وأما البصر (١): فإن به يمكن التمييز بين الخصوم من مدع ومدعى عليه أو مقر ومقر له، بالإضافة إلى استطاعة القاضي التمييز بين الشهود وحاسة البصر لها أهمية كبرى في بيان ما يظهر على الماثلين أمام القاضي من تأثيرات تبدو على وجوههم وتصرفاتهم نتيجة الاطمئنان أو الخوف أو الذعر وهذا كله يساعد على إثبات صدقهم أو كذبهم سواء في الادعاء أو الشهادة فلا يصح تقليد الأعمى القضاء عند الجمهور؛ لأنه لا يعرف المدعي من المدعى عليه، ولا المقر من المقر له، ولا الشاهد من المشهود له أو عليه، فيدخل الخلل على المقصود من القضاء فلا يجوز تقليده.
قال ابن فرحون: "وأما سلامة السمع والبصر، فإن القاضي عياض حكى فيه الإجماع من العلماء، مالك وغيره وهو المعروف إلا ما حكاه الماوردي (٢) عن مالك أنه يجوز قضاء الأعمى وذلك غير معروف، ولا يصح عن مالك؛ ولأنه لا يتأتى قضاء ولا ضبط ولا ميز محق من مبطل ولا تعيين طالب من مطلوب ولا شاهد من مشهود عليه من الأعمى" (٣).
قال الخطيب الشربيني: "لا يولى أعمى ولا من يرى الأشباح ولا يعرف الصور؛ لأنه لا يعرف الطالب من المطلوب فإن كان يعرف الصور إذا قربت منه صح، وخرج بالأعمى الأعور فإنه يصح توليته وكذا من يبصر نهارًا فقط دون من يبصر ليلًا فقط وهو الأعشى" (٤).
ويلاحظ عمليًا أنه قد تولى بعض الأكفاء القضاء في المملكة العربية
стр. 1787
السعودية وغيرها قديما وحديثا وأثبتوا كفاءات عالية مما يجعلنا نقول بجواز تولي الأعمى لمنصب القضاء إذا كان بصيرًا بقلبه حاذقًا فطنًا قادرًا على إدراك خفايا الأمور.
وأما الكلام: فهو شرط فلا يصح تقليد الأخرس القضاء؛ لأنه لا يمكنه النطق بالحكم ولا يفهم جميع الناس إشارته فيدب الخلل إلى القضاء (١).
وجوز أبو العباس ابن سريج ولايته وتقليده إذا كانت إشارته مفهمة (٢).
وهذا رأي مردود؛ فإن إشارته لا يفهمها كل من يتقاضى إليه، فالناس يتقاضون إليه من كل مكان فلا يفهم الناس قضاءه فيمتنع تقليده (٣). وقد يقال بجواز تقليده للقضاء بين المصابين بالخرس فقط.
وقد استدل الجمهور على عدم جواز تولية أصحاب هذه العاهات الثلاث بأن هذه العاهات تمنع من قبول الشهادة فتمنع من تولية القضاء من باب أولى؛ لأن الشهادة دون القضاء لخصوصها وعموم القضاء (٤).
أما سلامة الأعضاء من العاهات الأخرى: فلا تشترط قال الماوردي: "أما سلامة الأعضاء فغير معتبرة فيه وإن كانت معتبرة في الإمامة فيجوز أن يقضي وإن كان مقعدًا ذا زمانه وإن كانت السلامة من الآفات أهيب لذوي الولاية، ومثل هذا يقال في شأن ضعيف النطق أو السمع أو البصر لعدم فوات المقصود من ولايته القضاء" (٥).
стр. 1788
٦ - العدالة:
العدالة لغة: مأخوذة من العدل بمعنى الاستواء والعدل من الناس المرضيّ المستوي الطريقة (١).
واصطلاحًا: هي استواء أحوال الشخص في دينه، واعتدال أقواله، وأفعاله، ويعتبر للعدالة شيئان: إحداهما: الصلاح في الدين، وهو نوعان: إحداهما: أداء الفرائض أي: الصلوات الخمس والجمعة بسننها الراتبة، فلا تقبل الشهادة ممّن داوم على تركها؛ لأن تهاونه بالسنن يدل على عدم محافظته على أسباب دينه، وكذا المحافظة على ما وجب من صوم وزكاة وحج.
الثاني: اجتناب المحارم، بأن لا يأتي كبيرة ولا يدمن على صغيرة، والكبيرة: ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو غضب، أو نفي الإيمان, أو لعنة مثل: أكل الربا وأكل مال اليتم وشهادة الزور وعقوق الوالدين، والصغيرة ما دون ذلك من المحرمات كسب الناس بما دون القذف، واستماع كلام النساء الأجانب على وجه التلذذ به، والنظر المحرم (٢).
