← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

حكم السُّفتجة: يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد أن السفتجة لا يجوز العمل بها؛ لكونها قرضًا جر نفعًا، فهي عندهم من باب القرض الذي جر نفعًا، فكأنه أقرض المال واستفاد أمن خطر الطريق فلا يجوز. ويرى الحنابلة في رواية أنها جائزة؛ لأنها ليست من باب القرض وإنما هي من باب الحوالة، والحوالة جائزة؛ لكونها مصلحة لهما جميعًا، والأصل في العقود الإباحة، وقد ورد أن عبد الله بن الزبير ﵁ كان يقبض النقود من الرجل في مكة ويكتب له خطابًا إلى أخيه مصعب في العراق ليسلمه بدلها، وحكاه ابن المنذر عن علي وابن عباس والحسن وابن الزبير وابن سيرين والنووي وأحمدُ وإسحاق (١). الراجح: نرى أن الراجح من ذلك هو جواز هذا العمل؛ لأنه من باب الحوالة وليس من باب القرض، يؤيد ذلك أنه يطلق عليها الآن في العمليات البنكية (الحوالة البنكية)، وهي أن يدفع الإنسان نقودًا للبنك ثم يعطيه البنك شيكًا لاستلام النقود في بلد آخر بذات العملة نفسها أو بقيمتها عملة أخرى، وقد يتم التحويل عن طريق الفاكس أو التليفون أو غيرها من أجهزة الاتصال الحديثة، وقد أجاز ذلك مجلس "المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في قراره المتخذ في دورته الحادية عشرة برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀. وقد جاء في القرار: ١ - يقوم تسليم الشيك قيام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف.

стр. 1297

٢ - يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف، أو بعملة مودعة فيه، والله أعلم.

стр. 1298

باب الصُّلح في اللغة: اسم مصدر صالحه مُصَالحَةً وصُلحًا؛ وهو قطع المنازعة (١). وفي الاصطلاح: عقد يتوصل به إلى موافقة بين متخاصمين إنهاءً للنزاع (٢). الحكم الشرعي ودليله: الصلح جائز ومشروع بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤). وأما السنة: فما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الصلحُ جائزٌ بينَ المسلمين إلا صلحًا أَحَلَّ حرامًا أو حَرَّمَ حلالًا" (٥). وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز الصلح بين الخصوم. وأما المعقول: فإن الصلح تقتضيه المصلحة وحاجة الناس، وقد تكفلت الشريعة الإسلامية بحفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وهو من أكثر العقود فائدة؛ لما فيه من قطع النزاع والشقاق ولذا أبيح فيه الكذب (٦)، كما جاء في الحديث: "ليس الكذَّابُ الذي يُصْلِحُ بينَ الناسِ فَيَنْمِي خيرًا أو يقولُ خيرًا" (٧).

стр. 1299

أقسام الصلح: ينقسم الصلح بين المتخاصمين في الأموال إلى قسمين: القسم الأول: صلح على إقرار: وذلك بأن يكون المدَّعَى عليه مقِرًا بحق خصمه وهو نوعان: ١ - الصلح على جنس الحق ببعضه: كما إذا كان دينا فأسقط بعضه أو عينا فوهب له بعضها، فيصح ذلك؛ لأنه جائز التصرف وله حق التنازل عن بعض حقه. ٢ - الصلح عن الحق بغير جنسه: كما إذا كان له عليه دين فاصطلح معه على أرض عوضًا عنه، وذلك صحيح؛ لأنه معاوضة وتجرى عليه أحكام تلك المعاوضة ويجوز ذلك باتفاق الفقهاء. القسم الثاني: صلح على إنكار: وهو أن يَدَّعِيَ شخص على آخر عينًا أو دينًا أو منفعة فينكر ما ادعاه ثم يتصالحا، فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فيرى الحنفية والمالكية والحنابلة: أن الصلح مع الإنكار والسكوت جائز، وهو في حق المنكر إبراء؛ لأنه بذل العوض لدفع الخصومة عن نفسه. ويرى الشافعية: أنه لا يجوز الصلح مع الإنكار والسكوت؛ لأنه من أكل المال بالباطل من غير عوض حيث لم يثبت الحق على المدَّعَى عليه المنكِر (١). والراجح: جواز الصلح في ذلك؛ قطعًا وإنهاء للنزاع، أما إذا كان أحدهما كاذبًا فالصلح في حقه باطل وما أخذه حرام عليه؛ لأنه من أكل المال بالباطل. الصلح عن المجهول: يرى المالكية والحنابلة: أنه يصح الصلح عن المجهول سواء كان عينًا أو دينًا

стр. 1300

إذا كان لا سبيل إلى معرفته. ويرى الحنفية: أنه لا يجوز إذا كان مما يحتاج إلى التسليم؛ لئلا يفضيَ إلى المنازعة كما إذا ادعى حقًا في دار رجل ولم يسم فاصطلحا على مال معلوم يعطى المدعي، وأما إذا كان مما لا يحتاج إلى التسليم كترك الدعوى مثلًا، فيجوز؛ لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة فهو بمنزلة الإبراء عن المجهول وهو جائز. ويرى الشافعية: أنه لا يصح الصلح عن مجهول؛ لأن الصلح فرع البيع ولا يصح بيع المجهول. والراجح: جواز الصلح عن المجهول؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينه فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختَصِمون إليَّ وإنما أنا بشرٌ ولعلَّ بعضَكم ألحنُ بحُجَّتِه من بعضٍ، فإني أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمعُ، فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذْه، فإنما أقطعُ له قطعةً مِنَ النارِ يأتي بها أسطامًا في عنقهِ يومَ القيامةِ"، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ : "أمَّا إذ قلتما فاذهبا فَاقْتَسِما ثم توَّخيَا الحقَّ ثم اسْتَهِمَا ثم لِيَحْلِلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحبَه" (١). ولأنه إسقاط حق فصح في المجهول، ولأنه إذا كان معلومًا فلهما طريق إلى التخلص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه، ومع المجهول لا يمكن ذلك، فلو لم يجز الصلح أفضى إلى ضياع الحق أو بقاء شغل الذمة على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه، وليس الصلح هنا بيعًا وإنما هو إبراءٌ (٢).

стр. 1301

ما يجوز الصلح عنه: يتفق الفقهاء في عدم صحة الصلح عن حق الله فلا يصح الصلح عن حد الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها. أما حقوق العباد فيجوز الصلح عن كل حق ثابت للمصالح إذا كان مما يجوز أخذ العوض عنه سواء كان مما يجوز بيعه أم لا يجوز، وسواء أكان مالًا أم غير مال، فيجوز الصلح عن دم العمد في النفس وما دونها وعن سكنى الدار ونحوها وعن عيب في المبيع؛ قطعًا للخصومة والمنازعة. ودليل ذلك ما روي أن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات فأبى أن يقبلها (١). الصلح بين الأجنبي والمدعي: يرى الحنفية: أن الصلح إما أن يكون بإذن المدَّعَى عليه أو بغير إذنه: فإن كان بإذنه صح الصلح، وأما إذا كان بغير إذنه فهذا هو صلح الفضولي وهو جائز وصحيح، ويكون الفضولي متبرعًا حيث التزم ببدل الصلح ولا شيء له، لأنه أجرى العقد بدون أمر المدَّعَى عليه، وإذا أطلق الفضولي الصلح ولم يلتزم بشيء فصلحه هذا موقوف على إجازة المدعى عليه. ويرى المالكية: أنه يجوز للرجل أن يصالح عن غيره بوكالة أو بغير وكالة ويَلْزَمُ المصالحَ ما صالح به. ويرى الشافعية: أنه يصح الصلح إذا كان المدَّعَى به عينًا وبإذن المدَّعَى عليه، أما إذا كان دينا فيصح سواء أكان بإذن المدعى عليه أم لا.

