعد ناقضًا من نواقض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْ بَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٦)، ولأن الوضوء عمل فيبطل بالردة، وهو الصحيح. ب- وقال بعض الفقهاء (٧) بأن الردة عن الإسلام لا تنقض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (٨)، قالوا: فشرط الموت لإحباط العمل، ولأن الوضوء طهارة فلا تبطل بالردة كالغسل من الجنابة.

стр. 76

صفة الوضوء: صفة الوضوء على ما ذكرناه تكون كالآتي: أن ينوي بقلبه الوضوء، ثم يسمي قائلًا: "بسم الله"، ويغسل كفيه ثلاثًا استحبابًا -لغير القائم من نوم الليل-، ثم يتمضمض ويستنشق بغرفة واحدة بيده اليمنى ثلاثًا ويستنثر ثلاثًا بيده اليسرى، ثم يغسل وجهه ثلاثًا، ثم يغسل يده اليمنى من أطراف أصابعه مع مرفقه ثلاث مرات ويخلل أصابعه، ثم اليسرى كذلك، ثم يمسح رأسه مرة واحدة يقبل بيديه ويدبر ويمسح أذنيه، ثم يغسل رجله اليمنى ثلاثًا مع الكعبين مخللًا أصابع رجليه ثم اليسرى مثل ذلك. فإذا انتهى من ذلك قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" (١) ويزيد كما في رواية الترمذيُّ: "اللَّهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" (٢). أحكام تتعلق بالنية: أولًا: تعريف النية: النية: هي القصد، أي: العزم على فعل العبادة. ثانيًا: محل النية: النية محلها القلب، فلا يعلم نيات العباد إلا الله تعالى، لكن هل ينطق بها؟ في المسألة أقوال: القول الأول: أنه يسن النطق بها سرًا، وهذا هو المشهور عند الحنابلة (٣).

стр. 77

القول الثاني: أنه يسن النطق جهرًا، وهذا هو قول الشافعية (١). القول الثالث: أنه لا ينطق بها وأن التعبد لله بالنطق بها بدعة ينهى عنه، ويدل لذلك أن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا ينطقون بالنية إطلاقًا، وهذا مذهب مالك (٢) وإحدى الروايتين عند الحنابلة (٣)، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والشيخ العثيمين (٥). ثالثًا: حكم النية في الوضوء: النية شرط في العبادات كلها، فهي شرط لصحة العمل وقبوله وإجزائه؛ لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٦). واشتراط النية في الوضوء هو مذهب الحنابلة (٧)، وذهب الشافعية (٨) والمالكية (٩) إلى أنها ركن في الوضوء، أما الحنفية فقالوا بأنها سنة في طهارة الماء، وإنما تشترط في التيمم. والراجح: هو اشتراطها؛ لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"، فقد نفى أن يكون له عمل شرعي بدون نية.

стр. 78

رابعًا: متى يعقد المتوضئ النية؟ انعقاد النية له حالتان: الأولى: أن يعقد نيته عند أول مسنونات الوضوء إن وجد قبل واجب، مثل أن ينوي عند التسمية قبل غسل الكفين ثلاثًا عند من قال بسنية التسمية. الثانية: أن يعقد نيته عند أول واجبات الطهارة، فهنا يجب أن ينوي قبل التسمية عند من قال بوجوبها، فهنا يجب عليه الإتيان بها. خامسًا: هل يجب استصحاب النية حتى يفرغ المتوضئ من وضوئه؟ النية في هذه المسألة لها أربع حالات: الأولى: أن يستصحب ذكرها من أول الوضوء إلى آخره، وهذا أكمل الأحوال. الثانية: أن تغيب عن خاطره ولم ينو القطع، وهذا يسمى استصحاب حكمها. الثالثة: أن ينوي قطعا أثناء الوضوء لكن استمر، فهنا لا يصح وضوؤه؛ لعدم استصحاب الحكم لقطعه النية في أثناء العبادة. الرابعة: أن ينوي قطع الوضوء بعد الفراغ منه، فهذا لا ينتقض وضوؤه، والقاعدة في ذلك: أن قطع نية العبادة بعد الفراغ منها لا أثر له. ساسًا: في ذكر بعض صور النية: الصورة الأولى: أن ينوي رفع الحدث، مثل أن يتوضأ بنية رفع الحدث الذي حصل له، فهنا متى توضأ بهذه النية صح وضوؤه.

стр. 79

الصورة الثانية: أن ينوي الطهارة لما تجب له، مثل أن ينوي الطهارة لشيء لا يباح إلا بالطهارة كالصلاة والطواف ومس المصحف، فإن نوى الطهارة للصلاة ارتفع حدثه، وإن لم ينو رفع الحدث؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بعد رفع الحدث. الصورة الثالثة: أن ينوي الطهارة لما تسن له، فإذا نوى ما تسن له الطهارة ارتفع حدثه. الصورة الرابعة: أن ينوي بالطهارة تجديدًا للوضوء، فهنا الصحيح أنه يرتفع حدثه، ولا يشترط كون التجديد مسنونًا. الصورة الخامسة: إذا كان ناسيًا الحدث ثم تطهير بنية التجديد فهذه محل خلاف، والصحيح أنه يرتفع حدثه. الصورة السادسة: من كان عليه أحداث ثم تطهر عن أحدهما أجزأه عن الآخر، مثل أن تكون المرأة عليها غسل حيض وجنابة فاغتسلت بنية رفع حدث الحيض أجزأها هذا الغسل وارتفع حدث الجنابة بذلك. الصورة السابعة: أن يغتسل غسلًا مسنونًا عن غسل واجب، ففي هذه المسألة تفصيل: إن كان ناسيًا أجزأه عن الواجب، أما إن كان متذكرًا أن عليه غسلًا واجبًا ثم اغتسل للمسنون كإحرام أو أي غسل مسنون آخر، فالمذهب يرى عدم الإجزاء، ويرى بعضهم الإجزاء، قال الشيخ ابن العثيمين: القول بالإجزاء في النفس منه شيء، أما إن كان ناسيًا فهو معذور (١).

