← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

حقُوق الطَّبع محفُوظَة الطَّبعَة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م مَدَارُ الوَطن للنَّشر المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١ البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦ الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨ الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨ الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨ التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩ التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤ التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧ مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩

стр. 1472

المقدمة الحمد لله شرع فأحكم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد: فإن الشريعة الإِسلامية نظام عام وشامل جاء لتنظيم أمور الدين والدنيا فهو ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بغيره من الأفراد، وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه وغير ذلك من أمور الحياة. ويسرنا أن نضع بين يدي القارئ الكريم بعضًا من موضوعات الفقه وهي: ١ - كتاب الأطعمة: ويتناول أنواعها وما يحل منها وما يحرم لأهمية ذلك في حياة المسلم. ٢ - كتاب الأيمان والنذور: وقد لازمت حياة الإنسان منذ القدم وجاء الإِسلام وبين موقفه منها وما يجوز وما لا يجوز. ٣ - كتاب الجنايات: وقد حدد الإِسلام أنواعها وأحكامها سواء كانت على النفس أو على ما دونها. ٤ - كتاب الديات: وهي في الشريعة الإِسلامية عقوبة أصلية للقتل والجنايات على ما دون النفس في الجرح والأعضاء والمنافع. ٥ - كتاب الحدود: وهي عقوبات مقررة لسبع جرائم هي: الزنا، القذف، الشرب، السرقة، الحرابة، الردة، البغي، وتسمى العقوبة المقررة لكل جريمة حدًا، وتم بحث التعزير: وهو العقوبة غير المقدرة والتي تجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. ٦ - كتاب الجهاد: وهو بذل الجهد في نشر دين الله وإعلاء كلمته والدفاع عن حوزة الإِسلام والمسلمين.

стр. 1473

ونرجو من الإخوة الكرام أن يمدونا بما يرونه من آراء ومقترحات أو ملاحظات تؤدي إلى تسديد هذا العمل العلمي ومن ثم زيادة الفائدة المتوخاة منه. وندعو الله تعالى أن يتقبله في صالح الأعمال وأن ينفع به والله الموفق والهادي سواء السبيل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1474

الفِقهُ الميَسَّر كتاب الأطعمة

стр. 1475

كتاب الأطعمة والذكاة والصيد أولًا: باب الأطعمة التعريف في اللغة: الأطعمة جمع طعام وهو كل ما يؤكل (١). واصطلاحًا: هو بيان ما يباح ويحرم أكله (٢). حكمه: الأصل في هذا الباب الحِلُّ وقد ورد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤). وقد دلت الآية على أن ما لم يبين تحريمه فهو حلال. وأما السنة: فقوله ﷺ : "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" (٥). فكل ما لم يبين اللهُ ورسولُه ﷺ تحريمَه من المطاعم والمشارب والملابس، فالأصلُ فيه الحِلُّ ولا يجوز تحريمُه إلا بدليل ناقل عن الأصل.

стр. 1476

وأما الإجماع: فإن العلماء متفقون على أن الأصل في الطعام والشراب الحِلُّ، إلا ما ورد الشرع في تحريمه قال في المقنع: "الأصل فيها الحل، فيحل كل طعام طاهر لا مضرة فيه من الحبوب والثمار وغيرها" (١). قال في تيسير العلام: "الأصل في الطعام والشراب الحل فلا يحرم، منها إلا ما حرمه الله ورسوله؛ لأنها داخلة في عموم العادات المبنية على الحل، والمحرم منها محدود ومعدود مما يدل على بقاء المتروك على أصله وهو العفو" (٢). وجاء في الموسوعة الفقهية: "وتبين لمن تتبع كتب الفقه المختلفة في أبواب الأطعمة وغيرها أن الأصل في الأطعمة الحل، ولا يصار إلى التحريم إلا لدليل خاص" (٣). حكمة التشريع: إن الطعام الذي يتغذى به الإنسان ينعكس أثره على صحته وأخلاقه وسلوكه، فالأطعمة الطيبة يكون أثرها طيبًا على الإنسان والأطعمة الخبيثة يكون أثرها سيئًا, ولذلك أمر الله العباد بالأكل من الطيبات ونهاهم عن الخبائث (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٥). أنواع الأطعمة: تنقسم الأطعمة إلى قسمين: نباتية وحيوانية.

стр. 1477

أولًا: النباتية: الأطعمة النباتية: هي كل ما ينبت في الأرض من ثمار وأشجار وأعشاب وغيرها وهي مباحة كلها (١) لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (٢)، ولا يحرم تناولها إلا ما فيه ضرر، كالتراب والحصى والسم ونحوها أو ما هو مسكر أو نجس فيحرم تناوله لإسكاره أو نجاسته (٣). ثانيًا: الحيوانية: وهي على نوعين: برية تعيش في البر وحيوانات مائية تعيش في الماء. ١ - حيوانات البر: وهي مباحة إلا أنواعًا منها وفقا للضوابط الآتية: أ - ما نص عليه الشارع بالتحريم بعينه كالخنزير لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٤)، وكالحمر الأهلية لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ "نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية" (٥). ب- ما وضع له ضابط وحُدَّ، كالذي له ناب من السباع، أو مخلب من الطير، لحديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير" (٦)، فيحرم ذلك وما عداه فإنه حلال.