قال الماوردي: "والعدالة أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم متوقيًا للمآثم، بعيدًا من الريب، مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا لمروءة مثله في دينه ودنياه" (٣).
آراء الفقهاء في اشتراط العدالة:
١ - ذهب الشافعية والحنابلة والمالكية في الأصح والحنفية في رواية إلى
стр. 1789
اشتراط العدالة بحيث إذا ولي الفاسق القضاء أثم موليه ولم تصح، وبطلت ولايته، ولا ينفذ شيء من قضائه ولو صادف الحق (١).
٢ - وذهب الحنفية في ظاهر الرواية ومعهم طائفة من المالكية (٢) إلى أن العدالة شرط كمال لا شرط جواز وصحة بمعنى أنه إذا ولي الفاسق القضاء أثم موليه ولكن تصح ولايته وينفذ قضاؤه رغم ذلك، على أن نفاذ كل قضاء مشروط بموافقة الشرع، فهذا الشرط متفق على اعتباره في جواز التقليد.
قال الكاساني: "العَدَالَةُ عِنْدَنَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِجوَازِ التَّقْلِيدِ لَكِنَّهَا شَرْطُ الكَمَالِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الفَاسِقِ وَتَنْفُذُ قَضَايَاهُ إذَا لم يجاوِزْ فيها حَدَّ الشَّرْعِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ شَرْطُ الجوَازِ فَلَا يَصْلُحُ الفَاسِقُ قَاضِيًا عِنْدَهُ بِنَاءً على أَنَّ الفَاسِقَ ليس من أَهْلِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ فَلَا يَكُونُ من أَهْلِ القَضَاءِ، وَعِنْدَنَا هو من أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَيَكُونُ من أَهْلِ القَضَاءِ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلَّدَ الفَاسِقُ؛ لِأَنَّ القَضَاءَ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ أَمَانَةُ الأَمْوَالِ وَالأَبْضَاع وَالنُّفُوسِ فَلَا يَقُومُ بِوَفَائِهَا إلَّا من كَمُلَ وَرَعُهُ وَتمَّت تَقْوَاهُ إلَّا أنَّهُ مع هذا لو قُلِّدَ جَازَ التَّقْلِيدُ في نَفْسِهِ وَصَارَ قَاضِيًا؛ لِأَنَّ الفَسَادَ لِمَعْنًى في غَيْرِهِ فَلَا يَمْنَعُ جَوَازُ تَقْلِيدِهِ القَضَاءَ في نَفْسِهِ" (٣).
أدلة الجمهور:
١ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤).
стр. 1790
وجه الاستدلال: إن الله تعالى أمر بالتبيّن والتثبت عند إخبار الفاسق وهذا يقتضي تأخير قبوله إلى حين التبيّن والتثبت فلو صح تقليد القاضي الفاسق لأدى إلى تأخير قبول حكمه إلى حين التبيّن وهذا لا يجوز لما فيه من تأخير للقضاء الذي يجب أن ينفذ على الفور (١).
٢ - قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢).
إن الله تعالى اشترط العدالة في الذي يتولى الحكم في الصيد فكذلك يشترط في القاضي الذي سيتولى الحكم في جميع القضايا بما فيها الصيد.
٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٣).
فالله أمر بأداء الأمانات إلى مستحقيها والقضاء أمانة والفاسق غير مؤتمن فلا يصح تقلده القضاء؛ لأنه ليس أهلًا للتولية.
٤ - قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤).
إن الله اشترط العدالة في الشاهد في مسائل المعاملات فلا شك أن اشتراط العدالة فيمن يتولى الحكم في هذه الأمور من باب الأولى.
٥ - إن الفاسق لا يصلح شاهدًا لقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥).
стр. 1791
فلا يصلح قاضيًا؛ لأن الشهادة أقل رتبه من القضاء لخصوصها وعموم القضاء وما لا يصلح للأدنى لا يصلح للأعلى (١).
أدلة من قال بصحة ولاية الفاسق:
١ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢).
وجه الاستدلال: إن الأمر بالتبيّن عند إخبار الفاسق دليل على قبول خبره بعد التبيّن وإلا لما كان للأمر بالتبين معنى.
