← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

٦ - الحرية: لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ "كان يبايع الحر على الإِسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإِسلام دون الجهاد" (١). فضل الجهاد: إن الجهاد في سبيل الله أعظم تضحية، حيث يقدم المسلم نفسه وماله تقربًا إلى الله بإعلاء كلمته ورفعة دينه، فهو ذروة سنام الإِسلام (٢) وهو ثمرة حقيقية للإيمان واليقين والتوكل والتصديق بوعد الله، وبما أعد الله للمجاهدين من الثواب العظيم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وجاء في السنة من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة" (٤). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" (٥).

стр. 1682

ويتحقق في الجهاد للأمة الإِسلامية العزة والرفعة والمنعة، وما وقع في المسلمين من الذل والضعف وتسلط الأعداء إلا بتركهم الجهاد وإخلادهم إلى الدعة والراحة. عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (١)، فبالجهاد يتحقق للمسلمين خير الدنيا والآخرة. مراتب الجهاد: ١ - جهاد النفس: وذلك بالقيام بأوامر الله وترك نواهيه ومصابرة النفس على ذلك، والعمل والمثابرة على تعلم العلم والعمل به، وإقامة الطاعات من صلاة وصيام وصدقة وغيرها، طلبًا لثواب الله وخوفًا من عقابه. ٢ - جهاد الشيطان: إن الشيطان يعمل جاهدًا بصد الإنسان عن دين الله وإغوائه حتى يبعده عن الصراط المستقيم ويرديه في جهنم والعياذ بالله، فعلى المسلم أن يجاهده بدفع ما يلقي إليه من الشبهات والشكوك التي تقدح في إيمانه، وما يلقي إليه من الشهوات وترك الطاعات، وأن يبعد كيد الشيطان عنه ليكون من عباد الله المتقين وينجو من عذاب الله الأليم. ٣ - جهاد أهل الظلم والبغي من المسلمين: وذلك وفقًا لما جاء في الإِسلام من تغيير للمنكر حسب الطاقة والإمكان،

стр. 1683

مع نهج أسلوب الحكمة والعمل بالتي هي أحسن. ٤ - جهاد الكفار أعداء الإِسلام الذين يكيدون له ويتربصون به، وهو أنواع: أ- الجهاد بالنفس والمال جميعًا: وذلك أعلى مراتب الجهاد لأن المسلم قد جاد بنفسه وماله، وهو دليل إيمانه ويقينه بوعد الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (١). وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال: "مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله" (٢). وقد ورد مقرونًا بالنفس في كثير من الآيات، لأن الجهاد في سبيل الله لا يتحقق ولا يقوم إلا بههما معًا، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣). ب- الجهاد بالنفس: وهو من أعلى مراتب الجهاد لأن صاحبه جاد بنفسه لله تعالى رجاء ما أعده الله للمجاهدين من حسن الثواب ورفع الدرجات في الجنة، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٤)، وذلك بقتالهم. ج- الجهاد بالمال: بدأ الله بالجهاد بالمال في كثير من الآيات لأهميته وعموم

стр. 1684

فائدته وشمول نفعه قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وجاء في الحديث الذي رواه زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيًا بخير فقد غزا" (٣). وذلك لأن الجهاد بالمال يستطيعه أكثر المسلمين على حين أن الجهاد بالنفس لا يستطيعه أكثرهم، كما أن الحاجة إلى الجهاد بالمال قد تكون أكثر لتأمين حاجة المجاهدين من الأسلحة والغذاء وغيرها (٤). د- الجهاد باللسان: وذلك بالدعوة إلى دين الإِسلام بالعلم والحكمة، والذب عن الإِسلام قولًا وكتابة وتأليفًا ونحو ذلك. يدل لذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم" (٥). آداب الجهاد: للجهاد آداب حث عليها الإِسلام ومنها: ١ - الإخلاص في النية: وأن يكون الهدف من الجهاد إعلاء كلمة الله ورد كيد الأعداء عن المسلمين.

стр. 1685

٢ - المشورة بين القائد وأهل الرأي من الجيش قبل بدء المعركة: وذلك فيما يخص الاستعداد للمعركة وتحديد المسؤوليات، كما حدث ذلك في غزوة بدر وأحد والخندق وغيرها وأن يعمل على تقوية إيمانهم وما أعد الله للمجاهدين في الجنة ورفع منزلتهم وعلو درجاتهم. ٣ - اللجوء إلى الله تعالى والاستعانة به: وهذه سنة مضى عليها الأنبياء والرسل كما فعل نوح ﵇ قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (١). وكان رسول ﷺ يكثر من دعاء الله والاستعانة به قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢). ٤ - دعوة الكفار إلى الإِسلام قبل القتال: إن الهدف من القتال في الإِسلام هو رفع راية الإِسلام وهداية الناس إلى الله، وعلى المسلمين إبلاغ الإِسلام ومحاسنه للناس بكافة الوسائل الممكنة، وأنه الدين الحق الذي اختاره الله خاتمًا للأديان وشاملًا لما فيها من الخير، وأنه لا يقبل دينًا سواه قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤). وقد اتفق الفقهاء على وجوب الدعوة إلى الإِسلام لمن لم تبلغهم دعوته قبل قتالهم، وذلك لما روى بريدة الأسلمي ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا بعث أميرًا