стр. 1478

ج- ما يأكل الجيف كالنسر والرخم ونحوهما وذلك لخبث ما يتغذى به، فيكون حراما؛ لأن الله حرم الخبائث. د- ما أمر الشارع بقتله أو نهى عنه: كالحية والعقرب والفأرة والغراب والحدأة، لحديث النبي ﷺ : "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور" (١). وأما ما نهى عنه النبي ﷺ فهو ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد" (٢)، وكل ذلك حرام لا يجوز أكله. هـ - أن يكون متولدًا من بين حلال وحرام فيغلب التحريم، كالبغل لحديث جابر ﵁ قال: "ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير والحمر، ولم ينهنا عن الخيل" (٣). وهذه ضوابط وقواعد يُحدُّ بها المُحرَّم، وعند التطبيق يختلف بعض العلماء في حل شيء أو تحريمه من الحيوانات إما لدليل يستند عليه، وإما لما يرى من عدم دخوله تحت مسمى ما تم تحريمه. ومن أمثلة ذلك: ١ - عند الحنفية: يرون أن العقعق وهو غراب نحو الحمامة حجمًا طويل الذنب فيه بياض وسواد حلال؛ لأنه يأكل الحب غالبًا فلا يكون مستخبثًا، وذلك خلافًا للجمهور الذين يرون حرمته. وعندهم أن الضب حرام خلافًا للجمهور (٤).

стр. 1479

٢ - عند المالكية: في القول المشهور عندهم أنه يكره تنزيها أكل الحيوانات المفترسة سواء كانت أهلية كالسنور والكلب، أم متوحشة كالذئب والأسد، كما أنهم يجيزون أكل الحية وكذلك القنفذ (١) في قول عندهم (٢). ٣ - عند الشافعية: يرون أن أكل الثعلب حلال، قال في روضة الطالبين (٣): "يحل الضَّب والثعلب"، أما الضَّب فلحديث ابن عباس ﵄ قال: "أُكِل الضَّب على مائدة رسول الله ﷺ " (٤). وأما الثعلب فلأن أنيابه ضعيفة. ٤ - وعند الحنابلة: يجوز أكل الضبع والضب (٥)، والضبع من ذوات الناب من السباع والضب من الحشرات، ولكنه استثنى وذلك للأحاديث الواردة فيهما. حيث جاء في الضبع حديث ابن أبي عمار قال: قلت لجابر ﵁: الضبع صيد هو؟ قال: نعم. قلت: قاله رسول الله ﷺ قال: نعم (٦). والخلاصة: إن ما لا تنطبق عليه تلك الضوابط حلال لا إشكال فيه عند الفقهاء، وأما ما تنطبق عليه فإنه محل خلاف بينهم، وينبغي الالتزام بتلك القواعد ما لم يكن فيه دليل شرعي يبيح أو يحرم شيئًا منها، وذلك خروجًا من الخلاف وبراءة لدين المسلم. والله أعلم. ٢ - حيوانات الماء: وهي ما تعيش في الماء من البحار والأنهار، وهي مباحة إلا ما استثني وبيان ذلك:

стр. 1480

١ - يرى الحنفية أنه يحل أكل السمك فقط من حيوان الماء وما سوى السمك يستخبثه الطبع (١). ٢ - يرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة أنه يحل أكل جميع حيوان الماء وذلك استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (٢)، جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث في السعودية رقم (٥٨٢٨) الأصل في حيوان البحر الذي لا يعيش عادة إلا فيه الحل لقوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٣)، وقوله ﷺ في البحر: "وهو الطهور ماؤه الحل ميتته". ويستثنى الشافعية والحنابلة من حيوان الماء: الضفدع، والحية، والتمساح، ويرون حرمتها، أما الضفدع فلما جاء في النهي عن قتلها حيث روى عبد الرحمن ابن عثمان القرشي: "أن طبيبًا سأل رسول الله ﷺ عن الضفدع يجعلها في دواء؟ فنهى عن قتلها" (٤)، وأما الحية فلاستخباثها، وأما التمساح، فلأن له نابًا يفترس به (٥). الراجح: نرى أن الراجح هو حل جميع ما يعيش في الماء إلا ما ورد دليل يقضي بتحريمه، وذلك لعموم الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على حله كقوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٦).

стр. 1481

أسباب التحريم: تبين من دراسة العلل التي يذكرها الفقهاء أسبابًا للتحريم أنها خمسة وهي: ١ - ضرر البدن كالأشياء السامة أو الضارة، فكل ما ثبت ضررٌ له يقول الأطباء أو المجربين فهو حرام. ٢ - ضرر العقل كالمسكرات والمخدرات بأنواعها لما فيه من تعطيل للعقل ومفسدة للفرد والمجتمع. ٣ - النجاسة: فيحْرم النجس والمتنجس كالدم والسمن الذي ماتت فيه فأرة. ٤ - الأشياء المستقذرة عند ذوى الطباع السليمة كالبول والروث. ٥ - عدم الإذن شرعًا: وذلك بأن يكون مباحًا, ولكن لم يأذن فيه الشارع كالمغصوب والمسروق أو المكتسب بالقمار والبغاء وغيرها (١). وما عدا ما ذكر في هذه الأسباب فإنه حلال يجوز أكله وشربه، بقاء على الأصل في حل كل شيء إلا ما ورد الدليل بتحريمه.

стр. 1482

ثانيًا: باب الذكاة التعريف: في اللغة: الذكاة هي الذبح وأصل الذكاة في اللغة: التمام؛ لأن ذبح الحيوان فيه إتمام زهوقه (١). واصطلاحًا: ذبح حيوان برى مقدور عليه مباح أكله بقطع حلقومه ومريئه أو عقر ما لم يقدر عليه (٢). الأصل في مشروعية الذكاة: اشتراط وجوب الذكاة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٣). فيدل ذلك على اشتراط الذكاة لحل الأكل؛ ولأن الله تعالى حرم الميتة وهي ما زهقت نفسه بسبب غير مباح أو ليس بمقصود. وأما السنة: فمنها قول النبي ﷺ لعدي: "أمّر (٤) الدم بما شئت" (٥). وقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٦). ووجه الدلالة في قول النبي ﷺ لما أباح ميتة البحر دل على تحريم ما عداها وأن الذكاة شرط فيها (٧).

