٤ - أن تكون الشركة في عموم التجارات.
٥ - أن تكون بلفظ المفاوضة أو ما يقوم مقامها من عبارة تدل على المقصود.
وإذا فقد شرط من شروط المفاوضة فإنها تنقلب إلى عنان؛ لأن المفاوضة تضمنت العنان وزيادة.
ولا يشترط غيرهم من الفقهاء شروطًا تخص المفاوضة.
١ - شركة الأعمال (الأبدان):
تعريفها لغة: يقال: عمل عملًا بمعنى فعل فعلًا عن قصد. والعمل المهنة والفعل، جمعه أعمال، والعامل من يعمل مهنة أو صنعة (١).
واصطلاحًا: هو أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأبدانهم، كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعتهم أو يشتركوا فيما يكتسبونه من المباح كالاصطياد (٢).
أنواع شركة الأعمال:
تنقسم شركة الأعمال إلى قسمين: مفاوضة، وعنان، فتكون مفاوضة إذا كانت مستوفية لشرائط المفاوضة، وتكون عنانًا إذا لم تكن مستوفية لتلك الشروط.
حكم شركة الأعمال:
تنقسم شركة الأعمال إلى قسمين، وحكم الشركة هنا يختلف تبعًا لاختلاف أقسامها عند الفقهاء، وإليك بيان ذلك:
стр. 1332
١ - القسم الأول: أن يشتركا فيما يتقبلان بأبدانهما في ذممهما من العمل كالحدادة والخياطة ونحوها، وهذا النوع يقول الجمهور من الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة بجوازه، إلا أن المالكية يشترطون لذلك اتحاد الصنعة والمكان (١).
٢ - القسم الثاني: أن يشتركا فيما يكتسبانه بأبدانهما من مباح كالاحتطاب والاحتشاش ونحوهما. وهذا النوع يقول المالكية والحنابلة بجوازه (٢).
ويرى الشافعية والظاهرية أن شركة الأبدان بقسميها غير جائزة (٣).
الأدلة: كل من المجيزين والمانعين استدل بأدلة تؤيد ما ذهب إليه.
والراجح: هو القول بجواز شركة الأعمال بقسميها، سواء أكانت بتقبل الأعمال أم بالاشتراك باكتساب المباحات، لقوة أدلة المجيزين وضعف أدلة المانعين، وفي ذلك منافع كثيرة للفرد والمجتمع؛ حيث يحصل التعاون والتكاتف مما يؤدي إلى ازدهار الاقتصاد، وهناك بعض الناس قد يتقن مهنة ما ولكنه لا يملك الجرأة التي تحمله على تقبل الأعمال بمفرده؛ لأنه يخاف المسؤولية، وباشتراك آخر معه تقوى عزيمته لتقبل الأعمال ومزاولتها وغير ذلك من المنافع الكثيرة.
٢ - شركة الوجوه:
تعريفها لغة: يقال: وَجُهَ فلان وجاهة صار ذا قدر ورتبة، ورجل وجيه ذو وجاهة (٤). قال تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (٥).
стр. 1333
واصطلاحًا: أن يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما وثقة التجار بهما من غير أن يكون لهما رأس مال على أن ما اشتريا بينهما ويبيعان والربح بينهما (١).
أقسام شركة الوجوه:
تنقسم إلى قسمين: مفاوضة، وعنان: فتكون مفاوضة إذا تحقق فيها الشروط الأربعة للمفاوضة بكون الشريكين من أهل الكفالة وكذلك بقية الشروط، وتكون عنانًا إذا لم تتحقق فيها شروط المفاوضة (٢).
حكم شركة الوجوه:
يرى الحنفية والحنابلة أن شركة الوجوه جائزة ومشروعة؛ لأنها تشتمل على الوكالة والكفالة، وكل منها جائز، فلذلك تجوز الشركة بالوجوه كما أنها تشتمل على مصلحة من غير مفسدة، ويرى المالكية والشافعية أن شركة الوجوه غير مشروعة بل باطلة؛ لأنها لا تقوم على المال أو العمل ولأنها تشتمل على الغرر.
والراجح: هو القول بجواز شركة الوجوه وهي تقوم على البيع والشراء وهو عمل وذلك إلى جانب الوجاهة كما أنه ليس فيها غرر، وجهالة الكسب لا تمنع الصحة؛ لأن الكسب في كل أنواع الشركات مجهول، ولم يمنع صحتها؛ لأن العبرة إنما هي معرفة مقدار النصيب من الربح، وما زال الناس يتعاملون بهذا النوع من الشركات، وفي التعامل بهذا النوع من الشركات مصالح كثيرة للفرد والجماعة، والإسلام يحرص على مراعاة المصالح.
стр. 1334
شركة المضاربة أو القراض:
تعريفها لغة: لهذه الشركة في اللغة إطلاقان:
١ - يطلق عليها أهل الحجاز لفظ القراض، من القرض؛ وهو القطع، يقال: قرض قرضًا أي: قطعه، وذلك لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله وأعطاها له مقارضة ليتجر فيها (١).
٢ - ويطلق عليها أهل العراق المضاربة، فهي من ضرب ضربًا ومضربا أي: سار في الأرض وخرج تاجرًا أو غازيًا (٢)، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣)، والمعنى متحد وإن اختلف الإطلاق اللغوي.
واصطلاحًا: هي عقد على الشركة بين اثنين أو أكثر يقدم أحدهما مالًا والآخر عملًا ويكون الربح بينهما حسب الاتفاق.
وهذا التعريف جامع ومشتمل على مقومات المضاربة وما أورده الفقهاء في تعريفاتهم لها، إذ أن بعض التعريفات بمفردها ذكرت جوانب دون أخرى ولكن بالنظر في مجموعها يكون هذا التعريف وافيًا شافيًا (٤).
حكم شركة المضاربة أو القراض:
أجمع الفقهاء على القول بجواز شركة المضاربة، وقد نقل الإجماعَ كثيرٌ من الفقهاء، ومستندهم في ذلك آيات كثيرة من القرآن الكريم وأحاديث من السنة
стр. 1335
النبوية وحاجة الناس إلى التعامل بها، وليس كل من ملك المال يتمتع بأهلية التصرف ويحسن استغلاله وتنميته (١)، وليس كل من استطاع تنمية المال وقدر على العمل يملك المال، ووجود هذا النوع من الشركات يحقق المصلحة للطرفين.
ويرى الجمهور من الفقهاء أن المضاربة قد شرعت على خلاف القياس؛ لأن القياس يقتضي عدم جواز الاستئجار بأجر مجهول أو بأجر معدوم ولعمل مجهول، وقد تُرِكَ القياس للكتاب والسنة والإجماع، ويذهب بعض الفقهاء، وهو رأي ابن تيمية وابن القيم، إلى أن المضاربة قد شرعت على مقتضى القياس لأن المضاربة من جنس المشاركات لا المعاوضات، وهو الراجح -إن شاء الله-؛ لاشتراك رب المال والعامل بما ينتج عنها من ربح وخسران، كما أن المطلوب في المضاربة هو المال وليس عمل العامل، وبذلك تفترق المضاربة عن الإجارة (٢).
