← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ضمان العارية: على المستعير أن يرد العارية إن كانت باقية، أما إذا تلفت فقد اختلف الفقهاء على النحو الآتي: ١ - يرى ابن عباس وأبو هريرة وإليه ذهب عطاء والشافعيُّ وإسحاق وأحمدُ وهو قول لمالك -أن العارية إذا تلفت فإنه يجب ضمانها سواء تعدى المستعير أو لم يتعد، واستدلوا بحديث صفوان: "بل عاريةٌ مضمونةٌ"، وحديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "على اليدِ ما أخذتْ حتى تؤدِّيَه" (١). ولأن المستعير قد أخذ ملك غيره لنفع نفسه ولم يؤذن له في الإتلاف؛ فكان مضمونًا كالغصب. ٢ - ويرى الحسن والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة -أنها أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدي، ويستدلون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "ليس على المستعيرِ غير المُغِلِّ ضمانٌ"، والمغل: هو الخائن (٢) ولأنه قبضها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة. ٣ - ويرى مالك في المشهور عنه وابن القاسم وأكثر أصحابه أن، العارية تضمن فيما يغاب عليه كالثياب والحلي إذا لم يكن على التلف بينة، ولا يضمن فيما لا يغاب عليه كالعقار والحيوان ولا فيما قامت البينة على تلفه (٣). الراجح: هو القول بضمان العارية عند تلفها سواء أكان بتعدٍّ أو لم يكن بتعدٍّ؛ للأحاديث الواردة فيها، ولأن المصلحة في الانتفاع بها للمستعير دون المعير، وتضمينه يدفعه إلى المحافظة عليها، وليكون ذلك دافعًا للناس لبذل المنافع إذا

стр. 1367

وثقوا من سلامة ملكهم إما بعودته أو بضمانه، وبدونه تقل الرغبة بالتعاون في ذلك. والله أعلم. إعارة العارية وإجارتها: ١ - ذهب بعض الفقهاء ومنهم الحنفية إلى أن المستعير له إعارة العارية وإن لم يأذن المالك إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل. ٢ - وذهب بعضهم ومنهم الحنابلة إلى أن المستعير ليس له حق الإعارة أو التأجير إلا بإذن المالك (١). الراجح: الأولى القول بعدم الإعارة أو التأجير إلا بإذن المالك؛ لأنه أعارها له دون سواه وقد لا يرتضي هذا التصرف، وقد يقال بجواز ذلك لا سيما إذا قيل بضمان العارية إذا تلفت بتعدٍ أو غيره؛ إذ ملك المعير مضمون، وليس ملائما القول بجواز الإعارة مع عدم التضمين؛ لأن فيه ضياعًا لحق المالك دون إرادته. والله أعلم. شرط نفي الضمان: اختلف في ذلك الفقهاء: ١ - فمنهم من يرى أن شرط نفي الضمان في العارية يسقطه -وهو رواية عن أحمد-؛ لأنه لو أذن له في إتلافها لم يجب ضمانها فكذلك إذا أسقط عنه ضمانَهَا. ٢ - ومن الفقهاء من يرى أن شرط نفي الضمان لا يُعْتَدُّ به وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد؛ للحديث: "بل عاريةٌ مضمونةٌ"، ولأن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط (٢).

стр. 1368

الراجح: أن الأصل في العارية أنها مضمونة، وهو حق للمالك، وما دام المالك قد تنازل عنه بمحض إرادته واختياره فإن ذلك صحيح. والله أعلم. كيفية التضمين: يرى الفقهاء أنه يجب ضمان العين بمثلها، فإن لم تكن مثلية فإنها تضمن بقيمتها يوم تلفها، إلا إذا تلف فيها أجزاء قبل ذلك فإنه يضمنها بقيمتها يوم تلف أجزائها (١).

стр. 1369

باب الغصب التعريف: لغة: مصدر غصب الشيء يغصِبه بكسر الصاد غصبًا؛ وهو أخذ الشيء ظلمًا. قاله الجوهري وابن سيده (١). واصطلاحًا: هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق (٢). الحكم الشرعي ودليله: الغصب حرام، ودليل تحريمه الكتاب والسنة والإجماع: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٤). وأما السنة: فما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر: "إنَّ دماءَكم وأموالكم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا في شهرِكم هذا في بلدِكم هذا". رواه مسلم (٥). وما رواه سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ شبرًا من الأرضِ طُوِّقَهُ من سبعِ أَرَضِينَ" أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ (٦).

стр. 1370

وأما الإجماع: قال في المغني (١): "وأجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة". وقال ابن هبيرة: "واتفقوا على أن الغصب حرام" (٢). رد المغصوب: يجب على الغاصب رد المغصوب لمالكه في المحل الذي غصبه فيه إن قدر عليه، ولا يجبر على قبول عوضه ولو بذل الغاصب أكثر من قيمته؛ لقول النبي ﷺ : "على الْيَدِ ما أخذتْ حتى تُؤَدِّيَهُ" أخرجه أبو داود والترمذيُّ (٣). ومؤونة رد المغصوب على الغاصب مهما بلغت، ويرده بزيادته سواء كانت متصلة كتعلم صنعة أو منفصلة كالكسب، وهي مضمونة ضمان الغصب. تصرفات الغاصب وعمله في المغصوب: تصرفات الغاصب في المغصوب من بيع أو إجارة أو هبة أو غيرها غير صحيحة، وفي رواية عند الحنابلة أن تصرفات الغاصب كتصرفات الفضولي تتوقف على إجازة المالك؛ فإن أجازها صحت، وإن ردها بطلت. وإذا عمل الغاصب في المغصوب فزادت به قيمته فإن عمله يعتبر تبرعًا لا يستحق عليه عوضًا، وإذا كان قد استأجر للعمل في المغصوب أجيرًا فأجره على الغاصب ولا يرجع به على المالك. وما أمكن رده إلى حالته فللمالك إلزامه به، وما لا يمكن فليس له ذلك (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المال المغصوب إذا اتَّجر به الغاصب ونماه

стр. 1371

فربح، فأعدل الأقوال أن يكون الربح مناصفة بينه وبين صاحب المال، وهذا قضاء عُمَرَ الذي وافقه عليه الصحابة، وقد اعتمد عليه الفقهاء، وهو العدل؛ لأن النماء حصل بمال هذا وعمل هذا فلا يختص أحدهما بالربح (١). غصب العقار: من غصب عقارًا من الأراضي والدور فإنه يجب عليه ضمانها؛ لقول النبي ﷺ : "من ظلم قيدَ شبرٍ من الأرضِ، طُوِّقَهُ يومَ القيامةِ من سَبعِ أَرَضِينَ". رواه البخاري ومسلمٌ (٢). وبذلك قال مالك والشافعيُّ وأحمدُ، وما يتلف من الأرض بفعله أو بسببه فعليه ضمانه بالإتلاف، وإذا غرس الغاصب في أرض غيره أو بنى فيها بغير إذنه فطلب صاحب الأرض قلع غرسه أو بنائه -لزم الغاصبَ ذلك-، لحديث سعيد بن عمرو بن نفيل أن النبي ﷺ قال: "ليس لعرقٍ ظالمٍ حَقٌّ". رواه أبو داود والترمذيُّ. ولأن الغاصب شغل ملك غيره بدون إذنه فلزمه تفريغه، وعليه رد الأرض إلى ما كانت عليه قبل الغصب، وعليه أن يدفع قيمة نقص الأرض الذي تم بالزرع والغرس، وإن كان الرد للأرض بعد الزرع فعلى الغاصب أجرتها، وإذا كان الزرع قائما خُيِّرَ مالك الأرض بين تركه إلى الحصاد بأجرته وبين أخذه بعوضه؛ لأن كلًا من المالك والغاصب يحصل غرضه بذلك، والزرع يختلف عن الشجر الذي تطول مدته. منافع المغصوب: منافع الأموال من الأرض والمنقولات وغيرها مضمونة بالتفويت عند الجمهور، فعلى الغاصب أجرة مثله مدة مقامه في يده سواء استوفى الغاصب

