تداخل الحدود:
١ - إذا اجتمعت حدود لله تعالى فيها قتل وغيره فإنه يُستوفى القتل ويسقط غيره، وهو قول عبد الله بن مسعود ولا مخالف له من الصحابة، وقال بعض الفقهاء: يستوفى جميعها؛ لأن ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل كالقصاص في الأطراف.
وإذا لم يكن فيها قتل وتكررت قبل إقامة الحد وهي من جنس واحد فإنه يقام عليه الحد لمرة واحدة فقط، قال ابن المنذر: أجمع عليه كل من نحفظ عنه (١)، لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بالحد الواحد، والواجب هنا من جنس واحد فوجب التداخل كالكفارات، أما إذا كانت من أجناس مختلفة كقتل وسرقة وزنا وقذف فإنه يستوفى حد لكل منها ويبدأ بالأخف فيها.
٢ - إذا اجتمعت حدود هي حقوق لآدميين، فإنها تستوفى كلها سواء كان فيها قتل أم لم يكن فيها قتل، ويبدأ بغير القتل، لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة فيجب استيفاؤها كسائر حقوق الآدميين.
٣ - إذا اجتمعت حدود هي حقوق لله تعالى وحقوق لآدميين، فإنها يبدأ بتنفيذ حق الآدميين، الأخف منها أولًا، ثم تنفيذ الحدود التي هي حقوق الله تعالى؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة (٢).
стр. 1577
سقوط الحدود:
تسقط الحدود بأمور منها:
١ - إذا كان في ثبوت الحد شبهة وذلك لقوله ﷺ : "ادرأوا الحدود بالشبهات" (١)، قال ابن حجر في التلخيص: قد روي عن غير واحد من الصحابة أنهم قالوا ذلك، وقد جاء هذا الحديث من طرق مرفوعة وموقوفة يعضد بعضها بعضًا (٢).
قال ابن المنذر: "أجمعوا على درء الحد بالشبهات" (٣).
٢ - رجوع المقر بالحد عن إقراره إذا كان قد ثبت بالإقرار، وكان الحد حقًّا لله تعالى لما ورد في حديث ابن عباس ﵄ قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ قال له: "لعلك قبلت، أو غمزت أو نظرت ... " (٤).
حيث لقنه النبي ﷺ ما يسقط عنه الحد.
تلف المقام عليه الحد:
إذا مات من أقيم عليه الحد بالطريقة المشروعة من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان على من نفذ الحد، أما إذا زاد على الوجه المشروع في إقامة الحد ثم تلف المحدود فإنه يضمنه؛ لأنه تلف بالتعدي (٥).
стр. 1578
الحدود كفارات للذنوب:
١ - يرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة أن الحد إذا أقيم فهو كفارة لمن أقيم عليه، بحيث لا يعذب في الآخرة لحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: "تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ... " وقال: "ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ... " الحديث (١).
٢ - ويرى الحنفية أن الحد غير مكفر للذنب وإنما التوبة هي التي تطهر فإذا حُدَّ ولم يتب بقي عليه إثم المعصية عندهم (٢)، كما قال الله تعالى في حد قطاع الطرق: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).
الراجح: أن الحد إذا أقيم فهو كفارة لمن أقيم عليه لحديث عبادة بن الصامت ﵁ المتفق على صحته، والذي استدل به الجمهور، وقد أخذت بذلك اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية في فتواها رقم (٦٣٤١).
стр. 1579
باب حد الزنا
الزنى في اللغة: الفجور (١)، والزنى بالقصر لغة أهل الحجاز وبالمد لغة أهل نجد.
واصطلاحًا: هو كل وطء وقع على غير نكاح صحيح، ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين (٢).
وعرّفه آخرون بقولهم: هو فعل الفاحشة في قبل أو دبر (٣).
الأصل في تشريع حرمة الزنى:
الزنى من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله والقتل، ودلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٤).
قال القرطبي، قال العلماء: إن ذلك أبلغ من أن يقول ولا تزنوا، ذلك أن معنى الآية لا تدنوا من الزنى (٥).
أما السنة: فما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزني بحليلة
стр. 1580
جارك" (١).
وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: "أجمعوا على تحريم الزنا" (٢).
وأما المعقول: فإن الله قد شرع النكاح، لا فيه من الآثار والفوائد الإيجابية على الفرد والمجتمع والأمة، وحرَّم الزنى لما يترتب عليه من آثار سيئة، والتي منها إفساد نظام البيت وتدمير كيان الأسرة واختلاط الأنساب وانتشار كثير من الأمراض الخطيرة في المجتمع وإيقاع العداوة والبغضاء، مما يفرق المجتمع الذي يسعى الإسلام إلى توحيده وتأليف قلوب بعضهم لبعض؛ ليكون مجتمعًا طاهرًا عفيفًا صحيحًا معافى من كافة الأمراض الصحية والاجتماعية وغيرها؛ لتكون الأمة المسلمة كما أراد الله خير أمة أخرجت للناس في كل شؤونها.
مقدار حد الزنى:
وأجمع أهل الملل على تحريمه، ولهذا كان حده أشد الحدود؛ لأنه جناية على الأعراض والأنساب، ويختلف مقدار الحد بناء على كون الزانى بكرًا أو محصنًا:
١ - حد البكر:
إذا ثبت زنا البكر الحر فإنه يجلد مئة جلدة رجلًا كان أو امرأة وذلك لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣).
وذلك متفق عليه بين الفقهاء، قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن حد البكر الزانى الجلد" (٤).
стр. 1581
وإنما اختلفوا في التغريب لمدة عام:
أ- فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن البكر الحر الذكر يغرب مدة عام مع الجلد لحديث عبادة بن الصامت ﵁ وفيه قال النبي ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة" (١)، وما روى الترمذيُّ (٢) من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ ضَرب وغَرَّب وأن أبا بكر ضَرب وغَرَّب، وأن عمر ضرب وغرب، أما المرأة فحكمها عند الشافعية والحنابلة حكم الرجل ويكون تغريبها مع محرم، وأما المالكية فلا يرون تغريبها؛ لأنه قد يترتب على ذلك مفسده.
ب- وقال الحنفية لا يغرب البكر مطلقًا؛ لأن التغريب منسوخ ولكن للإمام إن يفعله إن رأى في ذلك مصلحة من باب السياسة الشرعية وليس من الحد.
