← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

لما يتم تنفيذ القصاص به في النفس من حيث المماثلة والمكافأة والمساواة. ودليل القصاص فيما دون النفس الكتاب والسنة والإجماع والقياس: فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١). وأما السنة: فما روى أنس ﵁ قال: كسرت الربيع ثنية جارية من الأنصار، فقال النبي ﷺ : "كتاب الله القصاص" (٢). وأما الإجماع: فقد أجمعوا على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن. وأما القياس: فإن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه لأنه خلق وقاية للنفس فشرع الجزاء حماية له. أنواع الجناية على ما دون النفس: إن الجناية على ما دون النفس أنواع هي: أولًا: الجناية على الأطراف: وذلك إما بقطعها أو إتلافها كالعين والأنف والأذن والسن واليد والرجل وغيرها فيؤخذ بها ما يماثلها من الجاني وقد أجمع أهل العلم على جريان القصاص في الأطراف (٣).

стр. 1542

ثانيًا: جناية الجروح التي يقع فيها القصاص: وهي التي تنتهي إلى عظم لإمكان الاستيفاء فيها بلا حيف ولا زيادة وذلك كالموضحة وهي التي توضح العظم لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١)، وأما ما عداها فلا قصاص فيه كالجائفة وهي التي تصل إلى باطن الجوف لعدم الأمن من الحيف والزيادة ولما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا قود في المأمومة ولا في الجائفة ولا في المنقلة (٢) " (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "القصاص في الجراح ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة، فإذا شجه فله شجه كذلك، فإذا لم يمكن مثل أن يكسر عظمًا باطنًا أو شجه دون الموضحة فلا يشرع القصاص بل تجب الدية". قال في الإفصاح: "وأجمعوا على أن الموضحة فيها القصاص إذا كانت عمدًا"، فأما فوق الموضحة فلا قصاص فيها قال في المغني (٤): "فأما فوق الموضحة فلا نعلم أحدًا أوجب فيها القصاص إلا ما روى عن ابن الزبير أنه أقاد في المنقلة وليس بثابت" قال ابن النذر: "لا أعلم أحدًا خالف ذلك". وأما ما دون الموضحة: فإن الفقهاء يتفقون على أنه لا قصاص فيها إلا في الدامية والباضعة والسمحاق (٥) فقد اختلفوا فيها على النحو الآتي: ١ - فذهب الحنفية والمالكية وهو رواية عند الشافعية إلى أنه يجب القصاص في السمحاق والباضعة والدامية وذلك لأنه يمكن استيفاء المثل فيها بأن يقيس

стр. 1543

أهل الطب طول الجرح وعرضه وعمقه ويشقون مقداره في الجارح. ٢ - وذهب الشافعية في قول لهم والحنابلة إلى أنه لا قصاص فيها؛ لأنه لا يؤمن فيها الزيادة عن الجرح. الراجح: نرى أن قول الحنفية والمالكية أولى، ولا سيما أنه قد تقدم الطب في العصر الحاضر بحيث يمكن تنفيذ مثل الجرح تمامًا عن طريق الطبيب المختص وبأدق الأجهزة، فيؤمن الحيف بالزيادة عن الجرح، وفي ذلك إذهاب لحقد المجني عليه وأوليائه وتشفٍ من الجاني كما أنه يؤدي إلى الزجر ويمنع حدوث الجناية إذا علم أن ذلك مصيره. ثالثًا: جناية إبطال المنافع: وهي التي لا يترتب عليها إزالة طرف أو جرح وإنما تؤدى إلى إبطال منفعة، كإزالة العقل وإبطال السمع والبصر والشم والذوق ونحوها. فيرى أبو حنيفة أنه لا قصاص وإنما الدية لأنه لا يمكن استيفاء المثل، ويرى المالكية والشافعية والحنابلة أنه يقتص من الجاني في ذلك بمثل فعله فإن ذهبت المنفعة المماثلة لجنايته وإلا أبطلت المنفعة بطريقة لا تؤدي إلى ذهاب عينه أو قطع عضو فيه (١). ونظرًا لتقدم الطب في الوقت الحاضر حيث يمكن استيفاء المثل في إبطال بعض المنافع من سمع وبصر وشم وذوق وغيرها من دون ضرر على غيرها، ولذا فمن المناسب القول بالقصاص فيها.

стр. 1544

والقول بالقصاص يوافق أهداف الشارع الحكيم من القصاص وهو تشفي المجني عليه من الجاني والزجر والردع لمن تسول له نفسه عمل شيء من ذلك، ولو لم يشرع القصاص في ذلك لأدى إلى كثرة الجنايات في مثل ذلك ولا سيما أنه يمكن قيام الجاني بإذهاب المنفعة من المجني عليه بطرق مأمونة على نفسه إذا علم أنه لا قصاص عليه فيها، والله أعلم. شروط القصاص في الأطراف والجراح: يشترط علاوة على شروط القصاص في النفس شروط أخرى ليتم استيفاء القصاص في الأطراف والجروح: ١ - الأمن من الحيف: بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه، أو أفاد الأطباء أن ذلك ممكن بدون زيادة، وإلا لم يجز القصاص، فلا قصاص في كسر عظم غير السن إذا لم يمكن المماثلة ولا قصاص في الجائفة وهي التي تصل إلى باطن الجوف ولا يؤمن الحيف في مثل ذلك. ٢ - المماثلة في الاسم والموضع: فلا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين لعدم المساواة في الاسم ولا يؤخذ خنصر ببنصر من الأصابع للاختلاف في الاسم. ٣ - استواء طرفي الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال، فلا يؤخذ عضو صحيح بعضو أشل ولا تؤخذ عين صحيحة بعين لا تبصر لعدم التساوي، ويجوز أخذ العضو الناقص بالعضو الكامل إذا رغب المقتص لأنه أخذ بعض حقه، وله أخذ الدية بدل القصاص إن لم يرغب ذلك (١).