стр. 1372

المنافع أو تركها، وإن ذهب بعض أجزاء المغصوب في مدة الغصب باستعمالٍ أو غيره لزمه أرش (١) النقص الذي حدث، علاوة على أجرة مثله سليمًا، وعند الحنفية لا يضمن الغاصب منافع الغصب؛ لأنها حدثت في يد الغاصب (٢). والراجح: ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن ملكية المغصوب لصاحبه، ولا أثر ليد الغاصب عليه؛ لأنها ليست محترمة. كيفية ضمان المغصوب: يجب على الغاصب أن يرد المغصوب بعينه إذا كانت قائمة، فإن تلف المغصوب في يده لزمه بدله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣). فإذا كان المغصوب مثليا كالحبوب وغيرها من المكيلات والموزونات وجب مثله؛ لأن المثل أقرب من القيمة. قال ابن عبد البر: كل مطعوم من مأكول أو مشروب، فمجمع على أنه يجب على مستهلكه مثله لا قيمته، وأما المتقوم فيضمن بقيمته. واختلفوا في العروض كالسيارات والأثاث وغيرها: فقال مالك: يقضى فيها بالقيمة يوم استهلك، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمدُ: الواجبُ في ذلك المثلُ ولا تلزم القيمة إلا عند عدم المثل. واختار ذلك ابن تيمية وابن القيم واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٤)، ولحديث

стр. 1373

ضمان القصعة بمثلها، وقوله ﷺ : "إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ" وضمان المال بجنسه أقرب إلى العدل من ضمانه بغير جنسه، وهي الدراهم والدنانير، وليس على الغاصب ضمان نقص القيمة الحاصل بتغير الأسعار وهو قول الجمهور، وهو الراجح؛ لأنه رد العين بحالها لم يُنْقَصْ منها عينٌ أو صِفَةٌ (١). ضمان ما أفسدته المواشي: اختلف في ذلك العلماء: فيرى الليث أن كل دابَّةٍ مرسلة فصاحبها ضامن لما أفسدته على ألا يتجاوز ذلك قيمة الماشية، ويرى أبو حنيفة أنه لا ضمان مطلقًا؛ لحديث: "العَجْمَاءُ جُبَارٌ" (٢)، ويرى مالك والشافعيُّ أن الضمان على أرباب البهائم بالليل ولا ضمان عليهم فيما أفسدته بالنهار. وهو رواية عن الإمام أحمد (٣). الراجح: أن الضمان يكون عند إتلافها ليلًا، ولا يضمن ما أتلفته نهارًا؛ لما روى مالك عن الزهري عن حرام بن سعد أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فقضى رسول الله ﷺ أن على أهلِ الأموال حفظَها بالنهار وما أفسدت ليلًا فهو مضمون عليهم. قال ابن عبد البر: هذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو مشهور وحدَّث به الأئمة الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول، ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها نهارًا وحفظها ليلًا. هذا من حيث الضمان بشكل عامٍّ، أما الغاصب فيضمن ما أفسدت مطلقًا؛ لأنه متعدٍّ بغصبه. وقد أصدر مجلس هيئة كبار العلماء قراره رقم (١١١) في ٢/ ١١ / ١٤٠٢ هـ بعدم ضمان البهائم التي تعترض الطرق العامة المعبدة بالإسفلت إذا تلفت نتيجة

стр. 1374

اعتراضها الطرق فصدمت، فهي هدر وصاحبها آثم بتركها وإهمالها. وأفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في فتواها رقم (١٠١٦) بوجوب ضمان ما تتلفه هذه البهائم والمواشي ليلًا دون ما تتلفه نهارا (١٤/ ١٨٤ - ١٨٥). ضمان المغصوب المحرم على المسلمين: ما لا يجوز للمسلم تعاطيه كالخمر والخنزير لو غصب من أهل الذمة فإن الفقهاء يختلفون فيه: فيرى الحنفية أنه يجب ردها إلى أهل الذمة ولو كان غاصبها مسلمًا، ويجب ضمانها إذا أتلفها بالقيمة إذا كان متلفها مسلمًا وبالمثل إذا كان ذميا؛ لأنها مال لهم يمتلكونها، بدليل ما رُوي عن عمر ﵁ أن عامله كتب إليه عن الخمر عند أهل الذمة فكتب إليه عمر: ولُّوهم بيعها وخذوا منهم عُشْرَ ثمنِها. وإذا كانت مالًا لهم وجب ضمانها كسائر أموالهم. ويرى الشافعية والحنابلة أنه لا ضمان على متلفها؛ لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: "ألا إن اللهَ ورسولَه حَرَّمَا بيعَ الخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ" (١)، وما حرم بيعه لم تجب قيمته (٢). الراجح: يمكن الجمع بين أدلة القولين في أنهم إذا لم يظهروا تعاطي ذلك فلا نتعرض لهم مما لا أذى على المسلمين فيه، وما أظهروه من ذلك تعيَّن إنكارُه عليهم، ويمنعون من إظهار ما يحرم على المسلمين، فإن كان خمرًا جازت إراقته ولا ضمان في إتلافه.

стр. 1375

إذا ترتب على يد الغاصب يدٌ أخرى: إذا ترتب على يد الغاصب يد أخرى سواء كان ذلك بالبيع أو الهبة أو غيرها، فإنها تعتبر يَدَ ضمانٍ فللمالك تضمين أيهما شاء إذا تلف المغصوب، أما الغاصب فإنه السبب في إيصالها إلى يد الغير، وأما المشتري فلأنه المتلف ولأنه أثبت يده على مال غيره بدون إذنه، فإن ضَمَّنَ الغاصب رجع على الآخر؛ لأن النقص حصل في يده والمنفعة له، وإذا ضمن المتلف فلا يرجع على الغاصب؛ لأنه المتلف، فاستقر الضمان عليه (١). اختلاف الغاصب والمالك: إذا ادَّعَى الغاصبُ تلفَ المغصوبِ وأنكر المالكُ ذلك فالقول قول الغاصب بيمينه؛ لاحتمال كونه صادقًا وعجز عن إقامة البينة، فإذا حلف فللمالك المطالبة ببدله؛ لأنه تعذر رد العين فلزم بدلها. فإن اختلفا في قيمة المغصوب ولا بينة لأحدهما فالقول قول الغاصب بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته. وإن اختلفا في رد المغصوب أو رد مثله أو قيمته فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم ذلك واشتغال الذمة به (٢). براءة الغاصب: يبرأ الغاصب بما يأتي: ١ - إذا رد الغاصبُ المغصوبَ إلى المالك أو وكيلِه بَرِئَ من الغصب، ويبقى عليه حق الاعتداء وهو حق عام يرجع تقديره إلى الحاكم.