وأجيب: أنه ليس المراد بالتبيّن التثبت كما قال بذلك الحنفية وإنما المراد أن شهادة الفاسق تثير ظنًا وشبهةً ولكن هذا الظن لا يكفي للقبول فهو محمول على غير القضاء أما القضاء، فإنه يترتب عليه تأخير تنفيذ حكم القاضي إلى بعد التبين، وهذا لا يليق بمنصب القضاء لوجوب صدور الحكم فورًا (٣).
٢ - ما رواه مسلم بسنده عن أبي ذَرٍّ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "كيْفَ أنت إذا كانت عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عن وَقْتِهَا، أو يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ (٤) عن وَقْتِهَا؟ " قال قلت: فما تَأْمُرُني؟ قال: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لك نَافِلَةٌ". وفي رواية لمسلم أيضًا عن أبي ذَزٍّ أيضًا قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أَبا ذَرٍّ أنه سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ، فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا،
стр. 1792
فَإِنْ صَليْتَ لِوَقْتِهَا كانت لك نَافِلَةً وَإِلَّا كنْتَ قد أَحْرَزْتَ (١) صَلَاتَكَ" (٢).
وجه الاستدلال: إن تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر فسق ومع ذلك صحح النبي ﷺ توليتهم على الإمارة والقضاء.
وقد أجيب عن هذا: بأن الحديث سيق للإخبار بوقوع ذلك بعده ﷺ وهذا لا يدل على مشروعية فعلهم ومع هذا فإن النبي ﷺ أخبر بكونهم أمراء لا بصحة توليتهم على القضاء (٣).
٣ - إذا قبلت شهادة الفاسق صح قضاؤه؛ لأن أهلية القضاء مستفادة من أهلية الشهادة (٤).
وأجيب عنه بأن المقيس عليه معدوم: لأن شهادة الفاسق لا تصح، ومع تسليمنا بقبول شهادة الفاسق، فإن قياس القضاء على الشهادة قياس أدنى؛ لأن القضاء أعلى مرتبة من الشهادة والقياس مع الفارق لا يصح.
٤ - وَلأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجَازُوا حُكْمَ من تَغَلَّبَ من الأُمَرَاءِ وَجَارَ وَتَقَلَّدُوا منه الأَعْمَالَ وَصَلَّوْا خَلفَهُ وَلَوْلَا أَنَّ تَوْلِيَتَهُ صَحِيحَةٌ لمَا فَعَلُوا ذلك (٥).
وأجيب عن هذا: بأن الصحابة فعلوا ذلك للأدلة الدالة على طاعة الإِمام ولو كان فاسقا وهذا لا يدل على مشروعية فعل الأمراء في تغلبهم وجورهم
стр. 1793
والنزاع في صحة ولايتهم لا توليتهم (١).
٥ - لو اعتبرنا العدالة شرطًا في صحة الولاية لانسد باب القضاء خصوصًا في هذا الزمان الذي قل عدوله (٢).
أجيب عن هذا: بأن فقدان العدول وخلو الزمان منهم لا نسلمه؛ للأدلة الدالة على ذلك كقوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) فحفظ القرآن والدين يقتضي وجود فئة من الناس تتعلمه وتعي أحكامه ومن ثم تطبقه في واقعها وتنشره في الأمة وهذا شاهد على مر العصور.
وكذلك ما رواه البخاري بسنده عن المُغِيرَةِ بن شُعْبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لَا تزال طَائِفَةٌ من أُمَّتي ظَاهِرِينَ حتى يَأتِيَهُمْ أَمْرُ الله وَهُمْ ظَاهِرُونَ" (٤).
وعلى فرض وجود العدل في جماعة من المسلمين في مكان أو زمان ما وجواز قضاء الفاسق للضرورة فلا يلزم من ذلك جواز قضائه لما علم أنه يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها، قال الغزالي: فإن تعذرت الشروط وغلب على الولايات متغلبون فسقه فكل من ولاه صاحب شوكة نفذ حكمه للضرورة كما ينفذ حكم البغاة وإن لم يصدر عن رأي الإِمام (٥).
الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو مذهب الجمهور لقوة أدلتهم؛ ولأن القضاء أمانة عظيمة مرهون به الحفاظ على الضرورات الخمس فلا يستطيع القيام
стр. 1794
بها على الوجه المطلوب شرعًا إلا من كان عدلًا يرعى الأمانة ويخشى مسئولية التضييع لها، والفاسق ليس أهلا لذلك لجرأته على فعل ما نهي عنه، أو ترك ما أمر الله به إذ القضاء هو الحكم بين الناس بالحق والفاسق ليس من أهل الحق؛ لأن النفوس تطمئن إلى العدل ولا تطمئن إلى الفاسق فأولى أن لا يطمئنوا إلى حكمه (١).