٢ - حد غير الحر:
إن حد غير الحر سواء كان محصنًا أو غير محصن جلد خمسين جلدة فقط ذكرًا أو أنثى ولا تغريب عليهما، لأن السنة قد وردت بالجلد فقط لما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الأمة إذا زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها"، ولم يذكر تغريبها (٣). وفي التغريب إضرار بالسيد.
كما أنه لا يرجم المحصن منهما؛ لأن الرجم لا يتنصف قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٤).
стр. 1582
٣ - حد الحر المحصن:
الإحصان هو: الوطء من مكلف حر بنكاح صحيح.
وحد الحر الزانى المحصن الرجم حتى الموت، رجلًا كان أو امرأة باتفاق الفقهاء لثبوته بما يأتي:
١ - أنه قد ورد في القرآن الكريم، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن الله تعالى بعث محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتها وعقلتها ووعيتها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجم حق على من زنى إذا أحصن ... -إلى أن قال:- وقد قرأتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم" (١).
٢ - ثبوت الرجم بسنة النبي ﷺ القولية والفعلية، فمن ذلك ما روى أبو هريرة ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ رجل من المسلمين وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه ... إلى أن قال: "فهل أحصنت؟ " قال: نعم، فقال النبي ﷺ : "اذهبوا به فارجموه" (٢). وما جاء في حديث ابن عمر ﵄ في قصة "رجم اليهوديين" (٣).
٣ - إجماع الصحابة ومن بعدهم من الفقهاء على أن حد الحر الزانى المحصن الرجم حتى الموت، قال ابن المنذر: "أجمعوا أن المرجوم يداوم عليه
стр. 1583
الرجم حتى يموت" (١).
وقال في الإفصاح (٢): "وأجمعوا على أن من كملت فيه شرائط الإحصان فزنا بامرأة مثله .. أن عليهما الرجم حتى يموتا".
قال ابن عبد البر: "وأما المحصن فحده الرجم إلا عند الخوارج، ولا يعدهم العلماء خلافًا، لجهلهم وخروجهم عن جماعة المسلمين"، وقال: "وأجمع فقهاء المسلمين وعلماؤهم من أهل الفقه والأثر من بعد الصحابة إلى يومنا هذا، أن المحصن حده الرجم" (٣).
الجمع بين الجلد والرجم:
اختلف الفقهاء في الجمع بين الجلد والرجم للمحصن:
١ - فذهب جمهور العلماء من الفقهاء الأربعة وغيرهم إلى أنه لا يجمع بين الجلد والرجم، وإنما يكتفي بالرجم فقط، وهذا المروي عن عمر وعثمان ﵄ وبه قال ابن مسعود والزهري؛ لأن الثابت أن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية ولم يجلدهما.
٢ - وذهب جماعة من بينهم ابن عباس وأبي بن كعب وأبو ذر والحسن البصري وغيرهم، وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أنه يجمع بين الجلد والرجم وذلك لحديث عبادة بن الصامت ﵁: "والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (٤).
وقد جلد ورجم علىٌّ بنُ أبي طالب ﵁.
стр. 1584
الراجح: نرى أن القول الأول هو الراجح؛ لأنه الثابت من قول الرسول ﷺ وفعله.
شروط حد الزنا:
هنالك شروط متفق عليها بين الفقهاء وشروط مختلف فيها:
فأما المتفق عليها فهي:
١ - أن يكون من صدر منه مكلفًا (بالغًا عاقلًا)، فلا حدَّ على الصبي والمجنون لقول النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصغير حتى يكبر، والمجنون حتى يفيق" (١).
٢ - إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الفرج.
٣ - أن يكون من صدر منه الفعل عالمًا بالتحريم؛ لأن الحكم لا يثبت إلا بعد العلم.
٤ - انتفاء الشبهة لقول النبي ﷺ : "ادرأوا الحدود بالشبهات" (٢).
وأما الشروط المختلف فيها:
١ - اشتراط كون الموطوءة حية ، وذلك عند جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية في غير المشهور عندهم؛ لأن الحد وجب للزجر، ونكاح الميتة مما ينفر منه الطبع، ويرى المالكية في المشهور عندهم أن واطئ الميِّتِةِ يحد حد الزنا.
٢ - كون الموطوءة امرأة ، واختلف الفقهاء في حد اللواط، وهو: فعل الفاحشة في الدبر، بعد إجماعهم على تحريمه لقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ
стр. 1585
أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (١)، وقول النبي ﷺ : "لعن الله من عمل عمل قوم لوط" ثلاثًا (٢).
أ- فذهب الجمهور من المالكية وهو أحد قولي الشافعية ورواية عن أحمد إلى أن حده الرجم بكرًا كان أم ثيبًا؛ لأن الله تعالى عذَّب قوم لوط بالرجم، فينبغي أن يعاقب من فعل فعلهم بمثل عقوبتهم، وقد قال بذلك عليُّ بن أبي طالب وابن عباس وغيرهم لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (٣).
ب- وذهب الشافعي في قوله المشهور، وهو رواية عند أحمد وأبي يوسف ومحمَّد بن الحسن من الحنفية إلى أن حدَّه حدُّ الزنى، وقد قال بذلك سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وغيرهم؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" (٤).
ومقتضى ذلك أنه إذا كان بكرًا جلد وغرب وإذا كان محصنًا رجم حتى الموت.
ج- وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا حد على من فعل ذلك؛ لأنه ليس بمحل للوطء، ولكن يعزر فإن تكرر منه قتله الإمام محصنًا أو غير محصن من باب السياسة الشرعية (٥).
стр. 1586
وطء البهيمة:
١ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية وهو أظهر أقوال الشافعي ورواية عن أحمد إلى أن من أتى البهيمة يعزر ولا حد عليه، وهو مروي عن ابن عباس وعطاء والشعبي والنخعي والحكم؛ لأنه لم يصح فيه نص ولا يمكن قياسه على الوطء في فرج آدمي، ولأن الطبع السليم يأباه فلم يحتج إلى زجر بحد.
٢ - وذهب الشافعي في أحد قوليه وهو قول الحسن البصري إلى أن حده حد الزانى فيرجم إن كان محصنًا ويجلد ويغرب إن لم يكن محصنًا.
٣ - وذهب الشافعي في قول له وهو رواية عن أحمد إلى إن حكمه حكم اللائط فيقتل لقوله ﷺ : "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" (١). والحديث يرويه عمرو بن أبي عمرو ولم يثبته أحمد وقال الطحاوي: وهو ضعيف ومذهب ابن عباس خلافه وهو الذي روى عنه قال أبو داود: هذا يضعف الحديث عنه.
