حكم المشروبات الأخرى (الوسكي والجن والشمبانيا وغيرها):
ظهرت أنواع من المسكرات مختلفة المصادر متنوعة الأسماء مثل الوسكي والجن والشمبانيا وغيرها وذلك مصداق حديث رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ... " (١) الحديث.
إن القاعدة الشرعية الواردة في الحديث الصحيح: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (٢). تقضي بحرمة جميع أنواع المسكرات مهما تنوعت أسماؤها وتعددت أشكالها.
قال الأستاذ محمد رشيد رضا في تفسيره بعد تفسير آية الخمر في المائدة: قد ظهر في الناس من عهد بعيد مصداق ما ورد في الحديث من استحلال أناس لشرب الخمر بتسميتها بغير اسمها، وقد اخترع الناس بعد زمن التنزيل أنواعًا كثيرة من الخمور أشد من خمرة العنب ضررًا في الجسم والعقل باتفاق الأطباء وأشد إيقاعًا في العداوة والبغضاء، وصدًّا عن ذكر الله وعن الصلاة (٣).
ولهذا فإن جميع ما ينتج ويصنع من أنواع المسكرات من أي نوع كان وبأي اسم لقب هو حرام ما دام أنه يسكر الكثير منه وذلك تطبيقًا للأدلة الشرعية الواردة في الكتاب والسنة والتي بيناها سلفًا، وهو ما ورد في فتوى اللجنة الدائمة في السعودية رقم (١٧٣٨٦).
стр. 1612
المخدرات:
وهي مادة ذات مفعول مؤثر بشدة على جهاز الإنسان العصبي وتشمل المخدرات: الحشيش والأفيون والمورفين والهيروين وغيرها، وقد يؤدي تناول كميات كبيرة من المخدرات إلى الموت (١).
وقد صدرت فتوى فضيلة مفتي الديار المصرية الشيخ عبد المجيد سليم (٢):
"بأنه لا يشك شاك ولا يرتاب مرتاب في أن تعاطي هذه المواد حرام؛ لأنها تؤدي إلى مضارٍ جسيمةٍ ومفاسد كثيرةٍ، فهي تفسد العقل وتفتك بالبدن إلى غير ذلك من المضار والمفاسد الخطيرة، ولأنه لما كان الكثير من هذه المواد يخامر العقل ويغطيه، ويحدث من الطرب واللذة عند متناولها ما يدعوهم إلى تعاطيها والمداومة عليها كانت داخلة فيما حرمه الله تعالى في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله ﷺ من الخمر والمسكر".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الحشيشة حرام يُحَدُّ متناولها كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من حيث إنها تفسد العقل والمزاج، وأنها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظًا ومعنى" (٣).
وكما يتناول التحريم جميع أنواع المخدرات التي حدثت ولم تكن معروفة من قبل سواء أكانت على هيئة حبوب أو مسحوق أو حقن أو غيرها لما فيها من أضرار صحية واجتماعية واقتصادية مثل الخمر بل تزيد عليه، والشريعة الإسلامية مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد والمضار، والمخدرات مفاسد ومضار يجب منعها
стр. 1613
وعقوبة متعاطيها كالخمر.
كما أنه لا يجوز بيعها والاتجار بها ويكون ثمنها حرامًا؛ لأنه قد ورد في أحاديث كثيرة تحريم بيع الخمر، منها ما ورد عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم بيع الخمر، والميتة والخنزير والأصنام" (١).
وإذا حرم الإسلام الانتفاع بشيء فإنه يحرُم بيعه وزراعته وصناعته وأكل ثمنه، فيتناول التحريم بيع هذه المخدرات لما يترتب على ترويجها من المفاسد والمضار بين أفراد الأمة من قتل للأنفس وضياع للأموال والأخلاق، والمخدرات تفتك بالأمة أكثر من فتك الأسلحة، فهي سلاح خطير يوجهه الأعداء للأمة بقصد إفساد عقولها وإضعاف شبابها وضياع مقدراتها حتى يستفيد الأعداء من ضعفها قوة لهم من كافة الوجوه، فعلى الأمة التعاون للتصدي لذلك بجميع الوسائل الإعلامية والتربوية وغيرها، حتى تكون أمة قوية عزيزة الجانب تسمو إلى معالي الأمور وتنأى عن سفاسفها.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي السعودية سابقًا: "المخدرات داء عضال، وشرها عظيم وعقوبتها وخيمة، والواجب التعاون في محاربة جميع المخدرات بالنصيحة والتوجيه الإِسلامي والتحذير بالقول والعمل" (٢).
وجاء في فتوى اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية رقم (٥٠٠١): المخدرات من الخبائث وقد حرم الله على عباده جميع الخبائث قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٣)، ولما روى أبو داود عن أم سلمة ﵂، أن
стр. 1614
النبي ﷺ : "نهى عن كل مسكر ومفتر" (١).
ومعلوم أن المخدرات من المفترات، ولما في المخدرات من الأضرار العظيمة وقد قال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢).
وقد صدرت فتوى اللجنة الدائمة في السعودية بأن القات (٣) محرم لا يجوز لمسلم أن يتعاطاه أكلًا وبيعًا وشراء وغيرها وذلك في الفتوى رقم (٢١٥٩).
الكولونيا: سائل مستحضر يستخدمه بعض الناس لتطييب الجسم (٤)، وقد يشربه بعضهم وهو يحتوي على مادة مسكرة، فلذلك لا يجوز استعماله للتطيب ولا للشرب.
وقد سئل عنه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فأجاب: بوجوب ترك استعماله (٥)، فإذا كان ذلك في التطييب به، فإن حرمته للشرب آكد ما دام يحتوي على مادة مسكرة.
إثبات حد السكر:
يثبت الحد بأحد أمور:
١ - البينة: وذلك بشهادة شاهدين رجلين عدلين مسلمين.
стр. 1615
٢ - الإقرار: ويكفي الإقرار مرة واحدة في قول عامة أهل العلم؛ لأنه حد لا يتضمن إتلافًا.
وذلك هو قول الفقهاء الأربعة، ويضيف أبو حنيفة أنه يشترط مع الشهادة أو الإقرار وجود الرائحة، فإن لم توجد فإنه لا يحد لأنه خالص حق الله تعالى، والصحيح عدم اشتراط وجود الرائحة عند إثبات الحد بالشهادة أو الإقرار.