وقد جمع شيخ الإِسلام ابن تيميه بين القولين فقال: "إن اشتراط العدالة يعتبر بحسب الإمكان" (٢).
وقال في موضع أخر: "فليس عليه -أي ولي الأمر- أن يستعمل إلا أصلح الموجود وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية فيختار الأمثل، فالأمثل في كل منصب بحسبه وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام وأخذه للولاية بحقها فقد أدى الأمانة" (٣).
٧ - الاجتهاد:
أن يكون القاضي عالمًا بالأحكام الشرعية علمًا يصل به إلى درجة الاجتهاد. وقد عرف الغزالي الاجتهاد بأنه: بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة. والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب (٤).
وقال ابن النجار: "هو استفراغ الفقيه وسعه في درك حكم شرعي" (٥).
стр. 1795
قال النووي: "المجتهد هو من عرف من القرآن والسنة ما يتعلق بالأحكام: خاصه، وعامه ومجمله، ومبينه، وناسخه، ومنسوخه، ومتواتر السنة وغيره، والمتصل والمرسل، وحال الرواة قوةً وضعفا, ولسان العرب لغةً ونحوا، وأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم إجماعًا واختلافا، والقياس بأنواعه" (١).
وعلى هذا فالاجتهاد يتحقق بتحصيل ما يلي (٢):
١ - عليه بكتاب الله على الوجه الذي تصح به معرفة ما تضمنه من الأحكام ناسخًا ومنسوخا ومحكمًا ومتشابها، وعمومًا وخصوصا ومجملًا ومفسرا عالمًا بآيات الأحكام وبما يمكنه من الرجوع إلى أي منها متى شاء.
٢ - علمه بسنة رسول الله الثابتة من أقواله وأفعاله وتقريراته وطرق ورودها والتواتر والأحاد وما كان عن سبب أو إطلاق، عالمًا بمظان أحاديث الأحكام متنًا وسندا وحال الرواة والجرح والتعديل فيها.
٣ - علمه بتأويل السلف فيما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه ليتبع الإجماع ويجتهد برأيه في الاختلاف.
٤ - علمه بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها أو المجمع عليها حيث يجد طريقًا إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل.
٥ - علمه باللغة العربية علمًا يؤهله لمعرفة معاني الألفاظ.
стр. 1796
٦ - علمه بأصول الفقه وقواعده العامة وأدلته الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، ليزن نفسه بهذه المقاييس فيقدم على الاجتهاد إذا تحققت شروطه ويحجم عنه إذا اختلفت الشروط.
٧ - أن يكون عالمًا بمقاصد الشريعة في وضع الأحكام ومدركًا لأسرارها ومراميها خبيًرا بمصالح الناس وأعرافهم حتى تكون اجتهاداته ملائمة لمقاصد الشرع مراعية لمصالح الناس بدفع المفاسد وجلب المنافع.
٨ - أن يكون عارفا بشئون عصره؛ لأن الاجتهاد مرادف للإفتاء ولا بد للمفتي من معرفة واقعة الاستفتاء؛ لتكون الفتوى جديدة تعالج الواقع القائم.
وهذا القدر المطلوب في الاجتهاد المطلق أما الاجتهاد الجزئي الخاص بمسألة فالمطلوب تحصيل ما يخص الجزئية المستفتى فيها والمجتهد فيها.
آراء الفقهاء في اشتراط الاجتهاد للقضاء:
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في شأن الاجتهاد هل هو شرط جواز وصحة؟ أو أنه شرط أولوية واستحباب.
أ- ذهب الشافعية والحنابلة وجماهير المالكية وبعض الحنفية إلى أنه يشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا أي له أهلية استنباط الأحكام من الأدلة، وبناء على هذا فلو ولي المقلد أو الجاهل لم يصح تقليده وأحكامه غير نافذة ولو صادفت الحق، إذ لا ولاية له فإن لم يوجد مجتهد فهذا هو مكان قضاء الضرورة (١).
стр. 1797
الأدله:
١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١).
وجه الاستدلال:
فإن الرد إلى الله معناه الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول معناه الرد إلى سنته ولا يتأتى الرد إلى الكتاب والسنة إلا من المجتهد فلا بد أن يكون من يفصل في النزاع مجتهدا.
٢ - قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣).
