← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وهو الأولى تحكيمًا للعرف وتحقيقًا لما فيه مصلحة العاقدين. وقد أخذ بذلك مجمع الفقه الإِسلامي في قراره رقم ٦٥ (٣/ ٧). تكييف عقد الاستصناع: اختلف في تخريج الاستصناع على النحو الآتي: ١ - يرى بعضهم أنه وعد بالبيع؛ لأن الصانع له ألا يعمل، وبذلك كان ارتباطه مع المستصنع ارتباطَ وعدٍ لا عقدٍ، وللمستصنع حق الرجوع عما استصنعه قبل تمامه ورؤيته، وهذا علامة على أنه وعد لا عقد. ٢ - ويرى بعضهم أن الاستصناع إجارة؛ لأن المقصود هو العمل. ٣ - ويرى أكثر الحنفية والحنابلة أن الاستصناع بيع وجاء ذكره في أنواع البيوع، ويثبت فيه للمشترى خيار الرؤية (١). الراجح: أن الاستصناع بيع، لتوفر مقومات البيع فيه، وشرط العمل فيه لا يخرجه عن كونه بيعًا؛ لأن العمل جاء تبعًا. ويمكن أن يقال إنه عقد جديد توافرت فيه خصائصُ عقودٍ أخرى. أقوال الفقهاء في الاستصناع: ١ - ذهب بعض الفقهاء إلى أن الاستصناع غير صحيح؛ لأنه بيع ما ليس عنده على غير وجه السلم وهو قول في المذهب الحنبلي. جاء في الإنصاف (٢): "ذكر القاضي وأصحابه أنه لا يصح استصناع سلعه؛ لأنه بيع ما ليس عنده على وجه السلم".

стр. 1262

٢ - وذهب بعضهم ومنهم الحنفية وهو قول في المذهب الحنبلي، إلى أنه عقد صحيح باعتباره عقدًا منفصلًا اجتمع فيه بيع وغيره. جاء في الإنصاف: "وقيل: يصح بيعه للمشترى إن صح جمع بين بيع وإجارة منه بعقد واحد؛ لأنه بيع وسلم". ٣ - ويرى بعض الفقهاء أن الاستصناع ملحق بالسلم فيؤخذ حكمه من السلم (١). الراجح: أن الاستصناع عقد صحيح يتفق والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، وله دور كبير في تنشيط الصناعة والنهوض بالاقتصاد الإِسلامي. وقد أصدر مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي في قراره رقم ٦٥/ ٣ / ٧ المنعقد في جدة في ٧/ ١٢ / ١٤١٢ هـ الآتيَ: أولًا: أن عقد الاستصناع -وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة- ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط. ثانيًا: يشترط في عقد الاستصناع ما يلي: أ- بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة. ب- أن يحدد فيه الأجل. ثالثًا: يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة. رابعًا: يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة. أ. هـ

стр. 1263

انتهاء عقد الاستصناع: ينتهي الاستصناع بما يأتي: ١ - إنجاز المستصنع وتسليم العين وقبض الثمن. ٢ - انتهاء المدة قبل إنجاز المستصنع وتسليمه حسب الاتفاق. ٣ - موت أحد العاقدين (١).

стр. 1264

باب القرض أولًا: تعريفه: القرض في اللغة: مصدر قرض الشيء يقرضه إذا قطعه، والقرض اسم مصدر بمعنى الإقراض، يقال: قرضت الشيء بالمقراض. والقرض ما تعطيه الإنسانَ من مالِكَ لتُقضاه. أما في الاصطلاح: فهو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله (١). ثانيًا: أصل مشروعية القرض: دل على مشروعية القرض الكتاب والسنة والإجماع. ١ - فدليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٢). ووجه الدلالة من الآية أن الله شبه الأعمال الصالحة والإنفاق في سبيل الله بالمال المقرض، وشبَّه الجزاء المضاعف على ذلك ببذل القرض، وسمى أعمال البر قرضًا؛ لأن المحسن بذلها ليأخذ عوضها فأشبه من أقرض شيئًا ليأخذ عوضه. ٢ - ودليل السنة: ما رواه مسلم عن أبي رافع ﵁: أن رسول الله ﷺ استلف من رجل بكرًا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: "أعطِه إياه؛ إن خيارَ الناسِ أحسنُهم قضاءً" (٣).

стр. 1265

وروى ابن ماجه أيضًا عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ مسلمٍ يقرضُ مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقتِها مرةً" (١). ٣ - أما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز القرض (٢). ثالثًا: الحكمة في مشروعيته: الشريعة الإِسلامية مليئة بالحكم والأسرار فما من حكم شرعي إلا وله حكمة في تشريعه، ومن جملة هذه الأحكام القرض، فلما كانت أحوال الناس مختلفة منهم المعسر، ومنهم الموسر، ندب الله إلى القرض وجعله قربة من القرب، وذلك لما فيه من إيصال النفع للمقترض؛ وذلك لقضاء حاجته وتفريج كربته. قال ﷺ : "مَنْ نفَّس عن مسلمٍ كربةً من كربِ الدنيا نفَّسَ اللهُ عنه كربةً من كربِ يومِ القيامةِ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٣). فالقرض من محاسن الدين؛ لأنه يحتاجه من ضاقت أموره وانكسر خاطره واشتدت عليه الحاجة. حكم القرض: يدور القرض مع الأحكام التكليفية: فتارة يكون مباحًا، وتارة يكون مكروهًا، وتارة يكون واجبًا، وتارة يكون حرامًا، وذلك بحسب ما يلامسه أو يفضي إليه، فالوسائل تأخذ أحكام المقاصد. فإذا كان المقترض مضطرًّا والمقرض مليئًا كان إقراضه واجبًا.

стр. 1266

وإذا علم المقرض أن المقترض يصرفه في معصية أو أمر مكروه كان القرض حرامًا أو مكروهًا بحسب الحال. وإذا اقترض لا لحاجة بل ليزيد في تجارته طمعًا في الربح الحاصل منه، كان إقراضه مباحًا، هذا في حق المقرض. أما في حق المقترض فالقرض في حقه مباح لمن علم من نفسه الوفاء كأن يكون له مال مرتجىً وعزم على الوفاء منه وإلا لم يجز. أما إذا كان مضطرًا للقرض كشراء طعام له لإنقاذه من التهلكة، فهنا يجب في حقه؛ لدفع الضرر عن نفسه. هل القرض على وفق القياس أم على خلافه ؟ اختلف الفقهاء في القرض: هل هو خلاف القياس أم هو على وفق القياس؟ فالجمهور على أنه خلاف القياس؛ وذلك لأنه من بيع الدراهم بالدراهم إلى أجل، فهو ربا لكنه رخص فيه من أجل مصالح الناس. والمختار عند شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم أنه يجري على القياس؛ لأنه عقد إرفاق وليس بيعًا وليس المقصود من القرض النفع الدنيوي وإنما يقصد منه الأجر الأخروي بخلاف البيع فإن القصد منه النفع الدنيوي. رابعًا: أركان وشروط عقد القرض: للقرض ثلاثة أركان هي: الأول: الصيغة. الثاني: العاقدان. الثالث: المال المقرض.

