المناسخات
المناسخات في اللغة: جمع مناسخة، وهو يطلق على معان منها: النقل، تقول نسخت الكتاب أي نقلت ما فيه (١).
وفي الاصطلاح: انتقال نصيب بعض الورثة بموته قبل القسمة إلى من يرث منه (٢).
أحوال المناسخة:
للمناسخة ثلاث حالات:
أحدها: أن يكون ورثة الميت الثاني هم ورثة الأول، فتقسم التركة على الموجودين، كما إذا مات شخص عن بنين وبنات من زوجة واحدة ثم مات أحدهم قبل قسمة التركة ولا وارث له سوى إخوته الباقين فيكتفي بقسمة واحدة للذكر مثل حظ الأنثيين.
الثانية: أن يكون ورثة كل ميت لا يرثون غيره، وهنا تقسم تركة الميت الأول بين ورثته ثم يقسم نصيب الثاني بين ورثته، وذلك مثل أن يموت شخص عن ابنه وبنته وقبل القسمة يموت الابن عن بنت وأخته التي ورثت معه، فتقسم تركة الميت الأول بين الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم يقسم نصيب الابن بين بنته وأخته مناصفة بينهما البنت فرضًا والأخت تعصيبًا.
الثالثة: أن يكون ورثة الميت الثاني هم بقية ورثة الميت الأول لكن اختلف إرثهم أو ورث معهم غيرهم، وهنا يتم عمل مسألة للميت الأول وتقسم على
стр. 1157
الورثة، وتعرف سهام الميت الثاني ثم يعمل مسألة له وتقسم على ورثته ثم تعرض سهامه من المسألة الأولى على مسألته، فإما أن تنقسم أو توافق أو تباين، فإن انقسمت صحت مسألته مما صحت منه المسألة الأولى، وتكون مسألة الميت الأول هي الجامعة أو توافق فحينئذ يؤخذ وفق مسألته ويضرب في كامل مسألة الميت الأوّل وحاصل الضرب يكون هو الجامعة للمسألتين، وإما أن تباين سهام الميت الثاني مسألته فتضرب كل مسألة الميت الأوّل في كل مسألة الميت الثاني وحاصل الضرب يكون هو الجامعة للمسألتين.
مثال مباينة سهام الميت الثاني لمسألته (١):
٨/ ٢٤
زوجة ... ١ ... ٣
ابن ... ٧ ... ١٤
بنت ... - ... ٧
٥ - ١٢٠
أم ... ٢ ... ٤٣
ت ... - ... ×
شقيقة ... ٣ ... ٧٧
التوريث بالتقدير والاحتياط:
قد يكون لبعض الورثة أحوال تتردد بين الوجود والعدم كالحمل والمفقود والغرقى ونحوهم أو تتردد بين الذكورة والأنوثة كالحمل والخنثى المشكل وذلك يتطلب بحثها لتأثيرها على مسائل الميراث ويتم العمل فيها بالتقدير والاحتياط لمصلحة الوارث أو المورث.
стр. 1158
ميراث الحمل
والمراد به: موت المورث عن جنين في البطن إذا انفصل حيًا ورث أو حجب.
شروط إرث الحمل:
يشترط لاستحقاقه الإرث شرطان:
١ - وجود الحمل في الرحم حين موت المورث.
٢ - انفصاله حيًا حياة مستقرة، لقوله ﷺ : "إذا استهل المولود وُرِّثَ" (١).
والاستهلال:
وجود دليل الحياة من بكاء أو عطاس أو حركة.
تحديد مدة الحمل التي يرث فيها: اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:
١ - ذهب الحنفية وهو رواية عن أحمد إلى أن أكثر مدة الحمل سنتان واستدلوا بقول عائشة ﵂: "لا يبقى الولد في بطن أمه أكثر من سنتين ولو بفلكه مغزل" (٢).
وقولها هذا له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ إذ لا مجال للاجتهاد فيه.
стр. 1159
٢ - وذهب الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة إلى أن أكثر مدة الحمل أربع سنين، لأنه لا نص يحدد ذلك فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد أربع سنين.
٣ - وذهب المالكية إلى أن أكثر مدة الحمل خمس سنين.
الترجيح: نرى أنه نظرًا لتقدم الطب وتوفر الأجهزة الطبية الدقيقة والتي يمكن من خلالها اكتشاف الحمل عند بداية حدوثه ومن ثم متابعته حتى ولادته فإن ذلك يكفي للاستدلال به على حصول الجنين واستحقاقه للإرث إذا ولد حيًا مهما بلغ من مدة والله أعلم.
مقدار ما يوقف للحمل عند القسمة:
إذا رغب الورثة وهم أصحاب الحق تأجيل قسمة التركة حتى يوضع الحمل فذلك حسن احتياطًا للشك في الحمل من حيث حياته ونوعه وعدده، وإن طلبوا أو بعضهم القسمة قبل الوضع فلهم ذلك لأنّ في تأخير القسمة إضرارًا بهم، حيث قد تطول مدة الحمل، وعند ذلك يجب الاحتياط في إرث الحمل ومن معه.
وقد اختلف الفقهاء عند القسمة في المقدار الذي يوقف له من مورثه على ما يأتي:
١ - ذهب أبو حنيفة وهو القول المفتى به عند الحنفية إلى أنه يوقف للحمل حظ ذكر واحد أو أنثى واحدة أيهما كان أكثر، لأنه الغالب في ولادة النساء، ويأخذ الورثة كفيلًا بالزيادة على نصيب الواحد لأن الحمل عاجز عن النظر لنفسه فينظر له القاضي احتياطًا.
٢ - وذهب الشافعية في الأصح عندهم إلى أنه لا ضبط لعدد الحمل، لأنه لا يعلم أكثر عدد تحمله المرأة لكن ينظر في حال الورثة الذين يرثون معه فمن يرث
стр. 1160
في بعض التقادير دون بعض أو كان نصيبه غير مقدر كالعاصب فهذا لا يعطى شيئًا، ومن يرث في جميع التقادير متفاضلًا يعطى الأقل، ومن لا يختلف نصيبه في جميع التقادير يعطى نصيبه كاملًا ثم يوقف الباقي إلى أن ينكشف الحمل.