أقسام المضاربة:
تنقسم المضاربة إلى قسمين:
١ - المضاربة المطلقة: وهي التي يدفع فيها المالك المال مضاربة إلى العامل من غير تقييد العمل والمكان والزمان ومن يتعامل المضارب معه، وهذا النوع يخول للمضارب التصرف بما يراه محققًا للمصلحة وبما يتناوله عرف التجار.
٢ - المضاربة المقيدة: وهي التي يدفع المالك المال فيها إلى العامل مضاربة ويعين له العمل والمكان أو الزمان أو من يتعامل معه المضارب.
стр. 1336
والفقهاء يختلفون في هذه القيود وما يجب الالتزام به منها وذلك مبني على اجتهادهم، فمن رأى أن القيد مفيد قال باعتباره، ومن رأى أنه غير مفيد وإنما فيه تضييق على العامل قد ينتج عنه عدم حصول الربح المطلوب، قال بعدم جوازه وصحته (١).
والرأي في ذلك:
أن تلك القيود مفيدة وليس في القول بها مخالفة لدليل شرعي وإنما هو الرأي والاجتهاد، وهي إنما تكون عن رضًا من الشريكين، فيلزم الوفاء بها؛ لحديث: "المسلمون عندَ شروطِهم" (٢)، ولهذا يجب على المضارب التزام ما شرطه المالك وعدم مخالفته.
أنواع الشركات المعاصرة:
تنقسم الشركات من حيث الغرض من إنشائها إلى نوعين هما:
١ - الشركات المدنية: وهي الشركات التي تقوم بأعمال مدنية، مثل الشركات التي تقوم بأعمال المناجم أو التي تقوم بشراء الأراضي وبيعها؛ لتحقيق أغراض تعود بالربح على الشركاء ولا تكتسب صفة التاجر ولا تخضع لأحكام القانون التجاري وإنما تطبق عليها القواعد التي تطبق على الأفراد العاديين.
٢ - الشركات التجارية: وهي الشركات التي تقوم بأعمال تجارية وتكتسب صفة التاجر وتخضع لكافة الواجبات المفروضة على التجار كما تطبق عليها أحكام القانون التجاري، وهي أهم من الشركات المدنية؛ لأنها تقوم بدور
стр. 1337
أكبر في مجال الأعمال التجارية ولها دور أساسي في الحياة الاقتصادية (١).
أنواع الشركات التجارية:
تنقسم الشركات التجارية إلى ثلاثة أقسام هي:
١ - شركات الأشخاص: وهي الشركات التي تقوم على الاعتبار الشخصي بين الشركاء والثقة المتبادلة بينهم، وهي تقوم بين شخصين أو أكثر تجمعهم رابطة الصداقة، وتقوم شركات الأشخاص عادة لاستغلال المشاريع المتوسطة والصغيرة.
٢ - شركات الأموال: وهي التي تقوم على المال وتعتمد عليه اعتمادًا كليًا ولا تتأثر بالاعتبارات الشخصية (٢).
٣ - الشركات العامة: وهي شركات يشترك فيها رأس المال العام مع رأس المال الخاص؛ لرعاية الصالح العام والجهة الفردية معًا، أو تنفرد الدولة أو إحدى المؤسسات العامة بتملك جميع أسهمها (٣).
أنواع شركات الأشخاص:
شركات الأشخاص ثلاثة أنواع:
١ - شركة التضامن: وهي الشركة التي يعقدها اثنان أو أكثر بقصد الاتجار على وجه الشركة بينهم بعنوان مخصوص يكون اسمًا لها ويكون كل من الشركاء فيها مسؤولًا مسؤولية مطلقة عن سداد ديون الشركة.
стр. 1338
٢ - شركة التوصية البسيطة: وهي التي تُعْقَدُ بين فريقين من الشركاء، شريك أو أكثر متضامنين مسؤولين عن إدارة الشركة وعن ديونها وتعهداتها للغير، وشريك أو أكثر موصين ومسؤوليتهم عن ديون الشركة مسؤولية محدودة بقدر حصصهم في رأس مال الشركة.
٣ - شركة المحاصة: وهي شركة تقوم على الشركاء وحدهم ولا وجود لها بالنسبة للآخرين وليس لها شخصية معنوية ويمكن إثباتها بكافة طرق الإثبات (١).
أنواع شركات الأموال:
١ - المساهمة: وهي الشركة التي يقسم رأس مالها إلى أقسام متساوية قابلة للتداول تسمى أسهمًا، ومسؤولية المساهمين في سداد ديون الشركة لا تتعدى القيمة الإسمية للأسهم.
٢ - شركة التوصية بالأسهم: ويقسم رأس المال إلى أسهم وتضم فريقين من الشركاء هما: شركاء متضامنون وهم مسؤولون عن جميع التزامات الشركة، وشركاء موصون ومسؤوليتهم عن التزامات الشركة تكون في حدود القيمة الإسمية التي اكتتبوا فيها.
٣ - الشركة ذات المسؤولية المحدودة: وهي شركة لا يزيد عدد الشركاء فيها عن خمسين شريكًا ومسؤولية الشريك فيها محدودة بقدر حصته (٢).
أنواع الشركات العامة:
١ - شركة الاقتصاد المختلط: وهي شركة تجارية تؤسس-غالبًا- على
стр. 1339
شكل شركة مساهمة، وتخضع في معظم قواعدها للنصوص المتعلقة بشركة المساهمة، ويكون رأس مالها وإدارتها مشتركًا بين الأفراد والمؤسسات العامة.
٢ - شركة المساهمة العامة: وهي الشركة التي تمتلكها الدولة أو إحدى المؤسسات العامة، وهي شركة نشأت نتيجة للتأميم الذي جرى في بعض الدول العربية (١).
وقد زاد النظام السعودي للشركات على ذلك الشركة التعاونية والشركة ذاتَ رأس المال القابل للتغيير.
مميزات شركات الأشخاص:
تتميز شركات الأشخاص عن شركات الأموال بأن الشركاء يختار بعضهم بعضًا بسبب شعور كل واحد منهم نحو الآخر بالثقة في معرفته التجارية ومقدرته المالية وأمانته، وتكون العلاقة فيما بين الشركاء قوية جدًا، ويترتب على ذلك الاعتبارات الآتية:
١ - لا يجوز لأحد الشركاء أن يتنازل عن حصته في الشركة للغير دون رضا بقية الشركاء؛ لأنه يؤدي إلى دخول شخص غريب عن بقية الشركاء.
٢ - تنحل الشركة بموت أحد الشركاء أو الحجر عليه أو إشهار إفلاسه الذي لا يؤدي إلى إفلاس الشركة ما لم ينص في عقد الشركة على غير ذلك.
٣ - مسؤولية الشريك في الغالب غير محدودة، فالشركاء المتضامنون في شركة التضامن أو شركة التوصية يعتبرون مسؤولين بالتضامن عن ديون الشركة (٢).
