القسم الثالث: أن يشترط شرطًا يعلق البيع به كقوله إن جئتني بكذا أو إن رضي فلان بعتك، فهذا مختلف فيه: فالمذهب الحنبلي أنهما لا يصحان؛ لأن مقتضى البيع نقل الملكية حال البيع، والشرط هنا يمنعه. وروى صحتها واختارها شيخ الإِسلام في كل العقود التي لم تخالف الشرع (١).
الإشهاد في البيع:
يستحب الإشهاد في البيع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢).
ولأنه أقطع للنزاع وأبعد عن التجاحد فكان أولى، ويختص ذلك بما له أهمية فأما الأشياء القليلة فلا يستحب ذلك فيها وهذا هو قول الشافعي والحنفية وإسحاق وأيوب.
وقال طائفة بأن الإشهاد فرض لا يجوز تركه وهو مروي عن ابن عباس وهو قول عطاء وجابر وغيرهم (٣).
الركن الرابع: الصيغة التي ينعقد بها البيع
ينعقد البيع بصيغتين: صيغة قولية، وصيغة فعلية.
فالصيغة القولية: هي الإيجاب والقبول.
فالإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه.
والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه، وصفة هذه
стр. 1192
الصيغة أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذا الشيء بكذا، ويقول المشتري: قبلت. ولا يشترط للبيع القولي صيغة معينة بل يقول مثلًا: بعتك هذا الشيء أو أعطيتك أو مَلَّكْتُكَ. فليس هناك لفظ معين للبيع بل ينعقد بكل لفظ دل عليه (١).
أما الصيغة الفعلية في البيع التي يعبر عنها الفقهاء بالمعاطاة، أي: يعطي البائعُ المشتريَ السلعةَ بدون قول يصدر منهما. وهذه الصيغة في البيع نص الفقهاء على جوازها، وهذا يدل على أن كل ما دل على العقد؛ فهو عقد وذلك لعدم التعبد بذلك، فالمعاملات ليست عبادات يتقيد الإنسان فيها بما ورد بل هي معاملات بين الناس (٢).
هنالك أساليب للبيع يتعرض لها الإنسان كثيرًا نظرًا للحاجة أو الضرورة وهي:
أولًا: البيع بالكتابة والمراسلة:
يصح التعاقد بالكتابة بين حاضرين أو باللفظ من حاضر والكتابة من الآخر، وكذلك ينعقد البيع إذا أوجب العاقد البيع بالكتابة إلى غائب بمثل عبارة: بعتك داري بكذا أو أَرْسَلَ بذلك رسولًا فقبل المشتري بعد اطِّلاعِه على الإيجاب من الكاتب أو الرسول (٣).
стр. 1193
ثانيًا: البيع بالإشارة:
ينعقد البيع بالإشارة من الأخرس إذا كانت معروفة ولو كان قادرًا على الكتابة. وهو المعتمد عند الحنفية؛ لأن كلًّا من الإشارة والكتابة حجة، أما الإشارة غير المفهومة فلا عبرة بها، وأما الناطق فلا تقبل إشارته عند الجمهور، وخالف المالكية فقالوا بانعقاد البيع بالإشارة المفهومة مع القدرة على النطق (١).
أقسام البيوع:
أولًا: أقسامها باعتبار المبيع:
ينقسم المبيع باعتبار المبادلة فيه إلى أربعة أنواع:
١ - البيع المطلق:
وهو الذي لا يُحْتَاجُ فيه إلى تقييد، وعرفه الفقهاء بأنه: مبادلة العين بالدين. وهو أشهر أنواع البيوع فهو يتيح للإنسان المبادلة بنقوده على كل ما يحتاج إليه من الأعيان، وإليه ينصرف البيع عند الإطلاق (٢).
٢ - بيع السَّلَمِ: وسيأتي الكلام فيه.
٣ - الربا والصرف: وسيأتي الكلام فيه.
٤ - بيع المقايضة:
تعريفه: هو مبادلة عين بعين أو هي بيع السلعة بالسلعة، أي: مبادلة مال بمال غير النقدين (٣).
стр. 1194
شروط المقايضة:
المقايضة بيع من أنواع البيوع؛ فيشترط له ما يشترط في البيع، لكنْ هناك شروط خاصة ببيع المقايضة ومن هذه الشروط:
الشرط الأول: أن لا يكون البدلان فيهما نقدًا، فإن كانا نقدين كان البيع صرفًا وإن كان أحدهما نقدًا فالبيع مطلق أو سلم (١).
الشرط الثاني: أن يكون كل من البدلين في المقايضة عينًا معينة؛ لأن بيع شيء غير معين بآخر معين ليس مقايضة بل هو من البيع المطلق أي بيع العين، ولأن المبيع إذا كان دينًا والثمن سلعة، فهو من باب السلم (٢).
الشرط الثالث: التقابض في المقايضة، فلا يؤمر أحد العاقدين بالتسليم قبل صاحبه؛ لأن كُلًّا من السلعتين متعين.
الشرط الرابع: أن تكون المقايضة فيما لا يجري فيه ربا الفضل (٣).
أقسام البيع باعتبار تحديد الثمن:
أولًا: بيع المساومة:
تعريفه: هو مجاذبة بين البدع والمشتري على سلعة ما وفصل ثمنها، وهذا النوع من البيوع لا يُظْهِرُ فيه البائع رأس ماله، فيأتي المشتري للبائع فيقول له: بكم هذه السلعة فيقول له: اشتر، ولا يظهر له ثمن السلعة فيساومه المشتري عليها.
وهذا النوع من البيوع جائز بشرط أن تتوفر فيه الشروط المعتبرة في البيع
стр. 1195
وأن لا يدخل فيه نوع من البيوع المنهي عنها كما سيأتي بيانه -إن شاء الله-.
ثانيًا: بيع المزايدة:
ويسمى أيضًا بيع الدلالة أو بيع المناداة.
تعريفه في اللغة: التنافس في زيادة ثمن السلعة المعروضة للبيع.
أما في الاصطلاح: فهو أن يعرض البائع سلعته في السوق ويزايد المشترون فيها فتباع لمن يدفع الثمن الأكثر (١).
حكمه الشرعي:
ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة بيع المزايدة، ولم يخالف في ذلك إلا النخعي فقال بكراهيته مطلقًا، وذهب الحسن البصري وابن سيرين والأوزاعي وغيرهم إلى كراهيته فيما عدا بيع الغنائم والمواريث.
والصحيح عندنا هو قول جمهور الفقهاء، وهو القول بإباحته، فعن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من يزيد وكذلك تباع الأخماس، وقال ابن العربي في رده على من خصه بالغنائم والمواريث: "لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والمواريث؛ فإن الباب واحد والمعنى مشترك" (٢).
وباستحبابه في بيع مال المفلس؛ لما فيه من توقع زيادة الثمن وتطييب نفوس الغرماء -قال به الحنابلة- (٣).
ولا شك أن هذا هو الصواب الذي تقتضيه محاسن الشريعة.
стр. 1196
أثر الخيار في بيع المزايدة:
١ - خيار الرجوع:
خيار الرجوع عن المزايدة: إذا وقع الرجوع قبل زيادة آخر على ما دفعه فهنا لا يختلف بيع المزايدة عن غيره في مسألة الرجوع عن الإيجاب من حيث إن للموجب حقَّ الرجوع قبل أن يقع القبول.