стр. 1376

٢ - إذا أبرأ المالكُ الغاصبَ بَرِئَ، ولو أبرأ المالك اليد المترتبة على يد الغاصب لم يبرأ الغاصب وعليه الضمان؛ لأنه الأصل في الاعتداء. والله أعلم. ٣ - تسليم الأشياء المغصوبة التي لا يعرف أصحابها إلى الحاكم ليتصرف فيها بما فيه المصلحة، وله أن يتصدق بها عن أصحابها بشرط الضمان كاللُّقَطَةِ؛ لأنه عاجز عن ردها إلى مالكها، فإذا تصدق بها كان ثوابها لأربابها فيسقط عنه إثم غصبها. جناية المغصوب: إذا جنى المغصوب فَأَرْشُ جنايته على الغاصب؛ لأن ذلك نقص في المغصوب فكان مضمونًا على الغاصب كسائر نقص المغصوب. وإن جنى عليه أجنبيٌّ فللمالك تضمين من شاء منهما، أما الجاني؛ فلأنه أتلف، وأما الغاصب؛ فلأن النقص حصل والمغصوب في يده فلزمه ضمانه (١).

стр. 1377

باب الشُّفعة تعريف الشُّفعَةِ: التعريف لغة: الشُفْعة -بإسكان الفاء- مأخوذة من الشفاعة أو من الشفع؛ فإن الشفيع كان نصيبه منفردًا في ملكه، فالشفعة ضم نصيب شريكه إليه فصار شَفْعًا، أو من الشفاعة؛ لأن الأخذ في الجاهلية كان بها، حيث كان الرجل إذا أراد بيع منزل أتاه الشريك أو الجار يشفع إليه فيما باع فيشفعه (١). واصطلاحًا: استحقاقُ الشريكِ انتزاعَ حصة شريكه ممّن انتقلت إليه بعوض ماليٍّ (٢). الحكم الشرعي ودليله: الشفعة حق ثابت بالسنة والإجماع: فمن السنة: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قضى رسولُ الله ﷺ بالشُّفْعَةِ في كلِّ ما لم يُقْسَمْ، فإذا وقعتِ الحدودُ وصرفت الطرقُ فلا شفعةَ" (٣). وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط (٤)، وقال ابن هبيرة: "واتفقوا على أن الشفعة تجب في الخليط" (٥)، أي: الشريك.

стр. 1378

حكمة مشروعيتها: شرع الإِسلام الشفعة لمنع الضرر، ذلك أن انتزاع حصة الشريك بثمنه من المشتري منفعة عظيمة للشريك الشافع، ودفع ضرر كبير عنه بلا ضرر يلحق البائع ولا المشتري، فكل منهما أخذ حقه كاملًا، قال ابن القيم: هي من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد، ومنها يُعْلَمُ أن التحايل لإسقاطها مناقض لهذا المعنى الذي قصده الشارع ومضادٌّ له (١). أركان الشفعة: أركانها أربعة: الشافع، والمشفوع فيه، والمشفوع عليه، وصِفَةُ الأخذِ بالشفعةِ (٢). شروط الشفعة: يشترط لإثباتها عدة شروط، فإذا تحققت هذه الشروط استحقت الشفعة، أما إذا تخلف منها شيء فهو محل خلاف بين الفقهاء: ١ - أن يكون الملك مشاعًا قابلًا للقسمة غير مقسوم. ٢ - أن يكون المبيع عقارًا كالأرض والدور وما يتصل بها اتصال قرار. ٣ - أن يكون المشفوع فيه مبيعًا أو في حكمه كالموهوب بعوض فلا شفعةَ في قسمةٍ ولا هبةٍ ولا موروثٍ. ٤ - أن يكون للشفيع ملك للعقار سابق على البيع؛ لأن الشفعة ثبتت لدفع الضرر عن الشريك. ٥ - أن يأخذ الشريك جميع المبيع المشفوع فيه؛ لئلا يتضرر غيره.

стр. 1379

٦ - أن يأخذ بقدر الثمن الذي تعاقدا عليه. ٧ - يشترط طلب الشفعة من حيث علم الشافع ببيع المشفوع ويشهد ساعة علمه؛ لأن ثبوتها على التراخي يضر بالمشتري؛ لعدم استقرار ملكه (١). أنواع الشفعة: الشفعة أنواع: فمنها شفعة الشريك في العقار، ومنها شفعة حق الجوار. ١ - شفعة الشريك في العقار: الذي لم يقسم محل اتفاق بين الفقهاء، لكنهم اختلفوا في العقار الذي لا ينقسم على قولين: أ- ذهب مالك والشافعيُّ والحنابلة في إحدى روايتين عندهم إلى أن كل ما لا ينقسم كالبئر والطريق والضيعة والدكان، فلا شفعة فيه؛ لورود بعض الآثار فيه، ولأن إثبات الشفعة فيما لا ينقسم يضر بالبائع؛ لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشترى لأجل الشفيع فيتضرر البائع. ب- وذهب الحنفية ومالك والشافعيُّ والحنابلة في رواية لكل منهم إلى أن الشفعة تجب في العقار سواء قبل القسمة أم لم يقبلها، واستدلوا بحديث جابر المذكور، ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة، والضرر في هذا النوع أكثر؛ لأنه يدوم ضرره (٢). الراجح: ثبوت القسمة في كل ما لا ينقسم من العقار؛ لعموم الأخبار في ثبوت الشفعة، ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر الشراكة، وهي في هذا النوع من

стр. 1380

العقار أكثر ضررًا. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وبذلك صدر قرار مجلس هيئة كبار العلماء رقم (٤٤) في ٣/ ٤ / ١٣٩٦ هـ. ٢ - شفعة الجار: اختلف الفقهاء في إثبات الشفعة للجار على النحو الآتي: ١ - يرى الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أنه لا شفعة للجار، واستدلوا بحديث جابر وفيه: "فإذا وقعتِ الحدود وصرفتِ الطرقُ فلا شفعةَ". وفيه نفي الشفعة في المقسوم عند وقوع الحدود وصرف الطرق، والشارع إذا كان يقصد رفع الضرر عن الجار فهو كذلك يقصد رفعه عن المشتري. ٢ - يرى الحنفية أن الشفعة مرتبة؛ فهي تثبت للشريك الذي لم يقاسم أولًا، ثم يليه الشريك المقاسم إذا بقيت في الطرق أو في الساحة شركة، ثم الجار الملاصق، واحتجوا بما روى أبو رافع قال: قال رسول الله ﷺ : "الجارُ أحقُّ بصقبِه" (١) والصقب: القرب، وما روى الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: "جارُ الدارِ أحقُّ بالدارِ" (٢)، ولأنه اتصال ملك يدوم. ٣ - ومن الفقهاء من توسط فأثبتها للجار عند الاشتراك في حق من حقوق الملك كالطريق والماء ونحوه، ونفاها فيما عدا ذلك، واستدلوا بما رواه أصحاب السنن بإسناد صحيح عن جابر عن النبي ﷺ قال: "الجارُ أحقُّ بشفعةِ جارِه ينتظرُ بها، وإن كان غائبًا، إذا كان طريقُهما واحدًا" (٣). الراجح: هو القول الثالث؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة. قال شيخ الإِسلام ابن