стр. 1267

شرح أركان القرض مع بيان شروط هذه الأركان: الركن الأول: الصيغة: تعريفها: هي الإيجاب والقبول. لا خلاف بين الفقهاء في صحة الإيجاب بلفظ القرض أو السلف وبكل ما يؤدي معناهما، كأقرضتك وأسلفتك وأعطيتك قرضًا أو سلفًا. وكذلك يصح القبول بكل لفظ يدل على الرضا مثل: استقرضت، أو قبلت، أو رضيت ونحو ذلك (١). ثانيًا: العاقدان: من أركان القرض العاقدان؛ والمراد بهما المقرض والمقترض ولكل منهما شروط: أولًا: الشروط المعتبرة في المقرض: ١ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط في المقرض أن يكون من أهل التبرع. أي: حرًا بالغًا عاقلًا رشيدًا، وعللوا ذلك؛ لأن القرض عقد إرفاق فلم يصح إلا ممّن يصح تبرعه كالصدقة (٢). ويعلل الشافعية بأن القرض فيه شائبةُ تبرعٍ لا أنه من عقود الإرفاق والتبرع. وقد نص الشافعية على أن أهلية المقرض للتبرع ستلزم اختياره فلا يصح إقراض من مكره إذا كان الإقراض بغير حق، أما إذا أكره بحق بأن وجب عليه

стр. 1268

الإقراض لنحو اضطرار، فإن إقراضه مع الإكراه يكون صحيحًا (١). وفرَّع الحنفية على اشتراط أهلية التبرع في المقرض عدمَ صحة إقراض الأب والوصي لمال الصغير (٢). وفرَّع الحنابلة على اشتراط أهلية التبرع عدمَ صحة قرض ولى اليتيم وناظر الوقف لماليهما (٣). وأما الشافعية فقد فصَّلوا في هذه المسألة فقالوا: لا يجوز إقراض الولي مال موليه من غير ضرورة إذا لم يكن الحاكم، أما الحاكم فيجوز له إقراضه من غير ضروره (٤). ثانيًا: الشروط المعتبرة في المقترض: ١ - اشترط الشافعية في المقترض أهلية المعاملة دون اشتراط أهلية التبرع، أما الأحناف فالمستفاد من تعريفاتهم أنه يشترط أهلية التصرفات القولية فيه، وذلك بأن يكون حرًا بالغًا عاقلًا (٥). ٢ - واشترط الحنابلة في المقترض تمتعه بالذمة؛ لأن الدين لا يثبت إلا في الذمم فلا يصح الاقتراض مثلًا لمسجد أو مدرسة أو رباط؛ لعدم وجود ذمم لهذه الجهات (٦).

стр. 1269

ثالثًا: المال المقترض: يشترط في هذا الركن شروط، منها: ١ - كونه من المثليات؛ والمراد بها الأموال التي لا تتفاوت آحادها تفاوتًا تختلف به قيمتها كالنقود وسائر المكيلات والموزونات والمزروعات والعدديات المتقاربة. أما إذا كانت من القيميات التي تتفاوت آحادها تفاوتًا تختلف به قيمتها كالحيوان والعقار ونحو ذلك، فلا يصح إقراضها؛ لأنه لا سبيل إلى إيجاب رد العين ولا إلى إيجاب رد القيمة مما يؤدى إلى المنازعة لاختلاف القيمة ولاختلاف تقويم المقومين. هذا ما ذهب إليه الحنفية (١). أما المالكية والشافعية في الأصح عندهم فإنه يجوز إقراض المثليات بل يجوز إقراض كل ما يجوز السلم فيه حيوانًا كان أو غيره، وهو كل ما يملك بالبيع ويضبط بالوصف ولو كان من القيميات، وعللوا ذلك بأن النبي ﷺ استقرض بكرًا، وقيس عليه غيره. أما ما لا يجوز السلم فيه؛ وهو ما لا ينضبط بالوصف كالجواهر ونحوها، فلا يصح إقراضه، غير أن الشافعية استثنوا مما لا يجوز السلم فيه قرض الخبز وزنًا للحاجة والمسامحة (٢). أما الحنابلة فقالوا بجواز قرض كل عين يجوز بيعها سواء كانت مثلية أو قيمية وسواء كانت مما يضبط بالوصف أم لا (٣).

стр. 1270

٢ - يشترط في المال المقترض أن يكون عينًا، فلا يصح إقراض المنافع. وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة (١). وخالف الشافعيةُ والمالكيةُ فلم يشترطوا في باب القرض كونه عينًا، بل يصح عندهم إقراض المنافع التي تنضبط بالوصف؛ لأنه كما ذكرنا عندهم كل ما صح السلم فيه صح إقراضه، وعندهم أن السلم يجوز في المنافع كما هو الشأن في الأعيان (٢). والمختار عند شيخ الإِسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم جواز قرض المنافع (٣). ٣ - كون المال المقترض معلومًا، ولا خلاف بين الفقهاء في هذا الشرط؛ وذلك ليتمكن المقترض برد البدل المماثل. وهذا الشرط يتناول أمرين: الأول: معلومية القدر. الثاني: معرفة الصفة. وذلك ليتأتى أداؤه، فمتى فقد القرض شرط المعلومية لم يصح (٤). القرض عقد لازم أم جائز ؟ القرض عقد لازم من جهة المقرض بعد قبض المقترض له، وجائز من قبل المقترض، فمتى أعطى المقرض المقترض المال فإنه لا يجوز سحبه منه؛ لأنه عقد لازم، أما المقترض فمتى أراد أن يرد ما اقترضه جاز له ذلك.

стр. 1271

اشتراط الأجل في القرض: الأكثرية على أنه لا يصح الأجل في القرض ولا يلزم وذلك؛ لأن القرض دين حالٌّ والحالُّ لا يتأجل فالشرط باطل وليس له مفعول لو اشترط. والصحيح أنه يجوز اشتراط الأجل في القرض. وهو قول مالك واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم وهو قول الشيخ محمَّد العثيمين ﵀ والشيخ صالح الفوزان (١). الزيادة في القرض ولها حالتان: الأولى: أن تكون الزيادة مشترطه فهذه ممنوعة بالإجماع وكذلك المنفعة المشترطة كأن يقول له: أقرضك على أن تسكنني دارك أو غير ذلك من المنافع، فهذا من التحايل على الربا، لقوله ﷺ : "كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهو ربًا" (٢). الثانية: أن تكون الزيادة بعد الوفاء وبدون شرط، فهذا جائز وهو من حسن القضاء، للحديث المتقدم في أدلة القرض (٣).

