← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

حكم تولي القضاء: يعتري تولي القضاء الأحكام الشرعية الخمسة من الوجوب والندب والإباحة والتحريم والكراهة. أولًا: الوجوب: يكون تولي القضاء واجبًا على المسلم في أحوال يتناولها فقهاء المذاهب الفقهية: ١ - قال الحنفية: إذَا كان لا يَصْلُح للقضاء في البلد إلا رَجُلٌ وَاحِدٌ فإنه يجب عليه القَبُولُ إذَا عُرِضَ عليه، لأنَّهُ إذَا لم يَصْلُحْ له غَيْرُهُ تَعَيَّنَ هو لإِقَامَةِ هذه العِبَادَةِ، فَصَارَ فَرْضَ عَيْنٍ عليه، إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ من التَّقْلِيدِ (التعيين) فإذا قُلِّدَ أُفْتُرِضَ عليه القَبُولُ على وَجْهٍ لو امْتَنَعَ من القَبُولِ يَأْثَمُ كما في سَائِرِ فُرُوضِ الأَعْيَانِ (١). ٢ - وقال المالكية: يجب إذا كان المرشح للقضاء من أهل الاجتهاد، أو من أهل العلم والعدالة ولا يكون هناك قاض، أو ليس في البلد من يصلح للقضاء غيره أو لكونه إن لم يل القضاء وليه من لا تحل ولايته، وكذلك إن كان القضاء بيد من لا يحل بقاؤه عليه ولا سبيل إلى عزله إلا بتصدي هذا إلى الولاية فيتعين عليه التصدي لذلك والسعي فيه إذا قصد بطلبه حفظ الحقوق وجريان الأحكام على وفق الشرع، كما يجب أيضًا قبول القضاء على من يخاف فتنة على نفسه، أو ماله، أو ولده، أو على الناس، إن لم يتول، أو يخاف ضياع الحق له، أو لغيره إن امتنع (٢).

стр. 1752

٣ - وقال الشافعية: إن تعيَّن للقضاء واحد في ناحية بأن لم يصلح غيره، لزمه طلبه إن لم يعرض عليه للحاجة إليه ولا يعذر لخوف ميل منه بل يلزمه أن يطلب ويقبل ويحترز من الميل كسائر فروض الأعيان ... فإن عرض عليه لزمه القبول فإن امتنع عصى وللإمام إجباره على الأصح؛ لأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره فأشبه صاحب الطعام إذا منعه المضطر (١). ٤ - وقال الحنابلة: يجب على من يصلح للقضاء إذا طلب له ولم يوجد غيره ممّن يوثق به أن يدخل فيه؛ لأن القضاء فرض كفاية ولا قدرة لغيره على القيام به إذن فتعين عليه كغسل الميت، ولئلا تضيع حقوق الناس (٢). وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض على الكفاية. . . ومثلُ إمارةِ حرب، وقضاء، وحسبة وفروع هذه الولايات إنما شرعت للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. . . وكان رسول الله ﷺ في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور ويولى في الأماكن البعيدة عنه. . . والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه لا سيما إن كان غيره عاجزًا عنها (٣). ثانيًا: الندب: ويكون القضاء مندوبًا إليه وقد جاء ذكر ذلك في المذاهب الفقهية: ١ - قال الحنفية (٤): يكون مستحبًا إذا وجد من يَصْلُحُ للقضاء لَكِنَّهُ هو أَصْلَحُ وَأَقْوَمُ بِهِ.

стр. 1753

٢ - وعند المالكية يستحب في حالتين، قال ابن فرحون المالكي: ويستحب إذا كان هناك عالم خفي علمه عن الناس فأراد الإِمام أن يشهره بولاية القضاء ليعلم الجاهل، ويفتي المسترشد، أو كان هناك خامل الذكر لا يعرفه الإِمام ولا الناس فأراد السعي في القضاء؛ ليعرف موضع علمه فيستحب له تحصيل ذلك والدخول فيه بهذه النية (١). ٣ - وقال الشافعية (٢): يندب له طلب القضاء في ثلاث حالات: إن كان خاملًا (غير مشهور بين الناس) يرجو بالقضاء نشر العلم لتحصل المنفعة بنشره إذا عرفه الناس، أو لم يكن خاملًا لكن كان محتاجًا إلى الرزق فإذا ولي حصل له كفايته من بيت المال بسبب هو طاعة لما في العدل من جزيل الثواب، ويندب الطلب أيضًا إذا كانت الحقوق مضاعة؛ لجور أو عجز، أو فسدت الأحكام بتولية جاهل فيقصد بالطلب تدارك ذلك. ٤ - وعند الحنابلة يكون مستحبًا في حالتين: إحداهما إذا طلب منه مع خموله وفقره، جاء في الإنصاف للمرداوي الحنبلي: قَوْلُهُ وإن طُلِبَ فالأفضل أن لا يُجِيبَ إلَيْهِ. . . وَقيلَ: الأفضل الإجابة إليه مع خُمُولِهِ قاله المُصَنِّفُ في المغنى وَالكَافِي وَالشَّارِح. وقال ابن حَامِدٍ: إن كان رَجُلًا خَامِلًا لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ في الأحكام فَالأَوْلَى له التَّوْلِيَة لِيُرْجَعَ إليه في ذلك وَيَقُومَ الحَقُّ بِهِ وَينْتَفِعَ بِهِ المُسْلِمُونَ. والحالة الثانية: إذا قصد بطلبه نصر الحَقِّ وَدَفْعِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّ وهو وجه عندهم، جاء في الإنصاف: قَوْلُهُ فإن وُجِدَ غَيْرُهُ كُرِهَ له طَلَبُهُ بِغَير خِلَافٍ في المَذْهَبِ يعني فِيمَا إذا اطّلَعَ عليه وهو المَذْهَبُ وعليه الأصحاب وَقَطَعَ به كَثِيرٌ

стр. 1754

منهم، وَعَنْهُ لَا يكره له طَلَبُهُ لِقَصْدِ الحَقِّ وَدَفْعِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّ، وَقيلَ: يكره مع وُجُودِ أصلح منه أو غناه عنه أو شُهْرَتِهِ ذكره في الرِّعَايَةِ. قال في الفُرُوع: وُيتَوَجَّهُ وَجْهٌ بَل يُسْتَحَبُّ طلبه لِقَصْدِ الحَقِّ وَدَفْعِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّ (١). ثالثًا: الإباحة: ويكون القضاء مباحًا في حالات تناولها الفقهاء: قال الكاساني من الحنفية: ويكون القَضَاءُ مباحًا إذَا عُرِضَ على من يَصْلُحُ له من أَهْلِ البَلَدِ وكان في البَلَدِ عَدَدٌ يَصْلُحُونَ له فلَا يُفْتَرَضُ عليه القَبُولُ بَل هو في سَعَةٍ من القَبُولِ وَالتَّرْكِ (٢). وقال المالكية: يباح إذا كان الطالب للقضاء فقيرًا، وَلَهُ عِيَالٌ، فَيَجُوزُ لَهُ السَّعْيُ في تَحْصِيلهِ؛ لِيَسُدَّ خَلَّتَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَقْصِدُ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيُبَاحُ لَهُ أَيْضًا (٣). وقال الشافعية: إن كان غيره مثله وسئل عن توليه للقضاء بلا طلب فله القبول؛ لأنه من أهله، ولا يلزمه على الأصح؛ لأنه قد يقوم به غيره (٤). قال الماوردي: الحالة الثالثة أن لا يكون في القضاء ناظر (قاض) وهو خال من وال عليه فيراعى حاله في طلبه فإن كان لحاجته إلى رزق القضاء المستحق في بيت المال كان طلبه مباحًا (٥).