стр. 1302

ويرى الحنابلة: أنه يجوز الصلح سواء أكان عينًا أم دينًا بإذن المدعى عليه أم بغير إذنه، لكن إن كان الصلح بإذن المدعى عليه فإن الأجنبي يرجع عليه بما أدى، وإن كان بغير إذنه فلا يرجع عليه؛ لأنه أدى عنه ما لا يلزمه فكان متبرعًا (١). الراجح: نرى أن القول بصحة الصلح بين الأجنبي والمدعي سواء كان عينًا أم دينًا بإذن المدعى عليه أم بغير إذنه، هو الأَوْلى؛ لحديث عليٍّ وأبي قتادة ﵄ حيث قضيا عن الميت فأجازه النبي ﷺ (٢). ويرجع بما أداه إذا كان بإذنه؛ لأنه قد أقره فيما يقوم به من صلح، وفي حال عدم الإذن فلا يرجع عليه بشي فإن إلزام المدعى عليه بما لم يقبله فيه مضرة عليه؛ حيث إنه يمكن ألا يثبت هذا الحق المدعى به. آثار الصلح: تَجْرِي على عقد الصلح أحكامُ أقرب العقود إليه شبهًا، فالصلح عن مال بمال يعتبر في حكم البيع، والصلح عن مال بمنفعة يكون في حكم الإجارة، والصلح على بعض العين المدَّعاة هبة، والصلح عن نقد بنقد له حكم الصرف، والصلح في دعوى الدين على أن يأخذ المدَّعِي أقل من المطلوب لترك دعواه يعتبر أخذ بعض الحق وإبراء الباقي، ونتيجة لذلك فإنه يجري على الصلح أحكام العقد الذي اعتبر به وتراعى فيه شروطه ومتطلباته وتحصل البراءة عن الدعوى ويقع الملك في بدل الصلح للمدعي وفي المصالح به للمدعى عليه (٣).

стр. 1303

باب الحَجْر والتَّفليس في اللغة: الْحَجْزُ: المنع والتضييق. ومنه سمي الحرام حجرًا، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (١). أي: حرامًا محرمًا. وسمي العقل حِجْرًا؛ لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبُحُ وتضُرُّ عاقبته (٢). والتَّفليس في اللغة: النداء على المفلس وشَهْرُهُ بصفة الإفلاس. وفي الاصطلاح: الحجز منع الإنسان من التصرف في ماله. والمفلس شرعًا: من عليه ديون لا يفي بها ماله (٣). الحكم الشرعي ودليله: الحجر مشروع وجائز، ودليل ذلك الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٤). أي: أموالهم، لكن أضيفت إلى الأولياء؛ لأنهم قائمون عليها مدبرون لها (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (٦). ومن السنة: حديث كعب بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ حجر علي معاذ ﵁ وباع ماله (٧).

стр. 1304

الحكمة في تشريع الحجر: قرر الشارع الحجر على الصغير والمجنون والسفيه؛ صيانة لأموالهم من الأيدي التي تستولي على أموال الناس بالباطل ومن المالك نفسه إذا كان لا يحسن التصرف. وبالنسبة للمفلس فإن في الحجر عليه حفظًا لماله لمصلحة أهله ولمصلحة دائنيه وأصحاب الحقوق من أن تضيع حقوقهم أو بعضها، فمنعه من التصرف لتتحقق العدالة في توزيع المال بينهم بالتساوي، كما أن المفلس بذلك يسلم من مطالبة الغرماء وملازمتهم له؛ وذلك حماية له من نفسه ومن الآخرين. أقسام الحجر: ينقسم الحجر إلى قسمين: ١ - قسمٌ شُرِعَ لمصلحة المحجور عليه وذلك كحجر الصبي والمجنون والسفيه ونحوهم؛ حفظًا لأموالهم من الضياع. ٢ - قسم شرع لمصلحة الغير وذلك كحجر المدين المفلس لصالح دائنيه وحجر الراهن لحق المرتهن وكالحجر على المريض مرض الموت لحق الورثة فيما زاد على ثلث التركة وحجر الرقيق لسيده -وذلك عند جمهور الفقهاء- والحجر على الزوجة في ما زاد على الثلث عند المالكية (١). الأحكام المتعلقة بالمحجور عليهم: ١ - الصغير: يستمر الحجر عليه إلا أن يتم بلوغه ورشده، فإذا تحقق ذلك وجب دفع ماله إليه. قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا

стр. 1305

فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). وذلك لزوال سبب الحجر عليه. قال ابن المنذر: اتفقوا على ذلك (٢). والبلوغ يتم بعلامات: منها ما هو مشترك بين الرجال والنساء، ومنها ما هو خاص بكل منهما. ويتفق الفقهاء على أن من علامات البلوغ الاحتلامَ وإنزالَ المنيِّ للذكر والأنثى. وتختص الأنثى بالحيض والحمل. ويختلفون فيما عدا ذلك: فيذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن نبات الشعر الخشن حول قُبُلِ أحدهما معتبر من علامات البلوغ في الذكر والأنثى. ويذهب أبو حنيفة إلى أنه لا اعتبار به؛ لأنه نبات شعر فأشبه نبات شعر سائر البدن، وينفرد المالكية في اعتبارهم أن من علامات البلوغ كذلك نتنَ الإبطِ وفرقَ أرنبة الأنف وغلظ الصوت، ويخالفهم جمهور الفقهاء فلا يرون اعتبار شيء من ذلك علامة على البلوغ. فإذا لم يكن شيء من تلك العلامات المذكورة فإن الفقهاء يتفقون على أن البلوغ يكون بالسن، إلا أنهم اختلفوا في تحديد السن المعتبر للبلوغ على النحو التالي: أ- فأبو حنيفة يرى أن بلوغ الذكر يكون بإتمامه ثماني عشرة سنة، وبلوغ الأنثى يكون بإتمامها سبع عشرة سنة. ب- أما المالكية فإنهم اختلفوا في ذلك إلا أن المشهور هو اعتبار تمام ثماني عشرة سنة حدًّا لبلوغ الذكر والأنثى.

стр. 1306

ج- وأما الشافعية والحنابلة فيتفقون على تحديد سن البلوغ بخمس عشرة سنة في الذكر والأنثى (١)؛ لحديث ابن عمر ﵁ قال: "عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني" (٢) وتحديد وقت البلوغ بسن معينة ولو كانت مرتفعة جائز؛ لأنه مما تقتضيه المصلحة العامة فقد تعقدت المعاملات وإجراءاتها وتشعبت كثيرًا وتدهورت الأخلاق العامة وكثر تفنن المحتالين في سلب أموال الناس، كما أن في التحديد زيادةَ احتياطٍ في حماية الناشئين وصيانةَ ذممِهم وأموالهم. ٢ - الرشد: هو البصيرة المالية التي يكون بها الشخص حسن التصرف بالمال، وبهذا يقول جمهور الفقهاء (٣)، وقال الشافعي: إن الرشد هو صلاحه في دينه وماله (٤). ولا يعتبر الإنسان رشيدًا بمجرد بلوغه، بل لا بد من ثبوت الرشد بعد الاختبار. ٣ - المجنون: الجنون: هو اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادرًا (٥) ويتفق الفقهاء في الحجر على المجنون، ويرتفع الحجر عنه بالإفاقة من الجنون. ويجب الضمان عليه فيما أتلفه من مال غيره (٦).

