أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١).
وأما السُّنة: فقول النبي ﷺ : "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" (٢).
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى.
قال ابن هبيرة: "واتفقوا على أن الكفارة تجب عند الحنث في اليمين على أي وجه كان، من كونه طاعة أو معصية أو مباحًا" (٣).
والكفارة واجبة على التخيير ابتداء والترتيب انتهاء، فالحالف إذا حنث وجب إحدى ثلاث وهو مخير بين فعلها وهي:
١ - إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من بر أو تمر أو أرز (٤)، ونحوهما من قوت البلد.
٢ - كسوة عشرة مساكين، وهي تختلف من بلد إلى بلد حسب ما يلبسه الرجال والنساء.
стр. 1507
٣ - تحرير رقبة.
فإن عجز عن هذه الثلاث وجب عليه صيام ثلاثة أيام متتابعات.
قال في المغني: "أجمع أهل العلم على أن الحانث في يمينه بالخيار بين فعل أي من هذه الخصال؛ لأن أو للتخيير فإن عجز عن الثلاث انتقل إلى الترتيب ووجب عليه صيام ثلاثة أيام" (١).
ولا يجوز له الصيام قبل العجز عن أداء الخصال الثلاث، فإن بدأ بالصيام ثم وجد الإطعام فهل يترك الصيام ويطعم؟ في ذلك قولان لأهل العلم:
عمل ما حلف عليه ناسيًا:
إذا حلف ألا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا فقد اختلف الفقهاء في ذلك:
١ - فيرى أبو حنيفة ومالك وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد أنه يحنث وعليه الكفارة؛ لأنه فعل ما حلف عليه قاصدًا لفعله، فلزمه الحنث كالذاكر.
٢ - ويرى الشافعي وأحمدُ في رواية لكل منهما أن الناسي لا يحنث بفعله ولا كفارة عليه.
الراجح: أن الناسي لا يحنث بفعله ما حلف عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢).
ولقول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٣)، وهو في ذلك غير قاصد للمخالفة فلا كفارة عليه.
стр. 1508
عمل ما حلف عليه مكرهًا:
إن المكره على الفعل لا يخلو إما أن يكون مكرهًا ملجأ إليه: مثل أن يحلف ألا يدخل دارًا فحُمِل فأدخلها ولم يمكنه الامتناع، فيرى أبو حنيفة: أنه لا يحنث ولا كفارة عليه، وهو قول مالك وأحمدُ وهو الصحيح.
وإما أن يُكرَه على الفعل بالضرب والتهديد بالقتل ونحوه، فهذا يختلف فيه الفقهاء فيرى أبو حنيفة ومالك: أنه يحنث إن عمل ما حلف عليه مكرهًا بذلك؛ لأن الكفارة لا تسقط بالشبهة، ويرى أحمد وهو قول للشافعي أنه لا يحنث لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١)، وعمله ذلك نوع إكراه فلا يحنث به (٢)، وهو الصحيح -إن شاء الله-.
تعدد الكفارة:
إذا حلف الإنسان أيمانًا وحنث فيها فقد اختلف الفقهاء هل تتداخل الكفارات فتجزئه كفارة واحدة أو لا تتداخل فيجب عليه كفارة لكل يمين على النحو الآتي:
١ - فيرى الحنفية والشافعية والحنابلة في قول لكل منهم أنه إذا كرر الأيمان على فعل واحد أو حلف يمينًا واحدة على عدة أشياء كما لو حلف ألا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ثم حنث في أحدها فعليه كفارة واحدة؛ لأن الكفارات تتداخل، أما إذا كرر الأيمان على عدة أفعال ثم حنث فيها فعليه كفارة لكل يمين.
٢ - ويرى المالكية: أن من حلف على أمور شتى بيمين واحدة أن كفارته
стр. 1509
كفارة يمين واحدة كالجمهور، أما إذا حلف بأيمان شتى على شيء واحد فإن الكفارة تتعدد بعدد الأيمان، كما إذا حلف أيمانًا شتى على أشياء مختلفة، وكذلك من حلف في يمين واحدة بأكثر من صفتين من صفات الله تعالى بقوله والله السميع العليم فإن عليه كفارات بعدد الصفات الواردة في اليمين (١).
الراجح: نرى أن الراجح هو قول الجمهور؛ لأن الكفارات تتداخل في ذلك بخلاف تكرار الأيمان على عدة أفعال، فيلزمه كفارة لكل حنث في يمين: قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "من كرَّر أيمانًا قبل التكفير فروايات، ثالثها وهو الصحيح: إن كانت على فعل فكفارة وإلا فكفارات" (٢).
وقت إخراج الكفارة:
لا يجوز تقديم الكفارة على اليمين باتفاق الفقهاء؛ لأنه تقديم للحكم قبل سببه. وقد اختلف الفقهاء في وقت الكفارة هل تتقدم الحنث في اليمين أو تكون بعده:
١ - فقال أبو حنيفة وهو رواية في مذهب مالك: لا تتقدم الكفارة الحنث، وإنما تكون بعد وقوعه؛ لأن الحنث هو السبب فلا تتقدم عليه.
٢ - وقال الشافعي وأحمدُ وهو رواية في مذهب مالك: يجوز تقديمها على الحنث لحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال: "يا عبد الرحمن إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير" (٣).
стр. 1510
وروي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وسلمان (١).
الراجح: هو جواز تقديم الكفارة على الحنث أو تأخيرها بعده لحديث عبد الرحمن بن سمرة، حيث ورد فيه تقديم الكفارة على الحنث كما هو عند البخاري ومسلمٌ (٢)، وورد التأخير كما هو في لفظ البخاري: "فأت الذي هو خير وكفر عن يميك"، ولأن الحنث شرط لوجوب الكفارة وليس سببًا، وإنما السبب اليمين وذلك كتعجيل الزكاة بعد تمام النصاب وقبل الحول، وإذا تقدمت سميت تحلة اليمين وإذا تأخرت سميت كفارة اليمين.
التأويل في اليمين:
معنى التأويل: أن يقصد بكلامه معنى محتملًا يخالف ظاهره نحو أن يحلف أنه أخي يقصد أخوة الإِسلام.