стр. 1340
الحكم الشرعي للشركات المعاصرة:
إن الشركات المعاصرة سواء ما كان منها من شركات الأشخاص أو الأموال أو المختلطة، لا تخرج في قواعدها وأسسها عن القواعد الشرعية للشركات الواردة في الفقه الإسلامي، ولذلك نقول بجوازها ومشروعيتها؛ لما يأتي:
١ - أن الأصل في العقود الإباحة والجواز؛ لأن الله تعالى قد أمر بالوفاء بالعقود؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١).
٢ - أن السنة قد جاءت بالالتزام بالشروط التي يُتَّفَقُ عليها ولا تخالفُ الشريعةَ الإِسلاميةَ، قال ﷺ : "المسلمون عندَ شروطِهم ما وافق الحقَّ من ذلك" (٢).
٣ - أن يتم استبعاد ما خالف الشريعة الإسلامية من شروط وأمور ممنوعة كاشتراط فائدة ثابتة لأيٍّ من الشركاء أو توزيع الخسائر بمقتضى اتفاق الشركاء دون اعتبار لمقدار نصيبِ كلِّ شريكٍ في رأس المال، أو كانت الشركة قد أنشئت للتعامل فيما حرم الإسلام من بيع أو شراء أو استيراد أو غير ذلك؛ لتكون الشركة موافقة للقواعد والأسس الشرعية. وما يتم من أمور تنظيمية أو إدارية أو غيرها فلا مانع منه؛ لعدم مخالفته للنصوص والقواعد الشرعية.
وقد أصدر مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذي القعدة ١٤١٢ هـ - قراره رقم ٦٣ يتناول الإسهام في الشركات وما يتبعه من جوانب تتعلق بالسهم.
стр. 1341
وكذلك أصدر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة المنعقدة في مكة المكرمة عام ١٤١٥ هـ، قراره في حكم الإسهام في تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مباحة، وأن ذلك جائز شرعًا؛ لأن الأصل في المعاملات الحِلُّ والإباحةُ.
أسباب انقضاء الشركة وانتهائها:
ذكر الفقهاء أسبابًا لانقضاء الشركة: منها موت أحد الشركاء، أو جنونه، أو الحجر عليه لسفه أو فلس، أو انسحاب أحد الشركاء من الشركة غير المؤقتة بمدة، وكذلك عزل أحد الشركاء من الشركة. وقد ذُكِرَتْ أسباب أخرى لانقضاء الشركات المعاصرة وهي:
١ - انقضاء المدة المحددة للشركة.
٢ - انتهاء العمل الذي قامت من أجله أو استحالة تنفيذه.
٣ - هلاك مال الشركة.
٤ - الاتفاق على إنهاء الشركة قبل انقضاء مدتها.
٥ - اجتماع الحصص في يد شريك واحد.
٦ - اندماج الشركة في شركة أخرى.
٧ - التأميم (١).
وليس هناك ما يمنع من اعتبار هذه الأسباب أسبابًا لانقضاء الشركة، شريطة ألا يكون في ذلك ظلم وأن يكون تطبيقه مبنيًا على الحق والعدل.
стр. 1342
فإذا انتهت الشركة بأي سبب من الأسباب المشار إليها فإنه يتم تصفيتها وقسمة موجوداتها، ويقوم بالتصفية من يتفق الشركاء على تعيينه وتحديد سلطاته، فإن لم يتفق الشركاء على ذلك تولى القاضي تعيينه بناءً على طلب أحدهم، وعلى المصفي أن يستوفي ما للشركة من حقوق وأن يفي بما عليها من ديون وأن ينجز الأعمال الجارية التي بدأت فيها الشركة وله أن يبيع كل موجودات الشركة منقولًا أو عقارًا، ويلتزم المصفي بتقديم حساب عن أعماله إلى الشركاء وبيان الأموال المتبقية ثم تقسم أموال الشركة بين الشركاء كلٌّ حسب حصته فيها، فإذا لم تكف أموال الشركة للوفاء بحصص الشركاء فإن الخسارة توزع عليهم جميعًا بحسب مقدار نصيب كل منهم في رأس المال.
стр. 1343
باب المساقاة والمزارعة
تعريفها:
المساقاة لغة: هي مأخوذة من السقي -بفتح السين وسكون القاف- المحتاج إليه فيها -غالبًا- وتسمى المعاملة.
واصطلاحًا: هي معاملة على تعهد شجر بجزء من ثمرته (١).
والمزارعة لغة: مشتقة من الزرع، وتسمى مخابرة من الخَبار بفتح الخاء؛ وهي الأرض اللينة.
واصطلاحًا: دفع الأرض إلى من يزرعها ويعمل عليها والزرع بينهما (٢).
أركانها أربعة:
١ و ٢ - العاقدان: وهما رب العمل والعامل (المساقي والمزارع).
٣ - المحل: وهو ما يتفق على المساقاة والمزارعة فيه من شجر وزرع ونصيب كل منهما فيه.
٤ - الصيغة: وتنعقد بكل لفظ يؤدي المعنى المقصود (٣).
حكم المساقاة والمزارعة ودليلهما:
المساقاة والمزارعة مشروعتان، وهما نوع من التعاون بين العامل وصاحب الأرض، لأنه قد يكون المالك غير مستطيعٍ العملَ بنفسه؛ إما لعجزٍ أو لسعة
стр. 1344
الأرض أو كثرة زراعته، ويكون العامل مستطيعًا للعمل بجهده وخبرته، فكل منهما يكمل الآخر، فشرع الإِسلام ذلك؛ لما يعود بالنفع عليهما وعلى المجتمع.
دليل المشروعية:
شرعت المساقاة والمزارعة بالسنة حيث وردت فيهما أحاديث صحيحة؛ فمن ذلك ما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: "عامل رسولُ الله ﷺ أهلَ خيبرَ بشطرِ ما يَخْرُجُ منها من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ" حديث صحيح (١).
وقد نقل صاحب المغني قول أبي جعفر محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعليٌ ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث أو الربع، واشتهر ذلك فلم ينكره منكر فكان إجماعًا، وبه يقول عليٌّ وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وأحمدُ بن حنبل وأبو يوسف ومحمَّد بن الحسن وغيرهم.
وخالف في ذلك كله أبو حنيفة فمنع المساقاة والمزارعة لأدلة أوردها، ويرى مالك مشروعية المساقاة؛ للأحاديث الواردة فيها، وكذلك المزارعة إذا كانت الأرض تبعًا الثمر وكان الثمر أكثر بحيث يكون الزرع ثلث الثمر فأقل.
ويرى الشافعي مشروعية المساقاة؛ لحديث معاملة أهل خيبر، وعدم جواز المزارعة؛ للنهي عنها في حديث رافع بن خديج، وأجازها بعض كبار الشافعية "ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وقال: فالمزارعة جائزة وهي عمل المسلمين في جميع الأمصار لا يُبْطِلُ العملَ بها أحدٌ" (٢).
