← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

٢ - ويرى الشافعية أنه إذا كان الصائل مسلمًا فلا يجب دفعه ويجوز له الاستسلام وهو رأي الحنابلة في وقت الفتنة واستدلوا بما روى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كن كابن آدم" يعني هابيل (١). وقال حديثٌ حسنٌ، ولأن عثمان ﵁ ترك القتال مع إمكانه، ومع علمه بأنهم يريدون نفسه، واشتهر ذلك في الصحابة ﵃ فلم ينكر عليه أحد. ضمان قتل الصائل: إذا قتل المصول عليه الصائل دفاعًا عن نفسه ونحوها بعد محاولته دفعه بما يستطيع من وسائل فلم يمكن إلا قتله، فلا ضمان عليه بقصاص ولا دية ولا كفارة ولا قيمة ولا إثم عليه؛ لأنه مأمور بذلك لحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخد مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "قاتله"، قال أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" (٢). والقاتل إنما قتله لدفع شره ولو منع من ذلك لتسلط الناس بعضهم على بعض. الدفاع عن الغير: على المسلم أن يدافع عن نفس الإنسان المعصوم وعرضه إذا تعرض لاعتداء بالقتل أو أخذ المال أو هتك العرض لحديث: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (٣). ويشترط بعض الفقهاء أن يأمن المدافع على نفسه الهلاك، كما يشترط

стр. 1647

بعضهم ألا يكون ذلك في فتنة، حرصًا على دماء المسلمين وما قد يدفع إليه الدفاع من عواقب كثرة القتل وضعف الأمن (١).

стр. 1648

باب قتال أهل البغي التعريف: البغي لغة: مصدر بغى يبغي أي ظلم واعتدى وبغى: سعى بالفساد (١). وسموا بذلك لمجاوزتهم الحد. واصطلاحًا: هم الخارجون من المسلمين عن طاعة الإِمام الحق بتأويل ولهم شوكة (٢). أنواع البغي: ١ - البغي على الإِمام والخروج عليه سيأتي الكلام فيه. ٢ - البغي باقتتال طائفتين من المسلمين كل منهما باغ، فيجب أن يمشي بينهما بالصلح، فإن لم يصطلحا وأقامتا على البغي فإنه يصار إلى مقاتلتهما جميعًا حتى يرجعا إلى الحق. ٣ - البغي من أحدهما على الأخرى فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن ترجع فإن فعلت أصلح بينهما بالقسط والعدل (٣). حكم البغي: البغي حرام والأصل في حرمته الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا

стр. 1649

فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (١). فأوجب الله تعالى في هذه الآية على المؤمنين قتال الباغين إذا لم يقبلوا الصلح. وأما السنة: فما جاء أن النبي ﷺ قال: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه" (٢). وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة على قتال الباغي. ويرى العلماء أنه مع وجوب قتالهم فإنهم لا يكفرون بالبغي وأنه يسقط قتالهم إذا رجعوا ولا يحاسبون عما أتلفوه في قتالهم وهذا ما دلت عليه الآية (٣). شروط تحقق البغي: يشترط لتحقق البغي: ١ - أن يكون الناس قد اجتمعوا على إمام وصاروا به آمنين، فيجب طاعته ويحرم الخروج عليه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤). ٢ - أن يكون الخروج عن الطاعة من جماعة قوية لها شوكة وقوة هذا عند الجمهور ويرى الشافعية أنه يشترط أن يكون لهم رئيس مطاع. ٣ - أن يكون للخارجين تأويل سائغ يدعوهم إلى الخروج على حكم الحاكم أو يعتنقوا رأي الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويستحلون دماء المسلمين

стр. 1650

وأموالهم إلا من خرج معهم. ٤ - أن يكون خروجهم على وجه المغالبة وإظهار القوة (١). كيفية معاملة البغاة: على الإِمام أن يدعو البغاة الخارجين عليه إلى العودة إلى الجماعة والدخول في طاعته وأن يبعث إليهم من يسألهم عن سبب خروجهم ويبين لهم الصواب، وإن ذكروا مظالم أزالها أو شبهة كشفها، وإذا سألوا الإِمام مهلة فعليه إجابتهم ما لم يترتب عليه خطر على أهل العدل قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن أهل البغي إذا سألوا الإِمام النظر في أمورهم، ورجا رجوعهم عما هم عليه إلى طريق أهل العدل فعليه أن يفعل" (٢). فإن أصروا بعد ذلك قاتلهم حينئذ؛ لأن الله تعالى بدأ بالأمر بالصلح قبل القتال في قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (٣). وقد بعث علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس ﵃ إلى الخوارج فوعظهم وذكرهم حتى رجع بعضهم (٤). وذلك لأن المقصود كفهم ودفع شرهم لا قتلهم، لما في القتال من الضرر بالفريقين، ثم قاتل عليٌّ المصّرين منهم، وإذا قاتلهم أهل العدل فإن على من دعاهم الإِمام إلى مقاتلة البغاة الاستجابة، وذلك لحديث عبد الله بن عمر ﵄

стр. 1651

قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعطى إمامًا صفقة يده وثمرة قلبه فيلطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" (١). ويتبع في قتال البغاة ما يأتي: ١ - مقاتلة من قاتل منهم. ٢ - عدم قتل من أدبر منهم أو ألقى السلاح لأن القصد ردعهم لا قتلهم. ٣ - ألا يجهز على جريحهم، ويرى الحنفية أنه إن كانت لهم فئة يرجعون إليها فتقوى شوكتهم فإنه يجوز الإجهاز على جريحهم واتباع موليهم وإلا فلا. ٤ - ألا يقتل أسيرهم، ومن أسر يحبس حتى تنقضي الحرب ثم يرسل. ٥ - ألا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم. ٦ - ألا يقاتلوا بما يعم إتلافه كالقذائف والصواريخ وغيرها (٢). إلا أن فعل ذلك البغاة فيرد عليهم بمثله. وذلك لحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدري يا ابن أم عبد، كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "لا يجهز جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئوها" (٣). ضمان الإتلاف: لذلك حالتان:

стр. 1652

الأولى: أن يكون الإتلاف حال الحرب والقتال: وبيان ذلك وفقًا للآتي: ١ - ما أتلفه أهل العدل: ما أتلف من الأنفس والأموال فإنه لا ضمان فيه لأنه فعل ما أمر به. ٢ - ما أتلفه أهل البغي فقد اختلف فيه الفقهاء: أ- فيرى الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعيُّ في أحد قوليه والحنابلة أنه لا ضمان عليهم لما روى الزهري أنه قال: "كانت الفتنة العظمى بين الناس وفيهم البدريون، فأجمعوا على أن لا يقام حد على رجل ارتكب فرجا حرامًا بتأويل القرآن، ولا يغرم ما أتلفه بتأويل القرآن" (١). ولأنها طائفة ممتنعة بتأويل سائغ، فلم تضمن ما أتلفت على الأخرى، كأهل العدل، ولأن تضمينهم يقضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلا يشرع. ب- وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى تضمينهم لقول أبي بكر ﵁ لأهل الردة: "ترون قتلانا ولا نرى قتلاكم" (٢). ولأنها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حق فوجب ضمانها كالتي أتلفت في غير حال الحرب. الراجح: يتبين من ذلك أن الراجح هو عدم التضمين لما ذكره الجمهور من الأدلة، وأما قول أبي بكر ﵁ فقد رجع عنه ولم يمضه، فإن عمر ﵁ قال: قتلانا قتلوا في سبيل الله تعالى، فوافقه أبو بكر ورجع إلى قوله.

стр. 1653

الثانية: أن يكون الإتلاف في غير الحرب والقتال: وبيان ذلك وفقًا للآتي: ١ - يرى الشافعية والحنابلة أن ما أتلفه أهل العدل وأهل البغي مضمون على كل منهم، ولذلك لما قتل الخوارج عبد الله بن حباب أرسل إليهم علي ﵁: "أقيدونا من عبد الله بن حباب" (١). ٢ - ويرى الحنفية والمالكية أنه لا ضمان عليهم جميعًا لأن أهل العدل على حق والبغاة خرجوا بتأويل ثم إن المطالبة بالضمان قد يزيد الفتنة ويجعل البغاة يتمسكون بموقفهم. قتلى المعارك (أهل العدل والبغاة): أولًا: قتلى أهل العدل: من قتل من أهل العدل كان شهيدًا لأنه قتل في قتال أمر الله به حيث قال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (٢). ولا يغسل ولا يصلى عليه أشبه بشهيد معركة الكفار وهذا هو قول بعض الفقهاء، وقال بعضهم هو شهيد ولكن يغسل ويصلى عليه لأن النبي ﷺ "أمر بالصلاة على من قال: لا إله إلا الله" (٣)، وهو ليس كقتيل الكفار إذ أن قتيل الكفار أعظم أجرًا.

стр. 1654

ثانيًا: قتلى البغاة: من قتل من البغاة فإن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يرون أنهم يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم لعموم قوله ﷺ : "صلوا على من قال لا إله إلا الله" (١). ولأنهم مسلمون فيصلى عليهم. ويرى الحنفية أنه لا يصلى عليهم ولكن يغسلون ويكفنون ويدفنون لأن عليًا ﵁ لم يصل على أهل حروراء (٢). بيع السلاح لأهل الفتنة: ١ - ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى تحريم بيع السلاح للبغاة وأهل الفتنة، لأن في هذا سدًا لذريعة الإعانة على المعصية لأن النبي ﷺ "نهى عن بيع السلاح في الفتنة" (٣). ٢ - ويرى الحنفية أنه يكره بيع السلاح من أهل البغي لأنه إعانة لهم على المعصية (٤).

стр. 1655

باب أحكام الردة التعريف: الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء، وقد تطلق على الامتناع من أداء الحق كمانعي الزكاة (١). واصطلاحًا: الردة: هي كفر المسلم مختارًا بقول أو اعتقاد أو فعل (٢). حكل الردة والأصل فيه: الردة أعظم أنواع الكفر وأغلظها حكمًا وتبطل جميع الأعمال التي عملها قبل كفره والأصل في عقاب الردة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣). وأما السنة: فما روى عبد الله بن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٤)، وحديث ابن مسعود ﵁: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق الجماعة" (٥).

стр. 1656

وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين روى ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلى ﵃ ولم ينكر ذلك فكان إجماعًا (١). وأما المعقول: فإن الإِسلام نظام شامل وكامل للحياة والدخول فيه سعادة الدنيا والآخرة، ولا بد لكل نظام من سياج يحميه ويردع من يخرج عليه كما في كل الدول فإن من يخرج على نظامها يتهم بالخيانة العظمى، والخيانة جزاؤها الإعدام، ولذلك شرع الإِسلام عقوبة القتل للمرتد حماية لنظامه وكيانه ووقاية له مما يعتري غيره من التصدع وعدم الاستقرار. ما يوجب الردة: الردة تقع إما باعتقاد أو قول أو فعل. ١ - الردة بالاعتقاد: اتفق الفقهاء على أن من أشرك بالله أو جحده أو نفى صفة ثابتة من صفاته أو أثبت لله الولد، أو جحد شيئًا من القرآن، أو اعتقد كذب النبي ﷺ أو اعتقد أن حل شيء مجمع على تحريمه كالزنا وشرب الخمر أو أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة أو اعتقد أن العمل بالقوانين الوضعية أصلح وأفضل من الشريعة الإِسلامية فإنه يكفر ويكون مرتدًا عن الإِسلام. ٢ - الردة بالأقوال: اتفق الفقهاء على أن من سب الله تعالى وكذلك من سب الرسول ﷺ أو سب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنه يكفر بأي شيء من ذلك ويكون مرتدًا سواء كان مازحًا أو جادًا أو مستهزئًا، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ

стр. 1657

لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١). ٣ - الردة بالأفعال: اتفق الفقهاء على أن من سجد لصنم أو للشمس أو للقمر أو قام بأي فعل يدل على الاستخفاف بالقرآن أو أتى بفعل صريح في الاستهزاء بالإِسلام أو ترك الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج جاحدًا لها فإنه يكفر بذلك ويكون مرتدًا عن الإِسلام (٢). شروط الردة: يشترط لاعتبار الردة شروط هي: ١ - التكليف: وذلك بأن يكون من تصدر عنه الردة مكلفًا (بالغًا عاقلًا) لأن البلوغ والعقل مناط التكليف، فلا تصح الردة من الصبي والمجنون لأنهما غير مكلفين وكذلك من زال عقله بإغماء أو نوم أو مرض أو شرب دواء يباح شربه لحديث: "رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" (٣). قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه أنه مسلم (٤).

стр. 1658

٢ - الاختيار: وذلك بأن يكون من يصدر منه ما يوجب الردة، مختارًا طائعًا غير مكره، فإن كان مكرها لم يحكم بردته، ولا يخرج من الإِسلام ما دام أنه مطمئن بالإيمان، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ﴾ (١). ولما روى أن عمارًا ﵁ أخذه المشركون، فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه، ثم أتى النبي ﷺ -وهو يبكي فأخبره، فقال له النبي ﷺ : "إن عادوا فعد" (٢). ثبوت الردة: تثبت الردة بأحد أمرين: ١ - الإقرار: وذلك بأن يقر بما يوجب الردة. ٢ - شهادة رجلين عدلين: ويجب التفصيل في الشهادة على الردة بأن يبين وجه كفره لاختلاف العلماء فيما يوجبها. استتابة المرتد وكيفية توبته: اختلف الفقهاء في استتابة المرتد هل هي واجبه أم مستحبة؟ ١ - فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجب استتابة المرتد ثلاثًا وذلك لما جاء في الحديث أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإِسلام، فأمر النبي ﷺ "أن يعرض عليها الإِسلام، فإن رجعت وإلا قتلت" (٣).

стр. 1659

٢ - وذهب الحنفية وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد أن استتابة المرتد مستحبة وذلك لقول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (١)، ولم يذكر استتابة. الراجح: أن المرتد يستتاب لما ذكره الجمهور، ولما روى مالك في الموطأ: "عن عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الله القارئ، عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى فقال له عمر: هل كان من مغربة خير؟ قال: نعم رجل كفر بعد إسلامه، فقال ما فعلتم به؟ قال: قربناه، فضربنا عنقه، فقال عمر فهلا حبستموه ثلاثًا، فأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه، لعله يتوب، أو يراجع أمر الله؟ اللَّهم أني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني" (٢). ولو لم تجب استتابته لما برئ من فعلهم، ولأنه أمكن استصلاحه، فلم، يجز إتلافه قبل استصلاحه. كيفية توبته: تتحقق توبة المرتد بنطقه بالشهادتين لقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (٣)، وإذا كانت ردته بجحد شيء من ضروريات الدين فتوبته تكون بالشهادتين والإقرار بما أنكر وبذلك يسقط عنه حد القتل. عقوبة المرتد: اتفق الفقهاء على أن حد المرتد هو قتله بعد استتابته، كما جاءت بذلك فتوى اللجنة الدائمة في السعودية رقم (٢١١٦٦) وذلك للإمام أو نائبه، ويكون قتله بالسيف.

стр. 1660

فإذا قتل فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين (١)، وقتله لحديث بن عباس ﵄: "من بدل دينه فاقتلوه" (٢). أما المرأة المرتدة فيرى جمهور الفقهاء، أنها كالرجل لعموم حديث: "من بدل دينه فاقتلوه"، ولما جاء في شأن أم مروان التي ارتدت فأمر النبي ﷺ "أن يعرض عليها الإِسلام فإن تابت وإلا قتلت" (٣). ويرى الحنفية أن المرتدة لا تقتل بل تحبس حتى تتوب أو تموت لنهي النبي ﷺ عن قتل الكافرة التي لا تقاتل أو تحرض على القتال، فتقاس المرتدة عليها. الراجح: ما ذهب إليه الجمهور لما ذكروه من أدلة. أثر الردة على المرتد: ١ - أتر الردة على الزواج: إذا ارتد أحد الزوجين فإنه يفرق بينهما فإن تاب المرتد منهما قبل انقضاء العدة رجع إليه الآخر، وإن انقضت العدة قبل التوبة بانت منه الزوجة ويعتبر ذلك فسخًا لا طلاقًا وذلك عند الشافعية ورواية عند الحنابلة، ولا يصح عقد زواجه لأنه لا ملة له. ويرى المالكية أنه إذا ارتد أحد الزوجين المسلمين كان ذلك طلقة بائنة فإن رجع إلى الإِسلام لم ترجع له إلا بعقد جديد.

