باب الخيار
تعريفه في اللغة: اسم مصدر من الاختيار، وهو الاصطفاء والانتقاء، والفعل منها (اختيار) ويقال: خيره بين الشيئين، أي: فوض إليه اختيار أحدهما (١).
أما في الاصطلاح: فقد تعدت تعريفاته؛ وذلك لكثرة أنواع الخيار، لكن يمكن استخلاص ما قالوه في تعريفه بأن نقول: الخيار هو حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه؛ لظهور مسوغ شرعي أو بمقتضى اتفاق عقدي (٢).
أو يقال -أيضًا-: هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه (٣).
الحكمة في تشريع الخيار:
إذا نظرنا إلى شريعة الإِسلام نجدها في تشريعاتها مليئة بالحِكَمِ والأسرار، علم ذلك من عَلِمَ وجَهِلَهُ من جَهِلَ، وليس معنى الجهل بهذه الحِكَمِ أننا لا نستجيب لما جهلنا حِكَمَهُ وأسراره، بل علينا السمع والطاعة وإن لم نعرف ذلك، لكن هذه الحكم والأسرار تزيد المسلم يقينًا بعظم هذا الدين وسعة أفقه وأنه هو الدين الحق الذي يدعو اللهَ أن يتوفاه عليه.
ولما كان الخيار في البيع له حِكَمُه الخاصَّةُ في الشريعة، التمس أهلُ العلم له حِكَمًا، فمن هذه الحكم:
١ - تخفيف مغبة الإخلال بالعقد في البداية، لعدم المعلومية التامة أو لدخول اللبس والغبن ونحوه مما يؤدي إلى الإضرار بالعاقد.
стр. 1227
٢ - تنقية عنصر التراضي من الشوائب، توصلًا إلى دفع الضرر عن العاقد.
٣ - التروي والتأمل في صلاح الشيء له وسد حاجته في الشراء؛ وذلك للترفيه عن المتعاقد؛ لتحصيل مصلحة يحرص عليها.
٤ - ومن الحكم في الخيار بالنسبة للبائع كذلك أنه يعطيه شيئًا من المشورة فيحق له أن يراجع من يَثِقُ به في كون الثمن متكافئًا مع المبيع فلا غبن ولا وكس.
٥ - ومن الحكمة في تشريع خيار المجلس أنه يمنح أصحاب الحقوق ويوقف أصحاب المطامع عن مطامعهم؛ حيث جعل مكان التبايع فرصة للنظر في السلعة وتقليبها وموازنتها مع ثمنها؛ ليكون المتبايعان على بينة من أمرهما، ولئلا يحصل لهما الندم والحسرة بعد لزوم البيع (١).
أقسام الخيار:
للخيار أقسام كثيرة وسنذكر بعضَها وأكثرَها شيوعًا في البيوع، فمن هذه الأقسام:
١ - خيار المجلس:
" خيار المتبايعين" (٢)، مأخوذة من قوله ﷺ : "البيِّعانِ بالخيارِ ... " الحديث.
تعريفه: خيار المجلس: مركب إضافي. والإضافة فيه من إضافة الشيء إلى محله، والمجلس -بكسر اللام- موضع الجلوس والمراد به هنا مكان التبايع (٣).
стр. 1228
أما تعريفه في الاصطلاح: فهو حق العاقد في إمضاء العقد أو رده منذ التعاقد إلى التفرق أو التخاير (١).
حكمه الشرعي: اختلف الفقهاء في خيار المجلس: فالجمهور من السلف والخلف -ومنهم الشافعية والحنابلة والظاهرية- ذهبوا إلى ثبوته فلا يلزم العقد عندهم إلا بالتفرق عن المجلس أو التخاير واختيار إمضاء العقد (٢)، على حين ذهب الحنفية والمالكية وبعض فقهاء السلف إلى نفي خيار المجلس (٣)، وحملوه على خيار التفرق بالأقوال وليس بالأبدان.
والراجح: هو ثبوت هذا النوع من الخيار؛ لصحة الأحاديث الواردة فيه ولحاجة الناس إلى ذلك ولأنه ثبت العمل به من الصحابة -رضوان الله عليهم- (٤).
فيما يثبت فيه خيار المجلس ومدته:
١ - يثبت خيار المجلس في البيع والصلح والإجارة وغيرها من المعاوضات التي يقصد منها المال، وهو حق للمتبايعين معًا.
أما الشركة والوكالة والوديعة والعارية والدين والجعالة وكذا الضمان والرهن والكتابة، فلا خيار فيها كلها؛ لأنه متمكن من الفسخ متى شاء، وكذلك الضامن والكفيل لا خيار لهما؛ لأنهما دخلا متطوعين راضيين (٥).
стр. 1229
٢ - أما عن زمن ثبوت الخيار: فالزمن الذي يثبت فيه خيار المجلس هو الفترة التي أولها لحظة إبرام العقد أي بعد صدور القبول والإيجاب (١).
قال في مختصر الفقه الإِسلامي: "ومدته من حين العقد إلى التفرق بالأبدان، فإن أسقطاه سقط وإن أسقطه أحدهما بقي خيار الآخر فإذا تفرقا لزم البيع" (٢).
٣ - مدة خيار المجلس: ذهب بعض القائلين بثبوته إلى أنه لا يجوز أكثر من ثلاث، وأجازه بعضهم فيما زاد على الثلاث بقدر الحاجة، والصحيح أن أمد خيار المجلس لا يمكن تحديده؛ لأنه موكول لإرادة كل من المتعاقدين فيطول برغبتهما في زيادة التروي ويقصر بإرادة المستعجل منهما حين يخاير صاحبه أو يفارقه (٣).
٢ - خيار الشرط:
تعريفه: هو مركب إضافي صار علمًا في اصطلاح الفقهاء على ما يثبت (بالاشتراط) لأحد المتعاقدين من الاختيار بين الإمضاء والفسخ (٤).
دليل مشروعية هذا النوع من الخيار مما رواه نافع عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رجلًا من الأنصار وكانت بلسانه لوثة يشكو إلى رسول الله ﷺ أنه لا يزال يغبن في البيع فقال له رسول الله ﷺ : "إذا بايعتَ فَقُلْ لا خِلابةَ ثم أنت بالخيارِ في كلِّ سلعةٍ ابتعتَها ثلاثَ ليالٍ، فإن رضيتَ فَأَمْسِكْ، وإن سخطتَ فاردُدْ" (٥).
стр. 1230
وقد انعقد الإجماع على القول بخيار الشرط كما نقل ذلك النووي عنهم، قال ابن الهمام: "وشرط الخيار مجمع عليه" (١).
ومن أحكام هذا النوع من الخيار:
١ - أنه متى ما اشترط المتبايعان أو أحدهما الخيار إلى مدة معلومة، صح وإن طالت المدة، ومدته من حين العقد إلى أن تنتهي المدة المشترطة، وإذا مضت مدة الخيار ولم يفسخ المشترط المبيع لزم البيع، وإن قطعا الخيار أثناء المدة جاز؛ لأن الحق لهما.