стр. 1755

وقال البهوتي من الحنابلة: "ومن كان من أهله أي القضاء ويوجد غيره مثله في الأهلية فله أن يليه ولا يجب عليه الدخول فيه؛ لأنه لم يتعين عليه، والأولى أن لا يجيب إذا طلب إذَن؛ لما فيه من الخطر والشقة الشديدة ولما في تركه من السلامة وذلك طريقة السلف، وقد أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأبى" (١). رابعًا: التحريم: يحرم تولي القضاء في حالات ونبينها فيما يأتي: ١ - قال الحنفية: يحرم أن يسعى في طلب القضاء إنْ عَلِمَ من نَفْسِهِ العَجْزَ عنه، وَعَدَمَ الإِنْصَافِ فيه لمِا يَعْلَمُ من بَاطِنِهِ من اتِّبَاعِ الهَوَى ما لَا يَعْرِفُونَهُ (٢). ٢ - وقال المالكية: يحرم أَنْ يَسْعَى في طَلَبِ القَضَاءِ وَهُوَ جَاهِلٌ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ القَضَاءِ، أَوْ يَسْعَى فِيهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ العِلمِ لَكِنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِما يُوجِبُ فِسْقَهُ، أَوْ كَانَ قَصْدُهُ بِالوِلَايةِ الِانْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ، أَوْ قَبُولَ الرِّشْوَةِ مِنْ الخُصُومِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ المَقَاصِدِ، فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ السَّعْيُ في القَضَاءُ (٣). ٣ - وقال الشافعية: يحرم ذلك إذا كان القضاء في مستحقه ومن هو أهله، ويريد أن يعزله عنه إما لعداوة بينهما، وإما ليجرَّ بالقضاء إلى نفسه نفعًا فهذا الطلب محظور وهو بهذا الطلب مجروح (٤). قال الماوردي: ويحرم إذا قصد انتقامًا من الأعداء أو اكتسابًا بالارتشاء، وجعل من المكروه طلبه للمباهاة والاستعلاء ونوزع في ذلك، وجرى بعضهم على الحرمة؛ للأحاديث الدالة عليه وهو ظاهر (٥).

стр. 1756

٤ - قال الحنابلة: يحرم تولي القضاء على من لا يحسنه ولم تجتمع فيه شروطه؛ لعدم صحة قضائه فيعظم الغرر والضرر (١). خامسًا: الكراهة: ويكون تولي القضاء مكروها في حالات أوردها الفقهاء: ١ - قال الحنفية: أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلقَضَاءِ لَكِن غَيْرَهُ أَصلَحُ منه فيكره توليه له (٢). ٢ - وقال المالكية: يكره أن يكون سعيه في طلب القضاء لتحصيل الجاه والاستعلاء على الناس، ولو قيل: إنه يحرم كان وجهه ظاهرًا لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣). (٤). ٣ - وقال الشافعية: إن قصد بطلب القضاء المباهاة والمنزلة فقد اختلف في كراهية ذلك مع الاتفاق على جوازه. فكرهته طائفة؛ لأن طلب المباهاة والمنزلة في الدنيا مكروه قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥)، وذهبت طائفة أخرى إلى أن طلبه لذلك غير مكروه؛ لأن طلب المنزلة مما أبيح ليس بمكروه وقد رغب نبي الله يوسف ﵇ إلى فرعون في الولاية والخلافة فقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٦) فَطَلَبَ الولايةَ ووصف نفسه بما يستحقها به من

стр. 1757

قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (١). قال الخطيب الشربيني: "وإذا لم يكن خاملًا بل مشهورًا ولا محتاجًا للرزق بل مكفيًا، فالأولى له ترك طلب القضاء لما فيه من الخطر من غير حاجة، وينشر العلم والفتيا، قلت كما قال الرافعي في الشرح: ويكره له حينئذ الطلب على الصحيح، وكذا قبول التولية أيضًا. والثاني لا كراهة في طلب ولا قبول بل هما خلاف الأولى" (٢). ٤ - وقال الحنابلة: يكره له طلب القضاء، وكذلك الإمارة؛ لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: "لَا تَسْأَل الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْألةٍ وُكِلتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْألةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا" متفق عليه (٣). (٤). الحكمة من مشروعية القضاء الحكمة من مشروعية القضاء أنه وسيلة الدولة في قمع الظالم، ونصرة المظلوم، وَقَطْعِ الخُصُومَاتِ وإيصال الحقوق إلى أهلها وإقامة الحدود (٥). قال الخرشي: "القَضَاءُ مِنْ أَعْظَمِ المَرَاتِبِ لمِا فِيهِ مِنْ فَصْلِ الخُصُومَاتِ، وَإِقَامَةِ الحُدُودِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَكَفِّ الظَّالِمِ" (٦). وقال ابن قدامة: "إنّ في القضاء أمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، ونصرة المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، وردًا للظالم عن ظلمه، وإصلاحًا بين الناس،

стр. 1758

وتخليصا لبعضهم من بعض وذلك من أبواب القرب" (١). وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "والمقصود من القضاء وصول الحقوق إلى أهلها، وقطع المخاصمة" (٢). من يملك تولية القضاة ؟ يتفق الفقهاء على أن الذي يملك ولاية تقليد القضاء هو الإِمام؛ لأن هذه الولاية من المصالح العامة التي يختص بها الإِمام بعموم ولايته؛ إذ هو المستخلف على الأمة والقائم بأمرها والمتكلم بمصلحتها والمسئول عنها، ولا يجوز الافتيات عليه في ذلك، ولا خلاف أن ذلك متعين عليه عند الحاجة وله أن ينيب غيره في ذلك، وله أن يتولاه بنفسه كما كان يفعله رسول الله ﷺ (٣). قال الإِمام أحمد: "لا بد للناس من حاكم (قاض) أتذهب حقوق الناس؟ " (٤). وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "يجب على الإِمام أن ينصب حاكمًا (قاضيًا) عند الحاجة والمصلحة إذا لم تصل الحقوق إلى مستحقيها، أو لم يتم فعل الواجب وترك المحرم إلا به، وقد يستغنى عنه الإِمام إذا أمكنه مباشرة الحكم بنفسه، ولهذا كان النبي ﷺ يباشر الحكم، واستيفاء الحساب بنفسه، وفيما بعد عنه يولى من يقوم بالأمر، ولما كثرت الرعية على عهد أبى بكر وعمر والخلفاء استعملوا القضاة" (٥).

стр. 1759

الترغيب في القضاء: إن مكانة القضاء من الدين عظيمة، فهو يقوم على العدل بين الناس به قامت السموات والأرض وهو من جملة ما كُلّفَ به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). وقال الله تعالى مخاطبًا خاتم رسله ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣). فولاية القضاء رتبة دينية ومنصب شرعي، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأدى الحق فيه، والواجب اتخاذ ولاية القضاء دينًا، وقربة فإنها من أفضل القربات إذا وُفِيَتْ حقها فقد بين الله تعالى في الآية السابقة أنه سبحانه يحب المقسطين وأي شرف أعظم من هذا؟ وقد قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ المُقْسِطينَ عِنْدَ الله على مَنَابِرَ من نُورٍ عن يَمِينِ الرحمن ، وَكِلتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فيَ حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وما وَلُوا" (٤). وقد جعل النبي ﷺ ولاية القضاء من النعم التي يباح الحسد والغبطة عليها، فعن عَبْدَ الله بن مَسْعُودٍ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لَا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ الله مَالًا فَسُلِّطَ على هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْفِي بها وَيُعَلِّمُهَا" (٥).

стр. 1760

ولعلو رتبة القضاء وعظيم فضله جعل الله لمن حكم بين الناس مع أهليته أجرًا على اجتهاده وإن لم يصب في حكمه قال رسول الله ﷺ : "إذا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وإذا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطأَ فَلَهُ أَجْرٌ" (١)، وإنما أُجر على اجتهاده وبذل وسعه لا على خطئه (٢). وقد جاء بذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٣) فَأثنَى عَلَى دَاوُد بِاجْتِهَاده، وَأثنَى عَلَى سُلَيمانَ بِإِصَابَتِهِ وَجْهَ الحُكْمِ. وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). التحذير من تولي القضاء: كان بعض أئمة السلف يحجم عن القضاء ويمتنع عنه أشد الامتناع حتى لو لحقه أذى في ذلك خوفًا على نفسه من خطره والوعيد الشديد الذي وردت السنة به على من تولى القضاء ولم يؤد الحق فيه (٥)، ومن ذلك: ١ - ما رواه عبد الله بن أَوْفَى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ مع القَاضِي ما لم يَجُرْ فإذا جَارَ تَخَلَّى الله عنه وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ" (٦).