стр. 1307

الحجر على السفيه: السفه في اللغة: نقص في العقل. واصطلاحا: هو تبذير المال وتضييعه علي خلاف مقتضى الشرع أو العقل (١). الحكم الشرعي: ويري الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمَّد من الحنفية، أن السفيه إذا طرأ عليه السفه بعد بلوغه ورشده فإنه يحجر عليه، وقال أبو حنيفة: لا يبتدأ الحجر على بالغ عاقل، وتصرفه نافذ، ولا حجر عليه كالرشيد والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لإجماع الصحابة عليه ولأنه سفيه فيحجر عليه كما لو بلغ سفيها، قال ابن المنذر: "أكثر علماء الأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر يرون الحجر على كل مضيع لماله، صغيرًا كان أو كبيرًا. ولا يحجر علي السفيه أو يفك الحجر عنه إلا الحاكم عند الجمهور، وهو الصحيح؛ وذلك للتأكد من سفهه أو رشده" (٢). تصرف الصغير: إذا كان الصبي غير مميز فلا يصح شي من تصرفه، أما إذا كان مميزًا فتصرفه علي ثلاثة أقسام: ١ - أن يتصرف تصرفًا ضارًا بماله ضررًا واضحًا كالطلاق والعتاق والقرض والصدقة، وهذا لا ينعقد أصلًا فلا ينفذ ولو أجازه الولي.

стр. 1308

٢ - أن يتصرف تصرفًا نافعًا نفعًا محضًا كقبول الهبة والدخول في الإسلام وهذا ينعقد وينفذ ولو لم يُجِزْهُ الولي. ٣ - أن يتردد بين النفع والضرر كالبيع والشراء فإنه يصح إذا أذن له وليه بذلك ولا يصح بدون إذنه (١). الحجر على المدين المفلس: يتم الحجر على المدين المفلس من الحاكم إذا طلب ذلك غرماؤه أو بعضهم؛ حتى لا يلحق بهم ضرر بضياع حقوقهم، وأن تكون تلك الديون حالَّةً لا يفي ماله بها، ويستحب أن يظهر الحجر عليه؛ ليتجنب الناسُ معاملتَه ويترتب على الحجر عليه أربعة أحكام: ١ - تعلق حقوق الغرماء بعين ماله. ٢ - منع تصرفه في عين ماله أما قبل الحجر فتصرفاته جائزة. ٣ - أن للحاكم بيع ماله وإيفاء الغرماء فيبدأ بمن له رهن فيدفع له الأقل من دينه أو ثمن رهنه وله أسوة الغرماء في بقية دينه (٢). ٤ - أن من وجد عين ماله عنده فهو أحق بها من سائر الغرماء، إذا كانت السلعة باقية بعينها لم يتلف منها شي ولم تزد زيادة متصلة، وألا يكون البائع قد قبض من ثمنها شيئًا، وألا يتعلق بها حق الغير كهبتها أو حق شفعة ونحو ذلك. ومن حق المفلس النفقة له ومن تلزمه مؤنته بالمعروف من ماله، ولا يباع مسكنه الذي يحتاجه لسكناه.

стр. 1309

الأصل في الحجر على المفلس: ما روى كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ "حجر على معاذ بن جبل وباع ماله" (١)، وعن عبد الرحمن بن كعب قال: "كان معاذ بن جبل من أفضل شباب قومه ولم يكن يمسك شيئًا ولم يزل يَدَّانُ حتى أغرق ماله في الدين، فكلم النبيَّ ﷺ غرماؤه، فلو ترك أحد من أجل أحد لتركوا معاذًا من أجل رسول الله ﷺ فباع لهم رسول الله ﷺ ماله حتى قام معاذ بغير شيء" (٢). المطل في سداد الدين: لا يجوز لمن عليه دين مستحِقُّ الوفاء وهو قادر أن يماطل في سداده؛ لقول الرسول ﷺ : "مَطْلُ الغنيِّ ظلمٌ" متفق عليه. وعن عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "لَيُّ الواجدِ يُحِلُّ عرضَه وعقوبتَه" رواه الخمسة إلا الترمذيّ. ولصاحب الدين ملازمته ومطالبته والإغلاظ له بالقول، وعلى الحاكم أن يلزمه بالوفاء فإن أبى حبسه. قال ابن المنذر: "أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدين" (٣). الحجر على المعسر: إذا ثبت للحاكم إعسار المدين فإنه لا يحجر عليه ولا تجوز ملازمته من دائنه ويجب إنظاره؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤)؛ وذلك حتى يتبين له مال ويزول عنه وصف الإعسار.

стр. 1310

الولاية على الصغير والمجنون: الولي عليهما هو الأب ثم الجد ثم وصيهما ثم القاضي ثم من يوليه القاضي ولا يجوز للولي أن يتصرف إلا على وجه المصلحة لهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)،والمجنون في معناه، وينفق الولي على كل منهما بقدر حاله وماله، وإذا كان الولي فقيرًا فليأكل من المال بقدر عمله، وهو ما يقابل أجرة مثله، أما إذا كان غنيًا فلا يحل له أخذ شي من ماله (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣).

стр. 1311

باب الوكالة تعريف الوكالة: في اللغة: بفتح الواو وكسرها وهي اسم مصدر بمعنى التوكيل، وهي لغةً: التفويض والحفظ (١). وفي الاصطلاح: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة (٢). الحكم الشرعي ودليله: الوكالة مشروعة وجائزة ودليل ذلك الكتاب والسنة والإجماع والقياس: فاما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ (٣). وأما السنة: فقد وكل النبي ﷺ عروة البارِقِيَّ في شراء الشاة (٤)، وأبا رافع في قبول زواج ميمونة (٥). وأما الإجماع: فقد جاء في المغني: "وأجمعت الأمة على جواز الوكالة" (٦). وأما القياس: فإن الحاجة داعية إلى الوكالة فليس كل إنسان قادرًا على مباشرة أموره بنفسه فيحتاج إلى غيره ليقوم بها بالنيابة عنه (٧).