وأما البهيمة فقد اختلف في قتلها:
* فيرى الحنفية والحنابلة وهو قول الشافعي أن البهيمة تقتل للحديث المذكور.
* ويرى المالكية وهو قول للشافعي أنها لا تقتل (٢)؛ لأن الحديث ضعيف لا يثبت بمثله حكم.
الاستمناء:
الاستمناء لغة: هو مصدر استمنى أي طلب خروج المني (٣).
стр. 1587
واصطللاحًا: إخراج المنى بغير جماع (١).
حكمه: اختلف الفقهاء فيه:
١ - فيرى الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أنه محرم لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٢).
٢ - ويرى الحنفية أن الاستمناء حرام إذا كان لاستجلاب الشهوة أما إذا غلبته الشهوة وليس له زوجه ولا أمة فيفعل ذلك لتسكينها فلا شيء عليه، ويرون وجوبه إذا خاف الوقوع في الزنا لارتكابه أخف الضررين وهو رواية عند الحنابلة (٣).
السحاق:
هو مباشرة دون إيلاج وهو فعل المرأة بالمرأة مثل ما يفعل بها الرجل.
حكمه: السحاق حرام باتفاق الفقهاء (٤)؛ لقول النبي ﷺ : "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" (٥).
وقد عده ابن حجر من الكبائر (٦).
стр. 1588
ولا يترتب على السحاق حد؛ لأنه مباشرة دون الفرج ولا يتضمن إيلاجًا وعليهما التعزير كما لو باشر الرجل المرأة من غير جماع، فإنه يعزر ولا حد عليه جاء ذلك في الفتوى رقم (١٧٨٦٧) من فتاوى اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية.
٣ - كون الوطء في دار الإسلام:
يرى جمهور الفقهاء أنه لا يقام عليه الحد في دار غير دار الإسلام لحديث بسر بن أرطأة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقطع الأيدي في السفر" (١)، ولأن الزنا لم ينعقد سببًا لوجوب الحد حين وجوده لعدم الولاية فلا يستوفي بعد ذلك.
ويرى الشافعية إقامة الحد في دار الحرب إن لم يخف فتنة نحو ردة المحدود والتحاقه بالكفار (٢).
الراجح: حيث إن ذلك قد يترتب عليه وقوع فتنة للمسلم في دينه فإنه يمكن القول إن تأخيره إلى رجوع من يقام عليه الحد إلى دار الإسلام هو الأولى والله أعلم.
٤ - اشتراط الإسلام لإقامة حد الزنا:
اختلف فيه الفقهاء على النحو الآتي:
١ - يرى مالك أنه لا يقام الحد إلا على مسلم، فالإسلام شرط في الإحصان، ويرى أبو حنيفة أن الذمي يحد إذا اقترف جريمة الزنا؛ لأنه بالذمة
стр. 1589
والعهد التزم أحكام الإسلام مطلقًا، إلا في قدر ما وقع الاستثناء فيه، ولم يوجد ها هنا في الزنا، أما الحربي فلا يحد لحديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن" (١)، ولأن الحربي لم يلتزم أحكام الإسلام، ورجم اليهوديين إنما كان بحكم التوراة وليس بناء على حكم الإسلام.
٢ - ويرى الشافعي وأحمدُ وأبو يوسف من الحنفية عدم اشتراط الإسلام في إقامة الحد، ويقام الحد على الذمي، "لأن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ بامرأة ورجل منهم قد زنيا، فأمر بهما فرجما" (٢).
كما يقام الحد على المستأمن؛ لأنه لما دخل دار الإسلام فقد التزم أحكام الإسلام مدة إقامته فيها فصار كالذمي (٣).
ثبوت الزنا:
يثبت الزنا بأحد الأدلة الآتية:
أولًا: الإقرار قد اتفق على ذلك الفقهاء؛ لأن الرسول ﷺ قد أخذ باعتراف ماعز والغامدية، ولكنهم اختلفوا في عدد مرات الإقرار الذي يلزم به الحد على النحو الآتي:
١ - ذهب جمهور العلماء ومنهم أبو حنيفة وأحمدُ والحكم وابن أبي ليلي إلى أنه لا بد من الإقرار أربع مرات مستدلين بحديث الباب الوارد عن أبي هريرة ﵁ فإن النبي ﷺ لم يقم الحد على ماعز إلا بعد أن أقر على نفسه أربع مرات،
стр. 1590
وقياسًا على الشهادة بالزنا حيث لا يقبل إلا أربعة شهود، ولا يشترط عندهم أن تكون الإقرارات في مجالس متعددة خلافًا للحنفية.
٢ - وذهب مالك والشافعيُّ وأبو ثور وابن المنذر إلى أنه يكفي لإقامة الحد إقرار واحد لحديث: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (١). وقد أوجب عليها الرجم وهي قد اعترفت مرة.
الراجح: لا بد من الإقرار أربع مرات لحديث أبي هريرة في قصة ماعز حيث أقر أربع مرات، ولو وجب الحد بمرة لم يعرض عنه رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى، وقد روى نعيم بن هزال في حديثه قال: حتى قالها أربع مرات، فقال رسول الله ﷺ : "إنك قد قلتها أربع مرات فبمن؟ " قال: بفلانة (٢). وهذا تعليل منه يدل على أن إقرار الأربع هي الموجبة، وما دام قد حصل احتمال في العدد فإن الأخذ بالأحوط أولى، كما في الشهادة على الزنا حيث يشترط أربعة شهود.
شروط صحة الإقرار: يشترط لصحة الإقرار بالزنى أن يصرح بحقيقة الوطء، وألا يرجع عن إقراره حتى يقام عليه الحد (٣).
فإن رجع عن إقراره سقط عنه الحد، وذلك لما ثبت من تقريره ﷺ ماعزًا مرة بعد مرة، وقوله ﷺ لما هرب ماعز: "فهلا تركتموه، لعله يتوب فيتوب الله عليه" (٤).
стр. 1591
الإقرار في الجرائم المشتركة: لو أقر أحدهما وأنكر الآخر أقيم الحد على المقر بشروطه دون المنكر منهما عند الجمهور، ويرى الحنفية أنه لا يقام الحد عليهما جميعًا؛ لأن قبول إنكار أحدهما يعد تكذيبًا للآخر.
والصحيح: إقامة الحد على المقر بشروطه دون المنكر لما روى سهل بن سعد الساعدى: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ فأقر عنده أنه زنى بامرأة، فسماها له، فبعث النبي ﷺ إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت، فجلده وتركها" (١).