стр. 1761

٢ - وما رواه أبو هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من وَليَ القَضاءَ، أو جُعِلَ قَاضِيًا بين الناس فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" (١). ٣ - وما رواه بريْدَةَ عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ وسلم قال: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس عن جهل فهو في النار" (٢).

стр. 1762

وقد أجاب بعض العلماء عن ذلك بأن الوعيد إنما هو خاص بقضاة الجور قال ابن فرحون: إن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد لمن تولى القضاء إنما هي في حق قضاة الجور أو الجهّال الذين يُدْخِلُون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم ففي هذين الصنفين جاء الوعيد. أما الحديث الأول فإنه يتضمن شرف القضاء وأن الله مع القاضي العادل، وأما الحديث الثاني ففيه دليل على فضيلة القاضي بالحق؛ إذ جعله ذبيح الحق امتحانا له؛ لِتَعْظُمَ له المثوبة امتنانًا ويبلغ بذلك حال الشهداء الذين لهم الجنة (١). وَأَمَّا الحديث الثالث فإن الوعيد فيه خاص بالجائر والجاهل بخلاف المجتهد في طلب الحق والحكم به ففيه بيان فضله وقد تقدم أن المجتهد في طلب الحق له أجر ولو أخطأ ولم يصب الحق. ولقد تولى رسول ﷺ القضاء وتولى بعده الخلفاء الراشدون ﵃، وقضوا بين الناس بالحق، ودخولهم فيه دليل على علو قدره، ووفور أجره، ومن بعدهم تبع لهم، ووليه بعد الصحابة أكابر التابعين وتابعيهم. ومن كره الدخول في القضاء من العلماء مع فضلهم وصلاحيتهم، وصلاحهم فهو محمول على المبالغة في ورعهم وسلوك طريق السلامة فإن الأمر فيه خطير، ولعلهم رأوا من أنفسهم فتورًا، أو خافوا التقصير فيه أو أن لا يُنَفَّذَ ما حكموا به، أو أنه لم يتعين عليهم؛ لوجود غيرهم، أو خافوا من الاشتغال به الإقلال من وظائفهم في العبادات وتحصيل العلم وغير

стр. 1763

ذلك من احتمالات (١). الجور في الحكم: إن الجور في الحكم من الكبائر وهو مردود على من قضى به قال أبو عمر بن عبد البر: "أجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالمًا به"، وقال: "وأجمع العلماء أن الجور البين والخطأ الواضح المخالف للإجماع والسنة الثابتة المشهورة التي لا معارض لها مردود على كل من قضى به" (٢). أركان القضاء يذكر الفقهاء للقضاء أركانًا خمسة وهي كالآتي (٣): ١ - القاضي: وهو من يقوم بفصل الخصومة المعروضة أمامه. وقد تقدم أن تعيينه من اختصاص ولي الأمر أو من ينيبه. ٢ - المقضي به: وهو الحكم الذي يصدر عن القاضي لأجل حسم النزاع، وقطع المخاصمة، وهو إما بإلزام المحكوم عليه فيقول: حكمتُ عليك بكذا، وهذا يسمى قضاء إلزام مثل ما يقع من القضاة في القسمة الجبرية، وإما بمنع المنازعة بقوله للمدعي:

стр. 1764

ليس لك حق قبل خصمك بعد عجزك عن الإثبات، وحلف المدعى عليه، وهذا يسمى بقضاء التَّرْك، ويسمى صرف النظر عن الدعوى، ولا بد من أن تكون عبارة الحكم واضحة قاطعة في الدلالة. ٣ - المقضي فيه: ويسمى بالقضية أو الواقعة أو الحادثة، ويُقَسَّمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: القِسْمُ الأوَّلُ: دعوى يَكُونُ الحَقُّ فيها لله تعالى كَحَدِّ الزِّنَا وَحَدِّ الشُّرْبِ. القِسْمُ الثَّانِي: يَكُونُ الحَقُّ فيها للعَبْدِ كدَعْوَى زيدٍ عَلَى عَمْرٍو أنه يطلبه مبلغًا محددًا من المال. القِسْمُ الثَّالِثُ: دعوى يَجْتَمِعَ فيها الحَقَّانِ مَعًا وَيَكُونُ حَقُّ العَبْدِ غَالِبًا كَالقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرِ. القِسْمُ الرابع: دعوى يَجْتَمِعَ فيها الحقَّانِ مَعًا وَيَكُونُ حَقُّ الله غَالِبًا كَحَدِّ القَذْفِ وَحَدِّ السِّرقَةِ. ٤ - المحكوم عليه: وهو من يصدر الحكم ضده وهو الإنسان دائمًا إذ هو الذي يستوفى منه حقوق الشرع، أو حقوق العباد، وأما حقوق الشرع فتستوفى منه سواء وجد مدع عليه أو لا بخلاف حقوق العباد. ٥ - المحكوم له (المقضي له): وهو الذي يدعي الحق، ولا بد أن يدعي الحق المحكوم به، ويطلب الحكم له به، سواء بنفسه أم بواسطة نائب عنه، وكذا لا بد من أن يكون حاضرًا هو أو نائبه. وإذا كان الحق خالصًا لله أو حق الله فيه غالب فإن المحكوم له هو الشرع،

стр. 1765

وهنا لا تشترط الدعوى من شخص معين يكون صاحب حق وإنما تكون دعوى حسبة يتقدم بها المحتسب ممّن عين رسميًا أو أحد أعوانه أو أي شخص محتسب. وذهب ابن فرحون (١) والطرابلسي (٢) إلى أن أركان القضاء ستة؛ لأنهم جعلوا السادس (كيفية القضاء) أو طرق القضاء (من الدعوى ووسائل الإثبات) والحقيقة أن طرق القضاء أو كيفية القضاء ليست ركنًا من أركان القضاء فهي ليست جزءًا من أجزائه وإنما هي شرط فيه لتوقفه عليها فعدها ركنًا من أركان القضاء من باب التسامح والتوسع في معنى الركن، إذ يريدون به ما يتوقف عليه الشيء وهو أعم من كونه شرطًا أو ركنًا (٣). أنواع القضاء: القضاء في الشريعة الإِسلامية علي أربعة أنواع هي: أولًا: القضاء العادي: ١ - فصل الخصومات، والمنازعات بين الناس إما عن صلح، أو تراض، أو إجبار بحكم بات. ٢ - إقامة حدود الله تعالى. ٣ - النظر في الدماء والجروح والتعازير. ٤ - تصفح حال الشهود والأمناء، واختيار الأوصياء.