للمتأول في اليمين ثلاث حالات:
١ - أن يكون مظلومًا: مثل أن يستحلفه ظالم على شيء، لو صدقه لظلمه أو ظلم غيره، فهذا يقبل تأويله، دليل ذلك ما رواه سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ -ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، فحلفت أنه أخي فخلى سبيله، فأتينا رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "أنت أبرُّهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم" (٣).
٢ - أن يكون الحالف ظالمًا: كالذي يستحلفه الحاكم على حق عنده فهذا
стр. 1511
ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف ولا ينفع الحالف تأويله لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" (١)، ولأنه لو ساغ التأويل لبطل المعنى المبتغى باليمين، وصار التأويل وسيلة إلى جحد الحقوق، قال في المغني (٢): "ولا نعلم في هذا مخالفًا".
٣ - ألا يكون ظالمًا أو مظلومًا: فإنه يرجع في اليمين إلى نية الحالف ويقبل تأويله في ذلك إذا كان اللفظ يحتمل مما نواه، وذلك أخذًا من قوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى"، فتدخل فيه الأيمان، فإن لم يكن نوى شيئًا فيرى الحنابلة أنه يرجع إلى سبب اليمين وما أثارها لدلالة ذلك على النية وإن عدمت النية والسبب رجع في اليمين إلى ما تناوله الاسم شرعًا، ثم ما تناوله الاسم عرفًا، وبعد ذلك ما تناوله الاسم لغة.
* ويذهب الحنفية: إلى أن اليمين ينصرف إلى العرف إذا لم يكن للحالف نية ثم يراعى المعنى اللغوي بعد ذلك.
* ويرى المالكية: أن تراعى نية الحالف، فإن لم يكن له نية روعي بساط يمينه وهو السبب على اليمين، وإلا فيعتبر العرف، فإن لم يكن فتحمل اليمين على الظاهر اللغوي.
* ويرى الشافعية: أن الاعتبار بنية الحالف أولًا، فإن لم يكن فالعبرة بظاهر اللفظ ثم يتبع العرف إذا كان مطردًا (٣).
стр. 1512
ومن هذا يتبين أن الفقهاء يتفقون على اعتبار النية أولًا، فإن لم تكن نية فيرى بعضهم تقديم السبب وبعضهم تقديم العرف، وهذه اجتهادات في الأولى في الترتيب بينها ولا مانع منه، والله أعلم.
الحلف بغير الله تعالى:
لا يجوز الحلف بغير الله تعالى وصفاته عند الفقهاء، نحو أن يحلف بأبيه أو الكعبة أو الملائكة أو غيرهم، وذلك لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (١).
ولحديث: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (٢).
قال ابن عبد البر: وهذا أصل مجمع عليه، ومن حلف بغير الله تعالى فقد عظَّم غير الله تعظيمًا يشبه تعظيم الرب ﵎ ولهذا سُمِّي شركًا لكونه أشرك مع الله غيره في تعظيمه بالقسم به (٣).
стр. 1513
ثانيًا: باب النذور
تعريف النذر لغة؛ مصدر نذرت أنذِرُ بضم الذال وكسرها، أي أوجبت على نفسي شيئًا لم يكن واجبًا علي (١).
واصطلاحًا: هو إلزام مكلف مختار نفسَهُ لله تعالى شيئًا غيرَ لازم بأصل الشرع بكل قول يدل عليه (٢).
أركان النذر:
للنذر ثلاثة أركان: الناذر والمنذور وصيغة النذر (٣).
شروط النذر:
١ - أن يكون الناذر بالغًا عاقلًا، فلا يصح نذر الصبي والمجنون؛ لأنهم غير مكلفين لقوله ﷺ "رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ" (٤).
٢ - أن يكون الناذر مسلمًا، وذلك عند الحنفية والمالكية، والصحيح من مذهب الشافعية، ويرى الحنابلة صحة النذر من الكافر ويقضيه إذا أسلم لحديث عمر ﵁: إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة فقال النبي ﷺ : "أوف بنذرك" (٥). وهذا نذر في الجاهلية وقام بوفائه في الإِسلام.
стр. 1514
٣ - أن يكون الناذر مختارًا غير مكره لحديث: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١).
٤ - ألا يكون المنذور واجبًا؛ لأنه واجب عليه بدون النذر، ولا يصح التزام ما هو لازم أصلًا، وهذا قول أكثر الفقهاء، ويرى طائفة منهم وهو رواية عن أحمد أنه ينعقد وعليه الكفارة إن لم يقم بالواجب.
٥ - ألا يكون المنذور مستحيلًا، كنذر صوم يوم أمس.
٦ - أن يلفظ فيه بالقول، ولا يكفي فيه مجرد النية (٢).
حكم النذر:
اختلف العلماء في النذر لله تعالى على النحو الآتي:
١ - يرى الحنابلة أن إيجاب الإنسان على نفسه بالنذر شيئًا غير واجب مكروه لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل" (٣).
ولأنه يثقل على نفسه بهذا النذر، والأولى بالمسلم أن يفعل الخير بدون نذر ولو كان مستحبًا لفعله النبي ﷺ وأفاضل أصحابه.
والنذر لا يرد من قضاء الله شيئًا, ولكن قد يصادف موافقة المطلوب، فيظن الناذر أنه بسببه وليس ذلك صحيحًا، وإذا أوجب على نفسه شيئًا بالنذر، فإنه يجب عليه الوفاء بشروطه.
стр. 1515
٢ - ويرى المالكية أن النذر المطلق مستحب، وهو ما أوجبه الناذر على نفسه شكرًا لله تعالى على ما حصل ووقع من نعمة أو دفع من نقمة كمن نجَّاه الله من كربة أو شفي مريضه أو رَزَقه مالًا أو علمًا ويجب على الناذر الوفاء بنذره.
٣ - ويرى الحنفية أن النذر الصحيح قربة مشروعة، وهو ما يراه الشافعي في نذر التبرر وهو ما يقصد به الناذر فعل قربة من صلاة أو صيام ونحوه وهو مأخوذ من البر؛ لأن الناذر يطلب به البر والتقرب إلى الله تعالى، وهو مكروه في نذر اللجاج وهو ما يقع حال المخاصمة والغضب (١).
والأصل في الوفاء بالنذر:
الكتاب والسنة والإجماع والمعقول:
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٢).
وأما السُّنة: فما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (٣).
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به (٤).