٢ - خيار المجلس:
قال الخطاب: "جرت العادة بحكم أن من رجع بعد الزيادة لا يلزمه شيء ما دام في المجلس".
٣ - خيار العيب:
ذهب الفقهاء إلى أن خيار العيب يثبت بحكم الشرع ولو لم يشترطه المشتري؛ لأن الأصلَ في البيع السلامةُ، وبيع المزايدة كغيره من البيوع التي يثبت فيها خيار العيب (١).
الغبن في المزايدة:
لا حق لمُدَّعِي الغبن في الرجوع على البائع ولو كان الغبن خارجًا عن المعتاد، إلا إذا توفرت ثلاثة شروط:
أ- أن يكون المغبون جاهلًا بثمن المثل في السوق لما باعه أو اشتراه.
ب- أن يدعي قبل مضي سنة من يوم العقد.
стр. 1197
ج- أن يكون الغبن فاحشًا بحيث يزيد على ثمن المثل قدر الثلث فأكثر (١).
ثالثًا: بيع الأمانة:
وهذا النوع من البيوع يحدد فيها الثمن بمثل رأس المال وسميت بذلك؛ لأن البائع يؤتمن فيها في إخباره برأس المال.
وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: بيع مرابحة: وهو أن يحدد فيها رأس مال السلعة ثم يزيد عليه فيقول البائع للمشترى: هذه علىَّ بكذا وسأبيعها بكذا. بزيادة على رأس مالها.
النوع الثاني: بيع التولية: وهي أن يحدد فيها أن السلعة برأس مالها ثم يبيعها بنفس رأس المال بلا زيادة ولا خسران.
النوع الثالث: بيع الوضيعة أو الخسارة أو النقيصة أو المحاطة: وهي التي يحدد فيها رأس مال السلعة ثم يبيعها بثمن أقل.
رابعًا: البيع بالرقم:
وهو أن يبيع السلعة بالثمن المكتوب عليها. وهو جائز؛ لأن الثمن معلوم لكل من المشترى والبائع حال البيع (٢).
خامسًا: الإشراك في المبيع:
وهو أن يشتري شيئًا ثم يشرك فيه غيره ليصير بعضه له بقسطه من الثمن فإن صرح بنصيبه وقبله فجائز، وإن لم يصرح فيحمل على المناصفة وقسطها من الثمن (٣).
стр. 1198
البيوع المنهي عنها:
جاءت شريعة الإِسلام بإباحة البيع وجعلت الأصل فيه الإباحة والصحة حتى يأتي دليل يدل على الحظر والفساد، وقد تأتي نصوص الكتاب والسنة صراحة في تحريم نوعٍ ما من البيوع كما سيأتي بيانه وقد يشتمل البيع على بعض الأمور التي تدل على حرمته أو كراهته مع عدم حصر مسمى هذا النوع من البيوع في الشريعة. ونظرًا لأهمية هذا الموضوع وكثرة الوقوع فيه من قِبَلِ أهل التجارة ونحوهم ممّن يتعاملون بالبيع والشراء، ذكرنا بعضًا منها وهي:
أولًا: البيع المشتمل على أي نوع من أنواع الربا:
وسيأتي الكلام عنه في باب مستقل.
ثانيًا: بيع العينة:
في اللغة -بكسر العين-: السلف، يقال: اعتان الرجل إذا اشترى الشيء بالشيء نسيئة أو اشترى بنسيئة، وقيل لهذا البيع عينة؛ لأن مشتريَ السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينًا. أي: نقدًا حاضرا (١).
في الاصطلاح: هو بيع العين بثمن زائد نسيئة ليبيعها المستقرض بثمن حاضر أقل ليقضي دينه (٢).
وصورة بيع العينة:
هو أن يبيع البائع سلعة بثمن إلى أجل معلوم ثم يشتري السلعة بعينها من نفس المشتري نقدًا بثمن أقل، وفي نهاية الأجل يقوم المشتري بدفع الثمن الأول.
стр. 1199
والربا يظهر هنا في الفرق بين الثمنين، وهو ربا الفضل، فالبيع هنا وسيلة إلى الربا، قال سماحة الشيخ العلامة ابن باز ﵀ في تعريفه للعينة: "وصورة ذلك أن يشتري شخص سلعة من آخر بثمن في الذمة ثم يبيعها عليه بثمن أقل ينقده إياه، فهذا ممنوع شرعًا؛ لما فيه من الحيلة على الربا، وتسمى المسألة مسألة العينة، وقد ورد فيها حديث عائشة وابن عمر ﵃ مما يدل على منعها" (١).
وقد صدرت بذلك فتوى اللجنة الدائمة في السعودية رقم (٤١٠٤)، ورقم (٩٣٩٧).
التورق:
مما يبحث ضمن هذا النوع موضوع التورق.
والتورق: مصدر تورَّق، والورِق -بكسر الر اء: الدراهم المضروبة من الفضة (٢).
وهو في الاصطلاح: أن يشتري سلعة بنسيئة ثم يبيعها نقدًا لغير البائع بأقل مما اشتراها به؛ ليحصل بذلك على النقد.
ولم ترد التسمية بهذا المصطلح إلا عند فقهاء الحنابلة، أما غيرهم فقد تكلموا عنها في مسائل بيع العينة.
حكم التورق: يرى جمهور الفقهاء جوازه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣)، ولقوله ﷺ لعامله على خيبر: "بعِ الجمعَ بالدراهمِ ثم ابتعْ بالدراهمِ جنيبًا" (٤)، ولأنه لم يظهر فيه قصد الربا ولا صورته جاء في كشاف القناع "ولو احتاج إنسان
стр. 1200
إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائة وخمسين، فلا بأس بذلك. نص عليه" (١).
ويرى عمر بن عبد العزيز ومحمَّد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة كراهتَه، وقال ابن الهمام: "هو خلاف الأولى" (٢).
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية عن ذلك فأجابت ردًا على السؤال بالفتوى رقم ٤٢١ في ٢٥/ ٣ / ١٣٩٢ هـ: "بيع المال إلى أجل بثمن أكثر منه حالًا يعرف عند أهل العلم بمسألة التورق، والمقدم عند الحنابلة أنها جائزة". وإلى جوازه ذهب مجمع الفقه الإِسلامي بمكة المكرمة في دورته الخامسة عشرة لعام ١٤١٩ هـ.
ثالثًا: بيع الغرر:
تعريفه: الغرر: هو ما لا تعلم عاقبته من الخطر مما طوي عنك علمه وخفي عليك أمره.
حكمه: ثبت في صحيح مسلم نهيه ﷺ عن بيع الغرر، وهو أصل كبير وقاعدة كلية في عقود المعاوضات في البيع والإجارة ونحوها، والغرر يتفاوت تفاوتًا كثيرًا فكلما كان أعظم جهلًا كان أعظم تحريمًا وأشد تأثيمًا، فكل جهالة بينة وخطر ظاهر في جميع عقود المعاوضات والشركات، فإنه داخل في هذا الحديث العظيم (٣).
والغرر ثلالة أنواع:
١ - بيع المعدوم، كحبل الحبلة.
٢ - بيع المعجوز عن تسليمه، كالجمل الشارد.
стр. 1201
٣ - بيع المجهول المطلق أو المجهول الجنس أو المجهول القدر.