стр. 1766

٥ - استيفاء الحقوق وإيصالها إلى مستحقيها، وقمع الظالمين عن التعدي والغصب وغير ذلك. ٦ - الولاية على من كان ممنوع التصرف لجنون أو صغر، والحجر على السفيه والمبذر، ورعاية اليتامى والقاصرين، وحفظ أموالهم واستثمارها بالطرق المشروعة. ٧ - تزويج الأيامى، ومن لا ولي لها؛ لأن القاضي ولي من لا ولي له. ٨ - تنفيذ الوصايا بحسب شروط الموصي إذا كانت في حدود ما أباحه الشرع. وقد صدر نظام القضاء في المملكة العربية السعودية بالمرسوم الملكي رقم م / ٦٤، وتاريخ ١٤/ ٧ / ١٣٩٥ هـ وهو يشتمل على خمس وثمانين مادة وهي تنظيم القضاء واختصاصاته وتعيين القضاء ونقلهم وعزلهم وجميع ما يحقق رسالة القضاء على الوجه المناسب شرعًا وقد نص في مادته الأولى على استقلال القضاء وأنه لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإِسلامية والأنظمة المرعية التي تحقق المصلحة ولا تتعارض مع أحكام الشريعة الإِسلامية وأنه ليس لأحد التدخل في القضاء. ثانيًا: قضاء التحكيم: وهو: تولية الخصمين فأكثر شخصًا آخر أو أكثر للحكم بينهم بشرع الله (١). ويدل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ

стр. 1767

﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢). ومن السنة ما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: لما نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ على حُكْمِ سَعْد بن مُعَاذٍ، بَعَثَ (إليه) رسول الله ﷺ وكان قَرِيبًا منه، فَجَاءَ على حِمَارٍ، فلما دَنَا قال رسول الله ﷺ : "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ" فَجَاءَ فَجَلَسَ إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: "إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا على حُكْمِكَ" قال: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تسبي الذُّرِّيَّةُ، قال: "لقد حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ" (٣). وفي لفظ لمسلم: "قضيت بحكم الله". وما رواه أبو داود بسنده عن شُرَيْحٍ عن أبيه هَانِئٍ أنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إلى رسول الله ﷺ مع قَوْمِهِ، سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بأَبِي الحَكَمِ، فَدَعَاهُ رسول الله ﷺ فقال: "إِنَّ الله هو الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحُكْمُ؛ فَلِمِ تُكْنَّى أَبَا الحَكَمِ؟ " فقال: إِنَّ قَوْمِي إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فرَضِيَ كِلَا الفَرِيقَيْنِ، فقال رسول الله ﷺ : "ما أَحْسَنَ هذا" (٤). ومحل الشاهد إقرار الرسول ﷺ وتحسينه لتحكيم أبي شريح بين قومه.

стр. 1768

وأما الإجماع فقد حكاه غير واحد قال النووي: "وقد أجمع العلماء على التحكيم ولم يخالف فيه إلا الخوارج فإنهم أنكروا على علي ﵁ التحكيم وأقام الحجة عليهم" (١). قال ابن فرحون: "وِلَايَةُ التَّحْكِيمِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ هِيَ وِلَايةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ، وَهِيَ شُعْبَة مِنْ القَضَاءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالأَمْوَالِ دُونَ الحُدُودِ، وَاللِّعَانِ، وَالقِصَاصِ" (٢). وقال ابن نجيم ﵀: "التَّحْكِيم مِنْ فُرُوع القَضَاءِ وهو أَحَطَّ رُتْبةً مِنْ القَضَاءِ" (٣). الفروق بين القضاء والتحكيم: ١ - اختلاف الجهة: فالمحكم من قبل شخصين أو أكثر، والقضاء من قبل السلطان فلا يجوز أن يتولى القضاء شخص من قبل نفسه، أو مجموعة من الأشخاص. ٢ - التحكيم ولاية خاصة قاصرة على المتخاصمين فيما حكّماه فيه، على حين أن ولاية القضاء ولاية عامة تتفرع عن ولاية الإِمام فولايته عامة، ودائرتها أوسع من دائرة التحكيم فتشمل جميع الأشخاص المتقدمين للقاضي. ٣ - القاضي أعلى مرتبة من المحكَّم، فله الحق أن ينظر فيما يحكم المحكم فيه ولا يحق للمحكَّم ذلك.

стр. 1769

٤ - لا يشترط في القضاء رضا الخصمين فالقاضي له سلطة ملزمة ويعاقب المخالف على حين أن المحكم يشترط لسلطته في الحكم رضا الخصمين وبعد الرضا يكون الحكم ملزمًا لهما فقط. ٥ - القاضي لا يعزل إلا من قبل السلطان، وأما المحكم فبمجرد انتهاء التحكيم تنتهي مهمته (١). ثالثًا: قضاء المظالم: المظالم لغة: جمع مظلمة، والظلم الجور ومجاوزة الحد، ووضع الشيء في غير موضعه (٢) وقضاء المظالم في الاصطلاح هو: قَوْدُ المُتظَالمَيْنِ إلَى التّنَاصُفِ بالرَّهْبَةِ، وَزَجْرُ المتنَازِعَيْنِ عَنْ التَّجَاحُدِ بِالهَيْبَةِ (٣). والأصل فيها ما رواه البخاري بسنده عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر: أَنَّ الزُّبَيْرَ كان يحدث: أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا من الأَنْصَارِ -قد شَهِدَ بَدْرًا- إلى رسول الله ﷺ في شِرَاجٍ (٤) من الحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كلاهما، فقال رسول اللهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: "اسْقِ يا زبيْرُ، ثُمَّ أَرْسِل إلى جَارِكَ" فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فقال: يا رَسُولَ الله، آنْ كان ابن عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رسول الله ﷺ ثُمَّ قال: "اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حتى يَبْلُغَ الجَدْرَ" (٥) فَاسْتَوْعَى رسول الله ﷺ حِينَئِذٍ للزبير حَقَّهُ، وكان قبل ذلك أَشَارَ على الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ

стр. 1770

سَعَةٍ له وَللأَنْصَارِيِّ، فلما أَحْفَظَ (١) الأَنصَارِيُّ رَسُولَ الله ﷺ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ (٢). ومنْ صفات النَّاظِرِ في المظالم: أَنْ يَكُونَ جَلِيلَ القَدْرِ، نَافِذَ الأَمْرِ، عَظِيمَ الهَيْبةِ ظَاهِرَ العِفَّةِ، قَلِيلَ الطَّمَعِ، كَثِيرَ الوَرَعِ؛ لِأنهُ يَحْتَاجُ في نَظَرِه إلَى سَطْوَةِ الحُمَاةِ وَثَبْتِ القُضَاةِ، فَيَحْتَاجُ إلَى الجَمْعِ بَيْنَ صِفَاتِ الفَرِيقَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ بجَلَالَةِ القَدْرِ نَافِذَ الأَمْرِ في الجِهَتين (٣). وولاية المظالم سلطة قضائية أعلى من سلطة القاضي والمحتسب، والنظر في المظالم موضوع في الأصل لما عجز عنه القضاة، وينظر قاضي المظالم في ظلامات الناس من الولاة والجباة والحكام، أو من أبناء الخلفاء أو الأمراء، أو القضاة. ويشتمل نظر المظالم على عشرة أشياء (٤). الأَوَّلُ: النَّظَرُ في تَعَدِّي الوُلَاةِ عَلَى الرَّعِيَّةِ، فيبحث عن أحوالهم؛ لِيُقَوِّيَهُمْ إنْ أَنْصَفُوا وَيَكُفَّهُمْ إنْ عَسَفُوا، وَيَسْتَبْدِلَ بِهِمْ إنْ لَمْ يُنْصِفُوا. الثَّانِي: جَوْرُ الموظفين فِيمَا يَجِبُونَهُ مِنْ الأَمْوَالِ، فَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى القَوَانِينِ العَادلَةِ في دَوَاوِينِ الأَئِمَّةِ، فَيَحْمِلُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَيَأْخُذُ الموظفين بِهَا، وَيَنْظُرُ فِيمَا اسْتَزَادُوهُ، فَإِنْ رَفَعُوهُ إلَى بَيْتِ المَالِ أَمَرَ بِرَدِّهِ، وَإِنْ أَخَذُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ اسْتَرْجَعَهُ لِأَرْبَابِهِ.