стр. 1272

شرط وفاء القرض في بلد آخر: إذا أقرضه وشرط عليه الوفاء في بلد آخر فهذه لها حالتان: الأولى: ما يكون لحمله مؤونة فهذا لا يصح قولًا واحدًا؛ لأنه قرض جر نفعًا. كما لو أقرضه برًا أو شعيرًا وشرط عليه الأداء في بلد آخر فهذا لا يجوز؛ لأنه أراد أن يسلم من أجرة نقله: "وكلُّ قرضٍ جَرَّ نفعًا فهو ربًا". الثانية: إذا لم يكن لحمله مؤونة كالنقود، وهو موضع خلاف بين أهل العلم: القول الأول: ذهب مالك والشافعيُّ ورواية لأحمد وكثير من أهل العلم إلى المنع من ذلك؛ لأنه قرض جر نفعًا فاستفاد المقترض باستخدام هذه النقود في هذه البلدة وهذا قرض جر نفعًا. القول الثاني: الجواز. وهو قول الحنفية (١) وهو رواية عن أحمد واختارها ابن قدامة وشيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم؛ وذلك لأن النفع لم ينفرد به المقرض، وإنما انتفع به الطرفان: فالمقرض ربح أمن الطريق، والمقترض ربح بأنه استفاد بالنقود واشترى بها. فلا بأس بذلك. واختاره الشيخ صالح الفوزان (٢)، وهذا هو الراجح. ضع وتعجل (إسقاط بعض الدين وتعجيل وفاء الباقي): صورة هذه المسألة أن يقرض الإنسان غيره قرضًا إلى أجل ثم يقول المقرض للمقترض: أضع عنك بعض الدين نظير أن ترد الباقي قبل الأجل.

стр. 1273

اختلف الفقهاء في هذه المسألة فالجمهور على التحريم، والصواب الجواز. وهو رأي شيخ الإِسلام ابن تيمية ورجحه ابن القيم وانتصر لهذا الرأي في إعلام الموقعين ورجحه الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب والشيخ البلبهي في السلسبيل (١). إنظار المعسر: إنظار المعسر أمر ضروري دعت إليه شريعة الإِسلام، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). ولذا ينبغي لمن كان له قرض عند بعض الناس أن ينظره إذا كان معسرًا؛ لأنه من باب الإرفاق والتنفيس لكرب المسلمين. وجوب أداء القرض: وإذا قلنا بأنه ينبغي للمقرض إنظار المعسر فالواجب على المقترض أن يتعجل بقضاء ما عليه من الديون قبل أن تأتيه منيته فيموت وهو عليه دين.

стр. 1274

باب الرَّهْن تعريف الرهن: في اللغة: الثبوت والدوام، ويقال: ماء راهن، أي: راكد، ونعمة راهنة أي: دائمة، وقيل: هو الحبس، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١). أي: محبوسة، وهو قريبٌ من الأول؛ لأن المحبوس ثابت في مكانه (٢). وفي الاصطلاح: جعلُ عينِ ماليةٍ وثيقةً بدينٍ؛ ليستوفى منها أو من ثمنها إذا تعذر الوفاء (٣). الحكم الشرعي ودليله: الرهن جائز ودليل ذلك الكتاب والسنة والإجماع: فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٤). وأما السنة: فمنه حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : "اشترى من يهوديٍّ طعامًا ورهنه درعَه" (٥). وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن ومشروعيته في السفر، أما في الحضر فإنه لم يخالف في مشروعيته فيه إلا مجاهد حيث قصر الرهن على حال السفر مستدلًا بالآية، ولكن يرد عليه بالحديث، ثم إن ذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب (٦).

стр. 1275

أركان الرهن: يرى الجمهور أن أركان الرهن أربعة هي: المرهون، والمرهون به، والصيغة، والعاقدان: وهما الراهن والمرتهن. ويرى الحنفية أن ركن الرهن واحد وهو الصيغة؛ لأنه هو حقيقة العقد، وأما غيره فهو خارج عن ماهيته، وذلك بناء على رأيهم في العقود كافة. شروط الرهن: يشترط للرهن: ١ - أن يكون كل من العاقدين جائز التصرف بأن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا. ٢ - أن يكون الرهن بدين واجب أو مآلُه إلى الوجوب. ٣ - أن يكون المرهون متمولًا يمكن أخذ الدين منه أو من ثمنه عند تعذر وفاء الدين. ٤ - أن يكون المرهون ملكًا للراهن أو مأذونًا له في رهنه (١). متى يلزم الرهن ؟ ذهب الحنفية والشافعية وفي رواية عن الحنابلة إلى أن عقد الرهن لا يلزم إلا بالقبض؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢). حيث قيد الرهن بالقبض. وذهب المالكية وفي رواية عند الحنابلة إلى أن عقد الرهن يلزم بالعقد؛ لأنه عقد يلزم بالقبض فلزم قبله كالبيع، فالقبض عند مالك من تمام الرهن وليس شرطَ صحة له.

стр. 1276

والراجح: أن الرهن يلزم بالعقد؛ لأن ذلك يحقق فائدة الرهن من استيفاء الدين منها أو من ثمنها عند تعذر الاستيفاء، والآية جاءت على الوصف بالأغلب والحاجة داعية إلى التوثق ولو لم يكن تم القبض (١) لا مكان حصوله. منافع الرهن وغُرْمُهُ: منافع الرهن ونماؤه للراهن؛ لأنه مِلْكُه ليس لغيره أخذها بغير إذنه، فإن أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض وكان دين الرهن ناتجًا من قرض، لم يجز؛ لأنه يكون قرضًا يجر منفعة، وأما إن كان المرهون مركوبًا أو محلوبًا فإنه يجوز للمرتهن أن يركب ويحلب بقدر نفقته من غير إذن الراهن؛ لحديث: "الظهرُ يُرْكضَبُ بنفقتِه إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بنفقتِه إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يَرْكَبُ وَيشْرَبُ النفقةُ" (٢) وذلك عند الحنابلة. أما جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية فإنهم يرون أنه ليس للمرتهن الانتفاع بالرهن وإنما هو للراهن؛ لحديث: "له غُنْمُهُ وعليه غُرْمُهُ" (٣). ولم يأخذ بحديث الانتفاع بالركوب والحليب بقدر النفقة إلا الإِمام أحمد (٤)، وهو الراجح -إن شاء الله- للحديث الصحيح. ضمان المرتهن للمرهون عند تلفه: يرى الشافعية والحنابلة أن يد المرتهن يد أمانة فلا يضمن إلا بتعدٍّ؛ لحديث:

стр. 1277

"لا يُغْلَقُ الرهنُ؛ لصاحبِه غُنْمُه وعليه غُرْمُه" (١)، ولو تم تضمين المرتهن لامتنع الناس من فعله، خوفًا من الضمان. ويرى الحنفية أن يد المرتهن يد ضمان، فيضمن المرتهن إن هلك بيده الأقل من قيمته ومن الدين، واستدلوا بحديث عطاء بن أبي رباح أنه حدث أن رجلًا رهن فرسًا فنفق في يده فقال رسول الله للمرتهن: "ذَهَبَ حَقُّكَ" (٢). وفرق المالكية بين ما يمكن إخفاؤه كالحلي والعروض وبين ما لا يمكن إخفاؤه كالحيوان والعقار: فيضمن الأول، ولا يضمن الثاني إلا بتفريط منه (٣). والراجح: أن الرهن أمانة بيد المرتهن؛ لحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يُغْلَقُ الرهنُ وهو ممّن رهنه، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه" (٤)، أي: له غلته وخراجه وعليه خسارته وهلاكه، والراهن قد رضي أمانة المرتهن فأشبه المودع، ثم إن مالكًا رأى أن ما ظهر هلاكه كالعقار أمانة، فينبغي أن يكون كله أمانة، وكذلك فإن أبا حنيفة يرى أن ما زاد من قيمة الرهن على قيمة الدين هو أمانة فينبغي أن يكون كله أمانة. متى يستحق بيع المرهون ؟ المرهون حق الراهن له ملكه، لكن إذا حل الدين لزم الراهن بطلب المرتهن إيفاء الدين؛ لأنه دين حالٌّ فلزم إيفاؤه كالدين الذي لا رهن به، فإن وُفِّيَ الدينُ

стр. 1278

جميعه من غير المرهون انفك الرهن فإن لم يف بالدين كله أو بعضه وجب على الراهن بيع المرهون بنفسه أو وكيله بإذن المرتهن، ويُقَدَّم المرتهن في ثمنه على سائر الغرماء، فإن امتنع الراهن من سداد الدين وبيع المرهون عزره الحاكم بالحبس لبيع المرهون، فإن لم يفعل باع الحاكمُ المرهونَ وقضى الدينِ من ثمنه، وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة، وقال المالكية ببيعِ الحاكمِ المرهونَ دون حبس وَيُؤَدَّى الدينُ من ثمنه. ويرى الحنفية أن للمرتهن مطالبةَ الراهن لِسداد الدين، ومطالبة الحاكم بحبسه إن ظهر مَطْلُه، ولا يبيع القاضي المرهون، لأنه نوع حَجْرٍ وفي الحجر إهدارُ أَهْلِيَتِهِ، فلا يجوز، ولكنه يحبسه حتى يبيعه؛ دفعًا للظلم (١). الراجح: أن الحاكم يبيع المرهون ويؤدي من ثمنه دون حبس للراهن؛ لأن الهدف هو سداد الدين وهو يتحقق بذلك مع ما يترتب على الحبس من سلبيات اجتماعية وغيرها، فإن وفى المرهون قيمة الدين انتهي الدين، وإلا بقي على الراهن الفرق بين قيمة الرهن والدين فيجب عليه تسديده.

стр. 1279

باب الضمان (الكفالة) التعريف لغة: يقال: ضمن الشيء ضمانًا فهو ضامن، أي: كفله، وضمن الرجل ضمانًا: كفله أو التزم أن يؤدي عنه ما قد يقصر في أدائه، والضامن: الكفيل أو الملتزم أو الغارم (١). ويقال: كفل فلانُ كفلًا وكفالة: ضمنه، قال ابن الأعرابي: كفيل وكافل وضمين وضامن بمعنى واحد (٢). قال المازريُّ في شرح التلقين: الحمالة في اللغة والكفالة والضمان والزعامة كل ذلك بمعنى واحد، غير أن الماورديَّ قال: إن العرف قد خصص الضمين بالمال والحميل بالدية والزعيم بالمال العظيم والكفيل بالنفس، والصبير يعم الكل ومثله القبيل (٣). واصطلاحًا: هو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق الواجب حالًا أو مستقبلًا. وهو تعريف شامل لأنواع الضمان؛ لأن التزام الحق قد يكون بالمال وقد يكون بالنفس وهو مانع لدخول غير المعرف فيه كضمان الغاصب والمستعير. إطلاق لفظ الضمان والكفالة: يجد المطلع على كتب الفقه أن الفقهاء يطلقون لفظ الضمان والكفالة على النحو الآتي: ١ - جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يطلقون لفظي الضمان والكفالة كلًّا منهما على الآخر، فهما مترادفان يراد بهما ما يعم ضمان المال وضمان

стр. 1280

النفس وضمان الطلب، كما أنهم يستعملون لفظ الضمان فيما هو أعم من ذلك، وهو الضمان مطلقًا، سواء كان بعقد أو ضمان الضرر أو الاعتداء أو غيره. وهذا هو ما نتبعه في هذا المؤلَّف. ٢ - يطلق الحنفية الكفالة على ما كان فيه الضمان بموجب العقد وتشمل كفالة النفس وكفالة المال والكفالة بالتسليم، ويطلقون الضمان على ما هو أعم فيشمل الضمان بالعقد وغير العقد، فهم يتفقون مع الجمهور في إطلاق لفظ الضمان على ما هو أعم من الكفالة وضمان المال وغيرها. ٣ - ومن الفقهاء من يرى تخصيص الضمان بالمال، أما الكفالة فيراد بها الضمان بالنفس. أركان الضمان: للضمان أربعة أركان: ١ - الركن الأول: الصيغة: وينعقد الضمان بكل لفظ أو فعل يدل على التزام الموجب وتعهده بما التزم، وكذلك بالكتابة وإشارة الأخرس إذا كانت تدل على المقصود. ٢ - ٣ - الركن الثاني والثالث: العاقدان: وهما طرفا العقد اللذان لا يتم انعقاده إلا بهما، ولا بد أن يكون كل منهما أهلًا لإجراء العقد وذلك بأن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا غير محجور عليه. ٤ - الركن الرابع: المعقود عليه (محل العقد): وهو المعبر عنه في الضمان بالمضمون، وهو الحق الملتزم به لصاحب الحق، وهو إما أن يكون عينًا أو دينًا أو نفسًا أو فعلًا (١).