ثانيًا: الشهادة: ولها شروط:
١ - أن يشهد عليه بالزنا أربعة شهود لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٣).
قال ابن المنذر (٤): "وأجمعوا على أن الشهادة على الزنا أربعة لا يقبل أقل منهم".
وقال في الإفصاح: "البينة التي يثبت بها الزنا أن يشهد عليه أربعة عدول رجال يصفون حقيقة الزنا" (٥). وقد شدَّد الإسلام في أمر إثبات الزنا، لما يترتب عليه من آثار سلبية على من ثبت عليه وعلى أسرهم.
٢ - أن يكونوا رجالًا كلهم ولا تقبل فيه شهادة النساء، لأنه لا مدخل لشهادة النساء في الحدود؛ لاحتمال عدم قدرتهن على ضبط الشهادة فتدرأُ الحدود بالشبهات.
стр. 1592
٣ - أن يكون الشهود مكلفين (بالغين عاقلين) فلا تقبل شهادة الصبي ولا المجنون.
٤ - العدالة: فلا تقبل شهادة فاسق ولا مستور الحال لجواز أن يكون فاسقًا.
٥ - أن يكون الشهود مسلمين: فلا تقبل شهادة أهل الذمة فيه؛ لأن العدالة لم تتحقق فيهم.
٦ - أن يكون الشهود أحرارًا، فغير الحر لا تقبل شهادته، وقد اختلف في شهادة العبد في سائر الحقوق، فيكون ذلك شبهة تمنع قبول شهادته في الحد لأنه يندرئ بالشبهات.
٧ - أن يصفو الزنى بما يدفع كل الاحتمالات عن إرادة غيره من الاستمتاع المحرم، فلا بد من تصريحهم به لتنتفي الشبهة.
٨ - مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ حد أبا بكرة ونافعًا وشبل بن معبد عندما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنى ولم يشهد زياد فحد الثلاثة ولو لم يكن المجلس مشترطًا لم يحدهم لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر، وقد عمل عمر ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد فكان كالإجماع.
فإن اختل شرط من تلك الشروط أو رجعوا عن الشهادة فلا حد على المتهم وإنما يقام حد القذف على الشهود.
ثالثًا: الحمل: إذا حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد فقد اختلف الفقهاء في إقامة الحد عليها:
١ - فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا حد عليها إن ادَّعت أنها أكرهت أو
стр. 1593
وطئت بشبهة أو لم تعترف بالزنا، لاحتمال أن الوطء بشبهة أو إكراه والحد يسقط بالشبهات.
٢ - وذهب المالكية إلى أنه يقام عليها الحد إذا كانت مقيمة غير غريبة، ولا تقبل دعواها الإكراه أو الاغتصاب إلا ببينة أو أمارة على صدقها كالصياح والاستغاثة (١). لقول عمر بن الخطاب ﵁: "والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنًا إذا قامت بينة أو كان الحبل أو الاعتراف" (٢).
الراجح: يتبين من ذلك أن الراجح هو قول الجمهور؛ لما ذكروه ولما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى بامرأة حامل فادَّعت أنها أكرهت فقال: "خل سبيلها"، وكتب إلى أمراء الأجناد أن لا يقتل أحد إلا بإذنه (٣).
رابعًا: إثبات حد الزنا بالوسائل الحديثة: لا يثبت الزنا بغير ما ورد في الشرع من وسائل الاثبات، فلا يثبت بالفحص الكيمائي أو غيره؛ لأن الإسلام قد جعل مبدأ درء الحدود بالشبهات، وقد جاء في الفتوى رقم (٣٣٣٩) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية: "إنه لا يصح إثبات جريمة الزنا بالتقرير للفاحص الكيمائي وتقرير أخصائي في بصمات الأصابع والشهادة الظرفية".
علانية حد الزنا:
١ - يرى الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية استحباب أن يستوفى حد الزنا بحضور جماعة قيل أقلهم أربعة.
стр. 1594
٢ - ويرى الحنابلة وجوب حضور طائفة من المؤمنين ولو واحدًا عند من يقيم الحد في قول ابن عباس (١)، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
كيفية تنفيذ الحد:
١ - الجلد: اتفق الفقهاء على أنه يجلد الصحيح القوي في الحدود بسوط معتدل ويفرق الضرب على بدنه ويتقي الوجه والمقاتل؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه" (٣).
وأما المقاتل فلأن في ضربها خطرًا على حياة المضروب، والقصد من الحد الردع والزجر لا القتل، ويجلد الرجل قائمًا والمرأة جالسة لئلا تتكشف (٤).
٢ - الرجم: إذا كان المقام عليه حد الزنا رجلًا؛ فإنه يرجم قائمًا ولا يوثق بشيء ولا يحفر له سواء ثبت الزنى ببينة أو إقرار لأن النبي ﷺ "لم يحفر لماعز" (٥).
قال في الإفصاح: "واتفقوا على أن الرجل المرجوم لا يحفر له" (٦).
أما إذا كانت امرأة فقد اختلف الفقهاء فيها:
أ- فذهب مالك وأحمدُ في رواية إلى أنه لا يحفر لها كالرجل ولكن تشد عليها ثيابها كيلا تتكشف لما روى أبو داود عن عمران بن حصين قال: "فأمر بها النبي
стр. 1595
- ﷺ فشدت عليها ثيابها" (١).
ب- وذهب الشافعي وأحمدُ في رواية أخرى إلى أنه إن كان الحد ثبت بالبينة فإنه يحفر لها إلى الصدر؛ لأنه أستر لها وإن ثبت بالإقرار فلا يحفر لها لتمكينها من الفرار إن رجعت.
ج- ويرى أبو حنيفة الخيار للإمام في الحفر من عدمه مع التمكين من الفرار في حالة الإقرار إن هربت، ويبدأ الإمام أو الحاكم بالرجم إن كان ثبت الزنا عنده بالإقرار، وإن كان ثبت بشهود فالسنة أن يبدأ الشهود، لما روي عن علي ﵁ أنه قال: "الرجم رجمان، فما كان منه بإقرار، فأول من يرجم الإمام ثم الناس، وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس" (٢).
ولأن فعل ذلك أبعد للشهود من التهمة في الكذب، فإن كان الثبوت بالإقرار، فإن المرجوم يمكن من الهرب إن أراده (٣)، لما روى أبو داود في حديث ماعز بن مالك ﵁ أنه لما وجد مس الحجارة خرج يشتد، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه" (٤).
