ويتفق الفقهاء على أن من طلب الأمان، ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإِسلام وجب أن يعطاه ثم يرد إلى مأمنه قال في المغني: "لا نعلم في هذا خلافًا" (١).
وأما المعقول: فإن مصلحة المسلمين قد تقتضي إعطاء الأمان لاستمالة الكافر إلى الإِسلام أو لترتيب أمر المسلمين أو غير ذلك من المصالح (٢).
من يملك إعطاء الأمان:
يملك إعطاء الأمان للمستأمن الإِمام أو نائبه لمستأمن واحد أو جماعة، وذلك أن الإِمام ومن ينوب عنه موكول إليه تقدير مصلحة المسلمين وما يعود عليهم بالخير فيعمل به وما يعود عليهم بالمفسدة فيجتنبه.
وقد بيَّن الفقهاء من يملك إعطاء الأمان من أفراد المسلمين على النحو الآتي:
١ - ذهب المالكية والشافعية في الأصح والحنابلة إلى أنه يصح أمان أي أحد من المسلمين بشرط البلوغ والعقل ولعدد قليل من الكفار لأن عمر ﵁ أجاز أمان العبد لأهل الحصن ولا يصح لأهل بلدة كبيرة لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد والتدخل في عمل الإِمام.
٢ - وذهب الحنفية إلى أنه يجوز الأمان من الواحد لجماعة أو مدينة، ولا يجوز لأحد من المسلمين قتال المؤَمَّنين إلا إذا كانت في ذلك مفسدة فينبذ إليهم أمانهم (٣).
стр. 1717
ما يترتب على إعطاء الأمان:
إذا حصل الأمان بشروطه وجب على المسلمين جميعًا الوفاء به، فلا يجوز قتل المستأمن ولا أسره ولا أخذ شيء من ماله أو التعرض لأذيته بغير حق.
مدة الأمان:
١ - يرى الحنفية وفي قول للشافعية أن مدة الأمان تجوز إلى سنة فقط وما زاد عليها فلا.
٢ - ويرى الحنابلة أن مدة الأمان تجوز إلى عشر سنين ولا يجوز الزيادة عليها (١).
ما ينتهي به الأمان للمستأمن:
ينتهي بأمور منها:
١ - إذا رأى الإِمام أن المصلحة؛ في إنهائه، ولكن عليه أن يخبرهم بذلك وإعادتهم إلى ما كانوا عليه قبل الأمان لئلا يكون من المسلمين غدر قال تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٢).
٢ - انقضاء مدة الأمان المحددة في إعطاء الأمان.
٣ - إذا رد المستأمن الأمان الذي أعطى له.
٤ - عودة المستأمن إلى دار الحرب واستيطانه بها.
стр. 1718
٥ - ارتكاب المستأمن الخيانة، لأنها نقيض الأمان، إما بقيامه بالتجسس أو غيره مما يعد ناقضًا لأمانه (١).
стр. 1719
العهد ونقضه
التعريف في اللغة: العهد: الأمان والموثق والذمة واليمين، وكل ما عوهد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد (١).
حكم العهد:
يوجب الإِسلام احترام العهد والميثاق قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (٢)، وقا ل تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣).
وجاء في حديث أبي رافع ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "إني لا أخيس (٤) بالعهد، ولا أحبس الرسل" (٥).
وقد عاهد الرسول ﷺ اليهود بعد الهجرة عهدًا أقرهم فيه على دينهم وأمنهم على أموالهم بشرط ألا يعينوا عليه المشركين، فنقضوا العهد فأنزل الله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (٦).
ولقد لمس الصحابة ﵃ منافع الوفاء بالعهد، ولعل منها تفرغ المسلمين لأعمال أخرى وإعطاء الوقت لغير المسلمين لفهم الإِسلام.
ولا يجوز للمسلمين نقض العهد ما دام من اتفقوا معه ملتزمًا به.
стр. 1720
جاء في حديث عمرو بن عبسة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء" (١).
لكن إذا نقض العدو العهد إما بقتال أو بإعانة عدو أو قتل مسلم أو أخذ مال انتقض عهدهم لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (٢).
وإذا ظهرت بوادر الغدر والخيانة وما يدل على نقض العهد من المشركين جاز لولي الأمر أن ينبذ إليهم عهدهم لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٣).
وذلك بإعلامهم بنقض العهد حتى يكون معلومًا لهم كما هو معلوم للمسلمين.
وقد نقضت قريش العهد مع الرسول ﷺ حيث أعانوا بني بكر على خزاعة أحلاف الرسول ﷺ فقاتلهم وفتح مكة.
وقد جاء الكلام عن الوفاء بالعهد مع غير المسلمين في الفتوى رقم (١٧٠٣٠) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية وأن الوفاء بالعهد فيما لا يخالف شرع الله تعالى واجب، ما لم يحدث إخلال بالعهد.
ومن الأمور التي ينتقض بها العهد:
١ - إذا لم يلتزم الكتابي حكم الإِسلام.
٢ - إذا قاتل المعاهد المسلمين.
стр. 1721
٣ - إذا سب الله أو رسوله أو كتابه أو دينه.
٤ - إذا تجسس على المسلمين أو أعان عليهم.
٥ - إذا لم يؤد الجزية المتفق عليها (١).
الأسري:
جمع أسير وهم من يظفر بهم من المقاتلين ومن في حكمهم. والأسر مشروع، ويدل على مشروعيته قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ (٢).
وفي أسر الأعداء كسر شوكتهم ودفع شرهم وإبعادهم عن ساحة المعركة ومبادلة الأسرى المسلمين بهم.