وأما المعقول: فإن المسلم يحتاج أن يتقرب إلى الله تعالى بنوع من القرب المقصودة، لما يترتب عليها من نيل الثواب عليها في الآخرة، فيلزم نفسه بها جهادًا لنفسه ليفوز بعاقبتها الحميدة.
стр. 1516
ولا بد أن يكون النذر لله تعالى؛ لأنه نوع من العبادة، ولا يجوز صرفها لغير الله تعالى، سواء كان لملك أو نبي أو ولي أو غير ذلك.
أقسام النذر:
يذكر الفقهاء أقسامًا متعددة ويمكن حصرها فيما يأتي:
١ - نذر الطاعة والتبرر: كالتزام طاعة في مقابل نعمة استجلبها، أو نقمة استدفعها كقوله: إن شفاني الله فلله علي صوم شهر، فهذا القسم يجب الوفاء به للآيات والأحاديث الواردة في الباب. وإن عجز الناذر عن الوفاء بالنذر؟ لكونه لا يطيق الوفاء لكبر أو لمرض لا يرجى برؤه ونحوه، فإن عليه كفارة يمين وتبرأ ذمته بذلك لقول ابن عباس ﵄: "من نذر نذرًا لا يطيق فكفارته كفارة يمين" رواه أبو داود، وقال: وقفه من رواه على ابن عباس (١).
٢ - نذر اللجاج والغصب: وهو ما علق بشرط يخرج مخرج اليمين للحث على فعل شيء أو المنع منه أو التصديق أو التكذيب، فهذا يخير الناذر بين فعل المنذور أو كفارة يمين إذا وقع ما تم التعليق عليه.
٣ - النذر المطلق: كقوله الناذر لله، علي نذر ولم يسم شيئًا، وهذا تجب فيه كفارة يمين لحديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسم كفاره يمين" (٢).
٤ - النذر المباح: كقوله: لله علي أن ألبس ثوبي أو أركب سيارتي، فيرى الحنفية والحنابلة أنه مخير بين فعله وكفارة يمين؛ لما روى أن امرأة أتت النبي ﷺ
стр. 1517
فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال رسول الله ﷺ : "أوفِ بنذرك" (١).
ويرى المالكية والشافعية أنه لا ينعقد نذره، وبناء عليه يباح الوفاء به وتركه وليس على من تركه كفارة لحديث أن النبي ﷺ : رأى رجلًا يهادي بين اثنين فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يحج ماشيًا فقال: "إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليركب" (٢).
ولم يأمره بكفارة، وهذا هو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية.
الراجح: هو القول بانعقاد النذر للأحاديث الواردة في ذلك، ولأنه لو حلف على فعل مباح برَّ بفعله فكذلك إذا نذره؛ لأن النذر كاليمين، وأما حديث الذي نذر الحج ماشيًا فإنَّ النبي ﷺ قد ذكر الكفارة في موضع آخر فيكون ترك ذكرها في غيره إحالة إلى ما علم عنها فيما سبق والله أعلم.
٥ - نذر المكروه: كنذر الطلاق ونحو ذلك، وحكم هذا النذر أنه يستحب أن يكفر كفارة يمين ليخرج من عهدة النذر ولا يفعله فإن فعله فلا كفارة عليه لأنه وفى بنذره.
٦ - نذر المعصية: كشرب الخمر وأكل الحرام ونحوه وحكم هذا أنه لا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء؛ لأن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، ولكن اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة عليه، فيرى أبو حنيفة وأحمدُ في رواية أنه يجب عليه كفارة يمين، ويرى مالك والشافعيُّ وهو رواية عن أحمد أنه لا كفارة عليه لحديث: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (٣)، ولم يأمره بالكفارة.
стр. 1518
الأكل من النذر:
إذا نوى الناذر الأكل من نذره أو اشترط ذلك فله الأكل منه وإلا فلا (١).
الراجح: نرى أن الراجح هو القول بأن عليه كفارة يمين لقوله ﷺ : "لا نذر
في معصية وكفارته كفارة يمين" (٢)، وهو إن لم يبين أن عليه الكفارة في أحاديث فقد بينها في أحاديث غيرها.
الجمع في النذر بين الطاعة وغيرها:
إذا نذر الإنسان فعل طاعة وما ليس بطاعة، فإنه يلزمه فعل الطاعة أما غير الطاعة فإنه يترتب عليه ما يناسبه مما ذكرنا من كونه مباحًا أو مكروهًا أو معصية (٣).
стр. 1519
الفِقهُ الميَسَّر
كتاب الجنايات
стр. 1520
كتاب الجنايات
التعريف اللغوي: الجنايات مفردها جناية، وهي في اللغة: الذنب والجرم، وتطلق على التعدي على بدن، أو مال أو عرض (١).
واصطلاحًا: هي التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا أو كفارة (٢).
وبعض الفقهاء يطلق عليها كتاب الجراح؛ لغلبة وقوعها به، ويسمى الفقهاء الجناية على الأموال غصبًا وسرقة وإتلافًا (٣).
حكم الجنايات:
أن تحريم الجنايات ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٥).
وأما السُّنة: فمنها ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يحِلُّ دمُ امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٦).
стр. 1521
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق (١).
وأما القياس: فإن الله شرع القصاص لمصلحة البشر، إذ لو لم يشرع قتل الجاني لأهلك الناس بعضهُم بعضًا, ولذا تنتشر جريمة القتل في المجتمعات التي استبعدت عقوبة الإعدام للقاتل، وتقل بحمد الله في البلدان التي تحكم بقتل القاتل كما تقضي شريعة الله في ذلك قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).
أقسام الجنايات:
تنقسم الجناية إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الجناية على النفس بالقتل.
الثاني: الجناية على ما دون النفس، وتشمل الجناية على الأطراف والمنافع كما تشمل الجروح والشجاج.
الثالث: الجناية على الجنين، وهو نفسٌ إلا أنه غير مكتمل الحياة، وبذلك يفترق عن الجناية على النفس وذلك بأن تُضرب حامل فتلقى جنينًا ميتًا، وفي ذلك تجب الغرة وهي نصف عشر الدية وسيأتي الكلام عن ذلك في الديات -إن شاء الله-.
الأول: الجناية على النفس:
١ - ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الجناية على النفس تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
أ - القتل العمد: وهو أن يقصد من يَعلْمُه آدميًا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به.