٢ - لا بد من تقييد الخيار بمدة معلومة مضبوطة من الزيادة والنقصان، فلا يصح اشتراط خيار غير مؤقت أصلًا، والحكمة في ذلك أن لا يكون الخيار سببًا من أسباب الجهالة الفاحشة التي تؤدي إلى التنازع، وهو مما تتحاشاه الشريعة في أحكامها.
٣ - أن هذه المدة في الخيار -على الصحيح من أقوال الفقهاء-: إنها مفوضة إلى كلا المتعاقدين، لا حد لها بثلاثة أيام كما حددها من حددها من الفقهاء؛ لكي ينبغي أن لا تطول هذه المدة في الخيار حدًا خارجًا عن العادة.
٤ - أن اشتراط الخيار في شيء يفسد قبل تمام المدة لا يصح؛ لحصول الضرر بذلك.
٣ - خيار العيب:
تعريفه: "خيار" مضاف و"العيب" مضاف إليه وهو من إضافة الشيء إلى سببه، أي: الخيار الذي سببه العيب، والعيب ضد السلامة فيقال: هذا معيب
стр. 1231
وهذا سليم فالعيب ضد السلامة والمعيب ضد السليم (١).
أما تعريفه في الاصطلاح: فقد عرفه الفقهاء بتعاريف متعددة منها:
١ - عرفه ابن نجيم وابن الهمام بأنه: "ما يخلو عنه أصلِ الفطرةِ السليمة مما يُعَدُّ به نقصًا".
٢ - عرفه ابن رشد بأنه: "ما نقص عن الخِلْقَةِ الطبيعيةِ أو عن الخلقِ الشرعيِّ نُقْصَانًا له تأثيرٌ في ثمن المبيع".
٣ - عرفه الغزالي بأنه: "كلُّ وصفٍ مذمومٍ اقتضى العرفُ سلامةَ المبيعِ عنه غالبًا" (٢).
حكمه الشرعي: لما كانت بعض النفوس مجبولة على الخداع والمكر وبعضها كذلك مجبولة على التسرع في الأمور وعدم التريث فيها، فقد شرع الله خيار العيب ليُعامل المخادعُ المضللُ بنقيض قصده ويؤخذ الحق للضعيف المسكين الذي تدفعه العجلة الناتجة عن التفكير البشري القاصر إلى الخطأ، فيذهب يبرم من العقود ما يضره من أجل ذلك لم يكن هناك خلاف بين الفقهاء في الرد بالعيب.
والأدلة على ثبوت هذا النوع من الخيار كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).
стр. 1232
وجه الدلالة من الآية أن العلم بالعيب في المبيع منافٍ للرضا المشروط في العقود، فالعقد الملتبس بالعيب تجارة من غير تراضٍ.
أما من السنة: فالأدلة على ذلك كثيرة نذكر منها ما يدل على ذلك صراحة وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمُ أخو المسلم، لا يحلُّ لمسلم باع من أخيه بيعًا، وفيه عيبٌ إلا أن يبينَه له" (١).
وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحلُّ لأحدٍ يبيعُ شيئًا إلا يبينُ ما فيه، ولا يحل لمن يعلمُ ذلك إلا بَيَّنهُ" (٢).
والأدلة على هذا النوع من الخيار كثيرة (٣).
الشروط الواجب توفرها في العيب ليثبت به الخيار:
يشترط في العيب الذي يثبت به الخيار عدة شروط منها:
١ - أن يكون العيب مؤثرًا في قيمة المبيع، والمعوَّل في هذا الشرط هو عرف التجار؛ فما كان من شأنه أن ينقص ثمن البيع في عرفهم فهو عيب يوجب الخيار.
٢ - كون المشتري غير عالم بوجود العيب في وقت العقد وفي وقت القبض معًا.
٣ - ثبوت العيب وقت عقد البيع أو بعد ذلك ولكن قبل التسليم.
٤ - أن لا يمكن زوال العيب إلا بمشقة، فإذا أمكن إزالته بغير مشقة فإن المبيع لا يرد به.
стр. 1233
٥ - أن لا يزول ذلك العيب قبل الفسخ، فإذا اشترى حيوانًا مريضًا ولم يفسخ ثم زال المرض، فليس له الفسخ؛ لأنه زال قبل أن يرده (١).
ذكر بعض الأحكام المتعلقة بخيار العيب:
١ - إذا اشترى المشتري السلعة وبها عيب فهو بالخيار: إما أن يردها ويأخذ الثمن أو يمسكها ويأخذ أَرْشَ العيب.
٢ - وطريقة معرفة أرش العيب هي أن يقوم المبيع بلا عيب ثم يقوم مع العيب ويأخذ الفرق بينهما (٢).
٣ - إذا اختلف البائع والمشتري فيمن حدث عنده العيب كمن اشترى حيوانًا وبعد يوم ادعى أن به عرجًا أو اشترى طعامًا ففسد ولا يدري عند أيهما فسد فالقول قول البائع مع يمينه أو يترادان؛ لقوله ﷺ : "إذا اختلفا المتبايعان فالقولُ ما قال البائعُ أو يترادَّانِ" (٣).
٤ - خيار الرؤية:
تعريفه: هو حق يثبت به للمتملك الفسخُ أو الإمضاءُ عند رؤية محل العقد الذي عقد عليه ولم يره (٤).
حكمه: هذا النوع من الخيار اختلف فيه الفقهاء وذلك تبعًا لاختلافهم في بيع الغائب؛ إذ وردت بعض النصوص بمنع بمثل هذا البيع، من ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبيد الله بن عمر أن النبي ﷺ : (نهى عن بيعِ الغررِ
стр. 1234
وعن بيعِ الحصاةِ" (١).
ووجه الدلالة من الحديث أن بيع الغائب الذي لم يُرَ ولم يُوصَفْ فيه نوع غرر فيكون منهيًا عنه، وإلى هذا القول ذهب المالكية وهو أحد قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية.
وذهب الحنفية -وهو قول للشافعية وإحدى الروايتين لأحمد- إلى جواز بيع الغائب لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) قالوا: فهذا على عمومه فيشمل بيع الغائب، ولا يخرج منه إلا بيعٌ منعه كتابٌ أو سنة أو إجماع.
ومنها نشأ الخلاف بينهم في هذا النوع من الخيار.
شروط خيار الرؤية عند من قال به:
١ - كون المعقود عليه عينًا، والمراد بالعين هنا ما ينعقد العقد عليه بعينه لا على مثله وأن يكون من الأعيان أي (الأموال العينية) كالأراضي والدواب أي كل ما يكون من المثليات.
٢ - كون المعقود عليه في عقد يقبل الفسخ، أي: ينفسخ بالرد كالبيع والإجارة إذا رد العين المؤجرة والصلح عن دعوى المال برد المال المصالح عنه والقسمة برد النصيب، فهذه العقود يثبت فيها خيار الرؤية.
٣ - عدم الرؤية عند العقد أو قبله مع عدم التغير (٣).