حكم الأسرى من المقاتلين:
اتفق الفقهاء على أن النساء والذرية لا يقتلون، وليس لهم إلا الاسترقاق أو الفداء، أما المقاتلون فقد بين الفقهاء حكمهم وفق الآتي:
١ - ذهب الحنفية إلى أن الإِمام مخير بين ثلاثة أمور فقط: القتل، أو الاسترقاق أو المن عليهم بجعلهم أهل ذمة على الجزية.
٢ - وذهب المالكية إلى أن الإِمام يخير في الأسرى حسبما يحقق المصلحة بين خمسة أشياء: فإما أن يقتل وإما أن يسترق وإما أن يعتق وإما أن يأخذ الفداء فيه، وإما أن يعقد عليه الذمة ويضرب عليه الجزية لفعل عمر ﵁ (٣).
стр. 1722
٣ - وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الإِمام مخير بين أربعة أشياء: القتل أو الفداء أو المن أو الاسترقاق.
فالفقهاء يتفقون على أن الإِمام مخير في ثلاثة منها: القتل أو الرق أو المن ويختلفون في غيرها.
ويستدلون للقتل بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١).
"وقتل النبي ﷺ يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط" (٢)، قال ابن حجر في بلوغ المرام ورجاله ثقات (٣).
وأما المن والفداء فقد جاء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٤).
ولأن النبي ﷺ "منَّ على أبي العاص بن الربيع وعلى ثمامة بن أثال" (٥)، "وفادى أسيرًا برجلين من أصحابه" (٦)، "وفادى أساري بدر بالمال" (٧).
وأما الرق فلم يثبت الاسترقاق بنص من القرآن أو السنة وإنما جاء الترغيب في العتق بالسنة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أيما رجل اعتق امرءًا مسلمًا استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار" (٨).
стр. 1723
ولكن ثبت أن الخلفاء الراشدين ﵃ استرقوا بعض الأسرى أسوة بما يفعله أعداؤهم، وكان الرق موجودًا قبل الإِسلام في مختلف الديانات والأمم وجاء الإِسلام بالحث على العتق وضيق أسباب الرق الكثيرة التي كانت موجودة قبله وحصرها في المحاربين من أعداء المسلمين الذين يقاتلونهم وجعل العتق مصرفًا من مصارف الزكاة وقسمًا من أقسام الكفارات وأكد على حسن معاملة الأرقاء.
انتهاء القتال والحرب:
ينتهي القتال بأحد الأمورالآتية:
١ - إسلام المقاتلين ودخولهم في دين الله، وفي هذه الحال يكونون مسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.
٢ - انقضاء مدة المعاهدة المتفق عليها في الهدنة مع الأعداء، وذلك لفعله ﷺ مع المشركين في صلح الحديبية، حيث اتفق معهم على هدنة لمدة عشر سنين.
٣ - التزام المشركين بدفع الجزية وكتابة عقد الذمة بينهم وبين المسلمين.
٤ - انتصار المسلمين وهزيمة الأعداء واستسلامهم.
٥ - إعطاء الأمان بشرطه من الإِمام لجهة أو غيرها، وإعطاء الأمان من آحاد المسلمين لأفراد من الأعداء (١).
قتلى الحرب من المسلمين:
شرع الله الجهاد لإعلاء كلمته وتحقيق الأمن والعدل في ربوع الأرض، واستجاب لذلك عباده المؤمنون وبذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الله ابتغاء لما
стр. 1724
أعده لهم في الآخرة من علو الدرجات وحسن الجزاء، وقد أطلق عليهم اسم (الشهداء) تكريمًا لهم.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١).
стр. 1725
الشهيد
التعريف في اللغة: الشهيد: الحاضر والشاهد، ويطلق الشهيد على المقتول في سبيل الله والجمع شهداء لأن الله شهد له بالجنة (١).
وفي الاصطلاح: من مات من المسلمين في قتال الكفار وبسببه (٢).
منزلة الشهيد:
جاء القرآن الكريم والسنة النبوية ببيان ما أعد الله من منزلة عالية للشهداء، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
ومن السنة: ما روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة" (٤).
من يطلق عليه شهيد:
الشهيد هو من قتل في معركة في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، سواء قتله غير المسلم أو أصابه سلاح مسلم خطأ أو عاد إليه سلاحه أو سقط عن دابته أو وجد في المعركة قتيلًا ولم يعلم سبب موته أو جرح في المعركة ومات بسبب جرحه.
стр. 1726
جاء في الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذِّكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله" (١).
ويطلق الشهيد على بعض الحالات التي وردت فيها أحاديث منها: حديث جابر بن عتيك أن النبي ﷺ قال: "ما تعدون الشهيد فيكم؟ " قالوا: من يقتل في سبيل الله. . . وورد فيه: "المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والحريق وصاحب ذات الجنب والمرأة تموت بِجُمْع (٢) " (٣).
ومنها حديث سعيد بن زيد مرفوعًا: "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد" (٤).
وقد جاء الكلام عن الشهيد في الفتوى رقم (٦٥٦٤) من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في السعودية: "الشهيد الحقيقي: من يموت في معركة في سبيل الله، أو يصاب فيها ويموت بجرحه".
غسل الشهيد والصلاة عليه:
اتفق الفقهاء على أن الشهيد المقتول في المعركة لا يغسل (٥)، وإنما تنزع منه آلة الحرب ويدفن في ثيابه التي كانت عليه في المعركة لحديث ابن عباس ﵄ أن
стр. 1727
النبي ﷺ "أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم" (١)
واختلفوا في الصلاة عليه:
١ - فذهب أبو حنيفة وأحمدُ في رواية له إلى أنه يصلى عليه لما ورد من أحاديث في ذلك، منها حديث عقبة بن عامر قال: "خرج رسول الله ﷺ يومًا وصلى على أهل أحد صلاته على الميت" (٢).