стр. 1381

تيمية: "أعدل الأقوال أنه إذا كان شريكًا في حقوق الملك ثبت له الشفعة، وإلا فلا"، وقال ابن القيم: "والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وأعدلها وأحسنها هذا القول الثالث" (١). ولو قيل بإثباتها للجار الملاصق لكان حسنًا؛ لما ورد في ذلك من الأحاديث ولأن الجار يتضرر كثيرًا بجاره السيئ كما هو مشاهد، وبذلك يبعد الضرر عنه. الشفعة في المنقول: اختلف الفقهاء في ثبوت الشفعة في المنقول على قولين: ١ - يرى الجمهور من الحنفية والشافعية وهو رواية عن المالكية والحنابلة أن الشفعة لا تثبت في المنقول، واستدلوا بحديث جابر حيث يفهم من قوله: "وقعتِ الحدودُ وصرفتِ الطرقُ فلا شفعةَ" أن ذلك خاص بالعقار دون المنقول، ولأن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر، والضرر في العقار يكثر جدًا؛ فإن الشريك يحتاج إلى إحداث المرافق والأبنية، وما يحدث في سوء الجوار، وفي العقار الضرر يدوم، وفي المنقول لا يدوم بل هو عارض كالمكيل والموزون. ٢ - يرى المالكية والحنابلة في رواية عند كل منهم أن الشفعة تثبت في المنقول، وقالوا: إن حديث جابر يتناول العقار والمنقول؛ لأن (ما) من صيغ العموم، فتشمل العقار والمنقول، ولحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الشفعةُ في كلِّ شيءٍ" (٢). وهذا عام يشمل المنقول (٣).

стр. 1382

الراجح: نرى أنه يمكن الجمع بين أدلة القولين حيث إن الحكمة من ثبوت الشفعة هو إبعاد الضرر، وذلك بأن تثبت الشفعة لما يتحقق فيه الضرر أكثر من المنقولات؛ لاستمرار مدته أو أهميته كالسيارات والمقتنيات المهمة ونحوها، ولا تثبت فيما يمكن تلافي الضرر فيه كالمكيل والموزون ونحوه، ويرجع تقدير ذلك إلى الحاكم الشرعي. والله أعلم. الشفعة في غير المبيع: اختلف الفقهاء في ذلك وفقًا للآتي: ١ - يرى الحنفية أن الشفعة تثبت في المبيع فقط؛ وذلك لظاهر الأحاديث حيث يفهم منها أنها في المبيع، بل ورد: "فلا يَبعْ حتى يستأذنَ شريكَه". ٢ - ويرى الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أن الشفعة تثبت في كل مشفوع فيه انتقل بعوض كالبيع وكل عقد جرى مجرى البيع كالصلح والهبة بشرط الثواب؛ لأن ذلك بيع ثبتت فيه أحكام البيع، وما عدا ذلك مما انتقل بغير عوض كالهبة بغير ثواب والصدقة والوصية والإرث فلا شفعة فيه. ٣ - ويرى المالكية في رواية عندهم أن الشفعة تثبت بكل ملك انتقل بعوض أو بغير عوض كالهبة والصدقة، ما عدا الميراث فإنه لا شفعة فيه. ويأخذه الشفيع بقيمته، وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى؛ لأن الشفعة تثبت لإزالة الضرر، وهذا موجود في الهبة والصدقة كذلك. الراجح: نرى الأخذ برأي الجمهور؛ لما ذكروه، ولأن فيه مراعاةً لمصلحة الأطراف كلها، وفي الهبة فإن الشفعة تثبت فيها ويقَوَّم دفعًا للضرر عن الشريك. وهو رأي بعض المحققين.

стр. 1383

وقت المطالبة في الشفعة: اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فيرى الحنفية وهو رواية عند الشافعية والحنابلة أن حق الشفعة على الفور؛ إن طالب بها ساعة يعلم بالبيع، وإلا بطلت؛ لحديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفعةُ كَحَلِّ العقالِ" (١)، ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "الشفعةُ لمن وَاثَبَهَا" (٢). ولأنه خيار لدفع الضرر عن المال فكان على الفور، ولأن إثباته على التراخي يضر المشتري؛ لكونه لا يستقر ملكه على المبيع. ٢ - ويرى المالكية وهو رواية عند الشافعية والحنابلة أن الشفعة على التراخي لا تسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضا من عفو أو مطالبة بقسمة ونحو ذلك؛ لأن هذا الخيار لا ضرر في تراخيه فلم يسقط بالتأخير. الراجح: بتأمل ما ذكره بعض الفقهاء الذين يرون أن الشفعة على الفور وأنها تتأجل إذا كان فيه عذر للشفيع وذكروا لذلك صورًا -فإنه يترجح لدينا أنها على الفور-، إلا أنه متى كان هناك سبب وجيه لتأخير الأخذ بالشفعة فإن ذلك مقبول، سواء منها ما ذكره أولئك أو غيره مما يكون له وجاهة، ويرجع في تقدير ذلك إلى القضاء، وفي ذلك جمع بين الأدلة. والله أعلم. تصرف الشافع والمشفوع فيه: إذا تصرف الشافع في نصيبه من المشفوع فيه بما لا ينقل الملك كالإجارة والرهن، فلا يمنع حقه في الشفعة، أما إذا باعه كله بعد علمه بالبيع سقطت شفعته.

стр. 1384

وإذا تصرف المشفوع منه في المشفوع فيه قبل طلب الشفعة فتصرفه صحيح، أما بعد طلبها فتصرفه باطل. وإذا بَنَى المشتري أو غرس في المشفوع فيه فإن الشافع يخير بين أخذه بقيمته أو قطع ذلك وإزالته مع ضمان النقص، فَإنْ أَبَى سقطت شفعته. تعدد الشفعاء: اختلف الفقهاء في كيفية توزيع المشفوع فيه على الشفعاء عند اتحاد سبب الشفعة لكل منهم: ١ - فذهب المالكية، والشافعية والحنابلة في رواية لكل منهما، إلى أن الشفعة توزع عليهم بقدر الحصص من الملك، ووجه ذلك أن الشفعة مستحقة بالملك فقسط على قدره. ٢ - وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية أخرى لكل منهما إلى أنها تقسم على عدد الرؤوس، ووجه ذلك أن السبب في موضوع الشفعة هو أصل الشركة وقد استويا فيه فيستويان في الاستحقاق (١). الراجح: أن المشفوع فيه يقسم بين الشفعاء على قدر أملاكهم؛ لأنه حق يستفاد بسبب الملك فكانت قسمته على قدر الأملاك. وإذا كانت الشفعة بين شفعاء فلم يرغب أحد منهم بالشفعة فإنه ليس للباقين إلا أخذ الجميع أو ترك الجميع. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على هذا (٢).