стр. 1686

قال له: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ... " (١). أما إذا كانت الدعوة قد بلغتهم فإن الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة وقول عند المالكية يرون عدم وجوب دعوتهم، وأنه يجوز قتالهم لما ثبت من فعله ﷺ حيث ورد في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ "أغار على بني المصطلق وهم غارون آمنون ... " (٢). ويرى المالكية في قول لهم أنه يجب دعوتهم قبل قتالهم لحديث بريدة المذكور. ٥ - عدم قتل النساء والصبيان والمجانين: اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان والمجانين (٣) لحديث ابن عمر ﵄ "أن امرأة وُجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة، فنهى عن قتل النساء والصبيان" (٤). وقد أومأ النبي ﷺ إلى هذه العلة في المرأة التي وجدت مقتولة في بعض مغازيه، فقال: "ما كانت هذه لتقاتل" (٥). ٦ - عدم الغدر والغلول والمثلة: الغدر: الخيانة ونقض العهد، والغلول: من المغنم في الجهاد خاصة بأن يخفي

стр. 1687

ما وقع في يده، أما المثلة: فهي التنكيل والعقوبة كقطع الأنف والأذن ونحو ذلك (١). ويحرم ذلك كله لما ورد في حديث بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا على اسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا ... " الحديث (٢). ٧ - إتلاف الأموال وقطع الأشجار والزرع: إذا كانت الحاجة تدعو إلى إتلاف شيء من أموالهم أو قطع أشجارهم وزرعهم فهذا يجوز بغير خلاف بين الفقهاء. أما إذا لم يكن في إتلافه حاجة بل يكون في إبقائه مصلحة للمسلمين وفي قطعه ضرر بهم كأن يقوم أعداؤهم بالمعاملة بالمثل فهذا لا يجوز. وما عدا ذلك مما ليس في إتلافه أو بقائه حاجة ومصلحة للمسلمين فقد اختلف فيه الفقهاء: أ- فذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد أنه يجوز إتلاف الأموال والأشجار والزروع لقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣). ولما روي ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ "حرق نخل بني النضير وقطع" (٤).

стр. 1688

ب- وذهب أحمد في رواية والأوزاعي والليث وأبو ثور إلى أنه لا يجوز لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (١). ولأثر أبي بكر ﵁ ووصيته حيث قال لزيد بن أبي سفيان وهو يوصيه حين بعثه أميرًا على الشام (٢): "ولا تحرقن نحلًا ولا تغرقنه" (٣). ٨ - عدم إنزال المحاربين على ذمة الله وذمة رسوله أو إنزالهم على حكم الله ورسوله: المراد بذمة الله وذمة رسوله: عهد الله تعالى وعهد الرسول ﷺ ، سواء كان ذلك بطلب الأعداء أو التزام من المسلمين بذلك. وقد ورد النهي عن ذلك في حديث بريدة وفيه: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تفعل، ولكن اجعل لهم ذمتك، وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" (٤). وذلك لأنه قد يتبين للمسلمين ما يدل على أن الكفار يعدون للهجوم على المسلمين، وفي هذه الحال يحق للمسلمين مبادرتهم بالقتال ويكون نقض العهد في

стр. 1689

مثل ذلك نقضًا لعهد المسلمين لا نقضًا لعهد الله وعهد نبيه ﷺ . ٩ - عدم قتل الرسل: إن مهمة الرسل كبيرة حيث يقومون بإبلاغ المتحاربين بما يطلبه كل منهم، ولهذا فإنه يجب أن يكون الرسول آمنا على نفسه وماله فلا يعتدي عليه ليؤدي ما كلف به، وقد جاء ذلك في حديث نعيم بن مسعود الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ كتاب مسيلمة الكذاب قال للرسولين: "فما تقولان أنتما"، قال: نقول كما قال، فقال رسول الله ﷺ : "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" (١). وقال في عون المعبود: "فيه دليل على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإِمام" (٢). ١٠ - الرفق بالأسرى وحسن معاملتهم: الإِسلام دين الرحمة والمحبة جاء لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، والأسرى لا يملكون من أمرهم شيئًا، وهم قد صاروا إلى ما هم عليه، كما أن من الأسرى من يهديه الله للإسلام ومنهم من يرجى منه أن يبلغ قومه برسالة الإِسلام وحسن تعامل المسلمين، وقد يدعوهم ذلك إلى الدخول في الإِسلام. جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: "ما عندك ياثمامة؟ " فقال: عندي خير يا محمَّد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، فكررها النبي ﷺ ثلاثًا: وهو

стр. 1690

يجيبه بذلك فقال: "أطلقوا ثمامة" (١). ثم أسلم ثمامة وحسن إسلامه، وقد كان لحسن المعاملة، أثر في نفسه فهداه الله (٢). دعوة الكفار إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب: إذا تم دعوة الكفار إلى الإِسلام ودخلوا فيه كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم فإن لم يقبلوا الدخول فيه فلا يخلو أن يكونوا من أهل الكتاب أو من غيرهم: ١ - فإن كانوا من أهل الكتاب أو المجوس فقد اتفق الفقهاء على أنه يطلب منهم الجزية فإن دفعوها كف عنهم وإلا ينتقل إلى القتال وذلك لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣). أما المجوس فإن لهم شبهة كتاب فيكون حكمهم حكم أهل الكتاب لقول النبي ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٤). ٢ - وإما أن يكونوا من المشركين غير أهل الكتاب أو المجوس فقد اختلف الفقهاء في ذلك: أ- فذهب الشافعي وهو رواية عن أحمد إلى أنه لا تقبل منهم الجزية وأن عليهم إما القتال، لعموم الأدلة، منها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥)، وقول