وقالوا إن الصلاة على الميت شرعت إكرامًا له والطاهر من الذنب لا يستغنى عنها كالنبي والصبي.
٢ - وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد إلى أنه لا يصلى عليه للأحاديث الواردة في ذلك، ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ "أمر في قتلى أحد بدفنهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم" (٣)، ولأن الشهيد قد نال من الشرف بحيث لا يلائم تشفع من هو دونه فيه.
ومن السنة أن يدفن الشهداء في مكان قتلهم لما روى جابر بن عبد الله ﵁ أن الرسول ﷺ "أمر أن يدفن القتلى في أحد في موقع المعركة" (٤).
عمليات الفدائيين في الأعداء من الكفار المحاربين:
حكم القيام بها:
اختلفت أساليب الحرب وفنون القتال من عصر إلى آخر، ولكنها أكثر تغيرًا وفتكًا في هذا العصر، ومن أساليب القتال تلك قيام المسلم بقتل مجموعة من
стр. 1728
المحاربين ويتم ذلك بتفجير نفسه وسط الأعداء المقاتلين من الكفار فيموت هو ومن حوله، كما يحدث في فلسطين، وقد اختلف العلماء المعاصرون في مثل هذا الأسلوب:
١ - فذهب بعضهم إلى أن هذا الأسلوب لا يجوز وهو نوع من الانتحار وأنه لم يكن معهودًا من قبل، وفيه إلقاء بالنفس إلى التهلكة والله يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١).
ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢).
٢ - وذهب آخرون إلى جواز ذلك، فقد صرح الحنفية بأنه إن علم أنه يقتل إذا قاتل جاز بشرط أن ينكي في العدو، أما إذا علم أنه لا ينكي فيهم، فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم، لأنه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدين. وقال محمَّد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في قتل أو نكاية في العدو.
كما ذهب المالكية إلى جواز إقدام الرجل المسلم على الكثير من الكفار إن كان قصده إعلاء كلمة الله، وكان فيه قوة وظن تأثيره فيهم ولو علم ذهاب نفسه، ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا، وقيل إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم (٣).
وذلك بيَّن في قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ
стр. 1729
مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (١). وقد قال رجل من المسلمين يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة ضعوني في الحَجَفة (٢) وألقوني إليهم، ففعل الصحابة وقاتلهم وحده وفتح الباب.
ونقل الرازي (٣) رواية عن الشافعي أن رسول الله ﷺ ذكر الجنة، فقال له رجل: أرأيت إن قتلت في سبيل الله فأين أنا؟ قال: "في الجنة"، فألقى تمرات في يديه ثم قاتل حتى قتل (٤)، وقال ابن العربي (٥): والصحيح عندي جوازه لأن فيه أربعة أوجه:
الأول: طلب الشهادة.
الثاني: وجود النكاية.
الثالث: تجرئة المسلمين عليهم.
الرابع: ضعف نفوس الأعداء ليروا أن هذا صنيع واحد منهم فما ظنك بالجميع.
وجاء في توضيح الأحكام: "قال الحافظ: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز للرجل الشجاع أن يحمل على الكثير من العدو، إذا كان له قصد حسن، كأن يرهب العدو، أو يجرّئ المسلمين على الإقدام أو نحو ذلك من المقاصد" (٦).
стр. 1730
وجاء في الموسوعة الفقهية: "وربما يشبه ذلك لبس الحزام الناسف وإلقاء النفس أمام دبابات العدو للقضاء عليها مع علمه بأنه سيقتل" (١).
الراجح: يتبين مما ذكر من أقوال الفقهاء أن تلك الحالة وما يماثلها جائزة لما ذكروه من فوائد للمسلمين، بل هي مرتبة عالية إن تحققت فيها الرغبة الصادقة لإعلاء دين الله وكسر شوكة الكفر ودفع المسلمين إلى الجرأة على أعدائهم، والنيل منهم بتحقيق الشهادة في سبيل الله ولا سيما في هذا العصر الذي اختلت فيها موازين القوى وأصبح للأعداء اليهود في فلسطين وغيرها قوة حربية كبيرة، قد لا يستطيع المسلمون التصدي لهم حاضرًا ولم يبق أمامهم إلا مثل تلك العمليات الاستشهادية قال القرطبي (٢): "وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٣).
وأما الآية التي استدل بها المانعون فيجاب عنها بما جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عندما غزا المسلمون القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار حين أرادوا أن يتركوا الجهاد، ويعمروا أموالهم.
وأما هذا، فهو الذي قال الله فيه (٤): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٥).
стр. 1731
فالتهلكة هي ترك الجهاد وما فيه من عظيم الأجر وحلول النصر، والركون إلى الدنيا وما يترتب على ذلك من ضعف المسلمين وقوة أعدائهم وتسلطهم عليهم وغزوهم في عقر دارهم وإذلالهم، وهو ما يؤدي إلى التهلكة للفرد والأمة، وأما من أفتدى المسلمين والإِسلام بنفسه فقد باعها لله رغبة فيما عنده من عظيم الأجر وجزيل الثواب للشهداء والمجاهدين في سبيله.
ويجاب عن الآية الثانية بأنها لا تتناول موضوع الاستدلال، وإنما المراد بها أن يقتل الناس بعضهم بعضا، قال القرطبي (١): أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضا، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل والحرص على الدنيا وطلب المال بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي للتلف ويحتمل أن يقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناوله النهي.