وجه الاستدلال:
أن الآيتين تأمران بالقضاء بالحق والعدل، والقضاء بهما لا يتحقق على وجه الكمال إلا من المجتهد؛ لأنه هو الذي يستطيع الوصول إلى الحكم الشرعي الذي هو الحق؛ لأن الجاهل لا يعرف الحق ولو قيل: إنه يسأل غيره، فإن الأمر سوف يختلط عليه؛ لأنه لا يستطيع تحديد ما يسأل فيه أو موضوع السؤال كما أنه لا يعرف من يسأل ومن لا يسأل والمقلد لا يعرف الحق كذلك؛ لأن الحق لا يعرف إلا بدليل، ثم إن الحوادث كثيرة والنصوص محدودة والقاضي لا يجد في كل حادثة نصًا خاصًا بها فيضطر إلى الاستنباط للوصول إلى الحكم فلو لم يكن مجتهدًا لما استطاع الوصول إليه ويؤيد ذلك قوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ
стр. 1798
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١). فبين أن الذين يستطيعون الوصول إلى النصوص والقادرين على ذلك هم المجتهدون (٢).
٣ - من السنة حديث معاذ بن جَبَلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَه إلى اليَمَنِ قال: "كيْفَ تَقْضي إذا عَرَضَ لك قَضَاءٌ؟ " قال: أَقْضِي بِكِتَابِ الله قال: "فَإِنْ لم تَجِدْ في كِتَابِ الله؟ " قال: فَبِسُنَّةِ رسول الله ﷺ قال: "فَإِنْ لم تَجِدْ في سُنَّةِ رسول الله ولا في كتَابِ الله؟ " قال: أَجْتَهِدُ رَأْيِي ولا آلُو، فَضَرَبَ رسول الله ﷺ صَدْرَهُ وقاَل: "الحَمْدُ لله الذي وَفَّقَ رَسُولَ رسول الله لمِا يُرْضِي رَسُولَ الله" (٣) فهذا واضح في أن القاضي لا بد أن يكون مجتهدًا، إذ إقرار الرسول لمعاذ على الاجتهاد بيان للصفة المعتبرة في القاضي دون غيرها إذ لو كان التقليد والحكم بقول الغير جائزًا لبينة الرسول ﷺ ، أو قال له: "فإن لم يمكنك ذلك"؛ لأن الاقتصار في مقام
стр. 1799
البيان يفيد الحصر وتأخيره عن وقت الحاجة لا يجوز.
٤ - العامي جاهل بالحكم فهو يقضي بجهل ويدخل في الذم الوارد فيما رواه بُرَيْدَةَ عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس عن جهل فهو في النار" (١).
٥ - التقليد ضرورة لا يباح إلا لمضطر للتقليد فإذا كانت لدى الإنسان الأهلية لأخذ الأحكام من مصادرها الأصلية فإنه يحرم عليه أن يقلد إماما؛ لأن الله سبحانه لم يتعبد الناس يقول فلان أو فلان.
أما إذا كان الشخص غير قادر على أخذ الأحكام من مصادرها الأصلية: فإنه يكون مضطرًا إلى التقليد، والضرورة تقدر بقدرها فهي مقصورة على المقلد ومن ثم لا يكون له أن يلزم المتقاضين بما التزمه هو من رأي من قلده؛ لأنه إذا ألزمهم بذلك يكون فيه تعدية للضرورة إليهم (٢).
ب- وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط الاجتهاد في القاضي فيجوز تقليد المقلد.
قال الكاساني: "وَأَمَّا العِلمُ بِالحلَالِ وَالحَرَامِ وَسَائِرِ الأَحْكَامِ فَهَل هو شَرْطُ جَوَازِ التَّقْلِيدِ عِنْدَنَا ليس بِشَرْطِ الجوَازِ بَل شَرْطُ النَّدْب وَالِاسْتِحْبَابِ وَعِنْدَ أَصْحَابِ الحديث كَوْنُهُ عَالِمًا بِالحلَالِ وَالحَرَامِ وَسَائِرِ الأحْكَامِ مع بُلُوغِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ في ذلك شَرْطُ جَوَازِ التَّقْلِيدِ كما قالوا في الإِمَامِ الأَعْظَمِ وَعِنْدَنَا هذا ليس بِشَرْطِ الجَوَازِ في الإِمَامِ الأَعْظَمِ, لِأَنهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْضيَ بِعِلمِ غَيْرِهِ بِالرُّجُوعِ إلَى
стр. 1800
فَتْوَى غَيْرِهِ من العُلَمَاءِ فَكَذَا في القَاضِي لَكِنْ مع هذا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلَّدَ الجاهِلُ بِالأَحْكَامِ، لِأَنَّ الجاهِلَ بِنَفْسِهِ ما يُفْسِدُ أَكْثر مِمَّا يُصْلِحُ بَل يَقْضِي بِالبَاطِلِ من حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ. . . إلَّا أنَّهُ لو قُلِّدَ جَازَ عِنْدَنَا، لِأنَّهُ يَقْدِرُ على القَضَاءِ بِالحقِّ بعِلمِ غَيْرِهِ بِالِاسْتِفْتَاءِ من الفُقَهَاءِ فَكَانَ تَقْلِيدُهُ جَائِزًا. . . حتى يَنْفُذَ قَضَايَاهُ التي لم يجاوِزْ فيها حَدَّ الشَّرْعِ" (١).