стр. 1771

الثَّالِثُ: كُتَّابُ الدَّوَاوِينِ لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ المُسْلِمِينَ عَلَى بيُوتِ أَمْوَالهِمْ فِيمَا يَسْتَوْفُونَهُ، وَيُوفُونَهُ، فَيَتَصَفَّحُ أَحْوَالَهم فيمَا وُكِلَ إلَيْهِ من زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ. الرَّابعُ: تَظَلُّمُ المُسْتَرْزِقَةِ مِنْ نَقْصِ أَرْزَاقِهِمْ، أَوْ تَأَخُّرِهَا عَنْهُمْ، وَإجْحَافِ النَّظَرِ بِهِمْ فَيَرْجِعُ إلَى دِيوَانِهِ في فَرْضِ العَطَاءِ العَادِلِ، فَيُجْرِيهِمْ عَلَيْهِ، وَيَنْظُرُ فِيمَا نَقَصُوهُ، أَوْ مَنَعُوهُ مِنْ قَبْلُ، فَإِنْ أَخَذَهُ وُلَاةُ أُمُورِهِمْ اسْتَرْجَعَهُ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ قَضَاهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ. الخَامِسُ: رَدُّ الغُصُوبِ، وَهِيَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: غُصُوبٌ سُلطَانِيَّةٌ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا وُلَاةُ الجَوْرِ كَالأَمْلَاكِ المَقْبُوضَةِ عَنْ أَرْبَابِهَا، إمَّا لِرَغْبَةٍ فِيهَا، وَإِمَّا لِتَعَدٍّ عَلَى أَهْلِهَا، فَهَذَا إنْ عَلِمَ بِهِ وَالِي المَظَالِمِ عِنْدَ تَصَفُّحِ الأُمُورِ أَمَرَ بِرَدِّهِ قَبْلَ التَّظَلُّمِ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَظَلُّمِ أَرْبَابِهِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا تَغَلَّبَ عَلَيْهَا ذَوُو الأَيْدِي القَوِيَّةِ، وَتَصَرَّفُوا فِيهِ تَصَرُّفَ المُلَّاكِ بِالقَهْرِ وَالغَلَبَةِ، ورفعه مَوْقُوفٌ عَلَى تَظَلُّمِ أَرْبَابِهِ. السَّادِسُ: مُشَارَفَةُ الوُقُوفِ وَهِيَ ضَرْبَانِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَأَمَّا العَامَّةُ فَيَبْدَأُ بِتَصَفُّحِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُتَظَلِّمٌ لِيُجْرِيَهَا عَلَى سَبِيلِهَا وَيُمْضِيَهَا عَلَى شُرُوطِ وَاقِفِهَا، لِأَنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ الخَصْمُ فِيهَا فكَانَ الحُكْمُ فيها أَوْسَع مِنْهُ في الوُقُوفِ الخَاصَّةِ. وَأَمَّا الوُقُوفُ الخَاصَّةُ فَإِنَّ نَظَرَهُ فِيهَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَظَلُّمِ أَهْلِهَا عِنْدَ التَّنازُعِ فِيهَا لِوَقْفِهَا عَلَى خُصُوم مُتَعَيِّنِينَ فَيَعْمَلُ عِنْدَ التَّشَاجُرِ فِيهَا عَلَى مَا تَثْبُتُ بِهِ الحُقُوقُ عِنْدَ الحَاكِمِ وَلَا يَجُوزُ أَن يَرْجِعَ فيها إلَى دِيوَانِ السَّلطَنَةِ، وَلَا إلَى مَا يَثْبُتُ مِنْ ذِكْرِهَا في الكُتُبِ القَدِيمَةِ إذا لَمْ يَشْهَدْ بِهَا شُهُودٌ مُعَدَّلُونَ.

стр. 1772

السَّابعُ: تَنْفِيذُ مَا وَقَفَ من أحكام القُضَاةُ لِضَعْفِهِمْ عَنْ إنْفَاذِهَا، وَعَجْزِهِمْ عَنْ المَحْكُومِ عَلَيْهِ؛ لِتَعَزُّزِهِ وَقُوَّةِ يَدِهِ، أَوْ لِعُلُوِّ قَدْرِهِ وَعِظَمِ خَطَرِهِ، فَيَكُونُ نَاظِرُ المَظَالِمِ أَقْوَى يَدًا وَأَنْفَذَ أَمْرًا فَيُنَفِّذُ الحُكْمَ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ علَيْهِ بِانْتِزَاعِ مَا في يَدِهِ أَوْ بِإِلزَامِهِ الخُرُوج مِمَا في ذِمَتِهِ. الثَّامِنُ: النَّظَرُ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ النَّاظِرُونَ في الحِسْبةِ في المَصَالِحِ العَامَّةِ، كَالمُجَاهَرَةِ بِمُنكرٍ ضَعُفَ عَنْ دَفْعِهِ، وَالتَّعَدِّي في طَرِيقٍ عَجَزَ عَنْ مَنْعِهِ وَالتَّحَيُّفِ في حَق لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ فَيَأْخُذُهُمْ بِحَقِّ الله تَعَالَى في جَمِيعِهِ وَيَأْمُرُ بِحَمْلِهِمْ عَلَى مُوجَبِهِ. التَّاسِعُ: مُرَاعَاةُ العِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ كَالجُمَعِ وَالأَعْيَادِ وَالحجِّ وَالجِهَادِ مِنْ تَقْصِيرٍ فِيهَا وَإِخْلَالٍ بِشُرُوطِهَا فَإِنَّ حُقُوقَ الله أَوْلَى أَنْ تُسْتَوْفَى وَفُرُوضَهُ أَحَقُّ أَنْ تُؤَدَّى. العَاشِرُ: النَّظَرُ بَيْنَ المتشَاجِرِينَ وَالحُكْمُ بَيْنَ المُتنَازِعِينَ فَلَا يخرُجُ في النَّظَرِ بَيْنَهُمْ عَنْ مُوجَبِ الحقِّ وَمُقْتَضَاهُ، وَلَا يَجوز أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إلَّا بِمَا يَحْكُمُ بِهِ القُضَاةُ. الفَرْقُ بَيْنَ قضاء المظالم والقضاء العادي: الفرق بينهما مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُه هي (١): الأول: أَنَّ لِنَاظِرِ المَظَالِمِ مِن الهيبةِ وَقُوَّةِ اليَدِ مَا لَيْسَ لِلقُضَاةِ في كَفِّ الخُصُومِ عَنْ التَّجَاحُدِ وَمَنع الظَّلَمَةِ مِنْ التَّغَالُبِ وَالتَّجَاذُبِ. وَالثَّانِي: أَنَّ نَظَرَ المَظَالِمِ يَخْرُجُ مِنْ ضِيقِ الوُجُوبِ إلَى سِعَةِ الجوَازِ فَيَكُونُ النَّاظِرُ فِيهِ أَفْسَحَ مَجَالًا وَأَوْسَعَ مَقَالًا.