وليست تلك العمليات انتحارًا، إذ الانتحار قتل للنفس وتخلص منها بعد أن ضاقت الدنيا في وجهه لأي سبب من أسباب الحياة، فهو لا يقصد أبعد من ذلك، وإنما الفداء بالنفس لإعلاء كلمة الله وعز الإِسلام والمسلمين وقهر الأعداء والنكاية بهم شراء للآخرة بالحياة الدنيا فهو لم يقدم على إزهاق نفسه سخطًا لأمر من أمور الدنيا، وإنما أرخصها لهدف أسمى وأعلى ألا وهو الشهادة في سبيل الله، فقد باع نفسه وما يفنى بما يبقى من رضوان الله والدرجات العلى.
وقد حققت مثل هذه العمليات نتائج طيبة بالنيل من العدو ورفع الروح المعنوية للمسلمين وأنه يمكن النصر على الأعداء إذا صدق المسلمون مع الله وحققوا عوامل النصر وإن لم يكونوا مثل الأعداء عددًا وعدة كما هي شواهد التاريخ.
стр. 1732
ونرى أن يقيد هذا الجواز بشروط هي:
١ - ألا يقصد قتل نفسه والخلاص من الدنيا.
٢ - أن يحاول تنفيذ العملية الفدائية مع المحافظة على نفسه ما أمكن.
٣ - أن تكون تلك العمليات موجهة إلى أعداء المسلمين المحاربين من الكفار فقط.
٤ - أن يكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين ونكاية مؤثرة في العدو.
٥ - أن تكون تلك العمليات مقرَّة من علماء البلد الذي يحارب العدو؛ لأنهم أدرى بما فيه مصلحة الإِسلام والمسلمين عندهم.
وبتحقيق تلك الشروط يتم البعد عن السلبيات التي يمكن أن تقع إذا قيل بالجواز مطلقًا. والله أعلم.
стр. 1733
المراجع والمصادر
١ - اختلاف الفقهاء، للطبري طبعة عام ١٩٣٣ م.
٢ - إعانة الطالبين، لأبي بكر السيد البكري، دار إحياء الكتب العربية بمصر.
٣ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، محمَّد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي أبو عبد الله المتوفى سنة ٧٥١ هـ.
٤ - الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، محمَّد الشربيني الخطيب، دار إحياء الكتب العربية بمصر.
٥ - الاختيارات، لابن تيمية طبعة دار العاصمة.
٦ - الأم للشافعي، المطبعة الكبرى الأميرية بمصر ١٣٢١ هـ.
٧ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي المتوفى سنة ٨٨٥، الطبعة الأولى ١٣٧٦ هـ، مطبعة السنة المحمدية.
٨ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم الحنفي، المطبعة العلمية، الطبعة الأولى.
٩ - التفسير الكبير للرازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية.
١٠ - الجامع الصحيح المختصر، محمَّد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، المتوفى سنة ٢٥٦.
١١ - الجهاد في الإِسلام، د. عبد الله القادري الطبعة الثانية عام ١٤١٢ هـ دار المنارة جدة.
стр. 1734
١٢ - السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفى ٤٥٨ هـ مطبعة مجلس دائرة المعارف بالهند ١٣٥٠ هـ.
١٣ - الشرح الكبير على المقنع، لابن قدامة، شمس الدين عبد الرحمن بن محمَّد بن أحمد بن قدامة أبو الفرج، المتوفى ٦٨٢ هـ.
١٤ - العدة شرح العمدة، بهاء الدين المقدسي.
١٥ - الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، مطبعة كردسان العلمية، ١٣٢٩ هـ.
١٦ - الفتاوى الهندية، لجماعة من علماء، دار المعرفة للطباعة بيروت.
١٧ - القاموس المحيط، مجد الدين محمَّد بن يعقوب الفيروزآبادي ط دار الفكر بيروت.
١٨ - القوانين الفقهية، لابن جزي، محمَّد أحمد الكبلي الغرناطي، المتوفى ٧٤١ هـ.
١٩ - الكافي في فقه الإِمام أحمد المقدسي المكتب الإِسلامي الطبعة الخامسة، ١٤٠٨ هـ.
٢٠ - المبدع في شرح المقنع، أبو إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن مفلح، المتوفى ٨٨٤ هـ، المكتب الإِسلامي بيروت ١٤٠٠ هـ.
٢١ - المبسوط للسرخسي، شمس الدين محمَّد بن أحمد بن أبي سهلب أبو بكر، المتوفى ٤٨٣ هـ.
٢٢ - المجموع شرح المهذب، للنووي.
٢٣ - المستدرك، للحافظ أبي عبد الله محمَّد المعروف بالحاكم، مطبعة مجلس دائرة المعارف بالهند، الطبعة الأولى ١٣٣٤ هـ.
стр. 1735
٢٤ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للرافعى أحمد المقري المكتبة العلمية بيروت.
٢٥ - المغني، لابن قدامة. أبي محمَّد عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن قدامة المقدسي، المتوفى سنة ٦٢٠، مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
٢٦ - الملخص الفقهي، للشيخ صالح الفوزان نشر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ.
٢٧ - الموسوعة الفقهية الكويتية.
٢٨ - الموطأ، للإمام مالك رواية يحيي بن يحيى الليثي، دار النفائس بيروت.
٢٩ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني المتوفى سنة ٥٨٧ هـ، المطبعة الجمالية بالقاهرة، سنة ١٣٢٨ هـ.
٣٠ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لمحمد بن رشد الحفيد القرطبي، دار الفكر بيروت.
٣١ - بلغة السالك لأقرب المسالك، للشيخ أحمد الصاوي، المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
٣٢ - بلوغ المرام من أدلة الأحكام، الحافظ بن حجر العسقلاني، المطبعة التجارية بمصر.