стр. 1385

شفعة الدمي: اتفق الفقهاء على ثبوت الشفعة للمسلم على الذمي، وللذمي على الذمي، واختلفوا في ثبوتها للذمي على المسلم: ١ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى ثبوتها للذمي على المسلم، واستدلوا بعموم الأحاديث الواردة في الشفعة وبالإجماع؛ لما روي عن شريح أنه قضى بالشفعة للذمي على المسلم وكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب فأجازه وأقره، وكان ذلك في محضر من الصحابة، ولم ينكر أحد منهم فكان ذلك إجماعًا، ولأن الذمي والمسلم يتفقان في السبب، والقصد من ذلك هو دفع الضرر عن الشريك (١). ٢ - ذهب الحنابلة إلى عدم ثبوتها للذمي على المسلم واستدلوا بما رواه الدارقطني عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا شفعةَ لنصرانيّ" (٢). الراجح: ثبوت الشفعة للذمي على المسلم؛ لعموم الأحاديث الصحيحة. وحديث أنس عند الدارقطني نُقِلَ عن ابن عدي إعلالُه. كما أن فيه نظرةً عادلةً للإسلام بإثبات مثل هذا الحق للذمي؛ مراعاة لحق الجوار وتأليفًا له في عدالة الإسلام وسمو أحكامه. اختلاف الشفيع والمشفوع منه: إذا اختلف الشفيع والمشفوع منه فادعى الشفيع عقدًا موجبًا للشفعة وادعى الآخر عقدًا لا تجب فيه الشفعة، صدق الشفيع إذا كانت له بينة أو أقر البائع بما ادعاه الشفيع، وإن لم يكن كذلك صدق المشفوع منه بيمينه.

стр. 1386

وإذا اختلفا في قدر الثمن صدق الشفيع بالبينة، وإن لم تكن بينة صدق المشفوع منه بيمينه، وإن كان الاختلاف في الغرس والبناء الموجودَيْنِ في المشفوع فيه فادعى المشتري إحداثه وأنكر الشفيع، فالقول للمشترى (١). إسقاط الشفعة: تسقط الشفعة بأمور عدة منها: ١ - ترك طلب المواثبة (٢) في الشفعة وفق الشرط المحدد لذلك. ٢ - إذا طلب الشفيع بعض العقار المبيع. ٣ - الإبراء والتنازل عن الشفعة. ٤ - التنازل عن الشفعة مقابل تعويض أو صلح (٣). كيفية الأخذ بالشفعة: يذكر الفقهاء كيفية ذلك على النحو الآتي: ١ - يرى الحنفية أنه لا تثبت الملك للشفيع إلا بتسليم المشتري بالتراضي أو بقضاء القاضي. ٢ - ويرى المالكية أن الشفيع يملك المشفوع فيه بحكم الحاكم له، أو دفع الثمن للمشتري، أو الإشهاد بالأخذ بالشفعة. ٣ - ويرى الشافعية والحنابلة أن الشفيع يملك المشفوع فيه بكل لفظ يدل على أخذه بالشفعة ولا يشترط غير ذلك.

стр. 1387

الراجح: أن الشفيع يملك الأخذ بالشفعة بكل لفظ يدل على أخذه بها مع مراعاة وقت المطالبة بها. هل تورث الشفعة ؟ اختلف في ذلك الفقهاء على عدة أقوال: ١ - ذهب المالكية والشافعية إلى أن حق الشفعة يورث، فإذا مات الشفيع انتقل حق الشفعة إلى ورثته؛ لأن المقصود بالشفعة دفع الضرر عن المال، وذلك موروث كالرد بالعيب. ٢ - وذهب الحنفية إلى أن هذا الحق لا يورث وإن كان الميت طالب بالشفعة، إلا أن يكون الحاكم حكم له بها ثم مات؛ لأن ملك المشفوع فيه، الذي هو سبب الأخذ بالشفعة، قد زال بموته. ٣ - وذهب الحنابلة إلى أنه إذا مات الشفيع قبل الطلب بها فتسقط ولا تنقل إلى الورثة، وأما إذا طالب بالشفعة ثم مات فإن حق الشفعة ينتقل إلى الورثة؛ لأن الحق يتقدر بالطلب، فهو نوع خيار شرع للتمليك (١). الراجح: حيث إن حق الشفعة شرع لدفع الضرر عن الشريك وهو متحقق على المالك المشارك سواء أكان مالكًا أصليًا أم وارثا، فإن القول بثبوتها للوارث هو الذي يتفق مع هذه القاعدة. والله أعلم. تلف المشفوع فيه أو بعضه: تناول الفقهاء ذلك على النحو الآتي: ١ - يرى الحنابلة والثوري وهو قول للشافعي أن تلف الجزء المشفوع فيه أو بعضه في يد المشتري من ضمانه؛ لأنه ملكه تلف في يده، وللشفيع أن يأخذ

стр. 1388

الموجود بحصته من الثمن سواء كان التلف بفعل الله -تعالى- أو بفعل آدمي وسواء تلف باختيار المشتري كنقضه للبناء أو بغير اختياره مثل انهدام المبنى. ٢ - ويرى الحنفية وهو قول للشافعي أن للشفيع أن يأخذ الموجود بحصته من الثمن إذا كان التلف بفعل آدمي، أما إذا كان بفعل الله -تعالى- فعليه أن يأخذه بكل الثمن أو يترك. فإذا كان التلف بفعل آدمي رجع بدله إلى المشتري فلا يتضرر، أما إذا كان بفعل الله فلا يرجع على أحد فيتضرر، والضرر لا يزال بالضرر (١). الراجح: نرى التفرقة بين التلف، فإذا كان بفعل آدمي أخذ الموجود بحصته من الثمن؛ لأن حق المشتري لن يضيع؛ حيث إنه سيعود على المتلف ببدله، أما إذا كان بفعل الله -تعالى- فإنما يأخذه بكل الثمن؛ لأنه بدون ذلك يحصل ضرر على المشتري، والقاعدة الشرعية: الضرر لا يزال بالضرر. والله أعلم.

стр. 1389

باب الوديعة الوديعة في اللغة: من وَدَعَ الشيء إذا تركه عند المودَع. وفي الشرع: الوديعة: توكيلُ المودِع مَنْ يحفظَ مالَه بلا عوض (١). الحكم الشرعي: الوديعة جائزة بل هي مستحبة لمن كان أمينا وعلم من نفسه القدرة على حفظها، وقد ورد الكتاب والسنة والإجماع بمشروعيتها: فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢). وأما السنة: فمنها قوله ﷺ : "أدِّ الأمانةَ إلى مَنِ ائتمنك ولا تَخُنْ مَنْ خانك" (٣). وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جوازها وأنها من القرب المندوبة: جاء في المبدع (٤): "والإجماع في كل عصر على جوازها"، وجاء في الإفصاح (٥): "واتفقوا على أنها من القُرَبِ المندوب إليها وأن في حفظها ثوابًا". وفي الحديث: "واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه" (٦). أركانها: أركانها عند الجمهور أربعة وهي: الحفظ، والعاقدان، والصيغة.