٣ - وذهب الحنابلة إلى أنه يعمل بالأحظ للحمل، ويعامل الورثة بالأضر فيوقف للحمل الأكثر من ميراث ذكرين أو أنثيين ويعطى الوارث معه اليقين من نصيبه، فإذا ولد الحمل أخذ الموقوف إن كان قدر نصيبه، وإن كان أكثر منه رد الباقي على مستحقه من الورثة (١).
الراجح: مذهب الحنابلة لكن مع تقدم الطب وتوفر الأجهزة الطبية الدقيقة والتي يمكن من خلالها تحديد عدد الحمل ونوعه فنرى أن يتم الاستفادة منها في ذلك وقسمة التركة على ضوء نتيجة التقرير الطبي المعد من المختصين بعد اعتماده من طبيبين مسلمين عادلين، فإذا ولد الحمل حيًا حياة مستقرة ورث ما ترك له وإلا فيوزع على الورثة على قدر نصيبهم، والله أعلم.
стр. 1161
ميراث الخنثى
تعريفه: في اللغة الخنثى من فيه انخناث أي تكسر وتثن (١).
وفي الاصطلاح: من له آله الرجال وآلة النساء معًا أو ليس له شيء منها أصلًا.
ميراث الخنثى:
أجمع العلماء على أن الخنثى يوَّرث حسب ما يظهر فيه من علامات مميزة فإن بال من حيث يبول الرجل وُرِّثَ ميراث رجل وإن بال من حيث تبول المرأة وُرِّثَ ميراث المرأة وإن لم يتبين ذلك فهو مشكل، فإن كان يرجى معرفة حالة عند البلوغ أعطى هو ومن معه اليقين ووقف الباقي حتى يبلغ فيظهر فيه علامات الرجال من نبات لحيته وخروج المني من ذكره أو علامات النساء من الحيض ونحوه.
كيفية توريث الخنثى المشكل:
إن رغب الورثة الانتظار حتى يتضح أمره فحسن، وإن أرادوا قسم الميراث فلهم ذلك ولكن يراعى الاحتياط لميراث الخنثى وقد اختلف الفقهاء في كيفية توريثه على ما يأتي:
١ - يرى الحنفية أنه يفرض أنه ذكر ثم يفرض أنه أنثى ويعامل بأقل ما يستحقه، وإن كان يرث على اعتبار ولا يرث على اعتبار آخر لم يعط شيئًا، وذلك لأنّ المال لا يثبت استحقاقه مع الشك في سببه.
٢ - ويرى المالكية أنه يعطى نصف نصيبي ذكر وأنثى إن ورث بهما متفاضلًا، وإن ورث بأحدهما فقط فله نصف نصيبه سواء كان يرجى اتضاحه أم لا.
стр. 1162
٣ - ويرى الشافعية أن يعامل الخنثى بالأضر سواء كان يرجى اتضاحه أو لا، ويوقف المشكوك فيه إلى الاتضاح أو الصلح.
٤ - ويرى الحنابلة أنه إن كان يرجى اتضاح أمر الخنثى عومل هو ومن معه بالأضر كما يقول الشافعية، وإن كان لا يرجى اتضاح حاله، كإن مات قبل بلوغه أو بلغ مشكلًا، فيعطى نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى إن ورث بهما متفاضلًا، وإن ورث بكونه ذكرًا فقط أعطى نصف ميراث ذكر، وإن ورث بكونه أنثى فقط أعطى نصف ميراث أنثى وذلك مراعاة للاحتياط (١).
مثال توريث الخنثى المشكل على أكثر الاحتياط:
مات شخص عن ابن وولد خنثى، فيكون مسألة الذكورية من اثنين لكل واحد واحد، ومسألة الأنوثية من ثلاثة للابن اثنان وللخنثى واحد، وبين المسألتين مباينة فتضرب إحداهما في الأخرى يحصل ستة تضرب في حالتي الخنثى يحصل اثنا عشر هي الجامعة ثم تقسمها على مسألة الذكورة اثنين يحصل ستة وهي جزء سهمها، وعلى مسألة الأنوثة ثلاثة يحصل أربعة وهي جزء سهمها، للابن في مسألة الذكورية واحد في جزء سهمها ستة بستة وله من مسألة الأنوثية اثنان في جزء سهمها أربعة بثمانية فيجتمع له من المسألة أربعة عشر تقسم على الحالتين يحصل سبعة وهي نصيبه، وللخنثى من مسألة الذكورة واحد في جزء سهمها ستة وله من مسألة الأنوثية واحد في جزء سهمها أربعة بأربعة فيجتمع له من المسألتين عشرة تقسم على الحالتين يحصل خمسة وهذه صورتها:
стр. 1163
٢/ ٦ - ٣/ ٤ - ١٢
ابن ... ١ ... ٢ ... ٧
ولد خنثى ... ١ ... ١ ... ٥
الراجح:
حيث إن الأخذ بالاحتياط يحقق مصلحة الخنثى ولا يضر بغيره فإن الأخذ به أولى، وذلك يتحقق في القول الرابع، ولكن نقول بما أن الطب قد أحرز تقدمًا كبيرًا وتطورت الأجهزة الطبية التي تعين في تحديد وتشخيص كثير من مكونات جسم الإنسان ومنها الهرومونات التي يمكن عن طريقها معرفة نوعية جنس الإنسان وما فيه من صفات الذكورة والأنوثة ولذلك يمكن الاستفادة منها في تحديد كونه ذكرًا أم أنثى، ويتم ذلك بالتحاليل المخبرية على أن يعتمد ذلك من طبيبين مسلمين عدلين، وتتم قسمة التركة بناء على ذلك دون حاجة للانتظار حيث يحصل بها تبيّن أمر الخنثى وتحديد نوعه، والله أعلم.
стр. 1164
ميراث المفقود
في اللغة المفقود: اسم مفعول من فقد الشيء إذا عدمه، والمفقود المعدوم (١).
واصطلاحًا: من انقطع خبره ولا يدري حياته من موته (٢).