٣٣ - تفسير القرطبي، دار الكتاب العربي القاهرة، ١٣٨٧ هـ.
٣٤ - تكملة المجموع شرح المهذب، محمَّد نجيب المطيعي، المكتبة السلفية، المدينة المنورة.
стр. 1736
٣٥ - تكملة فتح القدير على شرح الهداية، شمس الدين أحمد المعروف بقاضي زاده أفندي المكتبة التجارية بمصر.
٣٦ - تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لشهاب الدين ابن حجر العسقلاني، شركة الطباعة الفنية المتحدة بالقاهرة ١٣٨٤ هـ.
٣٧ - توضيح الأحكام من بلوغ المرام، لابن بسام.
٣٨ - جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، صالح عبد السميع الأزهري، دار إحياء الكتب العربية.
٣٩ - حاشية ابن عابدين المسمى رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، محمَّد أمين بن عابدين مطبعة مصطفى الحلبي بمصر الطبعة الثانية ١٣٨٦ هـ.
٤٠ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، الدسوقي، للدردير، دار الفكر بيروت.
٤١ - روضة الطالبين، للنووي. وعمد المفتين، النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف، المتوفى سنة ٦٧٦ هـ.
٤٢ - سنن ابن ماجة، الحافظ أبي عبد الله محمَّد بن زيد القزويني ٢٠٧ - ٢٧٩ هـ مطبعة الحلبي بمصر.
٤٣ - سنن الدارقطني، علي بن عمر، دار المحاسن للطباعة الفنية القاهرة ١٣٨٦ هـ.
٤٤ - سنن النسائي، أبو عبد الرحمن بن شعيب النسائي، مطبعة الحلبي بمصر، الطبعة الأولى ١٣٨٣ هـ.
стр. 1737
٤٥ - شرح الخرشي على مختصر خليل، لأبي عبد الله محمَّد الخرشي المتوفى ١١٠١ هـ دار صادر بيروت.
٤٦ - شرح فتح القدير، لكمال الدين محمَّد بن عبد الواحد السيواسى ثم السكندرلاى المعروف بابن الهمام أبي الحسن، المطبعة الكبرى الأميرية بمصر الطبعة الأولى ١٣١٦ هـ.
٤٧ - شرح منتهى الإرادات، لمنصور البهوتي، مطبعة أنصار السنة المحمدية ١٣٦٦ هـ.
٤٨ - صحيح ابن حبان بترتيب بن بلبان، محمَّد بن حبان أحمد أبو القاسم التميمي، المتوفى سنة ٣٥٤.
٤٩ - صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاري، مطبعة الحلبي بمصر.
٥٠ - صحيح الجامع الصغير، ناصر الدين الألباني، المكتبة الإِسلامية بمصر.
٥١ - صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، المتوفى سنة ٢٦١.
٥٢ - ضعيف سنن أبي داود، الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإِسلامي الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.
٥٣ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، وللمباركفوري، طبعة دار الكتب العلمية، لبنان.
٥٤ - فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية.
стр. 1738
٥٥ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن حجر العسقلاني، المطبعة السلفية بالمدينة.
٥٦ - فقه السنة، للسيد سابق دار الكتاب العربي، بيروت لبنان الطبعة الثالثة ١٣٩٧ هـ.
٥٧ - قوانين الأحكام الشرعية، لمحمد بن جزي الكلبي المتوفى ٧٤١ هـ مكتبة عالم الفكر، القاهرة.
٥٨ - كشاف القناع عن متن الإقناع، البهوتي، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي.
٥٩ - مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية، مطابع الرياض.
٦٠ - مسند أحمد، الطبعة الحديثة المحققة بإشراف الدكتور عبد الله التركي.
٦١ - مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، محمَّد الشربينى الخطيب، مطبعة الحلبي ١٣٧٧ هـ.
٦٢ - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، لأبي عبد الله محمَّد بن محمَّد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالخطاب المتوفى ٩٠٢ - ٩٥٤ هـ، دار الفكر الطبعة الثالثة ١٤١٢ هـ.
٦٣ - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للرملي، شمس الدين محمَّد بن أبي العباس أحمد بن حمزه بن شهاب الرملي.
٦٤ - نصب الراية، للزيلعي المكتبة الإِسلامية.
стр. 1739
الفِقهُ الميَسَّر
القضاء - المحماة - التحكيم
مَوسُوعة فقهيَّة حَديثَة تتناوَل أحكام الفقه الإسلامي بأسُلوب وَاضح للمختصّين وغيرهم
تَأليف
أ. د/عبد الله بن محمّد المطلق
عضو هَيئة كبار العُلَماء، وعضو اللجنة الدَّائمة للإفتاء
د/محمَّد بن إبراهيم الموسَى
عضو مجلس الشورى سابقًا، والمجلس الأعلى للأوقاف
أ. د/عَبد الله بن محمد الطيّار
أستَاذ الدِّراسات العليا بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلامية بجامعة القصيم
الجزء الثَّامن
مدار الوطن للنشر
стр. 1740
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1741
الفِقهُ الميَسَّر
القضاء - المحاماة - التحكيم
стр. 1742
حقُوق الطَّبع محفُوظَة
الطَّبعَة الثانيَة
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
مَدَارُ الوَطن للنَّشر
المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز
ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١
البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com
موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com
الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦
الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨
التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤
التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧
مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
стр. 1743
مقدمة
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم وبارك على نبي الهدى والرحمة محمَّد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين وبعد:
فهذا هو الجزء الثامن من كتابنا المسمى (الفقه الميسر) وفيه نتناول أحد أهم السلطات التي لا تقوم الدولة إلا بها وهي السلطة القضائية وما يتعلق بها من مباحث ومسائل. ومعلوم أنه لا يوجد على وجه الأرض قديمًا وحديثًا مجتمع تستقيم أمور أفراده بدون القضاء؛ إذ لا يوجد مجتمع بشري مثالي يعيش أفراده كما تعيش الملائكة لا يجد الغل طريقًا إلى قلوبهم؛ فالإنسان مجبول بطبعه على الجور والظلم وحب الذات والأنانية، ومن البدهي عندما يتعامل مع بني جنسه من أفراد مجتمعه أن تنشأ عن ذلك خلافات ونزاعات، ولا يمكن فض ذلك إلا عن طريق القضاء، كما أنه لا يمكن ردعه وزجره عن الظلم والعدوان إلا بواسطة العقوبات التي يحكم بها عن طريق القضاء؛ ولهذا قال تعالى في محكم كتابه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١).
