← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

فسخها الجاعل فعليه أجرة المثل للعامل؛ لأنه عمل بعوض لم يُمكَّنْ من إتمامه (١). شروط الجعالة: ١ - أن يكون العمل مباحًا، فلا يصح عقد الجعالة على شيء غير مباح كخمر وغناء ونحوها. ٢ - أن يكون الجعل مالًا معلومًا جنسًا وقدرًا؛ لأن جهالة العوض تُفَوِّتُ المقصود من عقد الجعالة. ٣ - أن يكون الجعل طاهرًا مقدورًا على تسليمه ومملوكًا للجاعل. ٤ - أن يتم العامل العمل المجاعل عليه ويفرغ منه ويسلمه للجاعل (٢). تخصيص الإذن والجعل لشخص محدد: إذا حدد الجاعل شخصًا بعينه في الإذن واستحقاق الجعل فإنه يتحدد بذلك عند الشافعية والحنابلة ولا يستحق الجعلَ أحدٌ غيره، وإذا قام غيره بذلك فإنه يعتبر متبرعًا، وقال المالكية: يستحق جعل المثل إن كان معروفًا بأداء مثل هذا العمل بعوض، وإلا فله النفقة (٣). اختلاف المتعاقدين في الجعالة وتنازعهما: إذا حدث خلاف بين العاقدين فقد اختلف الفقهاء في ذلك على وفق الآتي: إذا اختلفا في بذل الجعل وتسميته، فقال العامل بذلت جعلًا، وأنكر الجاعل، فإن على العامل أن يثبت قوله ببينة، وإلا فإن القول قول الجاعل بيمينه؛ لأن الأصل براءته.

стр. 1402

وإن اختلفا في قدر الجعل أو في جنسه أو صفته فإن الشافعية يرون أنهما يتحالفان وينفسخ العقد ويجب للعامل أجرة المثل إذا كان ذلك بعد الشروع في العمل أو بعد إنهائه، وهو رواية عند الحنابلة، ويرى الحنابلة كذلك أن القول قول الجاعل بيمينه؛ لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه. ويرى المالكية أنه إذا ادعى أحدهما ما يكون جعلًا مناسبًا فالقول قوله بيمينه، وإن لم يدع أحدهما ما يكون جعلًا مناسبًا فإنهما يتحالفان ويجب للعامل جعلٌ مثلُه. وإن كان الاختلاف في حصول العمل أو قدره فالقول قول الجاعل بيمينه لأنه منكر والأصل براءته ما دام لم يوجد بينة عند العامل (١). آثار عقد الجعالة: يترتب عليه آثار منها: ١ - لزوم عقد الجعالة بعد تمام العمل؛ لأن الجعل قد استقر على الجاعل. ٢ - أن يد العامل على ما وقع في يده من مال الجاعل يد أمانة لا ضمان عليه ما لم يفرط. ٣ - أن نفقة العامل على المال المجاعل عليه على المالك؛ لأن الإنفاق مأذون فيه شرعًا؛ لحرمة النفس وصيانة للمال (٢). انتهاء عقد الجعالة: تنفسخ الجعالة بالأسباب الآتية:

стр. 1403

١ - موت أحد المتعاقدين أو جنونه جنونًا مُطْبِقًا، وعند المالكية أنه إذا شرع العامل في العمل فلا تنفسخ بذلك ويلزم العقد ورثة كل من الجاعل والعامل إن كان ورثة العامل أمناء. ٢ - فسخ العامل للجعالة. ٣ - فسخ الجاعل قبل الشروع في العمل (١).

стр. 1404

باب اللقطة التعريف لغة: اللُقَطة بفتح القاف: اسم للمُلْتَقِطِ؛ لأن ما جاء على فُعَلَة فهو اسم للفاعل كقولهم: هُمَزة. واللُقْطَةُ بسكون القاف: المال الملقوط، وقال الأصمعي وغيره: هي بفتح القاف، اسم للمال الملقوط أيضا. واصطلاحًا: هي مال أو مختص ضاع من ربه (١). أركان اللقطة: أركانها ثلاثة: الالتقاط، والملتقط، واللقطة (٢). الحكم الشرعي ودليله: يجوز أخذ اللقطة، ودليله السنة وذلك ما روى زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق، فقال: "اعْرِفْ وكاءَها وعفاصَها، ثم عَرِّفْها سنةً، فإن لم تُعْرَفْ فاستنفقْها، ولتكنْ وديعةً عندَك، فإن جاء طالبُها يومًا من الدهرِ فادفعْها إليه ... " الحديث (٣). قال ابن هبيرة: واتفقوا على جواز الالتقاط في الجملة (٤). أنواع اللقطة: تنقسم إلى أربعة أنواع: ١ - ما لا يتبعه همة أوساط الناس كالسوط والنقد اليسير فهذا يملك بلا تعريف.

стр. 1405

٢ - الضوالُّ التي تمتنع من صغار السباع والظباء والطيور فهذا لا يجوز التقاطه. ٣ - لقطة الحرم: وهذه يحرم التقاطها إلا لمن يريد تعريفها أبدًا. ٤ - ما عدا ذلك من الأموال والحيوان والمتاع فهذه يحل التقاطها ويعرفها سنة (١). حكم الالتقاط: ومع اتفاقهم على جواز الالتقاط في الجملة إلا أنهم اختلفوا ما هو الأفضل والأولى: ١ - ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه إذا خاف عليها الضيعة لو تركها، فأخذُها لصاحبِها أفضلُ من تركها؛ لما فيه من حفظ مال أخيه المسلم. ٢ - وذهب مالك إلى كراهية الالتقاط، وروي عن ابن عمر وابن عباس، وقال الإمام أحمد: الأفضل ترك الالتقاط؛ لأن في أخذها تعريضًا لنفسه لأكل الحرام وتضييعًا للواجب من تعريفها، فكان تركه أولى وأسلم. وقال ابن هبيرة: والذي أرى أنه إذا أخذها ناويًا بأخذها حفظها لصاحبها واثقا من نفسه بتحمل الأمانة في ذلك فإن الأفضل أخذها، وإن كان يخاف منها الفتنة وألا يستطيع القيام بواجبها فليتركها. وهذا قول جيد وفيه جمع بين الأقوال الواردة في اللقطة. تعريف اللقطة: يجب على من التقط لقطة مما يجوز التقاطه وتتبعه همة أوسَطِ الناس (٢) أن يعرفها سنة كاملة؛ لحديث زيد بن خالد حيث أمره النبي ﷺ بعام واحد وذلك

стр. 1406

في الأسواق وأبواب المساجد ومجامع الناس، وفي النهار وأن يذكر جنسها سواء قام به الملتقط بنفسه أو أناب عنه من يقوم به (١). ويكفي في وقتنا الحاضر الإعلان بوسائل الإعلام المختلفة من صحف وإذاعة وغيرها. ومتى جاء صاحبها فذكرها وبين قدرها وجنسها وصفتها، لَزِمَ دفعُها إليه بلا بينة ولا يمين عند الحنابلة والمالكية؛ لحديث زيد بن خالد المذكور، وقال الحنفية والشافعية: لا يجبر على ذلك إلا ببينة (٢). متى يملك اللقطة ؟ إذا عَرَّفَ الملتقط اللقطة حولًا فلم تُعْرف، ملكها ملتقطُها، وصارت من ماله إذا كان فقيرًا وذلك باتفاق فقهاء الأمصار. وإذا كان غنيًا فإن له أن يتصدق بها، فإن جاء صاحبها فهو مخير بين إجازة الصدقة أو أن يضمنه إياها، واختلف الفقهاء في الغني: هل له أن يأكلها أو ينفقها بعد الحول؟ فقال مالك والشافعيُّ وأحمدُ: له ذلك ويضمنها لصاحبها، وقال أبو حنيفة: ليس له أن ينتفع بها. الراجح: أن للملتقط بعد تعريفها وفقًا لشروطها أن ينتفع بها ويضمنها لصاحبها إن جاء؛ وذلك لأن الحديث الصحيح الوارد فيها قد جاء فيه: "فشأنك بها" وهو عام لم يفرق بين غني وفقير (٣).