стр. 1691

النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (١). وإنما خص منهم أهل الكتاب والمجوس للأدلة المخصصة لهم ويبقي الباقي على عمومه. ب- وذهب الحنفية ومالك في رواية وأحمدُ في رواية إلى أن الجزية تقبل من المشركين إلا مشركي العرب، قال ابن جرير الطبري: "أجمعوا على أن رسول الله ﷺ أبى أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب ولم يقبل منهم إلا الإِسلام أو السيف" (٢). ج- وذهب مالك في قول هو الراجح عند المالكية والأوزاعي إلى أن الجزية تقبل من جميع الكفار سواء كانوا عربًا أم عجمًا، واستدلوا بحديث بريدة الأسلمي قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصة نفسه بتقو ى الله ... وقال: "اغزو باسم الله ... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال" وذكر من هذه الخصال الجزية، وذلك يدل على قبول الجزية من المشركين عمومًا (٣). الراجح: يظهر أن الراجح والله أعلم أن الجزية تؤخذ من جميع المشركين لعموم حديث بريدة ﵁ إذ هو عام لا مخصص له وإلحاقًا لهم بمن تقبل منهم الجزية. قال ابن القيم: "لأن المجوس أهل شرك لا كتاب لهم فأخذها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين، وإنما لم يأخذها النبي ﷺ من عبدة الأوثان من

стр. 1692

الحرب لأنهم أسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية فإنها إنما نزلت بعد غزوة تبوك، وكان رسول الله ﷺ قد فرغ من قتال العرب، واستوثقت كلها بالإِسلام، وإن كفر المجوس أشد من كفر عبدة الأوثان من العرب، ذلك أنهم يقرون بإلهين أحدهما للخير والثاني للشر". قال ابن العربي: "والصحيح قبولها من كل أمة وفي كل حال عند الدعاء إليها والإجابة بها" (١). الجهاد من حيث الدفاع والطلب: جاءت آيات الجهاد وأحاديثه عامة تشمل الحرب الدفاعية وتشمل الطلب والهجوم قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، وغيرها من الآيات. وجاء في السنة حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله" (٣). وغزوات الرسول ﷺ المختلفة فيها ما هو طلب ومبادأة كغزوة بدر وحنين وخيبر وغيرها، وفيها ما هو دفاع كغزوة أحد والأحزاب وغيرها، وقد قام الصحابة ﵃ بفتح فارس والعراق والشام ومصر وغيرها، وذلك إجماع منهم على أن الجهاد يقوم على الطلب والمبادأة كما يقوم على الدفاع والذود عن حمى الإِسلام والمسلمين.

стр. 1693

والباحث في كتب الفقه يعلم أن فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يرون أن الجهاد يشمل الطلب والدفاع حسب الأحوال: جاء في حاشية ابن عابدين (١) في تعريف الجهاد: "وشرعًا: الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لم يقبله"، ثم قال: "هو فرض كفاية ابتدأ إن لم يبدءونا"، ثم قال: "فإن حاصرناهم دعوناهم إلى الإِسلام فإن أسلموا وإلا فإلى الجزية، فإن قبلوا ذلك فلهم ما لنا وعليهم ما علينا"، ويتضح من ذلك القول بجهاد الطلب. وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٢): "الجهاد فرض كفاية ويكون في أهم جهة كل سنة، أي أن يوجه الإِمام كل سنة طائفة ويخرج بنفسه معها أو يخرج بدله من يثق به ليدعوهم إلى الإِسلام ويرغبهم فيه ثم يقاتلهم إذا أبوا منه"، وهذا من جهاد الطلب والمبادأة. وجاء في الإقناع (٣): "وكان الجهاد في عهد النبي ﷺ بعد الهجرة فرض كفاية، وأما بعده ﷺ فللكفار حالتان: الحال الأول: أن يكونوا ببلادهم ففرض كفاية، إذا فعله من فيهم كفاية سقط الحرج عن الباقين"، وهذا هو جهاد الطلب، ثم قال: "والحال الثاني من حالي الكفار: أن يدخلوا بلدة لنا مثلًا، فيلزم أهلها الدفع بالممكن منهم، ويكون الجهاد حينئذ فرض عين"، وهذا هو جهاد الدفاع. وجاء في المغني (٤): "ويُبْعَثُ في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم"، ثم قال: "فيجب في كل مرة إلا من عذر، مثل أن يكون بالمسلمين ضعف من عدد أو عدة ... أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإِسلام، فيطمع في

стр. 1694

إسلامهم إن أخر قتالهم، ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال"، وهذا هو جهاد الطلب. وجاء في توضيح الأحكام (١): "إن قتال الكفار في الإِسلام ليس مدافعة فقط، بل هو حركة جهادية حتى يكون الدين كله لله". وقد جاء الكلام عن طبيعة الجهاد في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية رقم (٦٤٢٦) ونصها: "شرع الله تعالى الجهاد لنشر الإِسلام وتذليل العقبات التي تعترض الدعاة في سبيل الدعوة إلى الحق، والأخذ على يد من تحدثه نفسه بأذى الدعاة إليه والاعتداء عليهم، حتى لا تكون فتنة ويسود الأمن ويعم السلام وتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفرو السفلى، ويدخل الناس في دين الله أفواجا ... "، ثم جاء فيها: "وللدفاع أيضًا عن حوزة الإِسلام"، وكذلك الفتوى رقم (٧١٢٢)، ورقم (١٠٧١٩). وقد ذكر الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي عام المملكة ﵀: أن الجهاد لغزو الأعداء وللدفاع عن الإِسلام والمسلمين، وقد جاء ذلك في محاضرة له عنوانها: (ليس الجهاد للدفاع فقط)، وقال فيها: "فلما كان الكثير من كتاب العصر قد التبس عليهم الأمر في أمر الجهاد، وخاض كثير منهم في ذلك بغير علم وظنوا أن الجهاد إنما شرع للدفاع عن الإِسلام وعن أهل الإِسلام، ولم يشرع ليغزو المسلمون أعداءهم في بلادهم ويطالبوهم بالإِسلام ويدعوهم إليه ... فإن استجابوا وإلا قاتلوهم على ذلك حتى تكون كلمة الله هي العليا" (٢).