стр. 1661

ويرى الحنفية وهو رواية عند الحنابلة أن ردة أحدهما تكون فسخًا عاجلًا، لأن الردة تنافي النكاح. ٢ - أثر الردة في تصرفات المرتد: أ- يرى المالكية والحنابلة والشافعية في الأظهر وأبو حنيفة أن تصرفه موقوف على مآله قال ابن المنذر: "أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم"، فإن مات أو قتل زال ملكه وصار فيئًا، وإن عاد إلى الإِسلام عاد إليه ماله وجاز تصرفه، وذلك لأن ملكه تعلق به حق غيره مع بقاء ملكه فيه فكان تصرفه موقوفًا. ب- ويرى الشافعية في قول وأبو بكر من الحنابلة أن تصرفه باطل لأنه ملكه قد زال بردته. ج- ويرى الشافعية في قول آخر لهم وأبو يوسف ومحمَّد من الحنفية أن ملكه لا يزول بردته؛ لأن الملك كان ثابتًا له حالة الإِسلام والكفر لا ينافي الملك كالكافر الأصلي، وبناء عليه تكون تصرفاته جائزة كما تجوز من المسلم. ٣ - أثر الردة على الإرث: اتفق الفقهاء على أن المرتد لا يرث أحدًا من أقاربه المسلمين لانقطاع الصلة بالردة، كما لا يرث كافرًا لأنه لا يقر على الدين الذي صار إليه، ثم اختلفوا في مال المرتد إذا قتل أو مات على الردة على أقوال: أ- يكون جميع ماله فيئًا لبيت المال وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة. ب- يكون ماله لورثته من المسلمين سواء اكتسب المال في الإِسلام أو ردته، وهذا قول أبي يوسف ومحمَّد من الحنفية. ج- يكون ما اكتسبه في حال إسلامه لورثته وما اكتسبه في حال ردته لبيت

стр. 1662

المال وهذا قول أبي حنيفة (١). إطلاق الكفر على المسلم: لا يجوز إطلاق الكفر على المسلم لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما" (٢). وذكر النووي في شرحه لصحيح مسلم وجوهًا متعددة لتأويل الحديث: ١ - فإن كان أطلق لفظ الكفر على المسلم وهو يعتقد استحلال ذلك أو بطلان دين الإِسلام فإنه يكفر بذلك ويكون مرتدًا حده القتل إن لم يتب. ٢ - إذا كان يقصد بالكفر كفر النعمة أو نحوه فلا يكفر ويكون عاصيًا يستحق التعزير عليه (٣). كفر الساحر وردته: السحر هو عقد ورقي وكلام يتكلم به أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له، ومن السحر ما يقتل ومنه ما يمرض وغير ذلك، وتعلم السحر وتعليمه وفعله حرام ليس في هذا خلاف بين أهل العلم. هل يعد الساحر كافرًا ومرتدًا ؟ اختلف في ذلك الفقهاء: ١ - ذهب الحنفية والحنابلة في المذهب إلى أن الساحر يكفر بسحره سواء اعتقد تحريمه أو لا.

стр. 1663

٢ - وذهب أحمد في رواية إلى أن الساحر لا يكفر. ٣ - وذهب المالكية إلى تكفير الساحر إذا كان سحره مشتملًا على كفر. ٤ - وذهب الشافعية إلى أنه إن اعتقد إباحة السحر أو وصفه بما هو كفر فهو كافر وإن وصفه بما ليس بكفر فليس بكافر. استتابة الساحر: ١ - ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة في رواية إلى أن الساحر لا يستتاب وهو ما نقل عن الصحابة فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحرا. ٢ - وذهب بعض العلماء وهو رواية عن أحمد إلى أن الساحر يستتاب، فإن تاب قبلت توبته لأنه ليس بأعظم من الشرك، وقد قبل الله توبة سحرة فرعون. حد الساحر وعقوبته بعد ثبوت سحره: ١ - حد الساحر القتل وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمدُ وذلك لحديث جندب بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "حد الساحر ضربه بالسيف" (١). وما جاء في كتاب عمر ﵁ قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر فقتلنا ثلاث سواحر في يوم، وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعًا. ٢ - لا يقتل الساحر بمجرد السحر وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد، لأن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق". ولم يصدر منه أحد الثلاثة، فوجب ألا يحل دمه وإنما يستتاب فإن تاب خلى سبيله وإلا فيحبس لعله يرجع.

стр. 1664

الراجح: يتبين مما ذكره الجمهور أن الراجح هو القول بقتل الساحر لما أوردوه من الأدلة، ولكن يكون القتل بعد الاستتابة فإن تاب وإلا قتل. حد الكاهن والعراف: الكاهن: هو الذي يتخذ من الجن من يأتيه بالأخبار. وقيل هو من يتعاطى الخبر عن الكائنات في المستقبل ويدعي معرفة الأسرار. والعراف: هو الذي يتحدث بالحدس والظن مدعيًا أنه يعلم الغيب. وقال الخطابي: هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق والضالة ونحوها. وتعلم الكهانة والعرافة وتعليمهما حرام. حد الكاهن والعراف وعقوبتهما: ١ - يرى الحنفية وهو رواية عن أحمد أن الكاهن والعراف يقتلان إذا لم يتوبا لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد" (١). ٢ - ويرى الإِمام أحمد في رواية أنهما يستتابان فإن تابا وإلا حبسا حتى يتوبا (٢). وإنما كان حد الكاهن القتل لادعائه الغيب وهو مما استأثر الله به قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله﴾ (٣). قال ابن المنذر: "والكل مذموم شرعًا محكوم عليهم وعلى مصدقهم بالكفر" (٤).