стр. 1407

لقطة الحرم: ١ - ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية ورواية عن الشافعي وأحمدُ إلى أن لقطة الحرم كغيرها، له أخذها ليعرفها ويملكها بعد السنة، وقد روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة مستدلين على ذلك بعمومِ أحاديثِ إباحةِ الالتقاطِ. ٢ - وذهب الشافعي في الصحيح عنده وهو رواية عن أحمد إلى أنه لا يحل التقاطها إلا لمن يعرفها أبدًا إلى أن يجد صاحبها فيدفعها إليه، ولا يملكها بعد مضيِّ الحول واختاره ابن تيمية، مستدلين على ذلك بما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "ولا تحلُّ ساقطتُها إلا لمنشدٍ"، والمنشد هو المعرف، واعتبروا هذا من خصائص مكة؛ لشرفها وحرمتها (١). ويلحق بها لقطة الحاج ولو كانت خارج الحرم؛ لحديث: "أن النبي ﷺ نهى عن لقطةِ الحاجِّ" رواه مسلم (٢). وحيث إنه في الوقت الحاضر قد كثر الحجاج والناس مما يصعب معه التعريف في الأسواق وأماكن تجمعهم، فإن المناسب أن تدفع إلى قسم الأمانات بإدارة الحرم حيث تتولى القيام بذلك، كما أن الناس قد تعارفوا على أن المفقودات توجد -غالبًا- عند قسم الأمانات، وهذا أحفظ لها وأولى أن يجدها صاحبها، والله أعلم. ضياع اللقطة وتلفها: اللقطة أمانة في يد الملتقط، فإن ضاعت أو تلفت بغير تفريطه أو نقصت فلا ضمان عليه كالوديعة، وإن أتلفها الملتقط أو تلفت أو ضاعت بتفريطه ضمنها

стр. 1408

بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وبقيمتها إن لم يكن لها مثل، فإن مات الملتقط قام وارثه مقامه في إتمام تعريفها إن مات قبل الحول، ويملكها بعد إتمام التعريف، ومتى جاء صاحبها أخذها من الوارث كما يأخذ من الموروث (١).

стр. 1409

باب اللقيط التعريف لغة: لقيط فعيل بمعنى مفعول، وسمي لقيطًا باعتبار أنه يُلْقَطُ (١). واصطلاحًا: هو الطفل غير البالغ يوجد في الشارع أو ضالُّ الطريق ولا يعرف نسبه (٢). حكم التقاطه ودليله: التقاطه فرض كفاية؛ لأن فيه إحياء نفس (٣)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٤). نسبه: إذا ادَّعى نسبَ اللقيط أحدٌ ألحق به، لما فيه من مصلحة اللقيط دون مضرة على غيره، وبهذا يثبت نسبه وإرثه لمدعيه. فإن ادعاه أكثر من واحد ثبت نسبه لمن أقام البينة على دعواه، فإن لم يكن بينة عرض على القَافَةِ، وهم الذين يعرفون الأنساب بالشبه، وإذا حكم القائف بنسبه أخذ بحكمه إذا كان ذكرًا مكلفًا عدلًا مجربًا في الإصابة (٥). وذلك لما جاء عن عائشة ﵂ في حديث زيد وأسامة وقول مُجَزَّز المُدْلجي: "إن هذه الأقدامَ بعضُها من بعضٍ" رواه البخاري ومسلمٌ.

стр. 1410

ونظرًا لتقدم الطب في هذا العصر فإنه بالإمكان الاعتماد على التقرير الطبي بعد التحليل واختبار المورثات (١) لتحديد النسب. والله أعلم. حريته وإسلامه: اللقيط حر: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن اللقيط حر؛ فإن الله -تعالى- خلق آدم وذريته أحرارًا، وإذا وجد لقيط في دار الإسلام فهو مسلم يحكم بإسلامه. نفقة اللقيط وميراثه: ينفق على اللقيط من ماله إن كان معه مال، فإن لم يوجد معه مال فنفقته من بيت المال؛ لأن بيت المال معد لحوائج المسلمين؛ لحديث: "من ترك كلًا أو ضياعًا فإليَّ" أخرجه البخاريُّ، قال ابن حجر في فتح الباري: والْكل والضَّياعُ هو العيال، وأراد المصنف بإدخاله في أبواب النفقات الإشارةَ إلى أن من مات وله أولاد ولم يترك لهم شيئًا فإن نفقتهم تجب في بيت مال المسلمين (٢). كما أن اللقيط إذا مات وترك ميراثًا ولم يخلف وارثًا كان ميراثه لبيت المال. وفي الوقت الحاضر فإن الحكومات تقيم الملاجئ لهم وترعاهم من حيث التربية والتعليم وتساعد من يقوم على رعايتهم وتربيتهم ماديًا، كما أنه يطلق عليهم ودُورِهِم: (رعاية الأيتام)، وذلك حسن؛ لما يعود فيه من مصلحة على الفرد والمجتمع.

стр. 1411

الفِقهُ الميَسَّر كتاب الوقف

стр. 1412

كتاب الوقف تعريفه لغة: الوقف مصدر وقف، ووقفَ الشيء وحبَسه وسبَّله بمعنىً واحدٍ. واصطلاحًا: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. الحكم الشرعي ودليله: الوقف مستحب ومندوب إليه، وقد جاءت بذلك السنة الشريفة: فمن ذلك ما روى عبد الله بن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب قط مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ فقال: "إن شئتَ حبسْتَ أصلَها وتصدَّقْتَ بها، غيرَ أنه لا يباعُ أصلُها، ولا يُبْتَاعُ، ولا يوهَبُ، ولا يورَثُ"، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وَلِيَهَا أن يأكل منها، أو يطعم صديقًا بالمعروف غير متأثِّلٍ فيه (١)، أو غير متموِّلٍ فيه (٢). وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له" (٣). قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ وهو ذو مقدرة إلا وقف، وقال الترمذيُّ بعد ذكر حديث ابن عمر المذكور: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافًا، وقد وقف الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة، واشتهر