الأدلة:
١ - ما رواه أبو داود بسنده عن عليٍّ ﵁ قال بَعَثَني رسول الله ﷺ إلى اليَمَنِ قَاضِيًا، فقلت: يا رَسُولَ الله، تُرْسِلُنِي وأنا حَدِيثُ السِّنِّ، ولاَ علم لي بِالقَضَاءِ، فقال: "إِنَّ الله سَيَهْدِي قَلبَكَ، وَيُثبتُ لِسَانَكَ، فإذا جَلَسَ بين يَدَيْكَ الخَصْمَانِ، فلا تَقْضِيَنَّ حتى تَسمَعَ من الآخَرِ كما سَمِعْتَ من الأوَّلِ، فإنه أَحْرَى أَنْ يَتبيَنَ لك القَضَاءُ" قال: فما زِلتُ قَاضِيًا، أو ما شَكَكْتُ في قَضَاءٍ بَعْدُ (٢).
وجه الاستدلال:
أن الإِمام عليًا ﵁ كان غير متأهل من الناحية العلمية وكان ينقصه الاجتهاد وقد ولاه النبي ﷺ القضاء، وذلك يدل على عدم وجوب توفر شرط الاجتهاد.
٢ - إن تقليد المقلد أو حتى الجاهل يحصل به الغرض من القضاء، وهو فصل الخصومات وقطع المنازعات وإيصال الحق إلى مستحقه، إذ يمكن أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى قوله ورأيه وفتواه (٣).
стр. 1801
٣ - أن المقلد بالتزامه الحكم بمذهب معين ينفي عن نفسه تهمة الحكم بالهوى فضلا عما فيه من سرعة وصول القاضي إلى الحكم ومعرفة المتقاضيين بما يقضي به القاضي فيكون تقليده جائزًا لما فيه من هذه المصالح (١).
الترجيح: ومما تقدم يتبين لنا ما يلي:
رجحان رأي القائلين باشتراط الاجتهاد عند توفره وإمكانية شغل مناصب القضاء من المجتهدين. أما إذا لم يوجد المجتهد حقيقةً أو حكما، فإن الفقهاء متفقون على صحة تقليد المقلد أو الإلزام بالحكم بمذهب معين وذلك للضرورة عند الجمهور، ولجواز تقليد المفضول مع وجود الفاضل عند الفريق الثاني، لكن لا يلزم من ذلك جواز تولية القاضي الجاهل بناء على أنه يمكنه الحكم بفتوى غيره؛ لأنه وإن عرف الحكم بفتوى غيره إلا أنه لا يعرف إيقاعه وتطبيقه على موضوع القضية المعروضة عليه؛ لأن ذلك يحتاج إلى زيادة نظر لا تتوفر عنده وعليه فأقل درجات المقلد من التأهل في العلم والفهم ويستطيع استخراج الحكم من كتب المذهب.
وينبغي أن نعلم أن مراد الحنفية بالجاهل في بعض كتبهم هو ما يقابل المجتهد، فلا يقصدون بالجاهل العامي المحض كما قد يتوهم، وإنما يقصدون الذي يكون على علم ولكنه مقلد لإمام معين.
على أن الاجتهاد في زماننا هذا أيسر مما كان في أي عصر مضى فقد جمعت العلوم وحررت ودونت ولكن المشكلة أين الهمم والنفوس العالية.
قال السفاريني: "إن الاجتهاد المطلق الآن أيسر منه في الزمن الأول؛ لأن الحديث والفقه قد دونا وكذا كل ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات القرآنية والآثار
стр. 1802
النبوية وأصول الفقه والعربية ولكن الهمم قاصرة والرغبة فاترة ونار الجد خامدة وعين الخشية والفكر جامدة اكتفاء بالتقليد وخلود إلى الراحة وعدم التسديد" (١).
وقال ابن حجر: "قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي: وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم" (٢).