стр. 1390

ويرى الحنفية أن ركنها الإيجاب والقبول فقط. ويشترط في العاقدين أن يكونا جائزي التصرف، ولا تصح الوديعة أو قبولها من غير جائز التصرف كالصبي والمجنون. ويشترط في الصيغة: أن تكون الوديعة بصيغة من المودع دالة على الاستحفاظ كقوله: استودعتك هذا المال، أو أودعتك، أو احفظه، أو ما في معناها، ولا يشترط في القبول لفظ، بل يكفي القبض لها (١). حكم عقد الوديعة: هي عقد جائز من الجانبين يملك كل منهما فسخه، قال ابن جزي: "وهي أمانة من الجهتين، فلكل واحد منهما حلها متى شاء" (٢). ضمان الوديعة: الوديعة أمانة عند المودَعِ يلزمه حفظها في حرز مثلها وكما يحفظ ماله، ويجب ردها عند طلب صاحبها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٣). ولا ضمان على المودع إذا تلفت الوديعة عنده بدون تفريط منه؛ لأنه أمين، والأمين لا يضمن إذا لم يتعدَّ؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "من أودع وديعةً فلا ضمانَ عليه " (٤).

стр. 1391

قال ابن رشد: "وبالجملة فالفقهاء يرون بأجمعهم أنه لا ضمان على صاحب الوديعة إلا أن يتعدى" (١). ولأن المستودع يحفظها تبرعًا، فلو ضمن لامتنع الناس من قبول الودائع، فيترتب على ذلك الضرر بالناس وتعطل المصلحة، واتفق الفقهاء على أنه إذا أودعه على شرط الضمان فإنه لا يضمن. والشرط باطل (٢). أما إذا تعدى المودَع عنده أو قَصَّر وفرط في حفظها فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لأنه متلف لمال غيره (٣). وأسباب التقصير والتفريط كثيرة منها: ١ - أن يودعها المودَع عند غيره دون إذن المالك فيضمن ذلك. ٢ - السفر بها دون إذن صاحبها مع أن بقاءها أضْمَنُ لها. ٣ - ترك الإيصاء: فإذا مرض المودع مرضًا مخوفا أو حبس للقتل لزمه أن يوصي بها، فإن لم يفعل ضمن. ٤ - الانتفاع بالوديعة: فالتعدي باستعمال الوديعة والانتفاع بها يوجب الضمان عليه. ٥ - المخالفة في الحفظ: فإن أمره بحفظها بوجه مخصوص فجعلها في دونه ضمن. ٦ - التأخر في رد الوديعة بعد طلب صاحبها بدون عذر حتى تلفت فإنه يضمن (٤).

стр. 1392

ادعاء المودَع الرد أو التلف: إذا ادعى المودع أنه ردها إلى صاحبها أو من يقوم مقامه قُبِل قوله؛ لأنه مؤتمن، وإذا ادعى أنها تلفت من غير تفريطه فإنه يقبل قوله مع يمينه؛ لأنه أمين. والأصل براءته إذا لم تقم قرينة على كذبه، وأما إذا كانت دعوى التلف بحادث ظاهر كالحريق فإنه لا يقبل قوله إلا إذا أقام بينة على وجود الحادث (١). انقضاء الوديعة: تنقضي الوديعة بموت أحدهما أو جنونه أو عزله المودع مع علمه بالعزل، وبناء على ذلك يجب رد الوديعة إلى صاحبها (٢).

стр. 1393

إحياء المَوَات التعريف لغة: الموات: بفتح الميم والواو المخففة وهو ما لا روح فيه، وأرض لا مالك لها شبهت عمارتها بالحياة وتعطيلها بالموت؛ لعدم الانتفاع بالأرض بزرع وغيره، وإحياؤها: عمارتها. ويطلق عليها كذلك الأراضي البور: فالبور بالضم هي الأرض التي لم تعمر بالزرع (١). واصطلاحًا: إعداد الأراضي التي لا مالك لها ولم يسبق تعميرها وتهيئتها وجعلها صالحة للانتفاع بها في السكن والزرع ونحو ذلك (٢). الحكم الشرعي ودليله: شرع الإسلام إحياء الأرض التي لا مالك لها وليس لها اختصاص بمصالح الناس ومرافقهم، فالإسلام يُرَغِّبُ أن يتوسع الناس في العمران وينتشروا في الأرض ويحيوا مواتها فتكثر ثرواتهم وبهذا يتحقق لهم القوة. ودليل مشروعيته السنة والإجماع: أما السنة: ١ - ما روي عن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضًا ميتةً فهي له" (٣). ٢ - عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من عَمَّرَ أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحقُّ بها"، قال عروة ﵁: "وقضي به عمر في خلافته" (٤).

стр. 1394

وأما الإجماع: فقد جاء في المغني: "وجملته أن الموات قسمان: أحدهما ما لم يجر عليه ملك لأحد ولم يوجد فيه أثر عمارة، فهذا يملك بالإحياء بغير خلاف بين القائلين بالإحياء" (١)، فقد حكى ابن هبيرة الاتفاق على جواز إحياء الأرض الميتة (٢). كيفية الإحياء (بم يتم الإحياء) ؟ إحياء الأرض الموات: يتم بأن يحوزها بحائط منيع، وبناء ما جرت عادة أهل البلد البناء به من لبن أو قصب أو خشب ونحوه، وبه يقول أبو حنيفة وأحمدُ، وقال مالك: بما يعلم بالعادة أنه إحياء لمثلها من بناء وغرس وحفر بئر وغيره. وعن أحمد: إحياء الأرض ما عده الناس إحياء واختاره ابن عقيل والموفق؛ لأن الشرع ورد بتعليق الملك عليه ولم يبينه، فوجب الرجوع إلى ما كان إحياءً في العرف، وقال الشافعي: إن كانت للزرع فبزرعها واستخراج ماء لها وإن كانت للسكنى فيقطعها بيوتًا ويسقفها. والأولى: القول باعتبار العرف في ذلك من إحياء أو عدمه؛ لأن الحديث أطلق فيرجع في تحديده للعرف. شروط إحياء الموات: ١ - أن تكون الأرض المحياة مواتًا لم يجر عليها ملك لأحد وألا تكون مرفقا لصالح المسلمين من طرق وميادين وحدائق ومقابر ومسايل مياه وغيرها. ٢ - أن يتم الإحياء على وفق ما يراه العرف إحياء، لورود ذلك عامًا في الحديث.

стр. 1395

إذن الإمام في الإحياء: اتفق الفقهاء على أن الإحياء سبب للملكية، واختلفوا في اشتراط إذن الحاكم في الإحياء: فقال أبو حنيفة: يحتاج إلى إذنه، وقال مالك: ما كان في الفلاة وحيث لا يحرص الناس عليه فلا يحتاج إلى إذنه، وما كان قريبًا من العمران حيث يحرص الناس عليه افتقر إلى الإذن، وقال الشافعي وأحمدُ: لا يفتقر إلى الإذن، قال في كشاف القناع: ولا يشترط إذن الإمام، وهو مذهب جمهور العلماء؛ لإطلاق الحديث في ذلك (١). الراجح: نرى أن الراجح هو القول بأن الإحياء يحتاج إلى إذن الإمام؛ وذلك لما يأتي: ١ - أن المصلحة تقتضى القول به في هذا العصر، تنظيمًا لشؤون المسلمين ومصالحهم؛ إذ لو ترك الناس وشأنهم في الإحياء لأدى إلى فتن ومشاكل بين الأفراد والقبائل ولا سيما في الوقت الحاضر الذي ينتشر فيه الإحياء بتوفر وسائله من آلات وأجهزة للحفر والسقي وغيرها ولترتب على ذلك إغلاق الطرق والتضييق على الناس في مرافقهم ومصالحهم، والقصد بإذن الإمام ليس المنع لمجرد المنع، وإنما لتنظيم مصالح الناس وشؤونهم والإذن لهم بالإحياء بما لا يتعارض مع المصالح العامة ولا يترتب عليه مشاكل فردية أو جماعية، وفي ذلك جمع بين المصلحة الفردية والجماعية. قال الشيخ ابن بسام نقلًا عن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ولا شك أن منع ولي الأمر إحياءَ بعض الأرض معناه اختصاصه بها؛ لما يعود على المسلمين بالمصلحة العامة، وعليه فالإحياء على هذه الصورة غير صحيح.