стр. 1665

باب التعزير التعريف: التعزير في اللغة: مصدر عزَّر، وهو الردُّ والمنع، والتعزير: ضرب دون الحد، وسُمِّيت العقوبة تعزير؛ لأن شأنها أن تمنع الجاني وترده عن معاودة الجرائم (١). وفي الاصطلاح: هو عقوبة غير مقدرة تجب حقًا لله أو لآدمي في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة (٢). حكم التعزير والأصل فيه: التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة والأصل في ذلك السنة (٣). ومنها ما ورد عن أبي برده الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى" (٤). حيث جاء فيه مشروعية التأديب في غير الحدود المقدرة وهذا إثبات لمشروعية مبدأ التعزير. حكمة مشروعية التعزير: قرر الإِسلام العقوبات المحددة وهي: الزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق، والمرتد، وبين مقدار جزائها، والمعاصي التي لم يقدر لها حدود هي أكثر مما قدر وحدد.

стр. 1666

ولذلك شرع الإِسلام التأديب فيها ليكون ذلك رادعًا وزاجرًا للعصاة ومن تسول له نفسه الإساءة للأفراد والعبث بنظام المجتمع ومصالحه وأمنه. المعاصي التي يعاقب فيها بالتعزير: يتفق الفقهاء على أن ترك الواجب أو فعل المحرم معصية يستحق التعزير عليها إذا لم يكن فيها حد مقدر ويكون ترك الواجب في مثل منع الزكاة وترك قضاء الدين وغيرها. ويكون فعل المحرم في مثل سرقة ما لا قطع فيه لعدم توافر شروط النصاب أو الحرز والجرائم التي لا تكتمل شروط تنفيذ الحد فيها كالزنا والقذف وقطع الطريق والغش في الأسواق (١). وقد جاء في الفتوى رقم (٦٦٨٧) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية أن باشر امرأة فوق اللباس فعليه التعزير. ومن الجرائم التي يعاقب عليها بالتعزير: الرشوة: وهي تقديم شيء له قيمة كالمال والهدايا لمن في يده قضاء منفعة معينة للناس وفي مقابل ذلك يخل هذا الشخص بقيمه الإِسلامية والشرعية من أجل أن يستفيد الراشي (٢). وهي جريمة محرمة في الإِسلام قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٣)، وذلك أن اليهود أكالون السحت من الرشوة.

стр. 1667

وجاء في حديث أبي هريرة قال: "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش (١) " (٢). التزوير: والتزوير هو العبث بوثيقة مكتوبة بهدف الغش أو الاحتيال، وتتضمن أنواع التزوير: التوقيع تحت اسم شخص آخر إما على شيك أو على وصية أو عقد أو أوراق الهوية والشهادات العلمية وغيرها، وهي جريمة محرمة في الإِسلام لما يترتب عليها من إبطال حق وإثبات باطل وقد قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣). الفرق بين الحد والتعزير: ١ - أن الحدود واجبة التنفيذ وأما التعزير فيرى أبو حنيفة ومالك وأحمدُ أنه يجب التنفيذ إن كان لحق لله تعالى إلا أن يغلب على ظن الإِمام أن غير الضرب أولى كالكلام واللوم ونحوها، ويرى الشافعي أنه غير واجب بل النظر للإمام إن شاء أقامه وإن شاء تركه حسب المصلحة وذلك لما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ "لم يعزر الأنصاري الذي قال له في حق الزبير، أن كان ابن عمتك، فغضب النبي ﷺ ولم يعزره على مقالته " (٤). ٢ - أن الحدود مقدرة وعلى القاضي تنفيذها كما جاءت بعد ثبوتها، أما التعزير فإن القاضي يختار من العقوبات الشرعية ما يناسب الحال، وذلك يختلف باختلاف الجنايات وأحوال الناس.

стр. 1668

٣ - أن الحدود لا تسقط بالتوبة إلا الحرابة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١). أما التعزير فيسقط بالتوبة، قال في الفروق (٢): "ما علمت في ذلك خلافا". ٤ - أن الحدود تثبت بالبينة أو بالاعتراف بشروطها أما التعزير فيثبت بذلك وبغيره. ٥ - أن من أقيم عليه الحد فمات من ذلك فدمه هدر، أما التعزير فقد اختلفوا فيه: فيرى الحنفية والمالكية والحنابلة أنه كالحد لا يجب ضمانه، ويرى الشافعية أن عليه الضمان لأن عمر ﵁ "ضمن المرأة التي أجهضت جنينها حين أرسل إليها (٣) " (٤). أنواع التعزير: يجوز التعزير بعقوبات مختلفة يختار منها الحاكم في كل حالة ما يراه مناسبًا ومحققًا لأغراض التعزير وهذه العقوبات يمكن ذكرها بالآتي: أولًا: العقوبات البدنية ومنها: ١ - التعزير بالقتل: ويجيز الفقهاء التعزير ولكنهم يختلفون في الجريمة التي تستحق القتل فأجاز أبو حنيفة التعزير بالقتل فيما تكرر من الجرائم التي يجب في جنسها القتل، مثل القتل بالمثقل وقتل السارق سياسة إذا تكرر منه (٥).