стр. 1345
والراجح: مشروعية المساقاة والمزارعة؛ للأحاديث الصحيحة الواردة فيهما سواء أكانتا مجتمعتين أم كان الاتفاق على واحدة منهما منفردة، وأما حديث رافع ابن خديج ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عنها، فقد رده زيد بن ثابت ﵁ وأخبر أن النهي كان لفض النزاع، وكذلك رده ابن عباس ﵄ فقال: إن رسول الله ﷺ لم يحرم المزارعة ولكن أمر أن يرفق الناس بعضهم ببعض بقوله: "مَنْ كانتْ له أرضٌ فليزرعْها أو ليمنحْها أخاه"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المقصود أن النبي ﷺ نهى عن المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام؛ إذا اشترط رب الأرض فيها زرعَ مكانٍ بعينه، وقد حث الإِسلام على المساقاة والمزارعة؛ جاء في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ مسلمٍ يَغْرِسُ غرسًا أو يزرعُ زرعًا فيأكلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له به صدقةٌ".
قال القرطبي: الزراعة من فروض الكفاية، فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار (١).
حكم عقد المساقاة والمزارعة:
يرى أكثر الفقهاء من المالكية والشافعية وبعض أصحاب أحمد وغيرهم، أن عقد المساقاة والمزارعة عقد لازم؛ لأنه عقد معاوضة، ويرى بعض الفقهاء ومنهم الإمام أحمد وهو قول الشافعية، أن العقد فيهما جائز؛ لأن النبي ﷺ لم يضرب لأهل خيبر مدة ولا خلفاؤه من بعده، ولأنها عقد على جزء من نماء المال فكانت جائزة كالمضاربة، ورتبوا على فسخها قبل انتهاء المتفق عليه أحكامًا؛ فإذا انفسخت بعد ظهور الثمر فهو بينهما وإن فسخ العامل قبل ظهورها فلا شيء له، وإن فسخ رب المال فعليه للعامل أجرة عمله (٢)، ولذلك فإن النتيجة واحدة تقريبا؛ لأن الهدف من
стр. 1346
القول بلزومها هو إبعاد الضرر عنهما، والذي يقول بجوازها يرى جواز توقيتها بمدة محددة، فالقول بلزومها أولى، ولأن ذلك قد تحقق برغبتهما ورضاهما. وعن طريق تحديد المدة يتحقق الهدف من عقد المساقاة والمزارعة. والله أعلم.
خلاف المالك والعامل في نصيب العامل وفي الهلاك:
إذا اختلفا في نصيب العامل فالقول للعامل عند مالك إذا ادَّعى ما يناسب؛ لأنه أقوى سببًا، وقال الشافعي: يتحالفان، وقال الحنابلة: القول قول رب العمل؛ لأنه منكر، ولحديث: "البينةُ على المدَّعِي واليمينُ على المدَّعَى عليه" (١).
وإذا ادعى العامل الهلاك فالقول قوله؛ لأنه أمين، فهو كالمضارب، فإن اتُّهِمَ حلف، وإن ثبتت خيانته ضُمَّ إليه من يشرف عليه، فإن لم يمكن حفظه استؤجر من يعمل عمله. وبهذا قال الشافعي، وقال أصحاب مالك: لا يقام غيره مقامه بل يحفظ عنه.
شروط المساقاة والمزارعة:
١ - أن يكون محل الاتفاق من سقاية وزراعة معلومًا بالرؤية أو بالصفة التي لا يختلف معها؛ لأنه لا يصح العقد على مجهول.
٢ - أن يكون للعامل جزء مشاع معلوم من الثمر كالنصف والثلث؛ فلو شرط لأحدهما أرضًا معينة بطلت.
ما تجوز فيه المساقاة:
تجوز المساقاة في جميع الشجر المثمر. وهذا هو قول الخلفاء الراشدين ﵃ وبه قال سعيد بن المسيب ومالك وأحمدُ وأبو يوسف ومحمَّد وغيرهم؛ لأنه شجر
стр. 1347
يثمر كل حول فأشبه النخيل والعنب، ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه، وقال الشافعي: لا يجوز إلا في النخيل والعنب؛ لأن الزكاة تجب في ثمرتهما.
أما الأشجار غير المثمرة فيرى الإِمام مالك والشافعيُّ أنها لا تجوز المساقاة عليها؛ لأن المساقاة تكون بجزء من الثمر وهذا لا ثمر له، واستُثْنِيَ منه ما يقصد ورقه أو زهره كالتوت والورد، قال في المغني: إن القياس يقتضي جواز المساقاة عليه لأنه في معنى الثمر، لكونه نماءً يتكرر كل عام ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه فيثبت له حكمه (١).
الرأي: نرى جواز المساقاة على كل شجر ولو كان غير مثمر؛ لأنه قد جاء في لفظ بعض الأخبار: "أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر"، وهذا عام يشمل المثمر وغير المثمر، كما أن الأشجار غير المثمرة محل حاجة الناس في الوقت الحاضر لعمل الورق والأثاث وما يحتاجه الناس في أمور حياتهم وهو مقصود كثيرًا، وفي جوازه تيسير على الناس؛ إذ هو طريق للكسب، بل إنه تُؤَسَّسُ من أجل القيام به واستغلاله الشركاتُ في بعض الدول.
ما يجب على المالك والعامل:
على العامل أن يعمل كل ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر وزيادته مما يتكرر كل سنة كالسقي والحرث والتلقيح وحفظ الثمرة ونحو ذلك.
وعلى المالك ما يقصد به حفظ الأصل ولا يتكرر كل سنة كبناء الحيطان وحفر الآبار وشق الأنهار ونحوها (٢).
ويرى بعض الفقهاء أن البذر لا بد أن يكون على المالك، وهو مذهب
стр. 1348
الحنابلة؛ لأنهما يشتركان في نمائه فوجب أن يكون رأس المال من أحدهما كالمضاربة ويرى غيرهم عدم اشتراط ذلك بل يجوز أن يخرجه العامل، وهو قول عمر وابن مسعود وغيرهما واختاره ابن تيمية وابن القيم؛ لأن الأصل المعول عليه في المزارعة قضية خيبر، ولم يذكر النبي ﷺ أن البذر على المسلمين.
كراء الأرض بالنقد (إجارتها):
يجوز إجارة الأرض بالنقد وبالعروض، قال أحمد: ما اختلفوا في الذهب والورق، وقال ابن المنذر: أجمع عوامُّ أهل العلم على جواز ذلك بالذهب والفضة وبه قال سعيد بن المسيب وعروة والقاسم ومالك والشافعيُّ والحنفية. قال النووي: وهذا هو الراجح المختار.
جاء في الفتوى رقم (٢١٥٨) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية: "يجوز تأجير الأرض الزراعية بجزء مشاع من غلتها كالثلث والربع، وكذلك يجوز تأجير الأرض الزراعية بمبلغ محدد من المال يدفعه الشخص المستأجر لها سواء زرعها أو لم يزرعها".