стр. 1281

شرط الضمان (الكفالة): يشترط أن يكون الضامن جائز التصرف في ماله وهو البالغ العاقل الرشيد المختار. الحكم الشرعي ودليله: الأصل في مشروعية الضمان (الكفالة) الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١). قال ابن عباس: الزعيم الكفيل. وهذا نص في جواز الكفالة. وقال ابن كثير: هذا من باب الضمان والكفالة (٢). ومن السنة: حديث سلمة بن الأكوع قال: كنا عند النبي ﷺ فَأُتِيَ بجنازة فقالوا: يا رسول الله، صل عليها، قال: "هل ترك شيئًا؟ " قالوا: لا، قال: "هل عليه دَيْنٌ؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، قال: "صلوا على صاحبكم"، فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعليَّ دينُه، فصلى عليه. رواه أحمد والبخاريُّ والنسائيُّ. وأما الإجماع: فهو ما نراه من تعامل الناس وكفالة بعضهم بعضًا منذ القرون الأولى وإلى يومنا هذا دون إنكار من أحد، وقد نقل الإجماع كثير من الفقهاء. جاء في حاشية ابن عابدين (٣): ودليلها الإجماع وسنده قوله ﷺ : "الزعيم غارم" (٤).

стр. 1282

وأما المعقول: فإن الشريعة الإِسلامية الغراء قد تكفلت بحفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات (١)، فكل ما أدى إلى حفظ واحد منها فهو من مقاصد الشريعة، ولما كان الناس محتاجين إلى التعامل بالضمان والكفالة أقر الإِسلام مشروعيتها؛ لأن في منعها حرجًا ومشقةً والإِسلام دين اليسر، وعن طريق الضمان يطمئن صاحب المال على ماله؛ لالتزام الكفيل بأدائه، وهو -غالبًا- مستطيع لذلك فينصرف المدين إلى العمل وسداد الدين، وعن طريق ذلك تنتشر المحبة بين أفراد المجتمع؛ إذ يشعر المحتاج بتعاون الآخرين معه، ويستطيع الحصول على ما لا يستطيع الحصول عليه بدون الضمان، بل إن الكفالة من الأعمال المستحبة حيث يقول الرسول ﷺ عندما كفل علىٌّ عن الميت: "جزاك اللهُ عن الإِسلامِ خيرًا وفكَّ رهانَك كما فككْتَ رِهَانَ أخيك، ما من مسلمٍ فَكَّ رِهَانَ أخيه إلا فك اللهُ رِهَانَه يومَ القيامةِ" (٢) وهذا الحديث يدل على أنها مندوبة؛ لأنها إحسان ومعروف. خصائص عقد الضمان (الكفالة): للضمان الشخصي خصائص عدة أهمها: ١ - يعقد عقد الكفالة بمجرد التراضي بين الكفيل والدائن ولا يحتاج في انعقاده إلى شكل خاص من كتابة ونحوها.

стр. 1283

٢ - الكفالة عقد لازم من جهة الكفيل وهو بالتزامه لا بد أن يقوم بوفاء الدين للدائن ولا يستقل الكفيل بفسخه بدون رضا المكفول له. ٣ - الكفالة من عقود التبرعات؛ لأن الكفيل بعمله هذا لم يأخذ شيئًا معاوضة وإنما بذل التزامه دفعًا للضرر والمشقة عن المدين. ٤ - الأصل في الكفالة هو التزام المدين الأصلي والتزامُ الكفيل تَبَعٌ لالتزام المدين الأصلي. ولذا يطلق على الكفالة أنه عقد تابع، فالأصلية كالبيع والإيداع والإعارة، والتبعية كالرهن والكفالة (١). أقسام الضمان (الكفالة): يجد الباحث في كتب الفقه أن للكفالة في المذاهب الفقهية تقسيمات وهي لا تختلف في جوهرها وإنما هي من باب التنظيم: ١ - فيرى بعض الحنفية أن أقسام الضمان الشخصي ثلاثة: كفالة النفس، وكفالة العين، وكفالة الدين. وزاد بعضهم قسمًا رابعًا هي الكفالة بالتسليم (٢). ٢ - ويرى المالكية أن أقسام الضمان ثلاثة: هي ضمان المال، وضمان الوجه، وضمان الطلب (٣). ٣ - ويرى الشافعية أن أقسام الضمان ثلاثة: هي ضمان الدين، وضمان البدن، وضمان العين (٤).

стр. 1284

٤ - ويرى الحنابلة أن أقسام الضمان اثنان وهما: ضمان المال، وضمان البدن، ثم يقسم ضمان المال إلى: ضمان الدين، وضمان العين (١). وحيث إن كفالة التسليم وكفالة الدين وضمان الطلب من كفالة المال -والتي يتناولها البحث أصلًا منذ بداية الباب لكنها تختلف عن غيرها في بعض الأحكام- لذلك فإن من المناسب إفرادَ كل منها، فيكون التقسيم الذي نتبعه: كفالة النفس ، والكفالة بالتسليم، والكفالة بالدرك، وضمان الطلب. كفالة النفس: التعريف: هي ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول عنه في التزام إحضاره. حكم كفالة النفس: يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة جواز الكفالة بالنفس واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة (٢): فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). قال القرطبي (٤): "أي: خذ أحدنا مكانه حتى ينصرف إليك صاحبك" وهذا من كفالة النفس. وأما السنة: فقوله ﷺ في حديث أبي إمامة: "الزعيمُ غارمٌ" (٥) وهذا عامٌّ يشمل كفالة النفس.

стр. 1285

ويرى بعض الشافعية والظاهرية عدم جواز الكفالة بالنفس (١). والراجح: هو القول بجواز الكفالة بالنفس؛ للأدلة التي أوردها المجيزون. حكم كفالة بدن من عليه حد أو قصاص: تجوز الكفالة ببدن من عليه حد أو قصاص فيما كان حقَّ آدمي، ولا تجوز فيما كان حقًا لله -تعالى- خالصًا؛ لأن حق الله مبنيٌّ على الدَّرْءِ، والكفالة وثيقة فلا تناسب الدرء، أما حقوق الآدميين فلا تنافي بينها وبين الدرء بالشبهات؛ لأن حضور المدَّعَى عليه مجلسَ الحكمِ واجب بمجرد الدعوى فيناسبها الاستيثاق. ما يترتب على الكفيل عند تعذر إحضار المكفول بنفسه: اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب المالكية والحنابلة إلى أن الكفيل بالنفس يضمن ما على المكفول من الحق إذا لم يحضره أو امتنع عن إحضاره. وذهب الحنفية والشافعية إلى أن الكفيل بالنفس يحبس إذا لم يحضر المكفول بنفسه حتى يتبين للقاضي عجزه عن إحضاره ولا يضمن شيئًا مما على المكفول إذا تعذر الاستيفاء منه، الراجح: أن الكفيل بالنفس إذا فرط أو تساهل في إحضار المكفول بنفسه حتى ضاع حق المكفول له يلزم بالتضمين، أما إذا لم يفرط الكفيل ولم يتساهل بل بذل كل ما في وسعه وعجز عن إحضاره فإنه لا يلزمه شيء مما على المكفول (٢).