стр. 1235
٥ - خيار الغبن:
تعريفه في اللغة: الغبن في اللغة النقص، فعلُهُ غَبَن من باب ضَربَ.
ويقال: هذا مغبون، أي: منقوص من الثمن أو غيره.
وفي الاصطلاح: هو النقص في الثمن في البيع والشراء.
ذهب الحنابلة والظاهرية إلى القول بخيار الغبن. وهو رواية عن المالكية.
وذهب الجمهور إلى منع الخيار وقالوا بجواز الغبن وأنه لا يثبت خيارًا مطلقًا إذا كان المتصرف رشيدًا بالغًا، والصحيح عندنا ثبوت هذا النوع من الخيار؛ لأن الغبن منهيٌّ عنه شرعًا.
ما يثبت فيه خيار الغبن:
يثبت خيار الغبن في مواضع ثلاثة:
١ - النجش: وذلك بأن يزيد الإنسان في قيمة السلعة دون رغبته في شرائها وإنما يقصد نفع صاحبها أو ضرر مشتريها.
٢ - يثبت خيار الغبن حال تلقي الركبان (١).
٣ - بيع المسترسل: وذلك بأن يأتي شخص جاهل بالسعر لا يحسن المماكسة فينقاد للبائع ويأخذ السلعة بأكثر من قيمتها فيغبن غبنًا فاحشًا، ففي هذه الحالة يثبت له الخيار عند بعض العلماء (٢).
стр. 1236
ضابط الغبن المعتبر:
الغبن المعتبر هنا هو الغبن الفاحش، فإن كان غير فاحشٍ فلا غبن، والعبرة في تقديره على عادة التجار؛ لأنهم هم الذين يُرْجَعُ إليهم في العيوب ونحوها من الأمور التي تقتضى الخبرة في المعاملات (١).
شرط خيار الغبن:
يشترط لخيار الغبن عدم معرفة المغبون أي يكون جاهلًا بالغبن عند التعاقد، فإن كان عالمًا فلا خيار له؛ لأنه أتى من قِبَلِ نفسه فكأنه أسقط حقه راضيًا.
لمن يكون خيار الغبن ؟
الغبن يقع للبائع والمشتري، فكما أن للمشتري الحقَّ إذا غبن في فسخ البيع فللبائع الفسخ أيضًا إذا غبن، وذلك إذا ارتفعت قيمة السلعة في السوق ولا يعلم البائع فله الخيار هنا.
٦ - خيار التدليس:
التعريف: التدليس: هو إظهار المعقود عليه بصورة ليس هو عليها في الواقع، كالذي يبيع بقرة لأجل لبنها ويتركها مدة دون حلب؛ ليتوهم المشتري أنها حافلة باللبن وأن هذه هي عادتها، وبعد أن يأخذها المشتري تظهر حقيقة أمرها فهنا له خيار التدليس.
حكمه الشرعي:
التدليس محرم شرعًا؛ لما فيه من الغش والخداع وأكل أموال الناس بطريق
стр. 1237
غير مشروع، ودليل النهي عنه ما رواه أبو هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "لا تَصُرُّوا الإبلَ والغنمَ، فمن ابتاعها بعدَ ذلك فهو بخير النظرِ بعدَ أن يحلبَها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (١).
ووجه الدلالة في الحديث أن الشارع نهى عن التصرية؛ وهي نوع تدليس.
стр. 1238
باب الربا والصرف
التعريف: هو في اللغة الزيادة، قال تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ (١). أي: أكثر عددًا، يقال: أربى فلان على فلان إذا زاد عليه (٢).
وفي الاصطلاح: الزيادة في أشياء مخصصة (٣)، والمقصود به هنا الزيادة على رأس المال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٤).
الحكم الشرعي:
الربا محرم في جميع الأديان السماوية، وجاء الإِسلام بتأكيد ذلك، ولم يُؤْذِنِ الله -تعالى- في كتابه عاصيا بالحرب سوى آكل الربا، ومن استحله فقد كفر؛ لإنكاره معلومًا من الدين بالضرورة، أما من تعامل بالربا من غير أن يكون مستحِلًّا له، فهو فاسق مرتكب كبيرة من أعظم كبائر الذنوب، وتحريم الربا جاء به الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فمنه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٥).
وأما السنة فمن ذلك ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: وما هُنَّ يا رسولَ الله؛ قال: "الشركُ بالله، والسحرُ، وأكلُ الربا ... " الحديث (٦).
стр. 1239
وجاء في الحديث الذي رواه جابر ﵁ قال: لعن رسولُ الله ﷺ آكلَ الربا وموكلَه وكاتبَه وشاهدَيْهِ وقال: "هُمْ سَوَاءٌ" (١).
وأجمعت الأمة على أن الربا محرم (٢).
الحكمة في تحريم الربا:
أن الإِسلام يدعو إلى التعاون والإيثار لغرس المحبة والألفة بين أفراد المجتمع، والربا يسبب العداوة بين الأفراد ويقضي على روح التعاون بينهم، والربا يتحصل بدون مشقة، مما يدفع أصحاب الأموال إلى اتخاذه وسيلة للكسب وعدم التوجه إلى المكاسب الأخرى المفيدة للمجتمع والأمة من تجارة وزراعة وصناعة وغيرها، وذلك يؤدي إلى انقطاع المنافع للفرد والمجتمع، ويقلل فرص العمل لبعض فئات المجتمع، ويزيد الفقراء فقرًا والأغنياء غنى، وهو خلاف مبادئ الإِسلام التي تدعو إلى التعاون والتكافل الذي يحقق رفاهية المجتمع وسعادته، ولذلك وغيره حرمه الإِسلام.
أقسام الربا:
ينقسم الربا إلى قسمين عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وهما:
١ - ربا النسيئة: وهو التأجيل والتأخير .
وهو الزيادة في المال مقابل الزيادة في الأجل، وهو أن يبيع شخص لآخر سلعة بأجل فإذا حل وقت الأجل ولم يقم المشتري بسداد ما عليه زاد في الدين نظير الأجل، وهذا هو ما كان معهودًا في الجاهلية، فكان أحدهم إذا حل أجل دينه ولم يُوَفِّهِ الغريمُ، أضعف له المال وأضعف له الأجل، وهو معنى قوله تعالى:
стр. 1240
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (١).
وسمي أيضًا الربا الجلي، قال ابن القيم: وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال (٢).
٢ - ربا الفضل: وهو بيع أحد الجنسين بمثله مع زيادة أحد العوضين عن الآخر بدون أجل كبيع ربال بريالين أو صاع قمح بصاعين.
ودليل تحريم ذلك حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهبُ بالذهبِ والفضةُ بالفضةِ والبُرُّ بالبُرِّ والشعيرُ بالشعر والتمرُ بالتمرِ والملحُ بالملحِ مِثْلًا بمِثْلٍ سَوَاءً بسَوَاءٍ يدًا بيَدٍ، فإذا اختلفتْ هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يَدًا بِيَدٍ" (٣).