ومن صوره بيع الملاقيح وبيع المضامين وبيع الثمار قبل بدو صلاحها وبيع الملامسة والمنابذة وبيع الحصاة. ومع أن تلك الأنواع من البيوع تدخل في النهي عن بيع الغرر فقد أفردت بالذكر في بعض النصوص؛ لكونها من أنواع البيوع المشهورة في الجاهلية (١).
قال النووي: "النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع المعدوم والآبق والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لا يتم ملك البائع عليه وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع وبيع الحمل في البطن وبيع ثوب من الأثواب وشاة من الشياه ونظائر ذلك، وكل ذلك باطل؛ لأنه غرر كبير من غير حاجة" (٢).
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "وأما الغرر فالأصل في ذلك أن الله حرم في كتابه أكلَ أموال الناس بالباطل، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل، والنبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، والغرر: هو المجهول العاقبة" (٣).
رابعًا: بيع المزابنة:
تعريفه لغة:
المزابنة: مأخوذة من الزبن وهو في اللغة الدفع لأنها تؤدي إلى النزاع والمدافعة بسبب الغبن (٤).
стр. 1202
تعريفه اصطلاحًا: هو بيع التمر على النخل بتمر مجذوذ.
وصفته: بأن يقدر الرطب الذي على النخيل بمقدار مائة صاع مثلًا بطريق الظن فيبيع بقدره من التمر.
حكمه: اتفق الفقهاء على فساده وعدم صحته؛ لما يأتي:
أولًا: ما جاء من النهي عنه، فقد روى البخاري من حديث جابر ﵁: "أن النبيَّ ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة" (١).
والمحاقلة: بيع الزرع في سنبله بالبر (٢).
ثانيًا: الشبهة بحصول الربا فيه وذلك؛ لأنه بيعُ مكيلٍ بمكيلٍ من جنسه مع احتمال عدم المساواة بينهما بالكيل (٣).
ثالثًا: حصول الغرر به (٤)، وكل ما حصل به غرر فهو غير صحيح؛ فلا يجوز بيع الآبق ولا الشارد ولا الطير في الهواء؛ لأنه بيع غرر؛ لما روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أنه نهى عن بيعِ الغررِ" (٥).
ويستثنى من المزابنة بيع العرايا: جمع عَرِيَّة؛ وهي النخلة يعريها صاحبُها رجلًا محتاجًا فيجعل له تمرها عامها والجمع العرايا (٦)، سميت بذلك؛ لأنها عَريَتْ من البيع المحرم، أي: خرجت عنه.
стр. 1203
وصورتها: أن يباع الرطب في رؤوس النخل بقدر ما يؤول إليه تمرًا يابسًا، وهي جائزة عند الجمهور للحاجة، على أن يحصل التقابض بمجلس العقد وأن تكون فيما دون خمسة أَوْسُقٍ؛ لحديث أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق" متفق عليه (١).
خامسًا: بيع العربون:
في اللغة: بفتحتين والعربون على وزن عصفور لغة فيه، والعربان لغة ثالثة، وفسروه لغة بما عقد به البيع (٢).
في الاصطلاح: هو أن يشتري المشتري السلعة ويقوم بدفع بعض قيمتها إلى البائع، على أنه إذا أخذ السلعة احتسبها من الثمن وإن لم يأخذها فهو للبائع (٣).
وقد اختلف الفقهاء في حكمه: فالجمهور (٤) يرون أنه لا يصح؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى النبي ﷺ عن بيع العربان (٥).
وقالوا بأنه يحرم؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل وفيه غرر ولاشتماله على شرطين مفسدين: شرط الهبة للعربون، وشرط رد البيع بتقدير أنه لا يرضى، وهناك أمور أخرى احتج بها الجمهور على عدم صحة هذا البيع.
وذهب الحنابلة (٦) إلى جواز هذا النوع من البيوع وهو الصحيح عندنا؛ وذلك
стр. 1204
لما روي عن نافع بن الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية، فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا. قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: أيَّ شيء أقول؟ هذا عمر ﵁، وحديث عمرو بن شعيب حديث ضعيف.
وبجوازه قال شيخنا عبد العزيز بن باز حيث قال ﵀: "لا حرج في أخذ العربون في أصح قولي العلماء إذا اتفق البائع والمشترى على ذلك ولو لم يتم البيع" (١). وبه صدرت الفتوى من اللجنة الدائمة في السعودية برقم (١٩٦٣٧)، وقد أجازه مجمع الفقه الإِسلامي بجدة في قراره رقم (٧٢/ ٣ / ٨) بشرط تحديد فترة زمن الانتظار، وألحقوا به الإجارة؛ لإنها بيع المنافع.
لكن إذا رد البائع النقود للمشتري عند عدم إتمام البيع فهو أفضل وأعظم أجرًا عند الله تعالى؛ لقوله ﷺ : "من أقالَ مسلمًا بيعتَه أقالَ اللهُ عَثْرَتَه" (٢).
سادسًا: النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان:
تعريفه: جاء في تعريفه عند الإِمام أحمد عن عثمان ﵁ قال: كنت ابتاع التمر من بطن من اليهود يقال لهم: بنو قينقاع وأبيعه بربح فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "يا عثمانُ، إذا اشتريتَ فاكتلْ، وإذا بعتَ فكُلْ" (٣).
فهذا الحديث وما جاء في معناه يدل على أن من اشترى شيئًا مكايلة وقبضه ثم باعه إلى غيره، لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيًا،
стр. 1205
وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة (١).
سابعًا: بيع الشيء قبل قبضه:
القبض في اللغة: هو تناول الشيء بجميع الكف، يقال قَبَضْتُ دار فلان. أي: حزتُها، ويقال: هذا الشيء في قبضة فلان أي: في ملكه وتصرفه.
وقبض الشيء في الاصطلاح: حيازة الشيء والتمكن منه.
حكم بيع الشيء قبل قبضه: اختلف الفقهاء في ذلك:
١ - فذهب الشافعية، وهو قول أبي يوسف ومحمَّد من الحنفية ورواية في مذهب أحمد، إلى أنه لا يصح بيع المبيع قبل قبضه سواء أكان منقولًا أم عقارًا (٢).
وذلك؛ لحديث حكيم بن حِزامٍ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعًا فما يحل لي وما يحرمُ عليَّ؟ قال: "إذا اشتريتَ بيعًا فلا تَبِعْهُ حتى تقبضَه" (٣).
٢ - وذهب المالكية -وهو رواية عند الحنابلة- إلى أن المحرم المفسد للبيع هو بيع الطعام دون غيره من الأشياء قبل قبضه، أما غير الطعام فيجوز بيعه قبل قبضه، وذلك لحديث ابن عباس: "من ابتاعَ طعامًا فلا يَبِعْهُ حتى يقبضَه" (٤).
قال في المغني: "وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين، ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان ﵁ وسعيد بن المسيب والحَكَمِ والأوزاعيِّ وإسحاقَ".
стр. 1206
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن قوله: "نهى عن ربح ما لم يضمن" قال: هذا في الطعام وما أشبه من مأكول ومشروب فلا يبيعه حتى يقبضه.
وقال ابن عبد البر: الأصح أن الذي يمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام؛ وذلك لأن النبي ﷺ "نهى عن بيعِ الطعامِ قبلَ قبضِه" فمفهومه إباحة ما سواه قبل قبضه.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المشتري طعامًا فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه (١).