والحكم في العروض كالحكم في الأثمان، أما الطعام فقد منعه مالك مطلقًا سواء كان من الخارج منها أو من غيره؛ وأجازه الأئمة الثلاثة لحديث ثابت بن الضحاك ﵁ أن الرسول ﷺ "نهى عن المزارعةِ وأمر بالمؤاجرةِ" (١).
حيث إنه عامٌّ يشمل الطعام وغيره ولو مما يخرج منها، والنهي عن المزارعة في الحديث محمول على المزارعة الفاسدة التي يدخلها كثير من الجهالة والغرر والظلم لأحد الطرفين (٢).
стр. 1349
انتهاء المساقاة والمزارعة:
تنتهي بأمور:
١ - هرب العامل: وهذا يخول الفسخ للمالك على القول بأنها عقد جائز، وأما مع لزوم العقد فحكمه أن يستأجر القاضي عليه من يعمل عمله.
٢ - عجز العامل عن العمل: وفي تلك الحالة يقيم من يعمل مقامه، والأجرة عليه؛ لأن عليه توفيةَ العملِ.
٣ - موت كل واحد منهما وجنونه على القول بأنها عقد جائز، وأما مع لزوم العقد فإن الوارث والولي يقوم مقام الميت والمجنون منهما.
٤ - اتفاقهما على إنهائها برضاهما (١).
стр. 1350
باب الإجارة
تعريفها في اللغة: من آجَر يأجُرُ وهو ما أعطيت من أجر في العمل (١).
تعريفها في الشرع: عقد على منفعة مباحة من عين معينة أو موصوفة في الذمة مدة معلومة أو على عمل معلوم بعوض معلوم (٢).
شرح التعريف:
عقد: معناه الإيجاب والقبول الذي يعبر عن إرادة المتعاقدين وارتباطهما على وجه مشروع يظهر أثره في محله.
على منفعة: لكي تخرج العين؛ لأن العقد عليها -أي العين- لا يسمى إجارة وإنما يسمى بيعًا.
مباحة: يخرج منها العقد على المنفعة المحرمة كالزنى والغناء ونحوه مما هو محرم.
معلومة: خرج منه المنفعة المجهولة فلا يصح العقد عليها وقولهم: "من عين معينة أو موصوفة في الذمة أو عمل معلوم" يؤخذ منه أن الإجارة نوعان (٣):
النوع الأول: أن تكون الإجارة على منفعة عين معينة أو عين موصوفة.
مثال المعينة: آجرتك هذه الدار.
مثال الموصوفة: آجرتك بعيرًا صفته كذا للحمل أو الركوب.
стр. 1351
النوع الثاني: أن تكون الإجارة على أداء عمل معلوم كأن يحمله إلى موضع كذا، أو يبني له جدارًا، وقولهم: "مدة معلومة" أي لا بد من تحديد مدة الإجارة كشهر وسنة.
وقولهم: "بعوض معلوم" أي أجرة معلومة تكون مقابل المنفعة، فيخرج منها هبة المنافع والوصية بها؛ لأنها نوع تبرع من غير عوض، وكذلك يخرج منها الإعارة؛ لأن الذي يستعير شيئًا يأخذه من غير عوض (١).
شروط الإجارة:
من خلال تعريف الإجارة يمكن استخلاص الشروط المعتبرة فيها وهي كالآتي:
١ - يشترط لها كونها من جائز التصرف، وهذا الشرط معتبر في جميع المعاملات.
٢ - معرفة المنفعة كَسُكْنَى دار وخدمةِ آدميٍّ وتعليمِ علمٍ.
٣ - معرفة الأجرة.
٤ - كون المنفعة مباحة، فلا تصح على نفع محرم.
مشروعية الإجارة:
الإجارة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع:
أما دليل الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢). ففي الآية دليل على مشروعة الإجارة حيث أمر الله الأب بإعطاء الزوجة الأجرة على الرضاع، وكونه أجاز الأجرة على الرضاع فإنها تجوز على مثله
стр. 1352
وما هو في معناه (١).
ومن الأدلة أيضًا ما جاء في قصة موسى- علية الصلاة والسلام - مع المرأتين اللتين سقى لهما حيث قالت إحداهما لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٢).
أما أدلة السنة فمنها:
١ - ما جاء في صحيح البخاري وغيره: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال اللهُ -تعالى-: ثلاثةٌ أنا خصمُهم يومَ القيامةِ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حرًّا فأكل ثمنَه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فَاسْتَوْفَى منه ولم يُعْطِهِ أجرَه" (٣).
٢ - ومن الأدلة أيضًا قوله ﷺ : "أحقُّ ما أخذتم عليه أجرًا كتابُ الله" (٤).
أما الإجماع: فقد أجمع علماء الإِسلام من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة على مشروعية الإجارة.
قال ابن قدامة ﵀: "أجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة" (٥).
الحكمة في مشروعية الإجارة:
الإجارة وسيلة للتيسير على الناس في الحصول على ما يبتغونه من المنافع التي لا ملك لهم في أعيانها، فالحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فالفقير محتاج
стр. 1353
إلى مال الغني، والغني محتاج إلى عمل الفقير، ومراعاة حاجة الناس أصل في شرع العقود، فيشرع على وجه ترتفع به الحاجة ويكون موافقًا لأصل الشرع وهذه هي حكمة تشريعها (١).
أركان الإجارة:
١ - الركن الأول: الصيغة (الإيجاب والقبول):
والمراد بصيغة عقد الإجارة ما يتم به إظهار إرادة المتعاقدين من لفظ أو ما يقوم مقامه كالاستئجار والاكتراء، وتعقد أيضًا بأعرتك هذه الدار شهرًا بكذا؛ لأن العارية بعوض إجارة، أو وهبتك منافعها شهرًا بكذا، أو صالحتك على أن تسكن هذه الدار لمدة شهر بكذا، فيقول المستأجر: قبلت (٢).
فمتى عرف المتعاقدان المقصود انعقدت الإجارة بأي لفظ كان من الألفاظ التي عرف المتعاقدان مقصودَها، فإن الشارع لم يحد حدًا لألفاظ العقد بل ذكرها مطلقة (٣).
٢ - الركن الثاني: المتعاقدان (المؤجر والمستأجر):
أ- ويشترط في العاقدين أن يكونا جَائِزَيِ التصرف فلا تنعقد من المجنون والصبي الذي لا يميز.
ب- ويشترط فيهما وقوع الإجارة منهما عن تراضٍ، فإذا وقع العقد مشوبًّا بإكراه فإنه يفسد.
стр. 1354
٣ - الركن الثالث: المعقود عليه:
ويُشْترَطُ في هذا الركن شروط منها:
أ- منفعة العين المؤجرة.
ب- أن تقع الإجارة على العين المعقود عليها لا على استهلاك العين؛ لأن الإجارة لا تعقد إلا على نفع يستوفى مع بقاء العين.
ج- أن تكون المنفعة مباحة.
د- القدرة على الاستيفاء حقيقة وشرعًا، فلا يصح إجارة الدابة الشاردة ولا إجارة المغصوب ولا الغاصب.