فالقضاء بدون أدنى شك من أهم وسائل دفع الفساد في الأرض وحقن الدماء وحفظ الأموال ودفع الظلم وفض النزاعات والخصومات وإظهار الحقوق وردها إلى أربابها، وبه يتحقق نصرة الظالم والمظلوم كما في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: "تحجزه
стр. 1744
أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره" رواه البخاري (١)، فهو بالنسبة إلى الضعيف بمثابة سلاح يدرأ به غائلة القوي ويحد من سطوته وبالنسبة إلى القوي بمثابة سراج يضيء له طريق الحق ويحذره من الزيغ عنه.
والنظام القضائي الإِسلامي نظام متكامل لأنه جزء من المنظومة الشرعية الإِسلامية التي قال عنها الله سبحانه وتعالي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)، وقال عنِ أحد أهم مصادره: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣)، فهو نظام متكامل وصالح لكل زمان ومكان؛ لأنه يستقي أحكامه من كتاب الله المنزل من خالق السموات والأرض العليم بخلقه والخبير بما يصلحه في جميع أحواله منذ أن خلقه على وجه الأرض إلى أن تقوم الساعة، والحكيم في شرعه لكل ما يصلح البشر في العاجل والآجل قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٥).
стр. 1745
كما أنه يستقي أحكامه من سنة نبيه محمَّد ﷺ المبلغ عن الله تعالى وهي المصدر الثاني للتشريع. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). (٢).
نسأل الله تعالى أن يوفقنا في هذا العمل ويسددنا للصواب وأن ينفع به.
وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
المؤلفون
стр. 1746
الفِقهُ الميَسَّر
كتاب القضاء
стр. 1747
كتاب القضاء
القضاء لغة:
الإحكام والإنفاذ: قال ابن فارس: القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته، ولذلك سمي القاضي قاضيًا؛ لأنه يُحكِمُ الأحكام، ويُنفِّذها (١). وقال ابن منظور: أصل معناه: القطع والفصل، يقال: قضى يقضي قضاء إذا حكم، وفصل، وقضاءُ الشيء: إحكامه، وإمضاؤه، والفراغ منه. . والقاضي: القاطع للأمور المحكم لها (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣)، أي حكم ربك ألا تعبدوا إلا إيَّاه (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (٥). أي: لفُصِل في الحكم بينهم.
واصطلاحًا:
عرفه الحنفية بأنه: فصل الخصومات وقطع المنازعات على وجه مخصوص (٦).
وعرفه المالكية بأنه: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام (٧).
وعرفه الشافعية بأنه: إظهار حكم الشرع في الواقعة ممّن يجب عليه إمضاؤه فيما يرفع إليه.
стр. 1748
وعرفه الحنابلة بأنه: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات (١).
وهذه التعريفات متقاربة المعاني وكلها تفيد أن القضاء هو نظر القاضي في خصومة المترافعين وبيان الحكم الشرعي فيها وإلزام الخصوم به.
وعرف ابن خلدون منصب القضاء بأنه منصب الفصل بين الناس في الخصومات، حسمًا للتداعي، وقطعًا للتنازع، بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة (٢).
مشروعية القضاء:
يدل على مشروعية القضاء الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤) ..
وقال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥). فقد جعل الله الحكم بين الناس والفصل في الخصومات جزءًا من مهام الرسل عليهم الصلاة والسلام، والأمر للرسل أمر للخلفاء بعدهم.
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
стр. 1749
ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). فقد ربط الله تعالى الإيمان بقبول التحاكم إليه وإلى رسوله ﷺ ، كما وصف الله تعالى المؤمنين بقبول التحاكم إليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).
ومن السنة: أدلة فعلية وقولية:
١ - أما الفعلية فقد كان النبي ﷺ يتولى القضاء بنفسه ويولي بعض أصحابه فعن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سمع جَلَبَةَ خَصْمٍ (٣) بِبَاب حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فقال: "إنما أنا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِيني الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ من بَعْض، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأقْضِي له، فَمَنْ قَضَيْتُ له بحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّما هِيَ قِطْعَةٌ من النّارِ، فَليَحْمِلهَا، أو يَذَرْهَا" (٤).
وروى أبو داود بسنده عن عَليٍّ ﵁ قال: بَعَثَنِي رسول الله ﷺ إلى اليَمَنِ قَاضِيًا، فقلت: يا رَسُولَ الله، تُرْسِلُنِي وأنا حَدِيثُ السِّنِّ ولا علمَ لي بِالقَضَاءِ؟ فقال: "إِنَّ الله سَيَهْدِي قَلبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فإذا جَلَسَ بين يَدَيْكَ الخَصْمَانِ، فلا تَقْضِيَنَّ حتى تَسْمَعَ من الآخَرِ كما سَمِعْتَ من الأَوَّلِ، فإنه أَحْرَى أَنْ يَتبَيَّنَ لك القَضَاءُ" قال: فما زِلتُ قَاضِيًا، أو ما شَكَكْتُ في قَضَاءٍ بَعْدُ (٥).