стр. 1286

الكفالة بالتسليم: تعريفها: هي الكفالة بتسليم عين ونحوها. يرى الحنفية والحنابلة والشافعية في قول لهم أن كفالة التسليم في الأعيان المضمونة جائزة. ويرى المالكية وهو قول للشافعية أن كفالة التسليم في الأعيان لا تصح (١). والراجح: هو القول بصحة كفالة التسليم في الأعيان المضمونة وأن الواجب التسليم ما دامت قائمة فإن هلكت فإن الكفالة تنقضي. ضمان الدرك (العهدة): وهو ضمان الثمن عند استحقاق المبيع، وقد شرعت الكفالة بالدرك لتأمين حق المشترى في مراجعة البائع في ثمن المبيع إذا ظهر المبيع مستحقًا لغير البائع (٢). ضمان الطلب: تعريفه: هو التزام طلب الغريم والتفتيش عليه إن تغيب ثم يدل عليه رب الحق وإن لم يأت به (٣). وقد ذكر هذا النوع المالكية وهو من أنواع الكفالة بالنفس. ضمان المعرفة: أن يضمن الضامن معرفة إنسان بقوله: إني أعرفك من هو وأين هو. وقد ذكر ذلك الحنابلة، ويرون أنه يجب على الضامن البحث عن المضمون بمعرفته

стр. 1287

ويعرف مكانه ثم يدل عليه المضمون له، فإن لم يعرفه ولم يَدُلَّ عليه ضمن ما عليه عندهم (١). حكم عقد الكفالة: الكفالة عقد لازم من جهة الكفيل وهو بالتزامه لا بد أن يقوم بوفاء الدين للدائن ولا يستقلُّ الكفيل بفسخه بدون رضا المكفول له. وتصح الكفالة منجزة ومعلقة ومؤقتة ومشروطة: فالمنجزة: مثل أن يقول: أكفل لفلان عن دينه الذي على فلان. والمعلقة: كقوله: أنا ضامن لك بالثمن إذا استحق البيع. والمؤقتة: كقوله: أنا ضامن ما على زَيْدٍ إلى شهر. والمشروطة: كقوله: أنا كفيل بدينك على فلان بشرط أن تبرئتي من كفالتي بدينك على فلان (٢). الأثار المترتبة على الضمان: ١ - اختلف الفقهاء: هل يكون الضمان بضم ذمة إلى ذمة أو أنه بنقل الدين من ذمة المدين إلى ذمة الضامن؟ أ- يرى أبو ثور والظاهرية أن الضمان ينقل الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن وبالضمان تبرأ ذمة المضمون عنه.

стр. 1288

ب- ويرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية أن الضمان يثبت به الحق في ذمة الضامن مع بقائه في ذمة المضمون عنه ولا تبرأ ذمة المضمون عنه وإنما يطالبان جميعًا بالأداء، فإذا أدى أحدهما برئ الآخر. ج- وذهب بعض الحنفية إلى أن الضمان هو الضم لذمة الضامن مع ذمة المضمون عنه إلا أن الضم إنما هو ضم في المطالبة فقط لا في الأداء، فيكون الدين شاغلًا لذمة المضمون عنه فقط والضامن يشاركه في المطالبة لا غير، وهذا هو المختار عند الحنفية (١). الراجح: هو القول بأن الضمان تنضم به ذمة الضامن إلى ذمة الأصيل ويكون المضمون به شاغلًا لذمتهما معًا، وأنه باستيفائه من أحدهما ينتهي الضمان. وهذا هو قول الجمهور. ٢ - أن الدائن بالخيار: إن شاء طالب المدين، وإن شاء طالب الكفيل؛ لأن الكفالة ضم ذمة وقد ثبت الحق في ذمتهما جميعًا فيملك مطالبة من شاء منهما، وحيث إنه يتم في الوقت الحاضر مطالبة الكفيل بالأداء فإن لم يؤد تم سجنه على حين أن المدين تترك مطالبته وسجنه وقد يكون مماطلًا غير عابئ بإساءته للكفيل مما ترتب عليه العزوف عن الكفالة والبعد عنها وهي من أعمال البر والإحسان، فإنه من المناسب أن تتم مطالبة المدين الأصلي أولًا، فإن لم يُؤَدِّ سُجِنَ إلى أن يتبين إعساره ثم يطالب الكفيل بالأداء. وهذا هو الصحيح من مذهب الإِمام مالك وأخذ به بعض أصحابه حيث إن الدائن لا يطالب الكفيل بحضور المدين ومقدرته وهذا ما يرجحه بعض المحققين من أهل العلم كابن القيم وهو ما يحقق أهداف الكفالة.

стр. 1289

٣ - جواز رجوع الضامن عن الضمان إذا كان الضمان لم يلزم بعد شريطة إعلام المكفول له؛ لأن التزام الضامن غير محدد بمدة ولأنه لم يترتب على التزامه شيء. ٤ - صحة توقيت الكفالة، ويكون الكفيل مطالبًا حال انعقاد الكفالة وأثناء مدتها وتنتهي مطالبته بانتهائها (١). رجوع الكفيل على المدين: يرى الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أن الضامن إذا أدى عن المدين بأمره بنيَّةِ الرجوع عليه فإنه يملك الرجوع عليه، أما إذا أدى الكفيل المضمون به من غير أمر المدين في الضمان ولا في الأداء، فإن الضامن لا يرجع على المدين بشيء؛ لأنه متبرع بذلك. فإذا أدى الكفيل عن المدين بأمره وبنية الرجوع عليه فإنه يرجع إليه بما أداه عنه سواء كان مثليا أو مقومًا (٢). وإذا تغيب المضمون عنه فألزم الضامن بسب ذلك غرما وأنفقه في حبس فإنه يرجع به على المضمون عنه (٣). انقضاء الكفالة وانتهاؤها: ينقضى الضمان والكفالة بما يأتي:

стр. 1290

١ - وفاء الدين سواء كان الأداء من الكفيل أو من المدين أو من غيرهما. ٢ - إبراء الدائن للكفيل أو المدين، فإذا أبرأ الدائنُ المدينَ فإن الكفيل يبرأ؛ لأنه تبع له وفرع فيأخذ حكمه، أما إذا أبْرَأ الكفيلَ فإنه يبرأ وحده دون الأصيل؛ لأن الأصل لا يأخذ حكم الفرع. ٣ - إذا صالح الكفيل الدائن عن الدين بعوض، وبذلك يبرأ الأصيل من مطالبة الدائن له ويرجع الكفيل على الأصيل بالأقل من الدين أو قيمة ما صالح به. ٤ - إحالة الكفيل للدائن بالحق على شخص آخر أو إحالة المدين للدائن بالحق على آخر؛ لأن الحوالة كالقبض. ٥ - إذا انفسخ الدين المكفول به أو سقط وبرئت بسبب ذلك ذمة الأصيل، فإن ذمة الكفيل تبرأ تبعًا لذلك وتنقضي الكفالة كما لو كفل بثمن المبيع وانفسخ البيع بشرط الخيار. ٦ - هلاك المال المعين للكفالة أو هلاك العين المكفولة إذا كان الهلاك بغير فعل آدمي، فإن كان الهلاك بفعل آدمي فإن الضمان لا ينقضي ويجب على المتلف بدله. ٧ - وفاة الدائن وكان الإرث منحصرًا في المدين فإن الكفيل يبرأ من الكفالة. ٨ - إذا أدى الكفيل الدين وكان للمدين على الكفيل دينٌ مثله فتنتهي الكفالة بذلك مقاصة بين دين الكفيل على المدين وبين دين المدين الذي له على الكفيل. ٩ - تنتهي كفالة النفس إذا سلم الكفيل المكفول إلى الطالب في مكان يقدر الطالب على إحضار المكفول مجلسَ القاضي.