стр. 1522
ب- القتل شبه العمد: وهو أن يقصد الفعل والشخص بما لا يقتل غالبًا كالضرب بالعصا الصغيرة والسوط ونحوها فتؤدي إلى موته.
ج- القتل الخطأ: أن يفعل ما له فعله فيقتل إنسانًا، مثل أن يرمي صيدًا فيصيب آدميًا معصومًا لم يقصده فيقتله، أو يقتل مسلمًا في صف كفار يظنه كافرًا.
٢ - وذهب الحنفية إلى أن الجناية على النفس خمسة أقسام بزيادة (٤) القتل بالتسبب كحافر البئر، فيقع فيه إنسان فيموت. (٥) ما أجرى مجرى الخطأ كنائم انقلب على رجل فقتله.
٣ - وذهب مالك في رواية إلى أن القتل نوعان: عمد وخطأ (١)، ولا ثالث لهما؛ لأنه لم يرد في كتاب الله إلا العمد والخطأ.
٤ - ويرى بعض الحنابلة أن أقسام القتل أربعة بزيادة ما أجري مجرى الخطأ كقتل النائم والقتل بالسبب.
الراجح: إن الراجح هو القول بأن القتل ثلاثة أنواع لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ﷺ قال: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" (٢).
أما القتل بالتسبب وما أجرى مجرى الخطأ فهما داخلان في القتل الخطأ.
وهذا التقسيم أفضل من حيث بيان الحكم الشرعي والأثر المترتب عليه.
стр. 1523
الأثر المترتب على القتل:
١ - يترتب على القتل العمد ثلاثة أمور هي:
أ - القَودَ: وهو قتل القاتل إذا توافرت شروط وجوب القصاص، وقد دلت الآيات والأحاديث على ذلك قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١).
وروى أبو هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ فقال: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظيرين إما يودي وإما يقاد" (٢).
ولأولياء المقتول قبول الدية أو العفو عن القاتل كما جاء في حديث أبي شريح الخزاعي، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصيب بدم أو خَبْل (٣) فهو بالخيار بين إحدى ثلاث؛ فإن أراد الرابعة (٤) فخذوا على يديه، أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية" (٥).
ب- أن القاتل قد ارتكب في قتله كبيرة من كبائر الذنوب، قال البغوي: "هو أكبر الكبائر بعد الكفر وقد نص على ذلك الشافعي في كتاب الشهادات في المختصر" (٦).
وتوبة القاتل عمدًا مقبولة عند جمهور العلماء لعمومِ الأدلة ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ
стр. 1524
مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، وقال ابن عباس: لا تقبل توبته لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٣)، وهي من آخر ما نزل ولم ينسخها شيء (٤).
الراجح: إن الراجح هو القول بقبول توبة القاتل عمدًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥)، فجعله الله داخلًا في المشيئة وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٦)، وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: "أن رجلًا قتل مائة رجل ظلمًا، ثم سأل: هل له من توبة؟ فدل على عالم، فسأله فقال ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن اخرج إلى القرية الصالحة، فاعبد الله فيها، فخرج تائبًا، فأدركه الموت في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فبعث الله إليهم ملكا فقال: قيسوا ما بين القريتين فإلي أيهما كان أقرب فاجعلوه من أهلها فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فجعلوه من أهلها" (٧).
ولأن التوبة تصح من الكفر، فمن القتل أولى والآية محمولة على من لم يتب.
وقبول توبة القاتل عمدًا لا يسقط حق المقتول بل يبقي حقه يستوفيه يوم
стр. 1525
القيامة، قال ابن القيم (١)، التحقيق أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق:
الأول: حق الله تعالى ويسقط بالتوبة النصوح.
الثاني: حق ولي الدم ويسقط بالاستيفاء أو الصلح أو العفو.
الثالث: حق المقتول يعوضه الله عن حقه الثابت ويصلح بينه وبين قاتله إن تاب القاتل.
ج- حرمان القاتل من ميراث المقتول إذا كان من ورثته (٢).
٢ - ويترتب على القتل شبه العمد ثلاثة آمور هي:
أ - دية مغلظة تتحملها عاقلة القاتل لشبهه بالخطأ من حيث أنه قصد الفعل ولم يقصد القتل.
ب- يجب فيه كذلك كفارة في مال الجاني.
ج- الإثم وذلك لأنه قتل نفسًا حرم الله قتلها إلا بالحق وعليه التوبة الصادقة مما وقع فيه.
جاء في حديث أبي هريرة ﵁: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ... فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها" (٣)، قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنها على العاقلة" (٤).
стр. 1526
٣ - ويترتب على القتل الخطأ أمران:
وجوب الدية على العاقلة (١)، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٢).
ودليل وجوب دية قتل الخطأ على عاقلة القاتل حديث أبي هريرة ﵁: "قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة وأن العقل على عصبتها" (٣). فشبه العمد والخطأ تكون الدية فيهما على عاقلة القاتل وذلك من باب التعاون بين العصبة في تحمل الواجبات، وقد يكون فيه دفع وإبعاد للجاني حتى لا يتكرر منه أو من غيره ما وقع.
وجوب الكفارة في مال القاتل جاء في فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز: "الواجب في قتل الخطأ شبه العمد عتق رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين" (٤).
ومن القتل الخطأ ما لو قتل مسلما بين الكفار يظنه كافرًا فهذا لا تجب فيه الدية وإنما تجب الكفارة فقط (٥).
لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٦).
стр. 1527
شروط وجوب القصاص:
١ - أن يكون القاتل بالغًا عاقلًا، فلا يقتص من صبي ومجنون وعمدهما خطأ والمرأة والرجل في ذلك سواء، لعموم الأدلة الواردة في وجوب القصاص ومنها قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١)، وثبت أن النبي ﷺ "قتل يهوديًا رض رأس امرأة من الأنصار" (٢)، وقال في الإفصاح: "واتفقوا على أن الرجل يقتل بالمرأة والمرأة تقتل بالرجل" (٣).
٢ - أن يقصد القاتل القتل فإن لم يقصد القتل فلا قصاص، لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٤).
٣ - أن يقتل بما يغلب على الظن موت المقتول به.
٤ - أن تكون الأداة التي استعملت في القتل مما يقتل بها غالبًا.