стр. 1413

ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعًا (١). قال ابن هبيرة: "واتفقوا على جواز الوقف" (٢). وحيث إن الأعمال الخيرية في العصر الحاضر كثيرة ومتعددة ومنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي، كما أنها تتناول يختلف الأنشطة من علمية واجتماعية وصحية واقتصادية وغيرها ويحتاج الإنفاق عليها إلى أموال طائلة قد لا يتمكن الأفراد من القيام بها في صدقاتهم وأوقافهم، ولذلك اتجهت بعض المؤسسات إلى إنشاء الأوقاف الكبيرة؛ مواكبة لاحتياج فئات المجتمع، وعملت على أن تكون مساهمة من أهل الخير ومحبي الإحسان؛ لإمكان النهوض بالواجبات المنوطة بها ولضمان استمرار الإنفاق على الأعمال الخيرية على مدى العصور. فقد تكون هناك وفرة مالية في زمن ولا تتوفر في زمن آخر، وذلك من السنة الحسنة التي يعم نفعها وتكثر فائدتها، وهو من الصدقة الجارية التي يمتد خيرها ويعظم برها، وفق الله القائمين على تلك المؤسسات إلى انتهاج أفضل السبل وأكثرها جدوى، والله الهادي إلى سواء السبيل. حكم عقد الوقف من حيث اللزوم: الوقف عقد لازم يلزم بمجرد القول أو الفعل مع دلالته عليه؛ لأنه تبرع، وهو قول عامة الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمَّد من الحنفية، لقوله ﷺ : "لا يباعُ أصلُها ولا يُوهَبُ ولا يُوَرَّثُ" فلا يجوز فسخه بإقالة ولا غيرها. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه عقد جائز يجوز الرجوع عنه حال حياته مع

стр. 1414

الكراهة ويورث عنه، ولا يلزم عنده إلا بأحد أمرين: إما أن يحكم به القاضي، أو يخرجه مخرج الوصية به بعد الموت. الراجح: أن الوقف عقد لازم؛ لحديث عمر ﵁ المذكور. قال الترمذيّ: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وإجماع الصحابة على ذلك، ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة وهو إزالة ملك، فإذا نجزه في الحياة لزم كالعتق. القبول في الوقف: الوقف تبرع والتزام، وقد أجمع الفقهاء على أن الوقف إذا كان لجهة غير محصورة فإنه لا يحتاج في لزومه إلى قبول، أما إذا كان الوقف لمعين فقد اختلف الفقهاء في ذلك على النحو الآتي: ١ - فيرى جمهور الفقهاء أن الوقف يتم بعبارة الواقف ولا يفتقر إلى القبول من الموقوف عليه؛ لأنه تبرع، وفيه إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث فلم يعتبر فيه القبول، كما أن الوقف يتم ولا حاجة إلى القبض فيه. ٢ - ويرى بعضهم وهو رواية في مذهب أحمد أنه يشترط القبول من الموقوف عليه المعين كالهبة والوصية، فالوصية لآدمي معين تتوقف على قبوله فكذا هنا، كما أنه يشترط للزوم الوقف أن يتم القبض فيه كالهبة (١). الراجح: عدم اشتراط القبول والقبض فيه من الموقوف عليه؛ لأنه تبرع، والمعين في ذلك كغيره من أنواع الوقف من حيث عدم لزوم اشتراط قبوله وقبضه.

стр. 1415

أركان الوقف: أركان الوقف أربعة: ١ - الواقف: ويكون أهلًا للتبرع. ٢ - الموقوف: وهي كل عين مملوكة للواقف. ٣ - الموقوف عليه: وهو إما أن يكون شخصًا أو جماعة معينة أو جهة. ٤ - الصيغة: يلزم الوقف بمجرد اللفظ، وألفاظ الوقف منها ما هو صريح وهي: وقفت، وحبست، وسبلت، فيصير وقفًا من غير انضمام أمر آخر، ومنها ما هو كناية وهي: تصدقت، وحرمت، وأبدت ... ويصير وقفًا بها مع النية أو أن ينضم إليها ما يوضحها ويدل على أنه أراد بها الوقف نحو صدقة موقوفة أو صدقة لا تباع. كما يلزم الوقف بالفعل مع القرائن الدالة عليه مثل أن يبني مسجدًا ويأذن للناس في الصلاة فيه (١). شروط الوقف: يشترط للوقف شروط أربعة: ١ - أن يكون الوقف في عين يجوز بيعها ويمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها كالعقار والحيوان والأثاث والسلاح ونحوه. ٢ - أن يكون الوقف على بر كالمساكين والمساجد والأقارب مسلمين أو من أهل الذمة. ٣ - أن يقف على معين ولا يصح على مجهول كرجل.

стр. 1416

٤ - أن يقف ناجزًا، فإن علقه بشرط لم يصح إلا أن يقول: هو وقف بعد موتي. فيصح. (١) الملكية في الوقف: اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي: ١ - يرى الإمام مالك وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي أن الوقف تبقى ملكيته للواقف ولا تخرج عنها؛ وذلك لما ورد في الحديث: "حبس الأصلَ وسبِّلِ الثمرةَ"، وتحبيس الأصل لا يقتضي خروجه عن ملك الواقف بل إقراره في ملكه، ولأن الوقف إنما هو تصرف في غلال الأعيان الموقوفة، وذلك لا يقتضي أن تخرج الأعيان من ملك أصحابها بل تبقى وتكون منفعتها لجهة أو شخص آخر كما هو الشأن في الوصية بالمنافع، وقال في نهاية المحتاج: "وفي قول يملكه؛ لأنه إنما أزال ملكه عن فوائده". ٢ - أن الوقف تخرج ملكيته من الواقف إلى الموقوف عليهم، وهو ظاهر مذهب أحمد وقول للشافعي. قال أحمد: "إذا وقف داره على ولد أخيه صارت لهم، وهذا يدل على أنهم ملكوه". ٣ - ذهب الحنفية وهو أرجح الأقوال عند الشافعي إلى أن الوقف يخرج من ملك الواقف إلى غير مالك من العباد، بل تكون الملكية على حكم ملك الله -تعالى-، وبهذا يقول الظاهرية وغيرهم. واحتج أولئك بأن بعض الروايات في حديث عمر المشهور: "تَصَدَّقْ بأصلِه"، والتصدق بالأصل يقتضي خروجه عن ملك الواقف، ولا يمكن إدخاله

стр. 1417

في ملك أحد من العباد، ولما كان الخروج إنما هو على وجه الصدقة وهي لا يراد بها إلا وجه الله -تعالى-، كان الملك لله (١). الراجح: نرى أن القول بأن الوقف يبقى على ملكية الواقف في الأوقاف التي على أشخاص معينين؛ لأن الحق الذي يثبت في الوقف للموقوف عليه إنما هو حق الانتفاع والاستيلاء على الغلال في وقتها، ولا يوجب ذلك زوالَ ملك لواقف على الوقف، ولذلك تلزمه الخصومة فيه، أما إذا كانت الأوقاف على جهات بر فإن الملك فيها ينتقل إلى الله تعالى. والله أعلم. تأبيد الوقف: يتفق الفقهاء على القول بجواز الوقف مؤبدًا. ويختلفون في صحة الوقف إذا كان مؤقتًا على النحو الآتي: ١ - فيرى الشافعي وأحمدُ أنه يشترط لصحة الوقف أن يكون مؤبدًا مطلقًا، فإذا شرط الواقف أن يبيعه متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه، لم يصح الشرط ولا الوقف؛ لأن الشرط ينافي مقتضى الوقف، وإن وقف على جهة تنقطع صح الوقف وصرفت منفعته لأقرب الناس إلى الواقف، ويستدلون بحديث عمر: "حبس الأصلَ" وعبارة: "لا يباع ولا يوهب ولا يورث". ٢ - يرى مالك أنه يجوز الوقف مؤقتًا كما جاز مؤبدًا، ويجيزه بشرط العودة للواقف أو لوارثه بعد موت الموقوف عليه، ويروى ذلك عن أبي يوسف من الحنفية؛ ذلك لأن الوقف في جملة معناه ومرماه صدقة، وأصل الصدقات ثابت بالكتاب والسنة، فلا تصح التفرقة بينهما بالجواز في بعضها والمنع في الآخر،