стр. 1291

١٠ - موت الكفيل يبرئه ما لم يُفَرِّطْ أو يتساهل، فإن فرَّط أو تساهل في حياته فإنها تلزم في تركته؛ حماية لحق الدائن. ١١ - موت المكفول بنفسه يبرئ الكفيل؛ لأن الكفيل إنما التزم إحضار المكفول بنفسه وقد تعذر ذلك بسبب موته (١).

стр. 1292

الحوالة تعريفها: لغة: الحوالة -بفتح الحاء وكسرها-: من حال الشيء حولًا تحوّل، وتحوَّل من مكانه: انتقل عنه (١). واصطلاحًا: نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (٢). الحكم الشرعي ودليله: الحوالة جائزة ومشروعة، ودليل ذلك السنة والإجماع: أما السنة: فما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ وإذا أُتبعَ أحدُكم على مليءٍ فليتبع" (٣). وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة وحاجة الناس داعية لها (٤). أركان الحوالة: أركان الحوالة عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة هي: المحيل، والمحال، والمحال عليه، والمحال به، والصيغة. وعند الحنفية أن ركنها فقط هو الصيغة (٥).

стр. 1293

شروط الحوالة: يشترط لصحة الحوالة: ١ - تماثل الحقين؛ لأنها تحويل للحق ونقل به فينتقل على صفته من حيث الجنس والصفة والحلول والتأجيل، فإن اختلف شيء من ذلك لم تصح الحوالة. ٢ - أن تكون الحوالة بدين مستقر، فلا تصح الحوالة بدين السلم؛ لأنه غير مستقر؛ لكونه يعرض له الفسخ؛ لانقطاع المسلم فيه. ٣ - أن تكون الحوالة بمال معلوم؛ لأنها إن كانت بيعًا فلا تصح في مجهول وإن كانت تحول الحق فيعتبر فيها التسليم، والجهالة تمنع منه. ٤ - أن تكون الحوالة برضا المحيل؛ لأن الحق عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين الذي له على المحال عليه. حقيقة الحوالة: يرى الحنفية والمالكية وهو الأصح عند الشافعية وفي رواية عند الحنابلة، أن الحوالة مستثناة من بيع الدين بالدين، وذلك لحاجة الناس، واستُثْنِيَتْ للحديث: "وإذا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ على مِليءٍ فَلْيَتْبَعْ" متفق عليه. والصحيح عند الحنابلة أن الحوالة عقد إرفاق منفرد بنفسه ليس بمحمول على غيره (١). وقال ابن القيم: قواعد الشرع تقتضى جوازها فهي على وفق القياس (٢).

стр. 1294

رضا المحال بالحوالة: ذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية إلى وجوب رضا المحال؛ لأن الدين حقه فلا ينتقل من ذمة إلى ذمة إلا برضاه؛ إذ الذمم تتفاوت يسارًا وإعسارا وبذلًا ومطلًا، ويرى الحنابلة أنه إذا كان المحال عليه مليئًا؛ والمراد به القادر على الوفاء غير الجاحد ولا المماطل، فإنه يلزم المحال القبول، ولا يشترط رضاه بالحوالة، ويستدلون بالحديث الوارد بالباب (١). والذي يظهر من تعليل الجمهور بعدم إلزام المحال بالحوالة هو كون المحال عليه يختلف حاله يسارًا وإعسارًا وبذلًا ومطلًا، وما دام أن ذلك هو السبب بعدم إلزام المحال، فإذا تم التحقق من يسار المحال عليه وبذله كما هو نص الحديث: "مَليءٍ" فيمكن أن يقال بإلزام المحال، أما عند عدم تحققه فإن الجميع لا يرون إلزامه بذلك كما هو المفهوم من الحديث وبذلك يجتمع القولان. والله أعلم. رضا المحال عليه: يرى الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أنه لا يشترط رضا المحال عليه، وهذا هو نص الحديث: "مَنْ أُحِيلَ على مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ" ولأن الحق للمحيل، فله أن يستوفيه بنفسه أو بوكيله. ويرى الحنفية أنه يشترط رضا المحال عليه؛ لأن الناس يتفاوتون في تقاضي ديونهم فلا يلزم من ذلك بما لم يلتزمه. والراجح: عدم اشتراط رضا المحال عليه؛ للحديث ولأن المحال عليه سيدفع المال لأي منهما ولا فرق في ذلك.

стр. 1295

براءة ذمة المحيل: يرى عامة الفقهاء من الشافعية والحنابلة أنه إذا صحت الحوالة فإن ذمة المحيل تبرأ بذلك ولا حق للمحال في الرجوع إلى المحيل، ولو تعذر استيفاء الحق لمطل أو فلس أو موت. ويرى المالكية أن ذمة المحيل لا تبرأ وللمحتال الرجوع عليه إذا كان المحال عليه مفلسًا ولم يعلم المحتال بذلك. ويرى أبو حنيفة أن المحال يرجع إلى المحيل فيما إذا مات المحال عليه مفلسًا أو إذا جحده وحلف عليه عند الحاكم. وأضاف أبو يوسف ومحمَّد حالة أخرى: وهي فيما إذا حجر عليه لفلس (١). والراجح من ذلك: أنه إذا كانت الحوالة برضا المحتال والمحال عليه مليءٌ فإنه لا يرجع على المحيل؛ لأن ذمة المحيل قد برئت بمجرد الحوالة وانتقل الدين، أما إذا كانت بدون رضا المحَال والمحال عليه مفلسٌ أو ميتٌ فإنه يرجع على المحيل؛ لأن المحال عليه لم يكن مليئًا، ولا يلزمه قبول الحوالة على غير مليء؛ لما عليه فيه من الضرر. التحويل البنكي: كان الناس في السابق يقومون بتحويل نقودهم بطريقة تسمى (السُّفْتجة) بضم السين وسكون الفاء؛ وهي كلمة فارسية معربه، أصله سفته: وهو الشيء المحكم سمي بذلك؛ لإحكام أمره، ويسميها المالكية: (البالوصة) وصورة ذلك: أن يدفع شخص مالًا إلى أخر ليعطيه به خطابًا ليقبض بدلها في بلد آخر، وكان الدافع لهم على عمل ذلك الأمنَ من خطر الطريق؛ حيث يكون في نقل النقود خوفٌ عليها وعلى حياة من هي معه.