٣ - وجود رائحة الخمر: يرى مالك وهو رواية عن أحمد أن وجود رائحة الخمر من الشارب يترتب عليه إقامة الحد عليه؛ لأن ابن مسعود ﵁ "جلد رجلًا وجد فيه رائحة الخمر" (١).
ويرى الجمهور من الحنفية والشافعية وهو رواية عن أحمد أنه لا يحد بوجود رائحة الخمر لاحتمال شربها مكرهًا أو مضطرًا والحدود تدرأ بالشبهات.
٤ - وجود المرء سكران أو تقيأ الخمر: يرى الحنابلة في رواية إقامة الحد عليه، لأن ذلك لا يكون إلا بعد شربها فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها، لما رواه هشيم عن المغيرة عن الشعبي قال: "لما كان من أمر قدامة ما كان، جاء علقمة الخصي، فقال: أشهد أني رأيته يتقيأها، فقال عمر: من قاءها فقد شربها، فضربه الحد" (٢).
وكذلك يقام عليه الحد من باب أولى إذا ثبت بالتحليل المخبري تعاطيه للمسكر.
ويرى الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية أنه لا حد عليه لاحتمال أن يكون شربها مكرهًا أو لم يعلم أنها تسكر والحدود تدرأ بالشبهات (٣).
стр. 1616
مقدار حد المسكر:
اختلف الفقهاء في حد شارب المسكر:
١ - فذهب الشافعي وأحمدُ في رواية إلى أن الحد أربعون جلدة للحر ونصفها للرقيق لأن عليًا ﵁ جلد الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال: "جلد النبي ﷺ أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي" (١).
٢ - وذهب الحنفية والمالكية وهو رواية عن أحمد إلى أن الحد ثمانون جلدة لإجماع الصحابة فقد روى أن عمر ﵁ "استشار الناس في حد الخمر لما كثر شربه، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين وكتب به إلى خالد وأبي عبيد بالشام" (٢).
وروي أن عليًا قال في المشورة: "إنه إذا سكر هذي وإذا هذي افترى، فحدوه حد المفتري (٣) " (٤).
وقد جاء في قرار مجلس هيئة كبار العلماء في السعودية رقم ٥٣ وتاريخ ٤/ ٤ / ١٣٩٧ هـ أن الحد ثمانون وذلك بأكثرية الأعضاء.
الراجح: إن الثابت بالسنة أن الحد أربعون جلدة، وقد أجمع عليه المسلمون ويجوز للإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر وكانوا لا يرتدعون بدونها الزيادة عليها إلى ثمانين.
стр. 1617
وتحمل الزيادة على الأربعين من عمر ﵁ على أنها تعزير يجوز فعلها إذا رأى الإمام فيها مصلحة (١).
ضابط السكر الذي يمنع صحة العبادات:
اختلف الفقهاء في ذلك:
١ - فيرى الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة أن ضابط السكر الذي يمنع صحة العبادات ويوجب الفسق هو الذي يغلب على عقله ويجعله يخلط في كلامه.
٢ - ويرى أبو حنيفة أن السكران هو من لا يعرف السماء من الأرض ولا الرجل من المرأة وذلك احتياطًا لمنع صحة العبادة وإقامة الحد.
الراجح: ما قاله الجمهور لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢).
فقد دلَّت الآية على أنه إذا لم يعلم ما يقول فهو سكران، فالصحابة ﵃ قاموا إلى الصلاة عالمين بها وإنما اختلط عليهم بعض القراءة، كما أن المجنون يعرف السماء من الأرض والرجل من المرأة مع ذهاب عقله ورفع القلم عنه (٣).
شرب المسكر اضطرارًا:
إذا شرب إنسان مسكرًا مضطرًا لدفع غصة فلا شيء عليه باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، وذلك إنقاذًا للنفس من الهلاك.
стр. 1618
أما شربها لدفع العطش فقد اختلف في ذلك الفقهاء:
١ - فذهب الحنفية وهو قول للشافعية إلى جواز شربها لدفع العطش في حال الضرورة كما يباح للمضطر تناول الميتة والخنزير.
٢ - وذهب المالكية وهو الأصح عند الشافعية إلى عدم جواز الشرب لعموم النهي.
٣ - وذهب الحنابلة إلى أنها إن كانت الخمر ممزوجة بما يروي من العطش فإنها تباح للضرورة كما تباح الميتة عند المخمصة وكإباحتها لدفع الغصة وإن لم تكن ممزوجة فلا يباح الشرب لأنها لا تروى من العطش.
شرب المسكر للتداوى:
يتفق الفقهاء من الحنفية والمالكية وهو الأصح عند الشافعية والحنابلة على أنه لا يجوز شرب المسكر للتداوى (١).
لما جاء أن طارق بن سويد ﵄ سأل النبي ﷺ عن الخمر يصنعها للدواء، فقال: "إنها ليست بدواء ولكنها داء" (٢).
وما جاء عن أم سلمة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (٣)، والحديث صحيح وقد ورد عن عدد من الصحابة منهم ابن مسعود وأخرجه البخاريُّ تعليقًا ومنهم وائل بن حجر رواه أحمد ومسلمٌ وغيرهما وصححه ابن عبد البر (٤).
стр. 1619
ويرى الشافعية في وجه لهم أنه يجوز شرب المسكر للتداوي لأنها حال ضرورة فأبيحت كدفع غصة وسائر ما يضطر إليه.
والصحيح:
أنه لا يجوز التداوي بشرب المسكر للأحاديث الصحيحة التي ذكرها الجمهور، وقد ثبت في العلم الحديث أنه لا فائدة في التداوى بها بل تحدث أمراضًا واضطرابًا في الجسم يؤدي إلى أن يعتل الصحيح وذلك دلالة على الإعجاز العلمي فيما ورد في ذلك من الأحاديث الشريفة.
كيفية إقامة الحد:
١ - يرى الحنفية والشافعية وهو رواية عن أحمد أن الرجل يضرب قائمًا، لأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب ويتقي عند الضرب المقاتل: وهي الرأس والوجه والفرج، وذلك لقول علي ﵁: "لكل موضع من الجسد حظ يعني في الحد إلا الوجه والفرج، وقال للجلاد اضرب وأوجع واتق الرأس والوجه" (١).
٢ - ويرى مالك وهو رواية عن أحمد أن الرجل يضرب جالسًا، لأن الله تعالى لم يأمر بالقيام ولأنه مجلود في حد فأشبه المرأة.
وتضرب المرأة جالسة باتفاق الفقهاء الأربعة لأنه أستر لها.