٨ - الذكورة:
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في اشتراط الذكورة في القاضي على أقوال:
الأول: ذهب جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة وزفر من الحنفية- إلى أنه لا يجوز توليه المرأة القضاء وإذا وليت أثم موليها وبطلت ولايتها ولا ينفذ قضاؤها ولو وافق الحق (٣).
الثاني: نسب إلى ابن جرير الطبري (٤) وابن القاسم من المالكية (٥) وبه قال ابن حزم الظاهري (٦) أن الذكورة ليست شرط جواز ولا صحة فيجوز تولية المرأة
стр. 1803
القضاء وإذا وليت لا يأثم موليها وتكون ولايتها صحيحة وأحكامها نافذة.
الثالث: ذهب أكثر الحنفية ما عدا زفر إلى أنه يجوز للمرأة أن تتولى القضاء في الأموال ولا يجوز أن تتولاه في الحدود والقصاص.
قال في الهداية: يجوز قضاء المرأة في كل شيء إلا في الحدود والقصاص اعتبارًا بشهادتها فيهما (١).
قال الكاساني: "وَأَمَّا الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ من شَرْطِ جَوَازِ التَّقْلِيدِ في الجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ المَرْأَةَ من أَهْلِ الشَّهَادَاتِ في الجُمْلَةِ إلَّا أنها لَا تَقْضي بِالحُدُودِ وَالقِصَاصِ؛ لأنها لَا شَهَادَةَ لها في ذلك وَأَهْلِيَّةُ القَضَاءِ تَدُورُ مع أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ" (٢).
قال ابن الهمام: "وأما الذكورة فليست بشرط إلا للقضاء في الحدود والدماء فتقضي المرأة في كل شيء إلا فيهما" (٣).
وهناك اتجاه آخر في المذهب الحنفي يجيز قضاءها في غير حد وقود مع إثم المولى لها.
قال في مجمع الأنهر: "ويجوز قضاء المرأة في جميع الحقوق لكونها من أهل الشهادة لكن يأثم المولي لها للحديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وتقضي في غير حد وقود إذ لا يجري فيهما شهادتها" (٤).
الأدلة:
استدل الجمهور بما يلي:
стр. 1804
١ - قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١).
وجه الاستدلال:
إن الآية أفادت حصر القوامة في الرجال؛ لأن المبتدأ المعرف بأل منحصر في خبره حصرًا إضافيًا، ومعناه القوامة للرجال على النساء لا العكس وهذا يفيد عدم جواز تولية المرأة القضاء وإلا كانت الولاية للنساء على الرجال، فالمرأة إذا لم تمنح القوامة في البيت فكيف يحق لها أن تتولى الوظائف الكبرى ومنها القضاء (٢).
٢ - السنة: ما رواه البخاري بسنده عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال خَرَجَ رسول الله ﷺ في أَضْحَى أو فِطْرٍ إلى المُصَلَّى، فَمَرَّ على النَسَاءِ، فقال: "يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتكُنَّ أَكْثر أَهْلِ النَّارِ" فَقُلنَ: وَبِمَ يا رَسُولَ الله؟ قال: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ما رأيت من نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ من إِحْدَاكُنَّ" قُلنَ: وما نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يا رَسُولَ الله؟ قال: "أَليْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ " قُلنَ: بَلَى، قال: "فَذَلِكِ من نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَليْسَ إذا حَاضَتْ لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟ " قُلنَ: بَلَى، قال: "فَذَلِكِ من نُقْصَانِ دِينِهَا" (٣).
وجه الاستدلال:
أن المرأة غير صالحة لتولي الولايات العامة ومنها القضاء، إذ هي ولاية تحتاج إلى عقل راجح متزن لا يتأثر بالعاطفة.
стр. 1805
٣ - حديث بريدة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار" (١).
وجه الاستدلال:
وصف القاضي بكونه رجلًا دل بمفهومه على إخراج المرأة.
٤ - روى البخاري بسنده عن أبي بَكْرَةَ قال: لَما بَلَغَ رَسُولَ الله ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قد مَلَّكُوا عليهم بِنْتَ كِسْرَى، قال: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلوْا أَمْرَهُمْ امْرَأة" (٢).