стр. 1695

وإنما سقنا هذه النصوص من الكتب الفقهية لبيان حقيقة قول الفقهاء بأن الجهاد نوعان: طلب ودفاع، وكل منهما يتم القيام به وفق شروطه وضوابطه الفقهية، وفي ذلك رد على بعض الكتاب والباحثين الذين يذكرون أن الجهاد في الإِسلام دفاع فقط وليس فيه طلب أو مبادأة، وذلك ناتج إما عن عدم الرجوع إلى أقوال الفقهاء في كتب الفقه المعتبرة وهي مليئة بما يؤكد أن الجهاد طلب ودفاع، أو أنهم اتبعوا بحسن نية أو سوئها ما يردده بعض المغرضين الذين يكيدون للإسلام ويقفون في سبيل نشره وفهم البشرية لحقيقته ومبادئه السامية. يكون الجهاد طلبًا ومبادأة وحربًا وقائية في حالات منها: ١ - قيام المشركين بالصد عن دين الله ومنع دخول الناس فيه وأن تكون كلمة الله هي العليا. ٢ - تعرض بعض المسلمين للاضطهاد والتعذيب في دينهم والتضييق عليهم في ممارسة شعائرهم. ٣ - علم المسلمين أن الأعداء يخططون للهجوم عليهم والاستيلاء على بلادهم وخيراتهم. ٤ - محاولة الأعداء إثارة العداوة والبغضاء وإشعال الحرب بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم من الأمم الأخرى. ويكون الجهاد دفاعيًا في حالات منها: ١ - إذا دخل المشركون شيئًا من بلاد المسلمين واستباحوا حرمتها. ٢ - إذا احتل الأعداء جزءًا من أرض الإِسلام.

стр. 1696

٣ - قيام الأعداء بنشر مبادئهم ومعتقداتهم في البلاد الإِسلامية والدعوة إليها أو التشكيك في الإِسلام عقيدة أو شريعة. ويقوم أعداء الإِسلام بمحاولة تحريف وتوجيه مفاهيم الجهاد في الإِسلام وفق ما يروق لهم وذلك لأنهم يدركون ويعرفون حقيقة طبيعة الجهاد ونتائجه وثمراته للأمة الإِسلامية. ولكن أنى لهم ذلك وقد نزل بتشريعه آيات بينات، وقد تكفل الله بحفظ القرآن فهي محفوظة بحفظ الله لكتابه البين، والأعداء يجيزون لأنفسهم ما يأبونه للمسلمين، حيث يقومون بالهجوم على من يزعمون أنهم أعداؤهم، أو قتال غيرهم بسبب وبدون سبب تحقيقًا لأهدافهم ومصالحهم. والإِسلام إنما يبيح القتال لإعلاء كلمة الله والتخلية بين الناس والإِسلام لمن أراد الدخول فيه ولا يبيح الإِسلام القتال لأسباب عدائية أو مقاصد مادية أو اقتصادية فقط أو غيرها. إذن الوالدين في الجهاد: إذا كان الجهاد فرض عين فلا يعتبر إذنهما، وعلى المسلم الجهاد ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أما إذا لم يكن الجهاد فرض عين فإنه لا يجاهد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين، فإن لم يأذنا له فلا يصح جهاده، لأن طاعة الوالدين فرض عين وهو مقدم على فرض الكفاية، لما روى عبد الله بن عمرو ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال: "أحي والداك؟ " قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد" (١).

стр. 1697

وهذا قول الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم (١). وقد جاء الكلام عن ذلك في فتوى اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية رقم (٢٤٦١). إذن الإمام في الجهاد: ١ - يرى الحنابلة أن أمر الجهاد موكول إلى الإِمام المسلم واجتهاده، وأنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنه؛ لأنه أعرف بمصالح المسلمين وما ينفعهم وما يضرهم وذلك بمشاورة أهل الحل والعقد ومن لهم خبرة في مثل ذلك، إلا إذا فاجأ العدو المسلمين، أو كانت فرصة يخشون فواتها فلا يجب الإذن حينئذ. ٢ - ويرى الشافعية أنه يكره الجهاد بغير إذن الإِمام ولا يحرم لما في التقيد بإذنه من مصلحة (٢). الاستعانة بغير المسلمين في قتال الأعداء: ١ - ذهب الحنفية وهو رواية عن مالك وعن أحمد إلى جواز الاستعانة بالكفار عند الحاجة. ٢ - وذهب المالكية وهو رواية عن أحمد إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين في القتال، ويستثنى من ذلك المالكية الخدمة فقط. ٣ - وذهب الشافعية إلى جواز الاستعانة بالكفار بشروط: أ- أن يعرف الإِمام حسن رأيهم في المسلمين.