ويكون الضرب وسطا لا شديدًا فيقتل ولا ضعيفًا فلا يردع، ويكون بسوط متوسط، لأن القصد الردع والزجر لا القتل (٢).
стр. 1620
باب حد السرقة
التعريف:
السرقة في اللغة: يقال سرق يسرق سرقا فهو سارق، والسرقة أخذ الشيء من الغير خفية (١).
وفي الاصطلاح: هي أخذ مالٍ محترمٍ لغيره من حرز مثله على وجه الاختفاء (٢).
الأصل في حكم السرقة:
الأصل في حرمة السرقة وثبوت القطع فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣).
وأما السنة: فما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا" (٤).
وقال النبي ﷺ : "إنما هلك من كان قبلكم، بأنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه" (٥).
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة (٦).
стр. 1621
وأما المعقول: فإن حكم القطع في السرقة فيه حفظ للمال، وهو من الضروريات التي جاء الإسلام بحفظها، وفي قطع يد السارق ردع له وزجر لغيره من الإقدام على مثل فعله، وبهذا تحفظ الأموال وتصان ولهذا فإنه عند تطبيق القطع في السرقة يستتب الأمن ويطمئن الناس في حياتهم كما هو في بعض البلاد، وفي عدم تطبيق ذلك انتشار للفوضى وسرقة الأموال، مما يؤدي أحيانًا إلى قتل الأنفس عند شعور السارق بالخطر، ولذلك ينتشر في البلاد التي لا تطبق الأحكام الشرعية بما فيها حكم القطع في السرقة القتل وسرقة الأموال وانتهاك الأعراض مهما كانت قوتها وإمكاناتها.
أركان السرقة:
للسرقة أركان أربعة: السارق والمسروق منه، والمال المسروق، والأخذ خفية، ولكل ركن منها شروط.
شروط السارق:
يشترط في السارق كي ينفذ فيه حد القطع شروط:
١ - التكليف: بأن يكون بالغًا عاقلًا مختارًا غير مكره، فلا حد على صغير ومجنون ولا حد على المكره؛ لأنه غير قاصد للسرقة، والحدود تدرأ بالشبهات.
٢ - ألا يكون للسارق شبهة في الشيء المسروق، ولهذا لا يقطع الأصل والفرع في سرقته من مال فرعه أو أصله لشبهة الملكية والنفقة في ذلك، وكذلك الزوجان لا يقام الحد على أحدهما في سرقته من مال الآخر للانبساط بينهما في الأموال عادة، ولاختلال شرط الحرز.
٣ - عدم الاضطرار أو الحاجة: فالضرورة تبيح للإنسان أن يأخذ من مال
стр. 1622
الغير بقدر ما يكفيه ليدفع عن نفسه الهلاك لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١).
وعند الحاجة والضيق في الطعام وحصول المجاعة فإنه لا قطع كما حدث عام المجاعة حيث لم يقطع عمر بن الخطاب ﵁ وقال: "لا قطع في عام سنة" (٢).
قال ابن القيم: "وهذه شبهة قوية تدرأ الحد عن المحتاج" (٣).
شروط المسروق منه:
١ - أن يكون المسروق منه معلومًا، وإلى ذلك ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة؛ لأنه لا بد من دعوى ولا تتحقق الدعوى مع الجهالة، ولأنه يحتمل أن المالك قد أباحه له أو وقفه على جماعة المسلمين، وحيث يمكن وجود شبهة فإن الحد يدرأ، ويحبس السارق حتى يحضر من يدعى المال المسروق.
وذهب المالكية إلى إقامة الحد على السارق إذا ثبتت السرقة، ولا فرق بين كون المسروق منه معلومًا أو مجهولًا لعموم الآية، ولأن إقامة الحد لا تتوقف على دعوى المسروق منه (٤).
٢ - أن تكون يد المسروق منه يدًا صحيحة على المسروق بأن يكون مالكًا له أو مستعيرًا أو مرتهنًا ونحو ذلك، أما إذا كانت يد المسروق منه يدًا غير صحيحة كما لو سرق السارق من سارق آخر أو من غاصب فقد اختلف الفقهاء في ذلك:
стр. 1623
أ- فيرى الحنفية عدم القطع في حال سرقة السارق من سارق آخر، لأن يد السارق ليست بيد صحيحة، أما السرقة من الغاصب فيقطع فيها السارق لأن المغصوب مضمون على الغاصب فأشبهت يد المشتري.
ب- وذهب المالكية وهو قول مرجوح عند الشافعية إلى أن السارق يقطع في الحالين لأنه سرق مالًا محرزًا لا شبهة له فيه.
جـ- وذهب الحنابلة وهو الأصح عند الشافعية إلى عدم إقامة حد القطع على السارق من السارق ومن الغاصب، لأنه لم يسرق من مال له ولا نائبه، فليست اليد في الحالين يدًا صحيحة (١).
٣ - أن يكون المسروق منه معصوم المال بأن يكون مسلمًا أو ذميًا، ولا يقطع فيما عداهما، فلا يقطع بسرقة مال المستأمن لوجود شبهة الإباحة عند بعض الفقهاء، باعتبار أنه من دار الحرب ويقطع عند بعضهم، ولا يقطع بسرقة مال الحربي لأنه هدر (٢).
شروط المسروق (المال):
١ - أن يكون المسروق مالًا محترمًا يجوز بيعه: فلا قطع على من سرق الخمر والخنزير، لأن الله حرم ملكيتهما والانتفاع بهما، وكذلك لا قطع على سارق آلات اللهو، ولا قطع في سرقة مال الحربي لأنها ليست مالًا محترمًا (٣).
стр. 1624
٢ - أن يكون المسروق نصابًا: وقد اتفق الفقهاء الأربعة على عدم القطع إلا إذا بلغ نصابًا.
ولكنهم اختلفوا في تحديد مقدار النصاب:
أ- فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن النصاب الذي تقطع فيه يد السارق ربع دينار من الذهب، والدينار: هو المثقال من الذهب وزنه ٤ غرامات وربع من الذهب الصافي، أو ثلاثة دراهم من الفضة، والدرهم: وزنه من الفضة ٢. ٩٧٥ غرامًا (١). أو ما يساوي قيمته أحدهما وذلك لقوله ﷺ : "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" (٢).
ب- وذهب الحنفية إلى أن النصاب الموجب للقطع عشرة دراهم أو ما قيمته كذلك ولا يقطع في أقل منها، وذلك لحديث: "لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم" (٣).