مقدار مدة انتظار المفقود:
١ - يرى الحنفية وهو المشهور عن المالكية والشافعية في قول والحنابلة في رواية أنه ينتظر فيه حتى يتحقق حاله، ويضيف الحنفية أو يمضي عليه مدة من الزمن حددوها بمضي تسعين سنة من ولادته، وقبل مائة وعشرين سنة، وقيل عندهم إذا لم يبق أحد من أقرانه حكم بموته وحددها المالكية بسبعين سنة وقيل ثمانين وقيل تسعين وقيل مائة سنة، وذلك تقديرًا لما يمكن أن يعيش إليه الإنسان إذا لم يتبين موته.
٢ - ويرى الحنابلة وهو المذهب عندهم أن للمفقود حالتين:
أ- أن يغلب عليه الهلاك كمن فقد في معركة أو في مهلكة ونحو ذلك، فهذا ينتظر أربع سنين من حيث فقده لأنها مدة كافية لوصول خبره إن كان حيًا.
ب- أن يغلب عليه السلامة كمن سافر لتجارة أو سياحة أو طلب علم فهذا ينتظر تكملة تسعين سنة منذ ولد لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا.
٣ - أن المرجع في الحكم بموته إلى اجتهاد الحاكم وهذا هو المشهور عند الحنفية والأصح عند الشافعية ورواية عند الحنابلة وذلك لأسباب منها:
١ - أن التجديد بمدة معينة لا دليل عليه.
стр. 1165
٢ - أنه في الوقت الحاضر أصبح العالم كبلد واحد، حيث توفرت وسائل الاتصالات وكثرت أجهزة الإعلام المختلفة وأصبح من اليسير البحث عن المفقود مقارنة بالزمن السابق. وهو الراجح إن شاء الله تعالى.
كيفية إرث المفقود:
إذا مات مورثه قبل الحكم بموته فإن المفقود يرثه فيوقف نصيبه له كاملًا ويعامل بقية الورثة باليقين، فمن كان محجوبًا لم يعط شيئًا، ومن كان ينقصه أعطى الأقل، ومن كان لا ينقصه أعطى إرثه كاملًا.
مثال: مات شخص عن زوجة وجدة وعم وابن مفقود، فتعطى الزوجة الثمن لأنه اليقين والجدة السدس لأنّ المفقود لا ينقصها، ولا يعطى العم شيئًا لأنّ المفقود يحجبه، ويوقف الباقي.
كيفية الإرث من المفقود:
إذا انقضت المدة المحددة لاحتمال حياته أو حكم القاضي بموته فإنها تقسم تركته على من كان وارثًا له حين الحكم بوفاته (١).
ميراث الغرقى والحرقى ونحوهم:
والمراد بذلك كل من لم يعلم موتهم بسبب حادث أتلفهم جميعًا، فلم يعرف أيهم مات أولًا كحادث الغرق والهدم وحوادث الطائرات والقطارات والسيارات والقتال ونحو ذلك.
стр. 1166
لوفاة الغرقى ونحوهم خمس حالات:
١ - أن يعلم المتأخر منهم بعينه فيرث من المتقدم بالإجماع.
٢ - أن يعلم موتهم جميعًا في وقت واحد، فلا توارث بينهم إجماعًا لأن من شرط الإرث تحقق حياة الوارث بعد موت المورث.
٣ - أن يجهل واقع موتهم فلم يعلم هل سبق أحدهم أو ماتوا جميعًا.
٤ - أن يعلم أن موتهم بالترتيب ولكن لا يعلم عين المتأخر.
٥ - أن يعلم تأخر أحدهما بالموت عن الآخر ثم ينسى.
وفي هذه الحالات الثلاث يختلف العلماء في توريث بعضهم من بعض على ما يأتي:
١ - يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد أنه لا يرث بعضهم من بعض، وإنما الإرث للأحياء من الورثة دون من مات معه وهو مروى عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃، لأنه لم يتحقق حياة الوارث بعد موت المورث، ولأن قتلى اليمامة وصفين والحرة لم يورث بعضهم من بعض بل جعل إرثهم للأحياء من ورثتهم.
٢ - ويرى أحمد وهو الظاهر من مذهبه أنه يرث بعضهم من بعض، وقيل يرث كل منهما صاحبه من ماله الخاص دون ما يرثه من الميت معه، فيقدر أحدهما مات أولًا ويورَّث الآخر منه، ثم يقسم ما ورثه على الأحياء من ورثته ثم يعمل بالثاني مثل ذلك.
ويروى ذلك عن عمر وعلي ﵃، فإن عمر ﵁ لما وقع الطاعون في الشام فجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم فكُتب عن ذلك إلى عمر فأمر: "أن
стр. 1167
ورثوا بعضهم من بعض".
الراجح: يترجح قول الجمهور بعدم التوارث بينهم لتحقق الجهالة، ولا يثبت الاستحقاق مع الشك، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمَّد بن عثيمين.
كيفية توارث الغرقى ومن في حكمهم عند من يقول به:
١ - يعمل مسألة لأحدهم فتقسم على ورثته الأحياء ومن مات معه.
٢ - يعمل مسألة ثانية للأحياء من ورثه من مات معه ويقسم عليها نصيبه من مسألة الميت الأوّل ويحصل جامعه بذلك.
٣ - يعمل مسألة للميت الثاني وهو الذي قدر أولًا أنه حي وتقسم على ورثته الأحياء ومن مات معه.
٤ - يعمل مسألة أخرى للأحياء من ورثة من مات معه وتقسم عليها سهامه ثم تصحح المسألة (١).
الميراث بالولاء:
تعريفه: الولاء في اللغة القرابة والنصرة (٢).
واصطلاحًا: هو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق (٣).
стр. 1168
الأصل في مشروعية الإرث بالولاء:
الإرث بالولاء مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١).
وأما السنة: فمنها حديث: "إنما الولاء لمن أعتق" (٢).
وحديث: "مولى القوم من أنفسهم" (٣).
وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على أن من أعتق عبدًا أو عتق عليه ولم يعتقه سائبة ولا من زكاته أو نذره أو كفارته أن له عليه الولاء (٤).