стр. 1545

وقت تنفيذ القصاص فيما دون النفس: ١ - يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة أن وقت تنفيذ القصاص في الأطراف والجروح إنما يكون بعد أن يتم برؤها وشفاؤها لحديث جابر ﵁ قال: "ونهى النبي ﷺ أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح" (١). وفي تأخير التنفيذ إلى الشفاء مصلحة للمجني عليه، إذ قد تسرى الجناية وتمتد إلى طرف آخر أو إلى النفس، فلو اقتص قبل البرء ثم سرت الجناية بعد ذلك فلا شيء للمجني عليه لما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني، فقال: "حتى تبرأ" ثم جاء إليه فأقاده، ثم جاء إليه فقال يا رسول الله: قد عرجت، قال: "نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك"، ثم نهى رسول الله ﷺ "أن يقتص من جرح حتى يبرأ منه صاحبه" (٢). ٢ - ويرى الشافعية أن وقت ذلك على الفور إن أمكن؛ لأن موجب القود الإتلاف والنبي ﷺ في حديث عمرو بن شعيب المذكور قد اقتص من الجاني قبل البرء عند ما طلبه المجني عليه كما جاء في الحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃: أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال أقدني فقال: "حتى تبرأ"، ثم جاء إليه فقال: أقدني فأقاده (٣). الراجح: نرى رجحان ما ذهب إليه الجمهور بتحديد وقت القصاص في الأطراف والجراح بما بعد شفائها لما أوردوه من أدلة، ولأن ذلك فيه مصلحة

стр. 1546

للمجني عليه في المحافظة على حقه لئلا تسرى الجناية على غيرها من طرف أو نفس قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الانتظار بالجرح حتى يبرأ (١). والله اعلم. موت المقتص منه بسبب قود الجرح: (استيفاء القصاص) يرى الفقهاء أن سراية الجناية على النفس وما دونها مضمونة لأنها أثر الجناية، والجناية مضمونة فكذلك أثرها، فلو مات المجني عليه بسبب جناية عليه في الطرف أو الجرح فإن الجاني يضمن ذلك وعليه القصاص. أما إذا مات المقتص منه بسبب استيفاء المجني عليه للقصاص من الجاني فلا شيء على المستوفي لأن سراية القود غير مضمونة، وهذا عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمَّد من الحنفية وهو مروى عن أبي بكر وعمر وعلي ﵃. ويرى أبو حنيفة والشعبي والنخعي والزهري أنه لا قصاص عليه للشبهة وتجب الدية وذلك لأنها سراية قطع مضمون فكانت مضمونة كسراية الجناية (٢). الراجح: نرى أن الراجح هو قول الجمهور لما روى عن عمر وعلي ﵄ قال: "من مات من حدٍ أو قصاصٍ لا دية له الحق قتله" (٣).

стр. 1547

الفِقهُ الميَسَّر كتاب الديات

стр. 1548

كتاب الديات التعريف في اللغة: الديات جمع دية وهي مصدر ودي القاتل القتيل يديه دية: إذا أعطى المال الذي هو بدل النفس (١). وفي الاصطلاح: هي المال المؤدى إلى مجني عليه أو وليه بسبب جناية (٢). الأصل في مشروعية الديات: الأصل في مشروعية الديات الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٣). وأما السُّنة: فروى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم كتابًا إلى أهل اليمن، فيه الفرائض والسنن والديات، وقال فيه: "وإنَّ في النَّفْسِ مئة من الإبل" (٤). قال ابن عبد البر: وهو كتاب مشهور عند أهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه في أحاديث كثيرة. وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة (٥).

стр. 1549

أقسام الدية: تنقسم الدية إلى دية النفس ودية ما دون النفس. أولًا: دية النفس: تنقسم دية النفس إلى: ١ - دية القتل العمد: تكون دية القتل العمد إذا لم تتوافر شروط القصاص أو سقط بسبب من الأسباب كالعفو، وهي دية مغلظة، وتجب دية العمد في مال القاتل ولا تتحملها العاقلة لقول النبي ﷺ : "لا يجني جان إلا على نفسه" (١). ولأنه يجب بدل المتلَف على المتلِف، ويجب أن يختص الجاني بضرر جنايته؛ لأنها أثر فعله، جاء في المغني: "أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل" (٢). ويرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة: أنها تجب حالة؛ لأنه لا يستحق التخفيف والرفق به لقيامه بالقتل عمدًا. ويرى أبو حنيفة: أن الدية تجب في ثلاث سنين؛ لأنها دية آدمي فكانت مؤجلة كدية شبه العمد. الراجح: إن دية العمد تكون حالة غير مؤجلة، فهي كالقصاص إذا وجب دون مانع منه، ولا تكون مثل دية شبه العمد؛ لأن القاتل فيه معذور خلافًا للعامد، وفي دية شبه العمد والخطأ تخفيف على العاقلة الذين حملوا أداء الدية مواساة.

стр. 1550

٢ - دية القتل شبه العمد: تجب دية شبه العمد مغلظة لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا، مئة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها" (١). ويرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم أن دية شبه العمد تجب في مال عاقلة الجاني لحديث أبي هريرة ﵁ قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها" (٢). ويرى بعض الفقهاء كابن سيرين وأبي ثور أنها على القاتل في ماله؛ لأنها موجب فعل قصده ولأنها دية مغلظة فأشبهت دية العمد فلم تحملها العاقلة كالعمد المحض. الراجح: من ذلك يتبين أن مذهب الجمهور أقوى وأولى للحديث المتفق على صحته. أجل دية شبه العمد: تجب دية شبه العمد مؤجلة في ثلاث سنين، قال ابن قدامة في المغني (٣): "ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافًا بين أهل العلم"، وقد روى عن عمر وعلي ﵄ "أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين ولا مخالف لهما في عصرهما فكان إجماعًا"، وهو مذهب الفقهاء الأربعة، والسبب في ذلك أنها تجب على غير