стр. 80

سنن الوضوء: أما سنن الوضوء فهي: ١ - السواك، لقوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" (١) وفي رواية عند أحمد: "مع كل وضوء" (٢). ٢ - الإسباغ؛ لقوله ﷺ للقيط بن صبرة: "أسبغ الوضوء" (٣)، ومعنى الإسباغ: الإنقاء؛ وهو المبالغة في الغسل. ٣ - غسل الكفين في أول الوضوء لغير القائم من نوم ليل؛ لحديث عبد الله بن زيد، وفيه: "فأكفأ على يده من التَّوْرِ فغسل يديه ثلاثًا" (٤). ٤ - تثليث غسل الأعضاء ما عدا الرأس، فالذين وصفوا وضوءه ﷺ ذكروا أنه توضأ ثلاثًا، ونقلوا أنه توضأ مرة ومرتين، فدل على استحباب التثليث. ٥ - البدء بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه؛ لفعله ﷺ كما جاء في حديث عبد الله بن زيد (٥) وحديث عثمان (٦) في وصفهما لوضوء النبي ﷺ ،

стр. 81

لكن لو قدم غسل الوجه على المضمضة والاسنتشاق أجزأه ذلك؛ لأنهما من الوجه، ولم يكن مخلًا بالترتيب. ٦ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم؛ لقوله ﷺ : "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (١). ٧ - كون المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة. ٨ - كون المضمضة باليمين والاستنثار باليسرى. ٩ - تخليل اللحية الكثيفة، أما إذا كانت اللحية خفيفة تصف البشرة وجب غسل باطنها. ١٠ - تخليل أصابع اليد والقدم؛ لحديث: "إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك" (٢).

стр. 82

باب في المسح على الخفيق والجبيرة والعمامة أولًا: المسح على الخفين: المسح على الخفين جاءت نصوص السنة بجوازه، ولم يخالف في حكمه إلا الشيعة الجعفرية، ومن هنا ذكره بعض العلماء في كتب العقيدة، قال الطحاوي في وصفه لعقيدة السلف: ويرون المسح على الخفين (١). أدلة مشروعيته: استدل بعض أهل العلم من الكتاب بقول الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢)، فعلى قراءة الجر يتناول المسح في الآية الرأس والرجل، وهذه قراءة متواترة. أما الدليل من السنة فأحاديث كثيرة منها: ١ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: "دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين"، فمسح عليهما (٣). ٢ - وعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: "كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما، فتنحيت، فقال: "أُدْنُهْ" فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ فمسح على خفيه" (٤).

стр. 83

٣ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خُفَّيْهِ" (١). ٤ - وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁: "أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: أتفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه". (٢) ولقد روى مشروعية المسح على الخفين أكثر من ثمانين صحابيًا. قال الإمام أحمد ﵀: "ليس في قلبي من المسح شيء؛ فيه أربعون حديثًا عن النبي ﷺ " (٣). أيهما أفضل المسح أم الغسل ؟ جمهور الفقهاء على أن المسح على الخفين جائز، لكنَّ الغسل أفضل، وعند الحنابلة أن الأفضل المسح على الخفين، أخذًا بالرخصة، وأن كلًا من الغسل والمسح مشروع. والصحيح أن يقال: إن كان لابسًا للخف أو الجورب ونحوه فالمسح في حقه أفضل، وإن كان غير لابس لشيء فالأفضل في حقه الغسل.

стр. 84

الحكمة في مشروعية المسح على الخفين: اقتضت شريعة الله التيسير والتخفيف عن المكلفين الذين يشق عليهم نزع الخف وغسل الرجلين، خاصة في أوقات البرد الشديد وفي السفر، وما يصاحبه من الاستعجال ومواصلة السير، ومن هنا جاء المسح على الخفين. مدة المسح على الخفين: اختلف الفقهاء في توقيت مدة المسح: فذهب المالكية (١) إلى عدم تعيين مدة للمسح، فيجوز عندهم المسح على الخفين في السفر والحضر من غير توقيت بزمان، فلا ينزعهما إلا لموجب الغسل. وذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) إلى توقيت مدة المسح على الخفين، فهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليها للمسافر، واحتجوا بحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم" (٥)، وهذا هو الصحيح، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٦)، وهو اختيار الشيخ ابن العثيمين (٧).