هـ - أن تكون المنفعة معلومة علمًا ينافي الجهالة المفضية للنزاع.
٤ - الركن الرابع: الأجرة:
وهي ما يلتزم به المستأجر عوضًا عن المنفعة التي يتملكها، وكل ما يصلح أن يكون ثمنًا في البيع يصلح أن يكون أجرة في الإجارة، ويجب في الأجرة العلم بها، وإن كان الأجر مما يثبت دينًا في الذمة كالدراهم والمكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة، فلا بد من بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره.
فإن استوفيت المنفعة وجب أجر المثل وهو ما يقدره أهل الخبرة (١).
فهذه جملة أركان الإجارة.
وذهب الحنفية إلى أن للإجارة ركنًا واحدًا فقط وهو الصيغة، وأما العاقدان والمعقود عليه فهي أطراف للعقد ومن مقوماته، فلا قيام للعقد إلا باجتماع ذلك كله.
стр. 1355
فالخلاف بينهم وبين الجمهور هو خلاف لفظي فقط.
حكم عقد الإجارة:
الأصل في عقد الإجارة اللزوم، فلا يملك أحد المتعاقدين الانفراد بفسخ العقد إلا لمقتضى تنفسخ به العقود اللازمة من ظهور عيب أو ذهاب محل استيفاء المنفعة. وهذا ما قال به الجمهور (١). دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢).
تنجيز الإجارة وتعليقها:
الأصل في الإجارة أن تكون منجزة وأنها غير قابلة للتعليق كالبيع، وصرح قاضي زاده من الحنفية بذلك فقال: "الإجارة لا تقبل التعليق" (٣).
وقيل: يصح التعليق في الإجارة (٤).
من يؤخذ قوله عند الاختلاف ؟
١ - إذا اختلفا في قدر الأجر فقال: أجرتنيها سنة بألف ريال قال: بل بألفي ريال، تحالفا ويُبدأُ بيمين المؤجر، نص عليه أحمد وهو قول الشافعي؛ لأن الإجارة نوع من البيع (٥).
٢ - إن اختلفا في المدة فقال: أجرتكها سنة بألف قال: بل سنتين بألفين،
стр. 1356
فالقول قول المالك؛ لأنه منكر للزيادة فكان القول قوله فيما أنكره (١).
٣ - إن اختلفا في التعدي في العين المستأجرة فالقول قول المستأجر؛ لأنه مؤتمن عليها ولأن الأصل عدم العدوان والبراءة من الضمان (٢).
تأجير العين المستأجرة:
يجوز للمستأجر إجارة العين المؤجرة لمن يقوم مقامه بما شاء إن كان مثله أو أقل منه -لا بأكثر منه- ضررًا، إلا إذا اشتراط المالك في العقد عدم التأجير؛ لأن المسلمين على شروطهم.
هل الإجارة تنفسخ بموت أحد المتعاقدين ؟
المالكية والشافعية والحنابلة يرون أنها لا تنفسخ؛ لأن الإجارة عقد لازم فلم ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه (٣).
أما الحنفية فإنهم يفرقون بين كون المستوفي عقد الإجارة لنفسه أو عقدها لغيره، فلو عقدها لنفسه انفسخت بموته، وإن كان عقدها لغيره مثل الوكيل أو الوصي لم تنفسخ.
والذي اختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ أن الأجرة لا تنفسخ بموت المستأجر إذا وثق الورثة برهن أو ضمين يحفظ الأجرة بل يوفونها كما كان يوفيها الميت (٤).
стр. 1357
انتهاء الإجارة:
تنفسخ الإجارة بما يلي:
١ - تلف العين المؤجرة.
٢ - موت المتعاقدين أو أحدهما عند من يرى ذلك؛ وهم الحنفية والشَّعْبِيُّ والليث.
٣ - عدم التمكن من الانتفاع بالعين (١).
استحقاق الأجرة عند هلاك العين:
هل تسقط الأجرة بهلاك العين في الأعمال؟ إذا عمل الأجير في ملك المستأجر أو حضرته استحق الأجرة كاملة؛ لأنه تحت يده فأي عمل يعمله الأجير يصبح مسلمًا للمستأجر، وإن كان العمل في يد الأجير لم يستحق الأجرة بهلاك الشيء في يده؛ لأنه لم يسلم العمل (٢).
حكم الاستئجار على تعليم القرآن الكريم والحديث والفقه:
اختلفت أقوال الأئمة في ذلك على النحو الآتي:
١ - مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز الاستئجار على ذلك؛ لأن هذه الأعمال يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب بتعليم القرآن والحديث والفقه، ويدل على ذلك أنه لا يجوز أن يفعلها كافر، فلا يجوز خروج هذه الأعمال عن وجه العبادة لله، كما لا يجوز فعل الصلاة والصوم على غير وجه العبادة لله.
٢ - وعند الشافعية والمالكية جواز أخذ الأجرة على ذلك؛ لأن ذلك يقع
стр. 1358
نفعه على المستأجر فجاز أخذ الأجرة عليه (١).
والذي اختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀، وهو رواية في مذهب أحمد ﵀، أنه يجوز الاستئجار على تعليم القرآن والحديث والفقه بشرط الحاجة (٢).
الراجح: الجواز؛ لأن في ذلك مصلحةً للفرد والأمة في نشر العلم، ولأن من يقوم بالتعليم -غالبًا- قد فرغ نفسه للقيام بذلك وانقطع عن البحث عن أسباب الرزق. وهو ما عليه الفتوى في السعودية (٣).
إجارة دور مكة وغيرها من أرض الحرم:
يرى الشافعية جوازها (٤).
ومالك وأبو حنيفة لا يرون الجواز. وهذا هو مذهب الحنابلة (٥).
والخلاف في هذه المسألة مبنيٌّ على أن مكة فتحت صلحًا أم عنوة؟
فمن رأى أنها فتحت صلحًا قال بجواز بيعها وإجارتها وغير ذلك.
ومن قال بأنها فتحت عنوة فإنه يرى عدم جواز ذلك.
والمختار عند شيخ الإسلام ابن تيمية مع قوله بأنها فتحت عنوة القول بأنه يجوز بيع رباعها، ولم يُجِزْ إجارتها (٦).
والصواب -إن شاء الله- جواز الجميع؛ لحاجة الناس، وعليه العمل منذ أزمان بعيدة.
стр. 1359
باب السبق
تعريفه: السَّبْق -بسكون الباء- بلوغه الغاية قبل غيره، وبالتحريك (السَّبَقُ): ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والإبل وفي النضال فمن سبق أخذه.
حكمه الشرعي:
السبق جائز بالكتاب والسنة والإجماع:
فأما الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ (٢)، أي: نترامى بالسهام أو نتجارى على الأقدام.
وأما السنة فمنها:
قال النبي ﷺ : "أَلا إنَّ القوةَ الرميُ" (٣).