стр. 1296

حكم السُّفتجة: يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد أن السفتجة لا يجوز العمل بها؛ لكونها قرضًا جر نفعًا، فهي عندهم من باب القرض الذي جر نفعًا، فكأنه أقرض المال واستفاد أمن خطر الطريق فلا يجوز. ويرى الحنابلة في رواية أنها جائزة؛ لأنها ليست من باب القرض وإنما هي من باب الحوالة، والحوالة جائزة؛ لكونها مصلحة لهما جميعًا، والأصل في العقود الإباحة، وقد ورد أن عبد الله بن الزبير ﵁ كان يقبض النقود من الرجل في مكة ويكتب له خطابًا إلى أخيه مصعب في العراق ليسلمه بدلها، وحكاه ابن المنذر عن علي وابن عباس والحسن وابن الزبير وابن سيرين والنووي وأحمدُ وإسحاق (١). الراجح: نرى أن الراجح من ذلك هو جواز هذا العمل؛ لأنه من باب الحوالة وليس من باب القرض، يؤيد ذلك أنه يطلق عليها الآن في العمليات البنكية (الحوالة البنكية)، وهي أن يدفع الإنسان نقودًا للبنك ثم يعطيه البنك شيكًا لاستلام النقود في بلد آخر بذات العملة نفسها أو بقيمتها عملة أخرى، وقد يتم التحويل عن طريق الفاكس أو التليفون أو غيرها من أجهزة الاتصال الحديثة، وقد أجاز ذلك مجلس "المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في قراره المتخذ في دورته الحادية عشرة برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀. وقد جاء في القرار: ١ - يقوم تسليم الشيك قيام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف.

стр. 1297

٢ - يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف، أو بعملة مودعة فيه، والله أعلم.

стр. 1298

باب الصُّلح في اللغة: اسم مصدر صالحه مُصَالحَةً وصُلحًا؛ وهو قطع المنازعة (١). وفي الاصطلاح: عقد يتوصل به إلى موافقة بين متخاصمين إنهاءً للنزاع (٢). الحكم الشرعي ودليله: الصلح جائز ومشروع بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤). وأما السنة: فما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الصلحُ جائزٌ بينَ المسلمين إلا صلحًا أَحَلَّ حرامًا أو حَرَّمَ حلالًا" (٥). وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز الصلح بين الخصوم. وأما المعقول: فإن الصلح تقتضيه المصلحة وحاجة الناس، وقد تكفلت الشريعة الإسلامية بحفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وهو من أكثر العقود فائدة؛ لما فيه من قطع النزاع والشقاق ولذا أبيح فيه الكذب (٦)، كما جاء في الحديث: "ليس الكذَّابُ الذي يُصْلِحُ بينَ الناسِ فَيَنْمِي خيرًا أو يقولُ خيرًا" (٧).

стр. 1299

أقسام الصلح: ينقسم الصلح بين المتخاصمين في الأموال إلى قسمين: القسم الأول: صلح على إقرار: وذلك بأن يكون المدَّعَى عليه مقِرًا بحق خصمه وهو نوعان: ١ - الصلح على جنس الحق ببعضه: كما إذا كان دينا فأسقط بعضه أو عينا فوهب له بعضها، فيصح ذلك؛ لأنه جائز التصرف وله حق التنازل عن بعض حقه. ٢ - الصلح عن الحق بغير جنسه: كما إذا كان له عليه دين فاصطلح معه على أرض عوضًا عنه، وذلك صحيح؛ لأنه معاوضة وتجرى عليه أحكام تلك المعاوضة ويجوز ذلك باتفاق الفقهاء. القسم الثاني: صلح على إنكار: وهو أن يَدَّعِيَ شخص على آخر عينًا أو دينًا أو منفعة فينكر ما ادعاه ثم يتصالحا، فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فيرى الحنفية والمالكية والحنابلة: أن الصلح مع الإنكار والسكوت جائز، وهو في حق المنكر إبراء؛ لأنه بذل العوض لدفع الخصومة عن نفسه. ويرى الشافعية: أنه لا يجوز الصلح مع الإنكار والسكوت؛ لأنه من أكل المال بالباطل من غير عوض حيث لم يثبت الحق على المدَّعَى عليه المنكِر (١). والراجح: جواز الصلح في ذلك؛ قطعًا وإنهاء للنزاع، أما إذا كان أحدهما كاذبًا فالصلح في حقه باطل وما أخذه حرام عليه؛ لأنه من أكل المال بالباطل. الصلح عن المجهول: يرى المالكية والحنابلة: أنه يصح الصلح عن المجهول سواء كان عينًا أو دينًا

стр. 1300

إذا كان لا سبيل إلى معرفته. ويرى الحنفية: أنه لا يجوز إذا كان مما يحتاج إلى التسليم؛ لئلا يفضيَ إلى المنازعة كما إذا ادعى حقًا في دار رجل ولم يسم فاصطلحا على مال معلوم يعطى المدعي، وأما إذا كان مما لا يحتاج إلى التسليم كترك الدعوى مثلًا، فيجوز؛ لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة فهو بمنزلة الإبراء عن المجهول وهو جائز. ويرى الشافعية: أنه لا يصح الصلح عن مجهول؛ لأن الصلح فرع البيع ولا يصح بيع المجهول. والراجح: جواز الصلح عن المجهول؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينه فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختَصِمون إليَّ وإنما أنا بشرٌ ولعلَّ بعضَكم ألحنُ بحُجَّتِه من بعضٍ، فإني أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمعُ، فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذْه، فإنما أقطعُ له قطعةً مِنَ النارِ يأتي بها أسطامًا في عنقهِ يومَ القيامةِ"، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ : "أمَّا إذ قلتما فاذهبا فَاقْتَسِما ثم توَّخيَا الحقَّ ثم اسْتَهِمَا ثم لِيَحْلِلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحبَه" (١). ولأنه إسقاط حق فصح في المجهول، ولأنه إذا كان معلومًا فلهما طريق إلى التخلص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه، ومع المجهول لا يمكن ذلك، فلو لم يجز الصلح أفضى إلى ضياع الحق أو بقاء شغل الذمة على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه، وليس الصلح هنا بيعًا وإنما هو إبراءٌ (٢).
следующие страницы →