стр. 1312

أركان الوكالة: أركان الوكالة أربعة: العاقدان: (الموكل- الوكيل). الصيغة: وهي الإيجاب والقبول. ويصح الإيجاب بكل لفظ يدل على الإذن، ويجوز القبول بكل لفظ أو فعل دل عليه نحو أن يفعل ما أمره بفعله. الموكل فيه: يصح التوكيل في كل حق لله -تعالى- تدخله النيابة من العبادات، ويصح في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة. حكم عقد الوكالة: الوكالة عقد جائز بين الطرفين يملك كل واحد منهما فسخه؛ لأنها من جهة الموكل إذن ومن جهة الوكيل بذل نفع، وكلاهما غير لازم، وهذا هو الأصل، لكن استثنى بعضُ الفقهاء مواضح تكون الوكالة فيها لازمة لا يصح عزل الوكيل فيها: فيرى الحنفية: أن الوكالة لا يجوز فسخها في ثلاثة مواضع؛ لأنه تعلق بها حق للغير وهي: ١ - الوكالة ببيع الرهن؛ وذلك لتعلق حق صاحب الدين بهذه الوكالة؛ لأنه يريد أخذ حقه ببيع الدَّيْن. ٢ - الوكالة بالخصومة: كما إذا وكل المدعى عليه وكيلًا لمخاصمة المدعي وكان هذا التوكيل بطلب المدعي فعزله المدَّعَى عليه بغير حضرة المدعي فإنه لا ينعزل. ٣ - الوكالة على تسليم عين لشخص مع غياب الموكل فإنه يجب على الوكيل أن يسلم هذه العين لصاحبها ولا يجوز له عزل نفسه.

стр. 1313

فلا يصح العزل بغير رضا صاحب الحق؛ لأن في العزل إبطال حقه من غير رضاه (١). ويرى المالكية: أنه لا يجوز للموكل عزل وكيله في الخصومة إن خاصم وكيله في ثلاث جلسات، وليس للوكيل أن يعزل نفسه كذلك في الموضع الذي لا يجوز أن يعزله فيه الموكل؛ إبعادًا للضرر عنهما (٢). ويرى الشافعية: أن للموكل أن يعزل الوكيل إلا في حالتين فإن الوكالة تكون لازمة: ١ - أن تكون الوكالة بِجُعْلٍ وشَرَعَ الوكيل بالعمل؛ لأن في فسخها مضرةً على الوكيل. ٢ - أن تكون الوكالة بلفظ الإجارة واستكملت شرائطها فإنها تلزم في هذه الحالة (٣). وقد جاء في نظام المحاماة السعودي في المادة (٢٧، ٢٨) ما يدل على الأخذ برأي بعض الفقهاء القائلين بلزوم الوكالة إذا كانت قائمة على الأجرة؛ حيث قضى النظام بدفع كامل الأتعاب إذا كان العزل بسبب غير مشروع. الراجح: وجاهة الاستثناءات المذكورة عند الحنفية والمالكية والشافعية بلزوم عقد الوكالة في تلك الحالات؛ وذلك لأنه يترتب على عزل الوكيل من الموكل أو من نفسه بعد مباشرته الوكالة وعمله بموجبها -ضررٌ، إما على الوكيل

стр. 1314

أو الموكل؛ لأن الوكالة قد تعلق بها حق الغير، والقول بلزوم الوكالة في مثل تلك الصور حسن يؤيد ذلك قول النبي ﷺ : "لا ضَررَ ولا ضِرارَ". ما تجوز فيه الوكالة: يتفق الفقهاء على أنه يجوز التوكيل فيما يقبل النيابة من العبادات كالزكاة وكذلك سائر العقود كالبيع والشراء والإجارة والنكاح والطلاق والهبة والصدقة والخلع والصلح والإعارة والإيداع وقبض الحقوق والخصومات والرهن وطلب الشفعة، ولا تصلح الوكالة في العبادات التي لا تدخلها النيابة كالإيمان والصلاة والطهارة، ولا تصح في العقود التي لا تقبل النيابة كالظهار والأيمان واللعان والنذر (١). أنواع الوكالة: نوعان: عامة، وخاصة: فالعامة: هي التوكيل في جميع الأمور، كأن يقول: وكلتك في كل قليل أو كثير أو فوضت إليك جميع الأشياء، وهذا النوع لا يجوز عند الشافعية والمالكية والحنابلة؛ لأن فيه غررًا. والخاصة: هي التوكيل في أشياءَ وأمورٍ معينة، مثل: وكلتك في بيع أموالي ونحوها (٢). هل للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه ؟ للوكيل أن يوكل فيه إذا أذن له الموكل بذلك، أما إذا لم يأذن له فإنه لا يحق للوكيل أن يوكل إلا في حالتين:

стр. 1315

١ - أن يكون وكيلًا على أمر لا يليق به أن يتولاه بنفسه، كما إذا وكله على بيع شيء في سوق عامة والوكيل شريف لا يناسب مباشرة ذلك بنفسه. ٢ - أن يوكل على عمل كثير لا يستطيع أن يتولاه وحده، فله أن يوكل غيره معه في ذلك (١). ضمان الوكيل: الوكيل أمين فيما وكل فيه لا يضمن بالتعدي أو التفريط ويقبل قوله في التلف؛ لأنه مؤتَمنٌ (٢). بيع الوكيل وشراؤه لنفسه: يرى الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية أنه لا يجوز للوكيل أن يشتري من نفسه؛ لأنه متهم في حق نفسه ومحاباته لها. ويرى المالكية وهو رواية عند الحنابلة جوازَ أن يشتري الوكيل من نفسه، ويشترط الحنابلة لذلك شرطين: ١ - أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء. ٢ - أن يتولى النداء غيره. ويرون أنه بذلك تزول التهمة ويكون الحظ للموكل في البيع (٣).

стр. 1316

أخذ الأجرة على الوكالة: يجوز أخذ الأجرة على الوكالة؛ لأنها مقابل عمل وبرضا كل من الوكيل والموكل. جاء ذلك في الفتوى رقم (١٥٥١٨) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية. انتهاء عقد الوكالة: ينتهي عقد الوكالة بأمور هي: ١ - موت الموكل أو الوكيل أو جنونهما؛ لأن الوكالة تعتمد الحياة والعقل فإذا حدث الموت أو الجنون فقدت ما يتوقف عليه صحتها. ٢ - الحجر للسفه؛ لانتفاء أهلية التصرف. ٣ - عزل الموكل للوكيل ولو لم يعلم الوكيل عند الجمهور؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه فصح بغير علمه، وعند الحنفية ورواية عند المالكية يجب أن يعلم الوكيل بالعزل فإن لم يعلم فلا تنفسخ الوكالة. ٤ - عزل الوكيل نفسه عن الوكالة ولو لم يعلم الموكل، ويشترط الأحناف علم الموكل وحضوره؛ لئلا يترتب عليه ضرر. ٥ - خروج الموكل فيه عن ملك الموكل بهلاك أو غيره. ٦ - انتهاء الوكالة بتنفيذ العمل المقصود فيها (١).

стр. 1317

باب الشركة تعريف الشركة بالمعنى العام: في اللغة: الشَّرِكَةُ والشِّرْكَةُ سواء؛ وهي مخالطة الشركاء، والشريك: هو المشارك، وهو الداخل مع غيره في عمل أو أيِّ أمر كان، فيجمع شريك على أشراك وشركاء (١). تعريف الشركة في الاصطلاح: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف (٢). وهذا تعريف جامع لأنواع الشركة بمعناها العام. فقوله: الاجتماع في استحقاق. يشمل جميع أنواع شركة الملك سواء كان الاستحقاق بالإرث أو الوصية أو الهبة أو الغنيمة أو الشراء ونحو ذلك، وقوله: أو تصرف يشمل جميع أنواع شركات العقد سواء أكانت مالية أم بدنية أم قائمة على التعامل بالجاه. أقسام الشركة بمعناها العام: تنقسم الشركة إلى ثلاثة أقسام: ١ - شركة الإباحة: كون العامة مشتركين في صلاحية التملك بالأخذ أو الإحراز للأشياء المباحة التي ليست في الأصل ملكًا لأحد (٣). ٢ - شركة الملك: وهي أن يتملك اثنان أو أكثر عينًا كان أو دينًا بسبب من أسباب التملك وذلك كالشراء والهبة وقبول الوصية (٤).