стр. 1773

وَالثَّالِثُ: أنهُ يَسْتَعْمِلُ مِنْ الإِرْهَابِ وَكَشْفِ الأَسْبَابِ بِالأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ وَشَوَاهِدِ الأَحْوَالِ اللَّائِحَةِ مَا يُضَيِّقُ عَلَى الحُكَّامِ فَيَصِلُ بِهِ إلَى ظُهُورِ الحق وَمَعْرِفَةِ المُبْطِلِ مِنْ المُحِقِّ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يُقَابِلَ مَنْ ظَهَرَ ظُلمُهُ بِالتَّأدِيبِ وَيأْخُذَ مَنْ بَانَ عِدْوَانُهُ بِالتَّقْوِيمِ وَالتَّهْذِيبِ. وَالخَامِسُ: أَنَّ لَهُ مِنْ التَّأنَي في تَرْدَادِ الخُصُومِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ أُمُورِهِمْ وَاسْتِبْهَامِ حُقُوقِهِمْ، لِيُمْعِنَ في الكَشْفِ عَنْ أَسْبَابِهِمْ وَأَحْوَالهِمْ مَا لَيْسَ لِلحُكَّامِ إذَا سَأَلَهُمْ أَحَدُ الخَصْمَيْنِ فَصْلَ الحُكْمِ فَلَا يَسُوغُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ الحَاكِمُ وَيَسُوغُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ وَالِي المَظَالَمِ. وَالسَّادِسُ: أَنَّ لَهُ رَدَّ الخُصُومِ إذَا عَضَلُوا إلى وَاسطة الأُمَنَاءِ لِيَفْصِلُوا التّنَازُعَ بَيْنَهُمْ صُلحًا عَنْ تَرَاضٍ، وَلَيْسَ لِلقَاضِي ذَلِكَ إلَّا عَنْ رَضِيَ الخَصْمَيْنِ بِالرَّدِّ. وَالسَّابِعُ: أَنْ يُفْسِحَ في مُلَازَمَةِ الخَصْمَيْنِ إذا وَضَحَتْ أَمَارَاتُ التَّجَاحُدِ، وَيَأْذَنَ في إلزَامِ الكَفَالَةِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ التَكفُّلُ لِيَنْقَادَ الخُصُومُ إلَى التّنَاصُفِ وَيَعْدِلُوا عَنْ التَّجَاحُدِ وَالتَكَاذُبِ. وَالثَّامِنُ: أنهُ يَسْمَعُ مِنْ شَهَادَاتِ المَسْتُورِينَ مَا يَخْرُجُ عَنْ عُرْفِ القُضَاةِ في شَهَادَةِ المُعَدَّلِينَ. التَّاسِعُ: لَهُ أَنْ يحلِّفَ الشُّهُودَ إذَا ارْتَابَ فِيهِمْ بِخِلَافِ القُضَاةِ. العَاشِرُ: لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِاسْتِدْعَاءِ الشُّهُودِ وَيسْأَلَهُمْ عَمَّا عِنْدَهُمْ في القَضِيَّةِ، بِخِلَافِ القُضَاةِ.

стр. 1774

وقد صدر نظام قضاء المظالم في المملكة العربية السعودية بمرسوم ملكي رقم م / ٧٨، وتاريخ ١٩/ ٩ / ١٤٢٨ هـ، وهو يشتمل على ست وعشرين مادة تنظم أعمال قضاء المظالم واختصاصاته وتعيين القضاء فيه وترتيب جميع ما يتعلق به رابعًا: قضاء الحسبة: قال ابن منظور: الحسبة مصدر احتسابك الأجر على الله تقول: فعلته حسبة، واحتسب فيه احتسابا، والاحتساب: طلب الأجر، والاسم الحسبة بالكسر وهو الأجر. والمحتسب: طالب الأجر والثواب من الله تعالى (١). والحسبة في الاصطلاح: أمر بالمعروف إذا ظهر تركة، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله (٢). وولاية الحسبة منصب يتولاه رئيس يشرف على الشؤون العامة من مراقبة الأسعار ورعاية الآداب ونحوها. والأصل في مشروعية الحسبة الكتاب والسنة: فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)، وقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٤)، وقول الله تعالى:

стр. 1775

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١). ومن السنة ما رواه مسلم بسنده عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ على صُبْرَةِ طَعَامٍ (٢)، فأدخل يَدَهُ فيها فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فقال: "ما هذا يا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ " قال: أصَابَتْهُ السَّمَاءُ (٣) يا رَسُولَ الله، قال: "أفَلَا جَعَلتَهُ فَوْقَ الطَّعَام كَي يَرَاهُ الناس؟ من غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي" (٤). وما رواه مسلم أيضًا بسنده عن أبي سعيد قال: سمعت رَسُولَ الله ﷺ يقول: "من رَأَى مِنكُمْ مُنكرًا فَليُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ" (٥). اختصاص والي الحسبة: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحمل الناس على المصالح العامة، ويمنع كل ما يكون من شأنه المضايقة في الطرقات، والتعدي على الجيران، ويمنع معلمي الصبية من ضربهم ضربًا مبرحًا، ويجوز رفع الشكوى إليه وسماع الدعوى في

стр. 1776

الأشياء التي تدخل في وظيفته وفي حدود اختصاصه ومن اختصاصه المحافظة على الآداب والأخلاق، ومنع التعدي على الحرمات، ومنع التعدي على حدود الله، والأخذ على يد السفهاء، والمعونة على استيفاء الحقوق. فوظيفة القاضي الحكم بين الناس بطريق الإلزام، أما وظيفة المحتسب فهي النظر فيما يتعلق بالنظام العام والآداب مما لا ينبغي لأحد مخالفته، أو الخروج عليه. وليس له أن يسمع بينة على إثبات الحق، ولا أن يحلف يمينا على نفيه فهذا من اختصاص المحاكم العامة. ومن شروط المحتسب أن يكون خبيرًا عالمًا عدلا ذا رأي وصرامة ومهابة في الدين وعلم بالمنكرات الظاهرة (١). والفرق بين والي الحسبة والقاضي العادي من وجهين: أحدهما: قصور والي الحسبة عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات كالدعاوى في العقود، والمعاملات، وسائر الحقوق والمطالبات. والوجه الثاني: أن نظر والي الحسبة مقصور على الحقوق المعترف بها، فأما ما يدخله التجاحد والتناكر فلا يجوز له النظر فيها. وأما الفرق بين قضاء الحسبة ووالي المظالم فمن وجهين أيضًا: أحدهما: أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه القضاة، ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى من القضاء، ورتبة الحسبة أخفض من القضاء.

стр. 1777

الثاني: أنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم، ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم (١)

стр. 1778

القاضي القاضي لغة: قال الزبيدي: "هو القاطِعُ للأُمُورِ المُحْكِم لها، والجَمْعُ قُضَاةٌ" (١). وفي الإصلاح: هو شخص نُصِّبَ مِنْ قِبَلِ السُّلطَانِ؛ لِأَجْلِ فَصْل الخصومات الوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ وِفْقًا لِلأَحْكَامِ الشرعية (٢). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "القاضي: اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفةً، أو سلطانًا، أو نائبًا عنه، أو واليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع" (٣). شروط القاضي: يجب على إمام المسلمين أو نائبه أن يجتهد في اختيار القاضي لنفسه وللمسلمين، ولا يحابي أحدا, ولا يقصد بالتولية إلا وجه الله تعالى (٤). يشترط الفقهاء شروطًا يجب توافرها فيمن ينصب قاضيًا: ١ - البلوغ: اتفق الفقهاء (٥) على وجوب توافر شرط البلوغ في القاضي فلا يصح تقليد

стр. 1779

الصبي القضاء؛ لأن الرسول الله ﷺ أمر بالاستعاذة من إمارة الصبيان فقد روى أحمد بسنده عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سمعت رَسُولَ الله ﷺ يقول: "تَعَوَّذُوا بِالله من رَأْسِ السَّبْعِينَ (١)، وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ" (٢). والتعوذ لا يكون إلا من شر فيكون تقليد الصبيان للقضاء شرًا وفسادًا في الأرض ونحن ممنوعون من ارتكاب الشر والفساد فتكون توليتهم ممنوعة. ولأن الصبي ناقص الأهلية لا ولاية له على نفسه فلا ولاية له على غيره (٣). ويعتبر البلوغ شرطًا لممارسة التكاليف الشرعية في العبادات والمعاملات، ومرحلة البلوغ هي مرحلة القدرة على تحمل التكاليف والأعباء وهي الاحتلام عند الرجال، ونزول الحيض عند النساء، ويترتب عليه القدرة على الإنجاب وتحمل مسئولية الغير، ووظيفة القضاء تحتاج إلى العقل الناضج المدرك ولا يتأتى هذا قبل البلوغ، ولا يشترط في القاضي أن يكون طاعنًا في السن بل المدار على اجتماع الشروط المعتبرة في ولايته بعد بلوغه، وإن كان الأفضل والأولى أن يكون كبير السن؛ لأن ارتفاع السن يعتبر من باب الوقار والهيبة التي استحبها العلماء (٤).