٥ - المكافأة بين المقتول وقاتله وقت الجناية بأن يساويه في الدين والحرية.
القتل مع الإكراه:
للفقهاء في ذلك عدة أقوال:
١ - فيرى أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي أن القصاص على الآمر دون المأمور إذا كان الآمر صاحب سلطان لأنه إكراه ملجئ ويعاقب المأمور على فعله لحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٥).
стр. 1528
ولأن المأمور آلة للمكره بالكسر فصار كما لو ضربه به.
٢ - وفي قول عند الشافعية أن القصاص على المكره بالفتح لأنه مباشر والمكره بالكسر متسبب والمباشر أقوى من المتسبب.
٣ - ويرى جمهور الفقهاء من المالكية والحنابلة أنهما يقتلان جميعًا المكرِه والمكرَه لأن القاتل قصد استبقاء نفسه بقتل من لا يحل له قتله وهذا لا يعفيه من تحمل مسؤولية فعله (١).
والآمر المكرِه قد تعدى بإكراهه القاتل.
الراجح: نرى أن القول بقتل المكرِه والمكرَه جميعًا هو الصحيح لما ذكره الجمهور ولأن ذلك أبلغ في الزجر والردع حفظًا لحياة الناس.
الاشتراك في القتل:
إذا اشترك جماعة في قتل واحد فما الحكم؟
اختلف في ذلك الفقهاء:
١ - يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عند الحنابلة أنه إذا اشترك جماعة في قتل شخص واحد فعليهم القصاص لما روى سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا" (٢)، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فصار ذلك إجماعًا.
стр. 1529
٢ - ويرى بعض الفقهاء ومنهم ابن الزبير والزهري وابن سيرين وهو رواية عند الحنابلة أن الجماعة لا يقتلون بالواحد وإنما تجب عليهم الدية؛ لأن الله تعالى شرط المساواة في القصاص ولا مساواة بين الجماعة والواحد.
٣ - ويرى بعضهم وهو مروى عن معاذ بن جبل وابن الزبير وابن سيرين والزهري أنه يقتل واحد منهم ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية لقول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١)، فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة؛ لأن كل واحد منهم مكافئ له فلا تستوفي أبدال ببدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد (٢).
الراجح: نرى أن قتل الجماعة بالواحد هو الصحيح لما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ ولما روى عن علي ﵁ أنه "قتل ثلاثة قتلوا رجلًا" (٣). ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة فصار إجماعًا.
ولأن القصاص عقوبة تجب على الواحد فتجب للواحد على الجماعة كحد القذف وغيره، ولأنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى ذلك إلى التعاون على سفك الدماء وهو ما يتعارض مع ما يهدف إليه الإِسلام من سن القصاص وتشريعه قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٤).
стр. 1530
قتل الغيلة:
الغيلة لغة: الغِيلة بكسر الغين وسكون الياء يقال قُتِل غيلة أي على غفلة من المقتول وغَّرة.
واصطلاحًا: هو القتل على وجه المخادعة والحيلة.
حكم قتل الغيلة: اختلف العلماء في قتل الغيلة:
١ - فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية إلى أنه يوجب القتل قصاصًا كسائر أنواع القتل عمدًا وعدوانًا، وعليه يكون الحق في قتل الجاني لأولياء الدم، من ورثة القتيل أو عصبته فيجب تنفيذه إن اتفقوا على ذلك ويسقط بعفوهم، أو عفو بعضهم.
٢ - وذهب المالكية إلى أنه يوجب قتل الجاني حدًا لا قودًا فيتولى تنفيذه السلطان أو نائبه ولا يسقط بعفو أحد لا السلطان ولا غيره.
الأدلة:
١ - استدل جمهور الفقهاء بأدلة من الكتاب والسنة والقياس.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (١).
ومن السنة: قوله ﷺ : "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إما أن يأخذوا العقل أو أن يقتلوا" (٢)، وهذه الأدلة عامة في القصاص سواء أكان قتل غيلة أو غيره.
стр. 1531
وأما القياس: فإن القتل في الغيلة ليس في حرابة فكان كسائر أنواع القتل العمد في إيجاب القصاص وقبول العفو لعدم الفارق.
٢ - واستدل من قال يقتل الجاني في قتل الغيلة حدًا فلا يسقط بالعفو من السلطان أو غيره بالكتاب والسنة والقياس.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١).
ومن السنة: ما ثبت أن رسول الله ﷺ : "قتل يهوديًا رضَّ رأس جارية بين حجرين" (٢)، فقد قتله النبي ﷺ ولم يجعل ذلك إلى أولياء الجارية، فدل ذلك على أنه قتله حدًا لا قودًا.
وما ثبت أن عمر ﵁ "أمر بقتل جماعة اشتركوا في قتل غلام في صنعاء غيلة ولم ينقل أنه استشار أحدًا من أولياء الدم" (٣)، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان إجماعًا.
وأما القياس: فإن القتل غيلة يقع في الغالب عن خداع وحيلة فكان كالحرابة (٤).
الراجح: نرى أن حكم قتل الجاني في قتل الغيلة حد لا قصاص ولا يسقط بعفو أحد، لأن في ذلك مراعاة لحق المجتمع والمحافظة على أمنه وسدًا لذريعة
стр. 1532
الفوضى في الدماء، وأما عموم النصوص التي ذكرها الجمهور فتحمل على ما عدا قتل الغيلة وبهذا قال ابن تيمية وابن القيم وقد أخذ بذلك مجلس هيئة كبار العلماء في السعودية حيث صدر قراره رقم (٣٨) بتاريخ ١١/ ٨ / ١٣٩٥ هـ باعتبار أن القاتل في قتل الغيلة يقتل حدًا لا قصاصًا وأنه لا يصح فيه العفو من أحد.
قتل السكران:
إذا شرب المكلف خمرًا أو غيره مما يغيب عقله بإرادته فقتل إنسانًا عمدا فإنه يعتبر متعديًا وعليه القصاص، وقد أوجب الصحابة عليه حد القذف وإذا وجب الحد فالقصاص المتمحض حق آدمي أولى، ولأنه يفضى إلى أن يصير عصيانه سببًا لإسقاط العقوبة عنه.
قتل الوالد بولده:
١ - ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعيُّ وأحمدُ إلى أن الوالد لا يقتل بولده لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد الوالد بالولد" (١).