ورجح الحنفية ذلك على الأخذ بغيرها لأنها أحوط احتيالًا لدرء الحد.
جـ- وذهب الظاهرية إلى أنه تقطع اليد في القليل والكثير لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤).
الراجح: هو قول الجمهور لصحة الأحاديث التي احتجوا بها وأما استدلال الظاهرية بالآية فيجاب عنه بأنها مطلقة والحديث بيان لها.
стр. 1625
٣ - أن يكون المسروق مخرجًا من حرز: الحرز عند الفقهاء: هو الموضع الذي يحفظ فيه المال عادة ويختلف ذلك باختلاف الأموال والبلدان حسب العرف.
وقد ذهب الفقهاء الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ وأحمدُ إلى أن الحرز شرط في السرقة، فإذا لم يكن حرز فلا قطع، لأن المال غير المحرز ضائع بتقصير صاحبه، واستدل لاعتبار الحرز بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمعت رجلًا من مزينة يسأل رسول الله ﷺ عن الحريسة (١) التي توجد في مراتعها، فقال: "ما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن" (٢).
كما جاء في حديث الصحيحين وورد في رواية أن ثمنه عشرة دراهم (٣).
ومن سرق شيئًا من غير حرز فلا قطع عليه، قال في الإفصاح (٤): "وأجمعوا على أن الحرز معتبر في وجوب القطع".
قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن القطع إنما يجب على من سرق ما يجب فيه قطع من الحرز" (٥).
من سرق ثمرًا من رؤوس الشجر فلا قطع عليه عند الفقهاء، لحديث رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثمر ولا كثر" (٦).
стр. 1626
قال في الإفصاح (١): "أجمعوا على أنه يسقط القطع على سارق الثمر المعلق على رؤوس النخل إذا لم يكن محرزًا".
ويرى أحمد أن من سرق ثمرًا من رؤوس الشجر أنه يضمن عوضه مرتين، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق، فقال: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوية، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع" (٢).
ويرى جمهور الفقهاء أنه يضمنه بعوضه مرة واحدة فقط أما حديث عمرو بن شعيب فهو منسوخ عندهم (٣).
الراجح: هو تغريم السارق من الثمر أو الشجر مثلي ما سرق للحديث، قال أحمد لا أعلم شيئًا يدفعه فلا تجوز مخالفته ودعوى النسخ غير صحيحة، كما أن عمر بن الخطاب ﵁ أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها" (٤).
شروط الأخذ في السرقة:
يشترط لإقامة حد السرقة أن يؤخذ الشيء خفية واستتارًا، فلا قطع على المنتهب ولا على المختلس ولا على الخائن لحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال:
стр. 1627
"ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع" (١).
حيث أنه لم يتحقق منهم أخذ الشيء خفية.
فالمنتهب: هو الذي يأخذ المال على وجه العلانية قهرًا وقوة.
المختلس: هو الذي يستخفي في ابتداء الاختلاس حتى يأخذ الشيء من غير غلبة ويهرب مع معاينة المالك.
الخائن: ضد الأمين، وهو الذي يخون ما جعل عليه أمينًا كأن يخون في وديعة أو نحوها فيدعي ضياع ما اؤتمن عليه أو تلفه وهو كاذب.
قال في الإفصاح: "واتفقوا على أن المختلس والمنتهب والغاصب والخائن على عظم جنايتهم وآثامهم، فإنهم لا قطع على واحد منهم ".
قال القاضي عياض: صان الله الأموال بإيجاب القطع للسارق ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغصب؛ لأنه قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمر، وتسهل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة، فإنه تندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها واشتدت عقوبتها أبلغ في الزجر عنها (٢).
إثبات حد السرقة:
يثبت حد السرقة بأحد أمرين:
١ - الإقرار: تثبت السرقة بإقرار السارق إذا كان مكلفًا، واختلف الفقهاء في عدد مرات الإقرار:
стр. 1628
أ- فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ إلى أنه يكفي إقرار السارق مرة واحدة لأن النبي ﷺ "قطع سارق خميصة صفوان وسارق المجن"، ولم ينقل أنه أمره بتكرار الإقرار، ولأنه حق يثبت بالإقرار فلم يعتبر فيه التكرار.
ب- وذهب أحمد وابن أبي ليلي وأبو يوسف إلى أنه يشترط الإقرار مرتين وذلك لما رواه أبو داود بإسناده عن أبي أمية المخزومي أن النبي ﷺ أتى بلص قد اعترف، فقال له: "ما إخالك سرقت "، قال: بلى فعاد عليه مرتين أو ثلاثًا فأمر به فقطع، ولو وجب القطع بأول مرة لما أخره، وقد روى ذلك عن علي ﵁.
ويجب أن يذكر في إقراره وصف السرقة لكي يندفع احتمال عدم توافر شروط القطع، وألا يرجع عن إقراره حتى يقطع ولا بأس عند الفقهاء بتلقين السارق ليرجع عن إقراره.
الراجح: نرى أن الراجح اشتراط أن يكون الاعتراف مرتين للحديث المذكرر، ولأن الإقرار يتضمن إتلافًا في حد فكان من شرطه التكرار كحد الزنا، ويفارق الاعتراف في السرقة حق الآدمي لأن حقه مبني على الشح أما حق الله فمبني على المسامحة.
٢ - البينة: وذلك بأن يشهد على السارق رجلان مسلمان عدلان حران، قال ابن المنذر (١): "وأجمعوا على أن قطع السارق يجب إذا شهد عليه بالسرقة شاهدان عدلان مسلمان حران ووصفا ما يجب فيه القطع".
ويشترط أن يصفا السرقة والحرز وجنس النصاب وقدره ليزول الاختلاف فيه، ويتم التأكد من صحة شهادتهما فإن اختلفا لم يقطع درءًا للحد بالشبهة (٢).
стр. 1629
عقوبة السرقة:
اتفق الفقهاء على أن عقوبة السارق أمران:
أولًا: قطع يده: لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
وقد تواترت الأحاديث بإقامة النبي ﷺ الحد على من سرق، وجرى عليه عمل الخلفاء الراشدين من بعده.