стр. 1780

٢ - العقل: اتفق الفقهاء (١) على اعتبار هذا الشرط فلا يجوز تقليد المجنون، أو المعتوه، أو غير ممحص النظر؛ لكبر أو مرض قياسًا على الصبي؛ لأن القضاء من أعظم وأخطر الولايات فكان لا بد من توفر شرط العقل، وإذا قلد غير العاقل لا يصح قضاؤه ولا ينفذ؛ لأن القضاء يحتاج إلى العاقل الناضج المدرك وهو منعدم مع الجنون (٢). قال الماوردي: "ولا يكتفى بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدًا عن الهوى والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل" (٣). فلا بد أن يكون القاضي على قدر من الذكاء والفطنه المؤدية إلى استطاعته التمييز السليم لأنه سيتعامل مع معظم فئات المجتمع باختلاف أفهامهم ومداركهم وأساليبهم وطبائعهم فما لم يكن على درجة من الذكاء فقد يخدع. ولا يقلد الساذج الذي يخدع في تصرفاته وهو المعروف بالمغفل في اصطلاح الحنفية (٤)؛ لأن تقليده يترتب عليه الإخلال بالمصلحة المقصودة من القضاء فلا يجوز تقليده؛ لأنه تنطلي عليه حيل الشهود، وأكثر الخصوم وفي التاريخ أمثلة كثيرة تثبت أن العقل والفطنه كانا سببًا في انتزاع الحقوق من الظالمين (٥).

стр. 1781

٣ - الحرية: فلا يصح تقليد غير الحر للأمور التالية: ١ - لأن القضاء من باب الولاية، وغير الحر لا ولاية له على نفسه فلا تكون له ولاية على غيره ففاقد الشيء لا يعطيه، والقضاء من أعلى درجات الولايات. ٢ - ولأنه لم يجز أن يكون شاهدًا فالأولى ألا يكون قاضيا. ٣ - ولأنه لا يجد وقتا للقضاء لانشغاله بخدمة سيده فلا تتحقق المصلحة بتوليته. ٤ - ولأن الأحرار يستنكفون عادة من ولاية غير الأحرار عليهم فتسقط هيبتهم وذلك يخل بالقضاء، فلا يجوز تقليدهم (١). ٤ - الإسلام (٢): أ - القضاء بين المسلمين: هذا الشرط مجمع عليه بالنسبة للقضاء بين المسلمين فلا يجوز تقليد الكافر القضاء بين المسلمين وإن ولي فلا يصح قضاؤه ولا ينفذ. ويدل على ذلك ما يأتي: ١ - أن القضاء ولاية ولا ولاية لغير المسلم على المسلم: لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣) فالآية خبر لفظا إنشاء معنى أي: أن الله ينهى أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلا، أو يكون المراد ولن يجعل الله

стр. 1782

للكافرين على المؤمنين سبيلًا مشروعا، فإن وجد فخلاف الشرع (١). ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢) فقد بينت الآية أن الولاية للمسلم على المسلم. ٣ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (٣) فقد نهى الله عن اتخاذ البطانة (٤) من غير المؤمنين وذلك يدل على عدم جواز اتخاذ الكافر قاضيا. ٤ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٥) فلفظ منكم يدل على أن صاحب الولاية أيا كانت ينبغي أن يكون مسلما. ٥ - نبه النبي ﷺ إلى التكافؤ بين المسلمين وأن غيرهم ليسوا بأكفاء لهم فقال: "المُؤْمِنُونَ تَتكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ على من سِوَاهُمْ ألا لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ" (٦).

стр. 1783

عن سماك بن حرب قال سمعت عياض الأشعري يقول: إن أبا موسى ﵁ وفد إلى عمر بن الخطاب ﵁، ومعه كاتب نصراني، فأعجب عمر ﵁ ما رأى من حفظه، فقال: قل لكاتبك: يقرأ لنا كتابا، قال: إنه نصراني لا يدخل المسجد، فانتهره عمر ﵁ وهم به وقال: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله، ولا تأتمنوهم إذ خونهم الله (١). ب- أما بالنسبة للقضاء بين غير المسلمين: أولًا: فذهب الجمهور (٢) إلى اشتراط الإِسلام في القاضي أيضًا. ثانيًا: وذهب الأحناف إلى أنه يجوز أن يكون القاضي بينهم غير مسلم فيقضي الذمي بين الذميين ويصح قضاؤه وينفذ. قال ابن عابدين: وتقليد الذمي ليحكم بين أهل الذمة صحيح لا بين المسلمين (٣). الأدلة: استدل الجمهور بما يلي: ١ - قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤) وجه الاستدلال: أن تقليدهم القضاء يفضي إلى نفوذ الأحكام منهم وهو ينفي الصغار عنهم فلا يجوز.

стр. 1784

٢ - روى الدارقطني بسنده عن عائذ بن عمرو المزني عن النبي ﷺ قال: "الإِسلام يعلو ولا يعلى" (١)، فمنع هذا الخبر من أن يكون في الإِسلام ولاية لغير المسلم. ٣ - أن الفاسق المسلم أحسن حالًا من الكافر لجريان أحكام الإِسلام عليه وحيث منع الفاسق من ولاية القضاء فإن من الأولى أن يمنع منها الكافر (٢). ٤ - أن القضاء في الدولة الإِسلامية يعتبر جزءًا من الولاية العامة التي يقوم بها رئيس الدولة أو ينيب عنه غيره للقيام بها، فالقاضي يتولى حل النزاعات القائمة بين غير المسلمين؛ لأنه يمثل الولاية العامة التابعة لرئيس الدولة الإِسلامية (٣). وبناء على ذلك فلا يجوز أن يتولى منصب القضاء إلا مسلم. أدلة الحنفية: ١ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٤) فقد أفادت الآية ولاية بعضهم على بعض فيتناول ذلك ولاية القضاء. ٢ - أن العمل في البلاد الإِسلامية من فجر التاريخ الإِسلامي قد جرى على تعيين قضاة من أهل الذمة ليحكموا بينهم (٥). ٣ - أنه تجوز شهادة الذمي على مثله فيجوز قضاء الذمي على مثله؛ لأن

стр. 1785

أهلية القضاء تتبع أهلية الشهادة (١). الراجح: هو قول الجمهور لما استدلوا به ولأن الحكم في بلاد الإِسلام لشريعة الإِسلام حتى لو ترافعوا إلينا حكمنا بينهم بشريعتنا، وغير المسلم لا يؤمن على تطبيق شرع الإِسلام حيث لا يؤمن به. ولكن لو حكم بعضهم فيما بينهم من النزاعات ورضوا به ولم يترافعوا إلينا لم نتعرض لهم. ٥ - سلامة الحواس: التي لها اتصال بالقضاء وهي السمع، والبصر، والكلام، فإذا اجتمعت الآفات الثلاث في شخص فلا يجوز تقليده القضاء حينئذ؛ لأنه لا تقبل شهادته، فلا تقبل ولايته؛ لأن الشهادة ولاية خاصة والقضاء ولاية عامة (٢). وأما التفصيل فيها فكما يلي: أما السمع: فيشترط في القاضي أن يكون سميعا فلا تصح ولاية الأصم القضاء؛ لأنه لا يسمع كلام الخصوم فلا يفرق بين إقرار وإنكار ولا يميز بين أصوات الخصوم والشهود ولا يستطيع أن يتحقق من أصوات كل منهم من أجل التحقق من الصدق أو الكذب في الادعاء المقام أمامه أو مدى صدق الشهود أو كذبهم (٣). أما ثقيل السمع: وهو الذي يسمع عالي الأصوات ولا يسمع خافتها ويسمى الأطرش فتقليده جائز صحيح؛ لأنه يسمع الكلام عند الأئمة الثلاثة وهو أصح القولين عند الحنفية وإن كان الأفضل تقليد كامل السمع (٤).