стр. 1551

الجاني على سبيل المواساة له، فاقتضت الحكمة تخفيفها عليهم. ٣ - دية القتل الخطأ: تجب دية الخطأ على عاقلة الجاني مؤجلة على ثلاث سنين، وقد جعلت كذلك لأن جنايات القتل الخطأ كثيرة، وإيجابها في مال الجاني يضر به، فجعلت على العاقلة مواساة للقاتل وتخفيفًا عنه؛ لأنه معذور، وقد يكون في إيجابها في مال الجاني إذا كان لا يستطيع اجحافًا في حق أولياء المجني عليه، إذ قد لا يتمكن من دفع الدية والعاقلة يمكنها ذلك موزعة عليهم، وقد يقال إن العاقلة مسؤولة عن حفظ القاتل، وقد فرطوا في حفظه من القتل فيتحملون نتيجة تفريطهم. قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنها على العاقلة" (١). وتكون الدية مؤجلة على ثلاث سنين، لإجماع الصحابة ﵃ على ذلك فإنه روي أن عمر ﵁ قضى بذلك بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينقل أنه خالفه أحد فيكون إجماعًا (٢). وألحق مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي في قراره رقم (٧١) حوادث السير بالجنايات، فتطبق عليها أحكامها المقررة في الشريعة الإِسلامية وهي في الغالب من قبيل الخطأ ولا يعفى السائق من المسؤولية إلا في حالات ورد ذكرها في القرار، كما أن مفتى المملكة العربية السعودية ورئيس قضاتها سابقًا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ قد أفتى بمثل ذلك فيما يحدث من حوادث السيارات، وما ينشأ من الأطباء عند إجراء العمليات الجراحية من

стр. 1552

حوادث الوفيات (١). ثانيًا: دية ما دون النفس: ويطلق عليها الأرش، ومن معاني الأرش: في اللغة: الدية والخدش، وما نقص العيب من الثوب ونحوه؛ لأنه سبب الأرش وما يدفع بين السلامة والعيب في السلعة (٢). وفي الاصطلاح: هو المال الواجب في الجناية على ما دون النفس (٣). وهي دية الجراحات فهو أخص من الدية، وتنقسم إلى ثلاثة أنواع: ١ - دية قطع الأطراف والأعضاء: اتفق الفقهاء على أن قطع ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف واللسان والذكر أن في ذلك دية كاملة، لما جاء في حديث عمرو بن حزم أنه ﷺ قال: "وفي الذكر الدية، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية" (٤). وأما قطع ما في الإنسان منه شيئان كالعينين والأذنين والشفتين واليدين والرجلين ففي قطعهما معًا الدية، وفي قطع أحدهما نصف الدية؛ لحديث عمرو بن حزم المذكور. وفي قطع ما في الإنسان منه أكثر من ذلك ففيه الدية كاملة وفي قطع بعضها نصيبه من الدية، وذلك بأن تقسم الدية على عدد ما في الإنسان كالأصابع حيث

стр. 1553

في كل أصبع منها عُشر الدية لحديث ابن عباس مرفوعًا: "دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل لكل أصبع" (١). ٢ - دية المنافع: والمقصود بها المال المدفوع مقابل ذهاب منافع الأعضاء مع بقاء العضو نفسه كالسمع والبصر والشم والكلام والمشي ونحوها، ففي إتلاف كل حاسة الدية كاملة لحديث عمرو بن حزم المذكور: "وفي المشام الدية"، وقد قضى عمر ﵁ في رجل ضرب رجلًا فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات والرجل حي، ولا يعرف له مخالف من الصحابة. قال في الإفصاح لابن هبيرة: "وأجمعوا على أن في ذهاب العقل والسمع الدية" (٢). ٣ - دية الشجاج والجروح: الشجاج هي ما يكون في الرأس أو الوجه، والجراح ما يكون في سائر البدن. وقد ذكر الفقهاء أن الشجاج عشرة أنواع: ١ - الحارصة: وهي التي تشق الجلد قليلًا. ٢ - الباضعة: وهي التي تشق اللحم بعد الجلد. ٣ - البازلة: وهي التي يسيل منها الدم، ويسميها الأحناف الدامعة لخروج الدم منها مثل الدمع فإن سال الدم فهي عندهم الدامية. ٤ - المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم. ٥ - السمحاق: وهي التي يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقه.

стр. 1554

وفي هذه الشجاج الخمس التي هي أقل من الموضحة دية يقدرها الحاكم (حكومة عدل) (١)؛ لأنه لم يرد فيها شيء محدد من الشارع. ٦ - الموضحة: وهي التي توضح العظم، وتكشفه وفيها خمس من الإبل. ٧ - الهاشمة: وهي التي تكشف العظم وتكسره وفيها عشر من الإبل يروى ذلك عن زيد بن ثابت ﵁ ولم يعرف له مخالف من الصحابة في عصره. ٨ - المنقلة: وهي التي توضح العظم وتكسره وتنقل العظم وفيها خمس عشرة من الإبل لحديث عمرو بن حزم: "وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل". ٩ - المأمومة: وهي التي تصل إلى الدماغ ويسميها الأحناف الآمة لأنها تصل إلى أم الدماغ. ١٠ - الدامغة: وهي التي تصل إلى الدماغ، وفي المأمومة والدامغة ثلث الدية لحديث عمرو بن حزم: "وفي المأمومة ثلث الدية" (٢)، والدامغة أشد منها فتكون من باب أولى. وذكر بعض الفقهاء الجائفة وهي التي تصل إلى باطن جوف أو ظهر أو صدر ونحوها وفيها ثلث الدية لحديث عمرو بن حزم: "وفي الجائفة ثلث الدية". كسر العظام وما يجب فيه: يجب في الضلع إذا جبر بعد كسره وفي كل واحدة من الترقوتين بعير؛ لما

стр. 1555

روي عن عمر ﵁ أنه قال: "في الضلع جمل وفي الترقوة جمل"، والترقوة هي العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف ولكل إنسان ترقوتان. وإذا لم يجبر الضلع والترقوة كما كان قبل الكسر فإنه يجب فيه حكومة. ويجب في كسر الذراع وهو الساعد الجامع لظهر الزند والعضد إذا جبر مستقيمًا وفي كسر الفخذ والساق والزند بعيران، وفي كسرهما معا أربعة من الإبل روى عن عمر ﵁ ولم يخالفه أحد من الصحابة (١). أصول الدية: أجمع الفقهاء على أن الإبل أصل من أصول الدية، لما ورد في ذكرها من الأحاديث، ثم اختلفوا فيما عداها هل هي أصول للدية كالإبل أم هي معتبرة من باب التقويم على النحو الآتي: ١ - فذهب الشافعي وهو رواية عن أحمد إلى أن الأصل في الدية الإبل فقط وذلك هو ما ورد فيه الأحاديث وما عداها فهو بديل عنها مقدر بالشرع. ٢ - وذهب أبو حنيفة والمالكية إلى أن أصول الدية ثلاثة أجناس الإبل والذهب والفضة لقول النبي ﷺ : "إن في النفس مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار" (٢). وقوله ﷺ : "وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم" (٣).