стр. 85

شروط المسح على الخفين: هناك شروط اتفق عليها الفقهاء وشروط اختلفوا فيها، وسنقوم -إن شاء الله- ببيان هذه الشروط مع بيان الراجح مما اختلف فيه الفقهاء. أولًا: الشروط المتفق عليها: ١ - لبس الخف على طهارة كاملة: لحديث المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" (١). ولحديث صفوان بن عسال ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفْرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (٢). لكن هل تشترط أن تكون الطهارة بالماء أو طهارة التيمم تكفي؟ اختلف الفقهاء في ذلك: أ- فالجمهور يرون أن تكون الطهارة بالماء من وضوء أو غسل. ب- أما الشافعية: فيرون جواز أن تكون الطهارة بالتيمم الناتج عن عدم القدرة على استعمال الماء لا غير. الراجح: هو قول الجمهور؛ لأن النص يدل على ذلك، فقوله ﷺ "إني أدخلتهما طاهرتين"، يدل دلالة واضحة على أن الرجل أدخلها بعد وضوء، فلا علاقة لطهارة التيمم بالمسح على الخفين.

стр. 86

٢ - إمكانية المشي به عرفًا: فإذا كان الخف لا يستمسك على القدم فلا يجوز المسح عليه، لكن إذا ثبت بشده بحيث لا يخلع من قدمه، فهل يصح المسح عليه؟ اختلف في ذلك الفقهاء: فذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢) أنه لا بد أن يثبت الخف بنفسه، فلو لم يثبت إلا بشده أو بخيط متصل أو منفصل عنه ونحو ذلك، فلا يمسح عليه. والصحيح أنه متى ثبت الخف بنفسه أو بشده عليه فلا مانع من المسح عليه، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (٣)، واختاره الشيخ ابن العثيمين (٤). ٣ - كون الخف طاهرًا: فلا يجوز المسح على خف نجس كأن يكون الخف من جلد خنزير مثلًا أو من جلد ميتة، فلا يجوز المسح عليه. لكن إذا كان الخف من جلد ميتة مدبوغ فهل يجوز المسح عليه؟ محل خلاف بين الفقهاء: فمن قال بأن الدبغ مطهر فيصح عنده المسح على الخفين، ومن قال بأن الدبغ غير مطهر فلا يجوز المسح عليه. والصحيح: أنه يجوز المسح على الخف إن كان من جلد ميتة مدبوغ؛ لما ذكرناه سابقًا أن جلد الميتة يطهر بالدباغ.

стр. 87

ثانيًا: الشروط المختلف فيها مع بيان الراجح منها: ١ - كون الخف ساترًا للمحل المفروض غسله في الوضوء: فلا يجوز المسح على خف غير ساتر للكعبين مع القدم، سواء كان ذلك لخفته أو كونه واصفًا للبشرة، وهذا هو قول الجمهور (١)، وبه قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (٢)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٣). وذهب بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) ﵀، واختاره الشيخ ابن العثيمين (٥) أنه لا يشترط أن يكون الخف ساترًا لمحل الفرض، لأن النصوص الواردة في المسح جاءت مطلقة، وما ورد مطلقًا وجب أن يبقى على إطلاقه، وأيضًا فالصحابة-﵃ كان أكثرهم فقراء، وغالبًا الفقراء لا تخلو خفافهم من خروق، ولم يأت عن النبي ﷺ أنه نبه أصحابه على أن الخف المخروق لا يجوز المسح عليه مع كثرة من يلبس منهم الخفاف المخروقة، من هنا كان اشتراط كون الخف ساترًا لمحل الفرض اشتراطًا ضعيفًا. ٢ - كون الخف من الجلد: اختلف الفقهاء في هذا الشرط: أ- فذهب المالكية (٦) إلى أنه يشترط لمسح الخف كونه من الجلد، فلا يجوز

стр. 88

المسح عندهم على الخف المصنوع من القماش، وكذلك الجوارب المصنوعة من القطن أو الصوف أو نحو ذلك. ب- وذهب الجمهور إلى جواز المسح على الخف المصنوع من الجلد أو الجوارب المصنوعة من القماش كالقطن أو الصوف أو غيره، وهذا هو الصحيح، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (١)، واستدلوا على ذلك بحديث المغيرة بن شعبة ﵁: "أن النبي ﷺ توضأ ومسح على الجوربين، والنعلين" (٢)، وأيضًا ثبت عن مجموعة من الصحابة أنهم مسحوا على الجوربين، كعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي أمامة وغيرهم. ٣ - كون الخف مباحًا: وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط: أ- فذهب المالكية (٣) والحنابلة (٤) إلى أنه لا يصح المسح على الخف المغصوب أو المسروق أو المتخذ من الحرير. ب- وذهب الشافعية (٥) في الأصح عندهم إلى جواز المسح على الخف ولو لم يكن مباحًا. والصحيح: هو القول الثاني بأنه لا يشترط كون الخف مباحًا، لكن مع ثبوت الإثم على الغاصب والسارق وغيرهم ممّن يلبس خفًّا غير مباح.