стр. 1750
٢ - وأما القولية فمنها ما رواه البخاري ومسلمٌ عن عَمْرِو بن العَاصِ ﵁ أنَهُ سمع رَسُولَ الله ﷺ يقول: "إذا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وإذا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطأ، فَلَهُ أَجْرٌ" (١).
وأمَّا الإجماع: فقد نقله غير واحد منهم ابن قدامة حيث قال: أجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس (٢). ومنهم النووي حيث جاء في روضة الطالبين: القضاء فرض كفاية بالإجماع (٣).
حكم القضاء:
القضاء فرض كفاية على الأمة فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا امتنع عنه الجميع أثموا. أما كونه فرضًا فلقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (٤). ولأن طباع الناس مجبولة على التظالم، ومنع الحقوق، وقل من ينصف من نفسه، ولا يقدر الإِمام على فصل الخصومات بنفسه، فدعت الحاجة إلى تولية القضاة. وأما كونه على الكفاية؛ فلأنه من الأمر بالمعروف أو من النهي عن المنكر، وهما من فروض الكفاية (٥).
стр. 1751
حكم تولي القضاء:
يعتري تولي القضاء الأحكام الشرعية الخمسة من الوجوب والندب والإباحة والتحريم والكراهة.
أولًا: الوجوب:
يكون تولي القضاء واجبًا على المسلم في أحوال يتناولها فقهاء المذاهب الفقهية:
١ - قال الحنفية: إذَا كان لا يَصْلُح للقضاء في البلد إلا رَجُلٌ وَاحِدٌ فإنه يجب عليه القَبُولُ إذَا عُرِضَ عليه، لأنَّهُ إذَا لم يَصْلُحْ له غَيْرُهُ تَعَيَّنَ هو لإِقَامَةِ هذه العِبَادَةِ، فَصَارَ فَرْضَ عَيْنٍ عليه، إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ من التَّقْلِيدِ (التعيين) فإذا قُلِّدَ أُفْتُرِضَ عليه القَبُولُ على وَجْهٍ لو امْتَنَعَ من القَبُولِ يَأْثَمُ كما في سَائِرِ فُرُوضِ الأَعْيَانِ (١).
٢ - وقال المالكية: يجب إذا كان المرشح للقضاء من أهل الاجتهاد، أو من أهل العلم والعدالة ولا يكون هناك قاض، أو ليس في البلد من يصلح للقضاء غيره أو لكونه إن لم يل القضاء وليه من لا تحل ولايته، وكذلك إن كان القضاء بيد من لا يحل بقاؤه عليه ولا سبيل إلى عزله إلا بتصدي هذا إلى الولاية فيتعين عليه التصدي لذلك والسعي فيه إذا قصد بطلبه حفظ الحقوق وجريان الأحكام
على وفق الشرع، كما يجب أيضًا قبول القضاء على من يخاف فتنة على نفسه، أو ماله، أو ولده، أو على الناس، إن لم يتول، أو يخاف ضياع الحق له، أو لغيره إن امتنع (٢).
стр. 1752
٣ - وقال الشافعية: إن تعيَّن للقضاء واحد في ناحية بأن لم يصلح غيره، لزمه طلبه إن لم يعرض عليه للحاجة إليه ولا يعذر لخوف ميل منه بل يلزمه أن يطلب ويقبل ويحترز من الميل كسائر فروض الأعيان ... فإن عرض عليه لزمه القبول فإن امتنع عصى وللإمام إجباره على الأصح؛ لأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره فأشبه صاحب الطعام إذا منعه المضطر (١).
٤ - وقال الحنابلة: يجب على من يصلح للقضاء إذا طلب له ولم يوجد غيره ممّن يوثق به أن يدخل فيه؛ لأن القضاء فرض كفاية ولا قدرة لغيره على القيام به إذن فتعين عليه كغسل الميت، ولئلا تضيع حقوق الناس (٢).
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض على الكفاية. . . ومثلُ إمارةِ حرب، وقضاء، وحسبة وفروع هذه الولايات إنما شرعت للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. . . وكان رسول الله ﷺ في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور ويولى في الأماكن البعيدة عنه. . . والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه لا سيما إن كان غيره عاجزًا عنها (٣).
ثانيًا: الندب:
ويكون القضاء مندوبًا إليه وقد جاء ذكر ذلك في المذاهب الفقهية:
١ - قال الحنفية (٤): يكون مستحبًا إذا وجد من يَصْلُحُ للقضاء لَكِنَّهُ هو أَصْلَحُ وَأَقْوَمُ بِهِ.
стр. 1753
٢ - وعند المالكية يستحب في حالتين، قال ابن فرحون المالكي: ويستحب إذا كان هناك عالم خفي علمه عن الناس فأراد الإِمام أن يشهره بولاية القضاء ليعلم الجاهل، ويفتي المسترشد، أو كان هناك خامل الذكر لا يعرفه الإِمام ولا الناس فأراد السعي في القضاء؛ ليعرف موضع علمه فيستحب له تحصيل ذلك والدخول فيه بهذه النية (١).