الإرث بالولاء:
يرث المعتق عتيقه بالولاء سواء كان ذكرًا أو أنثى ولا يرثه العتيق، ويكون الإرث به تعصيبًا، وهو مقدم على الرد وذوي الأرحام لقوله ﷺ : "الميراث للعصبة فإن لم يكن عصبة فللمولى" (٥).
وترتيب عصبات الولاء كترتيب عصبات النسب.
من يرث بالولاء:
الذين يرثون بالولاء خمسة أصناف:
١ - المعتق ذكرًا أو أنثى.
стр. 1169
٢ - معتق المعتق وإن بعد.
٣ - عصبة المعتق بالنفس دون العصبة بالغير أو مع الغير.
٤ - معتق أبي المعتق إذا لم يجر على العتق رق.
٥ - معتق جد المعتق إذا لم يجر على العتق أو على أبيه رق.
شروط الإرث بالولاء:
يشترط للإرث بالولاء أحد أمرين:
١ - عدم جميع العصبة بالنسب.
٢ - أن يقوم بهم مانع عند وجودهم من الإرث كالقتل والرق واختلاف الدين (١)
ميراث المطلقة:
عقد النكاح من أسباب الميراث، وقد يحل هذا العقد بالطلاق، ومن المطلقات من ترث ومنهن من لا ترث، وإليك بيان ذلك:
١ - المطلقة الرجعية: سواء حصل طلاقها في حال صحة الزوج أو مرضه، وترث باتفاق الفقهاء لأنها زوجة ما دامت في العدة.
٢ - المطلقة البائن في حال الصحة أو مرض غير مخوف: وهي لا ترث إجماعًا لانقطاع صلة الزوجية.
٣ - المطلقة البائن في مرض الموت: وهو غير متهم بقصد حرمانها من الميراث، وفي توريثها أربعة أقوال:
стр. 1170
الأول: أنها لا ترث مطلقًا لأنها بائن منه قبل موته، وهذا هو الصحيح من قولي الشافعي.
الثاني: أنها ترث إذا توفي مطلقها وهي في العدة ولا ترث إذا توفي بعد خروجها من العدة وهذا قول الحنفية.
الثالث: أنها ترث سواء توفي وهي في العدة أو بعدها ما لم تتزوج بآخر أو ترتد وذلك معاملة له بنقيض قصده وهذا قول الحنابلة.
الرابع: أنها ترث مطلقًا سواء مات في العدة أو بعدها تزوجت غيره أو لم تتزوج وهذا قول المالكية (١).
الراجح: لنا أنها ترث مطلقًا ما لم تتزوج أو ترتد وذلك سدًا للذريعة حتى لا يتخذ الطلاق عند الموت وسيلة إلى حرمان الزوجة من الإرث.
الصلح بين الورثة في إخراج بعضهم (التخارج):
وهو أن يصطلح الورثة على إخراج بعضهم بشيء معلوم (٢).
حكم الصلح (التخارج):
١ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى جواز التخارج عند التراضي وأن يعطى أحد الورثة عوضًا عن نصيبه من التركة ليخرج منها للباقين.
واستدلوا بما روى أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية في مرض موته، ثم مات وهي في العدة، فورثها عثمان بن عفان
стр. 1171
-﵁ مع ثلاث نسوة أخر، فصالحوها عن ربع ثمنها على ثلاثة وثمانين ألفًا، قيل هي دنانير وقيل دراهم (١).
٢ - وذهب الحنابلة إلى جواز ذلك في المواريث القديمة، لما روى أن النبي ﷺ قال في رجلين اختصما في مواريث: "استهما، وتوخيا، وليحلل أحدكما صاحبه" (٢) وهذا صلح عن المجهول.
أما ما يمكن معرفته كتركة موجودة أو يعلمه الذي هو عليه ويجهله صاحبه، فلا يصح الصلح عليه مع الجهل، قال أحمد إن صولحت امرأة من ثمنها، لم يصح واحتج بقول شريح: "أيما امرأة صولحت من ثمنها، لم يتبين لها ما ترك زوجها، فهي الريبة كلها"، قال وإن ورث قوم مالًا ودورًا وغير ذلك فقالوا لبعضهم، نخرجك من الميراث بألف درهم، أكره ذلك. وإنما جاز الصلح مع الجهالة للحاجة إليه لإبراء الذمم، وإزالة الخصام، ومع العلم فلا حاجة إلى المصالحة لإمكان أخذ كل ذي حق حقه (٣).
стр. 1172
كيفية تقسم التركة بعد التخارج عند من يقول به:
إذا تصالح الورثة مع أحدهم على أن يترك حصته لهم ويأخذ بدلها جزءًا معينًا من التركة، فإن طريقة التقسيم أن تصحح المسألة باعتبار المصالح موجودًا بين الورثة ثم تطرح سهامه من التصحيح ثم يقسم باقي التركة على سهام الباقين من الورثة.
أما إذا كان التخارج على شيء من المال من غير التركة فإن المتخارج يكون قد باع نصيبه من التركة نظير الثمن الذي دفعه سائر الورثة من أموالهم الخاصة لتخلص التركة كلها لهم.
وأما إذا تخارج وارث واحد مع وارث آخر على أن يترك له نصيبه، فإن التركة تقسم بين الورثة جميعًا على اعتبار أنه لم يحصل تخارج ويؤول نصيب المتخارج بعد ذلك لمن دفع له البدل (١).
стр. 1173
قسمة التركات
في اللغة: القسمة: جعل الشيء الواحد قسامًا.
والتركات: جمع تركة وهي ما تركه الميت من مال (١).
وقسمة التركات اصطلاحًا: هي إعطاء كل وارث ما يستحقه شرعًا من مال مورثه (٢).
أهمية ذلك:
إن قسمة التركات هي الثمرة المقصودة من علم الفرائض، وتعلم الفرائض وما يشتمل عليه من مباحث إنما هو وسيلة إلى إعطاء كل وارث حقه من مال مورثه.
أنواع التركة:
التركة نوعان:
١ - ما يمكن قسمته أي فرزه بالعد أو الوزن أو الكيل أو الذرع لكونه مستوي الأجزاء.
٢ - ما لا يمكن قسمته لكونه غير مستوي الأجزاء كالعقارات وغيرها.