стр. 1556

٣ - وذهب أحمد في رواية وهو مروي عن أبي يوسف ومحمَّد من الحنفية وهو قول عمر بن الخطاب وفقهاء المدينة السبعة إلى أن أصول الدية خمسة: الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم وأضاف بعضهم الحُلَل، لما ورد في ذلك من أحاديث منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر قام خطيبًا فقال: "ألا أن الإبل قد غلت. قال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألفي شاة وعلى أهل الحُلَلِ مائتي حُلَّة" (١). ثمرة الخلاف: إذا قيل إن هذه كلها أصول فإنَّ الجاني أو العاقلة بالخيار في إحضار أي نوع منها، ومتى أحضره لزم الولي أو المجني عليه أخذه وعدم المطالبة بغيره، أما إذا قيل: إن الأصل الإبل فقط فعلى الجاني تقديم ذلك، ولا يلزم المجني عليه أو وليه قبول غيره. الراجح: حيث إن الأحاديث قد وردت باعتبار الإبل والذهب والفضة في الدية ومنها حديث عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن: "وأن في النفس المؤمنة مئة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار" (٢). كما أن حديث عمرو بن شعيب وفيه أن عمر قام خطيبًا وأضاف أنواعًا أخرى (البقر والغنم والحُلَل)، وعليه فإن اعتبار أصول الدية كل ما ذكر أولى لما يأتي:

стр. 1557

١ - ورود اعتبارها في الشرع كما أسلفنا. ٢ - إن في ذلك توسيعًا على الناس ولا سيما أن كثيرًا من بلاد المسلمين وغيرها لا توجد فيها الإبل. ٣ - إن من يقول: إن الأصل الإبل فقط. لا يتمسك بوجوب تقديم الإبل في الدية، وإنما يعتبر التقويم فيما تساويه من مال. ٤ - إن دفع الدية في بلاد الإسلام وغيرها إنما تدفع مالًا في الوقت الحاضر وهو أرفق بالدافع والمدفوع إليه. ٥ - وأما القول بالتغليظ في دِيّة العمد وشبه العمد، وعدم التغليظ في الخطأ وذلك يظهر جليًّا في الإبل دون غيرها فنقول: إن التقدير في ذلك ممكن في المال مع زيادة نسبة معينة عند تغليظ الدية. والله أعلم. مقدار الدية: ورد تحديد مقدار دية المسلم الحر الذكر بواحد الأنواع مما يأتي: * النوع الأول: مائة من الإبل على تفصيل يأتي فيها. * النوع الثاني: ألف دينار من الذهب. * النوع الثالث: اثنا عشر ألف درهم من الفضة وهو قول الجمهور، ويرى الحنفية أنها عشرة آلاف درهم، لما رواه الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "الدية عشرة آلاف درهم" (١)، وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعًا.

стр. 1558

والصحيح: قول الجمهور؛ لما ورد في ذلك من أحاديث ومنها حديث ابن عباس: "أن رجلًا من بني عدي قُتِل، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفًا" (١). وحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر أنه جعلها اثني عشر ألف درهم. قال ابن عبد البر: ليس لمن جعل الدية عشرة آلاف عن النبي ﷺ حديث مسند ولا مرسل، وأثر الشعبي عن عمر يخالفه أثر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر ﵃. * النوع الرابع: مئتا بقرة. * النوع الخامس: ألفا شاه. * النوع السادس: مئتي حلة. وقد صدر بتحديد الديات قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم (٥٠) وتاريخ ٣٠/ ٨ / ١٣٩٦ هـ المتضمن أن مقدارها في العمد وشبه العمد خمسة وأربعون ألف ريال، وفي الخطأ أربعون ألف ريال وذلك تقديرًا لقيمة الإبل في ذلك التاريخ، ثم جرى زيادتها بعد ذلك إلى مئة وعشرة آلاف ريال للعمد وشبه العمد، ومئة ألف ريال للخطأ وذلك استنادًا على ارتفاع قيمة الإبل. دية المرأة: اتفق الفقهاء على أن دية المرأة الحرة المسلمة هي نصف دية الذكر الحر المسلم، قال في المغني: "وحكى غيرهما عن ابن عُليَّه والأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل: وقال: هو قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي ﷺ " (٢).

стр. 1559

وقال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل، وذلك مراعاة لدور كل من الرجل والمرأة في الحياة، وما يترتب على فقده من أسرته من مصالح ومنافع حيث تتعطل مصالح أكثر في فقد الرجل، فاقتضت حكمة الشارع أن جعل ديتها على النصف من ديته؛ لتفاوت ما بينهما، كما أشار إلى ذلك ابن القيم ﵀ (١). ودية نساء أهل كل دين على النصف من دية رجالهم. ويستوي الذكر والأنثى فيما يوجب أقل من ثلث الدية من الجروح؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها" (٢)، وهو مروي عن عمر وزيد بن ثابت ﵃ ومالك والشافعيُّ في القديم وهو قول الفقهاء السبعة. وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: أنها على النصف فيما قل أو كثر، وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعيُّ في الجديد؛ لأنهما شخصان تختلف ديتهما فاختلفا في أرش أطرافهما. دية غير المسلم: ١ - يرى جمهور الفقهاء من المالكية والحنابلة أن دية الكتابي (٣) الحر الذمي والمعاهد نصف دية الحر المسلم، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "دية المعاهد نصف دية الحر" (٤). وفي لفظ: "دية عقل الكافر نصف عقل المؤمن" (٥).