стр. 1418

وحديث عمر قد صدره النبي ﷺ بعبارة: "إِنْ شِئْتَ"، وذلك يدل على أن المرجع في أمر الحبس إلى ما يختاره الشخص، وقول مالك هذا ينسجم مع رأيه في أن الوقف يبقى على ملك الواقف (١). حيث إن الوقف المؤقت يعود إلى الواقف بعد انتهاء ما حدده. الراجح: أن الأصل في الوقف أن يكون مؤبدًا، ولكن يجوز أن يكون مؤقتًا لفترة أو مدة معينة، وليس في إجازة الوقف مؤقتًا إلزام بشيء لم يرد به نص من الشارع؛ لأنه صدقة وبر، والصدقة جاء الشرع بالحث عليها، وقد جاءت العبارة في بعض الروايات: "تصدَّقْ"، وهي عبارة عامة تشمل المؤبد منها والمؤقت، وفي ذلك ترغيب في فعل الخير، ثم إن القول بمنع الوقف المؤقت إغلاقٌ لباب من أبواب الخير والبر، فليس كل الناس يرغب ويُقْدِمُ على الوقف مؤبدًا، والشرع الإسلامي يحث على الخير وأعمال البر، والوقفُ المؤقتُ نوعٌ من البر والإحسان فلا مانعَ منه. والله أعلم. أنواع الموقوف: (محل الوقف) ١ - يرى الحنفية أن الأصل في الوقف أن يكون عقارًا، ويجوز وقف المنقول استثناء، إما لورود أثر بجواز وقفه كوقف الأسلحة، وإما لكونه تابعًا للعقار كالبناء والأشجار أو مخصصًا لخدمة العقار، وإما لكونه قد جرى به العرف كوقف الكتب والمصاحف. ٢ - ويرى المالكية والشافعية والحنابلة أنه يجوز وقف المنقول كالحيوانات والسلاح والأثاث وأشباه ذلك؛ لما ورد أن النبي ﷺ قال: "أما خالدٌ فقدِ احْتَبَسَ أدرعَه وأعتادَه في سبيلِ الله" (٢)، ولأن ذلك يحصل فيه تحبيس الأصل وتسبيل

стр. 1419

المنفعة فصح وقفه كالعقار، ولأنه يصح وقفه مع غيره فصح وقفه وحده. وإذا تلف المنقول يستبدل بالعين مثلها عند بُدُوِّ انتهائها إن أمكن. وإن لم يمكن استبداله انتهى الوقف (١). الراجح: جواز وقف العقار والمنقول، لما ذكره المجيزون من أدلة ولإمكان الاستفادة أكثر من الأوقاف فيما هو من مصالح المسلمين؛ إذ في القول بمنع وقف المنقول تضييقٌ على الناس وتعطيلٌ لمصالحَ ورد الشرع بمراعاتها. وقف المشاع: يصح وقف المشاع؛ لحديث عمر: "أنه أصاب مائةَ سهمٍ من خيبرَ واستأذن النبي ﷺ فيها فأمره بوقفها" متفق عليه. وهذا صفة المشاع وبه يحصل تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (٢). الوقف على أهل الذمة: ويصح الوقف على أهل الذمة كالنصارى؛ لأنهم يملكون ملكًا محترمًا ويجوز أن يتصدق عليهم فجاز الوقف عليهم؛ وذلك لما رُوي: "أن صفية بنت حيىٍّ زوج النبي ﷺ وقفت على أخٍ لها يهوديٍّ" (٣). شروط الواقف: إرادة الواقف معتبرة وهي مقيدة بأحكام الشرع، فلا يصح أن يكون مصرف الوقف منهيًّا عنه أو يشترط شرطًا فيه مخالفة لأوامر الشارع، قال ابن القيم: "إنما ينفذ من شروط الواقفين ما كان لله طاعةً وللمكلف مصلحةً، وأما إن

стр. 1420

كان بغير ذلك فلا حرمة له كشرط التعزب والترهب المضاد للشريعة"، ثم يقول: "وبالجملة فشروط الواقفين أربعة: شروط محرمة في الشرع، وشروط مكروهة لله وشروط تتضمن ترك ما هو أحب إلى الله ورسوله، وشروط تتضمن فعل ما هو أحب إلى الله ورسوله، فالأقسام الثلاثة الأولى لا حرمةَ لها ولا اعتبارَ، والقسم الرابع هو الشرط الواجبُ الاعتبارِ". وكتاب الوقف الذي تحرر فيه إرادة الواقف تحريرًا كاملًا يعد المرجع في الوقف ما لم يخالف الأحكام الشرعية في ذلك وفقًا لما ذكره ابن القيم، وما لم ينص فيه في كتاب الوقف فإنه تنفذ فيه الأحكام الشرعية الواردة في الأوقاف، وطرق تفسير كتب الأوقاف هي الطرق التي يسلكها الفقهاء في تفسير النصوص الشرعية فيحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، وينسخ المتأخر من الشروط المتقدم، ولذلك شاع بين الفقهاء عبارة: "شرط الواقف كنص الشارع"، أي: يُلْتَزَمُ في طريق تفسيره ما يلتزم في تفسير النصوص الشرعية. وتطبيقًا لذلك فإنه يرجع إلى شرط الواقف في القسمة على الموقوف عليهم، كأن يكون للأنثى سهم وللذكر سهمان وفقًا لما قسمه الله في الميراث. ويلتزم شرطه في التقديم بأن يقف مثلًا على أولاده الأفقه أو الأكثر حاجة ونحوه، لكن إن كان من باب الأثرة والتمييز دون مسوغ شرعي فلا يلتزم. ويلتزم شرطه في الجمع كأن يقف على أولاده وأولاد أولاده ونسله وعقبه، وكذلك في الترتيب بأن يقف على أولاده ثم أولادهم فلا يستحق المؤخر مع وجود المقدم (١).

стр. 1421

ودليل الالتزام بشرط الواقف: أن عمر ﵁ وقف وقفًا وشرط فيه شروطًا، ولو لم يجب اتِّباع شرطه لم يكن في اشتراطه فائدة، ولأن ابن الزبير وقف على ولده وجعل للمطلقة من بناته السكن. نفقة الوقف: ينفق على الوقف وفقًا لما شرطه الواقف، فإن لم يمكن فينفق عليه من غلته؛ لأن الوقف اقتضى تحبيس أصله وتسبيل منفعته ولا يحصل ذلك إلا بالإنفاق عليه. القربة في الوقف: الأصل في شرعية الوقف أن يكون صدقة يتقرب بها إلى الله بالإنفاق في أوجه البر والصدقة الجارية، فهل يشترط في جهة الوقف أن تكون قربة؟ ١ - يرى بعض الفقهاء أنه يشترط في الوقف أن يكون قربة حالًا أو مآلًا؛ لأن الوقف قربة وصدقة، فلا بد من وجودها فيما لأجله عُيِّنَ الوقف، إذ هو المقصود، وقال بذلك الحنفية وهو رواية عن الشافعي وأحمدُ. ٢ - ويرى بعضهم أنه لا يشترط ذلك، بل الشرط ألا تكون معصية كالوقف على شراء أسلحة محرمة. ويجوز الوقف على الأغنياء، وقال به مالك ورواية عن الشافعي وأحمدُ (١). الراجح: جواز الوقف وإن لم يكن قربة بشرط أن لا يكون في معصية، وذلك من التوسعة والتكافل فيما يعود على المسلمين بالنفع ولا يترتب عليه مضرة، والله أعلم.