стр. 1698

ب- أن يأمن خيانتهم وإلا لم يجز، لأن يمنع الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين كالمخذل والمرجف والكافر أولى. ج- أن يكثر المسلمون بحيث لو خان المستعان بهم، وانضموا إلى الأعداء لأمكن مقاومتهم جميعًا. الأدله: استدل القائلون بالجواز بما يأتي: ١ - ما روى الزهري أن رسول الله ﷺ : "استعان بناس من اليهود في حربه، فأسهم لهم" (١). ٢ - أن صفوان بن أميه خرج مع النبي ﷺ يوم حنين وهو على شركه وشارك في المعركة فأسهم له وأعطاه من سهم المؤلفة (٢). وقد أجاز المؤتمر الإِسلامي العالمي المنعقد في الفترة من ١٢ - ١٣ صفر ١٤١١ هـ والذي دعمت إليه رابطة العالم الإِسلامي وفي الفقرة خامسًا: الاستعانة بالقوات الأجنبية وذلك للضرورة الشرعية. وقد أجاز مفتي عام المملكة الشيخ ابن باز ﵀ الاستعانة ببعض الكفار في قتال الكفار عند الحاجة أو الضرورة، قال: "وفي هذا جمع بين الأدلة الشرعية" (٣). ثانيًا: استدل القائلون بعدم الجواز بما يأتي: ١ - حديث عائشة ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ قبل بدر، فلما كان

стр. 1699

بحرة الوبرة أدركه رجل من المشركين، كان يذكر منه جرأة ونجدة، فسر المسلمون به، فقال يا رسول الله، جئت لأتبعك، وأصيب معك، فقال له رسول الله ﷺ أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قالت: ثم مضى رسول الله ﷺ حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل، فقال له رسول الله ﷺ : "أتؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، قال: "فانطلق" (١). ٢ - ما روى عبد الرحمن بن خبيب، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد غزوة، أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا إنا لنستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: فأسلمتما؟ قلنا: لا، قال: "فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين"، قال: فأسلمنا، وشهدنا معه (٢). الراجح: الراجح هو القول بجواز الاستعانة بغير المسلمين على قتال الأعداء ولكن بشروط: ١ - أن تكون فيه حاجة لذلك. ٢ - أن يؤمن جانبهم بحيث لا يظن منهم الخيانة والكيد للإسلام والمسلمين. ٣ - ألا تكون للمشركين والكفار قوة وشوكة، بحيث تكون مشاركتهم للمسلمين في القتال سببًا وبلاء على المسلمين من حيث التدخل في شؤونهم وبث الفرقة والعداوة بينهم ونهب خيراتهم وصدهم عن دينهم (٣).

стр. 1700

تترس الكفار بالنساء والذرية من المسلمين أو منهم: الترس: بضم التاء ما يتوقى به في الحرب، وهو جعل النساء والذرية وقاية عنهم في الحرب مع المسلمين، اتفق الفقهاء على أنه يجوز رمي الكفار إذا تترسو بالمسلمين من النساء والذرية أو غيرهم، قال في الإفصاح (١): "إذا تترس المشركون بالمسلمين، جاز لبقية المسلمين الرمي ويقصدون المشركين"، وذلك للضرورة، حيث قد يكون في تركهم تأثير على نتيجة المعركة وانهزام المسلمين، ويكون قصد المسلمين قتل الكفار لا المسلمين. الرباط في سبيل الله: هو: مرابطة الجنود وإقامتهم أمام العدو لحفظ حدود وثغور البلاد المسلمة لمنع دخول الأعداء إليها (٢). وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الرباط في سبيل الله منها: حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها" (٣).

стр. 1701

الهدنة تعريف الهدنة: هي الاتفاق على ترك القتال مدة معينة بعوض أو بغير عوض. وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة ومصالحة ومسالمة. حكمها: ثبتت مشروعية الهدنة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١). وأما السنة: فما روى مروان والمسور بن مخرمة أن النبي ﷺ "صالح سهل ابن عمرو بالحديبية على وضع القتال عشر سنين" (٢). وأما الإجماع. فقد أجمع الفقهاء على مشروعية الهدنة إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين. مدة الهدنة والصلح: اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فيرى الحنفية والمالكية وهو رواية عن أحمد أن الهدنة تجوز بالمدة التي يرى الإِمام فيها مصلحة ولو زادت عن عشر سنين، لأنه عقد يجوز في العشر فجاز على الزيادة عليها كعقد الإجارة، فإن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب.

стр. 1702

٢ - ويرى الشافعية وهو رواية عن أحمد أن الهدنة تجوز إلى عشر سنين ولا تجوز الزيادة عليها لأن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١)، عام خص منه مدة العشر لمصالحة النبي ﷺ قريشًا يوم الحديبية عشرًا، ففيما زاد يبقى مقتضى العموم وهو المنع. الراجح: القول الأول أرجح: قال ابن القيم: "يجوز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين ويجوز فوقها للحاجة والمصلحة الراجحة، كما إذا كان في المسلمين ضعف وعدوهم أقوى منهم" (٢). من له عقد الهدنة: يعقد الهدنة الإِمام أو نائبه لأنه عقد مع جملة الكفار، وليس ذلك لغيره؛ لأنه يقدر المصلحة، كما أن إجازته من غير الإِمام تتضمن تعطيل الجهاد بالكلية. عقد الذمة: الذمة في اللغة: الأمان والعهد (٣)، وعقد الذمة: هو إقرار بعض الكفار على كفره بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الإِسلام الدنيوية. من يتولى عقد الذمة: يتولى عقد الذمة الإِمام أو من ينوب عنه لأن تقدير المصلحة يعود إليه، ولأن عقد الذمة مؤبد فلا يجوز عقده بدون الإِمام أو نائبه، ويعقد عقد الذمة مع من يجوز أخذ الجزية منه فمن الفقهاء من قصر ذلك على أهل الكتاب والمجوس ومنهم من أجاز أخذها من جميع المشركين.