стр. 1596
باب القذف
تعريف القذف:
القذف لغة: الرمي، يقال قذف بالشيء يقذف قذفًا أي رمى به، وقذف المحصنة أي سبها (١).
واصطلاحًا: هو الرمي بالزنى أو اللواط (٢).
حكم القذف:
القذف حرام بإجماع الأمة، وهو من كبائر الذنوب، والأصل في تحريمه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣).
وأما السُّنة: فما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، وعدَّ منها: "قذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (٤).
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على تحريمه (٥).
стр. 1597
صيغة القذف:
للقذف صيغتان:
١ - صريح: وهو ما لا يحتمل غير القذف، فلا يقبل منه تفسيره بغير القذف مثل قول: يا زانى يا لوطي.
٢ - كناية: وهي ما تحتمل القذف وغيره مثل قول: يا فاجر يا خبيث يا قحبة ونحو ذلك، فإن فسر القائل ذلك بالزنا فهو قذف، وإن فسره بما يحتمل غير القذف قبل؛ لأنه يحتمل غير الزنا مع يمينه، والحدود تدرأ بالشبهات (١).
شروط القاذف:
١ - البلوغ: فلا حد على الصبي.
٢ - العقل: فلا حد على المجنون.
٣ - الاختيار وذلك بألا يكون القاذف مكرهًا، فإن كان مكرهًا فلا حد عليه.
وذلك لأن من شروط ترتيب الحد على القذف أن يكون مكلفًا وهؤلاء غير مكلفين لما ورد في الصبي والمجنون والمكره من الأحاديث (٢).
قذف الوالد لولده:
إذا قذف الوالد ولده فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يحد؛ لأن الحد عقوبة تجب حقًا لآدمي فلا تجب للولد على والده؛ لأن الأبوة معنى يسقط القصاص فمنعت الحد.
стр. 1598
وذهب مالك وغيره إلى أن عليه الحد لعموم الآية، ولأنه حدٌ فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة كالزنى.
الراجح: نرى القول بعدم إقامة الحد على الوالد لما ذكره الجمهور وعموم الآية يخصص في حالة قذف الوالد لولده، ويفترق حد القذف عن الزنى، بأن حد الزنى حق لله أما حد القذف فهو حق لآدمي فلا يثبت للولد على والده كالقصاص (١).
شروط المقذوف:
يشترط في المقذوف أن يكون محصنًا. والإحصان يتطلب توافر الشروط الآتية:
١ - البلوغ: يشترط أن يكون المقذوف بالغًا، فلا يُحدُّ قاذف الصغير والصغيرة؛ لأن زناهم لا يوجب حدًا فلا يجب الحد بالقذف به.
٢ - العقل: لأن الحد شرع للزجر عن الأذية والضرر الواقع على المقذوف، ولا ضرر على من فقد العقل.
٣ - الإسلام: وذلك بأن يكون المقذوف مسلمًا رجلًا أو امرأة، وإنما جاء النص على المرأة، لحدوث الواقعة، كما أن قذفها أشنع وأشد عارًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢).
فإذا كان المقذوف غير مسلم، لم يقم الحد على قاذفه؛ لأنه لم يؤمن بالإِسلام ولا بأحكامه حتى يطبق على من قذفه الحد ويدفع عنه العار، ولأن الكفر أعظم عارًا من القذف، وقد لا يرى بعض الكفار في الزنا بأسًا فكيف يحد من قذفه به.
стр. 1599
٤ - الحرية: فإن كان المقذوف عبدًا فلا يقام الحد على قاذفه؛ لأن الآية وردت في الحرائر وهذا ليس بمعناها.
٥ - العفة عن الزنا: لأن غير العفيف لا يلحقه العار بالقذف بالزنا، ويضيف المالكية أن يكون مع المقذوف آلة الزنا فلا يكون حصورًا ولا مجبوبًا. فإن ثبت زنى المقذوف ببينة أو إقرار أو حد بالزنى فلا حد على قاذفه؛ لأنه لم يكن عفيفًا محصنًا (١).
ثبوت حد القذف:
يثبت حد القذف بالإقرار أو البينة:
١ - الإقرار: يثبت حد القذف بالإقرار ويقام عليه الحد بإقراره.
٢ - البينة: يثبت حد القذف بشهادة شاهدين عدلين ذكرين حرين، ولا تقبل شهادة النساء في الحدود مطلقًا ولا شهادة واحد مع اليمين (٢). قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الحد لا يجب بيمين وشاهد" (٣).
مقدار حد القذف:
يجلد القاذف الحر بعد ثبوت القذف ثمانين جلدة باتفاق الفقهاء إذا لم يثبت ما قذف به لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٤)، وخص النساء بالذكر؛ لأن قذفهن أشنع والعار فيهن أعظم، ويلحق
стр. 1600
الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء الأمة (١).
كما يترتب على القذف رد شهادة القاذف وعدم قبولها أبدًا، والحكم عليه بالفسق وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
قال ابن رشد: "واتفقوا على أنه يجب على القاذف مع الحد سقوط شهادته ما لم يتب" (٣).
ومع اتفاق الفقهاء على أن توبة القاذف لا تسقط عنه الحد. فقد اختلفوا فيما إذا تاب القاذف هل تقبل شهادته أو لا؟
١ - فذهب الجمهور إلى أنه إذا تاب ذهب عنه اسم الفسق، وتقبل شهادته للآية، وذلك لأن الاستثناء يعود إلى ما تقدم فالتوبة تؤدي إلى رفع الفسق وقبول الشهادة.
٢ - وذهب الحنفية إلى أنه إذا تاب القاذف، فإنه يرتفع عنه اسم الفسق ولكن لا تقبل شهادته؛ لأن الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور وهو رفع الفسق فقط.
الراجح: إن الراجح هو قول الجمهور، ذلك أن المانع من قبول الشهادة وهو الفسق المتسبب عن القذف قد زال، فلم يبق ما يوجب الرد للشهادة (٤).
стр. 1601
شروط تنفيذ حد القذف:
١ - مطالبة المقذوف لأنه حق له فلا يستوفى قبل طلبه.
٢ - أن لا يأتي القاذف ببينة تثبت صدقه لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ (١)، وأن لا يقر المقذوف بما قذفه به.
٣ - امتناع القاذف عن اللعان إذا كانت المقذوفة زوجته.
"ولا يعلم في هذا كله خلافًا" (٢).