стр. 1422

منافع الوقف: تكون منافع الوقف للموقوف عليه ولا يجوز للواقف أن ينتفع بشيء منها إلا إذا اشترط النفقة منه على نفسه وأهله؛ لأن النبي ﷺ شرط ذلك في صدقته أن يأكل منها أهله بالمعروف، وإن اشترط أن يأكل من وليه منه ويطعم صديقا جاز؛ لأن عمر ﵁ شرط ذلك في صدقته، وإن وليها الواقف كان له أن يأكل ويطعم صديقا، وإن وليها أحد من أهله كان له ذلك؛ لأن حفصة كانت تلي صدقة عمر بعد موته، ثم وليها بعده عبد الله بن عمر، وإذا لم يشترط فلا حق له بشيء من منافعه إلا أن يكون قد وقف شيئًا للمسلمين فيدخل في جملتهم مثل أن يقف بئرًا للمسلمين فله أن يستقي منها، وقد روي عن عثمان ﵁ أنه سبل بئرَ رومةَ وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين (١). الوقف على الأولاد: إن وقف على ولده أو أولاده أو على أولاد فلان ثم على المساكين فهو لولده الذكور والإناث؛ لأن اللفظ يشملهم، ويدخل فيهم أولاد البنات؛ لدخولهم في مسمى الأولاد، ولأن ولد البنت يدخل في التحريم الدال عليه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (٢). وقيل: لا يدخل؛ لعدم دخولهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٣). وإن وقف على عقبه أو ذريته أو نسله دخل فيه ولد البنين والبنات؛ لأن اللفظ عامٌّ فيشملهم، وإذا وقف على ولد ولده لصلبه فلا يدخل فيه ولد البنات؛

стр. 1423

لأنهم ليسوا من صلبه، وإن وقف على بنيه أو بني فلان فهو للذكور خاصة؛ لأن لفظ البنين وضع للذكور خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (١). أما إذا كان لفظ بَنِي مضافًا إلى اسم قبيلة كبني هاشم وتميم وغيرها، فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غير القبيلة. وإن وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتسوية بينهم، وإلا جاز تفضيلُ بعضهم على بعض والاقتصارُ على بعصهم. (٢) الوقف على القرابة: إذا كان للإنسان أقارب فقراء وأراد الوقف عليهم، فوقفه صحيح، وله في ذلك عظيم الثواب سواء أكانوا ورثة أو غيرهم، غير أنه لا يجوز أن يكون في ذلك مخالفة لأمر الشارع، إما لحرمان وارثٍ مستحقٍّ أو إعطاء آخر زيادة عن نصيبه الشرعي، فإن كان قَصَدَ من موقفه هذا الإضرارَ بالورثة وحرمان بعضهم من الإرث، فقد خرج في الوقف عن مقصود الشارع وحكمته في تشريع الوقف. وإن كان قصد من ذلك القربى دون مخالفة لأحكام الشرع فهو صحيح، كما إذا حدد المستحق بصفة معينة كالعلم والصلاح ونحو ذلك. وإن وقف على قرابة فلانٍ فهو للذكور والإناث من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه؛ لأن النبي ﷺ لم يجاوز بني هاشم بسهمِ ذوي القربى، وإن وقف على ذوي رحمه فإنه يشمل كل قرابة له من قبل الآباء والأمهات (٣).

стр. 1424

الوقف المنقطع: قد يكون الوقف معلومَ الابتداءِ والانتهاءِ غيرَ منقطعٍ مثلَ أن يُجْعَلَ على المساكين أو على جهة غير منقطعة، وهذا لا اختلاف في صحته، وقد يكون غير معلوم الانتهاء مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة ولم يحدد له مصرفًا بعدهم لفئة أو جهة غير منقطعة، وفي تلك الحال اختلف الفقهاء: ١ - فيرى مالك وأبو يوسف وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد أن الوقف صحيح؛ لأنه تصرفٌ معلوم المصرفِ فصح كما لو صرح بمصرفه المتصل. ٢ - ويرى الشافعي في أحد قوليه وهو رواية عن أحمد ومحمَّد بن الحسن من الحنفية، أن الوقف المنقطع لا يصح؛ لأن الوقف مقتضاه التأبيد، فإذا صار منقطعًا صار وقفًا على مجهول فلم يصح كما لو وقف على مجهول في الابتداء. الراجح: هو القول بصحة الوقف المنقطع؛ لأنه صدر صحيحًا مستوفيًا لأركانه. ثم إن من يصححه يختلف في مصرفه: ١ - فيرى الشافعية وهو رواية عن أحمد أنه عند انقراض الموقوف عليهم فإن الوقف يصرف إلى أقارب الواقف؛ لأنهم أولى الناس بصدقته. ٢ - وفي رواية أخرى عند أحمد أنه ينصرف إلى المساكين، لأنهم مصرف الصدقاتِ وحقوقِ الله -تعالى- من الكفارات ونحوها، فإذا وجدت صدقة غير معينة المصرف انصرفت إليهم. ٣ - وفي رواية ثالثة لأحمد أنه يجعل في بيت مال المسلمين؛ لأنه مال لا مستحق له فأشبه مالَ مَنْ لا وارثَ له (١).

стр. 1425

الراجح: هو صرفه على المساكين عمومًا، ولكن يقدم أقارب الواقف؛ لأنهم أولى به، وفي ذلك جمع بين القولين الأوَّلَينِ. والمساكين جهة عامة غير منقطعة، أما لو كانوا أقارب فقط فهي جهة منقطعة فلا يتحقق اتصال الوقف. والله أعلم. استبدال الوقف وبيعه: إذا تعطلت منافع الوقف أو خرب، كدارٍ انهدمت، أو أرضٍ زراعية عادت مواتًا ولم يمكن عمارتها، أو مسجدٍ انتقل أهل القرية عنه وصار لا يصلى فيه. أو ضاق بأهله ولم يمكن توسعته -فقد تناول الفقهاء ذلك بالدراسة والنظر وفقًا لما يأتي: ١ - يرى الحنابلة أنه إذا حدث ذلك في الوقف فإنه يباع بعضه لإصلاح الباقي، وإن لم يمكن الانتفاع بجميعه فإنه يباع كله ويستبدل به مثله مما يبقى عينه وينتفع به؛ لما روي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد لما بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب "أن انقل المسجد الذي بالتمَّارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد"، وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان كالإجماع، وقال ابن عقيل: "الوقف مؤبد، فإذا لم يمكن تأبيده على وجه تخصيصه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، واتصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض". قال ابن تيمية ﵀: "في إبدال الوقف بمثلها أو خير منها للحاجة أو المصلحة" (١). ٢ - ويرى الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية أنه إذا كان الوقف مسجدًا فلا يجوز استبداله، أما إذا كان غير مسجد:

стр. 1426

أ- فيرى المالكية وهو قول للشافعية أنه لا يجوز بيع الوقف أو استبداله ولو لم ينتفع به أو خرب؛ لقول الرسول ﷺ : "لا يُباعُ أصلُها ولا يُبتاعُ ولا تُوهَبُ ولا تورَّث". ب- ويرى الحنفية وهو قول للشافعية أن الوقف إذا كان كذلك فإنه يجوز بيعه واستبداله، ولكن لا بد من إذن القاضي عند الحنفية (١). الراجح: هو ما ذهب إليه الحنابلة وهو القول بجواز بيع الوقف واستبداله إذا تعطلت منافعه أو خرب؛ لحديث عمر ﵁ حيث لم ينكر عليه الصحابة، ولأن في ذلك استبقاءً للوقف بمعناه عند تعذر إبقائه بصورته، وبذلك تتحقق مقاصد الوقف وأهدافه، ولكن لا بد أن يكون الاستبدال مراعي فيه مصلحة الوقف بكون المستبدل أفضل، ولا مضرة في استبداله على الموقوف عليه ودون محاباة لأحد على حساب الوقف. الوقف في مرض الموت: إذا وقف المرء في مرض الموت صح واعتبر من الثلث؛ لأنه بمنزلة الوصية وما زاد على الثلث لا يصح إلا بإجازة الورثة: فإن أجازوه صح، وإلا فلا يصح فيما زاد على الثلث؛ لأن حق الورثة تعلق بالمال بوجود المرض فمنع من التبرع بزيادة على الثلث. فإذا قال الواقف: هو وقف بعد موتي، فقد اخْتُلِفَ في ذلك على النحو الآتي: ١ - يرى بعض الفقهاء عدم صحة الوقف؛ لأنه تعليق الوقف على شرط وهو غير جائز في حال الحياة، فكذا بعد الموت، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد.

стр. 1427

٢ - ويرى بعضهم وهو قول للإمام أحمد أن ذلك صحيح وجائز ويعتبر من الثلث كسائر الوصايا، ودليل صحة الوقف المعلق بالموت ما احتج به الإمام أحمد أن عمر وصى فكان في وصيته: "هذا ما أوصى به عبدُ الله عمرُ أميرُ المؤمنين إن حدث به حدث، أن ثمنًا (١) صدقة"، وذكر بقية الخبر (٢). ووقفه هذا كان بأمر النبي ﷺ ، ولأنه اشتهر في الصحابة فلم ينكر فكان إجماعًا، ولأن هذا تبرع معلق بالموت فصح كالهبة والصدقة المطلقة (٣). الراجح: إن القول بالجواز هو الذي تؤيده الأدلة وهو الأولى؛ لما فيه من تنوع لأعمال البر وتيسيرٍ لأبوابها. الولاية على الوقف: (ناظر الوقف): يحتاج الوقف إلى من يقوم بشؤونه ويحافظ عليه ويعمل على استغلاله بطرق الاستثمار المشروعة وإنفاق إيراداته في وجوهها وعلى مستحقيها، وإن الواقف هو أحق من يقوم بذلك ثم من شرطه الواقف، فإن مات الناظر أو لم يشترط الواقف ناظرًا وكان الوقف على جهة عامة أو على غير محصورين كالمساجد والمساكين -فالولاية إلى الحاكم الشرعي، وللحاكم أن ينيب فيه من يشاء-؛ لأنه لا يمكنه النظر بنفسه لتعدد واجباته، وقد جعلت بعض الحكومات الإسلامية النظر في ذلك لوزارات الأوقاف لتتولى شؤونها وإدارتها واستثمارها وصرف غلاتها على ما حددت له، وذلك جائز بشرط أن تراعى الأحكامُ الشرعيةُ المحددةُ في ذلك. أما إذا كان الوقف على آدمي معين محصور فالنظر يكون للموقوف عليه؛ لأنه يختص بنفسه، وهذا هو مذهب المالكية والحنابلة وقول للشافعية.

стр. 1428

وذهب الحنفية وهو قول للشافعية ورواية عن الحنابلة إلى أن النظر يكون للحاكم الشرعي؛ لأنه يتعلق به حق الموقوف عليه وحق من ينتقل إليه الوقف من بعده فكان الحاكم أحق بولايته (١). وإن كان الوقف على محجور عليه لصغر أو سفه أو جنون فوليه يقوم مقامه في النظر أو من يعينه الحاكم. الراجح: نرى أن القول بأن النظر للحاكم الشرعي أولى؛ لما ذكره القائلون به ولأنه أبعد عن النزاع ولا سيما إذا كان الوقف على جماعة كثيرة مما يسبب ضياع الوقف عند اختلافهم ونزاعهم. والله أعلم. شروط الناظر: يشترط الفقهاء في الناظر أن يكون أمينًا قادرًا على القيام بعمله الموكل إليه، ويضيف الحنابلة شرطَ كونِ الناظرِ مسلمًا إذا كان الموقوف عليه مسلمًا، وإن كان المولى للنظر غيرَ صالح بسبب فسقه فإنه يعزل؛ مراعاة لحفظ الوقف ومصالحه (٢). أجرة الناظر: للمتولي على الوقف أجر عمله، فإن حدد له الواقف شيئًا أخذه بالغًا ما بلغ، ولو زاد عن أجرة المثل فالزائد استحقاق، وبهذا يقول الفقهاء، فهي من شروط الواقف، وإن لم يعين له شيء حدد له القاضي أجرة المثل، والأصل في ذلك ما فعله عمر ﵁ في كتابِ وقفِهِ، وغيره من الصحابة والتابعين.

стр. 1429

محاسبة الناظر: جرى الفقهاء في محاسبة نظار الأوقاف على حسن الظن وتغليب الثقة على الشك وحمل أفعالهم على الخير، وهذا هو الأصل تشجيعًا لوجوه الناس على توليها، فلا يحاسب الناظر إلا إذا اتهمه المستحقون بخيانة أو مخالفة شرط الواقف أو إذا طلب الناظر تقدير أجرته، أو استأذن في تصرف يحتاج إلى إذن القاضي فيقدم بيانًا بما ورد إليه من موارد الوقف وما أنفقه في مصارفه، فإن وجد عليه ملاحظة نوقش فيها، ولكن في الوقت الحاضر ومن باب التنظيم والإدارة فيما هو من مصلحة الوقف، فإنه ينبغي أن يُجعَلَ لكل وقف حسابٌ خاصٌ به موثقا من أهله ومقرًا في إيراداته ومصروفاته ومراجعًا من جهة مختصة؛ حرصًا على السير بالأوقاف إلى الأهداف المقصودة منها واستثمارها والمحافظة عليها وإعطاء كل ذي حق حقه؛ إذ الأوقاف مورد اقتصادي هامٌّ من موارد الدولة الإسلامية سواء منها الخاص أو العام، وبترتيبها وإدارتها بالشكل الصحيح تنال الأمة فيها ميزة كبيرة على سائر الأمم.

стр. 1430

باب الهبة تعريف الهبة لغة: أصلها من هبوب الريح، أي: مروره، يقال: وهبت له شيئًا وهبًا وهبةً، والاتهاب: قبول الهبة (١). تعريف الهبة في الاصطلاح: هي تمليك المال من جائز التصرف في الحياة بلا عوض. قال النووي ﵀: قسم الشافعي ﵀ العطايا فقال: تبرع الإنسان بماله على غيره ينقسم إلى معلق بالموت (وهو) الوصية، وإلى منجز في الحياة وهو ضربان: أحدهما تمليك محض كالهبات والصدقات، والثاني الوقف. والتمليك المحض: ثلاثة أنواع: الهبة، والهدية، وصدقة التطوع. وسبيل ضبطها أن تقول: التمليك لا يعوض هبة، فَإِنِ انضم إليه حمل الموهوب من مكانٍ إلى مكان الموهوب له إعظاما وإكراما فهو هدية، وإن انضم إليه كون التمليك للمحتاج تقربًا إلى الله -تعالى- وطلبًا لثواب الآخرة فهو صدقة، فامتياز الهدية عن الهبة بالنقل والحمل من موضع إلى موضع ومنه إهداء النعم إلى الحرم، ولذلك لا يدخل لفظ الهدية في العقار بحال فلا يقال: أهدى إليه دارًا ولا أرضًا، وإنما يطلق ذلك في المنقولات كالثياب والعبيد، فحصل من هذا أن هذه الأنواع تفرق بالعموم والخصوص، فكل هدية وصدقة هبة ولا تنعكس (٢).