وقال الألباني: "وطرق الحديث تدل بمجموعها على أن الحديث صحيح ثابت" (٢).
وبه قال عمر بن الخطاب وربيعة الثوري والأوزاعي وإسحاق، ولأن الولد جزء من والده، والأم والأب في ذلك سواء.
٢ - وذهب الإمام مالك إلى أنه إن أضجعه وذبحه أقيد به وإلا لم يقد به.
стр. 1533
الراجح: نرى أن الراجح هو قول الجمهور وهو أنه لا يقتل الوالد بولده، للحديث الذي أوردوه، قال ابن عبد البر: "هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به، عن الإسناد فيه، حتى يكون الإسناد فيه مع شهرته تكلفا".
قتل المسلم بالكافر:
يقتل الكافر بالمسلم ولا يقتل المسلم بالكافر لحديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقتل مسلم بكافر" (١)، وذلك لأن الكافر غير مكافئ للمسلم في الدين، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعيُّ وأحمدُ.
وذهب أبو حنيفة إلى أن المسلم يقتل بالذمي ولا يقتل بالكافر الحربي؛ لأن النصوص جاءت بعقوبة القصاص عامة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣).
الراجح: هو عدم جواز قتل المسلم بالكافر لحديث علي المذكور وغيره وفي ذلك تخصيص للأدلة العامة التي احتج بها الحنفية.
قتل الحر بالعبد:
اختلف العلماء في ذلك:
١ - يرى جمهور الفقهاء: أنه لا يقتل حر بعبد مطلقًا لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (٤)؛ لأن ذلك للحصر فلا يقتل الحر بغير الحر ولكن يغرم الحر قيمة
стр. 1534
العبد مهما بلغت.
٢ - ويرى أبو حنيفة أنه يقتل الحر بالعبد لعموم آية القصاص ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١)، إلا أنه إذا كان سيده فلا يقاد به.
الراجح: هو أنه لا يقتل حر بعبد سواء كان سيده أو غيره لما أورده الجمهور (٢)، ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل حر بعبد" (٣)، وما روى عن عمر ﵁ أنه قال: لو لم أسمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد المملوك من مولاه، والوالد من ولده" لأقدته منك (٤).
أنواع القتل العمد:
للقتل العمد صور متعددة تختلف بخلاف وسيلة القتل منها:
١ - أن يضربه بما له نفوذ في البدن كالسيف والسكين ونحو ذلك مما يجرح قال في المغني "لا خلاف فيه بين العلماء فيما علمناه".
٢ - أن يضربه بمثقل كبير كالحجر ونحوه ودليل ذلك حديث أنس ﵁ "أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر، فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين" (٥). أو يضربه بحجر صغير ويكون في مقتل ففيه القود.
٣ - أن يمنع خروج نفسه إما بخنقه بحبل أو بيديه أو سد مجرى النفس بوسادة ونحوها فإذا مات من ذلك في فترة يموت في مثلها غالبًا فهو عمد فيه القصاص.
стр. 1535
٤ - أن يلقيه في قفص حيوان مفترس كأسد ونمر، ومعلوم أن مثل ذلك يقتل غالبًا، فعلى من ألقاه القصاص لأنه قتل عمد.
٥ - أن يلقيه في ماء يغرقه أو نار لا يمكنه التخلص منهما، فهذا عمد لأنه يقتل غالبًا.
٦ - أن يحبسه ويمنع عنه الطعام والشراب فيموت جوعًا أو عطشًا في فترة يموت فيها غالبًا، فهذا قتل عمد يجب عليه القود والقصاص.
٧ - أن يسقيه سمًا أو يطعمه شيئًا قاتلًا فيموت به فهو عمد موجب للقود إذا كان مثله يقتل غالبًا، وذلك لحديث: "اليهودية التي سمت النبي ﷺ وبعض الصحابة في طعام، حيث ذكر أبو سلمه أن بشر بن البراء مات فأمر النبي ﷺ بها فقتلت" (١).
٨ - أن يقتله بسحر يقتل غالبًا ففيه القصاص.
٩ - أن يشهد عليه شهود بما يوجب قتله من قتل أو ردة فيقتل ثم يرجع الشهود عن شهادتهم فإنهم يقتلون به لأنهم أدوا إلى قتله بما يقتل غالبًا عمدًا عدوانًا (٢).
وهذه الصور تعتبر من القتل العمد عند جمهور الفقهاء "وعلى القاتل القصاص"، وهو الصحيح لما أوردوا من أحاديث ولأنه لو لم يعد ذلك عمدًا لأدى إلى تفنن المحتالين بأساليب القتل لئلا ينفذ فيهم القصاص وهذا يؤدي إلى تفشي القتل في المجتمع وقد أغلق الإسلام كافة الأسباب والوسائل المؤدية إليه
стр. 1536
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١).
شروط استيفاء القصاص:
استيفاء القصاص هو فعل مجني عليه أو وليه بجانٍ عامدٍ مثل ما فعل أو شبهه.
وتنفيذ القصاص لا يكون إلا بعد استيفاء شروط معينة وهي:
١ - أن يكون مستحق القصاص مكلفًا، فإن كان المستحق صغيرًا أو مجنونًا لم يستوفه لهما وليهما؛ لأن القصد التشفي والانتقام ولا يحصل لهما باستيفاء غيرهما، فيجب الانتظار في تنفيذ القصاص ويحبس الجاني إلى حين بلوغ الصغير وإفاقة المجنون؛ لأن معاوية ﵁ حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر عليه فكان إجماعًا (٢)، وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد، ويرى أبو حنيفة ومالك وهو رواية عن أحمد أن للكبار العقلاء استيفاؤه (٣). لأن الحسن بن علي قتل ابن ملجم قصاصًا وفي الورثة صغار فلم ينكر عليه ذلك (٤).
الراجح: أن ينتظر بلوغ الصغير؛ لأنه قصاص ثبت لجماعة فلم يجز لأحدهم استيفاؤه استقلالًا وقد يعفو الصغير إذا بلغ، وقد رغب الإسلام في العفو لما فيه من إعتاق نفس.
стр. 1537
أما واقعة ابن ملجم فقد قيل إنه قتل إما لكفره وإما لسعيه في الأرض بالفساد، فيكون حرابة والحسن بن علي هو ولي الأمر.