٤ - استدامة الطالب إلى إقامة الحد، فلو طلب ثم عفا عن الحد، سقط، وقد اختلف الفقهاء في ذلك:
أ- فذهب الشافعي وأحمدُ إلى عدم تنفيذ الحد وسقوطه إذا لم يطالب به المقذوف؛ لأنه حق لا يستوفى إلا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه، فسقط بعفوه كالقصاص؛ لأنه حق العبد أو المغلب فيه حقه.
ب - وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يسقط بعفوه؛ لأنه حدٌّ وهو من حقوق الله الخالصة أو الغالب فيها حقه.
ج - وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يجوز إذا لم يبلغ الإمام، وإن بلغ لم يجز إلا أن يريد بذلك المقذوف الستر على نفسه.
الراجح: يترجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وهو عدم تنفيذ الحد وسقوطه إذا لم يطالب به المقذوف لما ذكروه، ولأنه إذا صدَّق المقذوف القاذف فيما قذفه به سقط عنه الحد (٣).
стр. 1602
سقوط حد القذف:
١ - عفو المقذوف عن القاذف.
٢ - إقامة اللعان بين الزوجين: وذلك فيما إذا رمى زوجته بالزنا ولم يثبت ذلك، فإنه يقام عليه الحد إلا إذا لاعنها فإنه يسقط عنه الحد.
٣ - ثبوت زنا المقذوف بشهادة أو إقرار فإن ذلك يسقط الحد عن القاذف.
٤ - زوال الإحصان عن المقذوف، كإن زنى المقذوف أو جُنَّ فإنه يسقط الحد عن القاذف لأنه يشترط استمرار الإحصان إلى إقامة الحد وذلك عند الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية ولأن وجود الزنى منه يقوى قول القاذف ويدل على تقدم هذا الفعل منه.
وعند الحنابلة لا يسقط الحد عن القاذف؛ لأن الحد قد وجب بشروطه، فلا يسقط بزوالها بعد ثبوته.
الراجح: يتبين من ذلك رجحان ما ذهب إليه الجمهور لما ذكروه، وما حدث من زوال الإحصان مبرر قوي لسقوط الحد، وقد ورد إن الحدود تدرأ بالشبهات.
٥ - رجوع الشهود أو بعضهم عن الشهادة وذلك باتفاق الفقهاء؛ لأن رجوعهم شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
قذف المحدود في الزنا:
إذا أقيم الحد في الزنا على أحد فإنه لا حد على قاذفه لأنه غير محصن فكان صادقًا فيما قذف فيه.
стр. 1603
ولكن يتم تعزير القاذف؛ لأنه آذى مسلمًا لا يجوز إيذاؤه، كما أن السب والقذف من الصفات التي ينهي عنها الإسلام لما يترتب عليها من عداوة وضغينة بين أفراد المجتمع (١).
قذف الملاعنة:
يرى الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أن من قذف الملاعنة فإنه يحد لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قضى في الملاعنة: "أن لا تُرْمَى، ولا يُرمَى ولدها، ومن رماها أو رَمَى ولدَها فعليه الحد" (٢)، وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن وغيرهم، ولأن حصانتها لم تسقط باللعان ولذلك لم يلزمها به حد (٣).
حق الورثة في المطالبة بحد القذف:
١ - ذهب الحنفية إلى أن من يقع القدح في نسبه بقذفه، له حق المطالبة بحد القذف إذا كان المقذوف محصنًا، وهو الوالد وإن علا والولد وإن سفل؛ لأن العار يلتحق بهما، أما غيرهم فلا يحق له ذلك فلا ينتقل بطريق الإرث.
٢ - وذهب المالكية إلى أن للوارث حق المطالبة بحق مورثه المقذوف حيًا كان أو ميتًا؛ لأن المعرة تلحق الجميع.
٣ - وذهب الشافعية إلى أن حق المطالبة ينتقل إلى الوارث، وهو حق لجميع الورثة؛ لأنه موروث وهو الأصح عندهم.
стр. 1604
٤ - وذهب الحنابلة إلى أن المطالبة بعد الموت للابن فقط، إذا كان حرًا مسلمًا لأنه قدح في نسبه، وذلك حق له لكن ليس عن طريق الإرث ولذلك اعتبرت الحصانة فيه (١).
قذف الواحد لجماعة:
لا يخلو ذلك إما أن يكون القذف بكلمة واحدة أو بكلمات:
الحالة الأولى: إذا قذفهم بكلمة واحدة: كقوله: (أنتم زناه).
١ - يرى الحنفية والمالكية والشافعيّ في قوله القديم وأحمدُ في رواية أن رمي القاذف لجماعة بالزنا بكلمة واحدة يترتب عليه إقامة حد واحد، لأنه قذف واحد فلم يجب فيه إلا حد واحد.
٢ - ويرى الشافعي في قوله الجديد وأحمدُ في رواية أخرى له أنه يجب على القاذف حد لكل واحد منهم، وذلك أنه قذف كل واحد منهم فلزمه له حد كامل كما لو قذفهم بكلمات.
الحالة الثانية: إذا قذفهم بكلمات لكل واحد منهم كلمة:
١ - يرى الحنفية والمالكية في الأصح عنهم أنه يترتب عليه حد واحد؛ لأن المقصود من إقامة الحد الزجر من فعله في المستقبل، وذلك حاصل في الحد الواحد.
٢ - يرى الشافعي وأحمدُ في رواية أنه يجب على القاذف حد لكل واحد منهم وذلك؛ لأنها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص (٢).
стр. 1605
الراجح: يتبين أن الأولى هو القول بأن عليه حدًا واحدًا في الحالين إذا كان قذفه في وقت ومجلس واحد لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١)، ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة قذفوا امرأة كذلك فلم يحدهم عمر إلا حدًا واحدًا (٢).
ولأنه بإقامة الحد على القاذف عنهم يحصل الزجر وتزول المعرة لبيان كذبه في قذفه.
стр. 1606
باب حد المسكر
تعريفه في اللغة: السُّكْرُ: مصدر سَكِرَ فلان من الشرب ونحوه، وهو نقيض الصحو، والسَّكَرُ كل ما يسكر من خمر وشراب، والمسكر: اسم فاعل من أسكر الشراب، والخمر ما خمر العقل وهو المسكر من الشراب، وسميت خمرًا؛ لأنها خامرت العقل وسترته (١).
وفي الاصطلاح: المسكر: اسم لكل ما خامر العقل وغطاه من أي نوع من الأشربة.
والخمر: هي كل ما اتخذ من العنب أو التمر أو الحنطة أو الشعير أو غيرها وأسكر كثيره أو قليله (٢).