وفي هذا الحديث عدَّ النبي ﷺ أصول الربا وأحكامها وشروطها، وألحق بها العلماء أجناسًا أخرى قياسا عليها إذا تحققت فيها علة الربا حسبما يقتضيه اجتهادهم، وهذه الأشياء الستة تشمل المتطلبات الأساسية والتي لا يستغني عنها الناس من أثمان وأطعمة، فإذا جرى فيها الربا شق على الناس وتحقق الضرر في أمور حياتهم وتعاملهم، فمنع منه الشارع؛ رحمة بالناس ورعاية لمصالحهم.
ويزيد الشافعية قسمًا ثالثًا: وهو ربا اليد: وذلك بأن يفارق أحدهما مجلس العقد قبل التقابض (٤)، وهو داخل في ربا الفضل عند الجمهور وإنما حدث لاختلال شرط من شروط بيع الأشياء الربوية.
стр. 1241
العلة في تحريم الربا:
يرى الحنفية -وهو الرواية المشهورة عند الحنابلة- أن العلة هي الجنس والقدر، والقدر هو الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن.
ويرى المالكية: أن العلة في النقود هي مطلق الثمنية، والعلة في الطعام كونه قوتًا مدخرًا "أي تقوم بنية الإنسان به ويصلح للاحتفاظ به إلى الأجل المطلوب".
ويرى الشافعية: أن العلة في الذهب والفضة هي أنهما من جنس الأثمان فأما الأعيان الأربعة فالعلة فيها أنها مطعومة؛ وهي ما قصد بها طعام الآدمي غالبًا وهو الرواية الثانية عند الحنابلة.
وفي رواية عند الحنابلة: أن العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعومَ جنسٍ مكيلًا أو موزونًا، فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالتفاح والرمان ونحوهما.
والحاصل من ذلك أن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد ففيه الربا، وما انعدم فيه الكيل والوزن والطعم واختلف جنسه فلا ربًا فيه، وهو قول أكثر أهل العلم: قال ابن المنذر: هذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث سوى قتادة، حيث قَصَرَ تحريم التفاضل على الستة الأشياء الواردة في الحديث، وما عدا ذلك مما وجد فيه الطعام وحده أو الكيل أو الوزن من جنس واحد، فمختلف فيه والأولى -إن شاء الله تعالى- حله؛ إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به ولا معنى يقوي التمسك به (١)، وهذا هو الراجح؛ إذ فيه يتحقق الجمع بين الأدلة الواردة في ربا الفضل.
стр. 1242
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "الأظهر أن علة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية لا الوزن كما قاله جمهور العلماء".
وقال مجلس هيئة كبار العلماء: إن القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدية؛ هو الأظهر والأقرب إلى مقاصد الشريعة وهو إحدى الروايات عن الأئمة أبي حنيفة ومالك وأحمدُ كما هو اختيار لبعض المحققين من أهل العلم كشيخ الإِسلام بن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما (١).
وقد أخذ بذلك مجلس مجمع الفقه الإِسلامي برابطة العالم الإِسلامي في قراره رقم (٦) في ١٠/ ٤ / ١٤٠٢ هـ وألحقوا بذلك العملةَ الورقيةَ؛ لأن علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية وهو متحقق في العملة الورقية؛ فقد أصبحت ثمنًا وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها واختفى التعامل بالذهب والفضة فتجب الزكاة فيها ويجري عليها الربا بنوعيه فضلًا ونسأ.
أثر الربا في العقود:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن العقد الذي يخالطه الربا باطل مفسوخ لا يجوز بحال، وأن من أربى ينقض عقده ويرد فعله وإن كان جاهلًا؛ لأنه فعل ما حرمه الشارع ونهى عنه، والنهي يقتضى التحريم والفساد، وقد قال النبي ﷺ : "من عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ" (٢).
وقال الحنفية: اشتراط الربا في البيع مفسد للبيع، لكنهم يفرقون في المعاملات بين الفاسد والباطل، فيملك المبيع مع البيع الفاسد بالقبض ولا يملك
стр. 1243
المبيع في البيع الباطل بالقبض والبيع الربوي عندهم من البيوع الفاسدة فيملك بالقبض، وعليه فإنه يجب رد الزيادة الربوية لو كانت قائمة، ومثله أو قيمته إن كان هالكًا (١).
بيع (النقود، العملات) وصرفها:
الصرف: بيع الأثمان بعضها ببعض، ويشمل الذهب بالذهب والفضة بالفضة كما يشمل بيع الذهب بالفضة، والمراد بالثمن ما خلق للثمنية فيدخل فيه بيع المصوغ بالمصوغ أو بالنقد (٢).
ويشترط لصحته القبض في المجلس. قال ابن المنذر: أجمع كل من يُحْفَظُ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا؛ أن الصرف فاسد (٣).
دليل ذلك قول النبي ﷺ : "الذهبُ بالورِقِ ربًا إلا هاءَ وهاءَ" (٤).
وحيث إن القول بأن علة الربا في النقدين الذهب والفضة مطلق الثمنية وذلك متحقق في العملات الورقية المختلفة من ريال ودرهم ودينار وجنيه ودولار وغيرها؛ فإنه يري فيها الربا. وتعتبر العملات الورقية أجناسًا تتعدد بتعدد جهات إصدارها فيجوز بعضها ببعض من غير جنسها مطلقًا إذا كان ذلك يدًا بيد؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ قال: "فإذا اختلفت هذه الأشياءُ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يَدًّا بيدٍ" (٥).
стр. 1244
ولا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلًا مطلقًا. كالريال السعودي وزيادة ونحو ذلك (١).
стр. 1245
باب بيع الأصول والثمار
تعريفها: الأصول جمع أصل، وهو ما يتفرع عنه غيره، والمراد هنا الأرضون والأشجار والثمار وهو جمع ثمر (١).
وهذا الباب من أبواب البيع، وقد بينا حكم البيع ودليل مشروعيته وسنتناول هنا الكلام عن بيع الأصول وما يتبعها والثمار وما ورد في ذلك من كلام الفقهاء وأدلتهم.
١ - بيع الأرض: من باع أرضًا فإنه يدخل فيها الغرس والبناء؛ لاتصالها بها اتصالَ قرارٍ، وهي من حقوقها. وهذا قول الفقهاء.
ومن باع دارًا دخل في البيع بناؤها وفناؤها وما فيها من شجر مغروس وما كان متصلًا فيها لمصلحتها كسلالم وأبواب ولا يتناول ما فيها من كنز مدفون.
٢ - بيع الأشجار من باع شجرًا تبعه الأغصان والورق وسائر أجزاء الشجرة، وإذا كان المباع نخلًا مثمرًا فلا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يبيع النخل وقد أثمر ولم يشترط البائع الثمرة، فإنه -والحالة تلك- ينظر فإن كانت الثمرة مُؤْبَّرَةً (٢) فهي للبائع، وإن كانت غيرَ مُؤْبَّرَةٍ فهي للمشتري.
وبه قال مالك والشافعيُّ وأحمدُ، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: هي للبائع فيهما؛ لأن هذا نماء له حد فلم يتبع أصله في البيع كالزرع في الأرض.