стр. 1318

٣ - شركة العقد: وهي المعنى المقصود للشركة عند إطلاق كلام الفقهاء، وهي عبارة عن تعاقد اثنين أو أكثر على العمل للكسب بواسطة الأموال أو الأعمال أو الوجاهة؛ ليكون الغنم والغرم بينهما. الحكم الشرعي للشركة ودليله: الأصل في ثبوت الشركة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول: فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ (١)؛ وذلك لأن الوَرِقَ كان لجميعهم. وأما السنة: فقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة: منها حديث السائب بن أبي السائب أنه قال للنبي ﷺ : "كنتَ شريكي في الجاهليةِ فكنتَ خيرَ شريكٍ؛ لا تداريني ولا تماريني" رواه أبو داود والنسائيُّ والحاكم وصححه (٢). والحديث يدل على مشروعية الشركة، حيث فعلها النبي ﷺ . وأما الإجماع: فهو ما نراه من اشتراك المسلمين في التجارات منذ القرون الأولى إلى يومنا هذا بدون إنكار من أحد؛ فيكون ذلك إجماعًا (٣). وأما المعقول: فإن الناس محتاجون إلى التعامل بالشركة فأقر الإسلام مشروعيتها، وفي منعها حرج ومشقة على الناس، ولم يكتف الإسلام ببيان مشروعيتها، ولكنه ندب إليها ورغب فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٤).

стр. 1319

أركان الشركة: يرى الحنفية أن ركن الشركة واحد وهو الصيغة (الإيجاب والقبول)؛ لأنه هو الذي يتحقق به عقد الشركة. ويرى الجمهور أن عقد الشركة له أركان أربعة هي: الصيغة، والعاقدان، والمعقود عليه (محل العقد). الركن الأول: الصيغة: وهي التعبير الصادر من كل من المتعاقدين الدال على إرادة إنشائه، وتتكون من الإيجاب والقبول، وتنعقد الشركة بكل ما دل عليه مقصودها من قول أو فعل. الركن الثاني والثالث: العاقدان: وهما طرفا العقد اللذان لا يتم انعقاده إلا بهما، ولا بد أن يكون كل من العاقدين ممّن يتوفر فيه الأهلية لمباشرة العقد، وذلك بأن يكون كل منهما بالغًا عاقلًا رشيدًا غيرَ محجورٍ عليه. الركن الرابع: المحل: ويقصد به رأس مال الشركة، وقد يكون مالًا أو عملًا، ولا بد أن يكون رأس مال الشركة موجودًا، فلا يجوز أن يكون دينًا ولا مالًا غائبًا؛ لأنه لا يمكن التصرف فيه لتحصيل مقصود الشركة وهو الربح، حيث لا يؤمن أداء الدين وحضور المال الغائب عند الحاجة إليه (١).

стр. 1320

شروط الشركة: تنقسم شروط الشركة إلى نوعين: النوع الأول: شروط عامة لصحة عقد الشركة: ومنها شروط متفق على اعتبارها عند المذاهب الفقهية، ومنها شروط مختلف فيها عندهم. فالمتفق عليه من هذه الشروط: ١ - أهلية كل من العاقدين للتوكيل والتوكل، وذلك بأن يكون كل منهما حرًا بالغًا رشيدًا؛ إذ أن كل واحد من العاقدين يعتبر أصيلًا بالنسبة لحصته وهو وكيل في التصرف عن شريكه. وتجوز الشركة بين المسلم والكافر إذا لم يكن في قيامها أو عملها ما يخالف الشريعة الإسلامية. جاء ذلك في الفتوى (٧٧٠٧) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية. ٢ - أن يكون رأس مال الشركة معلومًا. ٣ - يشترط أن يكون رأس مال الشركة حاضرًا. ٤ - معرفة مقدار الربح وأن يكون جزءًا شائعًا في الجملة كالنصف ونحوه. أما المختلف فيه من الشروط فهو: ١ - أن يكون رأس مال الشركة مثليًا، وذلك عند الشافعية، والمثلي ما يحصره كيل أو وزن، ويجوز فيه السلم كالنقديين، أما غيرهم من الفقهاء فلا يشترط ذلك بل يرى الحنفية والحنابلة في رواية أن رأس مال الشركة لا بد أن

стр. 1321

يكون من الأثمان، ولا يجوز غيره من العروض ولو مثليًّا، ويرى المالكية والحنابلة في رواية أخرى أنه لا يشترط كون رأس المال مثليًّا، بل يجوز في غير المثليات أن تكون رأس مال للشركة كالعروض. ٢ - يشترط الشافعية لصحة الشركة اختلاط المالين فيها، ويخالفهم الفقهاء فلا يرون اشتراط ذلك. ٣ - يشترط المالكية والشافعية في قسمة الربح أن تكون مبنية على مقدار نصيب كل شريك في رأس مال الشركة، ويخالفهم الحنفية والحنابلة فيرون أن قسمة الربح يجوز أن تكون مبنية على اشتراط الشركاء. أما الشروط في الشركة فتنقسم إلى قسمين: صحيحة، وفاسدة: ١ - الشروط الصحيحة في الشركة: هي ما لا يترتب على اشتراطها ضرر على الشركاء ولا يتوقف عليها انعقاد العقد، مثل أن يشترط أن لا يتجر إلا في نوع معين من البضاعة أو في مكان معين كالرياض مثلًا، فمثل ذلك صحيح؛ لأنه لا يترتب على اشتراطها ضرر (١). ٢ - الشروط الفاسدة: وهي ما يترتب على اشتراطها ضرر على الشركاء وهي على ثلاثة أقسام: أ- ما يعود بجهالة الربح: كاشتراط ربح إحدى السفرتين أو اشتراط مبلغ معين، فهذه شروط فاسدة تؤدي إلى فساد الشركة؛ لأنها تفضي إلى جهلِ حقِّ كلِّ واحدٍ منهما من الربح أو إلى فواته بالكلية فيفضي إلى التنازع والاختلاف. ب- ما ينافي مقتضى العقد: مثل أن يشترط لزوم الشركة أو أن لا يبيع إلا