стр. 1431

الحكمة في مشروعيتها: شرع الله -تعالى- الهبة؛ لما فيها من تأليف القلوب وتوثيق عرى المحبة بين الناس، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تهادوا تحابُّوا" (١). وكان الرسول ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، وكان يدعو إلى قبولها ويرغب فيها، ومن هنا رأى العلماء كراهية ردها حيث لا يوجد مانع شرعي. أركان الهبة: قال في البدائع: أما أركان الهبة: الإيجاب من الواهب، فأما القبول من الموهوب له فليس بركن استحسانًا (٢). وقال النووي ﵀: أما أركانها فأربعة: الأول والثاني: العاقدان، وأمرهما واضح. الركن الثالث: الصيغة. أما الهبة فلا بد فيها من الإيجاب والقبول باللفظ كالبيع وسائر التمليكات. الركن الرابع: الموهوب (٣). وقال في مغني المحتاج: وأركانها ثلاثة: عاقد، وصيغة، وموهوب (٤). وقال في الشرح الصغير: وعلم من تعريف الهبة كالصدقة أن أركانها أربعة:

стр. 1432

واهب، وموهوب، وموهوب له، وصيغة (١). ويرى الحنابلة أن أركانها ثلاثة: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة (٢). هل يشترط لها إيجاب وقبول؟ يرى المالكية والشافعية اعتبار القبول في الهبة، وقال بعض الأحناف بأن الإيجاب كافٍ. وذهب الحنابلة إلى أن الهبة تصح بالمعاطاة التي تدل عليها، فقد كان النبي ﷺ يُهدِي ويُهدَى إليه، وكذلك كان أصحابه يفعلون ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يشترطون إيجابًا وقبولًا ونحو ذلك. وهذا هو الصحيح. الشروط المعتبرة عند الفقهاء في الهبة: جعل الفقهاء للهبة شروطًا تتوقف عليها صحتها، وهذه الشروط منها ما يتعلق (بالإيجاب والقبول)، ومنها ما يتعلق بالواهب، ومنها ما يتعلق بالموهوب وهو المال. أولًا: الشروط المعتبرة في الإيجاب والقبول: ١ - أن لا يكون الإيجاب معلقًا على شيءٍ غير محقق الوقوع كقوله: وهبت لك هذه الدار متى حضر أخوك من السفر، أو إن أمطرت السماء أهب لك هذه الدار. وهذا هو قول الأحناف (٣)، وبه قال الشافعية والحنابلة. قال صاحب المهذب: "لا يجوز تعليقها على شرط مستقبل؛ لأنه عقد يبطل

стр. 1433

بالجهالة، فلم يجز تعليقه على شرط كالبيع" (١). وقال في المغني: "ولا يصح تعليق الهبة بشرط؛ لأنها تمليك لمعين في الحياة فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع" (٢). ثانيًا: الشروط المعتبرة في الواهب: ١ - كونه حرًّا، فلا تصحُّ هبة الرقيق (٣). وقال في المغني: "أما العبد فلا يجوز أن يهب إلا بإذن سيده؛ لأنه ملك لسيده، وله أن يقبل الهبة بغير إذن سيده" (٤). ٢ - كونه عاقلًا غير محجور عليه لسفه أو جنون. ٣ - كونه بالغًا، فلا تصح هبة الصغير. قال في المغني: "فأما الهبة من الصبي لغيره فلا تصح سواء أذن فيها الولي أو لم يأذن؛ لأنه محجور عليه لحفظ نفسه فلم يصح تبرعه كالسفيه" (٥). وقال في البدائع: "أما ما يرجع إلى الواهب فهو أن يكون ممّن يملك التبرع؛ لأن الهبة تبرع فلا يملكها من لا يملك التبرع، فلا تجوز هبة الصبي ولا المجنون؛ لأنهما لا يملكان التبرع" (٦). ٤ - كونه مالكًا للموهوب (٧) وهو قول الأحناف.

стр. 1434

قال في البدائع: (ومنها) -أي: من الشروط- أن يكون مملوكًا للواهب، فلا تجوز هبة مال الغير بغير إذنه، لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك. ثالثًا: الشروط المعتبرة في الموهوب: ١ - كونه موجودًا وقت الهبة فلا تصح هبة ما ليس بموجود وقت العقد كأن يهب له ثمر بستانه في العام المقبل أو ما تلد أغنامه بعد حملها. وبه قال الأحناف والشافعية والحنابلة. قال في المغني: "ولا تصح هبة الحمل في البطن واللبن في الضرع، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعيُّ وأبو ثور؛ لأنه مجهول معجوز عن تسليمه" (١). ٢ - كون الموهوب مقبوضًا، وهو قول الأحناف والشافعية والحنابلة غير أن الحنابلة لهم تفصيل في مسألة القبض سنذكره -إن شاء الله-. قال صاحب البدائع: "ومنها" أي من الشروط القبض وهو أن يكون الموهوب مقبوضًا. وقال مالك ﵀: ليس بشرط ويملكه الموهوب له من غير قبض -إلى قوله-: ولنا إجماع الصحابة على أنهم قالوا: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة، ولم يرد على غيرهم خلافه، ولأنها عقد تبرع فلو صحت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم، فتصير عقد ضمان، وهذا تغيير المشروع (٢) أ. هـ. قال في المجموع: "لا يملك الموهوب الهبة إلا بقبضها؛ فقد روى عروة عن عائشة ﵂-: أن أبا بكر ﵁ نحلها جذاذ عشرين وسقًا من ماله بالعالية، فلما

стр. 1435

مرض قال: يا بنية، ما أحدٌ أحبَّ إلي بعدي منك، ولا أحد أعز عليَّ فقرًا منك، وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا ووددْتُ أنك حزتيه أو قبضتيه وهو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواكِ وأختاكِ فاقتسموا على كتاب الله " (١). وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "ما بالُ أقوامٍ ينحلون أولادهم، فإذا مات أحدهم قال: مالي وفي يدي، وإذا مات هو قال: كنت نحلته ولدي، لا نحلة إلا نحلة يحرز الولد دون الوالد، فإن مات ورثه" (٢). قال صاحب المغني في شرحه لقول الخرقي: "ولا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه، ويصح في غير ذلك بغير قبض إذا قَبِلَ كما يصح في البيع". قال ابن قدامة في شرحه لكلام الخرقي: "يعني أن غير المكيل والموزون تلزم الهبة فيه بمجرد العقد ويثبت الملك في الموهوب قبل قبضه، وروي ذلك عن علي وابن مسعود ﵄ فإنه يروى عنهما أنهما قالا: "الهبة جائزة، إذا كانت معلومة، قبضت أو لم تقبض"، وهو قول مالك وأبي ثور، وعن أحمد رواية أخرى: لا تلزم الهبة في الجميع إلا بالقبض. وهو قول أكثر أهل العلم" (٣). قال صاحب المغني: "ومتى قلنا إن القبض شرط في الهبة لم تصح فيما لا يمكن تسليمه كالعبد الآبق والجمل الشارد والمغصوب لغير غاصبه ممّن لا يقدر على أخذه من غاصبه، وبهذا يقول أبو حنيفة والشافعيُّ؛ لأنه عقد يفتقر إلى القبض فلم يصح في ذلك كالبيع" (٤).