стр. 1246
الراجح: أن الثمرة إن كانت مؤبرة فهي للبائع، وإن لم تكن فهي للمشتري؛ للحديث الصحيح: "من ابتاع نخلًا بعدَ أن تُؤَبَّرَ فَثمرَتُها للذي باعها إِلَّا أن يشترطَ المبتاعُ" (١).
الثانية: أن يشترط أحد المتبايعين أنها له فتكون له بهذا الشرط سواء كانت مؤبرة أو غير مؤبرة. وهو قول الحنابلة.
وقال مالك: إن اشترطها المشتري بعد التأبير جاز؛ لأنه بمنزلة شرائها مع أصلها وإن اشترطها البائع قبل التأبير لم يجز؛ لأن اشتراطه لها بمنزلة شرائه لها قبل بدو صلاحها بشرط تركها.
والراجح: صحة الشرط من البائع قبل التأبير؛ لأنه استثنى بعض ما وقع عليه العقد، وهو معلوم كما لو باع حائطًا واستثنى نخلًة بعينها.
مدة بقاء الثمرة للبائع:
١ - يرى المالكية والشافعية والحنابلة أن الثمرة إذا بقيت للبائع فله تركها في الشجر إلى وقت الجذاذ؛ وذلك وفقًا للعادة والعرف ببقائها إلى جذاذها ليستفاد منها.
٢ - ويرى الحنفية أنه يلزم البائعَ قطعُها وتفريغ النخل منها؛ لأنه مبيع مشغول بملك البائع فلزمه نقله وتفريقه (٢).
الراجح: أن تبقى الثمرة إلى وقمت جذاذها وذلك حين تتناهى حلاوة ثمره ليمكن الاستفادة منه.
стр. 1247
الحكم إذا كان بعض الثمرة مؤبرًا دون بعض:
١ - ذهب أحمد في المنصوص عنه إلى أن ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري؛ لحديثِ: "من ابتاع نخلًا" المذكورِ.
٢ - وذهب الشافعي وأحمدُ في رواية إلى أن الكل للبائع وذلك بجعل ما لم يؤبر تبعًا لما أُبّر؛ لأنه بدون ذلك يؤدي إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان (١).
الراجح: الأولى في ذلك أن يكون الكل للبائع؛ لأن البستان إذا بدا صلاح ثمرة منه جاز بيع جميعها؛ إلحاقًا لما لم يَبْدُ صلاحه بما صلح فكذا هنا إلحاقًا لما لم يؤبر بما أُبِّر.
بيع الثمرة قبل بدو صلاحها: له حالات ثلاث:
الأولى: أن يشترى الثمرة بشرط التبقية، فلا يصح البيع؛ لأن النبي ﷺ "نهى عن بيعِ الثمارِ حتى يبدوَ صلاحُها نهى البائعَ والمبتاعَ" متفق عليه. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث.
الثانية: أن يبيعها بشرط القطع في الحال فيصح بالإجماع؛ لأن المنع إنما كان خوفًا من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها، وهذا مأمون فيما يقطع فصح بيعه.
الثالثة: أن يبيعها مطلقًا، ولم يشترط قطعًا ولا تبقية فالبيع باطل. وبه قال مالك الشافعي وأحمدُ، وأجازه أبو حنيفة؛ لأن إطلاق العقد يقتضى القطع فهو كما
стр. 1248
لو اشترطه، وعلى المشتري القطعُ (١).
الراجح: أن البيع غير صحيح؛ لأن الحديث قد أطلق النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فتدخل فيه هذه الحالة.
بم يكون بدو صلاح الثمر ؟
بدو صلاح ثمر النخيل وما مثله بِتَغَيُّرِ لونه للحمرة أو الصفرة، وصلاح غيرها بأن يبدو فيه النضج بأن يحلو ويطيب أكله، وإن كان مما لا يتغير لونه ويؤكل صغارًا وكبارًا كالخيار فصلاحه ببلوغه أن يؤكل عادة، ويعرف صلاح الحبوب بالاشتداد في سنبله، وإذا بدا في الثمرة الصلاح جاز بيعها. وهذا قول مالك والشافعيُّ وأحمدُ وغيرهم، ويؤيده الأحاديث الواردة في ذلك ومنها: ما روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن بيعِ الثمرةِ حتى تطيبَ" متفق عليه، وما ورد أنه نهى أن تباع الثمرة حتى تزهو، قيل: وما تزهو؟ قال: "تَحْمارُّ أو تَصْفارُّ" (٢).
بيع الثمار التي تظهر بالتدريج: يصح بيع أصول هذه الثمار التي تتكرر ثمرتها من غير شرط القطع، أما بيع ثمرتها فقد اختلفوا فيه.
١ - يرى أبو حنيفة والشافعيُّ وأحمدُ أنه يجوز بيع الموجود منها دون المعدوم؛ لأنها ثمرة لم تخلق فلم يجز بيعها.
٢ - ويرى الإمام مالك أنه يجوز بيع الجميع؛ لأن ذلك يشق تمييزه فجعل ما لم يظهر تبعًا لما ظهر كما أن ما لم يَبْدُ صلاحه تبع لما بدا.
الراجح: ما دام أن الثمرة لم تظهر وهو قد باع الثمرة كلها، فإن ذلك
стр. 1249
ينصرف إلى بيع الأصل وما فيه من ثمرة، وليس هو بيعًا للمعدوم كما يظهر فيصح ذلك. والله أعلم.
بيع ما هو مستور في الأرض من الخضار والبقول ونحوها:
١ - يرى الحنفية والشافعية -وهو رواية عند الحنابلة وابن المنذر- أنه لا يجوز بيع ذلك حتى يُقْلَعَ ويشاهَدَ؛ لأنه بيع مجهول وفيه غرر.
٢ - ويرى مالك -وهو قولٌ في مذهبِ أحمدَ- والأوزاعيُّ وإسحاقُ أن بيع ذلك جائز؛ لأن الحاجة داعية إليه، فأشبه بيعَ ما لم يبدُ صلاحه تبعًا لما بدا (١).
الراجح: يرى بعض الفقهاء جمعًا بين ذلك أنه إذا كان المبيع مما تقصد فروعه وأصوله كالبصل والكراث والفجل أو كان المقصود فروعه، فالأولى جواز بيعه؛ لأن المقصود منه ظاهر فأشبه الشجر، وإن كان معظم المقصود منه أصوله أو تساويا لم يجز بيعه في الأرض كالجزر، للغرر والجهالة، ويرى ابن تيمية جواز ذلك، وعليه عَمَلُ المسلمين قديمًا وحديثًا وهو الراجح. والله أعلم.
بيع الزرع الذي يحصد مرة بعد مرة:
يصح بيع الزرع مع الأرض تبعًا، أما بيعه دون الأرض فقد جاء فيه الأقوال الآتية:
١ - يرى الحسن وعطاء والشافعيُّ وأحمدُ أنه لا يجوز بيعه إلا أن يبيع الظاهر منه بشرط القطع في الحال؛ وذلك لأن ما في الأرض منه مستور وما يحدث منه معدوم فلا يجوز بيعه.