عمل القسمة في النوع الأوّل:
لقسمة التركة في هذا النوع عدة أوجه، أنسبها:
١ - طريقة النسبة: وهو أن تنسب سهم كل وارث من المسألة إلى المسألة، ثم تعطيه من التركة بتلك النسبة، وهو يصلح لجميع أنواع التركة.
стр. 1174
٢ - أن تقسم التركة على مصح المسألة، فما خرج اعتبرته كجزء السهم، فتضرب فيه سهم كل وارث من المسألة، فما خرج فهو نصيبه من التركة.
٣ - أن تقسم المسألة على سهام كل وارث منها، ثم اقسم التركة على خارج القسمة، يخرج نصيب ذلك الوارث.
مثال: مات شخص عن أم وبنت وعم والتركة ٩٦ ألف ريال.
فتقسم على الوجه الثالث كما يأتي:
٦ - ٩٦
أم ... ١ ... ١٦
بنت ... ٣ ... ٤٨
عم ... ٢ ... ٣٢
عمل القسمة في النوع الثاني:
١ - طريقة النسبة: وهو أن تنسب نصيب كل وارث من المسألة إلى المسألة ثم تعطيه من التركة بمثل تلك النسبة.
٢ - طريقة القيراط: وهو ثلث الثمن فهو جزء من أربعة وعشرين جزءًا، فكل جزء من الأربعة والعشرين يسمى قيراطًا، ويتم ذلك بأن تقسم العدد الأوّل الذي هو المسألة على العدد الرابع الذي هو مخرج القيراط، وما خرج يسمى قيراط ويقسم عليه نصيب كل وارث فيخرج ماله من القراريط (١).
الفِقهُ الميَسَّر
قِسْمُ المعَامَلات
البيع - الرهن - الضمان - الشركة - الإجارة - الوقف - الوصايا
مَوسُوعة فقهيَّة حَديثَة تتناوَل أحكام الفقه الإسلامي بأسُلوب وَاضح للمختصّين وغيرهم
تَأليف
د/محمَّد بن إبراهيم الموسَى
عضو مجلس الشورى سابقًا - المجلس الأعلى للأوقاف
أ. د/عَبد الله بن محمد الطيّار
أستَاذ الدراسات العليا بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلامية بجامعة القصيم
أ. د/عبد الله بن محمّد المطلق
عضو هَيئة كبار العُلَماء، وعضو اللجنة الدَّائمة للإفتاء
الجزء السَّادس
مدار الوطن للنشر
حقُوق الطَّبع محفُوظَة
الطَّبعَة الثانيَة
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
مَدَارُ الوَطن للنَّشر
المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز
ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١
البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com
موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com
الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦
الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨
التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤
التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧
مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
стр. 1180
المقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
فإن الإِسلام دين شامل لكل شؤون الحياة: اقتصادية واجتماعية وسياسية وغيرها، فجاء بما يكفل سعادة البشرية جمعاء فردًا ومجتمعًا وأمة، ومن ذلك تنظيم شؤون التعامل أخذًا وعطاء، ووضع لذلك القواعد والأسس التي تكفل العدل والخير والمساواة.
ولقد قام الفقهاء منذ فجر الإِسلام بدراسة القضايا وإصدار الأحكام بشأنها حتى أصبح التأليف في الفقه مثالًا يحتذى ومنارة يقتدى بها لأبناء الإسلام وغيرهم، واستفادت من ذلك بعض الأمم، كما نجد أن القانون المدني الفرنسي قد استفاد من الفقه على مذهب الإمام مالك.
وقد مر الفقه الإِسلامي بأدوار وعصور مختلفة، ازدهر في بعضها حتى لا تكاد تجد قضية أو حادثة إلا وللفقهاء فيها حكم يبين موقف الشريعة.
إن على فقهاء الأمة في هذا العصر وكل عصر أن يدرسوا القضايا والنوازل والحوادث التي تواجه الأمة، بل وتواجه العالم كله، ويطبقوا عليها أصول وقواعد ومبادئ الفقه الإسلامي. فلا توجد قضية أو نازلة أو مشكلة إلا وفي الإسلام الحل الناجح لها ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
وسيأتي اليوم الذي تتبوأ فيه الأمة الإِسلامية -بحول الله- الريادة في كل مجالات الحياة بما فيها الأمور التشريعية والفقهية.
وقد تناولنا في مُؤَلَّفِنَا الجزءِ السادسِ من كتاب الفقه الميسر الأبواب الآتية:
стр. 1181
١ - البيوع: تعريفه، مشروعيتها، أركانها، الشروط المعتبرة في هذه الأركان، وأقسامها، والبيوع المنهي عنها.
٢ - الاحتكار، التسعير، الوعد بالبيع، الإقالة فيه، السمسرة، الخيار في البيع وأقسامه.
٣ - الربا والصرف: تعريف الربا، حكمه، أقسامه، العلة في تحريمه.
٤ - السلم: تعريفه، أركانه، حكمه، شروطه.
٥ - الاستصناع: تعريفه، حكمه، أركانه.
٦ - القرض: تعريفه، مشروعيته، الحكمة منه، أركانه.
٧ - الرهن: تعريفه، حكمه، شروطه، أركانه.
٨ - الضمان: تعريفه، أركانه، حكمه، أنواعه.
٩ - الصلح: تعريفه، حكمه، أقسامه، آثاره.
١٠ - الحجر والتفليس: تعريفه، حكمه، أقسامه.
١١ - الوكالة: تعريفها، حكمها، أركانها، ما تجوز فيه، أنواعها.
١٢ - الشركات: تعريفها، مشروعيتها، أنواعها.
١٣ - الإجارة: تعريفها، أنواعها، مشروعيتها، أركانها.
كما تم بحث أبواب السبق والعارية والغصب والشفعة والوديعة والتأمين وإحياء الموات، والإقطاع، والجعالة واللقطة، والوقف، والهبة والعطية والوصايا ...
ونسأل الله التوفيق والسداد، وأن يكون فيه الفائدة وأن يجعله خالصًا لوجهه تعالى، وصلِّ اللَّهم وسلم على محمَّد وآله وصحبه.