٢ - أن يتفق الأولياء المستحقون على استيفائه؛ لأن الاستيفاء حق لهم جميعًا وليس لبعضهم استيفاؤه دون بعض.
٣ - أن يؤمن في الاستيفاء من التعدي إلى غير القاتل كما إذا كانت المرأة حاملًا فإنه ينتظر إلى أن تضع حملها لأن قتلها يتعدى إلى الجنين وهو برئ (١). لما روى ابن ماجه (٢). بسنده عن عبد الرحمن بن غنم قال حدثنا معاذ بن جبل وأبو عبيدة ابن الجراح وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالوا: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا قتلت المرأة عمدًا فلا تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملًا وحتى تكفل ولدها ... ".
بم يثبت القتل ؟
يثبت القتل بأحد أمرين:
١ - الإقرار وهو اعتراف القاتل بقتله المجني عليه وذلك بإجماع الفقهاء.
٢ - شهادة رجلين عدلين (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٤).
стр. 1538
قال ابن هبيرة في الإفصاح: "واتفقوا على أنه إذا شهد بالقتل شهود ولم يرجعوا عن شهادتهم أن ذلك نافذ يعمل به" (١).
صفة القصاص:
اختلف الفقهاء في ذلك:
١ - فذهب الجمهور من المالكية والشافعية وهو رواية في مذهب الحنابلة إلى أن القاتل يقتل بما قتل به لأن ذلك مقتضى المساواة والمماثلة وإن غرقه أو خنقه فإنه يفعل به مثل ما فعل بالمجني عليه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٢). ولأن النبي ﷺ "رضخ رأس يهودي لرضخه رأس جارية من الأنصار بين حجرين" (٣).
٢ - وذهب الحنفية وهو رواية في مذهب الحنابلة إلى أن القصاص لا يستوفي إلا بآلة ماضية كسيف وسكين لقوله ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (٤)، ولما روى عن النبي ﷺ قال: "لا قود إلا بسيف" (٥).
الراجح: نرى أن يفعل بالجاني كما فعل بالمجني عليه للأدلة التي أوردها الجمهور واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، جاء في إعلام الموقعين (٦): "والكتاب والميزان على أنه يفعل بالجاني كما فعل بالمجني عليه كما فعل النبي ﷺ "وإن قتله بمحرم فإنه يقتل بالسيف فقط"، ومثل قتل السيف في
стр. 1539
الوقت الحاضر قتله بإطلاق الرصاص عليه ممّن يحسن الرمي (١).
من يقيم تنفيذ القصاص:
يتفق الأئمة الفقهاء على أن إقامة القصاص في القتل من مسؤوليات وواجبات السلطان وولاة الأمر (٢). لأن الله خاطب جميع المؤمنين بالقصاص فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٣).
ولا يتهيأ للمؤمنين أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود، ولا يجوز للولي أن يتسلط على القاتل بدون إذن السلطان لأن فيه فسادًا وبعثًا للأحقاد والعداوات واستمرار الأخذ بالثأر مما يبعث على الفوضى وتهديد الأمن. وقد جاء ذلك في الفتوى رقم (١٨٨٠٤) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية.
الصلح عن القصاص بأكثر من الدية:
حيث إن القصاص حق لأولياء القتيل وليس هو حق مالي، فلهم أن يصالحوا عليه القاتل أو أولياءه بأي قدر سواء أكان مساويًا للدية أو أقل أو أكثر منها، ويدل لجواز ذلك ما يأتي:
١ - ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل عمدًا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، ثلاثين حقه وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وما صالحوا عليه فهو لهم" (٤).
стр. 1540
٢ - أن الصلح بأكثر من الدية صلح بعوض عن غير مال، فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه كالصداق وعوض الخلع، قال ابن قدامة: "أن من له القصاص له أن يصالح عنه بأكثر من الدية وبقدرها وأقل منها لا أعلم فيه خلافا" (١).
سقوط القصاص:
إذا وجب القصاص حقًا لأولياء المقتول فإنه ينفذ بشروطه التي ذكرناها، ويسقط القصاص بأحد الأسباب الآتية:
١ - عفو أولياء المقتول جميعًا أو أحدهم بشرط أن يكون من صدر منه العفو بالغًا عاقلًا قال ابن هبيرة في الإفصاح: "واتفقوا على أنه إذا عفا أحد الأولياء من الرجال سقط القصاص وانتقل الأمر إلى الدية".
٢ - موت القاتل أو فقد العضو الذي جنى به، فإنه يسقط القصاص لعدم إمكان تنفيذه وينتقل إلى الدية عند الشافعية والحنابلة؛ لأن حقوق الأولياء معلقة بالرقبة أو في الذمة وقد فات أحدهما فوجب الآخر، وعند الحنفية والمالكية لا تجب الدية لأن حقوقهم كانت معلقة في الرقبة وقد فاتت.
٣ - مصالحة الأولياء أو بعضهم أو المجني عليه في الأطراف والجروح للجان أو غيره بالدية أو أكثر منها (٢).
ثانيًا الجناية فيما دون النفس:
يجب القصاص فيما دون النفس إذا توافرت شروطه، ويتم تنفيذ ذلك وفقًا
стр. 1541
لما يتم تنفيذ القصاص به في النفس من حيث المماثلة والمكافأة والمساواة.
ودليل القصاص فيما دون النفس الكتاب والسنة والإجماع والقياس:
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١).
وأما السنة: فما روى أنس ﵁ قال: كسرت الربيع ثنية جارية من الأنصار، فقال النبي ﷺ : "كتاب الله القصاص" (٢).
وأما الإجماع: فقد أجمعوا على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن.
وأما القياس: فإن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه لأنه خلق وقاية للنفس فشرع الجزاء حماية له.
أنواع الجناية على ما دون النفس:
إن الجناية على ما دون النفس أنواع هي:
أولًا: الجناية على الأطراف:
وذلك إما بقطعها أو إتلافها كالعين والأنف والأذن والسن واليد والرجل وغيرها فيؤخذ بها ما يماثلها من الجاني وقد أجمع أهل العلم على جريان القصاص في الأطراف (٣).