الأصل في تحريم المسكرات:
الأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣).
وأما السنة: فما رواه عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" (٤).
стр. 1607
وما روته عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "كل شراب أسكر فهو حرام" (١)، وثبت تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر.
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على تحريمه (٢).
قال في الإفصاح: "واتفقوا على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها وفيها الحد" (٣) أي الأئمة الأربعة.
وأما المعقول: فإن الخمر هي أم الخبائث، لما يترتب عليها من مضار أخلاقية واجتماعية واقتصادية؛ فكان الإسلام وهو الذي يعتني بالمحافظة على الضروريات الخمس ومنها حفظ العقل قد حرم المسكرات لما تؤدي إليه من ذهاب العقل وضياع المرء في كافة شؤونه.
أنواع المسكرات:
١ - الخمر: وتتخذ من خمسة أشياء: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، وذلك لما روى البخاري ومسلمٌ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب على منبر رسول الله ﷺ فقال: "أما بعد، أيها الناس: إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء، من العنب والتمر والعسل والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" (٤).
٢ - الأنبذة المختلفة: مثل نقيع الزبيب والذرة والتين وغيرها إذا أسكرت.
٣ - المشروبات المعاصرة وغيرها: مثل الوسكي والجن والشمبانيا وغيرها.
стр. 1608
حكم تناول الأشربة المسكرة:
بيَّنا اتفاق العلماء على تحريم الخمر كثيرها وقليلها وإقامة الحد على شاربها.
أما أنواع النبيذ الأخرى: فإليك بيان ذلك:
١ - يرى المالكية والشافعية والحنابلة ومحمَّد بن الحسن من الحنفية أنه لا فرق بين الخمر المتخذة من العنب وغيرها من أنواع النبيذ ويجب الحد بشرب القليل والكثير منها إذا كان الكثير منها يسكر لحديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (١).
٢ - ويرى أبو حنيفة أن الأنبذة المختلفة من غير العنب مثل نقيع التمر والحنطة والشعير وغيرها فإنه يحل شربها ولا يحرم إلا ما بلغ السكر منها، وذلك لحديث ابن عباس ﵄ قال: "حرمت الخمرة بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب" (٢).
الراجح: نرى أن ما ذهب إليه الجمهور هو الراجح للأدلة الصحيحة التي أوردوها وحسمًا لمادة الفساد، وحديث ابن عباس ﵄ موقوف عليه مع أنه قد روى هو وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مسكر حرام".
وقال ابن المنذر: جاء أهل الكوفة بأحاديث معلولة، وقال أحمد ليس في الرخصة في المسكر حديث صحيح (٣)، وهو ما جاءت به الفتوى رقم (١٧٣٨٦) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية.
стр. 1609
شرب العصير والنبيذ (١):
١ - يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية أن شربهما مباح ما لم يغل ويسكر وذلك لقول رسول الله ﷺ : "اشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا" (٢)، ولأن علة تحريمه الشدة المطربة، وذلك يكون في المسكر خاصة.
٢ - ويرى الحنابلة أنه يجوز شربهما ما لم يغليا أو يأتي عليها ثلاثة أيام، وذلك لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ : "كان ينبذ له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى الخدم، أو يهراق" (٣)، ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالبًا وهي خفيَّة تحتاج إلى ضابط فجاز جعل الثلاث ضابطًا لها، وكره أحمد شربها بعد الثلاث إذا لم يغل، وذلك لأن النبي ﷺ لم يكن يشربها بعد الثلاث.
هل الخمر نجسة ؟
يرى عامة الفقهاء أن الخمر نجسة لأن الله تعالى حرمها لعينها كالخنزير (٤).
شروط وجوب الحد:
يشترط لوجوب الحد:
١ - التكليف: وذلك بأن يكون الشارب بالغًا عاقلًا فلا حد على الصبي والمجنون.
стр. 1610
٢ - الاختيار: وذلك بأن يكون الشارب مختارًا غير مكره، فإن أكره على شربها فلا حد عليه، لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١).
٣ - العلم بأن ما يشربه مسكر، فإن كان جاهلًا بأنها خمر، فإنه يعذر بجهله ولا يقام عليه الحد.
٤ - الإسلام: وقد اختلف في اشتراط ذلك:
أ- فيرى الحنفية والشافعية والحنابلة في قول لكل منهم عدم اشتراطه، وأن من شرب المسكر يقام عليه الحد ولو كان ذميًا أو مستأمنًا؛ لأن الخمر محرمة في جميع الأديان، ولأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولأن مضرة الخمر تتعدى إلى غيرهم من أبناء المجتمع، فيجب الزجر والردع عنها صيانة للمجتمع وحفظًا لأخلاقه وأمنه.
ب- ويرى الحنفية وهو المذهب عندهم والمالكية والصحيح من مذهب الحنابلة والشافعية في المذهب أنه يشترط الإسلام لإقامة الحد على الشارب، فلا يقام الحد على الذمي والمستأمن؛ لأنهم لا يدينون بتحريم الخمر وقد أمرنا بتركهم وما يدينون.
والصحيح:
أن الحد يقام على من شرب المسكر مسلمًا كان أو غيره إذا جاهر غير المسلم بذلك؛ لأنه لم يرد أدلة تخص إقامة الحد بالمسلم، وغير المسلم يجب عليه احترام آداب الإسلام والالتزام بها (٢).
стр. 1611
حكم المشروبات الأخرى (الوسكي والجن والشمبانيا وغيرها):
ظهرت أنواع من المسكرات مختلفة المصادر متنوعة الأسماء مثل الوسكي والجن والشمبانيا وغيرها وذلك مصداق حديث رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ... " (١) الحديث.
إن القاعدة الشرعية الواردة في الحديث الصحيح: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (٢). تقضي بحرمة جميع أنواع المسكرات مهما تنوعت أسماؤها وتعددت أشكالها.
قال الأستاذ محمد رشيد رضا في تفسيره بعد تفسير آية الخمر في المائدة: قد ظهر في الناس من عهد بعيد مصداق ما ورد في الحديث من استحلال أناس لشرب الخمر بتسميتها بغير اسمها، وقد اخترع الناس بعد زمن التنزيل أنواعًا كثيرة من الخمور أشد من خمرة العنب ضررًا في الجسم والعقل باتفاق الأطباء وأشد إيقاعًا في العداوة والبغضاء، وصدًّا عن ذكر الله وعن الصلاة (٣).