стр. 1560

كما يرون أن دية الوثني والمجوسي ثمان مئة درهم لما روى ابن عدي عن عقبة ابن عامر ﵁ مرفوعًا: "دية المجوسي ثمان مئة درهم" (١)، وتعادل ١/ ١٥ من دية المسلم. ٢ - ويرى الحنفية والنخعي والشعبي أن ديتهم كدية المسلم؛ لأنه آدمي حر معصوم فأشبه المسلم لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢)، فقد أطلق الدية دون تفصيل وهذا يدل على أن الواجب في الكل واحد. ٣ - ويرى الشافعية أن دية الكتابي ثلث دية المسلم لما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف" (٣). أما النساء فديتهن نصف دية المذكور منهم. الراجح: نرى أن الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور؛ للأحاديث التي أوردوها، ولا تقوى حجج غيرهم على مخالفة تلك السنة الواردة في ذلك والله أعلم. دية العبد: ١ - يرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية وهو مذهب أحمد أن دية العبد هي قيمته ولو زادت عن دية الحر وذلك لأنه مال متقوم فيضمن بقيمته بالغة ما بلغت. ٢ - ويرى أبو حنيفة والنخعي والشعبي والثوري وهو رواية عن أحمد أن دية

стр. 1561

العبد هي قيمته على ألا تبلغ دية الحر لأن الحر أشرف لخلوه من الرق (١). دية الجنين: وتجب الدية بجناية يترتب عليها انفصال الجنين ميتًا ذكرًا كان أو أنثى، وهي غرة عبد أو أمة وهو قول أكثر أهل العلم ومنهم الفقهاء الأربعة، وذلك لحديث أبي هريرة ﵁ أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى رسول الله ﷺ : "بغرة عبد أو وليدة" (٢). مقدار دية الجنين: هي غرة عبد أو أمة، والغرة هي البياض في وجه الفرس، وهي عندهم أنفس شيء، وغزة العبد والأمة سميا بذلك؛ لأنهما من أنفس الأموال. * والغرة: هي نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل أو خمسون دينارًا وهو قول الفقهاء الأربعة، وهي حق للورثة عندهم. أما إذا ألقت الأم الجنين حيًا حياة مستقرة ثم مات نتيجة للجناية، ففيه دية كاملة؛ لأنه قتلُ إنسان حيٍّ، فإن كان ذكرًا ففيه دية الذكر، وإن كان أنثى ففيه ديتها. من يتحمل دية الجنين ؟ إذا مات الجنين مع أمه بجناية خطأ أو شبه عمد، فإن العاقلة تتحمل ديته مع أمه لما روى المغيرة بن شعبة ﵁ أن "رسول الله ﷺ قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة على العاقلة" (٣).

стр. 1562

أما إذا قُتِلت الأم عمدًا أو مات الجنين وحده، فإنه يكون من مال الجاني ولا تحمله العاقلة. ففي العمد دية أمه على القاتل فكذلك دية الجنين؛ لأن الجناية لا تتجزأ، أما إذا مات الجنين وحده فإن العاقلة لا تحمل ما دون ثلث الدية (١). تغليظ الدية: تكون الدية مغلظة في قتل العمد إذا سقط القود عند الجمهور، ويرى الإمام أبو حنيفة: أنه لا دية في العمد وإنما الواجب ما اصطلح عليه الطرفان ويكون حالًا غير مؤجل. ويرى الإمام مالك: أن الدية تغلظ في قتل الخطأ والعمد فيما إذا قتل الأب أو الأم ابنه فتغلظ الدية عليه لامتناع القصاص في العمد. ويرى الشافعية والحنابلة أن دية الخطأ تغلظ إذا وقع القتل في البلد الحرام أو في الشهر الحرام، ويضيف الشافعية التغليظ لذي الرحم ويضيف الحنابلة القتل حالة الإحرام لحديث ابن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أعتى الناس على الله ثلاثة: من قتل في حرم الله أو قتل غير قاتله أو قتل لذحل (٢) الجاهلية" (٣). ويرى الجمهور من الحنفية والمالكية وهو رواية عن أحمد: أنه لا تغليظ مطلقًا في الخطأ لقوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٤)، وذلك يقتضي أن

стр. 1563

تكون الدية في الخطأ واحده في كل مكان وعلى أي حال، وهو ظاهر الأخبار، وعلى ذلك العمل في المحاكم الشرعية في السعودية وهو الراجح -إن شاء الله-. مقدار تغليظ الدية: تكون الدية المغلظة في القتل العمد وشبه العمد مئة من الإبل أرباعًا خمسًا وعشرين بنت مخاض، وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين حقة، وخمسًا وعشرين جذعة (١)، لما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال: "كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ أرباعًا خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين حقة، وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين بنت مخاض"، وهذا هو قول الحنفية والمالكية والحنابلة. ويرى الشافعية -وهو قول عند الحنابلة ومحمَّد من الحنفية- أن الدية تكون أثلاثًا: ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها (٢)، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "من قُتِلَ متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهو ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة" (٣)، ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا، مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" (٤).

стр. 1564

وتكون دية الخطأ أخماسًا: عشرين بنت مخاض وعشرين ابن مخاض وعشرين بنت لبون وعشرين حقة وعشرين جذعة، وذلك لما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون بنو مخاض" (١). من يتحمل الدية إذا لم يكن للجاني عاقلة أو عجزت عن تحملها: إذا كان الجاني لا عاقلة له، أو كان له عاقلة وعجزت عن تحمل ما وجب عليها، فإن الفقهاء يرون أن يتحمل بيت المال دية المقتول لقوله ﷺ : "أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه" (٢). قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي السعودية ورئيس القضاة سابقًا ﵀: الذي يتحمله بيت المال في الديات والديون: الأولى: إذا مات أحد المسلمين وعليه دين أو دية أو غيرها، ولم يخلف وفاء، فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال كما ثبت بالأحاديث الصحيحة. الثانية: إذا جنى إنسان على آخر، وكانت الجناية خطأ أو شبه عمد، ولم تكن له عاقلة موسرة، فالمشهور من المذهب أن الدية في بيت المال. وكل مقتول جهل قاتله، كمن مات في زحمة طواف أو عند الجمرة ونحو ذلك فديته في بيت المال (٣).