وأما الأحاديث التي استدل بها المانعون من بيع كل شيء قبل قبضه، فإنه لم يصح منها إلا حديث الطعام وهو ما يحتج به المجيزون في بيع غير الطعام قبل قبضه، فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه يدل على إباحة ما سواه، وردوا قولهم بأنه لم يتم الملك على المبيع بأن ذلك ممنوع، لأن السبب المقتضيَ
للملك متحقق، واليد ليست شرطًا في صحة البيع بدليل جواز بيع المال المودع والمورث والتصرف في الصداق (٢). وهذا هو الراجح. والله أعلم.
القبض الحكمي: وهو التخلية بين المبيع والمشتري ليتصرف فيه.
ويقوم القبض الحكمي مقام القبض الحقيقي في أحوال كثيرة وإن لم يكن متحققًا حسًا في الواقع؛ وذلك لأسباب تقتضي اعتباره تقديرًا وحكمًا، جاء في المغني لابن قدامة: "وقبض كل شيء بِحَسْبِه ... "، وقال أبو حنيفة: "التخلية في ذلك قبض"، وجاء فيه: "ولأن القبض مطلق في الشرعِ فيجب الرجوع فيه إلى العرف، كالإحراز، والتفرق"، وجاء في المهذب (١/ ٢٧٠): "لأن الشارعَ أطلق
стр. 1207
القبض وأناط به أحكامًا، ولم يبينه، ولا حدَّ له في اللغة، فرجع فيه إلى العرف"، وجاء في فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية: وما لم يكن له حَدٌّ في اللغة ولا في الشرع، فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله ﷺ : "مَنِ ابتاعَ طعامًا فلا يَبِعْهُ حتى يقبضَه" (١).
ثامنًا: بيع الحاضر لبادٍ:
صفته: هو أن يخرج الحضري (٢) إلى البادي (٣) -وقد جلب السلعة- فيعرفه السلعة ويقول: أنا أبيع لك فنهى النبي ﷺ عن ذلك فقال: "دَعُوا الناسَ يَرْزُق اللهُ بعضهم بعضًا" (٤).
وظاهر التحريم يكون بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون الحاضر قصد البادي ليتولى البيع له.
الثاني: أن يكون البادي جاهلًا بالسعر.
الثالث: أن يكون قد جلب السلع للبيع (٥).
والعلة في النهي عنها هي أنه متى تُرك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد، ضاق على أهل البلد وقد أشار النبي ﷺ (في الحديث) إلى هذا المعنى (٦).
стр. 1208
تاسعًا: النهي عن تلقي الركبان:
وصفته: هو أن يجيء البائع إلى السوق فيقابله المشتري قبل أن يصل إلى السوق فيشتري منه السلعة وهو لا يدري كم قيمة هذه السلعة، فجاءت الشريعة بالنهي عن ذلك؛ لما فيه من الخديعة والضرر بالبائع وبأهل البلد، وقد قال ﷺ فيما رواه البخاري: "الخديعةُ في النارِ" (١).
فإن تلقوا واشترى منهم فهم بالخيار إذا دخلوا السوق وعرفوا أنهم غبنوا، إن أحبوا أن يفسخوا البيع فسخوا، وذلك لما جاء في حديث ابن عباس من النهي عن تلقي الركبان (٢).
عاشرًا: بيع البعض على بيع بعض:
هو أن يتبايع الرجلان فيجئ آخر إلى المشتري فيقول: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون هذا الثمن أو أبيعك خيرًا منها بثمنها أو دونه أو عرض عليه سلعة رغب فيها المشتري ففسخ البيع واشترى هذه، فهذا غير جائز، لنهى النبي ﷺ ولما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه.
وكذلك إن اشترى على شراء أخيه؛ وهو أن يجيء إلى البائع قبل لزوم العقد فيدفع في البيع أكثر من الثمن الذي اشترى به فهو محرم أيضًا؛ لأن الشراء يسمى بيعًا فيدخل في النهى، فإن خالف وعقد فالبيع باطل؛ لأنه نهى عنه والنهي يقتضي الفساد. قال ﷺ : "لا يَبعْ بعضُكم على بيعِ بعضٍ" (٣).
وقوله أيضًا: "لا يَسُمِ الرجلُ على سومِ أخيه" (٤).
стр. 1209
الحادي عشر: النجش:
في اللغة بفتح السين: اسم مصدر وأصل النجش الاستتار؛ لأن الناجش يستر قصده، ومنه يقال للصايد ناجش؛ لاستتاره (١).
في الاصطلاح: هو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليقتدي به المستام فيظن أنه لم يزد فيها هذا الثمن إلا وهي تساويه فيغتر بذلك، فهذا حرام وخداع (٢)، قال البخاري -نقلًا عن ابن أبي أوفى-: "الناجشُ آكِلُ ربًا خائنٌ" وهو خداع باطل لا يحل، وروى ابن عمر "أن النبيَّ ﷺ نهى عنِ النجشِ، ولأن فيه تغريرًا بالمشتري وخديعة له" (٣).
لكن هل يصح بيع النجش ؟
الصحيح -وهو مذهب جمهور الفقهاء-: أن البيع صحيح؛ لأن النجش فعل الناجش لا العاقد؛ فلم يؤثر في البيع كتلقي الركبان، وبيع المعيب مع صحته يثبت الإثم على الناجش (٤).
الثاني عشر: تفريق الصفقة:
الصفقة: هي المرة من الصفق؛ وهو في اللغة الضرب الذي يسمع له صوت، فقد كان أحدهم إذا أوجب البيع صفق بيده على يد المشتري، وتطلق الصفقة في الاصطلاح على البيعة وعلى غيرها من العقود، ويراد بالصفقتين في صفقة جمع صفقتين في عقد واحد كأن يبيع بيته من فلان ويشتري منه سيارته على
стр. 1210
أنه إذا وجبت هذه وجبت الصفقة الأخرى (١).
وفي الاصطلاح الفقهي:
اختلف الفقهاء في المراد بالصفقتين في صفقة: فذهب بعضهم -ومنهم الشوكاني وابن القيم- إلى أنهما مترادفتان، وذهب الحنفية إلى أن الصفقتين في صفقة أعم فتشمل اجتماع السلف مع البيع والإجارة مع البيع والإعارة مع البيع والشركة مع الإجارة وغير ذلك من الصور (٢).
تفريق الصفقة: هو أن يبيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز في صفقة واحدة بثمن واحد.
مثاله: له صور كثيرة ومنها: أن يبيع بيته من فلان ويشتري منه سيارته على أنه إن وجبت هذه وجبت الصفقة الأخرى، أو أن يبيعه كيلو عسلٍ ولترَ خمرٍ بمائة مثلًا.
الحكم الشرعي:
يرى بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة أن تفرق الصفقة فيبطل البيع فيما لا يجوز ويصح فيما يجوز ويقسم الثمن بينهما حسب قيمة كل منهما السائدة؛ لأنه يمكن تفريق الصفقة دون حمل إحدهما على الأخرى.
ويرى بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة أن الصفقة لا تفرق فيبطل العقد فيهما (٣)؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "نهى النبيُّ ﷺ صفقتين في صفقةٍ" (٤).