محل القطع: اتفق الفقهاء على وجوب قطع اليد اليمنى بعد ثبوت جريمة السرقة لأول مرة أو إذا تكررت السرقة قبل القطع، وذلك من مفصل الكف وهو الكوع، لما ثبت أن النبي ﷺ "قطع اليد اليمنى وكذلك خلفاؤه من بعده"، قال أبو عمر بن عبد البر (٢): "وثبت بالسنة المجمع عليها أن الأيدي في ذلك أريد بها الكوع"، وفي قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: "فاقطعوا أيمانهما" (٣)، ولأن البطش باليمين أقوى فكانت البداية بها أردع، ولأنها آلة السرقة فناسب عقوبتها بذلك.
وإذا سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في السارق: "إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله" (٤).
"وتقطع الرجل من مفصل الكعب، وفعل ذلك عمر ﵁" (٥).
وتحسم يد السارق بعد قطعها بأي طريقة مناسبة لئلا يؤدي إلى وفاته.
стр. 1630
وينبغي أن يتخير الوقت الملائم للقطع لئلا يؤدي إلى الإضرار بالسارق لأن المقصود الزجر دون القتل، ويختلف الفقهاء في حال عودة السارق للسرقة ثالثة:
١ - فيرى الحنفية والحنابلة في رواية أنه لا قطع عليه بل يحبس ويضرب حتى تظهر توبته أو يموت، وقد نقل ذلك عن عمر وعلي ﵄.
٢ - ويرى المالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الأخرى أنه إذا عاد للمرة الثالثة فإنه تقطع يده اليسرى فإن عاد بعدها فإنه تقطع رجله اليمنى فإن عاد حبس حتى تظهر توبته أو يموت لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله" (١).
٣ - وذهب الشافعي في القديم إلى أن السارق بعد قطع أطرافه الأربعة يقتل حدًا، وذلك لما روى جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ "أمر بقتل سارق في المرة الخامسة" (٢).
حكم زراعة عضو قطع في حد أو قصاص:
حيث إن الطب قد تقدم بحيث يمكن إعادة العضو المنفصل عن الإنسان في حال الحوادث وغيرها، فما هو حكم إعادة عضو قطع في حد أو قصاص؟
إن هذه المسألة من النوازل المعاصرة وقد درست وصدر فيها فتوى اللجنة الدائمة في السعودية رقم (٣٣٣٩) بأنه لا يجوز للسارق استرداد يده المقطوعة، وصدر فيها قرار "المجمع الفقهي المنبثق من منظمة المؤتمر الإِسلامي رقم (٥٨)
стр. 1631
لعام ١٤١٠ هـ وقد جاء فيه:
١ - لا يجوز شرعًا إعادة العضو المقطوع تنفيذًا للحد لأن في بقاء أثر الحد تحقيقًا كاملًا للعقوبة المقررة شرعًا، ومنعًا للتهاون في استيفائها وتفاديًا لمصادمة حكم الشرع في الظاهر.
٢ - بما أن القصاص قد شرع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه وصون حق الحياة للمجتمع، وتوفر الأمن والاستقرار، فإنه لا يجوز إعادة عضو استؤصل تنفيذًا للقصاص إلا في الحالات التالية:
أ- أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع.
ب- أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة العضو المقطوع منه.
ج- يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو في التنفيذ.
ثانيًا: رد المسروق:
إذا كان المسروق قائمًا وجب رده باتفاق الفقهاء لما روى سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (١).
واختلف الفقهاء في حال تلف المسروق وقد قطع السارق فيه:
١ - فذهب الحنفية إلى أن السارق لا يغرمه لحديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد" (٢).
стр. 1632
٢ - وذهب المالكية إلى وجوب رد المسروق من السارق إذا كان موسرًا يوم القطع وعدم رده إن كان معسرًا ويكفي قطع يده.
٣ - وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب الضمان مطلقًا ويجب على السارق رد مثل المسروق أو قيمته سواء كان موسرًا أو معسرًا، فالقطع هو الحق العام، والضمان لحق العبد فإن كان موسرًا فيغرمه في ماله، وإن كان معسرًا فبذمته كبقية الديون والمتلفات (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢).
جحد الوديعة والعارية:
اتفق الفقهاء على أنه لا قطع على جاحد الوديعة، وإنما اختلفوا في جاحد العارية هل يقطع أم لا؟
١ - فذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عند الحنابلة، إلى أنه لا يقطع، لحديث: "لا قطع على خائن" (٣).
والقطع الذي جاء به القرآن والسنة إنما هو للسارق، وجاحد العارية ليس سارقًا حيث لم يسرق من حرز وإنما هو خائن.
٢ - وذهب الحنابلة في رواية وغيرهم إلى أنه يقطع وذلك لما ورد عن عائشة ﵂ قالت: "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها" (٤). وهذا مخصص لحديث: "لا قطع على خائن" (٥).
стр. 1633
الراجح: أنه لا قطع على جاحد العارية، والمرأة المخزومية إنما قطعت يدها لسرقتها لا لجحودها، بدليل قوله ﷺ : "إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها" (١).
وإنما عرفتها عائشة ﵂ بجحدها العارية لشهرتها بذلك (٢).
قطع الطرار أو النشال:
هو الذي يسرق الناس في يقظتهم بشق الجيب بمهارة وخفة يد.
وقد اختلف الفقهاء في قطع الطرار أو النشال:
١ - فيرى الجمهور من المالكية والشافعية وهو رواية عند الحنابلة وهو قول أبي يوسف من الحنفية أنه يقطع الطرار أو النشال.
٢ - ويرى أبو حنيفة أنه إن كانت الدراهم مصرورة في داخل كمه فطرها فعليه القطع لإخراجه من الحرز.
٣ - وفي رواية عند الحنابلة أنه لا يقطع الطرار لأنه لا يسمى سارقًا (٣).
الاشتراك في السرقة:
إذا اشترك جماعة في سرقة شيء، وأخذ كل واحد منهم نصاب السرقة فإن الفقهاء يتفقون على وجوب قطع كل واحد منهم، أما إذا سرق الجميع ما قيمته
стр. 1634
نصاب واحد فقد اختلف فيه الفقهاء:
١ - فذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا قطع عليهم؛ لأن الجناية لم تكتمل بسرقة النصاب لكل واحد منهم.
٢ - وذهب المالكية والحنابلة إلى أنهم يقطعون جميعًا لأنهم سرقوا جميعًا مقدار النصاب (١).
سرقة الخمر والخنزير وآلات اللهو:
لا يقطع سارق الخمر والخنزير والميتة وآلات اللهو؛ لأنها ليست مالًا محترمًا في نظر الشرع ولا يغرم قيمتها عند جمهور الفقهاء، وقال المالكية إن كانت الخمر والخنزير لذمي فإنه يغرمها لأنها مال مقوم عندهم وإن كانت لمسلم فلا يغرمها (٢).