стр. 1250
٢ - يرى مالك جواز شراء جَزَّتَيْنِ أو ثلاثًا للحاجة.
بيع الثمار بعد بدو الصلاح:
اتفق الفقهاء على جواز بيع الثمار بعد بدو صلاحها مطلقًا؛ لأن النبي ﷺ "نهى عن بيعِ الثمرةِ قبل بُدُوِّ صلاحِها"، فيجوز بعده.
وضع الجوائح:
الجائحة: كل آفة لا صنع للآدمي فيها، كالريح والدود والجراد والعطش.
وقد اختلف الفقهاء في وضع الجائحة عن الثمار التي تباع فتصيبها الآفة:
١ - ذهب أحمد وجماعة من أهل الحديث إلى أن ما يهلك من الثمار بالجائحة من ضمان البائع قليلًا كان الهالك بها أو كثيرًا؛ لحديث جابر أن النبي ﷺ "أمر بوضعِ الجوائحِ" (١). وهذا صريح في الحكم فلا يعدل عنه.
٢ - وذهب أبو حنيفة والشافعيُّ في الجديد إلى أن ما يهلك منها من ضمان المشترى؛ لما روي أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان، فأذهبتْهَا الجائحة، فسأله أن يضع عنه فتألىَّ أن لا يفعل، فقال النبي ﷺ : "تألىَّ فلانٌ ألا يفعلَ خيرًا" متفق عليه.
٣ - وذهب مالك وأحمدُ في رواية وهو مذهب الشافعي في القديم إلى أن ما كان دون الثلث فهو من ضمان المشتري وما كان في الثلث وما زاد عنه من ضمان البائع؛ وذلك لأن الثلث اعتبره الشرع في مواضع منها: "الوصية وعطايا المريض وغيرها" (٢).
стр. 1251
الراجح: أن يتم وضع الجوائح سواء كانت أكثر من الثلث أو أقل؛ لعموم الأحاديث الواردة في ذلك، ومنها حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "إن بعتَ من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحةٌ، فلا يحلُّ لك أن تأخذَ منه شيئًا، لم تأخذُ مالَ أخيك بغر حقٍّ" (١). وما دون الثلث داخل في ذلك فيجب وضعه.
حصادُ الزرعِ وجَذُّ الثمرةِ:
الأصل أن الحصاد والجذاذ على المشتري، لأن نقل المبيع وتفريغ ملك البائع منه على المشتري كنقل الطعام المبيع من دار البائع.
فإذا شرط الحصاد والجذاذ على البائع فقد اختلف في ذلك على ما يأتي:
١ - ذهب الشافعية والحنابلة في رواية لكل منهما إلى أنه إذا شرط الحصاد أو الجذاذ على البائع فإن البيع يبطل؛ لأنه شرط ما لا يقتضيه العقد كما أنه بذلك شرط تأخير التسليم، ولحديث أن النبي ﷺ "نهى عن بيعٍ وشرطٍ" (٢).
٢ - وذهب الشافعية والحنابلة في رواية أخرى لكل منهما إلى أنه يجوز الشرط؛ لأن هذا بيع وإجارة، فهو باعه الزرع وأجره على حصاده وكل منهما يصح منفردًا، فإذا جمعهما جاز.
الراجح: صحة هذا الشرط وجوازه؛ لأنه لم يصح عن النبي ﷺ النهي عن بيع وشرط، وإنما الصحيح أن النبي ﷺ "نهى عن شرطين في بيعٍ" (٣). قال أحمد: إنما النهي عن شرطين في بيع، أما الشرط الواحد فلا بأس به (٤).
стр. 1252
اشتراط البائع منفعة المبيع مدة معلومة:
١ - يرى أحمد -وهو قول الأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر- أنه يصح أن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة مثل أن يبيع دارًا ويستثني سكناها شهرًا أو نخلًا ويشترط الثمرة له أو جملًا ويشترط ظهره إلى مكان معلوم.
٢ - ويرى أبو حنيفة والشافعيُّ أنه لا يصح الشرط؛ لنهي النبي ﷺ عن بيع وشرط ولأن هذا الشرط ينافي مقتضى البيع.
الراجح: جواز ذلك وصحة الشرط؛ لحديث جابر أنه "باع النبيُّ ﷺ جملًا واشترط ظهرَه إلى المدينةِ" (١). ولأن النبي ﷺ "نهى عن الثُّنْيَا إلا أن تُعْلَمَ" (٢). وهذه معلومة، ولم يصح أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط وإنما نهى عن شرطين في بيع.
بيع الثمرة واستثناء شيء منها:
إذا باع ثمرة بستان واستثنى منها مكيلًا أو موزونًا معينًا نحو مائة صاع أو ١٠٠ كيلو غراما، لم يجز ذلك. وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشافعيُّ وأبي حنيفة.
وقال ابن سيرين ومالك وهو رواية عن أحمد: إن ذلك يجوز؛ لأنه استثنى شيئًا معلومًا أشبه ما لو استثنى منها جزءًا.
وإن كان استثنى البائع من ثمرة البستان جزءًا معلومًا كثلث ونحوه صح البيع والاستثناء. وهو مذهب الشافعي وأحمدُ في رواية، وإن استثنى نخلةً أو
стр. 1253
شجرة بعينها فإن ذلك جائز. قال في المغني (١): "ولا نعلم في ذلك خلافًا؛ وذلك لأن المستثنى معلوم ولا يؤدي إلى جهالة المستثنى منه" (٢).
стр. 1254
باب السَّلَمْ
تعريف السَّلم في اللغة: السَّلَمُ والسَّلفُ بمعني واحد يقال: أسلم الثوبَ للخياط، أي: أعطاه إياه، وسمي السلم سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسمي سلفًا لتقديمه قبل أوان استلام المبيع، وهو نوع من أنواع البيع، ينعقد بما ينعقد به البيع علاوة على اللفظين المذكورين.
التعريف الاصطلاحي: هو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد (١).
وقيل في تعريفه: هو شراء آجل بعاجل (٢).
أركان السلم:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن أركان السلم ثلاثة:
١ - الصيغة؛ وهي الإيجاب والقبول.
٢ - العاقدان؛ وهما المسلِم والمسلَّم إليه.
٣ - والمحل وهو: رأس المال (الثمن) والمسلَم فيه.
ويرى الحنفية أن ركن السلم هو الصيغة فقط (٣).
والراجح رأي الجمهور؛ لأنه أحسن في التقسيم العلمي والبحث.
الحكم الشرعي ودليله:
السلم جائز ودليل ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
стр. 1255
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١)، قال ابن عباس ﵄ أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه. ثم قرأ هذه الآية.
وأما السنة: فما روى ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قدم المدينة والناس يسلفون في التمر السنتين والثلاث. فقال ﷺ : "من أَسْلَفَ في تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ" (٢).
وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز".