стр. 1322

برأس المال، فهذه شروط فاسدة؛ لأنها تفوت المقصود من الشركة وهو الربح أو تمنع الفسخ الجائز بحكم الأصل. ج- اشتراط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه: كأن يشترط الضمان إن تلف المال، أو أن تكون الخسارة أكثر من رأس المال ونحوها، فهذه شروط فاسدة إلا إنها لا تفسد عقد الشركة (١). حكم عقد الشركة: يرى عامة الفقهاء أن عقد الشركة عقد جائز غير لازم، وفي قول لابن يونس من المالكية أن الشركة تلزم بالعقد ولا رجوع لأحدهما فيها كعقد البيع. ومعنى كون عقد الشركة غير لازم أن لكل من الشركاء فسخَه متى شاء ولو بدون رضاء الآخر؛ وذلك لتضمن عقد الشركة توكيلَ كل شريك لصاحبه، والوكالة عقد غير لازم. ويرى الحنفية أنه لا بد من علم الشريك الآخر بالفسخ، فإن لم يعلم به فلا تنفسخ الشركة حتى يعلم؛ لأن في الفسخ من دون علم شريكه بذلك إضرارًا به والضرر ممنوع (٢). ويصح توقيت عقد الشركة بوقت معين؛ لأن الشركة تصرف يتوقت بنوع من المتاع فجاز توقيته في الزمان كما أنه يتم بناء على رضا الشركاء. وعلى هذا فإن توقيت مدة الشركات سواء منها الواردة في الفقه الإسلامي أو المعاصرة -جائز ومشروع يجب الالتزام به-؛ بل هو ما تقتضيه ظروف العصر ولا

стр. 1323

سيما الشركات الكبيرة التي ترتبط بأعمال كثيرة ومتشعبة قد تكون منتشرة حول العالم، وليس من السهل القول بإنهائها في أي وقت؛ لا يترتب عليه من ضرر على الشركاء وعلى المتعاملين مع الشركات بل وعلى الاقتصاد الوطني (١). والله أعلم. كتابة عقد الشركة: كتابة عقد الشركة مستحب؛ لما فيه من التوثيق والاحتياط وحسم المنازعات والشقاق بين الشركاء، وذلك اعتمادًا على الوازع الإيماني، وفي القوانين المعاصرة تم اعتبار كتابة عقد الشركة ركنا شكليًا، أما نظامُ الشركاتِ السعوديُّ فقد اعتبر الكتابة لازمة يترتب على عدم القيام بها عدم الاحتجاج بالشركة أمام الغير. وحيث إنه قد ضعف الوازع المديني وتفنن المحتالون في أساليبهم، فإن القول باعتبار كتابة عقد الشركة واجبًا، أمر مناسب لتحقق المصلحة والبعد عن المفسدة، غير أنه لا يكون ركنًا؛ إذ الركن جزء من الماهية وليست الكتابة جزءًا من الماهية بل هي أمر خارج عن ماهية العقد. الشخصية المعنوية للشركة: يقصد بالشخصية المعنوية أو الاعتبارية للشركة أن تعتبر الشركة شخصًا معنويًّا مستقلًّا عن أشخاص الشركاء وأن تكون لها ذمة مالية خاصة وأن تكون لها حياة قانونية؛ بمعنى: أن تكتسب حقوقًا وتلتزم بواجبات، ولم يظهر القول بذلك إلا في العصور المتأخرة؛ لحاجة الأعمال الاقتصادية والتجارية فهي من الأمور التي اقتضتها ظروفُ ومتطلباتُ العصرِ. وقد ذكر الفقهاء أن لبعض الجهات كالوقف والمسجد وبيت المال وغيرها حقوقًا، ووجدوا أن كثيرًا من أحكامها لا يستقيم إلا بإثبات ذمة منفصلة لها.

стр. 1324

ويرى الشيخ علي الخفيف (١) أن الذمة وما فرع عليها من الأحكام إنما هي تشريع فقهي يراد منه ضبط الأحكام واتساقها، وهو في الواقع أمر اجتهادي يصح أن يتغير ويتطور حسبما تقتضيه المصلحة والعرف تبعًا لمقتضيات المعاملات وتطورها وتغير أحكامها وتنوعها، ولا مانع من إثبات الذمة لغير الإنسان الحي؛ لأنه لم يرد بالمنع كتاب ولا سنة فيجوز أن تتسع الذمة لتشمل الشركاتِ والمؤسسات والأموالَ العامَّة، ويكون الثابت لهذه الأشياء من الذمة دون ما يثبت للإنسان، وذلك يكفي للوفاء بالالتزامات المالية من ناحيتها السلبية والإيجابية وبعض الأمور العبادية كالتبرع من الأرباح للمشاريع الخيرية والفقراء وجمعيات البر، وذلك أسوة بالوقف والمسجد وبيت المال (٢). النتائج المترتبة على إثبات الشخصية المعنوية (الاعتبارية) للشركات: يترتب على ذلك آثار منها: ١ - للشركة ذمة مالية مستقلة عن الذمة المالية للشركاء الذين يُكَوِّنونها، فيكون لدائني الشركة ضمان عام على جميع أموالها، وليس لدائني الشريك الشخصِيِّين استيفاء حقوقهم من حصته في رأس مال الشركة أثناء قيامها، ولا يتم إجراء التقاص بين ديون الشركة ودين على الشريك أو العكس؛ لاختلاف الذمة بينهما. ٢ - يجب أن يوجد من يمثل الشركة عند التعامل والتقاضي مع الغير وهو مديرها الذي يعمل باسمها. ٣ - يكون للشركة كِيَانٌ مستقل، وينبني على هذا أن يكون لها موطن مستقل

стр. 1325

واسم وعنوان وجنسية بحسب البلد الذي تكون فيه (١). أنواع الشركة: اختلف الفقهاء في القواعد التي ينبني عليها التقسيم، فاعتبر بعضهم المال هو القاعدة التي ينبني عليها التقسيم، وزاد بعضهم حيث اعتبر العمل والضمان أساسًا في التقسيم، فجاءت أنواع التقسيم متعددة تبعًا لذلك: ١ - الحنفية: سلك الحنفية في تقسيم الشركة مسلكين: أحدهما: أن الشركة تنقسم إلى أربعة أقسام هي: مفاوضة، وعنان، وشركة الصنائع، وشركة الوجوه. وبهذا يقول بعض الحنفية كابن الهمام وغيره. الثاني: أن الشركة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - شركة الأموال. ٢ - شركة الأعمال. ٣ - شركة الوجوه. وكل منها ينقسم إلى: مفاوضة، وعنان. فيكون الكلُّ ستَّةً، وبهذا يقول بعض الحنفية، ويقول أولئك: إن هذا التقسيم أَوْلى من سابقه؛ لأن السابق يوهم أن شركة الصنائع والوجوه مغايرتان للمفاوضة والعنان، وليس الأمر كذلك؛ فإن شركة الصنائع والوجوه كل منهما ينقسم إلى مفاوضة وعنان وهذا هو قول أبي جعفر الطحاوي والكرخي (٢). وبهذا التقسيم يقول ابن جزي من المالكية (٣).

стр. 1326

٢ - المالكية: ويذهب المالكية إلى أن الشركة تنقسم إلى سبعة أقسام هي: المفاوضة، والعنان وشركة العمل، وشركة الوجوه، وشركة الذمم، وشركة الجبر، وشركة المضاربة، وهي صحيحة عندهم ما عدا شركتي الوجوه والذمم (١). ٣ - الشافعية: تنقسم الشركة عندهم إلى خمسة أقسام: منها اثنان جائزان وهما العنان، والمضاربة، وثلاثة باطلة وهي شركة الأبدان والمفاوضة والوجوه (٢). ٤ - الحنابلة: تنقسم الشركة عندهم إلى خمسة أقسام: المفاوضة، والعنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة (٣). وهي جائزة عندهم إلا في النوع الثاني لشركة المفاوضة على أحد التفسيرين لها عندهم. وبدراسة هذه التقسيمات للشركة في المذاهب الفقهية ومقارنتها يتبين أن التقسيم الأفضل منها هو تقسيمها إلى أربعة أقسام هي: ١ - شركة الأموال: وهي التي تعتمد في إنشائها على مشاركة الشركاء في رأس المال. ٢ - شركة الأعمال: (الأبدان) وهي التي تعتمد في إنشائها على الجهد البدني من حرفة وصنعة ونحوهما. ٣ - شركة الوجوه: وهي التي تعتمد على ثقة الناس في المشاركين وليس لهم مال ولا صنعة، وكل من هذه الأقسام ينقسم إلى مفاوضة وعنان. ٤ - شركة المضاربة: وهي التي تعتمد على الجهد المالي والبدني معًا.