стр. 1396

هل التحجر إحياء ؟ التحجر: هو الإمساك بأرض وإعلامها بِعَلَمٍ أو حائطٍ. أنواع التحجر: من أنواع التحجر أن يحيط الأرض بجدار ليس بمنيع، أو يبني الجدار ببعض الجوانب دون بعض، أو أن يحيط الأرض بشبك أو خندق أو حاجز ترابي، أو أن يحفر بئرًا فلا يصل إلى الماء. حكمه: التحجر يفيد إلاختصاص والأحقية على غيره ولا يفيد التملك (١). مدة التحجر: مدة التحجر ثلاث سنين، فإن أحياها وإلا فلولي الأمر نزعها وإعطاؤها غيره ممّن يرغب إحياءها، عن طاوس قال: قال رسول الله ﷺ : "عادي الأرضِ لله وللرسولِ، ثم لكم من بعدُ، فمن أحيا أرضًا ميتةً فهي له، وليس لمحتجر حقٌّ بعدَ ثلاثِ سنينَ" (٢). حريم الآبار: إذا حفر بئرًا من يريد الإحياء ووصل إلى الماء فإن حريمه هو خمسون ذراعًا (٣) من كل جانب إن كانت البئر قديمة، وخمس وعشرون ذراعًا إن كانت

стр. 1397

جديدة (١)، لما روى الدارقطني بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: "حريمُ البئرِ البدئ خمسةٌ وعشرون ذراعًا، وحريمُ العادي خمسون ذراعًا " (٢). وقال القاضي وغيره: "حريمها في الحقيقة ما يحتاج إليه في ترقية مائها منها". وجاء في سنن الدارقطني من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "وعينُ الزرعِ ستمائة ذراعٍ "، وهذا قول أكثر العلماء. وقال مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "الحافر لغير الشرب كمريد إحياء الأرض للفلاحة، فله ما حواليه مقدار الزرع؛ لأنه جاء ليزرع، فما كان حواليه فلا يعترضه أحد؛ لأنه سبق إليها فيترك له ما جرت العادة به أن يزرع" (٣). إقطاع الإمام الأراضي: الإقطاع: تعيين قطعة من الأرض لغيره، يقال: أقطع الإمام إقطاعًا: جعلها للمقطع، وهو مأخوذ من القطع كأنه يقطع له قطعة من الأرض، وهو إعطاء أرضٍ مواتٍ لن يكون أهلًا لإحيائها. حكل الإقطاع ودليله: يجوز للإمام أن يقطع أرضًا مواتا لمن يحييها إذا كان في ذلك مصلحة ولا يترتب عليه مضرة، ودليله السنة ومنها: عن عروة بن الزبير أن عبد الرحمن بن عوف قال: "أقطعني رسولُ الله ﷺ وعمرَ بنَ الخطابِ أرضَ كذا وكذا" رواه أحمد.

стр. 1398

وعن علقمة بن وائل عن أبيه ﵂ "أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا في حضرموت". قال أبو يوسف: "فقد جاءت الآثار بأن النبي ﷺ أقطع أقوامًا وأن الخلفاء من بعده أقطعوا. وهذا مصلحة للمسلمين في عمارة الأرض وتقوية المسلمين". أنواع الإقطاع: الإقطاع ثلاثة أنواع: ١ - إقطاع قصد به تمليك المقطَع لما أُقْطِعَ، وفي المذهب الحنبلي أن المقطع لا يملك الموات بالإقطاع وإنما يصير كالمتحجر، فإن أحياه ملكه، وإن لم يُحْيهِ ضرب له الإمام مدة: إن أحياه فيها، وإلا استرجعه. ولا ينبغي للإمام أن يقطع إلا ما قدر المقطع على إحيائه؛ لأن في إقطاعه أكثرَ من ذلك تضييقًا على الناس في حق مشترك بينهم، وقد استرجع عمر في خلافته من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته من العقيق الذي أقطعه النبي ﷺ . قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: لا يقطع كل فرد إلا الشيء الذي يقدر على إحيائه؛ لأن في إقطاعه أكثرَ من ذلك تضييقًا على الناس في حق مشترك بينهم. وقال في شرح الإقناع: ولا يجوز للإمام إقطاعُ ما لا يجوز إحياؤه مما قرب من العامر وتعلق بمصالحه؛ لأنه في حكم المملوك لأهل العامر. وقالت الهيئة القضائية في الديار السعودية: إقطاع الأرض الموات لا يسري على أملاك الآخرين ومرافق البلد ومصالحها وما تحتاج إليه. ٢ - إقطاع استغلال: بأن يُقْطِعَ الإمام من يرى مصلحةً في إقطاعه؛ لينتفع بالشيء الذي أقطعه، فإذا انتفت المصلحة فللإمام استرجاعه. ٣ - إقطاع إرفاق: بأن يقطع الإمام أو نائبه الباعةَ الجلوسَ في الميادين والأسواق ونحوها (١).

стр. 1399

باب الجعالة التعريف لغة: الجُعْلُ بالضم الأجرُ، يقال: جَعَلْتُ له جُعْلًا، والجعالة بكسر الجيم وفتحها. قال ابن فارس: الجُعل والجَعالة والجَعيلة: ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله (١). واصطلاحًا: هي جعل شيءٍ -من المال- معلوم لمن يعمل له عملًا مباحًا ولو كان مجهولًا، أو لمن يعمل له مدة ولو كانت مجهولةً (٢). حكم الجعالة ودليل مشروعيتها: الجعالة جائزة ومشروعة: قال ابن هبيرة: "واتفقور على أن رادَّ الآبق يستحق الجعل برده إذا اشترطه"، ودليل ذلك الكتاب والسنة والمعقول: فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٣). وكان حمل البعير معلومًا عندهم، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه. وأما السنة: فما روى أبو سعيد الخدري أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ -أتوا حيًا من أحياء العرب فلم يُقْرُوهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم راقٍ؟ فقالوا: لم تقرونا فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم قطيع شياه، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ الرجل، فأتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل عنها رسول الله ﷺ ، فسألوا النبي ﷺ فقال: "وما أدراك أنها رقيةٌ؟ خذوها، واضربوا لي معكم بسهمٍ" (٤).