стр. 1211
وجاء في المبدع (١): إن تفريق الصفقة له ثلاث صور:
أحدهما: باع معلومًا ومجهولًا فلا يصح؛ لأن المجهول لا يمكن تقويمه فلا طريق إلى معرفة ثمن المعلوم.
الثانية: باع مشاعًا بينه وبين غيره كأرض بينهما، فيصح في نصيبه بقسطه في الصحيح من المذهب.
الثالثة: باع خَلًّا وخمرًا، ففيه روايتان: أولاهما: لا يصح؛ لأن الصفقة جمعت حلالًا وحرامًا، والأخرى: تصح؛ لأن كل واحد منهما له حكم منفرد، فإذا اجتمعا بقيا على حكمهما. وهذا هو الراجح. والله أعلم.
الثالث عشر: بيعتان في بيعة:
البيعتان لغة: مثنى البيعة، والبيعة اسم المرة الواحدة من البيع.
الحكم الشرعي: جاءت نصوص السنة في النهي عن بيعتين في بيعة، فقد روى أحمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى النبيُّ ﷺ عن بيعتين في بيعة"، وكذا رواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: "أن النبيَّ ﷺ عن بيعتينِ في بيعةٍ وعن ربحِ ما لم يُضْمَنْ" (٢).
اختلفت أقوال الفقهاء في بيان هذا النوع من أنواع البيوع: فيرى ابن القيم مثلًا أن معنى: بيعتان في بيعة هو أن يقول: بعتك هذه السلعة بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك، أي بعد ذلك بثمانين حالةٍ، ثم قال: وهذا معنى الحديث الوارد في البيعتين في بيعة وهو الذي لا معنى غيره، فكأنه ﵀ يرى أن بيعتين في بيعة هو بيع العينة
стр. 1212
وليس كذلك، بل معنى بيعتين في بيعة هو أن يقول: بعتك هذه السلعة بعشرة صحاح أو عشرة مكسرة أو بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة دون أن يقطع في البيع (١)، فالممنوع هو أن يُمْضِيَ البيع دون أن يقطع فيه -أي: لا يعرف هل أخذها نقدًا أو نسيئة أما إن قطع في البيع وعلم بأيهما تم البيع، فلا حرج في ذلك (٢).
قال صاحب المغني: "وإذا قال: بعتك بكذا على أن آخذ منك الدينار بكذا، لم ينعقد البيع، وكذلك إن باعه بذهب على أن يأخذه دراهم بصرف، أن البيع بهذه الصفة باطل؛ لأنه شَرَطَ في العقد أن يصارفه بالثمن الذي وقع العقد به، والصارف عقد بيع، فتكون بيعتان في بيعة" قال أحمد: هذا معناه.
وقال كذلك: وقد روى في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر وهو أن يقول: بعتك هذه بعشرة نقدًا وبخمسة عشر نسيئة. وهو باطل؛ لأن الثمن مجهول فلم يصح (٣).
الرابع عشر: بيع التلجئة:
في اللغة: التلجئة ترد في اللغة بمعنى الإكراه والإضطرار (٤).
واصطلاحًا: وهو أن يظهرا بيعًا لم يريداه باطنًا بل خوفًا من ظالم ونحوه دفعًا له (٥).
حكم بيع التلجئة: اختلف في ذلك الفقهاء:
стр. 1213
١ - يرى أبو حنيفة، وهو المشهور عند الحنابلة، أنه بيع باطل؛ لأن ذلك من الهزل وهو يعدم الرضا فلم يكن بيعًا منعقدًا في الحكم.
٢ - ويرى الشافعية، وهو رواية عند كل من الحنفية والحنابلة، أن البيع جائز؛ لأن العبرة بما اتفقا عليه في الظاهر، وهو عقد صحيح مستوفٍ لشرائطه.
الراجح: عدم صحة هذا البيع؛ لأن الرضا بالبيع غير موجود.
أما بيع المضطر (المكره) فله تفسيران:
أحدهما: المراد به المكره، فلا يصح بيعه إن أُكره بغير حق، وإن كان بحق صح.
والثاني: أن يكون عليه ديون مستغرقة فيحتاج إلى بيع ما معه بسعر أقل من قيمته، وهذا يستحب ألا يشترى منه، بل يعان لتسديد ديونه إما بهبة وإما بقرض وإما باستمهال صاحب الدين، ولكن لو اشترى منه فإن البيع صحيح (١).
الخامس عشر: بيع الكلب:
روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة ﵁: "أن النبيَّ ﷺ نهى عن ثمنِ الدَّمِ وثمنِ الكلبِ وكسبِ البغيِّ" (٢).
وبناء على هذا الحديث وغيره ذهب الشافعية والحنابلة -وهو المشهور عند المالكية- إلى عدم صحة بيع الكلب مطلقًا سواء كان معلمًا أو غير معلم.
وذهب بعض المالكية إلى التفريق بين الكلب المأذون باتخاذه وبين غيره فأجازوا بيع المأذون اتخاذه واختلفوا في الثاني.
стр. 1214
أما الحنفية فذهبوا إلى صحة بيع الكلب مطلقًا (١).
والصحيح -عندنا- أن الكلب المعلم يجوز بيعه ويكون الثمن من أجل التعلم فقط لا من أجل كونه كلبًا (٢).
السادس عشر: بيع آلات اللهو والمعازف:
وهو من البيوع المنهي عنها عند جمهور الفقهاء؛ وذلك لأن هذه الآلات إنما أعدت للمعصية فبطل تقويمها ولا ينعقد بيعها، ولأنها ليس فيها نفع بل فيها من الضرر ما لا يخفى على عاقل (٣).
السابع عشر: بيع الأصنام ونحوها:
القول فيها كالقول في بيع آلات اللهو والمعازف، ولما جاء في النهى عنها صراحة في صحيح البخاري فعن جابر مرفوعًا: "إن الله حرم بيعَ الخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ" (٤).
الثامن عشر: بيع الدين بالدين:
وهو بيع الدين الذي في الذمة بثمن مؤجل (٥).
حكمه: لا يجوز بيع الدين بالدين فقد ورد النهي عنه في حديث ابن عمر ﵄: "أن النبيَّ ﷺ نهى عن بيعِ الكالئِ بالكالئِ" (٦).
стр. 1215
وقال: "هو النسيئةُ بالنسيئةِ" والكالئ مأخوذ من كلأ الدين إذا تأخر؛ وهو بيع الدين بالدين.
ولذلك حالتان:
١ - بيعه من المدين نفسه.
٢ - بيعه من غير المدين.
الحالة الأولى: وهي حالة بيعه من المدين نفسه: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن كان الملك عليها مستقرًا كغرامة المتلف وبدل القرض فإنه يجوز بيعه ممّن عليه قبل القبض؛ لأن ملكه مستقر عليه أما غير ذلك فلا يجوز.
وفي الحالة الثانية: وهي بيع الدين بالدين من غير المدين -فلا يجوز بيعه-؛ لأنه لا يقدر على تسليمه (١).
وقد أوصل صور بيع الدين بالدين الشيخ عبد الله بن منيع إلى خمس عشرة صورة، فما انتفى فيه الغرر والجهالة والربا أجازه، وما عدا ذلك فلا يجوز (٢).