стр. 1483

وأما الإجماع: قال في الإفصاح (١): "فأما البري فإنهم أجمعوا على أن ما أبيح أكله منه لا يستباح إلا بالذكاة". الحكمة من مشروعية الذكاة: إن الشرع ورد بحل الطيبات قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢). وحرمت الميتة؛ لأن المُحَرَّم وهو الدم المسفوح فيها قائم ولا يزول الدم إلا بالذبح أو النحر، وفي الذكاة تنفير عن الشرك وأعمال المشركين وتمييز لمأكول الآدمي عن مأكول السباع (٣). شروط الذكاة: يشترط للذكاة أربعة شروط: ١ - أهلية الذابح المذكي أو الناحر أو العاقر: وهو أن يكون عاقلًا قاصدًا التذكية، فلا تحل ذكاة مجنون وسكران، وطفل دون التمييز؛ لأنه لا قصد لهم قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي" (٤). ٢ - أن يذبح بآلة محددة تقطع أو تنحر بحدها لا بثقلها: سواء أكانت حديدًا أو حجرًا أو خشبًا أو غيرها، غير عظم أو ظفر، فلا يحلُّ الذبح بها وهو المتفق على صحته بين الفقهاء لقوله ﷺ في حديث رافع بن خديج: "ما أنهر الدم

стр. 1484

وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر" (١)، وأجاز الحنفية الذبح بالظفر والسن والقرن إذا كان منزوعًا. ٣ - أن يقطع الحلقوم وهو: (مجرى النفس) والمريء وهو: (مجرى الطعام والشراب)، والودجين وهما: (الوريدان)، ويرى الحنفية الاكتفاء بقطع الثلاث منها، ويرى المالكية صحة قطع الحلقوم والودجين دون المريء، ويرى الشافعية والحنابلة صحة قطع الحلقوم والمريء. ٤ - التسمية عند حركة يده بالذبح، فإن تَرَكَ التسميةَ عمدًا لم تحل التذكية عند جمهور العلماء خلافًا للشافعي، وإن تركها جهلًا أو نسيانًا فإنها تحل على الراجح من قولي الفقهاء (٢). ذكاة غير المسلم: أجمع الفقهاء على إباحة ما ذبحه أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣). قال الإِمام البخاري: عن ابن عباس ﵄: "طعامهم ذبائحهم" (٤). كما أجمع الفقهاء على أن: ما ذبحه غير أهل الكتاب لا يحل أكله، وهو ما يفهم من الآية الكريمة (٥).

стр. 1485

وإباحة ذبيحة أهل الكتاب دون غيرهم؟ لاعتقادهم بتحريم الذبح لغير الله، وتحريم الميتة، وهذا هو ما جاءت به أنبياؤهم، بخلاف غيرهم من الكفار (١). قال في الإفصاح: "أجمعوا على أن ذبائح أهل الكتاب العقلاء مباحة، وأجمعوا على أن ذبائح الكفار من غير أهل الكتاب غير مباحة" (٢). التسمية عند الذبح: حقيقة التسمية: ذكر اسم الله تعالى بقوله: "بسم الله" لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣). ويرى الحنفية والمالكية وهو رواية عند الحنابلة: أنه يجوز أن يذكر اسم الله تعالى بأي اسم كان وتحل الذبيحة. والرواية الأخرى عند الحنابلة أن التسمية هي: "بسم الله"، ولا يقوم غيرها مقامها؛ لأن إطلاق التسمية ينصرف إليها وكان النبي ﷺ إذا ذبح سمَّي: "باسم الله والله أكبر" (٤). الراجح: إن ذكر الله تعالى وحده بأي اسم كان على الذبيحة مبيح لأكلها؛ لأنه إذا ذكر الذابح اسمًا من أسماء الله لم يكن المأكول مما لم يذكر اسم الله عليه الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٥)، فلم يكن محُرَّمًا. ولكن المستحب أن يقول: "بسم الله والله أكبر" كما هو الوارد في السنة.

стр. 1486

أنواع الذكاة: الذكاة ثلاثة أنواع وهي: ١ - الذبح: وهو للحيوانات المقدور عليها من الغنم والبقر والطيور وغيرها، ويكون في حلق البهيمة أسفل للحيين. ٢ - النحر: خاص بالإبل فقط، وهو الطعن في اللُّبة وهي وسط الصدر للإبل ونحوها. ٣ - العقر: وهو بفتح العين وسكون القاف وهو: الإصابة القاتلة للحيوان والطير في أي موضع من بدنه، إذا كان غير مقدور عليه، ولو كان من الحيوانات الأليفة إذا فرَّ لحديث رافع ﵁ قال: ندَّ بعير، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله ﷺ : "ما ندَّ عليكم فاصنعوا به هكذا" (١) سواء أكان العقر بالسهم أم بجوارح السباع والطير (٢)، وهي الذكاة الاضطرارية. فإن ذبح من القفا مختارًا فإنَّ الذبيحة لا تؤكل، رُوي ذلك عن علي وسعيد ابن المسيب ومالك وإن بقيت فيها حياة مستقرة قبل ذبحها بقطع الحلقوم والمريء، فيحل أكلها كأكيلة السبع وذلك مروي عن عليٍّ ﵁ وبه قال الشعبي وأبو حنيفة والشافعيُّ (٣). آداب الذكاة: للذكاة آداب وسنن منها:

стр. 1487

١ - أن تكون الذكاة بآلة حادة كالسكين لقوله ﷺ : "وليُحِدَّ أحدُكُم شفرتَهُ وليُرِحْ ذبيحتَهُ" (١). ٢ - أن يُمِرَّ السكين أو الآلة بقوة وبسرعة؛ ليكون أسرع؛ ولأن فيه إراحةً للذبيحة لقوله ﷺ : "إذا ذبح أحدُكم فليُجْهِز" (٢). ٣ - أن يكون الذابح مستقبلًا القبلة وأن توجه الذبيحة إلى القبلة عند ذبحها. ٤ - أن يُحِدَّ آلة الذبح من سكين ونحوها، دون أن تبصر ذلك الذبيحةُ؛ لأن الرسول ﷺ : "أمر بحدَّ الشفار وأن تُوارَى عن البهائم" (٣). ٥ - أن تُنْحَر الإبلُ قائمةً معقولة يدها اليسرى وأن تذبح البقرة والغنم مضجعة على جانبها الأيسر (٤). وحيث إن أساليب الذبح قد تغيرت عن الأساليب السابقة؛ لكثرة ما يذبح ولسهولة تصديرها، وقد صاحب ذلك استعمال أجهزة كهربائية لصعق الحيوان قبل ذبحه لذلك فقد دُرِسَ الموضوع من قبل المجامع الفقهية، وأصدر المجمع التابع لرابطة العالم الإِسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٢٤/ ٢ / ١٤٠٨ هـ إلى يوم الأربعاء ٢٨/ ٢ / ١٤٠٨ هـ وصدر قراره باشتراط ما يأتي: ١ - إذا صُعِقَ الحيوانُ المأكولُ بالتيار الكهربائي، ثم بعد ذلك تَمَّ ذبحه أو

стр. 1488

نحرُه وفيه حياة فقد ذكى ذكاة شرعية، وحَلَّ أكله لقوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١). ٢ - إذا زُهِقت روح الحيوان المصاب بالصعق الكهربائي قبل ذبحه أو نحره فإنه ميتة يحرم أكله لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢). ٣ - إذا كان التيار الكهربائي منخفض الضغط وخفيف المس بحيث لا يعذب الحيوان، وكان في ذلك مصلحةٌ كتخفيف ألم الذبح عنه وتهدئة عنفه ومقاومته، فلا بأس بذلك شرعًا مراعاة للمصلحة. وجاء في قرار المجمع التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي رقم ٩٤ (٣/ ١٠) بشأن الذبح في موضوع الدواجن (د) لا يجوز تدويخ الدواجن بالصدمة الكهربائية، لما ثبت بالتجربة من إفضاء ذلك إلى موت نسبة غير قليلة منها قبل التذكية، كما جاء فيه بعض الشروط الفنية لأجهزة الكهرباء والتي تستعمل لتدويخ الحيوان قبل ذبحه فمن شاء فليراجعه. ذكاة الجنين: ١ - يرى أبو حنيفة أن الجنين إذا أُدْرِكَ حيًّا بعد تذكية أمه، فإنه يُذكَّى ويحِلُّ أكله، وإن لم يخرج حيًا فلا يحِلُّ أكله؛ لأنه حيوان ينفرد بحياته، فلا يتذكى بذكاة غيره. ٢ - ويرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمَّد من الحنفية: أن ذكاة الأم ذكاةٌ للجنين، فيحِلُّ أكلُهُ إذا خرج الجنين ميتًا أو كانت حركته كحركة المذبوح، ويضيف المالكية اشتراط كونه تَمَّ خَلقُهُ ونبت شعره. وإن خرج الجنين حيًّا فإنه لا بد من تذكيته.

стр. 1489

الراجح: نرى أن الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمه" (١). قال في المغني: "ولأن هذا إجماع من الصحابة ومن بعدهم، فلا يُعوَّل على ما مخالفه" (٢). المحرمات من الحيوانات المأكولة: ١ - الميتة: وهي كل حيوان حلال الأكل وفارقته الروح من غير ذكاة شرعية ما عدا ميتة السمك والجراد لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" (٣). ٢ - المنخنقة: وهي التي التف على عنقها حبلٌ ونحوه فخنقها. ٣ - الموقوذة: وهي التي ضربت بشيء ثقيل. ٤ - المتردية: وهي التي تسقط من شيء مرتفع. ٥ - النطيحة: وهي التي نطحها حيوان آخر برأسه. ٦ - ما أكل السبع: وهي التي افترسها الذئب ونحوه، جاء ذلك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٤).

стр. 1490

وإذا ما أُدرك شيء منها حيًّا حياة مستقرة فذكى جاز أكلُه (١). اللحوم المستوردة: تستورد بعض البلاد الإِسلامية أنواعًا من اللحوم من بلاد غير إسلامية من أغنام وبقر وغيرها ولذلك حالتان: ١ - أن تكون من بلاد أهل الكتاب، فهي حِلٌّ للمسلمين بالنص القرآني، ما لم يعلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: اللحوم التي تباع في أسواق دول غير إسلامية، إن علم أنها من ذبائح أهل الكتاب فهي حل للمسلمين، إذا لم يعلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي، إذ الأصل حلها بالنص القرآني فلا يعدل عن ذلك إلا بأمر محقق يقتضي تحريمها. ٢ - أن تكون من بلاد أخرى غير بلاد أهل الكتاب فلا يجوز أكلها، قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: أجمع علماء الإِسلام على تحريم ذبائح المشركين من عباد الأوثان ومنكري الأديان ونحوهم من جميع أصناف الكفار غير اليهود والنصارى (٢).