стр. 1703

شروط عقد الذمة: ١ - أن يكون عقد الذمة مؤبدًا، وبذلك يقول جمهور الفقهاء وفي قول عند الشافعية يجوز مؤقتًا. ٢ - التزام أحكام الإِسلام في غير العبادات من حقوق الآدميين في المعاملات وغرامة المتلفات وما يعتقدون تحريمه كالزنى والسرقة. ٣ - ألا يذكروا ما فيه غضاضة على المسلمين وهو ذكر ربهم أو كتابهم أو دينهم أو رسولهم بسوء. ٤ - ألا يظهروا منكرًا. ٥ - ألا يصدر منهم ما فيه ضرر على المسلمين أو يعينوا عليه (١). حقوق أهل الذمة: إذا تم عقد الذمة ترتب عليه حرمة قتالهم والحفاظ على أموالهم وأعراضهم وأن يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وفق الشروط الخاصة بعقد الذمة، وذلك لما روى أن النبي ﷺ قال: "ألا من ظلم معاهدًا أو نقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة" (٢). وقال علي ﵁: "إنما قبلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا" (٣).

стр. 1704

وقد تؤدي مخالطتهم للمسلمين ووقوفهم على محاسن الإِسلام إلى الدخول فيه كما حدث في تاريخ الإِسلام، وهذا هو ما يهدف إليه الإِسلام من سن الجزية بدليل سقوطها عمن يسلم منهم.

стр. 1705

الجزية التعريف في اللغة: الجزية فعله من الجزاء قال الجوهري هي ما يؤخذ من أهل الذمة (١). واصطلاحًا: مال يؤخذ من أهل الذمة لاتفاق بينهم وبين المسلمين. وعرفها المالكية: بأنها ما لزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإِسلام وصونه (٢). الأصل في مشروعية الجزية: ثبتت مشروعية الجزية بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣). وأما السنة: فمنها حديث بريدة ﵁ أن رسول ﷺ قال: "وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فأقبل منهم"، إلى أن قال: "فإن أبوا فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم" الحديث (٤)، فهذا يدل على مشروعية الجزية.

стр. 1706

وحديث المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند: "أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدو الله وحده، أو تؤدوا الجزية" (١). وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جواز أخذها في الجملة، وقد أخذها أبو بكر وعمر ﵄ وسائر الخلفاء دون إنكار من أحد من المسلمين فكان إجماعًا (٢). حكمة مشروعيتها: فرض الإِسلام الزكاة على المسلمين لتعود في مصالحهم، أما الذميون وقد استظلوا بكنف الإِسلام ويتمتعوا بحمايته لهم والدفاع عنهم فقد نص الفقهاء على أنه لو استولى على أهل الذمة أهل الحرب وسبوهم وأخذوا أموالهم ثم هزم المحاربون فإن حريتهم وأموالهم تعاد إليهم، وحكم أموالهم حكم أموال المسلمين في حرمتها، قال علي ﵁: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا (٣). وقد تسامح الإِسلام مع المخالفين في العقيدة والشريعة فلم يجبرهم على الدخول فيه بل ترك لهم حرية الاختيار. وينتفع أهل الذمة بمرافق الدولة كالمسلمين فلذا يوجب عليهم الجزية لقاء ذلك، ويمنحهم فرصة التفكير والنظر، ولا غرابة فإن كثير من الدول تقوم بفرض ضرائب على مواطنيها لقاء الانتفاع بالخدمات والحقوق فلكل أمة منهج تسير عليه في بناء كيانها والمحافظة عليه.

стр. 1707

شروط أخذ الجزية: تؤخذ الجزية بشروط متفق عليها بين الفقهاء هي: ١ - الذكورة: فلا تؤخذ الجزية من المرأة. ٢ - التكليف: بأن يكون بالغًا عاقلًا فلا تؤخذ من الصبي والمجنون. لقول النبي ﷺ لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارًا" (١). وقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أمراء الأجناد "أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي" (٢). ٣ - الحرية: فلا تؤخذ الجزية من العبد، لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جزية على العبد"، ذكر ابن حجر أنه رُوي مرفوعًا وموقوفًا على عمر (٣). قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنه لا جزية على العبد (٤). ومن وجبت عليه الجزية وأسلم قبل أن تؤخذ منه سقطت عنه الجزية.

стр. 1708

الفيء التعريف في اللغة: الفيء: الرجوع وهو ما رد الله على أهل دينه من أموال من خالف دينه بلا قتال (١). وفي الاصطلاح: هو ما يحصل عليه المسلمون من أعدائهم بلا قتال. حكمه: الفيء مشروع بالكتاب والسنة: فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢). وأما السنة: فما ورد في الأثر عن عمر ﵁ أنه قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ ، وكانت للنبي ﷺ خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة وما بقي يجعله في الكراع والسلاح" (٣). قسمة الفيء: ١ - ذهب الشافعي في الجديد وهو رواية عن أحمد إلى أن الفيء يُخمَّس، وما ذكر في الآية هم أهل الخمس كلهم، ويصرف خمسه وجوبًا على من يصرف عليهم

стр. 1709

خمس الغنيمة، ويعطى أربعة أخماسه للمقاتلة وفي مصالح المسلمين (١). ٢ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعيُّ في القديم وأحمدُ في رواية "إلى أن الفيء لا يخمس وإنما كله لرسول الله ﷺ ومن ذكروا معه في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)، فقد جعله الله لهم ولم يذكر خمسًا، وقد قرأ عمر هذه الآية فقال: هذه استوعبت المسلمين عامة وليس أحد إلا ولهُ فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير (٣) نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه" (٤).