стр. 1542
ثانيًا: جناية الجروح التي يقع فيها القصاص:
وهي التي تنتهي إلى عظم لإمكان الاستيفاء فيها بلا حيف ولا زيادة وذلك كالموضحة وهي التي توضح العظم لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١)، وأما ما عداها فلا قصاص فيه كالجائفة وهي التي تصل إلى باطن الجوف لعدم الأمن من الحيف والزيادة ولما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا قود في المأمومة ولا في الجائفة ولا في المنقلة (٢) " (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "القصاص في الجراح ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة، فإذا شجه فله شجه كذلك، فإذا لم يمكن مثل أن يكسر عظمًا باطنًا أو شجه دون الموضحة فلا يشرع القصاص بل تجب الدية".
قال في الإفصاح: "وأجمعوا على أن الموضحة فيها القصاص إذا كانت عمدًا"، فأما فوق الموضحة فلا قصاص فيها قال في المغني (٤): "فأما فوق الموضحة فلا نعلم أحدًا أوجب فيها القصاص إلا ما روى عن ابن الزبير أنه أقاد في المنقلة وليس بثابت" قال ابن النذر: "لا أعلم أحدًا خالف ذلك".
وأما ما دون الموضحة: فإن الفقهاء يتفقون على أنه لا قصاص فيها إلا في الدامية والباضعة والسمحاق (٥) فقد اختلفوا فيها على النحو الآتي:
١ - فذهب الحنفية والمالكية وهو رواية عند الشافعية إلى أنه يجب القصاص في السمحاق والباضعة والدامية وذلك لأنه يمكن استيفاء المثل فيها بأن يقيس
стр. 1543
أهل الطب طول الجرح وعرضه وعمقه ويشقون مقداره في الجارح.
٢ - وذهب الشافعية في قول لهم والحنابلة إلى أنه لا قصاص فيها؛ لأنه لا يؤمن فيها الزيادة عن الجرح.
الراجح: نرى أن قول الحنفية والمالكية أولى، ولا سيما أنه قد تقدم الطب في العصر الحاضر بحيث يمكن تنفيذ مثل الجرح تمامًا عن طريق الطبيب المختص وبأدق الأجهزة، فيؤمن الحيف بالزيادة عن الجرح، وفي ذلك إذهاب لحقد المجني عليه وأوليائه وتشفٍ من الجاني كما أنه يؤدي إلى الزجر ويمنع حدوث الجناية إذا علم أن ذلك مصيره.
ثالثًا: جناية إبطال المنافع:
وهي التي لا يترتب عليها إزالة طرف أو جرح وإنما تؤدى إلى إبطال منفعة، كإزالة العقل وإبطال السمع والبصر والشم والذوق ونحوها.
فيرى أبو حنيفة أنه لا قصاص وإنما الدية لأنه لا يمكن استيفاء المثل، ويرى المالكية والشافعية والحنابلة أنه يقتص من الجاني في ذلك بمثل فعله فإن ذهبت المنفعة المماثلة لجنايته وإلا أبطلت المنفعة بطريقة لا تؤدي إلى ذهاب عينه أو قطع عضو فيه (١).
ونظرًا لتقدم الطب في الوقت الحاضر حيث يمكن استيفاء المثل في إبطال بعض المنافع من سمع وبصر وشم وذوق وغيرها من دون ضرر على غيرها، ولذا فمن المناسب القول بالقصاص فيها.
стр. 1544
والقول بالقصاص يوافق أهداف الشارع الحكيم من القصاص وهو تشفي المجني عليه من الجاني والزجر والردع لمن تسول له نفسه عمل شيء من ذلك، ولو لم يشرع القصاص في ذلك لأدى إلى كثرة الجنايات في مثل ذلك ولا سيما أنه يمكن قيام الجاني بإذهاب المنفعة من المجني عليه بطرق مأمونة على نفسه إذا علم أنه لا قصاص عليه فيها، والله أعلم.
شروط القصاص في الأطراف والجراح:
يشترط علاوة على شروط القصاص في النفس شروط أخرى ليتم استيفاء القصاص في الأطراف والجروح:
١ - الأمن من الحيف: بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه، أو أفاد الأطباء أن ذلك ممكن بدون زيادة، وإلا لم يجز القصاص، فلا قصاص في كسر عظم غير السن إذا لم يمكن المماثلة ولا قصاص في الجائفة وهي التي تصل إلى باطن الجوف ولا يؤمن الحيف في مثل ذلك.
٢ - المماثلة في الاسم والموضع: فلا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين لعدم المساواة في الاسم ولا يؤخذ خنصر ببنصر من الأصابع للاختلاف في الاسم.
٣ - استواء طرفي الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال، فلا يؤخذ عضو صحيح بعضو أشل ولا تؤخذ عين صحيحة بعين لا تبصر لعدم التساوي، ويجوز أخذ العضو الناقص بالعضو الكامل إذا رغب المقتص لأنه أخذ بعض حقه، وله أخذ الدية بدل القصاص إن لم يرغب ذلك (١).
стр. 1545
وقت تنفيذ القصاص فيما دون النفس:
١ - يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة أن وقت تنفيذ القصاص في الأطراف والجروح إنما يكون بعد أن يتم برؤها وشفاؤها لحديث جابر ﵁ قال: "ونهى النبي ﷺ أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح" (١).
وفي تأخير التنفيذ إلى الشفاء مصلحة للمجني عليه، إذ قد تسرى الجناية وتمتد إلى طرف آخر أو إلى النفس، فلو اقتص قبل البرء ثم سرت الجناية بعد ذلك فلا شيء للمجني عليه لما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني، فقال: "حتى تبرأ" ثم جاء إليه فأقاده، ثم جاء إليه فقال يا رسول الله: قد عرجت، قال: "نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك"، ثم نهى رسول الله ﷺ "أن يقتص من جرح حتى يبرأ منه صاحبه" (٢).
٢ - ويرى الشافعية أن وقت ذلك على الفور إن أمكن؛ لأن موجب القود الإتلاف والنبي ﷺ في حديث عمرو بن شعيب المذكور قد اقتص من الجاني قبل البرء عند ما طلبه المجني عليه كما جاء في الحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃: أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال أقدني فقال: "حتى تبرأ"، ثم جاء إليه فقال: أقدني فأقاده (٣).
الراجح: نرى رجحان ما ذهب إليه الجمهور بتحديد وقت القصاص في الأطراف والجراح بما بعد شفائها لما أوردوه من أدلة، ولأن ذلك فيه مصلحة