التاسع عشر: بيع الوفاء:
لغة: ضد الغدر، يقال: وفى بعهد والوفاء الخلق الشريف، وأوفى الرجل حقه بمعنى أكمله له وأعطاه وافيًا، وسمي بيع الوفاء؛ لأن المشتري يلزمه الوفاء بالشرط (٣)،
وفي الاصطلاح: وهو البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري المبيع إليه، وسمي بيعَ الوفاء؛ لأن المشتري يلزمه الوفاء بالشرط.
стр. 1216
ويسميه المالكية بيعَ الثنيا، والشافعية بيعَ العهدة، ويسميه الحنابلة بيعَ الأمانة.
حكمه:
١ - ذهب المالكية والحنابلة والمتقدمون من الحنفية والشافعية إلى أن بيع الوفاء فاسد؛ لأن اشتراط البائع أخذ المبيع إذا رد الثمن إلى المشتري يخالف مقتضى البيع، وهو ملك المشتري للمبيع على سبيل الاستقرار والدوام.
٢ - وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية إلى أن بيع الوفاء جائز مفيد لبعض أحكامه وهو انتفاع المشتري بالمبيع دون بيعه من آخر.
وحجتهم أن الناس تعارفوا هذا البيع وتعاملوا به لحاجتهم إليه؛ فرارًا من الربا، فيكون صحيحًا لا يفسد البيع باشتراطه وإن كان مخالفًا للقواعد؛ لأن القواعد تترك بالتعامل كما في الاستصناع.
٣ - وذهب بعض الحنفية إلى أن بيع الوفاء رهن وليس ببيع فيثبت له أحكام الرهن، وحجتهم أن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني (١).
وشاع العمل به في بلاد الشام والعراق ومصر وغيرها بلا نكير منذ القرن السادس الهجري (٢).
وقد رأى المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي المنعقد في جدة في قراره رقم (٦٦/ ٤ / ٧) أن بيع الوفاء غير جائز شرعًا؛ لأن حقيقة هذا البيع (قرض جر نفعًا) فهو تحايل على الربا، فهم قد نظروا إليه على أنه رهن ولم ينظروا إليه على أنه نوع من العقود المستحدثة والذي بموجبه أجازه بعض الفقهاء السابقين.
стр. 1217
العشرون: البيع وقت نداء الجمعة:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ...﴾ (١).
والأمر بترك البيع نهي عنه، ومن أجل هذا النص اتفق الفقهاء على حرمة هذا البيع.
لكن أي الأذانين يَحْرُمُ فيه البيعُ؟
الصحيح -وهو مذهب الجمهور- أن الأذان الذي يحرم به البيع هنا هو الأذان الثاني؛ لأنه لم يكن في عهد النبي ﷺ إلا نداء واحد وهو أذان خطبة الجمعة، ولذا فإنه يصرف النهي إليه.
شروط تحريم البيع وقت نداء الجمعة:
١ - أن يكون المشتغل بالبيع ممّن تلزمه الجمعة.
فمتى تبايع اثنان ممّن لا تلزمهم الجمعة لم يحرم ولم يُكْرَهْ.
أما إذا كانت الجمعة واجبة على أحدهما دون الآخر فالجمهور على أنهما يأثمان جميعًا، لارتكابهما المنهيَّ عنه ولإعانة من لا تجب عليه من وجبت عليه، وقد نُهِينَا عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢).
لكن هل يفسخ البيع في هذه الحالة؟
يرى المالكية فسخه في هذه الحالة، ونص الحنابلة على أن البيع لا يصح ممّن
стр. 1218
تلزمه الجمعة، ويُكْرَهُ البيع والشراء للآخر الذي لا تلزمه؛ لما فيه من الإعانة على الإثم (١).
٢ - أن يكون المشتغل بالبيع عالمًا بالنهي.
٣ - انتفاء الضرورة إلى البيع كبيع المضطر ما يأكله.
٤ - أن يكون البيع بعد الشروع في الأذان الخاص بالخطبة.
الحادي والعشرون: بيع الفضولي:
الفضولي لغة: من يشتغل بما لا يعنيه، وهو من لم يكن وليًا ولا أصيلًا ولا وكيلًا في العقد (٢).
وفي الاصطلاح: هو أن يتصرف شخص ما في حق غيره ببيعه من غير إذن شرعي.
حكمه الشرعي: اختلف الفقهاء في حكم هذا البيع: فمنهم من يرى جوازه -وهم الحنفية والمالكية وقول للشافعية- إذا كان فيه مصلحة لمالكه كخوف تلف أو ضياع، ويرى الحنابلة -وهو قول للشافعية- بطلانَه؛ لتصرف الفضولي بلا ملك ولا إذن ولا ولاية ولا وكالة، ولكونه باع ما لا يقدر على تسليمه (٣).
الراجح: هو جواز هذا النوع من البيوع، لكن يقف نفاذه على إجازة مالكه.
مما يتطلب بحثه في موضوع البيع أمور يحتاج المسلم معرفتها وهي:
стр. 1219
١ - الاحتكار:
لغة: حبس الطعام إرادة الغلاء. والاسم منه الحكرة (١).
اصطلاحًا: هو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء ويحبسه؛ ليبيعه بأكثر عند اشتداد الحاجة.
وهو حرام عند جمهور الفقهاء، وهو الصحيح، وقيل مكروه. وقد استدل من قال بتحريمه بحديث سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله أنه قال: "منِ احتكر فهو خاطئٌ" (٢).
واعتبره ابن حجر الهيثمي من الكبائر؛ لما ورد فيه من الوعيد الشديد كاللعنة وبراءة ذمة الله ورسوله منه.
وتحريم الاحتكار يختص بالأقوات ولا يعم جميع الأطعمة، ويصح الشراء من المحتكر؛ لأن المنهي عنه هو الاحتكار، ولا تكره التجارة في الطعام إذا لم يرد الاحتكار.
ويجبر المحتكر على بيعه كما يبيع الناس دفعًا للضرر (٣).
٢ - التسعير:
في اللغة: هو تقدير السعر (٤).
стр. 1220
وفي الاصطلاح: تقدير السلطان أو نائبه للناس سعرًا وإجبارهم على التبايع بما قدره (١).
حكم التسعير: اتفق الفقهاء على أن الأصل في التسعير هو الحرمة، واستدلوا بما ورد في الكتاب والسنة، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٢).
والتسعير لا يتحقق به التراضي.
ومن السنة: ما روى أنس ﵁ أنه غلى السعر في المدينة على عهد رسول الله ﷺ فقال الناس: يا رسول الله، غلى السعر فسعِّرْ لنا، فقال رسول الله ﷺ : "إن اللهَ هو المسعرُ القابضُ الباسطُ الرازقُ. وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدُكم يطالبُنِي بمظلمةٍ في دَمٍ ولا مالٍ" (٣).
حيث لم يسعر النبي ﷺ وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه.
ومن الفقهاء من يرى جواز التسعير ولكن بشروط:
١ - إذا بالغ التجار في القيمة مبالغة كبيرة، وقد ذكر الزيلعيُّ من الحنفية أن ذلك يكون بالبيع بضعف القيمة.
٢ - حاجة الناس إلى السلعة، ويكون التسعير دافعًا للضرر عن العامة.
قال ابن تيمية: "إن لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة فإنه
стр. 1221
يُجْبَرُ على بيعه للناس بقيمة المثل" (١).