стр. 89

كيفية المسح على الخفين: اختلف الفقهاء في كيفية مسح الخف والجورب مع اختلافهم في مقدار ما يمسح: ١ - فقال الحنفية (١): يمسح مقدار ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد على ظاهر الخف فقط مرة واحدة. ٢ - وقال المالكية (٢) بوجوب مسح جميع ظاهر الخف كما يستحب عندهم مسح أسفله. ٣ - وذهب الشافعية (٣) إلى أن المسح الواجب هو ما يصدق عليه مسمى مسح، وهو مسح ظاهر الخف، فلا يمسح أسفله ولا عقبه ولا جوانبه. ٤ - أما الحنابلة (٤) فيرون أنه يمسح أكثر مقدم ظاهر الخف خطوطًا بالأصابع. والصحيح في الكيفية والمقدار أن يُمِرَّ يده من عند أصابع الرجل إلى الساق فقط، وعلى أي كيفية مسح أجزأه ذلك، لكن الأفضل أن يمسح اليمنى ثم اليسرى عملًا بقول عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله" (٥).

стр. 90

نواقض المسح على الخفين: ١ - كل ما ينقض الوضوء ينقض المسح على الخفين أو الجوربين. ٢ - وجود موجب الغسل كالجنابة والحيض والنفاس، فإذا وجد أحد هذه الموجبات انتقض المسح على الخفين. ٣ - نزع الخفين أو أحدهما، وهذا محل خلاف بين أهل العلم: أ- فذهب الحنابلة إلى القول بأن الوضوء ينتقض بنزع الخفين، ويلزمه إعادة الوضوء (١). ب- وذهب الحنفية (٢) وغيرهم إلى أنه يجزئه غسل الرجلين فقط وهو رواية عند أحمد (٣) والقول الآخر عند الشافعي (٤). ج- وذهب إبراهيم النخعي في رواية عنه، وبه قال ابن حزم (٥) وجماعة، أنه لا ينتقض وضوؤه بنزعهما، ولا يجب غسل رجليه، بل يصلي دون أن يجدد وضوءًا أو يغسل رجليه. والراجح من هذه الأقوال الثلاثة: ما ذهب إليه الحنابلة، وهو انتقاض الوضوء بنزع الخف أو الجورب ونحوه؛ لأن الوضوء بطل في بعض الأعضاء فبطل في جميعها كما لو أحدث، وهذا هو الأرجح احتياطًا للعبادة، وهو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٦).

стр. 91

٤ - مضي المدة: فمتى مضت مدة المسح -وهي كما ذكرنا سابقًا يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر- انتقض المسح على الخفين، ووجب نزعها، ويجب عليه الوضوء كاملًا، بخلاف ما ذهب إليه الحنفية والشافعية من أنه يجب غسل الرجلين فقط. * حكم لبس الخفين أو الجوربين على غير طهارة ناسيًا والمسح عليهما ثم الصلاة ناسيًا: من فعل ذلك فإن صلاته باطلة وعليه إعادة ما صلى بهذا المسح؛ لأن من شروط المسح على الخفين -كما ذكرنا سابقا- لبسَهما على طهارة بإجماع أهل العلم. * حكم من غسل رجله اليمنى ثم أدخلها الخف أو الجورب ثم غسل رجله اليسرى وأدخلها الخف أو الجورب: أ- ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلبس الخف أو الجورب إلا بعد أن ينتهي من غسل رجله اليسرى، وهذا هو ظاهر حديث المغيرة بن شعبة، وفيه قوله ﷺ : "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" (١). ب- وذهب بعضهم إلى جواز المسح ولو كان الماسح قد أدخل رجله اليمنى في الخف أو الجورب قبل غسل الرجلين، لكن الأول هو الأحوط والأولى، فمن فعل ذلك فينبغي أن ينزع الخف أو الشراب قبل المسح ثم يعيد إدخالها فيه بعد غسل اليسرى، وهذا هو اختيار سماحة الشيخ العلامة ابن باز (٢) ﵀.

стр. 92

* حكم من لبس خفًا على خف أو جوربًا على جورب: إن توضأ ولبس خفًا أو جوربًا ثم أحدث ثم لبس الخف الآخر لم يجز المسح على الأعلى؛ لأنه لبسه على غير طهارة، بل يمسح على الأسفل. وإذا مسح الخف الأسفل بعد حدثه ثم لبس الخف أو الجورب الثاني على طهارة مسحٍ، لم يجز المسح على الثاني؛ لأن الممسوح بدل عن غسل ما تحته، والبدل لا يجوز له بدل آخر، بل يمسح على الأسفل؛ لأن الرخصة تعلقت به. وإن لبس جوربًا أو خفًا على آخر قبل الحدث ومسح الأعلى ثم نزع الممسوح الأعلى، هل يلزمه خلع الثاني وإعادة الوضوء؟ محل خلاف؛ والصحيح أنه يمسح على الأسفل. بيان بعض متعلقات المسح في السفر: * إذا لبس في الحضر ثم سافر قبل أن يحدث، فمسحُه مسحُ مسافر. * إذا لبس في السفر ثم أقام قبل أن يحدث، فمسحه مسح مقيم. * إذا لبس في الحضر فأحدث ثم سافر قبل أن يمسح، فمسحه مسح مسافر. * إذا لبس في الحضر فأحدث ومسح ثم سافر قبل أن تنتهي مدة المسح، أتم مسح مقيم. * إذا لبس في السفر فأحدث ومسح ثم أقام، أتم مسح مقيم إن بقي في المدة شيء. * إذا شك وهو مسافر في ابتداء المسح يعني هل مسح وهو مسافر أم مسح وهو مقيم؟ فإنه يتم مسح مسافر.