سقوط القطع في السرقة:
يسقط القطع بأحد أمور:
١ - العفو عن السارق: يسقط حد السرقة بالعفو عن السارق سواء كان بشفاعة أو تنازل من المسروق منه إذا كان الأمر لم يرفع إلى الحاكم، فإن رفع فإنه لا يجوز العفو فيه، وذلك لقوله ﷺ : "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب" (٣). ولقوله ﷺ لأسامة بن زيد حينما شفع في المخزومية التي سرقت:
стр. 1635
"أتشفع في حد من حدود الله" (١).
٢ - رجوع السارق عن إقراره: اتفق الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن رجوع السارق عن إقراره قبل القطع يسقط عنه الحد لأن ذلك شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
٣ - التوبة:
أ- يرى الشافعية في قول لهم والحنابلة في رواية أن التوبة تسقط الحد في السرقة لقوله تعالى بعد أن بين جزاء السارق والسارقة: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
وهو يدل على أن التائب لا يقام عليه الحد، إذ لو أقيم عليه الحد بعد التوبة لما كان لذكرها فائدة.
ب- ويرى الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية في أحد القولين والحنابلة في إحدى الروايتين أن التوبة لا تسقط حد السرقة لأن الآية لم تفرق في إقامة حد السرقة بين تائب وغيره حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)، ولأن النبي ﷺ أقام حد السرقة على عمرو بن سمرة حين أتاه تائبًا يطلب التطهير من سرقته جملًا، وقد جاء الكلام عن ذلك في الفتوى رقم (٩٠٠٠) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية وهذا هو الراجح إن شاء الله لما ذكره الجمهور ولأن الحد كفارة فلم يسقط بالتوبة.
стр. 1636
٤ - تملك السارق المسروق قبل الحكم:
أ- يرى الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة أن القطع يسقط عن السارق إذا تملك السارق المسروق قبل الحكم به لأن المطالبة شرط للحكم بالقطع، وقد أصبح ملكه فليس هنالك مطالبة.
ب- ويرى المالكية أن ذلك لا يسقط القطع لأن المطالبة ليست شرطًا عندهم وإنما وجود السرقة كاف لإقامة الحد دون مطالبة (١).
стр. 1637
باب حد قطاع الطريق (المحاربين)
التعريف لغة: الحرابة: من الحرب وهي نقيض السلم، يقال: حاربه محاربة وحرابًا، أو من الحرَب بفتح الراء: وهو السلب (١).
واصطلاحًا: قطاع الطرق أو المحاربون هم: الذين يعرضون للناس بالسلاح فيغصبونهم المال مجاهرة (٢).
الأصل في تحريم الحرابة وقطع الطريق وجزائها:
الأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣).
قال ابن عباس نزلت في قطاع الطرق من المسلمين لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤).
وأما السنة: فما روى أنس ﵁ قال: قدم رهط من عكل على النبي ﷺ كانوا في الصفة، فاجتووا المدينة فقالوا: يا رسول الله أبغنا رسلًا، فقال: "ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله ﷺ " فأتوها فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا وسمنوا وقتلوا الراعي واستاقوا الذود فأتى النبي ﷺ الصريخ، فبعث الطلب في آثارهم، فما ترجل النهار حتى أتى بهم، فأمر بمسامير فأحميت فكحَّلهم
стр. 1638
وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم، ثم ألقوا في الحرة يستسقون، فما سقوا حتى ماتوا (١).
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على قتل من عرض للناس بالسلاح وأخاف السبيل وأفسد بالقتل والسلب (٢).
شروط الحرابة (قطع الطريق):
يشترط لإقامة الحرابة شروط:
١ - التكليف:
(البلوغ والعقل) اتفق الفقهاء على أن التكليف شرط في اعتبار الحرابة، واختلفوا في حد من اشترك مع الصبي والمجنون في قطع الطريق.
أ- فذهب الأحناف إلى أن الحد يسقط عن الجميع لأنه إذا سقط عن البعض فإنه يسقط عن الجميع لأنها جناية واحدة وهم متضامنون في المسؤولية.
ب- وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الحد إذا سقط عن الصغير والمجنون فإنه لا يسقط عن غيره من المكلفين بل يحدون حد قاطع الطريق (٣).
٢ - أن يكون مع المحاربين سلاح:
أ- يشترط الحنفية والحنابلة أن يكون مع المحارب سلاح ولو كان حجارة أو عصى.
стр. 1639
ب- ولا يشترط المالكية والشافعية حمل السلاح بل يكفي عندهم القهر والغلبة وأخذ المال ولو باللكز والضرب (١).
٣ - يشترط الحنفية الذكورة في المحارب:
فلا تحد المرأة وإن وليت القتال وأخذ المال؛ لأن المحاربة والمغالبة لا تتحقق في النساء عادة لرقة قلوبهن وضعف بنيتهن فلا يكن من أهل الحرابة، ولا يحد من يشاركهن في القطع من الرجال.
ويرى الجمهور عدم اشتراط المذكورة في المحاربة، فقد يكون للأنوثة من القوة والتدبير ما للرجل فيجري عليها ما يجري على الرجل من أحكام المحاربة (٢)، وهذا هو الصحيح إن شاء الله لعموم الآية، ولأنها مكلفة يلزمها القصاص وسائر الحدود.
٤ - البعد عن العمران:
وذلك بأن يكونوا في الصحراء؛ لأن الواجب عليهم يسمى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء، أما داخل الأمصار فيمكن أن يغاثوا فتذهب شوكة المعتدين فلا يكون قاطعًا للطريق فلا يقام عليه الحد، وبهذا قال الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة.
وقال الجمهور من المالكية والشافعية وهو رواية عند الحنابلة أنه لا يشترط البعد عن العمران؛ لأن الآية عامة تتناول كل محارب، ولأن ذلك إذا وجد في العمران والأمصار أعظم خوفًا وأكثر ضررًا فكان بذلك أولى بحد الحرابة.
стр. 1640
٥ - أن يأخذ قطاع الطريق المال جهرًا:
فإن كان أخذهم خفية فهم سراق وإن نهبوا وهربوا فهم منتهبون ولا قطع عليهم (١).