وقال ابن القيم (٢): "إن هذا الذي أمر به النبي ﷺ من تقويم الجميع (أي جميع العبد وذلك ما ورد في حديث من أعتق شركًا له في عبد، فكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد) قوم عليه قيمة العدل" (٣).
"قيمة المثل هو حقيقة التسعير فماذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم، مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره" ويكون التسعير بعد مشورة أهل الرأي والبصيرة فيما يحقق مصلحة الناس (٤).
٣ - الوعد بالبيع:
الوعد معناه: الالتزام للغير بما لا يلزم ابتداء.
وقد جاء ذكر الوعد وأنه ملزم للواعد في المذهب المالكي حيث جاء في حاشية الدسوقي: "إذا قال الآخر اشترها لي بعشرة نقدًا ... ولزمت السلعة الآمر بالعشرة إن قال: اشترها لي" (٥).
٤ - الإقالة في البيع:
الإقالة في اللغة: الرفع والإزالة والفسخ ومن ذلك قولهم: أقال الله عثرته
стр. 1222
إذا رفعه من سقوطه (١).
في الاصطلاح: رفع العقد وفسخه وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين (٢).
والإقالة بعد البيع جائزة إذا ندم أحدهما، ويستحب للآخر إقالته، وفي كونها فسخًا أو بيعًا قولان: أظهرهما فسخ، ولا يصح إلا بذات الثمن فلو زاد أو نقص بطلت وبقى البيع بحاله (٣).
٥ - مبايعة من يعلم أن جميع ماله حرام أو يخالطه حرام:
جاء في المغني: وإن اشترى ممّن في ماله حرام وحلال كالغاصب والسارق والظالم والمرابي، فإن عُلِمَ أن المبيع من حل ماله فهو حلال، وإن علم أنه حرام فحرام، فإن لم يعلم من أيهما هو كرهناه؛ لاحتمال التحريم فيه، ولم يبطل البيع؛ لإمكان الحلال قَلَّ الحرامُ أو كثر.
وجاء في المجموع: قال المصنف ﵀: "ولا يجوز مبايعة من يعلم أن جميع ماله حرام"، لما روى أبو مسعود البدري: "أن النبيَّ ﷺ نهى عن حلوانِ الكاهنِ ومهرِ البغيِّ" (٤).
فإن كان معه حلال وحرام كره مبايعته والأخذ منه؛ لما روى النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ ... " (٥).
стр. 1223
وإن بايعه وأخذ منه جاز؛ لأن الظاهر مما في يده أنه له فلا يحرم الأخذ منه.
وإذا اختلط حرام لا ينحصر بحلال لا ينحصر، لم يحرم الشراء منه بل يجوز الأخذ منه إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنها من الحرام، فإن لم يقترن فليس بحرام ولكن تركه ورع محبوب (١).
٦ - بيع ما يستعمله المشتري في حرام:
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
١ - فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ذلك لا يجوز وهو بيع محرم؛ كمن يبيع العنب والتمر لمن يتخذه خمرًا.
جاء في المستصفى للغزالي أن العقد له: "سبب منصوب لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه يقال إنه صح، وإن تخلف عنه مقصوده يقال إنه بطل" (٢).
وجاء في إعلام الموقعين لابن القيم: "إن القصود في العقود معتبرة وإنها تؤثر في صحة العقد وفساده وفي حله وحرمته" (٣).
٢ - وذهب بعض الفقهاء إلى أن ذلك جائز، وحكى ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري أنه لا بأس ببيع التمر ممّن يتخذه مسكرًا، قال الثوري: "بع الحلال ممّن شئت"، واحتج لهم بقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ﴾ (٤).
ولأن البيع تم بأركانه وشروطه (٥).
стр. 1224
الراجح: أنه إذا كان يعتقد أن المشتري سيستعمل ما اشتراه في محرم كالتمر والعنب لمن يتخذه خمرًا أو السلاح لمن سيقتل به ونحو ذلك، فإن هذا البيع محرم وباطل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
وهذا نهي يقتضي التحريم، وإن كان البيع قد وجد بأركانه وشروطه لكن وجد المانع منه فيبطل.
٧ - هلاك المبيع:
قد يهلك المبيع قبل القبض أو بعده فما الحكم إذًا؟
إذا وقع البيع على مكيل أو موزون أو معدود فتلف قبل قبضه، فهو من مال البائع. وهو ظاهر كلام أحمد، وقال القاضي وأصحابه: المراد بالمكيل والموزون والمعدود ما ليس بمتعين منه، فأما المتعين فيدخل في ضمان المشتري كالصبرة يبيعها من غير تسمية كيل، واستدل بحديث ابن عمر: "ما أدركت الصفقة حيًا مجموعًا فهو من المبتاع" (٢).
وما عدا ذلك فلا يحتاج فيه إلى قبض وإن تلف فهو من مال المشتري.
قال في المغني: "ولنا قول النبي ﷺ : "الخراجُ بالضمانِ" وهذا البيع للمشتري فضمانه عليه" (٣).
وجاء في نهاية المحتاج: "المبيع قبل قبضه من ضمان البائع فإن تلف انفسخ البيع، وإتلاف المشتري قبض له والمذهب أن إتلاف البائع كتلفه، والأظهر أن إتلاف الأجنبي لا يفسخ بل يخير المشتري بين أن يجيز ويغرم الأجنبي أو يفسخ
стр. 1225
فيغرم البائع الأجنبي" (١).
٨ - السِّمسَرَةُ في البيع:
السِّمسَارُ في اللغة: اسم من قام بالسمسرة؛ وهو المتوسط بين البائع والمشتري لإمضاء البيع. قال في تاج العروس: وهو الذي يسميه الناس الدلال فإنه يدل المشتري على السلع ويدل البائع على الأثمان، وعلى هذا فلا فرق بين الدلال والسمسار (٢).
حكمها: قال الإِمام البخاري: لم ير ابن سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار بأسًا.
وقال ابن عباس ﵄: لا بأس بأن يقول: بع هذا الثوب فما زاد على كذا وكذا فهو لك.
وقال ابن سيرين: إذا قال: بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك أو بيني وبينك، فلا بأس به (٣).
قال في المجموع: إذا قال السمسار المتوسط بينهما للبائع: بعت بكذا فقال: نعم أو بعت فقال المشتري: اشتريت بكذا أو اشتريت فقال: نعم، فوجهان حكاهما الرافعي: أصحهما عند الرافعي وغيره: الانعقاد؛ لوجود الصيغة والتراضي (٤).
ومن ذلك يعلم جواز السمسرة والتوسط في المبايعات.
стр. 1226
باب الخيار
تعريفه في اللغة: اسم مصدر من الاختيار، وهو الاصطفاء والانتقاء، والفعل منها (اختيار) ويقال: خيره بين الشيئين، أي: فوض إليه اختيار أحدهما (١).
أما في الاصطلاح: فقد تعدت تعريفاته؛ وذلك لكثرة أنواع الخيار، لكن يمكن استخلاص ما قالوه في تعريفه بأن نقول: الخيار هو حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه؛ لظهور مسوغ شرعي أو بمقتضى اتفاق عقدي (٢).
أو يقال -أيضًا-: هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه (٣).