ويرى بعض الفقهاء أن السلم قد شرع على خلاف القياس إذ هو من بيع المعدوم، وبيع ما ليس عند الإنسان غير جائز ولكنه أجيز استثناء للنص والإجماع على جوازه.
ويرى البعض الآخر ومنهم ابن تيمية وابن القيم أن السلم مشروع على وفق قواعد الشريعة ويقتضيه القياس إذ أن المثمن في البيع أحد عوضي العقد فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن، كما أن من مصلحة البائع قبضَ الثمنِ معجلا؛ ليصلح به زراعته وتجارته وللنفقة على نفسه، ومن مصلحة المشتري الحصول على الثمرة رخيصة مقابل الأجل قبل قبض المبيع، وليس ذلك من قبيل بيع المعدوم. قال ابن تيمية: "فإباحة هذا على وفق القياس لا على خلافه" (٣)، وقال ابن القيم: "والصواب أنه على وفق القياس" (٤).
стр. 1256
شروط السلم:
السلم من أنواع البيع فيشترك معه في شروط ويزيد عليها شروطًا خاصة به:
١ - أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرًا بأن يذكر جنسه ونوعه وجودته ولونه وبلده؛ لئلا يؤدي إلى المنازعة، كالحبوب والثمار ونحوها.
٢ - العلم بالثمن.
٣ - قبض الثمن في مجلس العقد فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد.
٤ - أن يكون المسلم فيه في الذمة.
٥ - أن يكون مؤجلًا أجلًا معلومًا.
٦ - أن يكون المسلم فيه عامَّ الوجودِ وقت وجوب تسليمه (١).
التصرف في السلم قبل القبض:
يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة: أنه لا يصح بيع المسلم فيه لمن هو في ذمته أو لغيره أو الاستبدال عنه؛ لأنه بيع لم يتم قبضه وقد نُهِيَ عنه (٢).
وأجاز المالكية بيع المسلم فيه لغير المسلم إليه إذا لم يكن طعامًا (٣).
وأجاز ابن تيمية بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته بثمن المثل أو ورثته. وهو قول ابن عباس ورواية عن أحمد (٤).
стр. 1257
قال ابن المنذر: "ثبت عن ابن عباس أنه قال: إذا أسلفت في شيء إلى أجل فإن أخذتَ ما أسلفت منه وإلا فخُذْ عوضًا أنقص منه ولا تَرْبَحْ مرتين" (١).
تعذر وجود المسلَم فيه عند حلوله:
إذا تعذر وجود المسلم فيه عند حلول أجله كما لو أسلم في ثمرة ولم تحمل الشجر تلك السنة، فلرب السلم الصبر إلى أن يوجد المسلم فيه أو الفسخ، ويطالب برأس ماله؛ لأن العقد إذا زال وجب رد الثمن، فإن كان الثمن تالفًا رد بدله إليه (٢).
الاستصناع:
وهو عقد يشبه بيع السلم من جهة أنه بيع المعدوم وأن المصنوع ملتزم عند العقد في ذمة الصانع البائع ولذلك تم إيراده بعد السلم.
تعريفه لغة: الاستصناع في اللغة: مصدر استصنع الشيء، أي: دعا إلى صنعه (٣)، أي: تطلب من الصانع العمل.
واصطلاحًا: عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل (٤) فالمعقود عليه هنا هو العين والعمل معًا.
الفرق بين السلم والاستصناع:
السلم عام للمصنوع وغيره والاستصناع خاص بما اشترط فيه الصنع والسلم يشترط فيه تعجيل الثمن في حين أن الاستصناع لا يشترط فيه ذلك.
стр. 1258
فالاستصناع يتفق مع السلم بصورة كبيرة؛ فالآجل الذي في السلم هو ما وصف في الذمة، ويؤكد ذلك أن الفقهاء ذكروا مبحث الاستصناع ضمن السلم (١).
الفرق بين الاستصناع والإجارة: في عقد الاستصناع تكون العين والعمل جميعًا من الصانع، فإذا كانت العين من المستصنع (المشتري) والمطلوب من الصانع هو العمل فقط، فإن العقد يكون إجارة لا استصناعًا.
الحكم الشرعي ودليله:
يرى مجيزو عقد الاستصناع أنه مشروع بالسنة حيث استصنع النبي ﷺ الخاتم كما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب وكان يلبسه فجعل فصه في باطن كفه. فصنع الناس خواتيم، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه فقال: "إني كنتُ أَلْبَسُ هذا الخاتَمَ وأجعلُ فَصَّهُ من داخل" فرمى به ثم قال: "واللهِ لا ألبسُه أبدًا" فنبذ الناس خواتيمهم (٢).
وفي النهاية في غريب الحديث: "اصطنع الرسولُ ﷺ خَاتَمًا من ذهبٍ قال ابن الأثير: أي: أمر أن يصنع له" (٣).
وذكر الكاساني في البدائع: "الإجماع من لدن رسول ﷺ دون نكير" (٤). وقد تعامل الناس بهذا العقد والحاجة إليه ماسة.
стр. 1259
حكمة مشروعية الاستصناع:
لا تكفي الأشياء المصنوعة لتلبية حاجات الناس ومتطلباتهم ولا سيما في الوقت الحاضر حيث تطورت الصناعات وزادت حاجة الناس إلى صنع أشياء كثيرة تلبي رغباتهم، وفيه مصلحة للصانع بتسويق مصنوعاته وما يقتضيه ذلك من الإبداع، وللمستصنع بتلبية رغبته من حيث الشكل والجودة، وبذلك تتحقق مصلحة الطرفين.
أركان الاستصناع:
١ - العاقدان: وذلك بأن يكون كل منهما جائزَ التصرفِ.
٢ - الصيغة: وهي كل ما يدل على رضا الجانبين البائعِ والمشتري.
٣ - المحل: ويرى جمهور الحنفية أن المعقود عليه هو العين، وللمستصنع خيار الرؤية.
ولا يثبت خيار الرؤية إلا في بيع العين، وهذا يدل على أن المبيع هو العين وليس الصنعة.
ومن الحنفية من يرى أن المعقود عليه في الاستصناع هو العمل، فالاستصناع: طلب العمل لغة، ولو لم يكن عقد الاستصناع عملًا لمَا جاز أن يفرد بالتسمية (١).
والراجح: أن الاستصناع بيع للعين الموصى بصنعها لا لعمل الصانع؛ لما ذكر ولأنه يحق للصانع أن يأتي للمستصنع بما لم يصنعه هو مما يوافق الأوصاف المشروطة.
стр. 1260
حكم عقد الاستصناع من حيث اللزوم وعدمه:
يرى جمهور المجيزين لعقد الاستصناع أنه عقد غير لازم، فللمستصنع الفسخ والعدول عنه ولو جاء المصنوع موافقًا للطلب والشروط.
ويرى بعض المجيزين، ومنهم أبو يوسف، أنه عقد لازم؛ لأنه إنما صنعه على حسب طلب المستصنع فلعله لا يوافق سواه إن لم يأخذه فيتضرر البائع الصانع.