стр. 93

متى تبدأ مدة المسح ؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: ١ - فذهب الحنابلة (١) إلى أن المدة تبدأ من حال الحدث. ٢ - والقول الثاني: أن المدة تبدأ من أول مسحة للخف أو الجورب، وهذا هو الصحيح، وهذا اختيار الشيخ ابن العثيمين (٢)؛ لقوله ﷺ في الحديث: "يمسح المقيم يومًا وليلةً والمسافر ثلاثا" (٣). ثانيًا: المسح على الجبيرة تعريف الجبيرة: الجبيرة في اللغة: هي العيدان التي تشد على العظم لتجبره على استواء (٤)، وهذه الأعواد بدل منها الآن الجبس. أما تعريفها في الاصطلاح: فهي لا تخرج في استعمال الفقهاء لها عن المعنى اللغوي. حكم المسح على الجبيرة: اتفق الفقهاء على مشروعية المسح على الجبيرة في حال العذر نيابة عن غسل المحل في الوضوء أو الغسل، لكن متى يجب المسح عليها؟

стр. 94

يجب المسح على الجبيرة عند إرادة الطهارة، ولا تتم طهارته إلا بذلك عند الجمهور (١). وقال ابن حزم (٢) والألباني (٣) بأنه لا يشرع المسح على الجبيرة، لأن الشرع لا يثبت إلا بقرآن وسنة ولم يأت قرآن ولا سنة بذلك. وقال بعض الشافعية (٤): يغسل الصحيح ويتيمم ولا يمسح على الجبيرة. والصحيح: أنه يجب المسح على الجبيرة، فإن لم يمسح فلا تصح طهارته، وإن صلى ما صحت صلاته، وهذا هو قول الجمهور. شروط المسح على الجبيرة: يشترط لجواز المسح على الجبيرة ما يلي: ١ - أن يخشى حدوث الضرر بنزعها. ٢ - أن لا يكون غسل الأعضاء الصحيحة يضر بالأعضاء الجريحة، فإن كان يضر بها فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه يمسح لها. ٣ - لبسها بعد كمال الطهارة: وهذا الشرط اختلف فيه أهل العلم، فالصحيح المشهور في مذهب الشافعية (٥) وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٦) أنه يشترط أن تكون الجبيرة موضوعة

стр. 95

على طهارة مائية، فإن خالف ووضعها على غير طهارة وجب نزعها، فإن خاف الضرر بنزعها مسح عليها ويقضي لفوات شرط وضعها على طهارة. والصحيح: أنه لا يشترط الطهارة للجبيرة، وهذه هي الرواية الأخرى في مذهب الحنابلة واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (١) والشيخ ابن العثيمين (٢)؛ وذلك لما يلي: ١ - أنه لا دليل على اشتراط الطهارة لها. ٢ - أنها تأتي مفاجأة وليست كالخف متى أحتيج لها لبست. ذكر بعض الفروق بين الجبيرة والخف: يفارق المسحُ على الجبيرة المسحَ على الخفين من وجوه منها: ١ - أن المسح على الجبيرة حال الضرورة، أما الخف فبخلاف ذلك. ٢ - أن المسح على الجبيرة مؤقت بزوال سببها، بخلاف الخف فإنه مؤقت بالأيام على تفصيل ذكرناه سابقًا. ٣ - الجبيرة لا يشترط لها الطهارة على القول الراجح كما ذكرنا، بخلاف الخف فيشترط له الطهارة. ٤ - الجبيرة يمسح عليها في الطهارتين الكبرى والصغرى، بخلاف الخف فيجب نزعه في الطهارة الكبرى. ٥ - يجب استيعاب الجبيرة بالمسح على الصحيح من قولي العلماء، بخلاف الخف، فلا يجب، بل يكفي المسح على أكثره كما ذكرنا سابقًا في صفة المسح.

стр. 96

٦ - أن الجبيرة لا تختص بعضو معين، والخف يختص بالرجل. صفة المسح على الجبيرة: إذا أراد واضع الجبيرة أن يمسح عليها في طهارة فإنه يفعل ما يلي: ١ - يغسل الصحيح من أعضائه. ٢ - يمسح على الجبيرة. ٣ - لكن هل يستوعب المسح جميع الجبيرة أم يكفي أكثرها كالخف؟ خلاف بين العلماء: أ- فالمالكية (١) والحنابلة (٢) وهو الأصح عند الحنفية (٣) أنه يجب استيعاب مسح الجبيرة. ب- أما عند الشافعية (٤) ففيه وجهان مشهوران: أصحهما يجب الاستيعاب، والثاني يجزئه ما يقع عليه الاسم. والصحيح: هو وجوب استيعاب الجبيرة عند المسح عليها. إذا كانت الجبيرة تتجاوز قدر الحاجة فماذا يفعل ؟ يمسح عليها لكن إن أمكن نزعها بلا ضرر نزع ما تجاوز قدر الحاجة، فإن لم يمكن فقيل يمسح على ما كان قدر الحاجة ويتيمم عن الزائد. وهو المذهب عند الحنابلة (٥).