стр. 1669

ويرى بعض الفقهاء أن من تلك الجرائم قتل الجاسوس وقتل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى غير كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وغير ذلك مما لا يندفع إلا بالقتل (١). ٢ - التعزير بالجلد: وهو مشروع لحديث أبي بردة الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى" (٢). وقد اختلف الفقهاء في مقدار الجلد في التعزير: أ- ذهب أحمد في المشهور من مذهبه والشافعيُّ في وجه عنده إلى أن المعاصي التي لم يقدر لها حد فإن عقوبة مرتكبها عشرة أسواط فما دون لمن كان قد فعل المعصية، ولا يزاد عن ذلك إلا ما ورد به نص كما روى النعمان بن بشير ﵁ في "الذي وطئ جارية امرأته بإذنها أنه يجلد مائة" (٣). ب- وذهب أبو حنيفة والشافعيُّ وهو رواية عن أحمد إلى أنه لا يبلغ بالتعزير بالجلد الحدود المقدرة فلا يزاد تعزير حر عن تسع وثلاثين جلدة، وذلك أن أقل الحدود أربعون جلدة للعبد في القذف والشرب. ج- وذهب مالك إلى أنه يجوز للإمام أن يزيد عن الحد في التعزير مع مراعاة المصلحة التي لا يشوبها الهوى. الراجح: نرى أن التعزير يكون بحسب المصلحة وعلى قدر الجريمة وما يراه الحاكم زاجرًا ورادعًا لمن ارتكب الجريمة، وهو ما ذهب إليه مالك وأبو ثور وهو

стр. 1670

اختيار ابن تيمية وابن القيم (١)، غير أنهما يريان ألا يبلغ التعزير فيما فيه حد مقدر ذلك المقدر. وأما الحديث: "ألا يجلد فوق عشرة أسواط"، فيحمل على أن المقصود به التأديب فيما لا يتعلق بمعصية كتأديب الولد ونحوه (٢). ٣ - التعزير بالحبس: وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٣). وأما السنة: فما رواه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ "حبس في التهمة" (٤). وأما الإجماع: فقد سجن عمر ﵁ الحطيئة على هجائه وسجن علي ﵁ بالكوفة ولم يخالفهم أحد فكان إجماعًا. ويرجع تقدير مدة الحبس للحاكم حسب الجريمة وحال المجرم. ٤ - التعزير بالنفي والتغريب: وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.

стр. 1671

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١). وأما السنة: فما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي ﷺ : "ما بال هذا؟ " فقيل: يا رسول الله، يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع (٢). وأما الإجماع: فإن عمر ﵁ نفى نصر بن حجاج لافتتان النساء به، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان إجماعًا (٣). ثانيًا: التعزير بالمال: اختلف الفقهاء في التعزير بالمال: ١ - يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية في الجديد والحنابلة أنه لا يجوز التعزير بالمال لأنه لم يرد الشرع بذلك. ٢ - ويرى المالكية والشافعية في القديم وأبو يوسف من الحنفية أنه يجوز التعزير بالمال إذا رؤيت فيه مصلحة (٤). الراجح: أنه يجوز التعزير بالمال أخذًا وإتلافا وهو ما أخذ به ابن تيمية وابن القيم وذلك لأقضية قضاها النبي ﷺ كأمره بكسر دنان الخمر، وكقوله ﷺ في حق مانع الزكاة: "من أعطاها وهو مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا" (٥)، كما أن اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية

стр. 1672

قد أخذت بجواز التعزير بالمال وذلك في الفتوى رقم (٦١٨٥). ولكن يتم ذلك وفق ضوابط محددة منها: ١ - أن يكون بحكم الحاكم الشرعي. ٢ - أن تكون المصادرة لبيت المال. ٣ - أن لا تكون فيه وسيلة رادعة أخرى وتحتم المصلحة الحكم بذلك تأديبًا للمخالف وزجرًا لغيره، والله أعلم. ثالثًا: التعزير بالقول وغيره: يكون التعزير بالقول: مثل التوبيخ والزجر والوعظ، فمن التوبيخ ما روى أن أبا ذر ﵁ ساب رجلًا فعيره بأمه، فقال الرسول ﷺ : "يا أبا ذر أعيرته بأمه! إنك امرؤ فيك جاهلية" (١). وقد يكون التعزير بالنيل من عرضه ومن ذلك ما رواه أحمد أن رسول الله ﷺ قال: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" (٢). ومن النيل من العرض قول: يا ظالم يا معتد. وقد يكون التعزير بالهجر وذلك بمقاطعة الجاني والامتناع عن معاملته بأي نوع حيث قد هجر النبي ﷺ أصحابه الثلاثة الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك (٣). سقوط التعزير: تسقط عقوبة التعزير بأسباب منها:

стр. 1673

١ - الموت: إذا كانت العقوبة بدنية كالتوبيخ والحبس والضرب والقتل، فإنها تسقط بالموت لعدم إمكانية تنفيذ ذلك. ٢ - العفو: لولي الأمر العفو في التعزير فيما كان حقًا لله تعالى إذا كان في ذلك مصلحة كأن يكون المذنب رجلًا كريمًا ولم يعرف عنه حصول التعدي أو يكون في العفو مصلحة للفرد والمجتمع يقدرها ولي الأمر. وإذا كان التعزير لحق آدمي وعفا الآدمي فإن العفو يسري عن حقه الخاص له ويقدر ولي الأمر المصلحة العامة في التعزير من عدمه. ٣ - التوبة: ويختلف الفقهاء في اعتبار التوبة مسقطة للتعزير: أ- فيرى الشافعية وهو رواية عند الحنابلة أن التوبة تسقط التعزير فيما هو حق لله تعالى لما ورد في حديث أنس ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه علي ولم يسأله عنه، فحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﷺ فلما قضى النبي ﷺ قام إليه الرجل فأعاد قوله: فقال: "أليس قد صليت هنا؟ "، قال: نعم، قال: "فإن الله قد غفر لك ذنبك" (١)، وفي هذا دليل على أن الجاني غفر له لما تاب. وبهذا يقول ابن تيمية وابن القيم. ب- ويرى الحنفية والمالكية وبعض الشافعية وهو رواية عند الحنابلة أن التعزير لا يسقط بالتوبة لعموم أدلة العقوبة بلا تفرقة بين تائب وغيره عدا المحاربة، وإسقاط العقوبة بالتوبة يجعل كل شخص يدعيها ليفلت من العقاب (٢).