لكن إذا جاء المصنوع مختلفًا عن الأوصاف والشروط فللمستصنع الخيار بفوات الوصف (١).
الراجح: نرى أن القول بأنه عقد لازم إذا كان مطابقًا للشروط والمواصفات هو الأولى؛ لما يترتب على ذلك من الأخذ في الاعتبار بمصلحة العاقدين؛ إذ أن التعامل في الوقت الحاضر يتم بواسطة عقود يحدد فيها المطلوب من حيث المدة والجودة ومكان التسليم، وقد حدد العرف ذلك مراعاة لمصلحة الطرفين.
شروط الاستصناع:
١ - أن يكون المستصنع فيه معلومًا وذلك ببيان الجنس والنوع والعدد.
٢ - أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس؛ لأن ما لا تعامل فيه يُرْجَعُ فيه للقياس فيحمل على السلم ويأخذ أحكامه.
٣ - ألا يحدد فيه أجل، فإن حدد أجل صار سلمًا ويعتبر فيه شروط السلم، ويرى أبو يوسف ومحمَّد من الحنفية عدم اشتراط ذلك؛ إذ أن العرف جرى لضرب الأجل في الاستصناع (٢).
стр. 1261
وهو الأولى تحكيمًا للعرف وتحقيقًا لما فيه مصلحة العاقدين. وقد أخذ بذلك مجمع الفقه الإِسلامي في قراره رقم ٦٥ (٣/ ٧).
تكييف عقد الاستصناع:
اختلف في تخريج الاستصناع على النحو الآتي:
١ - يرى بعضهم أنه وعد بالبيع؛ لأن الصانع له ألا يعمل، وبذلك كان ارتباطه مع المستصنع ارتباطَ وعدٍ لا عقدٍ، وللمستصنع حق الرجوع عما استصنعه قبل تمامه ورؤيته، وهذا علامة على أنه وعد لا عقد.
٢ - ويرى بعضهم أن الاستصناع إجارة؛ لأن المقصود هو العمل.
٣ - ويرى أكثر الحنفية والحنابلة أن الاستصناع بيع وجاء ذكره في أنواع البيوع، ويثبت فيه للمشترى خيار الرؤية (١).
الراجح: أن الاستصناع بيع، لتوفر مقومات البيع فيه، وشرط العمل فيه لا يخرجه عن كونه بيعًا؛ لأن العمل جاء تبعًا. ويمكن أن يقال إنه عقد جديد توافرت فيه خصائصُ عقودٍ أخرى.
أقوال الفقهاء في الاستصناع:
١ - ذهب بعض الفقهاء إلى أن الاستصناع غير صحيح؛ لأنه بيع ما ليس عنده على غير وجه السلم وهو قول في المذهب الحنبلي. جاء في الإنصاف (٢): "ذكر القاضي وأصحابه أنه لا يصح استصناع سلعه؛ لأنه بيع ما ليس عنده على وجه السلم".
стр. 1262
٢ - وذهب بعضهم ومنهم الحنفية وهو قول في المذهب الحنبلي، إلى أنه عقد صحيح باعتباره عقدًا منفصلًا اجتمع فيه بيع وغيره. جاء في الإنصاف: "وقيل: يصح بيعه للمشترى إن صح جمع بين بيع وإجارة منه بعقد واحد؛ لأنه بيع وسلم".
٣ - ويرى بعض الفقهاء أن الاستصناع ملحق بالسلم فيؤخذ حكمه من السلم (١).
الراجح: أن الاستصناع عقد صحيح يتفق والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، وله دور كبير في تنشيط الصناعة والنهوض بالاقتصاد الإِسلامي. وقد أصدر مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي في قراره رقم ٦٥/ ٣ / ٧ المنعقد في جدة في ٧/ ١٢ / ١٤١٢ هـ الآتيَ:
أولًا: أن عقد الاستصناع -وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة- ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط.
ثانيًا: يشترط في عقد الاستصناع ما يلي:
أ- بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة.
ب- أن يحدد فيه الأجل.
ثالثًا: يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة.
رابعًا: يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة. أ. هـ
стр. 1263
انتهاء عقد الاستصناع:
ينتهي الاستصناع بما يأتي:
١ - إنجاز المستصنع وتسليم العين وقبض الثمن.
٢ - انتهاء المدة قبل إنجاز المستصنع وتسليمه حسب الاتفاق.
٣ - موت أحد العاقدين (١).
стр. 1264
باب القرض
أولًا: تعريفه:
القرض في اللغة: مصدر قرض الشيء يقرضه إذا قطعه، والقرض اسم مصدر بمعنى الإقراض، يقال: قرضت الشيء بالمقراض. والقرض ما تعطيه الإنسانَ من مالِكَ لتُقضاه.
أما في الاصطلاح: فهو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله (١).
ثانيًا: أصل مشروعية القرض:
دل على مشروعية القرض الكتاب والسنة والإجماع.
١ - فدليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٢).
ووجه الدلالة من الآية أن الله شبه الأعمال الصالحة والإنفاق في سبيل الله بالمال المقرض، وشبَّه الجزاء المضاعف على ذلك ببذل القرض، وسمى أعمال البر قرضًا؛ لأن المحسن بذلها ليأخذ عوضها فأشبه من أقرض شيئًا ليأخذ عوضه.
٢ - ودليل السنة: ما رواه مسلم عن أبي رافع ﵁: أن رسول الله ﷺ استلف من رجل بكرًا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: "أعطِه إياه؛ إن خيارَ الناسِ أحسنُهم قضاءً" (٣).
стр. 1265
وروى ابن ماجه أيضًا عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ مسلمٍ يقرضُ مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقتِها مرةً" (١).
٣ - أما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز القرض (٢).
ثالثًا: الحكمة في مشروعيته:
الشريعة الإِسلامية مليئة بالحكم والأسرار فما من حكم شرعي إلا وله حكمة في تشريعه، ومن جملة هذه الأحكام القرض، فلما كانت أحوال الناس مختلفة منهم المعسر، ومنهم الموسر، ندب الله إلى القرض وجعله قربة من القرب، وذلك لما فيه من إيصال النفع للمقترض؛ وذلك لقضاء حاجته وتفريج كربته. قال ﷺ : "مَنْ نفَّس عن مسلمٍ كربةً من كربِ الدنيا نفَّسَ اللهُ عنه كربةً من كربِ يومِ القيامةِ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٣).
فالقرض من محاسن الدين؛ لأنه يحتاجه من ضاقت أموره وانكسر خاطره واشتدت عليه الحاجة.
حكم القرض:
يدور القرض مع الأحكام التكليفية: فتارة يكون مباحًا، وتارة يكون مكروهًا، وتارة يكون واجبًا، وتارة يكون حرامًا، وذلك بحسب ما يلامسه أو يفضي إليه، فالوسائل تأخذ أحكام المقاصد.
فإذا كان المقترض مضطرًّا والمقرض مليئًا كان إقراضه واجبًا.