стр. 1786

وأما البصر (١): فإن به يمكن التمييز بين الخصوم من مدع ومدعى عليه أو مقر ومقر له، بالإضافة إلى استطاعة القاضي التمييز بين الشهود وحاسة البصر لها أهمية كبرى في بيان ما يظهر على الماثلين أمام القاضي من تأثيرات تبدو على وجوههم وتصرفاتهم نتيجة الاطمئنان أو الخوف أو الذعر وهذا كله يساعد على إثبات صدقهم أو كذبهم سواء في الادعاء أو الشهادة فلا يصح تقليد الأعمى القضاء عند الجمهور؛ لأنه لا يعرف المدعي من المدعى عليه، ولا المقر من المقر له، ولا الشاهد من المشهود له أو عليه، فيدخل الخلل على المقصود من القضاء فلا يجوز تقليده. قال ابن فرحون: "وأما سلامة السمع والبصر، فإن القاضي عياض حكى فيه الإجماع من العلماء، مالك وغيره وهو المعروف إلا ما حكاه الماوردي (٢) عن مالك أنه يجوز قضاء الأعمى وذلك غير معروف، ولا يصح عن مالك؛ ولأنه لا يتأتى قضاء ولا ضبط ولا ميز محق من مبطل ولا تعيين طالب من مطلوب ولا شاهد من مشهود عليه من الأعمى" (٣). قال الخطيب الشربيني: "لا يولى أعمى ولا من يرى الأشباح ولا يعرف الصور؛ لأنه لا يعرف الطالب من المطلوب فإن كان يعرف الصور إذا قربت منه صح، وخرج بالأعمى الأعور فإنه يصح توليته وكذا من يبصر نهارًا فقط دون من يبصر ليلًا فقط وهو الأعشى" (٤). ويلاحظ عمليًا أنه قد تولى بعض الأكفاء القضاء في المملكة العربية

стр. 1787

السعودية وغيرها قديما وحديثا وأثبتوا كفاءات عالية مما يجعلنا نقول بجواز تولي الأعمى لمنصب القضاء إذا كان بصيرًا بقلبه حاذقًا فطنًا قادرًا على إدراك خفايا الأمور. وأما الكلام: فهو شرط فلا يصح تقليد الأخرس القضاء؛ لأنه لا يمكنه النطق بالحكم ولا يفهم جميع الناس إشارته فيدب الخلل إلى القضاء (١). وجوز أبو العباس ابن سريج ولايته وتقليده إذا كانت إشارته مفهمة (٢). وهذا رأي مردود؛ فإن إشارته لا يفهمها كل من يتقاضى إليه، فالناس يتقاضون إليه من كل مكان فلا يفهم الناس قضاءه فيمتنع تقليده (٣). وقد يقال بجواز تقليده للقضاء بين المصابين بالخرس فقط. وقد استدل الجمهور على عدم جواز تولية أصحاب هذه العاهات الثلاث بأن هذه العاهات تمنع من قبول الشهادة فتمنع من تولية القضاء من باب أولى؛ لأن الشهادة دون القضاء لخصوصها وعموم القضاء (٤). أما سلامة الأعضاء من العاهات الأخرى: فلا تشترط قال الماوردي: "أما سلامة الأعضاء فغير معتبرة فيه وإن كانت معتبرة في الإمامة فيجوز أن يقضي وإن كان مقعدًا ذا زمانه وإن كانت السلامة من الآفات أهيب لذوي الولاية، ومثل هذا يقال في شأن ضعيف النطق أو السمع أو البصر لعدم فوات المقصود من ولايته القضاء" (٥).

стр. 1788

٦ - العدالة: العدالة لغة: مأخوذة من العدل بمعنى الاستواء والعدل من الناس المرضيّ المستوي الطريقة (١). واصطلاحًا: هي استواء أحوال الشخص في دينه، واعتدال أقواله، وأفعاله، ويعتبر للعدالة شيئان: إحداهما: الصلاح في الدين، وهو نوعان: إحداهما: أداء الفرائض أي: الصلوات الخمس والجمعة بسننها الراتبة، فلا تقبل الشهادة ممّن داوم على تركها؛ لأن تهاونه بالسنن يدل على عدم محافظته على أسباب دينه، وكذا المحافظة على ما وجب من صوم وزكاة وحج. الثاني: اجتناب المحارم، بأن لا يأتي كبيرة ولا يدمن على صغيرة، والكبيرة: ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو غضب، أو نفي الإيمان, أو لعنة مثل: أكل الربا وأكل مال اليتم وشهادة الزور وعقوق الوالدين، والصغيرة ما دون ذلك من المحرمات كسب الناس بما دون القذف، واستماع كلام النساء الأجانب على وجه التلذذ به، والنظر المحرم (٢). قال الماوردي: "والعدالة أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم متوقيًا للمآثم، بعيدًا من الريب، مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا لمروءة مثله في دينه ودنياه" (٣). آراء الفقهاء في اشتراط العدالة: ١ - ذهب الشافعية والحنابلة والمالكية في الأصح والحنفية في رواية إلى

стр. 1789

اشتراط العدالة بحيث إذا ولي الفاسق القضاء أثم موليه ولم تصح، وبطلت ولايته، ولا ينفذ شيء من قضائه ولو صادف الحق (١). ٢ - وذهب الحنفية في ظاهر الرواية ومعهم طائفة من المالكية (٢) إلى أن العدالة شرط كمال لا شرط جواز وصحة بمعنى أنه إذا ولي الفاسق القضاء أثم موليه ولكن تصح ولايته وينفذ قضاؤه رغم ذلك، على أن نفاذ كل قضاء مشروط بموافقة الشرع، فهذا الشرط متفق على اعتباره في جواز التقليد. قال الكاساني: "العَدَالَةُ عِنْدَنَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِجوَازِ التَّقْلِيدِ لَكِنَّهَا شَرْطُ الكَمَالِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الفَاسِقِ وَتَنْفُذُ قَضَايَاهُ إذَا لم يجاوِزْ فيها حَدَّ الشَّرْعِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ شَرْطُ الجوَازِ فَلَا يَصْلُحُ الفَاسِقُ قَاضِيًا عِنْدَهُ بِنَاءً على أَنَّ الفَاسِقَ ليس من أَهْلِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ فَلَا يَكُونُ من أَهْلِ القَضَاءِ، وَعِنْدَنَا هو من أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَيَكُونُ من أَهْلِ القَضَاءِ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلَّدَ الفَاسِقُ؛ لِأَنَّ القَضَاءَ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ أَمَانَةُ الأَمْوَالِ وَالأَبْضَاع وَالنُّفُوسِ فَلَا يَقُومُ بِوَفَائِهَا إلَّا من كَمُلَ وَرَعُهُ وَتمَّت تَقْوَاهُ إلَّا أنَّهُ مع هذا لو قُلِّدَ جَازَ التَّقْلِيدُ في نَفْسِهِ وَصَارَ قَاضِيًا؛ لِأَنَّ الفَسَادَ لِمَعْنًى في غَيْرِهِ فَلَا يَمْنَعُ جَوَازُ تَقْلِيدِهِ القَضَاءَ في نَفْسِهِ" (٣). أدلة الجمهور: ١ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤).

стр. 1790

وجه الاستدلال: إن الله تعالى أمر بالتبيّن والتثبت عند إخبار الفاسق وهذا يقتضي تأخير قبوله إلى حين التبيّن والتثبت فلو صح تقليد القاضي الفاسق لأدى إلى تأخير قبول حكمه إلى حين التبيّن وهذا لا يجوز لما فيه من تأخير للقضاء الذي يجب أن ينفذ على الفور (١). ٢ - قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢). إن الله تعالى اشترط العدالة في الذي يتولى الحكم في الصيد فكذلك يشترط في القاضي الذي سيتولى الحكم في جميع القضايا بما فيها الصيد. ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٣). فالله أمر بأداء الأمانات إلى مستحقيها والقضاء أمانة والفاسق غير مؤتمن فلا يصح تقلده القضاء؛ لأنه ليس أهلًا للتولية. ٤ - قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤). إن الله اشترط العدالة في الشاهد في مسائل المعاملات فلا شك أن اشتراط العدالة فيمن يتولى الحكم في هذه الأمور من باب الأولى. ٥ - إن الفاسق لا يصلح شاهدًا لقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥).
следующие страницы →