٦ - أن يبلغ ما أخذه كل منهم النصاب الذي تقطع فيه السرقة:
وهذا عند الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة وأما المالكية فيرون أنه يقطع المحارب مطلقًا ولو كان دون نصاب السرقة؛ لأنه محارب لله ورسوله، وساع في الأرض بالفساد فيدخل في عموم الآية (٢).
عقوبة الحرابة (قطع الطريق):
اتفق الفقهاء على أن عقوبة المحارب حد من حدود الله لا يسقط ولا يقبل العفو عنها ما لم يتوبوا قبل القدرة عليهم وهي القتل أو الصلب أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، واختلفوا هل عقوبات المحارب الواردة في الآية والمعطوفة بحرف "أو" على التخيير أم على التنويع؟
١ - فذهب بعض الفقهاء إلى أن الحاكم مخير بين أي عقوبة من هذه العقوبات حسبما تقتضيه المصلحة، ويرى مالك أن قاطع الطريق إن قتل فلا بد من قتله، وله الخيار بين قتله بلا صلب أو بصلبه على خشبة ونحوها حيًا ثم يقتله قبل نزوله ... ، وأما إن أخذ المال ولم يقتل فالإمام مخير بين قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف، وأما إذا أخاف السيل فقط فالإمام مخير بين قتله أو صلبه أو قطعه أو
стр. 1641
نفيه فيما يرى فيه مصلحة للمجتمع، والتخيير الوارد في الآية هو مقتضى اللغة العربية، قال ابن عباس ﷺ : ما كان في القرآن "أو" فصاحبه بالخيار.
٢ - وذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة إلى أن "أو" في الآية للتنويع وأن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم وليست على التخيير، فمن قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى ومن أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ مالًا فإنه ينفى من الأرض، قال ابن عباس: "من أخاف السيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخذ المال وقتل قطعت يده ورجله ثم صلب، فإذا قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن هو لم يأخذ المال ولم يقتل نفي" (١).
كما أن العقوبات تختلف باختلاف الإجرام وقطع الطريق جرائم متنوعة فتتنوع العقوبة وفقًا لتنوع الجريمة، ومما يدل على أنه لا يمكن الأخذ بظاهر التخيير إجماع الأمة على أن قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال لا يكون جزاؤهم النفي وحده وإنما القتل والصلب.
الراجح: يترجح ما ذهب إليه الجمهور لما أوردوه من الأدلة، ولأن المعهود من القرآن الكريم البدأ بالأخف لما أريد به التخيير، والبدأ بالأغلظ فيما أريد به الترتيب ككفارة الظهار والقتل (٢).
الاشتراك في الحرابة (قطع الطريق):
إذا اشترك جماعة في قطع الطريق بحيث باشر بعضهم القتل وأخذ بعضهم
стр. 1642
المال وكان بعضهم ردءًا ومساعدًا لهم بالمراقبة أو الحراسة أو غيرها، فإن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة يرون أنه يقام عليهم الحد جميعًا؛ لأن المحاربة تحققت بعملهم جميعًا.
ويرى الشافعية: أن الردء والمساعد يستحق التعزير؛ لأنه لم يرتكب المعصية التي يجب بها الحد (١).
الراجح: أنه يجب الحد عليهم جميعًا؛ لأن المحاربة تحققت بعملهم جميعًا فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة المساعد له.
بم تثبت الحرابة (قطع الطريق):
تثبت جريمة الحرابة بأمور:
١ - الإقرار: فاعتراف قاطع الطريق على نفسه معتبر؛ لأنه غير متهم في حق نفسه.
٢ - البينة: وذلك بشهادة رجلين مسلمين عدلين ولا بد من التفصيل في الشهادة من تعيين قاطع الطرق ومن قتله أو أخذ ماله، وتقبل شهادة الرفقة إذا شهدا لغيرهما عند الشافعي وعند مالك تقبل شهادة المسلوبين على من سلبهم وقطع عليهم الطريق (٢).
стр. 1643
كيفية تنفيد العقوبة:
لجريمة قطع الطريق عقوبات مختلفة حسب الفعل الذي وقع منه، وتنفيذ ذلك على الوجه الآتي:
١ - القتل: يرى جمهور الفقهاء أن القاطع إذا قتل فقط فاستحق القتل بموجبه فإنه ينفذ فيه القتل ولا يشترط التكافؤ بين القاتل والمقتول فيقتل الحر بالعبد والمسلم بالذمي.
ويرى الشافعية في الراجح عندهم وهو رواية عند الحنابلة أنه يشترط التكافؤ بين القاتل والمقتول فلا يقتل حر بعبد ولا مسلم بذمي لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (١)، ولقوله ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر" (٢).
ويغرم المسلم دية الذمي والحر قيمة الرقيق (٣).
٢ - الصلب: يرى الحنفية والمالكية أنه يصلب حيًا ويقتل مصلوبًا؛ لأن ذلك أبلغ في الزجر، ومدة صلبه عند الحنفية ثلاثة أيام وعند المالكية تحدد مدة الصلب باجتهاد الإِمام.
ويرى الشافعية والحنابلة أنه يصلب بعد القتل لأن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظًا فيقدم الفعل ومدة صلبه ثلاثة أيام.
٣ - القطع: يقطع قاطع الطريق إذا أخذ المال ولم يقتل، ويكون ذلك بقطع يده اليمنى ورجله اليسرى وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ (٤)، وقطع
стр. 1644
اليد اليمنى كقطع يد السارق، وقطع رجله اليسرى ليتحقق بذلك المخالفة، وذلك أرفق به من قطع رجله اليمنى لكي يستطيع المشي، فيبدأ بقطع يده اليمنى وتحسم ثم رجله اليسرى وتحسم؛ لأن الله تعالى بدأ بذكر الأيدي.
٤ - النفي: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن عقوبة النفي تكون في حال إذا أخاف الطريق ولم يأخذ مالًا ولم يقتل نفسًا، ويرى الحنفية أن نفيه يكون بحبسه حتى تظهر توبته أو يموت؛ لأن نفيه إلى محل آخر فيه إيذاء لأهلها والمحبوس منفي من الأرض لأنه لا ينتفع بلذات الدنيا.
ويرى المالكية أن المراد بالنفي إبعاده عن بلده إلى مسافة البعد ويسجن.
ويرى الشافعية أن المراد بالنفي الحبس أو غيره كالتغريب في الزنى.
ويرى الحنابلة أن النفي يكون بأن يشردوا ولا يتركوا يستقرون في بلد (١).