стр. 1182
الفِقهُ الميَسَّر
كتاب البيوع
стр. 1183
كتاب البيوع
تعريفها في اللغة: من حيث التصريف من باعه بيعة ومبيعًا، وهو مبيوع أو مبيع، والبياعة بالكسر: السلعة، وابتعتُه عرضته للبيع، وابتاعه اشتراه (١).
وبناءً على هذا التعريف يكون البيع في اللغة مطلق المبادلة. قال الشيخ محمَّد الصالح العثيمين ﵀: "إذًا البيع في اللغة أعم من البيع شرعًا، فهو أَخْذُ شيء وإعطاء شيء حتى ولو كان على سبيل العارية أو الوديعة، فإذا مددت إليك شيئًا أعيرك إياه فهو بيع في اللغة؛ لأنه مأخوذ من الباع، إذ أن كل واحد من المتعاطيين يمد باعه إلى الآخر" (٢).
تعريف البيع في الاصطلاح: اختلفت أقوال الفقهاء في تعريف البيع شرعًا، والتعريف المختار هو: "مبادلة مال بمال أو منفعة مباحة ولو في الذمة".
شرح التعريف:
قولهم: "مبادلة مال بمال" المراد بالمال هنا كل عين مباحة النفع بلا حاجة كالذهب والفضة والشعير والبر والتمر والملح والسيارات وغيرهما.
وقولهم: "أو منفعة مباحة" أي مبادلة مال بمنفعة مباحة، واشتراط كونها مباحة احترازًا من المنفعة غير المباحة، وقولهم: "ولو في الذمة" لو هنا ليست إشارة خلاف ولكن المعنى أن المال الذي يقع العقد عليه قد يكون حاضرًا وقد يكون في الذمة فالبيع يشمل هذا وهذا.
أركان البيع:
أركان البيع أربعة هي:
стр. 1184
الركن الأول والثاني: العاقدان وهما طرفا العقد اللذان لا يتم انعقاده إلا بهما، ولا بد أن يكون كل من العاقدين بالغًا عاقلًا رشيدًا غير محجور عليه.
الركن الثالث: المعقود عليه (محلّ العقد) وهو المال المبيع.
الركن الرابع: الصيغة.
جاء في المجموع (١): "أركان البيع ثلاثة: العاقدان، والصيغة، والمعقود عليه".
وجاء في كشاف القناع (٢): "البيع ثلاثة أركان: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة".
حكم البيع شرعًا:
البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
دليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤).
ودليل السنة: قوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٥).
والإجماع: قال ابن قدامة ﵀: "وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع وتجويزه وصولُ كلِّ واحد منهما إلى غرضه
стр. 1185
ودفع حاجته" (١)
وأما القياس:
إن في تشريعات الرب من الِحكَمِ والأسرار ما لا يخفى على أحد، وإذا نظرنا إلى البيع والحكم المترتبة على جوازه، نراها كثيرة؛ فمن ذلك أنه شرعهُ توسعة على العباد، وذلك لحاجة الإنسان إلى الغذاء أو الكساء أو غيرها ولا يستطيع الإنسان توفير كل ذلك بمفرده وإنما يتحقق ذلك بالمبادلة والأخذ والعطاء بين الناس فيما يملكون من أموال وأشياء تلبي حاجتهم.
شروط البيع:
اختلفت أراء الفقهاء في تحديد شروط البيع، ونظرًا لذلك فإننا سنوجز أقوالهم فيما يلي:
أولًا: الشروط المعتبرة في المعقود عليه .
ثانيًا: الشروط المعتبرة في المتعاقدين.
أولًا: الشروط المعتبرة في المعقود عليه:
يشترط في المعقود عليه:
١ - كون المعقود عليه موجودًا حين العقد فلا يصح بيع المعدوم وذلك بإتفاق الفقهاء فمثلًا لا يصح بيع الثمرة قبل أن تخلق ولا يصح بيع المضامين (٢) وكذلك بيع الملاقيح (٣)؛ لحديث ابن عباس ﵄: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع
стр. 1186
المضامين والملاقيح وحبل الحبلة" (١) لما في ذلك من الغرر والجهالة، وقد جاء النهي عن بيع الغرر فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة حيث قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر" (٢).
٢ - كون المعقود عليه مالًا ينتفع به:
والمال هنا ما يميل إليه الطبع ويجري فيه البذل والمنع وهو ما يجوز الانتفاع به، فما لا نفع فيه فليس بمال (٣).
مثال: كأن تقول: بعتك هذه الدار بهذه السيارة، أو بعتك هذا القلم بكذا من المال.
فالعبرة بالمالية في نظر الشرع ما يجوز الانتفاع به أما ما لا يجوز الانتفاع به كالميتة والدم المسفوح ونحوه فهذا ليس بمال.
٣ - كون المعقود عليه ملكًا للبائع:
لقوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁: "لا تبع ما ليس عندك" (٤) فلا ينعقد بيع ما ليس مملوكًا لبائعه وقت العقد ملكًا تامًا.
٤ - أن يكون المعقود عليه مقدورًا على تسليمه حال العقد:
فلا يصح بيع الجمل الشارد ولا بيع الطير في الهواء، سواء كان الطير مما
стр. 1187
يألف الرجوع أو لا، ولا السمك في الماء، إلا إذا كان الماء في بركة ماؤها صاف يشاهد فيه السمك وكانت هذه البركة غير متصلة بنهر ويمكن أخذ السمك منها، فإن البيع في هذه الحالة يصح، ودليل هذا الشرط نهي النبي ﷺ عن بيع الغرر (١).
٥ - أن يكون المعقود عليه معلومًا لكل من المتعاقدين وذلك؛ لأن بيع المجهول يفضي إلى المخاصمة والمنازعة، ولأن فيه نوعَ غررٍ، والغرر منهيٌّ عنه فلا يصح شراء ما لم يره أو رآه وجهله (٢).
٦ - زاد المالكية والشافعية شروطًا أخرى في المعقود عليه، منها كونه طاهر العين فلا يصح بيع الخنزير ولا الكلب ولا الخمر ولا جلد الميتة قبل الدبغ.