стр. 1327

فهذا التقسيم يشمل جميع أنواع الشركات التي ذكرها الفقهاء في تقسيماتهم للشركة. القسم الأول: شركة الأموال: ويقصد بشركة الأموال اشتراك اثنين أو أكثر برأس مال معين للتجارة واقتسام ما ينتج عن ذلك من ربح أو خسارة. وتنقسم إلى نوعين: ١ - العِنانِ: تعريفها لغة: العَنَانُ في اللغة من: عَنَّ يَعِنُّ إذا ظهر أمامك، وذلك لظهور مال كل من الشريكين لصاحبه، أو لأنها أظهر أنواع الشركة، ومنه قول امرئ القيس: فَعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعاجَهُ ... عَذَارى دُوَارٍ في مُلاءٍ مُذيل قال ابن منظور في اللسان: شركة العَنَانِ: شركة في شيء خاص دون سائر أموالهما كأنه عَنَّ لهما شيء فاشترياه واشتركا فيه، يقال: بينهما شركة عنان إذا اشتركا على السواء؛ لأن العنان طاقان مستويان فالشريكان مستويان في ولاية الفسخ والتصرف واستحقاق الربح كاستواء طرف العنان. قال الزهري: شركة العنان هي: أن يخرج كل واحد من الشريكين دنانير أو دراهم مثل ما يخرج صاحبه ويخلطاها ويأذن كل واحد لصاحبه أن يَتَّجِرَ فيه (١). واصطلاحًا: يختلف تعريف العنان في المذاهب الفقهية ولكن التعريف المناسب في رأينا:

стр. 1328

العنان: هي عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم بدفع حصة معينة في رأس مال يتجرون به ويقتسمون ما ينتج عنه من أرباح. حكم شركة العنان: اتفق الفقهاء على مشروعية شركة العنان وجوازها، وقد كانت هذه الشركة هي المعهودة في زمن النبي ﷺ وقد عملها النبي ﷺ مع السائب بن أبي السائب ودخل فيها البراء بن عازب وزيد بن أرقم فأقرهما الرسول ﷺ عليها، ولم يزل المسلمون من الصدر الأول إلى يومنا هذا يتعاملون بهذه الشركة (١). ٢ - شركة المفاوضة: تعريفها لغة: المفاوضة مشتقة من التفويض يقال فوض الأمر إليه تفويضًا، رده إليه وجعله الحاكم فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢)، والمفاوضة مفاعلة، وتسمية هذه الشركة بالمفاوضة؛ لأن كل واحد من الشريكين يفوض أمر التصرف في مال الشركة إلى الآخر. واصطلاحًا: يختلف تعريف المفاوضة بين المذاهب الفقهية الإسلامية على النحو التالي: ١ - يعرف الحنفية المفاوضة بأنها: هي أن يشترك الرجلان فيتساويان في مالهما وتصرفهما ودينهما؛ لأنها شركة عامة في جميع التجارات يفوض كل واحد فيها أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق (٣).

стр. 1329

٢ - المالكية: يذهب المالكية في تفسير شركة المفاوضة إلى أنها هي: أن يطلق كل واحد منهما التصرف لصاحبه في المال الذي اشتركا فيه في الغيبة والحضور والبيع والشراء والكراء والاكتراء، سواء كان الإطلاق في جميع الأنواع أو في نوع خاص، ولذلك سميت مفاوضة (١). ٣ - وفي تعريف للشافعية والحنابلة في أحد تفسيرين للمفاوضة: أنها الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من كسب وعليهما ما يعرض من غرم سواء أكان بغصب أو إتلاف أو بيع فاسد وغير ذلك (٢). ٤ - وفي تعريف عند الحنابلة للمفاوضة أنها: تفويض كل شريك إلى صاحبه شراءً وبيعًا في الذمة ومضاربة وتوكيلًا وضمان ما يرى من الأعمال (٣). حكم شركة المفاوضة: اختلف الفقهاء في حكم شركة المفاوضة تبعًا لاختلافهم في تعريفها: فمن عرفها بتعريف لا يتضمن شيئًا من أنواع الغرر قال بجوازها ومشروعيتها، ومن ذكر في تعريفها أنها تتناول أنواعًا من الغرر حكم بمنعها وحرمتها. ١ - فالحنفية يرون أن شركة المفاوضة جائزة؛ لآثار أوردوها ولأنها اشتملت على أمرين جائزين وهما الوكالة والكفالة وكل منهما جائزة حال الانفراد، فتجوزان مجتمعتين والجهالة متحملة تبعًا. ويرى الجمهور أن شركة المفاوضة على التعريف الذي أورده الحنفية غير جائزة؛ لأدلة ذكروها.

стр. 1330

والذي يظهر -والله أعلم- جواز شركة المفاوضة على ما ذكره الحنفية؛ لتعامل الناس بها منذ القدم من غير نكير، وهي وعلى القول بجوازها على الصفة المذكورة فإن وجودها لا يقع إلا نادرًا؛ إذ الناس -غالبًا- ما يحصل لأحدهم أموال أخرى غير رأس مال الشركة، وبذلك فإنها تزول الشركة، أما ما ذكره المانعون للمفاوضة من كونها تشتمل على الاشتراك فيما يكتسبون من لقطة أو ركاز وفيما يلزم كل واحد منهما من أرش جناية وغيرها مما يكون فيه غرر كثير ولذلك يقولون بمنعها- فإن الحنفية لم يرد في تعريفهم للمفاوضة ذكر شيء من أنواع الغرر ولذلك قالوا بجوازها (١). ٢ - يرى المالكية والحنابلة: جواز المفاوضة على ما أوردوه من تفسير لها؛ إذ ليس فيه غرر كثير يمنع القول بجوازها (٢). ومن ذلك يتبين أن اختلافهم مبنيٌّ على اختلافهم في تفسير المفاوضة، وهو ليس اختلافًا في حكم لحقيقة واحدة وإنما في حكم لحقيقتين مختلفتين. شروط شركة المفاوضة: يشترِط لها الحنفية -علاوة على الشروط العامة للشركة- ما يأتي: ١ - أن يكون كل من الشركاء متمتعًا بأهلية الكفالة. ٢ - المساواة في رأس المال قدرًا. ٣ - ألا يكون لأحد الشركاء مال خارج عن مال الشركة.