٣ - وقال الشافعية (٢): يندب له طلب القضاء في ثلاث حالات: إن كان خاملًا (غير مشهور بين الناس) يرجو بالقضاء نشر العلم لتحصل المنفعة بنشره إذا عرفه الناس، أو لم يكن خاملًا لكن كان محتاجًا إلى الرزق فإذا ولي حصل له كفايته من بيت المال بسبب هو طاعة لما في العدل من جزيل الثواب، ويندب الطلب أيضًا إذا كانت الحقوق مضاعة؛ لجور أو عجز، أو فسدت الأحكام بتولية جاهل فيقصد بالطلب تدارك ذلك.
٤ - وعند الحنابلة يكون مستحبًا في حالتين: إحداهما إذا طلب منه مع خموله وفقره، جاء في الإنصاف للمرداوي الحنبلي: قَوْلُهُ وإن طُلِبَ فالأفضل أن لا يُجِيبَ إلَيْهِ. . . وَقيلَ: الأفضل الإجابة إليه مع خُمُولِهِ قاله المُصَنِّفُ في المغنى وَالكَافِي وَالشَّارِح. وقال ابن حَامِدٍ: إن كان رَجُلًا خَامِلًا لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ في الأحكام فَالأَوْلَى له التَّوْلِيَة لِيُرْجَعَ إليه في ذلك وَيَقُومَ الحَقُّ بِهِ وَينْتَفِعَ بِهِ المُسْلِمُونَ.
والحالة الثانية: إذا قصد بطلبه نصر الحَقِّ وَدَفْعِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّ وهو وجه عندهم، جاء في الإنصاف: قَوْلُهُ فإن وُجِدَ غَيْرُهُ كُرِهَ له طَلَبُهُ بِغَير خِلَافٍ في المَذْهَبِ يعني فِيمَا إذا اطّلَعَ عليه وهو المَذْهَبُ وعليه الأصحاب وَقَطَعَ به كَثِيرٌ
стр. 1754
منهم، وَعَنْهُ لَا يكره له طَلَبُهُ لِقَصْدِ الحَقِّ وَدَفْعِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّ، وَقيلَ: يكره مع وُجُودِ أصلح منه أو غناه عنه أو شُهْرَتِهِ ذكره في الرِّعَايَةِ. قال في الفُرُوع: وُيتَوَجَّهُ وَجْهٌ بَل يُسْتَحَبُّ طلبه لِقَصْدِ الحَقِّ وَدَفْعِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّ (١).
ثالثًا: الإباحة:
ويكون القضاء مباحًا في حالات تناولها الفقهاء:
قال الكاساني من الحنفية: ويكون القَضَاءُ مباحًا إذَا عُرِضَ على من يَصْلُحُ له من أَهْلِ البَلَدِ وكان في البَلَدِ عَدَدٌ يَصْلُحُونَ له فلَا يُفْتَرَضُ عليه القَبُولُ بَل هو في سَعَةٍ من القَبُولِ وَالتَّرْكِ (٢).
وقال المالكية: يباح إذا كان الطالب للقضاء فقيرًا، وَلَهُ عِيَالٌ، فَيَجُوزُ لَهُ السَّعْيُ في تَحْصِيلهِ؛ لِيَسُدَّ خَلَّتَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَقْصِدُ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيُبَاحُ لَهُ أَيْضًا (٣).
وقال الشافعية: إن كان غيره مثله وسئل عن توليه للقضاء بلا طلب فله القبول؛ لأنه من أهله، ولا يلزمه على الأصح؛ لأنه قد يقوم به غيره (٤).
قال الماوردي: الحالة الثالثة أن لا يكون في القضاء ناظر (قاض) وهو خال من وال عليه فيراعى حاله في طلبه فإن كان لحاجته إلى رزق القضاء المستحق في بيت المال كان طلبه مباحًا (٥).
стр. 1755
وقال البهوتي من الحنابلة: "ومن كان من أهله أي القضاء ويوجد غيره مثله في الأهلية فله أن يليه ولا يجب عليه الدخول فيه؛ لأنه لم يتعين عليه، والأولى أن لا يجيب إذا طلب إذَن؛ لما فيه من الخطر والشقة الشديدة ولما في تركه من السلامة وذلك طريقة السلف، وقد أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأبى" (١).
رابعًا: التحريم: يحرم تولي القضاء في حالات ونبينها فيما يأتي:
١ - قال الحنفية: يحرم أن يسعى في طلب القضاء إنْ عَلِمَ من نَفْسِهِ العَجْزَ عنه، وَعَدَمَ الإِنْصَافِ فيه لمِا يَعْلَمُ من بَاطِنِهِ من اتِّبَاعِ الهَوَى ما لَا يَعْرِفُونَهُ (٢).
٢ - وقال المالكية: يحرم أَنْ يَسْعَى في طَلَبِ القَضَاءِ وَهُوَ جَاهِلٌ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ القَضَاءِ، أَوْ يَسْعَى فِيهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ العِلمِ لَكِنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِما يُوجِبُ فِسْقَهُ، أَوْ كَانَ قَصْدُهُ بِالوِلَايةِ الِانْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ، أَوْ قَبُولَ الرِّشْوَةِ مِنْ الخُصُومِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ المَقَاصِدِ، فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ السَّعْيُ في القَضَاءُ (٣).
٣ - وقال الشافعية: يحرم ذلك إذا كان القضاء في مستحقه ومن هو أهله، ويريد أن يعزله عنه إما لعداوة بينهما، وإما ليجرَّ بالقضاء إلى نفسه نفعًا فهذا الطلب محظور وهو بهذا الطلب مجروح (٤).
قال الماوردي: ويحرم إذا قصد انتقامًا من الأعداء أو اكتسابًا بالارتشاء، وجعل من المكروه طلبه للمباهاة والاستعلاء ونوزع في ذلك، وجرى بعضهم على الحرمة؛ للأحاديث الدالة عليه وهو ظاهر (٥).