стр. 1565

العفو عن الدية: يتفق الفقهاء على أن الدية تسقط بالعفو عنها لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (١)، وإذا عفا بعض الورثة دون البعض سقط حق من عفا، وبقي نصيب من لم يعفو أو يتنازل، يدفع إليه من الجاني في العمد ومن العاقلة في شبه العمد والخطأ.

стр. 1566

باب القسامة القسامة لغة: بفتح القاف وتخفيف السين مصدر أقسم إقسامًا وقسامة، والقسامة هي الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة (١). واصطلاحًا: هي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم (٢). محل القسامة: أن يوجد قتيل بمكان ولا يُعرف قاتله، ولا تقوم البينة على من قتله، ويدعى أولياء المقتول على واحد معين أنه قتله، مع وجود قرينة تشهد بذلك (٣). الأصل في القسامة: الأصل فيها السُّنة، وذلك ما روى يحي بن سعيد الأنصاري عن بشير عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج، أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر فتفرقا في النخيل، فقُتل عبد الله بن سهل، فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن وأبناء عمه حويصه ومحيصه إلى النبي ﷺ فتكلما في أمر صاحبهما، فقال النبي ﷺ : "يُقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته"، فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"، قالوا: يا رسول الله قوم كفار ضلال، قال: "فوداه رسول الله ﷺ من قبله" (٤). وما أخرجه مسلمٌ (٥) عن رجل من الأنصار ﵁: "أن رسول الله ﷺ أقر

стр. 1567

القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناس من الأنصار في قتيل ادَّعوه على اليهود"، قال ابن قتيبة: "أول من قضى بالقسامة في الجاهلية الوليد بن المغيرة فأقرها النبي ﷺ في الإسلام". قال القاضي عياض: هي أصل من أصول الشرع، مستقل بنفسه وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد (١). قال في الإفصاح: "اتفقوا على أن القسامة مشروعة في القتيل إذا وجد ولم يُعلم قاتله فتخصص بها الأدلة العامة" (٢). شروط القسامة: ١ - دعوى القتل من أولياء القتيل، واتفاقهم عليه، فإن ادَّعى بعضهم وأنكر بعضهم لم تثبت القسامة. ٢ - اتفاق الورثة في القتل العمد على عين القاتل، فلو قال بعضهم: قتله زيد وقال بعضهم: عمرو فلا قسامة (٣). ٣ - وجود اللوث وهو العداوة الظاهرة بين القتيل والمتهم بقتله، وكالقبائل التي يطلب بعضها بعضًا بالثأر، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن ذلك يتناول كل ما يغلب على الظن صحة الدعوى كتفرق جماعة عن قتيل. ٤ - أن يكون المدعي عليه القتل مكلفًا، فلا تصح الدعوى فيها على صغير ولا مجنون.

стр. 1568

٥ - إمكان القتل من المدعى عليه، وإلا فلا تسمع الدعوى كبعد المدعى عليه عن مكان الحادث وقت حدوثه. توجيه الدعوي في القسامة على غير معين: ١ - يرى الشافعية والحنابلة أن الدعوى في القسامة لا بد أن تكون على شخص بعينه لحديث: "تُقسمون على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته"، وبذلك يثبت القتل قصاصًا. ٢ - ويرى أبو حنيفة أن الدعوى في القسامة تُسمع إذا كانت على أهل مدينة أو قرية أو محلة أو أحد غير معين أو جماعة منهم بغير أعيانهم، ويستحلف منهم خمسون ويترتب عليهم ما يترتب على الواحد من حيث الإبراء والدية دون القصاص؛ لأن الأنصار ادَّعوا القتل على يهود خيبر، ولم يعينوا القاتل فسمع رسول الله ﷺ دعواهم. ٣ - ويرى أبو حنيفة والشعبي والثوري والنخعي: أن اليمين توجه إلى المدَّعى عليهم أولًا، فيحلف خمسون من أهل المحلة بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا فإذا حلفوا يغرمون الدية ولا قصاص، وذلك لما روى من أحاديث منها ما روى زياد بن أبي مريم أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني وجدت أخي قتيلًا في بني فلان فقال ﷺ : "اجمع منهم خمسين فيحلفون بأنهم ما قتلوه ولا علموا له قاتلًا"، فقال: يا رسول الله، ليس لي من أخي إلا هذا. فقال: "بل لك مئة من الإبل"، فدل الحديث على وجوب القسامة على المدعى عليهم وهم أهل المحلة لا على المدعي، وعلى وجوب الدية عليهم مع القسامة، وحديث ابن عباس ﵄ أنه قال: وجد قيل بخيبر فقال ﷺ : "أخرجوا من هذا الدم"، وقال ﷺ : "يحلفون خمسين يمينًا ثم يغرمون الدية"، وهذا نص في الباب؛ لأن النبي ﷺ غرمهم الدية لا القصاص.

стр. 1569

وكذلك ما روي عن عمر وعلي ﵄ حيث ألزما أهل القرية القسامة والدية ولم ينقل الإنكار عليهما من أحد من الصحابة فيكون إجماعًا، وبناء على القاعدة في توجيه اليمين إلى المدَّعى عليهم لقول النبي ﷺ : "اليمين على المدعى عليه" (١). ٤ - ويرى الحسن: أن يستحلف المدَّعى عليهم أولًا خمسين يمينًا ويبرءون، فإن أبو أن يحلفوا استحلف خمسون من المدعين: أن حقنا قبلكم ثم يعطون الدية ولا قصاص لقول النبي ﷺ : "ولكن اليمين على المدَّعى عليه" (٢)، وذلك لأنها يمين في دعوى فوجبت في جانب المدَّعى عليه ابتداء كسائر الدعاوى (٣). الراجح: نرى أن الأولى هو القول بالبدء بأيمان المدعين، فيحلفون خمسين يمينًا يستحقون بها دم المدعى عليه بالقتل عمدًا لقوله ﷺ : "يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته" (٤). ولمسلم في صحيحه: "ويسلم إليكم"، وفي لفظ: "تستحقون دم صاحبكم"، والذي يظهر أن وقوع القسامة إنما يحدث نادرًا لكن في شرعيتها حماية للأنفس، وحتى لا يذهب دم القتيل هدرًا، إذ أن القتل إنما يحدث غالبًا في الخفاء، أما الحديث الذي احتج به من يرى توجيه اليمين إلى المدعي عليه فهو عام، وموضوع القسامة خاص فيقدم عليه، كما أن الحديث قد رواه ابن عبد البر بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة" (٥). ويعمل بهذه