ومن الشروط عند المالكية والشافعية أن لا يكون المبيع من البيوع المنهي عنها، وسيأتي بيانها إن شاء الله قريبًا.
ومن الشروط كذلك أن لا يكون البيع محرمًا كبيع المسروق والمغصوب أو المكره، على ما سيأتي بيانه -إن شاء الله- (٣).
ثانيًا: الشروط المعتبرة في المتعاقدين:
١ - أن يكونا جائزي التصرف، وذلك بأن يكون كل منهما حرًا مكلفًا رشيدًا فلا يصح بيع ولا شراء الصبي ولا المجنون ولا المملوك بغير إذن الولي أو السيد.
стр. 1188
وخالف بعضَ ما ذكرناه الأحنافُ فقالوا:
لا ينعقد بيع المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن أهلية المتصرف شرط انعقاد التصرف والأهلية لا تثبت بدون عقل فلا يثبت الانعقاد بدونه فأما البلوغ فليس بشرط.
وقالوا كذلك: إن الحرية ليست بشرط لانعقاد البيع ولا لنفاذه (١).
٢ - أن يكونا مختارين للعقد وذلك؛ لأن التراضي شرط في صحة العقد فلا يصح بيع المكره منهما إذا كان مكرهًا بغير حق؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢).
ولقوله ﷺ : "إنما البيع عن التراضي" (٣).
أما إن كان الإكراه بحقٍّ كما لو أكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه، فإن هذا إكراه بحق ويصح بيعه هنا (٤).
الشروط في البيع:
قد يحتاج المتعاقدان أو المتبايعان كلاهما أو أحدهما إلى شرط أو أكثر في البيع، فأباح الشارع لهما أن يشترطا بعض الشروط في البيع، وَعَرَّفَ الفقهاء الشروط في البيع بأنها إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة.
أنواع الشروط في البيع: للشروط في البيع ضربان:
стр. 1189
الأول: صحيح: وهي ما يوافق مقتضى العقد وهذا القسم يلزم العمل بمقتضاه؛ لقوله ﷺ : "المسلمون عندَ شروطِهم" (١).
ولأن الأصل في الشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع ونهى عنه، وهذا الضرب ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شرط مقتضى البيع، كاشتراط التقابض وحلول الثمن.
القسم الثاني: شرط من مصلحة العقد بحيث يتقوى به العقد وتعود مصلحته على المشترط، كاشتراط صفة في الثمن كتأجيله أو بعضه إلى مدة معلومة، أو اشتراط صفة في المبيع مثل كونه من النوع الجيد أو من صناعة كذا، أو إنتاج كذا؛ لأن الرغبات تختلف باختلاف ذلك.
فإن أتى البائع بهذه الشروط التي اتفق عليها في البيع، لزم البيع. وإن اختلف عنه فللمشترى الفسخ أو الإمساك مع تعويضه عن فقد الشرط، ويتم ذلك بأن يقوم المبيع مع تقدير وجود الصفة المشترطة ثم يقوَّم مع فقدها ويدفع له الفرق بين القيمتين.
الشرط الجزائي: ومما يدخل ضمن هذا القسم الشرط الجزائيّ، وهو اتفاق بين المتعاقدين على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن من المدين إذا لم ينفذ ما التزم به أو تأخر في تنفيذه، وهو شرط صحيح معتبر وهو من مصلحة العقد؛ فهو دافع لإنجاز ما تم التعاقد عليه في وقته، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن سيرين أن شريحًا قال: "من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه" (٢).
стр. 1190
القسم الثالث: من الشروط الصحيحة في البيع: أن يشترط أحد المتعاقدين نفعًا معلومًا في المبيع، كأن يشترط البائع سكن الدار المبيعة مدة معينة أو أن يحمل على الدابة أو السيارة المبيعة إلى موضع معين، دليل ذلك ما رواه جابر ﵁ "أن النبيَّ ﷺ باعَ جملًا واشترط ظهَره إلى المدينةِ" (١).
وكذا لو اشترط المشتري على البائع بذل عمل في البيع، كأن يشترى ثوبًا ويشترط عليه خياطته.
الضرب الثاني: الفاسد: وهو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يشترط أحدهما على صاحبه عقدًا آخر، كأن يقول: بعتك هذه السلعة على أن تؤجرني دارك أو أن تشركني معك في العمل أو على أن تقرضني مبلغ كذا، فهذا شرط فاسد يبطل العقد من أصله؛ لنهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة.
قال أحمد ﵀ عن هذا القسم من البيع الفاسد: هذا بيعتان في بيعة.
ويرى بعض المالكية جواز اشتراط بعض العقود مع البيع، وهي الجعالة والصرف والمساقاة والشركة والنكاح والقراض والإجارة (٢).
القسم الثاني: شرط ما ينافي مقتضى البيع، نحو أن يشترط عليه أن لا يبيع ما اشتراه ولا يهبه أو أن يشترط المشتري على البائع إن خسر في السلعة ردها عليه، فهذا شرط فاسد يفسد في نفسه ولا يبطل البيع به؛ لقوله ﷺ : "من اشترط شرطًا ليس في كتابِ اللهِ فهو باطلٌ، وإن كان مئةَ شرطٍ" (٣).
стр. 1191
القسم الثالث: أن يشترط شرطًا يعلق البيع به كقوله إن جئتني بكذا أو إن رضي فلان بعتك، فهذا مختلف فيه: فالمذهب الحنبلي أنهما لا يصحان؛ لأن مقتضى البيع نقل الملكية حال البيع، والشرط هنا يمنعه. وروى صحتها واختارها شيخ الإِسلام في كل العقود التي لم تخالف الشرع (١).
الإشهاد في البيع:
يستحب الإشهاد في البيع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢).
ولأنه أقطع للنزاع وأبعد عن التجاحد فكان أولى، ويختص ذلك بما له أهمية فأما الأشياء القليلة فلا يستحب ذلك فيها وهذا هو قول الشافعي والحنفية وإسحاق وأيوب.
وقال طائفة بأن الإشهاد فرض لا يجوز تركه وهو مروي عن ابن عباس وهو قول عطاء وجابر وغيرهم (٣).