стр. 1674

الفِقهُ الميَسَّر كتاب الجهاد

стр. 1675

كتاب الجهاد التعريف في اللغة: الجِهاد بكسر الجيم مصدر جاهد العدو مجاهدة وجهادًا: أي قاتله وجاهد في سبيل الله، وهو المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان أو ما أطاق من شيء (١). وفي الاصطلاح: قتال مسلم كافرًا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى (٢). وفي تعريف آخر: هو الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لم يقبله (٣). الأصل في مشروعية الجهاد: الأصل في مشروعية الجهاد الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب: فمنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥)، وغيرها من الآيات كثير. وأما السنة: فمنها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق" (٦).

стр. 1676

وحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" (١)، كما وردت أحاديث كثيرة تدعو إلى الجهاد وترغب فيه. وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعية الجهاد (٢). وأما المعقول: أمر الله بتبليغ دينه ونشر شريعته لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وقد تقف قوة ما في وجه الإِسلام وتصد الناس عنه، كما أن بعض الأقليات المسلمة وغيرها من المستضعفين قد يضطهدون في دينهم، وقد تنقض بعض الدول عهدها مع المسلمين وتتربص بهم شرًا، هذا علاوة على أنه يمكن أن يهاجم المسلمون في عقر دارهم وتستباح الأنفس والحرمات والأموال، فشرع الله الجهاد ليحقق الغاية التي يسعى إليها الإِسلام بأن يكون الدين كله لله وأن يترك الخيار بين الناس والإِسلام، ويعلم أعداء الإِسلام أنهم لا يمكن تحقيق مآربهم السيئة ضده، ويتخلوا عن محاربته والوقوف في طريقه، وبذلك يعم الخير والسلام ويأمن الناس جميعًا على دينهم وأنفسهم وأموالهم وحرماتهم. ولا يمكن أن يكون لأي أمة مكانة وعزة ورفعة إلا بقتال أعدائها وحماية بيضتها والذود عن كيانها، والتاريخ خير شاهد على ذلك، والواقع يؤكده حيث لا قيمة ولا كلمة إلا لمن يبني قوته ويدافع عن وجوده ومكتسباته لتحقيق مآربه ومصالحه، وشتان ما بين الجهاد في الإِسلام وما تفعله بعض الدول في العصر الحاضر، فالإِسلام في جهاده يقوم على أسس ومبادئ أخلاقية تحترم الإنسان وتنشر العدل والحق وتزيل الظلم، وغيره لا يقيم لذلك وزنا في الحرب.

стр. 1677

حكم الجهاد: اتفق الفقهاء على أن الجهاد فرض عين وذلك في الحالات الآتية: ١ - حضور المكلف صف القتال: ويتعين عليه في ذلك القتال ويحرم عليه تركه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (١). ٢ - هجوم العدو على أي مكان يقيم فيه المسلمون، فيجب على أهل البلد جميعًا الدفع بالممكن، ولا يجوز لأحد التخلف إلا من يحتاج لحفظ الأهل والمكان والمال، ومن يمنعه القائد من الخروج لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٢)، ولأنهم في معنى حاضر الصف، فتعين عليهم كما تعين عليه. ٣ - إذا استنفر الإِمام قومًا فإنه يلزمهم النفير ولا يجوز لأحد أن يتخلف إلا من عذر، فإن كان منهم كفاية وإلا وجب على القريب منهم نصرتهم لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٣). ولما جاء في حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" (٤). والإمام هو الذي يرعى مصالح الناس ويقدر ما يحقق الخير لهم فعلى الناس السمع والطاعة له في ذلك.

стр. 1678

ويختلف الفقهاء في حكم الجهاد في غير تلف الحالات على النحو الآتي: ١ - يرى عامة الفقهاء أن الجهاد فرض كفاية، فإذا قام به من يكفي ويتحقق به كسر شوكة المشركين فإنه يسقط عن الباقين قال في الإفصاح: "واتفقوا على أن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن باقيهم ولم يأثموا بتركه" (١). أما إذا لم يقم به من يكفي فإن جميع الناس يأثمون لتخلفهم عنه ويستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢). ٢ - يرى سعيد بن المسيب أن الجهاد فرض عين لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣)، وغيرها من الآيات (٤). ولما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق" (٥). الراجح: إن الجهاد فرض كفاية في غير الحالات المحددة لفرض العين المتفق عليها، وذلك لما أورده عامة الفقهاء من أدلة ومنها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ

стр. 1679

بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وفي هذا دلالة على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، ولأن رسول الله ﷺ كان يبعث السرايا ويقيم هو وسائر أصحابه، وأما الآية التي احتج بها سعيد بن المسيب فقد قال ابن عباس ﵄ (٢): نسخها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٣). شروط وجوب الجهاد: يشترط لوجوبه شروط: ١ - الإسلام: لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٤)، فالمخاطبة للمؤمنين دون غيرهم، ولحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فقال له: "تؤمن بالله ورسوله"، قال: لا، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك" (٥). ولأن الكافر غير مأمون في الجهاد لبني دينه أو قومه ويخشى مكره. ٢ - التكليف: وذلك بأن يكون المسلم بالغًا عاقلًا، فالصبي لا يجب عليه الجهاد لأنه غير

стр. 1680

مكلف ولحديث ابن عمر ﵄ قال: "عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يحزني في المقاتلة" (١). وكذلك المجنون لا يجب عليه القتال لأنه لا يتأتى منه وهو غير مكلف، وقد ورد في ذلك حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (٢). ٣ - الذكورة: وتشترط الذكورة للجهاد لما روت عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال: "جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" (٣). ٤ - السلامة من الضرر: وذلك بألا يكون أعمي أو أعرج أو مريضًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٤). ٥ - الاستطاعة بالنفقة ومؤنة الجهاد: لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥)، فإن بذل الإِمام وسيلة النقل والنفقة وجب عليه (٦).