стр. 97

والراجح: أنه يمسح على الجميع بلا تيمم؛ لأنه لما كان يتضرر بنزع الزائد صار الجميع بمنزلة الجبيرة، وهذا هو اختيار الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ (١). ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالجبيرة: ١ - يجوز المسح على العصابة واللصوق أو ما يوضع على الجروح مما يمنع وصول الماء. ٢ - العضو الذي عليه جبيرة أو عصابة ونحوه مما يسوغ ستره به ليس فيه إلا المسح فقط، فإن أضره المسح مع كونه مستورًا فيعدل إلى التيمم؛ كما لو كان مكشوفًا. ٣ - هل يجب الجمع بين المسح والتيمم؟ قال بعض العلماء: يجب الجمع بينهما احتياطًا، والصحيح أنه لا يجب الجمع؛ لأن إيجاب الطهارتين لعضو واحد مخالف للقواعد الفقهية. ثالثًا: المسح على العمامة: تعريفها: العمامة جمعها العمائم؛ وهي اللباس الذي يلف على الرأس تكويرًا. حكم المسح على العمامة: اختلف الفقهاء في حكم المسح على العمامة:

стр. 98

١ - فذهب الحنفية (١) إلى عدم جواز المسح عليها؛ لأنه لا حرج في نزعها. ٢ - وقال المالكية (٢): يجوز المسح عليها إذا خيف الضرر بنزعها ولم يتمكن من حلها. ٣ - وقال الشافعية والحنابلة (٣) بجواز المسح عليها، إلا أن الشافعية قالوا: لا يكفي الاقتصار عليها بل يمسح بناصيته وعلى العمامة. والصحيح: أن المسح على العمامة جائز ولا يجب أن يمسح ما ظهر من الرأس، لكن يسن، وهذا هو اختيار الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٤). شروط المسح على العمامة: يشترط لها ما يشترط للخف، ومنها: ١ - كونه في حدث أصغر. ٢ - كونها طاهرة. ٣ - كونها مباحة، فلا تكون مغصوبة ولا من حرير ولا بها صور لذوات الأرواح، فإن فقد هذا الشرط هل يجوز المسح عليها؟ فيه خلاف؛ والصحيح الجواز، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. ٤ - أن يكون لبسها على طهارة، فإن لبسها وهو محدث لم يجز المسح عليها،

стр. 99

وقيل: يجوز، لكن هل يشترط كمال الطهارة؟ الصحيح أنه لا يشترط لبسها بعد كمال الطهارة. ٥ - أن يكون المسح في المدة المحددة، وهذا محل خلاف بين أهل العلم. ٦ - أن تكون ساترة لجميع الرأس لا ما جرت العادة بكشفه كالأذنين وبعض مقدم الرأس وكذا جوانب الرأس أو مؤخرته فإنه يعفى عنه، لكن هل يجب مسح المكشوف من الرأس؟ محل خلاف، والصحيح أنه لا يجب المسح، وهي إحدى الروايتين عن أحمد (١). ٧ - أن المسح عليها إنما يجوز في حق الرجل. ٨ - فإن لبستها المرأة فلا يجوز المسح عليها، فإن لبستها لضرورة لم يجز أيضًا لها المسح عليها عند الأكثر؛ لأن ذلك نادر ولا يعتد به. القدر الواجب مسحه في العمامة: اختلف الفقهاء في القدر الواجب مسحه في العمامة؛ فقيل: الواجب مسح أكثرها. وهو مذهب الحنابلة، وقيل: يمسح جميعها. وهي رواية عند الحنابلة، وقيل: يجزئ مسح وسطها وحده. وهو لبعض الحنابلة (٢). والصحيح: أنه يمسح أكثر العمامة، فلو مسح جزءًا منها لم يصح، وإن مسح الكل فلا حرج، ويستحب كما ذكرنا إذا كانت الناصية بادية أن يمسحها مع العمامة (٣).

стр. 100

هل يشترط للعمامة أن تكون محنكة وذات ذؤابة ؟ يشترط لمسحها كونها محنكة أو ذات ذؤابة، وفي رواية للمذهب عدم اشتراط ذلك (١)، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀ ورجحها الشيخ ابن العثيمين (٣). وهذا هو الصحيح، فمتى ثبتت العمامة على الرأس وسميت العمامة فإنه يجوز المسح عليها. هل يجوز المسح على خُمُرِ النساء ؟ اختلف العلماء في جواز ذلك؛ فقال بعضهم: لا يجزئ المسح على الخمار، وقال آخرون بأنه يجوز المسح على الخمار المدار تحت الحلق. وهذه هي إحدى الروايتين في مذهب الحنابلة، وعليها المذهب (٤). والصحيح: أنه متى حصلت المشقة إما لبرودة في الجو أو مشقة في النزع، فالتسامح في هذا لا بأس به، أما ما عدا ذلك فالأولى أن لا تمسح؛ لعدم ورود النص الصحيح في ذلك. حكم المسح على القبع الشامل للرأس والأذنين: ما يلبس في الشتاء من القبع الشامل للرأس والأذنين، اختلف العلماء في جواز المسح عليه. والصحيح أنه يجوز المسح عليه؛ وذلك لمشقة النزع ولحصول الضرر المتوقع بنزعه؛ وذلك لما قد يصيب الرأس بكشفها (٥).

стр. 101

إذا كان الرأس ملبدًا بالحناء هل يجوز المسح عليه ؟ الصحيح أنه يجوز المسح على الرأس إذا لُبِّد بالحناء، فما وضع على الرأس فهو تابع له (١).