стр. 1491

ثالثا: باب الصيد التعريف في اللغة: مصدر صاد يصيد صيدًا، ويطلق على فعل الاصطياد وكذا على المصيد وهو المقتول (١). وفي الاصطلاح: هو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا، غير مملوك ولا مقدور عليه (٢). أركان الصيد: للصيد ثلاثة أركان: صائد، ومصيد، وآله (٣). أنواع الصيد: الصيد نوعان: بري وبحري، وقد سبق الكلام عما يحِلَّ أكلُه مما يعيش في البحر، أما البري فهو المقصود هنا. حكم الصيد: الأصل في الصيد الإباحة، ودليل ذلك الكتاب والسُّنة والإجماع. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٥). وأما السُّنة: فمنها حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ عن الصيد بالقوس والكلب المعلم والكلب غير المعلم: فقال له الرسول ﷺ : "ما

стр. 1492

صدت بقوسك فاذكر اسم الله ثم كل، وما صدت بكلبك المعلم، فاذكر اسم الله ثم كل، وما صدت بكلبك الذي ليس معلمًا فأدركت ذكاته فكل" (١). وأما الإجماع: فقال ابن قدامة في المغني (٢): "وأجمع أهل العلم على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد". وقال ابن هبيرة (٣): "واتفقوا على أن الله أباح الصيد". والإباحة تكون إذا كان لحاجة الإنسان ومعاشه، أما إذا كان لغير حاجة وإنما للهو فهو مكروه لقوله ﷺ : "لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا" (٤). وأما المعقول: فإن الصيد نوع اكتساب وانتفاع، فكان مباحًا بمنزلة الاحتطاب (٥). شروط الصيد: إذا أدرك الصيد حيًا فتجب ذكاته، أما إذا كان ميتًا بصيده فيشترط لحله شروط: ١ - أهليه الصائد وهو من تحل ذكاة ذبيحته وأن يكون غير مُحْرِمٍ بحج أو عمرة. ٢ - أن تكون آلة الصيد حادة أو سهما يخرق الجلد، أو تكون جارحًا معلمًا كالكلب والصقر. ٣ - إرسال الآلة قاصدًا للصيد، فلا يحل إن استرسل بنفسه.

стр. 1493

٤ - قول الصائد باسم الله عند إرسال جارحه أو سهمه وألا يتركها عمدًا عند الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة فإن تركها عمدًا فلا تحِلُّ. وأما إذا تركها نسيانًا فإن الحنفية والمالكية وهو رواية عند أحمد يرون إباحتها لقوله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" (١). ويرى الشافعية أنَّ التسمية عند ذلك سُنَّة فإنْ تركها عمدًا أو سهوًا جاز أكل الصيد (٢). الراجح: هو عدم حل الصيد إن ترك التسمية عمدًا، أما إن تركها نسيانًا فإنه يجوز أكله لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٣). وقد وردت في ذلك أحاديث منها حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم ثم ليأكل" (٤)، وله شاهد عند أبي داود وفي مراسيله بلفظ: "ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر"، ورجاله موثقون (٥). الصيد المحرَّم: يُحْرَمُ الصَّيدُ في عدة صور منها: ١ - أن يكون الصائدُ مُحْرِمًا بحج أو عمرة، والصيدُ بريًا، لقوله تعالى:

стр. 1494

﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١)، وبهذا يقول جميع الفقهاء. ٢ - أن يكون الصيد في الحَرَمِ لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ (٢). ٣ - أن يكون الصيد مملوكًا لشخص آخر، وقد ورد ذلك في التعريف: "غير مملوك". ٤ - أن يكون الصيد مُهَلًّا به لغير الله لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٣). حكم الصيد إذا غاب عن صائده فترة ثم وجده ميتًا: يختلف العلماء في ذلك: فيرى أبو حنيفة أنه يباح إن لم يكن ترك طلبه وإن تشاغل عنه ثم وجده لم يبح. ويرى المالكية: أنه لا يباح إلا إذا تحقق أن مقاتله أنفذت بالصيد. ويرى الشافعية: أنه إذا غاب عنه ثم وجده ميتًا، فلا يحِلُّ على الصحيح عندهم؛ لاحتمال موته بسبب آخر. ويرى الحنابلة أنه إن وجده ميتًا، وسهمه فيه ولا أثر به غيره أو وجد كلبه معه حل أكله وإلا فلا يجوز أكله (٤). الراجح: إنه إن وجد الصيد وبه أثر سهمه، ولم يوجد به أثر آخر أو وجد كلبه معه فإنه يحل أكله لحديث عدي بن حاتم عند البخاري وفيه أنه قال للنبي

стр. 1495

- ﷺ : يرمي الصيد فيقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم يجده ميتًا وفيه سهمه قال: "يأكل منه إن شاء" (١). أدوات الصيد: للصيد أدوات منها: ١ - ما له حد يصلح للقطع كالسيف والسكين. ٢ - ما ينطلق منها آلة أخرى ولها رأس محدد يصلح للخزق كالسهم أو يكون له رأس محدد لا ينطلق منه آله أخرى كالحديدة المثبتة في رأس العصا. وهذه الأدوات ونحوها يجوز الاصطياد بها إذا قتلت الصيد بحدها أو رأسها، أما الآلات التي تقتل بالثقل كالحجر أو العصا غير محددة الرأس أو المعراض (٢) ونحوها فلا يجوز الاصطياد بها، وما رمى بها فإنه لا يحل؛ لأنه من الموقوذة إلا أن يُدرَك حيًّا فيذكى، لما روى عدي بن حاتم ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : إني أرمي الصيد بالمعراض فأصيب، فقال: "إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله"، وفي لفظ له قال، قال رسول الله ﷺ : "ولا تأكل من المعراض إلا ما ذكيت" (٣). ٣ - الاصطياد بالشبكة: وذلك بأن ينصب شبكة فيقع فيها صيد، فإن أدركه حيًّا وذبحه جاز أكله وإلا فلا. ٤ - الاصطياد بالبندق (٤) والحذف: ولا يجوز الاصطياد بهما لقوله ﷺ : "إنها