سقوط عقوبة الحرابة (قطع الطويق):
يسقط الحد عن الحاربين بالتوبة قبل القدرة عليهم فيما كان حقًا لله تعالى من وجوب القتل والصلب أو القطع أو النفي وذلك باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
أما حقوق الآدميين فلا تسقط بالتوبة فيغرمون ما أخذه من المال ويقتص منهم إذا قتلوا ولا يسقط ذلك إلا بعفو صاحب الحق في مال أو قصاص (٣).
стр. 1645
دفاع الإنسان عن نفسه وعن غيره (دفاع الصائل):
الصيال: مصدر صال، إذا قدم بجراءة وقوة وهو الاستطالة والوثوب، ودفاع الصائل: دفع الإنسان الأذى عن نفسه أو حريمه أو ماله بالأخف فالأخف.
الأصل في مشروعية دفع الصائل: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١)، وحديث سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد" (٢).
حكم دفع الصائل:
١ - يرى الجمهور من الحنفية والمالكية في الأصح وفي قول عند الشافعية أنه يجب دفع الصائل على النفس وما دونها، وسواء كان الصائل كافرًا أو مسلمًا، وفي قول ثان للشافعية يجب إذا كان الصائل كافرًا فقط وهو رأي الحنابلة إذا كان الصيال في غير وقت الفتنة.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣)، ولقوله ﷺ : "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" (٤).
ولأن المصول عليه قدر على إحياء نفسه فوجب عليه فعل ذلك.
стр. 1646
٢ - ويرى الشافعية أنه إذا كان الصائل مسلمًا فلا يجب دفعه ويجوز له الاستسلام وهو رأي الحنابلة في وقت الفتنة واستدلوا بما روى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كن كابن آدم" يعني هابيل (١).
وقال حديثٌ حسنٌ، ولأن عثمان ﵁ ترك القتال مع إمكانه، ومع علمه بأنهم يريدون نفسه، واشتهر ذلك في الصحابة ﵃ فلم ينكر عليه أحد.
ضمان قتل الصائل:
إذا قتل المصول عليه الصائل دفاعًا عن نفسه ونحوها بعد محاولته دفعه بما يستطيع من وسائل فلم يمكن إلا قتله، فلا ضمان عليه بقصاص ولا دية ولا كفارة ولا قيمة ولا إثم عليه؛ لأنه مأمور بذلك لحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخد مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "قاتله"، قال أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" (٢).
والقاتل إنما قتله لدفع شره ولو منع من ذلك لتسلط الناس بعضهم على بعض.
الدفاع عن الغير:
على المسلم أن يدافع عن نفس الإنسان المعصوم وعرضه إذا تعرض لاعتداء بالقتل أو أخذ المال أو هتك العرض لحديث: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (٣). ويشترط بعض الفقهاء أن يأمن المدافع على نفسه الهلاك، كما يشترط
стр. 1647
بعضهم ألا يكون ذلك في فتنة، حرصًا على دماء المسلمين وما قد يدفع إليه الدفاع من عواقب كثرة القتل وضعف الأمن (١).
стр. 1648
باب قتال أهل البغي
التعريف:
البغي لغة: مصدر بغى يبغي أي ظلم واعتدى وبغى: سعى بالفساد (١).
وسموا بذلك لمجاوزتهم الحد.
واصطلاحًا: هم الخارجون من المسلمين عن طاعة الإِمام الحق بتأويل ولهم شوكة (٢).
أنواع البغي:
١ - البغي على الإِمام والخروج عليه سيأتي الكلام فيه.
٢ - البغي باقتتال طائفتين من المسلمين كل منهما باغ، فيجب أن يمشي بينهما بالصلح، فإن لم يصطلحا وأقامتا على البغي فإنه يصار إلى مقاتلتهما جميعًا حتى يرجعا إلى الحق.
٣ - البغي من أحدهما على الأخرى فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن ترجع فإن فعلت أصلح بينهما بالقسط والعدل (٣).
حكم البغي:
البغي حرام والأصل في حرمته الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
стр. 1649
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (١).
فأوجب الله تعالى في هذه الآية على المؤمنين قتال الباغين إذا لم يقبلوا الصلح.
وأما السنة: فما جاء أن النبي ﷺ قال: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه" (٢).
وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة على قتال الباغي.
ويرى العلماء أنه مع وجوب قتالهم فإنهم لا يكفرون بالبغي وأنه يسقط قتالهم إذا رجعوا ولا يحاسبون عما أتلفوه في قتالهم وهذا ما دلت عليه الآية (٣).
شروط تحقق البغي:
يشترط لتحقق البغي:
١ - أن يكون الناس قد اجتمعوا على إمام وصاروا به آمنين، فيجب طاعته ويحرم الخروج عليه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤).
٢ - أن يكون الخروج عن الطاعة من جماعة قوية لها شوكة وقوة هذا عند الجمهور ويرى الشافعية أنه يشترط أن يكون لهم رئيس مطاع.
٣ - أن يكون للخارجين تأويل سائغ يدعوهم إلى الخروج على حكم الحاكم أو يعتنقوا رأي الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويستحلون دماء المسلمين
стр. 1650
وأموالهم إلا من خرج معهم.
٤ - أن يكون خروجهم على وجه المغالبة وإظهار القوة (١).
كيفية معاملة البغاة:
على الإِمام أن يدعو البغاة الخارجين عليه إلى العودة إلى الجماعة والدخول في طاعته وأن يبعث إليهم من يسألهم عن سبب خروجهم ويبين لهم الصواب، وإن ذكروا مظالم أزالها أو شبهة كشفها، وإذا سألوا الإِمام مهلة فعليه إجابتهم ما لم يترتب عليه خطر على أهل العدل قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن أهل البغي إذا سألوا الإِمام النظر في أمورهم، ورجا رجوعهم عما هم عليه إلى طريق أهل العدل فعليه أن يفعل" (٢).
فإن أصروا بعد ذلك قاتلهم حينئذ؛ لأن الله تعالى بدأ بالأمر بالصلح قبل القتال في قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (٣).
وقد بعث علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس ﵃ إلى الخوارج فوعظهم وذكرهم حتى رجع بعضهم (٤).
وذلك لأن المقصود كفهم ودفع شرهم لا قتلهم، لما في القتال من الضرر بالفريقين، ثم قاتل عليٌّ المصّرين منهم، وإذا قاتلهم أهل العدل فإن على من دعاهم الإِمام إلى مقاتلة البغاة الاستجابة، وذلك لحديث عبد الله بن عمر ﵄