стр. 102

باب الغسل أولًا: تعريفه: الغسل هو: استعمال ماء طهور في جميع البدن على وجه مخصوص بشروط وأركان (١). ثانيًا: موجبات الغسل (أسباب وجوب الغسل) . ١ - خروج المني: اتفق الفقهاء على أن خروج المني سبب من أسباب وجوب الغسل بل نقل الإجماع على ذلك، لا فرق بين الرجل والمرأة في النوم واليقظة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنما الماء من الماء" (٣)، أي: يجب الغسل بالماء من إنزال الماء الدافق؛ وهو المني. وعن أم سليم ﵂ أنها سألت النبي ﷺ : المرأة ترى في منامها ما يراه الرجل فقال رسول ﷺ : "نعم، إذا هي رأت الماء" (٤). هل يشترط لإيجاب الغسل أن يكون المني خرج بشهوة ؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة:

стр. 103

أ- فالحنفية (١) والمالكية (٢) والحنابلة (٣) يشترطون لإيجاب الغسل للمني أن يخرج بشهوة. ب- وذهب الشافعي (٤) إلى وجوب الغسل بخروج المني مطلقًا، أي سواء وجدت الشهوة أم لم توجد، فإذا خرج لمرض أو لبرد أو لنحوه فإنه يوجب الغسل عندهم. والراجح: هو اشتراط الشهوة لوجوب الغسل. إذا أحس بانتقال المني فلم يخرج هل عليه الغسل ؟ أ- ذهب الحنابلة (٥) إلى أنه متى أحس بانتقاله لكنه ما خرج فإنه يغتسل؛ لأن المني باعد محله فصدق عليه أنه جنب؛ لأن أصل الجنابة من البعد. ب- وذهب الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨) إلى عدم وجوب الغسل، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٩)، والشيخ محمد بن صالح العثيمين (١٠) وهو الصواب، دليل ذلك حديث أم سليم ﵂ السابق وقوله ﷺ : "نعم، إذا هي

стр. 104

رأت الماء" (١)، فلم يقل ﷺ لو أحس بانتقاله. وكذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتقدم، وقوله ﷺ فيه: "إنما الماء من الماء" (٢) فمتى لم يوجد ماء يعني المني فلا ماء يعني فلا يغتسل. إذا استيقظ النائم ووجد منيًّا ولم يذكر احتلامًا وجب عليه الغسل؛ لحديث أم سليم السابق، لكن إن تذكر احتلامًا ولم يجد منيًّا فلا يجب عليه الغسل؛ لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم. إذا استيقظ فوجد بللًا، هنا لا يخلو من ثلاث حالات (٣): الأولى: أن يتيقن أنه موجب للغسل، يعني: أنه منيٌّ، فالحكم هنا وجوب الغسل سواء ذكر احتلامًا أم لم يذكر. الثانية: أن يتيقن أنه ليس بمني، فالحكم عدم وجوب الغسل، لكن يجب غسل ما أصابه؛ لأن حكمه حكم البول. الثالثة: أن يجهل هل هو مني أم لا؟ فقد اختلف في هذه الحالة العلماء؛ فقيل: يجب أن يغتسل احتياطًا. وهو الصواب، وقيل: لا يجب؛ لأن الأصل الطهارة. إذا خرج المني بعد الغسل: إذا خرج المني بعد الغسل فقد اختلف الفقهاء في ذلك. والراجح هو عدم وجوب الغسل إلا إذا كان خروج المني ناشئًا عن لذة طارئة، فيجب عليه الغسل

стр. 105

مرة أخرى. أما إذا خرج المني بعد غسله بدون لذة فلا يجب الغسل، والواجب عليه الاستنجاء والوضوء عند إرادة الصلاة وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (١). ٢ - التقاء الختانين: من أسباب الغسل التقاء الختانين، وذلك كما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا جلس بين شُعَبِهَا الأربع ثم جَهَدَهَا فقد وجب الغسل" (٢) وزاد في رواية مسلم: "وإن لم ينزل". وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا جلس بين شُعَبِهَا الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل" (٣). وعنها ﵂ أيضًا عن النبي ﷺ قال: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" (٤). والتقاء الختانين الذي يوجب الغسل هو تغييب الحشفة في الفرج، وليس المراد من التقاء الختانين التصاقهما وضم أحدهما للآخر، فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع ختانها ولم يدخله في مدخل الذكر لم يجب الغسل.

стр. 106

إذا غيب الإنسان حشفته في الفرج ولم ينزل منيًا فإنه يجب عليه الغسل؛ لأن العبرة بتغييب الحشفة لا بالإنزال، وهذا يخفى على كثير من الناس لظنهم عدم وجوب الغسل إلا بالإنزال. وهذا خطأ بدليل حديث أبي هريرة السابق وفيه قوله ﷺ : "وإن لم ينزل" (١). إذا غيب الإنسان حشفته في دبر ولو من بهيمة أو ميت هل يجب عليه الغسل؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فقال بعضهم: يشترط لوجوب الغسل أن يكون في فرج آدمي حي، فلو أولج في فرج آدمي ميت أو أولج في بهيمة فإنه لا يجب الغسل. وقال بعضهم: بل يجب عليه الغسل، والصحيح أنه يأثم ويجب عليه الغسل. هل يشترط عدم وجود الحائل ؟ محل خلاف بين العلماء؛ فقال بعضهم: يشترط أن يكون ذلك بلا حائل، فإن كان هناك حائل فلا يصدق عليه مس الختان، ولذلك لا يجب الغسل. وهذا هو قول الحنابلة؛ فإنهم يقولون بأنه لا يجب الغسل على من أولج بحائل مطلقًا (٢). وقال آخرون: بل يجب الغسل؛ لعموم قوله: "ثم جهدها" والجهد يحصل ولو مع الحائل. وقال آخرون بالتفصيل: إن كان الحائل رقيقًا بحيث تكمل به اللذة وجب الغسل، وإن لم يكن رقيقًا فإنه لا يجب. وهذا تفصيل جيد، ولو قيل بالغسل احتياطًا لكان أولى.