стр. 1496

لا تصيد صيدًا ولا تنكأ عدوًا, ولكنها تكسر السن وتفقأ العين" (١). ٥ - الاصطياد بالسهم المسموم: لا يجوز الاصطياد بذلك؛ لأنه اجتمع فيه مباح ومحرم فغلب المحرم. ٦ - الاصطياد بالحيوان المعلم وهو ما يسمى بالجوارح من الكلاب والسباع كالفهد والنمر والأسد والطيور كالصقر والعقاب، وكل ما يقبل التعلم وعلم فيجوز الصيد به بحيث إذا أرسله استرسل، وإذا زجره انزجر (٢) فإن قتله الجارح أكل وإن لم يقتله قام بتذكيته. ٧ - الصيد بالسلاح الحديث: من بنادق الرصاص وغيرها من الأسلحة، وهذه يجوز الصيد بها ويحل أكلها لأنها تخرق وتجرح الحيوان والطير الذي يتم صيده بها فإن أمسكها وبها حياة فإنه يجب تذكيتها. ما يباح للمضطر ومن يخاف على نفسه الموت: إذا حدث للإنسان مجاعة بحيث لم يجد ما يأكله من الطعام الحلال فإنَّ العلماء يجمعون على أنه يجوز له الأكل من الميتة، وذلك بما يكفي لسد جوعه لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). وإذا وجد المضطر حيوانًا مختلفًا في تحريمه وآخر متفقًا عليه، فإنه يأكل من المختلف فيه، كما لو وجد خنزيرًا وثعلبًا فإنه يأكل من الثعلب. وإذا وجد المضطر طعامًا لغيره مضطرًا مثله لم يبح له أخذه، وإن كان مستغنيًا

стр. 1497

عنه أخذه بثمنه، فإن منعه منه صاحبه أخذه قهرًا مع ضمانه له متى قدر. فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه، وإن قتل المانع للطعام فلا ضمان فيه (١). وذلك حماية للنفس المعصومة من التلف، وهو من الضروريات الخمس التي جاء الإِسلام بالمحافظة عليها: "وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض". اقتناء الكلب: يجوز اقتناء الكلب لغرض الصيد أو الحراسة، وما عدا ذلك فلا يجوز اقتناؤه، بل قد وردت أحاديث في النهي عن اقتناء الكلب إلا ما استثني، ومن ذلك ما رواه ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان" (٢). فعلى المسلم الالتزام بتعاليم الإِسلام، وألا ينساق في تقليد بعض الأمم التي ليست قدوة فيما تفعله أو تتركه مما يتعارض مع الدين الإِسلامي الحنيف.

стр. 1498

الفِقهُ الميَسَّر كتاب الأيمان والنذور

стр. 1499

كتاب الأيمان والنذور أولًا: باب الأيمان التعريف في اللغة: الأيمان بفتح الهمزة وهي جمع يمين، ومن معاني اليمين لغة: القوة والقسم، والبركة واليد اليمنى؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل واحد يمين صاحبه (١). واصطلاحًا: هي توكيد الحكم بذكر معظم على وجه مخصوص (٢). الأصل في مشروعية الأيمان وثبوت حكمها: الأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقول الله سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٣). وأما السنة: فقول النبي ﷺ : "إني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتت الذي هو خير، وتحللتها" (٤). وأما الإجماع: فقال ابن قدامة: "وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها" (٥).

стр. 1500

حكمة التشريع: تعارف الناس في جميع العصور على أساليب التأكيد باليمين، وذلك لحمل المخاطبين على الثقة بكلام الحالف وصدقه بما أخبر عنه ووفائه بما التزم به، وجاء الإِسلام بشرعية ذلك مع الاقتصار على الحلف بالله أو صفة من صفاته لما فيه من تعظيمٍ لله تعالى، وحث على الوفاء بالعقد. صيغ اليمين: لليمين صيغ متعددة منها: ١ - الحلف باسم من أسماء الله تعالى، التي لا يُسمَى بها سواه نحو قوله: والله والرحمن، والأوَّلِ الذي ليس قبله شيء، ورب السموات والأرض والذي نفسي بيده ونحو هذا. ٢ - ما ينصرف إطلاقه إلى الله وُيسمَى به غير الله تعالى مجازًا مثل الخالق، الرازق، الرب، الملك، الجبار، ونحوها، فهذا قد يسمى به غير الله مجازًا بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٢). وهذا إن نوى به اسم الله تعالى أو أطلق. كان يمينًا؛ لأنه بإطلاقه ينصرف إليه وإن نوى به غير الله تعالى لم يكن يمينًا؛ لأنه يستعمل في غيره. ٣ - ما يسمى به الله تعالى وغيره، ولا ينصرف إليه بإطلاقه كالحي والعالم والكريم، فهذا إن قصد به اليمين باسم الله تعالى كان يمينًا وإن أطلق أو قصد غير الله تعالى لم يكن يمينًا.

стр. 1501

٤ - ما هو صفة من صفات ذات الله تعالى لا يحتمل غيرها، كعزة الله تعالى، وعظمته، وجلاله، وكالحلف بالقرآن الكريم، أو المصحف الشريف؛ لأن القرآن وما في المصحف كلام الله تعالى وصفة من صفاته. فهذه تنعقد بها اليمين كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١). ٥ - ما هو صفة لله تعالى ويوصف بها غيره، كعلم الله وقدرته، فمتى أقسم بها كان يمينًا. ٦ - ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى، لكن ينصرف بإضافته إلى الله سبحانه لفظًا أو نية كالعهد والميثاق والأمانة ونحوه، فهذا لا يكون يمينًا إلا بإضافته أو نيته (٢). ٧ - إذا قال: وحق الله فهي يمين عند المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وفي رواية عند الحنفية أنه ليس يمينًا؛ لأن حق الله ليست صفة له. ٨ - إذا قال: لعمر الله أو على عهد الله وأمانته، فهو يمين منعقدة عند الجمهور وقال الشافعية. إن نوى بها اليمين فيمين وإن أطلق فلا لتردد اللفظ بينهما. ويكره الإفراط في الحلف بالله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٣). حروف القسم: حروف القسم ثلاثة: الباء والواو والتاء:

стр. 1502

فأما الباء: فهي الأصل وتدخل على الظاهر والمضمر جميعًا. ثم الواو: وهي تدخل على الظاهر فقط، وهي أكثر استعمالًا للقسم في الكتاب والسنة. ثم التاء: وهي بدل من الواو وتختص باسم واحد من أسماء الله تعالى، وهو الله ولا تدخل على غيره فيقال تالله، كقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (١). ويجوز القسم بغير حروف القسم مثل قوله: آلله لأفعلن كذا، فإنه يكون يمينًا بغير حاجة إلى النية، وذلك هو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وذهب الشافعي إلى أنّه لا يكون يمينًا إلا بالنية؛ لأن ذكره اسم الله تعالى بغير حرف القسم ليس بصريح بها القسم فلا ينصرف إليه إلا بالنية (٢). الراجح: اعتبار قول: الله لأفعلن قسمًا دون حاجة إلى النية؛ لأنه سائغ في العربية، ولورود الشرع به حيث روى أن عبد الله بن مسعود ﵁ أخبر النبي ﷺ أنه قتل أبا جهل، فقال: "آالله إنك قتلته؟ " قال: آلله إني قتلته (٣). أنواع اليمين: الأيمان على ثلاثة أنواع: ١ - الحلف على أمر يظن صدق نفسه فبان بخلافه: ومن ذلك ما يجري على

стр. 1503

لسان المتكلم بدون قصد: كـ "والله"، و"بلى والله"، "وتالله" فهذا لغو لا إثم فيه ولا كفارة عند الفقهاء، جاء في الفتوى رقم (٥٥٢٨) من فتاوي اللجنة الدائمة في السعودية: أن اللغو هو أن يحلف على شيء يظن أنه كما حلف ثم يتبين خلافه وكذا منه قول المسلم: "لا والله، وبلى من غير قصد الحلف". ٢ - الحلف على أمر ماضٍ كاذبًا عالمًا وهذا هو اليمين الغموس، وسميت غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، وهي من الكبائر، وعلى الحالف بها التوبة إلى الله، فقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "من الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس" (١)، ويرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة: أنه لا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكفر ويرى الشافعية أن فيها الكفارة. الراجح: أنه لا كفارة فيها، وإنما يجب التوبة مما أقدم عليه. ٣ - الحلف على أمر حال أو مستقبل قاصدًا لليمين فهذا يمين منعقدة (٢) يترتب عليها الأحكام التي يأتي بيانها: حكم الأيمان: يكون حكم اليمين وفقًا للأحكام التكليفية الخمسة: ١ - الواجب: يجب القيام به، وهو اليمين التي يترتب عليها نجاة معصوم من

стр. 1504

هلكة، ومنه إنجاء نفسه مثل أن تتوجه أيمان القسامة في دعوى القتل عليه وهو بريء. ٢ - المندوب: وذلك كالحلف الذي يتعلق به إصلاح بين متخاصمين، والحلف على فعل طاعة أو ترك معصية. ٣ - المباح: كالحلف على فعل مباح أو تركه، والحلف على خبر بشيء صادق فيه أو يظن صدقه. ٤ - المكروه: الحلف على البيع والشراء. ٥ - المُحَرَّم: وهو الحلف الكاذب، ومنه الحلف على فعل محرم أو ترك واجب (١). شروط الأيمان: للأيمان شروط يجب تحققها فيها حتى تكون منعقدة يترتب عليها حكمها: ١ - أن يكون الحالف بالغًا عاقلًا مسلمًا مختارًا قاصدًا لليمين. ٢ - أن يكون المحلوف عليه أمرًا مستقبلًا. ٣ - عدم الفصل بين المحلوف به والمحلوف عليه بسكوت كما لو قال بالله ثم سكت وبعد فترة قال لأفعلن كذا. ٤ - خلو اليمين عن الاستثناء نحو أن يقول الحالف: إن شاء الله، أو: إلا أن يشاء الله أو: ماشاء الله (٢).

стр. 1505

الاستثناء في اليمين: المراد بالاستثناء هو التعليق بمشيئة الله -تعالى- أو نحوه مما يبطل الحكم كما لو قال الحالف عقب حلفه: إن شاء الله. أو: إلا أن يشاء الله، أو: ما شاء الله، أو: إلا إن يبدو لي غير هذا، أو: إذا يسر الله. وقد أجمع العلماء على أنه متى استثنى في يمينه لم يحنث فيها، وذلك لقول النبي ﷺ : "ومن حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث" (١). شروط صحة الاستثناء: ١ - الدلالة على الاستثناء باللفظ أو ما يقوم مقامه من كتابة أو إشارة أخرس، ولا يكفي الاستثناء بالنية من غير قول أو ما يقوم مقامه. ٢ - أن يكون الاستثناء متصلًا باليمين، بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبي ولا يسكت بينهما سكوتًا يمكن الكلام فيه. ٣ - أن يقصد الاستثناء فإن سبق لسانه إلى الاستثناء من غير قصد لم يصح؛ لأن اليمين لا تنعقد من غير قصد فكذلك الاستثناء (٢). كفارة الأيمان: الأصل في كفارة الأيمان الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ

стр. 1506

أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١). وأما السُّنة: فقول النبي ﷺ : "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" (٢). وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى. قال ابن هبيرة: "واتفقوا على أن الكفارة تجب عند الحنث في اليمين على أي وجه كان، من كونه طاعة أو معصية أو مباحًا" (٣). والكفارة واجبة على التخيير ابتداء والترتيب انتهاء، فالحالف إذا حنث وجب إحدى ثلاث وهو مخير بين فعلها وهي: ١ - إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من بر أو تمر أو أرز (٤)، ونحوهما من قوت البلد. ٢ - كسوة عشرة مساكين، وهي تختلف من بلد إلى بلد حسب ما يلبسه الرجال والنساء.