الركن الرابع: الصيغة التي ينعقد بها البيع
ينعقد البيع بصيغتين: صيغة قولية، وصيغة فعلية.
فالصيغة القولية: هي الإيجاب والقبول.
فالإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه.
والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه، وصفة هذه
стр. 1192
الصيغة أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذا الشيء بكذا، ويقول المشتري: قبلت. ولا يشترط للبيع القولي صيغة معينة بل يقول مثلًا: بعتك هذا الشيء أو أعطيتك أو مَلَّكْتُكَ. فليس هناك لفظ معين للبيع بل ينعقد بكل لفظ دل عليه (١).
أما الصيغة الفعلية في البيع التي يعبر عنها الفقهاء بالمعاطاة، أي: يعطي البائعُ المشتريَ السلعةَ بدون قول يصدر منهما. وهذه الصيغة في البيع نص الفقهاء على جوازها، وهذا يدل على أن كل ما دل على العقد؛ فهو عقد وذلك لعدم التعبد بذلك، فالمعاملات ليست عبادات يتقيد الإنسان فيها بما ورد بل هي معاملات بين الناس (٢).
هنالك أساليب للبيع يتعرض لها الإنسان كثيرًا نظرًا للحاجة أو الضرورة وهي:
أولًا: البيع بالكتابة والمراسلة:
يصح التعاقد بالكتابة بين حاضرين أو باللفظ من حاضر والكتابة من الآخر، وكذلك ينعقد البيع إذا أوجب العاقد البيع بالكتابة إلى غائب بمثل عبارة: بعتك داري بكذا أو أَرْسَلَ بذلك رسولًا فقبل المشتري بعد اطِّلاعِه على الإيجاب من الكاتب أو الرسول (٣).
стр. 1193
ثانيًا: البيع بالإشارة:
ينعقد البيع بالإشارة من الأخرس إذا كانت معروفة ولو كان قادرًا على الكتابة. وهو المعتمد عند الحنفية؛ لأن كلًّا من الإشارة والكتابة حجة، أما الإشارة غير المفهومة فلا عبرة بها، وأما الناطق فلا تقبل إشارته عند الجمهور، وخالف المالكية فقالوا بانعقاد البيع بالإشارة المفهومة مع القدرة على النطق (١).
أقسام البيوع:
أولًا: أقسامها باعتبار المبيع:
ينقسم المبيع باعتبار المبادلة فيه إلى أربعة أنواع:
١ - البيع المطلق:
وهو الذي لا يُحْتَاجُ فيه إلى تقييد، وعرفه الفقهاء بأنه: مبادلة العين بالدين. وهو أشهر أنواع البيوع فهو يتيح للإنسان المبادلة بنقوده على كل ما يحتاج إليه من الأعيان، وإليه ينصرف البيع عند الإطلاق (٢).
٢ - بيع السَّلَمِ: وسيأتي الكلام فيه.
٣ - الربا والصرف: وسيأتي الكلام فيه.
٤ - بيع المقايضة:
تعريفه: هو مبادلة عين بعين أو هي بيع السلعة بالسلعة، أي: مبادلة مال بمال غير النقدين (٣).
стр. 1194
شروط المقايضة:
المقايضة بيع من أنواع البيوع؛ فيشترط له ما يشترط في البيع، لكنْ هناك شروط خاصة ببيع المقايضة ومن هذه الشروط:
الشرط الأول: أن لا يكون البدلان فيهما نقدًا، فإن كانا نقدين كان البيع صرفًا وإن كان أحدهما نقدًا فالبيع مطلق أو سلم (١).
الشرط الثاني: أن يكون كل من البدلين في المقايضة عينًا معينة؛ لأن بيع شيء غير معين بآخر معين ليس مقايضة بل هو من البيع المطلق أي بيع العين، ولأن المبيع إذا كان دينًا والثمن سلعة، فهو من باب السلم (٢).
الشرط الثالث: التقابض في المقايضة، فلا يؤمر أحد العاقدين بالتسليم قبل صاحبه؛ لأن كُلًّا من السلعتين متعين.
الشرط الرابع: أن تكون المقايضة فيما لا يجري فيه ربا الفضل (٣).
أقسام البيع باعتبار تحديد الثمن:
أولًا: بيع المساومة:
تعريفه: هو مجاذبة بين البدع والمشتري على سلعة ما وفصل ثمنها، وهذا النوع من البيوع لا يُظْهِرُ فيه البائع رأس ماله، فيأتي المشتري للبائع فيقول له: بكم هذه السلعة فيقول له: اشتر، ولا يظهر له ثمن السلعة فيساومه المشتري عليها.
وهذا النوع من البيوع جائز بشرط أن تتوفر فيه الشروط المعتبرة في البيع
стр. 1195
وأن لا يدخل فيه نوع من البيوع المنهي عنها كما سيأتي بيانه -إن شاء الله-.
ثانيًا: بيع المزايدة:
ويسمى أيضًا بيع الدلالة أو بيع المناداة.
تعريفه في اللغة: التنافس في زيادة ثمن السلعة المعروضة للبيع.
أما في الاصطلاح: فهو أن يعرض البائع سلعته في السوق ويزايد المشترون فيها فتباع لمن يدفع الثمن الأكثر (١).
حكمه الشرعي:
ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة بيع المزايدة، ولم يخالف في ذلك إلا النخعي فقال بكراهيته مطلقًا، وذهب الحسن البصري وابن سيرين والأوزاعي وغيرهم إلى كراهيته فيما عدا بيع الغنائم والمواريث.
والصحيح عندنا هو قول جمهور الفقهاء، وهو القول بإباحته، فعن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من يزيد وكذلك تباع الأخماس، وقال ابن العربي في رده على من خصه بالغنائم والمواريث: "لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والمواريث؛ فإن الباب واحد والمعنى مشترك" (٢).
وباستحبابه في بيع مال المفلس؛ لما فيه من توقع زيادة الثمن وتطييب نفوس الغرماء -قال به الحنابلة- (٣).
ولا شك أن هذا هو الصواب الذي تقتضيه محاسن الشريعة.