стр. 107

٣ - الحيض والنفاس: هذا هو الموجب الثالث من موجبات الغسل، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (١) أي إذا اغتسلن، فمنع الله من وطء زوجته قبل غسلها فدل على وجوبه عليها. أما السنة: فقد جاء في صحيح البخاري ومسلمٌ من حديث فاطمة بنت أبي حبيش قوله ﷺ لها: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٢). وقد أجمع الفقهاء على وجوب الغسل على الحائض والنفساء. ٤ - الموت: إذا مات المسلم وجب على المسلمين تغسيله، دليل ذلك: * قوله ﷺ فيمن وقصته ناقته بعرفة: "اغسلوه بماء وسدر" (٣) والأصل في الأمر الوجوب. * وحديث أم عطية حين توفيت إحدى بناته ﷺ : "اغسلنها ثلانًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" (٤).

стр. 108

هل يشمل الغسل السقط ؟ الجواب: فيه تفصيل، إن نفخت فيه الروح غسل وكفن وصُلِّي عليه، وإن لم تنفخ فيه الروح فلا، وتنفخ فيه الروح إذا تم له أربعة أشهر. اتفق الفقهاء على أن الشهيد لا يغسل؛ لقوله ﷺ في شهداء أحد: "ادفنوهم في دمائهم" (١) وهذا خاص بشهيد المعركة، أما ما ورد فيه لفظ الشهادة كالمبطون والمطعون وصاحب الهدم والغرق والنفساء ونحوهم، فإنهم يُغَسَّلُون. إن كان الشهيد جنبًا أو كانت الشهيدة حائضًا أو نفساء فهل يشرع غسلها ؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: أ- فذهب أبو حنيفة (٢) والحنابلة (٣) -وهو الرواية عند الشافعية (٤) وقول عند المالكية-، إلى أنه يغسل. ب- وذهب جمهورهم إلى عدم تغسيله (٥). والأولى أن يغسل؛ لما ورد من أن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري المعروف بحنظلة بن الراهب غسلته الملائكة بين السماء والأرض (٦)، وقد قيل: إن ذلك

стр. 109

غسل تكريم وتشريف. البغاة وقطاع الطريق هل يغسلون ؟ ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أنهم يغسلون. وذهب الحنفية (٢) إلى أنهم لا يغسلون إذا قتلوا في الحرب؛ إهانة لهم وزجرًا لغيرهم من فعلهم، أما إذا قتلوا بعد ثبوت يد الإمام عليهم فإنهم يغسلون. والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من تغسيلهم والصلاة عليهم. إذا قطع شيء من الميت وجعل معه في أكفانه فإنه يغسل بلا خلاف بين الفقهاء، لكن إن كان لم يحصل إلا جزء من الميت فقط فقد اختلف الفقهاء في ذلك؛ فذهب الحنفية (٣) والمالكية (٤) إلى أنه إن كان الموجود هو الأكثر غسل، وإلا فلا. وذهب الشافعية (٥) والحنابلة (٦) إلى أنه يغسل سواء كان أكثر البدن أو أقله. وهذا هو الصحيح. ٥ - إسلام الكافر: هذا هو الموجب الخامس عند بعض الفقهاء للغسل. وقد اختلف الفقهاء في هذا الموجب على قولين:

стр. 110

أ- فذهب المالكية (١) والحنابلة (٢) إلى أن إسلام الكافر موجب للغسل، فمتى أسلم الكافر فإن الواجب عليه أن يغتسل، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة ﵁ أن ثُمَامَة بن أُثالٍ ﵁ عندما أسلم فقال النبي ﷺ : "اذهبوا به إلى حائط بني فلان فَمُرُوهُ أن يغتسل" (٣) وكذلك أمره ﷺ قيس بن عاصم حين أسلم أمره أن يغتسل بماء وسدر (٤). ب- وذهب الحنفية (٥) والشافعية (٦) إلى استحباب غسل الكافر إذا أسلم وهو غير جنب، أما إن كان جنبًا فالواجب عليه الاغتسال للجنابة، واحتجوا لذلك أنه في عهد النبي ﷺ أسلم خلق كثير ولم يأمرهم ﷺ بالاغتسال، أما أمره ﷺ ثمامة بن أثال وقيس بن عاصم فهو محمول على الاستحباب لا الوجوب. ثالثًا: ذكر بعض الأغسال المستحبة: ١ - غسل الجمعة: اختلف الفقهاء في غسل الجمعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه واجب على من أتى الجمعة؛ لقوله ﷺ : "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" (٧) قال ابن حجر ﵀ في الفتح تعليقًا على هذا
следующие страницы →