стр. 1507

٣ - تحرير رقبة. فإن عجز عن هذه الثلاث وجب عليه صيام ثلاثة أيام متتابعات. قال في المغني: "أجمع أهل العلم على أن الحانث في يمينه بالخيار بين فعل أي من هذه الخصال؛ لأن أو للتخيير فإن عجز عن الثلاث انتقل إلى الترتيب ووجب عليه صيام ثلاثة أيام" (١). ولا يجوز له الصيام قبل العجز عن أداء الخصال الثلاث، فإن بدأ بالصيام ثم وجد الإطعام فهل يترك الصيام ويطعم؟ في ذلك قولان لأهل العلم: عمل ما حلف عليه ناسيًا: إذا حلف ألا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا فقد اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فيرى أبو حنيفة ومالك وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد أنه يحنث وعليه الكفارة؛ لأنه فعل ما حلف عليه قاصدًا لفعله، فلزمه الحنث كالذاكر. ٢ - ويرى الشافعي وأحمدُ في رواية لكل منهما أن الناسي لا يحنث بفعله ولا كفارة عليه. الراجح: أن الناسي لا يحنث بفعله ما حلف عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢). ولقول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٣)، وهو في ذلك غير قاصد للمخالفة فلا كفارة عليه.

стр. 1508

عمل ما حلف عليه مكرهًا: إن المكره على الفعل لا يخلو إما أن يكون مكرهًا ملجأ إليه: مثل أن يحلف ألا يدخل دارًا فحُمِل فأدخلها ولم يمكنه الامتناع، فيرى أبو حنيفة: أنه لا يحنث ولا كفارة عليه، وهو قول مالك وأحمدُ وهو الصحيح. وإما أن يُكرَه على الفعل بالضرب والتهديد بالقتل ونحوه، فهذا يختلف فيه الفقهاء فيرى أبو حنيفة ومالك: أنه يحنث إن عمل ما حلف عليه مكرهًا بذلك؛ لأن الكفارة لا تسقط بالشبهة، ويرى أحمد وهو قول للشافعي أنه لا يحنث لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١)، وعمله ذلك نوع إكراه فلا يحنث به (٢)، وهو الصحيح -إن شاء الله-. تعدد الكفارة: إذا حلف الإنسان أيمانًا وحنث فيها فقد اختلف الفقهاء هل تتداخل الكفارات فتجزئه كفارة واحدة أو لا تتداخل فيجب عليه كفارة لكل يمين على النحو الآتي: ١ - فيرى الحنفية والشافعية والحنابلة في قول لكل منهم أنه إذا كرر الأيمان على فعل واحد أو حلف يمينًا واحدة على عدة أشياء كما لو حلف ألا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ثم حنث في أحدها فعليه كفارة واحدة؛ لأن الكفارات تتداخل، أما إذا كرر الأيمان على عدة أفعال ثم حنث فيها فعليه كفارة لكل يمين. ٢ - ويرى المالكية: أن من حلف على أمور شتى بيمين واحدة أن كفارته

стр. 1509

كفارة يمين واحدة كالجمهور، أما إذا حلف بأيمان شتى على شيء واحد فإن الكفارة تتعدد بعدد الأيمان، كما إذا حلف أيمانًا شتى على أشياء مختلفة، وكذلك من حلف في يمين واحدة بأكثر من صفتين من صفات الله تعالى بقوله والله السميع العليم فإن عليه كفارات بعدد الصفات الواردة في اليمين (١). الراجح: نرى أن الراجح هو قول الجمهور؛ لأن الكفارات تتداخل في ذلك بخلاف تكرار الأيمان على عدة أفعال، فيلزمه كفارة لكل حنث في يمين: قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "من كرَّر أيمانًا قبل التكفير فروايات، ثالثها وهو الصحيح: إن كانت على فعل فكفارة وإلا فكفارات" (٢). وقت إخراج الكفارة: لا يجوز تقديم الكفارة على اليمين باتفاق الفقهاء؛ لأنه تقديم للحكم قبل سببه. وقد اختلف الفقهاء في وقت الكفارة هل تتقدم الحنث في اليمين أو تكون بعده: ١ - فقال أبو حنيفة وهو رواية في مذهب مالك: لا تتقدم الكفارة الحنث، وإنما تكون بعد وقوعه؛ لأن الحنث هو السبب فلا تتقدم عليه. ٢ - وقال الشافعي وأحمدُ وهو رواية في مذهب مالك: يجوز تقديمها على الحنث لحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال: "يا عبد الرحمن إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير" (٣).

стр. 1510

وروي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وسلمان (١). الراجح: هو جواز تقديم الكفارة على الحنث أو تأخيرها بعده لحديث عبد الرحمن بن سمرة، حيث ورد فيه تقديم الكفارة على الحنث كما هو عند البخاري ومسلمٌ (٢)، وورد التأخير كما هو في لفظ البخاري: "فأت الذي هو خير وكفر عن يميك"، ولأن الحنث شرط لوجوب الكفارة وليس سببًا، وإنما السبب اليمين وذلك كتعجيل الزكاة بعد تمام النصاب وقبل الحول، وإذا تقدمت سميت تحلة اليمين وإذا تأخرت سميت كفارة اليمين. التأويل في اليمين: معنى التأويل: أن يقصد بكلامه معنى محتملًا يخالف ظاهره نحو أن يحلف أنه أخي يقصد أخوة الإِسلام. للمتأول في اليمين ثلاث حالات: ١ - أن يكون مظلومًا: مثل أن يستحلفه ظالم على شيء، لو صدقه لظلمه أو ظلم غيره، فهذا يقبل تأويله، دليل ذلك ما رواه سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ -ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، فحلفت أنه أخي فخلى سبيله، فأتينا رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "أنت أبرُّهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم" (٣). ٢ - أن يكون الحالف ظالمًا: كالذي يستحلفه الحاكم على حق عنده فهذا
следующие страницы →