ولهذا فإن جميع ما ينتج ويصنع من أنواع المسكرات من أي نوع كان وبأي اسم لقب هو حرام ما دام أنه يسكر الكثير منه وذلك تطبيقًا للأدلة الشرعية الواردة في الكتاب والسنة والتي بيناها سلفًا، وهو ما ورد في فتوى اللجنة الدائمة في السعودية رقم (١٧٣٨٦).
стр. 1612
المخدرات:
وهي مادة ذات مفعول مؤثر بشدة على جهاز الإنسان العصبي وتشمل المخدرات: الحشيش والأفيون والمورفين والهيروين وغيرها، وقد يؤدي تناول كميات كبيرة من المخدرات إلى الموت (١).
وقد صدرت فتوى فضيلة مفتي الديار المصرية الشيخ عبد المجيد سليم (٢):
"بأنه لا يشك شاك ولا يرتاب مرتاب في أن تعاطي هذه المواد حرام؛ لأنها تؤدي إلى مضارٍ جسيمةٍ ومفاسد كثيرةٍ، فهي تفسد العقل وتفتك بالبدن إلى غير ذلك من المضار والمفاسد الخطيرة، ولأنه لما كان الكثير من هذه المواد يخامر العقل ويغطيه، ويحدث من الطرب واللذة عند متناولها ما يدعوهم إلى تعاطيها والمداومة عليها كانت داخلة فيما حرمه الله تعالى في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله ﷺ من الخمر والمسكر".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الحشيشة حرام يُحَدُّ متناولها كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من حيث إنها تفسد العقل والمزاج، وأنها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظًا ومعنى" (٣).
وكما يتناول التحريم جميع أنواع المخدرات التي حدثت ولم تكن معروفة من قبل سواء أكانت على هيئة حبوب أو مسحوق أو حقن أو غيرها لما فيها من أضرار صحية واجتماعية واقتصادية مثل الخمر بل تزيد عليه، والشريعة الإسلامية مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد والمضار، والمخدرات مفاسد ومضار يجب منعها
стр. 1613
وعقوبة متعاطيها كالخمر.
كما أنه لا يجوز بيعها والاتجار بها ويكون ثمنها حرامًا؛ لأنه قد ورد في أحاديث كثيرة تحريم بيع الخمر، منها ما ورد عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم بيع الخمر، والميتة والخنزير والأصنام" (١).
وإذا حرم الإسلام الانتفاع بشيء فإنه يحرُم بيعه وزراعته وصناعته وأكل ثمنه، فيتناول التحريم بيع هذه المخدرات لما يترتب على ترويجها من المفاسد والمضار بين أفراد الأمة من قتل للأنفس وضياع للأموال والأخلاق، والمخدرات تفتك بالأمة أكثر من فتك الأسلحة، فهي سلاح خطير يوجهه الأعداء للأمة بقصد إفساد عقولها وإضعاف شبابها وضياع مقدراتها حتى يستفيد الأعداء من ضعفها قوة لهم من كافة الوجوه، فعلى الأمة التعاون للتصدي لذلك بجميع الوسائل الإعلامية والتربوية وغيرها، حتى تكون أمة قوية عزيزة الجانب تسمو إلى معالي الأمور وتنأى عن سفاسفها.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي السعودية سابقًا: "المخدرات داء عضال، وشرها عظيم وعقوبتها وخيمة، والواجب التعاون في محاربة جميع المخدرات بالنصيحة والتوجيه الإِسلامي والتحذير بالقول والعمل" (٢).
وجاء في فتوى اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية رقم (٥٠٠١): المخدرات من الخبائث وقد حرم الله على عباده جميع الخبائث قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٣)، ولما روى أبو داود عن أم سلمة ﵂، أن
стр. 1614
النبي ﷺ : "نهى عن كل مسكر ومفتر" (١).
ومعلوم أن المخدرات من المفترات، ولما في المخدرات من الأضرار العظيمة وقد قال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢).
وقد صدرت فتوى اللجنة الدائمة في السعودية بأن القات (٣) محرم لا يجوز لمسلم أن يتعاطاه أكلًا وبيعًا وشراء وغيرها وذلك في الفتوى رقم (٢١٥٩).
الكولونيا: سائل مستحضر يستخدمه بعض الناس لتطييب الجسم (٤)، وقد يشربه بعضهم وهو يحتوي على مادة مسكرة، فلذلك لا يجوز استعماله للتطيب ولا للشرب.
وقد سئل عنه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فأجاب: بوجوب ترك استعماله (٥)، فإذا كان ذلك في التطييب به، فإن حرمته للشرب آكد ما دام يحتوي على مادة مسكرة.
إثبات حد السكر:
يثبت الحد بأحد أمور:
١ - البينة: وذلك بشهادة شاهدين رجلين عدلين مسلمين.
стр. 1615
٢ - الإقرار: ويكفي الإقرار مرة واحدة في قول عامة أهل العلم؛ لأنه حد لا يتضمن إتلافًا.
وذلك هو قول الفقهاء الأربعة، ويضيف أبو حنيفة أنه يشترط مع الشهادة أو الإقرار وجود الرائحة، فإن لم توجد فإنه لا يحد لأنه خالص حق الله تعالى، والصحيح عدم اشتراط وجود الرائحة عند إثبات الحد بالشهادة أو الإقرار.
٣ - وجود رائحة الخمر: يرى مالك وهو رواية عن أحمد أن وجود رائحة الخمر من الشارب يترتب عليه إقامة الحد عليه؛ لأن ابن مسعود ﵁ "جلد رجلًا وجد فيه رائحة الخمر" (١).
ويرى الجمهور من الحنفية والشافعية وهو رواية عن أحمد أنه لا يحد بوجود رائحة الخمر لاحتمال شربها مكرهًا أو مضطرًا والحدود تدرأ بالشبهات.
٤ - وجود المرء سكران أو تقيأ الخمر: يرى الحنابلة في رواية إقامة الحد عليه، لأن ذلك لا يكون إلا بعد شربها فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها، لما رواه هشيم عن المغيرة عن الشعبي قال: "لما كان من أمر قدامة ما كان، جاء علقمة الخصي، فقال: أشهد أني رأيته يتقيأها، فقال عمر: من قاءها فقد شربها، فضربه الحد" (٢).
وكذلك يقام عليه الحد من باب أولى إذا ثبت بالتحليل المخبري تعاطيه للمسكر.
ويرى الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية أنه لا حد عليه لاحتمال أن يكون شربها مكرهًا أو لم يعلم أنها تسكر والحدود تدرأ بالشبهات (٣).