стр. 1400

وأما المعقول: فإن حاجة الناس قد تدعوا إليها لرد مالٍ ضائعٍ أو عملٍ لا يقدر عليه الجاعل ولا يجد من يتطوع به، ولا تصح الإجارة عليه لجهالته، فجازت شرعًا للحاجة إليها كالمضاربة (١). الفرق بين الجعالة والإجارة: ١ - صحة الجعالة على عمل مجهول يعسر ضبطه وتعيينه كرد مال ضائع خلافًا للإجارة. ٢ - صحة الجعالة على عامل غير معين. ٣ - كون العامل لا يستحق الجعل إلا بعد تمام العمل. ٤ - لا يشترط في الجعالة تلفظ العامل بالقبول. ٥ - الجعالة عقد غير لازم خلافًا للإجارة (٢) أركان الجعالة: أركانها: العاقدان، والصيغة، والعمل، والجعل. وتنعقد بما يدل على الإذن في العمل بعوض يلتزمه من قول أو فعل (٣). حكم عقد الجعالة: وهي عقد جائز، لكل واحد منهما فسخها قبل الشروع في العمل، فإذا شرع في العمل، فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئًا؛ لأنه لم يأت بما شرط عليه، وإن

стр. 1401

فسخها الجاعل فعليه أجرة المثل للعامل؛ لأنه عمل بعوض لم يُمكَّنْ من إتمامه (١). شروط الجعالة: ١ - أن يكون العمل مباحًا، فلا يصح عقد الجعالة على شيء غير مباح كخمر وغناء ونحوها. ٢ - أن يكون الجعل مالًا معلومًا جنسًا وقدرًا؛ لأن جهالة العوض تُفَوِّتُ المقصود من عقد الجعالة. ٣ - أن يكون الجعل طاهرًا مقدورًا على تسليمه ومملوكًا للجاعل. ٤ - أن يتم العامل العمل المجاعل عليه ويفرغ منه ويسلمه للجاعل (٢). تخصيص الإذن والجعل لشخص محدد: إذا حدد الجاعل شخصًا بعينه في الإذن واستحقاق الجعل فإنه يتحدد بذلك عند الشافعية والحنابلة ولا يستحق الجعلَ أحدٌ غيره، وإذا قام غيره بذلك فإنه يعتبر متبرعًا، وقال المالكية: يستحق جعل المثل إن كان معروفًا بأداء مثل هذا العمل بعوض، وإلا فله النفقة (٣). اختلاف المتعاقدين في الجعالة وتنازعهما: إذا حدث خلاف بين العاقدين فقد اختلف الفقهاء في ذلك على وفق الآتي: إذا اختلفا في بذل الجعل وتسميته، فقال العامل بذلت جعلًا، وأنكر الجاعل، فإن على العامل أن يثبت قوله ببينة، وإلا فإن القول قول الجاعل بيمينه؛ لأن الأصل براءته.

стр. 1402

وإن اختلفا في قدر الجعل أو في جنسه أو صفته فإن الشافعية يرون أنهما يتحالفان وينفسخ العقد ويجب للعامل أجرة المثل إذا كان ذلك بعد الشروع في العمل أو بعد إنهائه، وهو رواية عند الحنابلة، ويرى الحنابلة كذلك أن القول قول الجاعل بيمينه؛ لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه. ويرى المالكية أنه إذا ادعى أحدهما ما يكون جعلًا مناسبًا فالقول قوله بيمينه، وإن لم يدع أحدهما ما يكون جعلًا مناسبًا فإنهما يتحالفان ويجب للعامل جعلٌ مثلُه. وإن كان الاختلاف في حصول العمل أو قدره فالقول قول الجاعل بيمينه لأنه منكر والأصل براءته ما دام لم يوجد بينة عند العامل (١). آثار عقد الجعالة: يترتب عليه آثار منها: ١ - لزوم عقد الجعالة بعد تمام العمل؛ لأن الجعل قد استقر على الجاعل. ٢ - أن يد العامل على ما وقع في يده من مال الجاعل يد أمانة لا ضمان عليه ما لم يفرط. ٣ - أن نفقة العامل على المال المجاعل عليه على المالك؛ لأن الإنفاق مأذون فيه شرعًا؛ لحرمة النفس وصيانة للمال (٢). انتهاء عقد الجعالة: تنفسخ الجعالة بالأسباب الآتية:

стр. 1403

١ - موت أحد المتعاقدين أو جنونه جنونًا مُطْبِقًا، وعند المالكية أنه إذا شرع العامل في العمل فلا تنفسخ بذلك ويلزم العقد ورثة كل من الجاعل والعامل إن كان ورثة العامل أمناء. ٢ - فسخ العامل للجعالة. ٣ - فسخ الجاعل قبل الشروع في العمل (١).

стр. 1404

باب اللقطة التعريف لغة: اللُقَطة بفتح القاف: اسم للمُلْتَقِطِ؛ لأن ما جاء على فُعَلَة فهو اسم للفاعل كقولهم: هُمَزة. واللُقْطَةُ بسكون القاف: المال الملقوط، وقال الأصمعي وغيره: هي بفتح القاف، اسم للمال الملقوط أيضا. واصطلاحًا: هي مال أو مختص ضاع من ربه (١). أركان اللقطة: أركانها ثلاثة: الالتقاط، والملتقط، واللقطة (٢). الحكم الشرعي ودليله: يجوز أخذ اللقطة، ودليله السنة وذلك ما روى زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق، فقال: "اعْرِفْ وكاءَها وعفاصَها، ثم عَرِّفْها سنةً، فإن لم تُعْرَفْ فاستنفقْها، ولتكنْ وديعةً عندَك، فإن جاء طالبُها يومًا من الدهرِ فادفعْها إليه ... " الحديث (٣). قال ابن هبيرة: واتفقوا على جواز الالتقاط في الجملة (٤). أنواع اللقطة: تنقسم إلى أربعة أنواع: ١ - ما لا يتبعه همة أوساط الناس كالسوط والنقد اليسير فهذا يملك بلا تعريف.

стр. 1405

٢ - الضوالُّ التي تمتنع من صغار السباع والظباء والطيور فهذا لا يجوز التقاطه. ٣ - لقطة الحرم: وهذه يحرم التقاطها إلا لمن يريد تعريفها أبدًا. ٤ - ما عدا ذلك من الأموال والحيوان والمتاع فهذه يحل التقاطها ويعرفها سنة (١). حكم الالتقاط: ومع اتفاقهم على جواز الالتقاط في الجملة إلا أنهم اختلفوا ما هو الأفضل والأولى: ١ - ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه إذا خاف عليها الضيعة لو تركها، فأخذُها لصاحبِها أفضلُ من تركها؛ لما فيه من حفظ مال أخيه المسلم. ٢ - وذهب مالك إلى كراهية الالتقاط، وروي عن ابن عمر وابن عباس، وقال الإمام أحمد: الأفضل ترك الالتقاط؛ لأن في أخذها تعريضًا لنفسه لأكل الحرام وتضييعًا للواجب من تعريفها، فكان تركه أولى وأسلم. وقال ابن هبيرة: والذي أرى أنه إذا أخذها ناويًا بأخذها حفظها لصاحبها واثقا من نفسه بتحمل الأمانة في ذلك فإن الأفضل أخذها، وإن كان يخاف منها الفتنة وألا يستطيع القيام بواجبها فليتركها. وهذا قول جيد وفيه جمع بين الأقوال الواردة في اللقطة. تعريف اللقطة: يجب على من التقط لقطة مما يجوز التقاطه وتتبعه همة أوسَطِ الناس (٢) أن يعرفها سنة كاملة؛ لحديث زيد بن خالد حيث أمره النبي ﷺ بعام واحد وذلك
следующие страницы →