стр. 1681

٦ - الحرية: لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ "كان يبايع الحر على الإِسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإِسلام دون الجهاد" (١). فضل الجهاد: إن الجهاد في سبيل الله أعظم تضحية، حيث يقدم المسلم نفسه وماله تقربًا إلى الله بإعلاء كلمته ورفعة دينه، فهو ذروة سنام الإِسلام (٢) وهو ثمرة حقيقية للإيمان واليقين والتوكل والتصديق بوعد الله، وبما أعد الله للمجاهدين من الثواب العظيم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وجاء في السنة من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة" (٤). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" (٥).

стр. 1682

ويتحقق في الجهاد للأمة الإِسلامية العزة والرفعة والمنعة، وما وقع في المسلمين من الذل والضعف وتسلط الأعداء إلا بتركهم الجهاد وإخلادهم إلى الدعة والراحة. عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (١)، فبالجهاد يتحقق للمسلمين خير الدنيا والآخرة. مراتب الجهاد: ١ - جهاد النفس: وذلك بالقيام بأوامر الله وترك نواهيه ومصابرة النفس على ذلك، والعمل والمثابرة على تعلم العلم والعمل به، وإقامة الطاعات من صلاة وصيام وصدقة وغيرها، طلبًا لثواب الله وخوفًا من عقابه. ٢ - جهاد الشيطان: إن الشيطان يعمل جاهدًا بصد الإنسان عن دين الله وإغوائه حتى يبعده عن الصراط المستقيم ويرديه في جهنم والعياذ بالله، فعلى المسلم أن يجاهده بدفع ما يلقي إليه من الشبهات والشكوك التي تقدح في إيمانه، وما يلقي إليه من الشهوات وترك الطاعات، وأن يبعد كيد الشيطان عنه ليكون من عباد الله المتقين وينجو من عذاب الله الأليم. ٣ - جهاد أهل الظلم والبغي من المسلمين: وذلك وفقًا لما جاء في الإِسلام من تغيير للمنكر حسب الطاقة والإمكان،

стр. 1683

مع نهج أسلوب الحكمة والعمل بالتي هي أحسن. ٤ - جهاد الكفار أعداء الإِسلام الذين يكيدون له ويتربصون به، وهو أنواع: أ- الجهاد بالنفس والمال جميعًا: وذلك أعلى مراتب الجهاد لأن المسلم قد جاد بنفسه وماله، وهو دليل إيمانه ويقينه بوعد الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (١). وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال: "مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله" (٢). وقد ورد مقرونًا بالنفس في كثير من الآيات، لأن الجهاد في سبيل الله لا يتحقق ولا يقوم إلا بههما معًا، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣). ب- الجهاد بالنفس: وهو من أعلى مراتب الجهاد لأن صاحبه جاد بنفسه لله تعالى رجاء ما أعده الله للمجاهدين من حسن الثواب ورفع الدرجات في الجنة، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٤)، وذلك بقتالهم. ج- الجهاد بالمال: بدأ الله بالجهاد بالمال في كثير من الآيات لأهميته وعموم

стр. 1684

فائدته وشمول نفعه قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وجاء في الحديث الذي رواه زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيًا بخير فقد غزا" (٣). وذلك لأن الجهاد بالمال يستطيعه أكثر المسلمين على حين أن الجهاد بالنفس لا يستطيعه أكثرهم، كما أن الحاجة إلى الجهاد بالمال قد تكون أكثر لتأمين حاجة المجاهدين من الأسلحة والغذاء وغيرها (٤). د- الجهاد باللسان: وذلك بالدعوة إلى دين الإِسلام بالعلم والحكمة، والذب عن الإِسلام قولًا وكتابة وتأليفًا ونحو ذلك. يدل لذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم" (٥). آداب الجهاد: للجهاد آداب حث عليها الإِسلام ومنها: ١ - الإخلاص في النية: وأن يكون الهدف من الجهاد إعلاء كلمة الله ورد كيد الأعداء عن المسلمين.

стр. 1685

٢ - المشورة بين القائد وأهل الرأي من الجيش قبل بدء المعركة: وذلك فيما يخص الاستعداد للمعركة وتحديد المسؤوليات، كما حدث ذلك في غزوة بدر وأحد والخندق وغيرها وأن يعمل على تقوية إيمانهم وما أعد الله للمجاهدين في الجنة ورفع منزلتهم وعلو درجاتهم. ٣ - اللجوء إلى الله تعالى والاستعانة به: وهذه سنة مضى عليها الأنبياء والرسل كما فعل نوح ﵇ قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (١). وكان رسول ﷺ يكثر من دعاء الله والاستعانة به قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢). ٤ - دعوة الكفار إلى الإِسلام قبل القتال: إن الهدف من القتال في الإِسلام هو رفع راية الإِسلام وهداية الناس إلى الله، وعلى المسلمين إبلاغ الإِسلام ومحاسنه للناس بكافة الوسائل الممكنة، وأنه الدين الحق الذي اختاره الله خاتمًا للأديان وشاملًا لما فيها من الخير، وأنه لا يقبل دينًا سواه قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤). وقد اتفق الفقهاء على وجوب الدعوة إلى الإِسلام لمن لم تبلغهم دعوته قبل قتالهم، وذلك لما روى بريدة الأسلمي ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا بعث أميرًا
следующие страницы →