стр. 1710

الأنفال التعريف في اللغة: الأنفال من النفل بسكون الفاء أي الزيادة (١). وفي الاصطلاح: زيادة مال على سهم الغنيمة يشترطه الإِمام أو أمير الجيش لمن يقوم بما فيه نكاية زائدة على العدو (٢). حكم التنفيل: ١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعية التنفيل لأنه نوع من التحريض على الجهاد. ٢ - وذهب عمرو بن شعيب إلى أنه لا نفل بعد رسول الله ﷺ ، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣)، فخص الرسول ﷺ بها. الراجح: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء هو الراجح لما روى حبيب بن مسلمة الفهرى، قال: "شهدت رسول الله ﷺ نفل الربع في البداءة والثلث في الرجعة" (٤). وما ثبت للنبي ﷺ يثبت للأئمة من بعده. أقسام النفل: ١ - أن يبعث الإِمام أمَامَ الجيش سرية تغير على العدو ويجعل لهم شيئًا مما يغنمون كالربع أو الثلث. ٢ - أن ينفل الإِمام أو القائد بعض أفراد الجيش لما أبداه في القتال من شجاعة وإقدام.

стр. 1711

٣ - أن يقول الإمام: من قام بعمل معين فله كذا كهدم سور ونحوه، ومن ذلك حديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" (١). مم يكون النفل: اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - يرى الحنفية والحنابلة أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة بعد أخذ الخمس وذلك لما روى معن بن يزيد السلمي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نفل إلا بعد الخمس" (٢). ٢ - ويرى المالكية أن النفل لا يكون إلا من الخمس (٣). ٣ - ويرى الشافعي أن النفل لا يكون إلا من خمس الخمس (٤).

стр. 1712

باب الغنيمة التعريف في اللغة: الغنيمة والمغنم مترادفان يقال: غنم المغازي في الحرب إذا ظفر على عدوه (١). واصطلاحًا: مال مأخوذ من أهل الحرب على سبيل القهر والغلبة (٢). حكمها: الغنيمة مشروعة وقد أحلها الله لهذه الأمة وهي من خصائصها، والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). وأما السنة: فما روى جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي ... "، وذكره منها: "وأحلت لي الغنائم" (٥). وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على أن الغنيمة منها خمس للإمام وأربعة أخماسها للغانمين (٦).

стр. 1713

قال في الإفصاح: "واتفقوا على أن أربعة أخماس الغنيمة يقسم على من شهد الواقعة إذا كان من أهل القتال" (١). أقسام الغنيمة وما يترتب عليها: أولًا: الأموال المنقولة: وتعد الأموال التي تؤخذ بالقوة والغلبة في القتال غنيمة، ويؤخذ خمسها للإمام لصرفها في مصالح المسلمين وأربعة أخماسها للغانمين. ثانيًا: الأرض: وهي على ضربين: ١ - ما فتح عنوة وقوة: وقد اختلف فيها الفقهاء على النحو الآتي: أ- فذهب الحنفية وهو رواية عن أحمد: إلى أن الإِمام مخير بين أن يقسمها على المسلمين المقاتلين، أو يضرب على أهلها الخراج ويقرها بأيديهم، وذلك لأن كلاًّ من الأمرين قد ثبت عن الرسول ﷺ ، فقد ظهر على مكة عنوة فلم يقسمها، وكذلك بني قريظة وبني النضير، وقسَّم نصف خيبر على المسلمين ووقف النصف. ب- وذهب المالكية وهو رواية عن أحمد: إلى أن الأرض لا تقسَّم وتكون وقفًا يصرف خراجها في مصالح المسلمين لفعل عمر في العراق، حيث لم يقسمها وكان بمحضر من الصحابة ولم يخالفه أحد فصار إجماعًا. ج- وذهب الشافعية وهو رواية عن أحمد: إلى أن الأرض تُقسَّم على المقاتلة كما يقسم المنقول، لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢)، حيث يفهم منه أن أربعة أخماسها للغانمين، ولأن النبي ﷺ فعل ذلك.

стр. 1714

٢ - ما فتح صلحًا: وهو ضربان: أ- أن يتم مصالحتهم على أن الأرض لهم ويؤدون عنها خراجًا معلومًا، فهذه الأرض ملك لهم، يملكون التصرف فيها، ويدفعون الخراج فإذا أسلموا سقط عنهم. ب- أن يتم مصالحتهم على أن الأرض للمسلمين ويقرون عليها بدفع الجزية، وتكون الأرض وقفًا على المسلمين ولا تقسم بينهم (١).