وعن أبي هريرة مرفوعًا: "لا سبقَ إلا في خُفٍّ أو نَصْلٍ أو حافرٍ" (٤) فالحديث دليل على جواز السباق على جعل (٥).
ومن أدلة السنة -أيضًا- ما جاء عن ابن عمر ﵄ "أن النبيَّ ﷺ سابق بين الخيلِ المضمرةِ من الحقباءِ (٦) إلى ثنيةِ الوداعِ وبين التي لم تُضَمَّرْ (٧) من ثنيةِ الوداعِ
стр. 1360
إلى مسجدِ بني زُرَيْقٍ" (١).
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة.
الحكمة في مشروعية السبق:
المسابقة والمسارعة من محاسن الإسلام، وهما مشروعتان؛ لما فيهما من المرونة والتدريب على الفنون العسكرية والكَرِّ والفَرِّ وتقوية الأجسام والصبر والجلد وتهيئة الأعضاء والأبدان للجهاد في سبيل الله (٢).
شروط صحة السبق:
يشترط لصحة السبق أو المسابقة خمسة شروط:
١ - تعيين المركوبَيْنِ؛ لأن الغرض معرفة سيرهما، ومن ثم فلا يجوز إبدالهما ولا إبدال أحدهما؛ لاختلاف الغرض.
٢ - أن يكون المركوب والآلة التي يركبها من نوع واحد، فإن كانتا من جنسين كالفرس مثلًا والبعير، لم يجز؛ لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس فلا يحصل الغرض من هذه المسابقة.
وذهب المالكية إلى الجواز مع الجنس أو اختلافه (٣).
٣ - تحديد المسافة وتحديد مدى الرمي.
وذهب المالكية إلى عدم اشتراط المساواة في المسافة في الميدان ولا في الغاية، فإذا دخلا على اختلاف في ذلك جاز، كأن يقول لصاحبه: أسابقك بشرط أن
стр. 1361
ابتدئ الرماية من المحل الفلاني القريب من آخر الميدان وأنت في المحل الفلاني الذي هو بعيد من آخر الميدان (١).
٤ - أن يكون العوض معلومًا؛ وذلك لأنه مال في عقد فلا بد أن يكون معلومًا كسائر العقود.
ويكون معلومًا بالمشاهدة أو القدر أو بالصفة.
ويجوز أيضًا أن يكون حالًا ومؤجلًا كالعوض في البيع، وأن يكون بعضه حالًا وبعضه مؤجلًا (٢).
٥ - الخروج عن شبه القمار بأن يكون العوض من واحد، فإن كان منهما لم يجز، وإن كان من إمام أو أجنبي جاز.
وهذا هو قول الأئمة الأربعة فإنهم يلزمون أن يكون بين المتسابقين محلل وهو ثالث على فرس كُفْءٍ.
قال الخرقي: "وإن أخرجا جميعًا لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللًا يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيرُه بعيريهما أو رميُه رميَهما" (٣).
وذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية إلى عدم اشتراط هذا الشرط مخالفًا بذلك لأقوال الأئمة الأربعة فقال بأنه: "يجوز المسابقة بعوض يخرجه المتسابقان يكون لمن سبق من غير أن يوجد بينهما محلل" (٤)، وهذا هو الراجح.
стр. 1362
حكم عقد المسابقة:
اختلف الفقهاء في عقد المسابقة:
١ - فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن عقد المسابقة عقد جائز كعقد الجعالة، فلكل واحد من المتعاقدين الفسخ قبل الشروع في المسابقة.
٢ - وقال المالكية: المسابقة عقد لازم ليس لأحد المتسابقين فسخه إلا برضاهما.
٣ - وذهب الشافعية -وهو الأظهر في مذهبهم- إلى أن عقد المسابقة لازم لمن التزم بالعوض، أما من لم يلتزم شيئًا فجائز في حقه (١).
ما تصح فيه المسابقة:
لا تصح المسابقة في عوض إلا في إبل أو خيل أو رمي؛ لقوله ﷺ : "لا سبقَ إلا في نصلٍ أو خُفٍّ أو حافرٍ" (٢).
وجاءت بذلك الفتوى رقم (١٨١٨) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية.
وذهب الحنفية إلى أن السباق يكون في هذه الثلاث، وزيد معها القدم؛ لحديث عائشة ﵂ في مسابقة النبي ﷺ .
وتوسع الشافعية في جواز المسابقة على عوض فألحقوا بها السهام الصغيرة والرماح والرمي بالأحجار والرمي بالمنجنيق وكل ما هو نافع في الحرب (٣).
стр. 1363
باب العارية
تعريفها:
لغة: العاريّة -هي بتخفيف الياء وتشديدها، وهي من التعاور: وهو التداول والتناوب لجعله للغير نوبة في الانتفاع، وقيل أصل المادة من العُري وهو التجرد؛ تسمى عارية؛ لتجردها عن العوض (١).
واصطلاحًا: هي إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه (٢).
الحكم الشرعي ودليله:
العارية مستحبة ومندوب إليها، وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع:
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٣).
قال ابن عباس وابن مسعود: هي العوارى؛ وهي جمع عارية.
وأما السنة: فما رُوِيَ من حديث أبى إمامة أن النبي ﷺ قال في خطبة الوداع: "والعاريةُ مُؤَدَّاةٌ ... " الحديث (٤).
وروى صفوان بن أمية أن النبي ﷺ استعار منه أدرعًا يوم حنين، فقال: أغصبًا يا محمَّد؟ قال: "بل عاريةٌ مضمونةٌ" (٥).
وأما الإجماع: فقد أجمع الفقهاء على مشروعيتها، قال الموفق: "الإعارة
стр. 1364
مستحبة بإجماع المسلمين" (١).
وقال ابن هبيرة: "اتفقوا على أنها جائزة وقربة مندوب إليها وأن للمعير ثوابًا" (٢).
وقيل: إن العارية واجبة، قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: "تجب مع غِنَى المالك؛ للآية. وهو قول لأحمد كما أنه قول للمالكية، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، أي: يمنعون إعطاء الشيء الذي لا يضر إعطاؤه على وجه العارية كالإناء والفأس ونحو ذلك مما جرت العادة ببذله والسماح به، لأن الله لَامَ مَنْ لم يفعل ذلك" (٣).
أركان العارية:
أركان العارية أربعة:
١ - المُعِيرُ: وهو مالك العين المعارة.
٢ - المستعير: وهو طالب الإعارة.
٣ - المعار: وهو الدور والأرضون وغيرها مما يباح الانتفاع به.
٤ - الصيغة: وهي كل قول أو فعل يدل عليها (٤).
شروط العارية:
يشترط لها الشروط الآتية:
стр. 1365
١ - أن يكون المعير أهلًا للتبرع.
٢ - أن تكون العين منتفعًا بها مع بقائها.
٣ - أن يكون النفع مباحًا (١).
حكم عقد العارية:
١ - يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية أن العارية عقد جائز، للمعير أن يرجع في إعارته متى شاء.