стр. 1570

الزيادة؛ لأن الزيادة من الثقة مقبولة. وإن نكل المدعون فإن الحلف يتجه إلى المدعى عليه فيحلف خمسين يمينًا ويبرأ لقول النبي ﷺ : "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم" (١). كما تقدم وتجب الدية حينئذ في بيت المال؛ لئلا يضيع دم القتيل، فإن امتنع المدعى عليهم من اليمين، فإنه لا يجب القصاص؛ لأن النكول حجة ضعيفة لا يثبت بها القصاص وإنما تجب عليهم الدية لقوله ﷺ : "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب" (٢). وأما إذا لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه؛ فإن دية القتيل تدفع من بيت المال لقصة عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر حيث وداه النبي ﷺ حينما لم يحلف الأنصار ولم يقبلوا أيمان اليهود. وتكون القسامة في الاتهام بقتل العمد ويثبت بها القصاص وفي الخطأ كذلك وتثبت بها الدية. وقد ورد بشأن القسامة قرار مجلس هيئة كبار العلماء في السعودية برقم ٤١ في ١٣/ ٤ / ١٣٩٦ هـ، وقد جاء فيه: قرر المجلس بالأكثرية. أن الذي يحلف من الورثة هم الذكور العقلاء ولو واحدًا سواء كان عصبة أو لا لما في الصحيحين من حديث سهل بن أبي حثمة، ولأنها يمين في دعوى حق، فلا تشرع في حق غير المتداعين كسائر الأيمان.

стр. 1571

الفِقهُ الميَسَّر كتاب الحدود

стр. 1572

كتاب الحدود الحدود في اللغة: جمع حد وهو المنع، ويطلق على الحاجز بين الشيئيين. وسميت عقوبات المعاصي حدودًا؛ لأنها في الغالب تمنع العاصي من الوقوع في مثلها (١). وفي الاصطلاح: عقوبات مقدرة وجبت حقًا لله تعالى (٢). الأصل في مشروعيتها: الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (٣). وأما السنة: فما روى أبو ثعلبة الخشني ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرَّم حرمات فلا تنتهكوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" (٤). قال السمعاني: هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين وفروعه (٥). وما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "حَدٌّ يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحًا" (٦). وأما الإجماع: فقد وقع الإجماع على وجوب إقامة الحدود في الجملة (٧).

стр. 1573

وأما المعقول: فإن الطباع البشرية مائلة إلى قضاء الشهوة بكافة أنواعها، فاقتضت حكمة اللطيف الخبير شرع هذه الحدود؛ منعًا للفساد وزجرًا عن ارتكابه، وفي ذلك حفظ للضروريات (١) التي جاء الإسلام بحفظها، وإن في شرع حد الزنا حفظًا للأنساب وصيانة لفرش المسلمين من الفساد، وفي شرع حد الشرب صيانة لعقولهم، وفي شرع حد السرقة حفظًا لأموالهم، كما أن في شرع حد القذف صيانة لأعراضهم. شروط وجوب الحد: ١ - أن يكون مرتكب الجريمة بالغًا عاقلًا مختارًا لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ" (٢). وقوله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٣). ٢ - أن يكون مرتكب الجريمة عالمًا بالتحريم، فلا حد على من يجهل التحريم لقول عمر وعثمان وعلي ﵃: "لا حد إلا على من علمه" (٤). ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة (٥). الفرق بين الحدود والقصاص: ١ - لا يقضي القاضي بعلمه في الحدود، بخلاف القصاص وهذا مذهب جمهور العلماء.

стр. 1574

٢ - الحدود لا تورث وأما القصاص فيورث، وفي حد القذف خلاف بين الفقهاء. ٣ - لا يصح العفو في الحدود في الجملة ويصح في القصاص. ٤ - لا تجوز الشفاعة في الحدود بعد وصولها للحاكم وتجوز في القصاص (١)، لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أنكر على أسامة بن زيد حين شفع في المخزومية التي سرقت فقال: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله تعالى" (٢). ويقام الحد حتى ولو تاب منه، أما إذا لم يصل إلى الحاكم فعلى المقترف لذلك الذنب التوبة والاستتار بستر الله (٣). أنواع الحدود: اتفق الفقهاء على القول بالحد في الجرائم الخمس: وهي حد كل من جريمته الزنا والقذف والسكر والسرقة وقطع الطريق ويختلفون فيما عدا ذلك، فيذهب الحنفية إلى أن الحدود ستة، بتقسيم حد السكر إلى حد الشرب للخمر خاصة وحد السكر من غيرها، ويذهب المالكية إلى أن الحدود سبعة، فيضيفون حد الردة وحد البغي (٤). من يقيم الحدود ؟ يتفق الفقهاء على أن إقامة الحدود على الأحرار من اختصاص الإمام أو نائبه، وأنه لا يجوز لأحد أن يتولى القيام بذلك، لأن النبي ﷺ كان يقيم الحدود ثم

стр. 1575

قام بها خلفاؤه من بعده، وفي إقامة الحدود من الإمام أو نائبه رعاية لمصالح المجتمع من استتباب الأمن والبعد عن الثأر والمحاباة، وقد جاء الكلام في ذلك في الفتوى رقم (١٦٨١٥) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية. وقت إقامة الحدود ومكانه: يتفق الفقهاء على أن الحد يجب إقامته في الحال ما لم يكن عذر يمنع منه كالحمل مطلقًا في كل العقوبات وكالسكر والمرض في عقوبتي القطع والجلد. وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن الحد لا يقام على حامل حتى تضع حملها لئلا يتعدى إلى الحمل، لأنه نفس محترمة لا جريمة له. وأما السكر فإن مقصود إقامة الحد الزجر، وقد لا يتحقق مع وجود السكر. وأما المرض فللرفق بالمحدود؛ لأن إقامة الحد عليه في حال المرض قد تؤدي إلى زيادة المرض أو الموت. ويقام الحد بحضور جماعة من الناس لقوله تعالى في حد الزنا ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، ليكون في ذلك إعلام للناس وزجر وردع عن الوقوع في مثل ذلك. ولا يجوز إقامة الحدود في المساجد (٢) تعظيمًا لها لما روى حكيم بن حزام أن النبي ﷺ "نهي أن يستقاد بالمسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود" (٣).