الحكمة في تشريع الخيار:
إذا نظرنا إلى شريعة الإِسلام نجدها في تشريعاتها مليئة بالحِكَمِ والأسرار، علم ذلك من عَلِمَ وجَهِلَهُ من جَهِلَ، وليس معنى الجهل بهذه الحِكَمِ أننا لا نستجيب لما جهلنا حِكَمَهُ وأسراره، بل علينا السمع والطاعة وإن لم نعرف ذلك، لكن هذه الحكم والأسرار تزيد المسلم يقينًا بعظم هذا الدين وسعة أفقه وأنه هو الدين الحق الذي يدعو اللهَ أن يتوفاه عليه.
ولما كان الخيار في البيع له حِكَمُه الخاصَّةُ في الشريعة، التمس أهلُ العلم له حِكَمًا، فمن هذه الحكم:
١ - تخفيف مغبة الإخلال بالعقد في البداية، لعدم المعلومية التامة أو لدخول اللبس والغبن ونحوه مما يؤدي إلى الإضرار بالعاقد.
стр. 1227
٢ - تنقية عنصر التراضي من الشوائب، توصلًا إلى دفع الضرر عن العاقد.
٣ - التروي والتأمل في صلاح الشيء له وسد حاجته في الشراء؛ وذلك للترفيه عن المتعاقد؛ لتحصيل مصلحة يحرص عليها.
٤ - ومن الحكم في الخيار بالنسبة للبائع كذلك أنه يعطيه شيئًا من المشورة فيحق له أن يراجع من يَثِقُ به في كون الثمن متكافئًا مع المبيع فلا غبن ولا وكس.
٥ - ومن الحكمة في تشريع خيار المجلس أنه يمنح أصحاب الحقوق ويوقف أصحاب المطامع عن مطامعهم؛ حيث جعل مكان التبايع فرصة للنظر في السلعة وتقليبها وموازنتها مع ثمنها؛ ليكون المتبايعان على بينة من أمرهما، ولئلا يحصل لهما الندم والحسرة بعد لزوم البيع (١).
أقسام الخيار:
للخيار أقسام كثيرة وسنذكر بعضَها وأكثرَها شيوعًا في البيوع، فمن هذه الأقسام:
١ - خيار المجلس:
" خيار المتبايعين" (٢)، مأخوذة من قوله ﷺ : "البيِّعانِ بالخيارِ ... " الحديث.
تعريفه: خيار المجلس: مركب إضافي. والإضافة فيه من إضافة الشيء إلى محله، والمجلس -بكسر اللام- موضع الجلوس والمراد به هنا مكان التبايع (٣).
стр. 1228
أما تعريفه في الاصطلاح: فهو حق العاقد في إمضاء العقد أو رده منذ التعاقد إلى التفرق أو التخاير (١).
حكمه الشرعي: اختلف الفقهاء في خيار المجلس: فالجمهور من السلف والخلف -ومنهم الشافعية والحنابلة والظاهرية- ذهبوا إلى ثبوته فلا يلزم العقد عندهم إلا بالتفرق عن المجلس أو التخاير واختيار إمضاء العقد (٢)، على حين ذهب الحنفية والمالكية وبعض فقهاء السلف إلى نفي خيار المجلس (٣)، وحملوه على خيار التفرق بالأقوال وليس بالأبدان.
والراجح: هو ثبوت هذا النوع من الخيار؛ لصحة الأحاديث الواردة فيه ولحاجة الناس إلى ذلك ولأنه ثبت العمل به من الصحابة -رضوان الله عليهم- (٤).
فيما يثبت فيه خيار المجلس ومدته:
١ - يثبت خيار المجلس في البيع والصلح والإجارة وغيرها من المعاوضات التي يقصد منها المال، وهو حق للمتبايعين معًا.
أما الشركة والوكالة والوديعة والعارية والدين والجعالة وكذا الضمان والرهن والكتابة، فلا خيار فيها كلها؛ لأنه متمكن من الفسخ متى شاء، وكذلك الضامن والكفيل لا خيار لهما؛ لأنهما دخلا متطوعين راضيين (٥).
стр. 1229
٢ - أما عن زمن ثبوت الخيار: فالزمن الذي يثبت فيه خيار المجلس هو الفترة التي أولها لحظة إبرام العقد أي بعد صدور القبول والإيجاب (١).
قال في مختصر الفقه الإِسلامي: "ومدته من حين العقد إلى التفرق بالأبدان، فإن أسقطاه سقط وإن أسقطه أحدهما بقي خيار الآخر فإذا تفرقا لزم البيع" (٢).
٣ - مدة خيار المجلس: ذهب بعض القائلين بثبوته إلى أنه لا يجوز أكثر من ثلاث، وأجازه بعضهم فيما زاد على الثلاث بقدر الحاجة، والصحيح أن أمد خيار المجلس لا يمكن تحديده؛ لأنه موكول لإرادة كل من المتعاقدين فيطول برغبتهما في زيادة التروي ويقصر بإرادة المستعجل منهما حين يخاير صاحبه أو يفارقه (٣).
٢ - خيار الشرط:
تعريفه: هو مركب إضافي صار علمًا في اصطلاح الفقهاء على ما يثبت (بالاشتراط) لأحد المتعاقدين من الاختيار بين الإمضاء والفسخ (٤).
دليل مشروعية هذا النوع من الخيار مما رواه نافع عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رجلًا من الأنصار وكانت بلسانه لوثة يشكو إلى رسول الله ﷺ أنه لا يزال يغبن في البيع فقال له رسول الله ﷺ : "إذا بايعتَ فَقُلْ لا خِلابةَ ثم أنت بالخيارِ في كلِّ سلعةٍ ابتعتَها ثلاثَ ليالٍ، فإن رضيتَ فَأَمْسِكْ، وإن سخطتَ فاردُدْ" (٥).
стр. 1230
وقد انعقد الإجماع على القول بخيار الشرط كما نقل ذلك النووي عنهم، قال ابن الهمام: "وشرط الخيار مجمع عليه" (١).
ومن أحكام هذا النوع من الخيار:
١ - أنه متى ما اشترط المتبايعان أو أحدهما الخيار إلى مدة معلومة، صح وإن طالت المدة، ومدته من حين العقد إلى أن تنتهي المدة المشترطة، وإذا مضت مدة الخيار ولم يفسخ المشترط المبيع لزم البيع، وإن قطعا الخيار أثناء المدة جاز؛ لأن الحق لهما.
٢ - لا بد من تقييد الخيار بمدة معلومة مضبوطة من الزيادة والنقصان، فلا يصح اشتراط خيار غير مؤقت أصلًا، والحكمة في ذلك أن لا يكون الخيار سببًا من أسباب الجهالة الفاحشة التي تؤدي إلى التنازع، وهو مما تتحاشاه الشريعة في أحكامها.
٣ - أن هذه المدة في الخيار -على الصحيح من أقوال الفقهاء-: إنها مفوضة إلى كلا المتعاقدين، لا حد لها بثلاثة أيام كما حددها من حددها من الفقهاء؛ لكي ينبغي أن لا تطول هذه المدة في الخيار حدًا خارجًا عن العادة.
٤ - أن اشتراط الخيار في شيء يفسد قبل تمام المدة لا يصح؛ لحصول الضرر بذلك.
٣ - خيار العيب:
تعريفه: "خيار" مضاف و"العيب" مضاف إليه وهو من إضافة الشيء إلى سببه، أي: الخيار الذي سببه العيب، والعيب ضد السلامة فيقال: هذا معيب