٢ - ويرى المالكية في المشهور عندهم أنه ليس له استرجاعها قبل الانتفاع، وإن شَرَطَ مدةً لزمته تلك المدة، وإن لم يشترط مدة لزمه من المدة ما يرى الناس أنه مدة لمثل تلك العارية.
٣ - ويرى الحنابلة أن للمعير أن يرجع ما لم يكن على المستعير ضرر في رجوع المعير؛ كما إذا أعاره أرضًا ليزرعها فله الرجوع ما لم يزرع، فإن زرع لم يملك الرجوع فيها إلى أن ينتهي الزرع (٢).
الراجح: يظهر أن الأولى هو القول بأن للمعير الرجوعَ في عاريته ما لم يكن في ذلك ضرر على المستعير، وإن كان فيه ضرر فينتظر المدة اللازمة لانتهاء الغرض والذي به يزول الضرر؛ وذلك لما فيه من تحقيق الهدف من العارية. وهو جمع بين الأقوال في ذلك. والله أعلم.
стр. 1366
ضمان العارية:
على المستعير أن يرد العارية إن كانت باقية، أما إذا تلفت فقد اختلف الفقهاء على النحو الآتي:
١ - يرى ابن عباس وأبو هريرة وإليه ذهب عطاء والشافعيُّ وإسحاق وأحمدُ وهو قول لمالك -أن العارية إذا تلفت فإنه يجب ضمانها سواء تعدى المستعير أو لم يتعد، واستدلوا بحديث صفوان: "بل عاريةٌ مضمونةٌ"، وحديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "على اليدِ ما أخذتْ حتى تؤدِّيَه" (١). ولأن المستعير قد أخذ ملك غيره لنفع نفسه ولم يؤذن له في الإتلاف؛ فكان مضمونًا كالغصب.
٢ - ويرى الحسن والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة -أنها أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدي، ويستدلون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "ليس على المستعيرِ غير المُغِلِّ ضمانٌ"، والمغل: هو الخائن (٢) ولأنه قبضها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة.
٣ - ويرى مالك في المشهور عنه وابن القاسم وأكثر أصحابه أن، العارية تضمن فيما يغاب عليه كالثياب والحلي إذا لم يكن على التلف بينة، ولا يضمن فيما لا يغاب عليه كالعقار والحيوان ولا فيما قامت البينة على تلفه (٣).
الراجح: هو القول بضمان العارية عند تلفها سواء أكان بتعدٍّ أو لم يكن بتعدٍّ؛ للأحاديث الواردة فيها، ولأن المصلحة في الانتفاع بها للمستعير دون المعير، وتضمينه يدفعه إلى المحافظة عليها، وليكون ذلك دافعًا للناس لبذل المنافع إذا
стр. 1367
وثقوا من سلامة ملكهم إما بعودته أو بضمانه، وبدونه تقل الرغبة بالتعاون في ذلك. والله أعلم.
إعارة العارية وإجارتها:
١ - ذهب بعض الفقهاء ومنهم الحنفية إلى أن المستعير له إعارة العارية وإن لم يأذن المالك إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل.
٢ - وذهب بعضهم ومنهم الحنابلة إلى أن المستعير ليس له حق الإعارة أو التأجير إلا بإذن المالك (١).
الراجح: الأولى القول بعدم الإعارة أو التأجير إلا بإذن المالك؛ لأنه أعارها له دون سواه وقد لا يرتضي هذا التصرف، وقد يقال بجواز ذلك لا سيما إذا قيل بضمان العارية إذا تلفت بتعدٍ أو غيره؛ إذ ملك المعير مضمون، وليس ملائما القول بجواز الإعارة مع عدم التضمين؛ لأن فيه ضياعًا لحق المالك دون إرادته. والله أعلم.
شرط نفي الضمان:
اختلف في ذلك الفقهاء:
١ - فمنهم من يرى أن شرط نفي الضمان في العارية يسقطه -وهو رواية عن أحمد-؛ لأنه لو أذن له في إتلافها لم يجب ضمانها فكذلك إذا أسقط عنه ضمانَهَا.
٢ - ومن الفقهاء من يرى أن شرط نفي الضمان لا يُعْتَدُّ به وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد؛ للحديث: "بل عاريةٌ مضمونةٌ"، ولأن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط (٢).
стр. 1368
الراجح: أن الأصل في العارية أنها مضمونة، وهو حق للمالك، وما دام المالك قد تنازل عنه بمحض إرادته واختياره فإن ذلك صحيح. والله أعلم.
كيفية التضمين:
يرى الفقهاء أنه يجب ضمان العين بمثلها، فإن لم تكن مثلية فإنها تضمن بقيمتها يوم تلفها، إلا إذا تلف فيها أجزاء قبل ذلك فإنه يضمنها بقيمتها يوم تلف أجزائها (١).
стр. 1369
باب الغصب
التعريف:
لغة: مصدر غصب الشيء يغصِبه بكسر الصاد غصبًا؛ وهو أخذ الشيء ظلمًا. قاله الجوهري وابن سيده (١).
واصطلاحًا: هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق (٢).
الحكم الشرعي ودليله:
الغصب حرام، ودليل تحريمه الكتاب والسنة والإجماع:
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٤).
وأما السنة: فما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر: "إنَّ دماءَكم وأموالكم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا في شهرِكم هذا في بلدِكم هذا". رواه مسلم (٥).
وما رواه سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ شبرًا من الأرضِ طُوِّقَهُ من سبعِ أَرَضِينَ" أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ (٦).
стр. 1370
وأما الإجماع: قال في المغني (١): "وأجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة". وقال ابن هبيرة: "واتفقوا على أن الغصب حرام" (٢).
رد المغصوب:
يجب على الغاصب رد المغصوب لمالكه في المحل الذي غصبه فيه إن قدر عليه، ولا يجبر على قبول عوضه ولو بذل الغاصب أكثر من قيمته؛ لقول النبي ﷺ : "على الْيَدِ ما أخذتْ حتى تُؤَدِّيَهُ" أخرجه أبو داود والترمذيُّ (٣). ومؤونة رد المغصوب على الغاصب مهما بلغت، ويرده بزيادته سواء كانت متصلة كتعلم صنعة أو منفصلة كالكسب، وهي مضمونة ضمان الغصب.
تصرفات الغاصب وعمله في المغصوب:
تصرفات الغاصب في المغصوب من بيع أو إجارة أو هبة أو غيرها غير صحيحة، وفي رواية عند الحنابلة أن تصرفات الغاصب كتصرفات الفضولي تتوقف على إجازة المالك؛ فإن أجازها صحت، وإن ردها بطلت.
وإذا عمل الغاصب في المغصوب فزادت به قيمته فإن عمله يعتبر تبرعًا لا يستحق عليه عوضًا، وإذا كان قد استأجر للعمل في المغصوب أجيرًا فأجره على الغاصب ولا يرجع به على المالك. وما أمكن رده إلى حالته فللمالك إلزامه به، وما لا يمكن فليس له ذلك (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المال المغصوب إذا اتَّجر به الغاصب ونماه