стр. 1576

تداخل الحدود: ١ - إذا اجتمعت حدود لله تعالى فيها قتل وغيره فإنه يُستوفى القتل ويسقط غيره، وهو قول عبد الله بن مسعود ولا مخالف له من الصحابة، وقال بعض الفقهاء: يستوفى جميعها؛ لأن ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل كالقصاص في الأطراف. وإذا لم يكن فيها قتل وتكررت قبل إقامة الحد وهي من جنس واحد فإنه يقام عليه الحد لمرة واحدة فقط، قال ابن المنذر: أجمع عليه كل من نحفظ عنه (١)، لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بالحد الواحد، والواجب هنا من جنس واحد فوجب التداخل كالكفارات، أما إذا كانت من أجناس مختلفة كقتل وسرقة وزنا وقذف فإنه يستوفى حد لكل منها ويبدأ بالأخف فيها. ٢ - إذا اجتمعت حدود هي حقوق لآدميين، فإنها تستوفى كلها سواء كان فيها قتل أم لم يكن فيها قتل، ويبدأ بغير القتل، لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة فيجب استيفاؤها كسائر حقوق الآدميين. ٣ - إذا اجتمعت حدود هي حقوق لله تعالى وحقوق لآدميين، فإنها يبدأ بتنفيذ حق الآدميين، الأخف منها أولًا، ثم تنفيذ الحدود التي هي حقوق الله تعالى؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة (٢).

стр. 1577

سقوط الحدود: تسقط الحدود بأمور منها: ١ - إذا كان في ثبوت الحد شبهة وذلك لقوله ﷺ : "ادرأوا الحدود بالشبهات" (١)، قال ابن حجر في التلخيص: قد روي عن غير واحد من الصحابة أنهم قالوا ذلك، وقد جاء هذا الحديث من طرق مرفوعة وموقوفة يعضد بعضها بعضًا (٢). قال ابن المنذر: "أجمعوا على درء الحد بالشبهات" (٣). ٢ - رجوع المقر بالحد عن إقراره إذا كان قد ثبت بالإقرار، وكان الحد حقًّا لله تعالى لما ورد في حديث ابن عباس ﵄ قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ قال له: "لعلك قبلت، أو غمزت أو نظرت ... " (٤). حيث لقنه النبي ﷺ ما يسقط عنه الحد. تلف المقام عليه الحد: إذا مات من أقيم عليه الحد بالطريقة المشروعة من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان على من نفذ الحد، أما إذا زاد على الوجه المشروع في إقامة الحد ثم تلف المحدود فإنه يضمنه؛ لأنه تلف بالتعدي (٥).

стр. 1578

الحدود كفارات للذنوب: ١ - يرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة أن الحد إذا أقيم فهو كفارة لمن أقيم عليه، بحيث لا يعذب في الآخرة لحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: "تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ... " وقال: "ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ... " الحديث (١). ٢ - ويرى الحنفية أن الحد غير مكفر للذنب وإنما التوبة هي التي تطهر فإذا حُدَّ ولم يتب بقي عليه إثم المعصية عندهم (٢)، كما قال الله تعالى في حد قطاع الطرق: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣). الراجح: أن الحد إذا أقيم فهو كفارة لمن أقيم عليه لحديث عبادة بن الصامت ﵁ المتفق على صحته، والذي استدل به الجمهور، وقد أخذت بذلك اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية في فتواها رقم (٦٣٤١).

стр. 1579

باب حد الزنا الزنى في اللغة: الفجور (١)، والزنى بالقصر لغة أهل الحجاز وبالمد لغة أهل نجد. واصطلاحًا: هو كل وطء وقع على غير نكاح صحيح، ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين (٢). وعرّفه آخرون بقولهم: هو فعل الفاحشة في قبل أو دبر (٣). الأصل في تشريع حرمة الزنى: الزنى من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله والقتل، ودلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٤). قال القرطبي، قال العلماء: إن ذلك أبلغ من أن يقول ولا تزنوا، ذلك أن معنى الآية لا تدنوا من الزنى (٥). أما السنة: فما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزني بحليلة

стр. 1580

جارك" (١). وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: "أجمعوا على تحريم الزنا" (٢). وأما المعقول: فإن الله قد شرع النكاح، لا فيه من الآثار والفوائد الإيجابية على الفرد والمجتمع والأمة، وحرَّم الزنى لما يترتب عليه من آثار سيئة، والتي منها إفساد نظام البيت وتدمير كيان الأسرة واختلاط الأنساب وانتشار كثير من الأمراض الخطيرة في المجتمع وإيقاع العداوة والبغضاء، مما يفرق المجتمع الذي يسعى الإسلام إلى توحيده وتأليف قلوب بعضهم لبعض؛ ليكون مجتمعًا طاهرًا عفيفًا صحيحًا معافى من كافة الأمراض الصحية والاجتماعية وغيرها؛ لتكون الأمة المسلمة كما أراد الله خير أمة أخرجت للناس في كل شؤونها. مقدار حد الزنى: وأجمع أهل الملل على تحريمه، ولهذا كان حده أشد الحدود؛ لأنه جناية على الأعراض والأنساب، ويختلف مقدار الحد بناء على كون الزانى بكرًا أو محصنًا: ١ - حد البكر: إذا ثبت زنا البكر الحر فإنه يجلد مئة جلدة رجلًا كان أو امرأة وذلك لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣). وذلك متفق عليه بين الفقهاء، قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن حد البكر الزانى الجلد" (٤).
следующие страницы →