стр. 1715

باب الأمان والمستأمن تعريف الأمان في اللغة: يقال أمن أمانًا، وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، والمستأمِن بالكسر هو طالب الأمان وبالفتح المعطى الأمان (١). واصطلاحًا: الأمان: رفع استباحة دم الحربي ورقِّه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإِسلام مدة ما، والمستأمِن من يدخل إقليم غيره بأمان مسلمًا كان أو حربيًا (٢). حكم الأمان: إعطاء المستأمن الأمان مشروع بالكتاب والسنة والمعقول: فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٣)، والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى الإِسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب أمانًا أعطى ما دام مترددًا في دار الإِسلام وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكَّن من الإقامة في دار الإِسلام سنة بل أقل منها (٤). وأما السنة: فما روى علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" (٥).

стр. 1716

ويتفق الفقهاء على أن من طلب الأمان، ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإِسلام وجب أن يعطاه ثم يرد إلى مأمنه قال في المغني: "لا نعلم في هذا خلافًا" (١). وأما المعقول: فإن مصلحة المسلمين قد تقتضي إعطاء الأمان لاستمالة الكافر إلى الإِسلام أو لترتيب أمر المسلمين أو غير ذلك من المصالح (٢). من يملك إعطاء الأمان: يملك إعطاء الأمان للمستأمن الإِمام أو نائبه لمستأمن واحد أو جماعة، وذلك أن الإِمام ومن ينوب عنه موكول إليه تقدير مصلحة المسلمين وما يعود عليهم بالخير فيعمل به وما يعود عليهم بالمفسدة فيجتنبه. وقد بيَّن الفقهاء من يملك إعطاء الأمان من أفراد المسلمين على النحو الآتي: ١ - ذهب المالكية والشافعية في الأصح والحنابلة إلى أنه يصح أمان أي أحد من المسلمين بشرط البلوغ والعقل ولعدد قليل من الكفار لأن عمر ﵁ أجاز أمان العبد لأهل الحصن ولا يصح لأهل بلدة كبيرة لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد والتدخل في عمل الإِمام. ٢ - وذهب الحنفية إلى أنه يجوز الأمان من الواحد لجماعة أو مدينة، ولا يجوز لأحد من المسلمين قتال المؤَمَّنين إلا إذا كانت في ذلك مفسدة فينبذ إليهم أمانهم (٣).

стр. 1717

ما يترتب على إعطاء الأمان: إذا حصل الأمان بشروطه وجب على المسلمين جميعًا الوفاء به، فلا يجوز قتل المستأمن ولا أسره ولا أخذ شيء من ماله أو التعرض لأذيته بغير حق. مدة الأمان: ١ - يرى الحنفية وفي قول للشافعية أن مدة الأمان تجوز إلى سنة فقط وما زاد عليها فلا. ٢ - ويرى الحنابلة أن مدة الأمان تجوز إلى عشر سنين ولا يجوز الزيادة عليها (١). ما ينتهي به الأمان للمستأمن: ينتهي بأمور منها: ١ - إذا رأى الإِمام أن المصلحة؛ في إنهائه، ولكن عليه أن يخبرهم بذلك وإعادتهم إلى ما كانوا عليه قبل الأمان لئلا يكون من المسلمين غدر قال تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٢). ٢ - انقضاء مدة الأمان المحددة في إعطاء الأمان. ٣ - إذا رد المستأمن الأمان الذي أعطى له. ٤ - عودة المستأمن إلى دار الحرب واستيطانه بها.

стр. 1718

٥ - ارتكاب المستأمن الخيانة، لأنها نقيض الأمان، إما بقيامه بالتجسس أو غيره مما يعد ناقضًا لأمانه (١).

стр. 1719

العهد ونقضه التعريف في اللغة: العهد: الأمان والموثق والذمة واليمين، وكل ما عوهد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد (١). حكم العهد: يوجب الإِسلام احترام العهد والميثاق قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (٢)، وقا ل تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣). وجاء في حديث أبي رافع ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "إني لا أخيس (٤) بالعهد، ولا أحبس الرسل" (٥). وقد عاهد الرسول ﷺ اليهود بعد الهجرة عهدًا أقرهم فيه على دينهم وأمنهم على أموالهم بشرط ألا يعينوا عليه المشركين، فنقضوا العهد فأنزل الله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (٦). ولقد لمس الصحابة ﵃ منافع الوفاء بالعهد، ولعل منها تفرغ المسلمين لأعمال أخرى وإعطاء الوقت لغير المسلمين لفهم الإِسلام. ولا يجوز للمسلمين نقض العهد ما دام من اتفقوا معه ملتزمًا به.

стр. 1720

جاء في حديث عمرو بن عبسة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء" (١). لكن إذا نقض العدو العهد إما بقتال أو بإعانة عدو أو قتل مسلم أو أخذ مال انتقض عهدهم لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (٢). وإذا ظهرت بوادر الغدر والخيانة وما يدل على نقض العهد من المشركين جاز لولي الأمر أن ينبذ إليهم عهدهم لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٣). وذلك بإعلامهم بنقض العهد حتى يكون معلومًا لهم كما هو معلوم للمسلمين. وقد نقضت قريش العهد مع الرسول ﷺ حيث أعانوا بني بكر على خزاعة أحلاف الرسول ﷺ فقاتلهم وفتح مكة. وقد جاء الكلام عن الوفاء بالعهد مع غير المسلمين في الفتوى رقم (١٧٠٣٠) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية وأن الوفاء بالعهد فيما لا يخالف شرع الله تعالى واجب، ما لم يحدث إخلال بالعهد. ومن الأمور التي ينتقض بها العهد: ١ - إذا لم يلتزم الكتابي حكم الإِسلام. ٢ - إذا قاتل المعاهد المسلمين.
следующие страницы →