стр. 1331

٤ - أن تكون الشركة في عموم التجارات. ٥ - أن تكون بلفظ المفاوضة أو ما يقوم مقامها من عبارة تدل على المقصود. وإذا فقد شرط من شروط المفاوضة فإنها تنقلب إلى عنان؛ لأن المفاوضة تضمنت العنان وزيادة. ولا يشترط غيرهم من الفقهاء شروطًا تخص المفاوضة. ١ - شركة الأعمال (الأبدان): تعريفها لغة: يقال: عمل عملًا بمعنى فعل فعلًا عن قصد. والعمل المهنة والفعل، جمعه أعمال، والعامل من يعمل مهنة أو صنعة (١). واصطلاحًا: هو أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأبدانهم، كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعتهم أو يشتركوا فيما يكتسبونه من المباح كالاصطياد (٢). أنواع شركة الأعمال: تنقسم شركة الأعمال إلى قسمين: مفاوضة، وعنان، فتكون مفاوضة إذا كانت مستوفية لشرائط المفاوضة، وتكون عنانًا إذا لم تكن مستوفية لتلك الشروط. حكم شركة الأعمال: تنقسم شركة الأعمال إلى قسمين، وحكم الشركة هنا يختلف تبعًا لاختلاف أقسامها عند الفقهاء، وإليك بيان ذلك:

стр. 1332

١ - القسم الأول: أن يشتركا فيما يتقبلان بأبدانهما في ذممهما من العمل كالحدادة والخياطة ونحوها، وهذا النوع يقول الجمهور من الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة بجوازه، إلا أن المالكية يشترطون لذلك اتحاد الصنعة والمكان (١). ٢ - القسم الثاني: أن يشتركا فيما يكتسبانه بأبدانهما من مباح كالاحتطاب والاحتشاش ونحوهما. وهذا النوع يقول المالكية والحنابلة بجوازه (٢). ويرى الشافعية والظاهرية أن شركة الأبدان بقسميها غير جائزة (٣). الأدلة: كل من المجيزين والمانعين استدل بأدلة تؤيد ما ذهب إليه. والراجح: هو القول بجواز شركة الأعمال بقسميها، سواء أكانت بتقبل الأعمال أم بالاشتراك باكتساب المباحات، لقوة أدلة المجيزين وضعف أدلة المانعين، وفي ذلك منافع كثيرة للفرد والمجتمع؛ حيث يحصل التعاون والتكاتف مما يؤدي إلى ازدهار الاقتصاد، وهناك بعض الناس قد يتقن مهنة ما ولكنه لا يملك الجرأة التي تحمله على تقبل الأعمال بمفرده؛ لأنه يخاف المسؤولية، وباشتراك آخر معه تقوى عزيمته لتقبل الأعمال ومزاولتها وغير ذلك من المنافع الكثيرة. ٢ - شركة الوجوه: تعريفها لغة: يقال: وَجُهَ فلان وجاهة صار ذا قدر ورتبة، ورجل وجيه ذو وجاهة (٤). قال تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (٥).

стр. 1333

واصطلاحًا: أن يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما وثقة التجار بهما من غير أن يكون لهما رأس مال على أن ما اشتريا بينهما ويبيعان والربح بينهما (١). أقسام شركة الوجوه: تنقسم إلى قسمين: مفاوضة، وعنان: فتكون مفاوضة إذا تحقق فيها الشروط الأربعة للمفاوضة بكون الشريكين من أهل الكفالة وكذلك بقية الشروط، وتكون عنانًا إذا لم تتحقق فيها شروط المفاوضة (٢). حكم شركة الوجوه: يرى الحنفية والحنابلة أن شركة الوجوه جائزة ومشروعة؛ لأنها تشتمل على الوكالة والكفالة، وكل منها جائز، فلذلك تجوز الشركة بالوجوه كما أنها تشتمل على مصلحة من غير مفسدة، ويرى المالكية والشافعية أن شركة الوجوه غير مشروعة بل باطلة؛ لأنها لا تقوم على المال أو العمل ولأنها تشتمل على الغرر. والراجح: هو القول بجواز شركة الوجوه وهي تقوم على البيع والشراء وهو عمل وذلك إلى جانب الوجاهة كما أنه ليس فيها غرر، وجهالة الكسب لا تمنع الصحة؛ لأن الكسب في كل أنواع الشركات مجهول، ولم يمنع صحتها؛ لأن العبرة إنما هي معرفة مقدار النصيب من الربح، وما زال الناس يتعاملون بهذا النوع من الشركات، وفي التعامل بهذا النوع من الشركات مصالح كثيرة للفرد والجماعة، والإسلام يحرص على مراعاة المصالح.

стр. 1334

شركة المضاربة أو القراض: تعريفها لغة: لهذه الشركة في اللغة إطلاقان: ١ - يطلق عليها أهل الحجاز لفظ القراض، من القرض؛ وهو القطع، يقال: قرض قرضًا أي: قطعه، وذلك لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله وأعطاها له مقارضة ليتجر فيها (١). ٢ - ويطلق عليها أهل العراق المضاربة، فهي من ضرب ضربًا ومضربا أي: سار في الأرض وخرج تاجرًا أو غازيًا (٢)، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣)، والمعنى متحد وإن اختلف الإطلاق اللغوي. واصطلاحًا: هي عقد على الشركة بين اثنين أو أكثر يقدم أحدهما مالًا والآخر عملًا ويكون الربح بينهما حسب الاتفاق. وهذا التعريف جامع ومشتمل على مقومات المضاربة وما أورده الفقهاء في تعريفاتهم لها، إذ أن بعض التعريفات بمفردها ذكرت جوانب دون أخرى ولكن بالنظر في مجموعها يكون هذا التعريف وافيًا شافيًا (٤). حكم شركة المضاربة أو القراض: أجمع الفقهاء على القول بجواز شركة المضاربة، وقد نقل الإجماعَ كثيرٌ من الفقهاء، ومستندهم في ذلك آيات كثيرة من القرآن الكريم وأحاديث من السنة

стр. 1335

النبوية وحاجة الناس إلى التعامل بها، وليس كل من ملك المال يتمتع بأهلية التصرف ويحسن استغلاله وتنميته (١)، وليس كل من استطاع تنمية المال وقدر على العمل يملك المال، ووجود هذا النوع من الشركات يحقق المصلحة للطرفين. ويرى الجمهور من الفقهاء أن المضاربة قد شرعت على خلاف القياس؛ لأن القياس يقتضي عدم جواز الاستئجار بأجر مجهول أو بأجر معدوم ولعمل مجهول، وقد تُرِكَ القياس للكتاب والسنة والإجماع، ويذهب بعض الفقهاء، وهو رأي ابن تيمية وابن القيم، إلى أن المضاربة قد شرعت على مقتضى القياس لأن المضاربة من جنس المشاركات لا المعاوضات، وهو الراجح -إن شاء الله-؛ لاشتراك رب المال والعامل بما ينتج عنها من ربح وخسران، كما أن المطلوب في المضاربة هو المال وليس عمل العامل، وبذلك تفترق المضاربة عن الإجارة (٢). أقسام المضاربة: تنقسم المضاربة إلى قسمين: ١ - المضاربة المطلقة: وهي التي يدفع فيها المالك المال مضاربة إلى العامل من غير تقييد العمل والمكان والزمان ومن يتعامل المضارب معه، وهذا النوع يخول للمضارب التصرف بما يراه محققًا للمصلحة وبما يتناوله عرف التجار. ٢ - المضاربة المقيدة: وهي التي يدفع المالك المال فيها إلى العامل مضاربة ويعين له العمل والمكان أو الزمان أو من يتعامل معه المضارب.
следующие страницы →