стр. 1436

٣ - أن لا يكون مشاعًا فيما يقبل القسمة وهذا هو قول الأحناف قال صاحب البدائع: "ومنها أن يكون محوزًا، فلا تجوز هبة المشاع فيما يقسم وتجوز فيما لا يقسم كالعبد والحمام" (١). قلنا: هذا الشرط اختلف فيه الفقهاء: فالأحناف -كما ذكرنا- يرون اشتراطه، وخالف في هذا الشرط الجمهور. قال صاحب المغني: "وتصح هبة المشاع، وبه قال مالك والشافعيُّ، قال الشافعي: وسواء في ذلك ما أمكن قسمته أو لم يمكن" (٢)، وهذا هو الراجح عندنا. ٤ - ومن شروط الموهوب أيضًّا أن يكون مملوكًّا للواهب: فلا تجوز هبة ملك الغير بدون إذنه، وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء. هبة الدين لمن هو عليه: إذا كان له في ذمة إنسان دين فوهبه له أو أبرأه منه أو حله منه، صح وبرئت ذمة الغريم منه وإن رد ذلك ولم يقبله؛ لأنه إسقاط فلم يفتقر إلى القبول (٣). هبة الدين لغير من هو عليه: وإن وهب الدين لغير من هو في ذمته لم يصح، وهو قول أبي حنيفة، ويحتمل أنها تصح؛ لأنه لا غرر فيها على المتهب ولا الواهب كهبة الأعيان. قبض الهبة: القبض فيما لا ينقل بالتخلية بينه وبينه، وفيما ينقل بالنقل، وفي المشاع

стр. 1437

بتسليم الكل إليه، فإن أبى الشريك أن يسلم نصيبه قيل للمتهب: وكِّلِ الشريك في قبضه لك ونقله، فإن أبى نَصَّبَ الحاكمُ من يكون في يده لهما. فينقله ليحصل القبض؛ لأنه لا ضرر على الشريك في ذلك، ويتم به عقد شريكه (١). هبة المريض غير المقبوضة: إذا وهب المريض شيئًا من ماله ولم يقبض الموهوب له العين الموهوبة حتى مات الواهب؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: أحدهما وهو قول الحنفية والشافعية: أنها تبطل؛ لموت الواهب قبل القبض. قال الشافعي ﵀: إذا وهب الرجل في مرضه هبةً فلم يقبضها الموهوب له حتى مات، لم يكن للموهوب له شيء وكانت الهبة للورثة (٢). وعللوا البطلان هنا لأن الواهب أراد التمليك في الحال لا بعد الموت إذ الهبة من العقود التي تقتضي التملك المنجز في الحياة، وقالوا: لا تنقلب الهبة إلى وصية؛ لأن الهبة صلة والصلات يبطلها الموت كالنفقات (٣). القول الثاني قول المالكية: وهو أن الهبة هنا صحيحة ولا تبطل وتأخذ حكم الوصية، ولو أن الموهوب له لم يقبضها قبل الموت، وقالوا بأنها كالوصية في الخروج من الثلث (٤).

стр. 1438

رجوع الأب فيما وهب لابنه: إذا وهب الأب ابنه شيئًا فهل له الرجوع فيما وهب؟ للفقهاء في ذلك قولان: الأول: مذهب مالك والشافعيُّ وظاهر مذهب أحمد أن للأب الرجوعَ فيما وهب لولده، وذلك لحديث النعمان بن بشير السابق وفيه قوله: "فَارْدُدْهُ"، وفي لفظ: "فأَرْجِعْهُ". الثاني: قال الحنفية: إنه ليس له الرجوع فيها, لقوله ﷺ : "العائدُ في هبتِه كالعائدِ في قيئِه" (١). وهو رواية أخرى لأحمد (٢). والأول هو الصحيح عندنا، وبه قال الشيخ محمَّد بن العثيمين ﵀ حيث قال في جوابه على حديث: "العائدُ في هبتِه كالعائدِ في قيئِه": لكننا نقول في الجواب عن هذا أن الاستثناء وإن كان ضعيفًا فله ما يعضده وهو أن الأب له أن يتملك من مال ولده ما شاء، وإذا كان له أن يتملك ما شاء فرجوعه فيما وهبه لابنه من باب أولى (٣). شروط الرجوع هبة الولد: أحدهما: أن تكون باقية في ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه لم يكن له الرجوع فيها؛ لأنه إبطال لملك غير الولد. وإن عادت إليه بسبب جديد لم يملك الرجوع فيها؛ لأنها عادت بملك جديد لم يستفده من قِبَلِ أبيه.

стр. 1439

ثانيًا: أن تكون العين باقية في تصرف الولد بحيث يملك التصرف في رقبتها. ثالثًا: أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد، فإن تعلقت بها رغبة لغيره مثل أن يهب ولده شيئًا فيرغب الناس في معاملته وأدانوه ديونًا أو رغبوا في مناكحته فزوجوه إن كان ذكرًا أو تزوجت الأنثى لذلك ففيه قولان: ١ - ليس له الرجوع، وهذا مذهب مالك ورواية عن أحمد؛ لأنه تعلق به غير حق الابن ففي الرجوع إبطال حقه وقد قال ﷺ : "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" (١)، وفي الرجوع ضرر ولأن في هذا إلحاقَ ضررٍ بالمسلمين. ٢ - له الرجوع؛ لعموم الخبر ولأن حق المتزوج والغريم لم يتعلق بعين هذا المال فلم يمنع الرجوع فيه. وهو رواية عن أحمد. رابعًا: أن لا تزيد زيادة متصلة كالسِّمن والكبر وتعلم صنعة، فإن زادت فقد اختلف الفقهاء على قولين: أحدهما: لا تمنع الرجوع، وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد؛ لأنها زيادة في الموهوب فلم تمنع الرجوع. والثانية: تمنع الرجوع، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد؛ لأن الزيادة للموهوب له لكونها نماءً مَلَكَه ولم تنتقل إليه من جهة أبيه فلم يملك الرجوع فيها كالمنفصلة، وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع عن الأصل؛ لئلا يفضي إلى سوء المشاركة (٢).

стр. 1440

العُمري: نوع من الهبة: وهو أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمري، أو ما عِشْتَ أو مدة حياتك أو نحو هذا، سميت بذلك؟ لتقيدها بِالعُمْرِ. الرُّقْبى: أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك على أنك إن متَّ قبلي عادت إليَّ، وإن متُّ قبلك فهي لك ولعقبك، فكأنه يقول هي لآخرنا موتًا، وبذلك سميت رقبى؛ لأن كل واحد منهما يَرْقُبُ موت صاحبه. الحكم: يرى بعض الفقهاء عدم جوازهما؛ لحديث أن النبي ﷺ قال: "لا تعمُروا ولا ترقُبُوا" (١). ويرى بعضهم جواز العمري دون الرقبى؛ لما روي أن النبي ﷺ أجاز العمري دون الرقبى ولأن معنى الرقبى (٢) أنها للآخر منا، وهذا تعليق للتمليك وهو لا يجوز. ويرى أكثر أهل العلم جوازهما (٣)؛ لما روى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العمري جائزةٌ لأهلِها والرقبى جائزةٌ لأهلِها" (٤). الراجح: جوازهما، لما روى جابر قال: قال النبي ﷺ "أَمْسِكُوا عليكم
следующие страницы →