وجه الاستدلال: أن الحديث خبر في معنى النهي وكلمة "أَمْرَهُمْ" تشمل جميع أمور الأمة باعتبار أنها صيغة عامة، فيفيد الحديث النهي عن تولية المرأة شيئًا من الولايات إلا ما دل الدليل على استثنائه وهو الولايات الخاصة وبما أن القضاء ولاية عامة؛ لذا فإن الحديث يدل على تحريم تولية المرأة القضاء، وبطلان قضائها؛ لأنه خبر تضمن عدم فلاح من تولى امرأة أمورهم، وهو ضرر، والضرر يجب اجتنابه، فيجب اجتناب ما يؤدي إليه وهو تولية المرأة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ولو قلنا: إنه خبر لفظا إنشاء معنى فهو عام في جميع الولايات إلا الولايات الخاصة فهي متفق عليها.
أدلة القائلين بالجواز:
١ - استدلوا من الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣).
стр. 1806
وجه الاستدلال:
إن الآية أفادت المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات وهي مساواة عامة لم يرد عليها استثناء.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١).
وجه الاستدلال:
أن الآية نصت على اشتراك الجنسين في الولاية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك يؤدي إلى مشاركة النساء في جميع السلطات ومنها ولاية القضاء.
٢ - الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يقم دليل المنع فكل من يصلح للفصل في الخصومة فإنه تصح ولايته للقضاء والمرأة صالحة وقادرة على الفصل في الخصومة وليس بها مانع من ذلك وعليه يصح توليتها القضاء؛ لأن أنوثتها لا تحول دون فهمها للحجج وإصدار الحكم (٢).
٣ - إن المرأة يجوز أن تكون فقيهة فيجوز أن تكون قاضية (٣).
٤ - القياس على الحسبة فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ ولى امرأة -تدعى الشِّفَاءَ- الحسبة على السوق فيجوز أن تتولى القضاء؛ لأن كلًا منهما من الولايات العامة (٤).
٥ - القياس على بيت الزوجة فقد أثبت الرسول ﷺ للمرأة ولاية بيت
стр. 1807
زوجها والقيام على إدارته وتدبير شئونه فقال: والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها فدل ذلك على أنها أهل لسائر الولايات.
الترجيح: لم تتول امرأة منصبًا إداريًا على طول عصور الإِسلام المختلفة ولم تتشوق لذلك دعك عن توليها منصب القضاء أو الحكم مع وجود أعداد كبيرة من النساء الصالحات العالمات العاملات في تلك العصور المختلفة ابتداءً بعصر النبوة والخلافة الراشدة وانتهاء بالقرن الماضي، فقد كانت أم المؤمنين عائشة عالمة فقيهة فلم تتول هي ولا غيرها أي منصب إداري بل لم تتطلع إحداهن لذلك؛ لعلمهن أن ذلك مما خص به الرجال، والمرأة المسلمة مطالبة أن تساهم في تطوير المجتمع وتنميته من خلال إتقانها للتخصصات التي تهمها وتتناسب مع وظيفتها تعلمًا وتعليمًا وتطبيبًا لبنات جنسها كما كانت النساء في عصور الإِسلام الزاهرة تساهم مساهمة فعالة في دفع عجلة التعلم، بل قد فاق بعضهن الرجال وعشن في سعادة واستقرار دون مطالبة بتولي الوظائف المناسبة للرجال، أو تأوه من ظلم لهن لعدم تحقق ذلك (١).
стр. 1808
آداب القاضي
يقصد بآداب القاضي: الصفات الواجبة والمندوبة التي يتحلى بها القاضي، وما عليه الأخذ به هو وأعوانه من أحكام ونظم تحفظهم عن الميل إلى الهوى وتسير بالقضاء إلى غايته المنشودة من تحقيق العدل والقضاء على الظلم (١).
أولًا: آداب متعلقة بشخص القاضي وصفاته:
لقد ذكر الفقهاء الكثير من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها القاضي، يقول ابن فرحون (٢) وعلاء الدين الطرابلسي (٣): اعْلَمْ: أنهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ وَلِيَ القَضَاءَ أَنْ يُعَالِجَ نَفْسَهُ عَلَى آدَابِ الشَّرْعِ وَحِفْظِ المروءَةِ وَعُلُوِّ الِهمَّةِ، وَيَتَوَقَّى مَا يَشِينُهُ في دِينهِ وَمُرُوءَتِهِ وَعَقْلِهِ، أَوْ يَحُطُّهُ في مَنْصِبِهِ وَهِمَّتِهِ، فَإِنَّهُ أَهْلٌ لَأَنْ يُنْظَرَ إلَيْهِ وَيُقْتَدَى بِهِ، وَلَيْسَ يَسَعُهُ في ذَلِكَ مَا يَسَعُ غَيْرَهُ فَالعُيُونُ إلَيْهِ مَصرُوفَةٌ، وَنُفُوسُ الخَاصَّةِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ مَوْقُوفَةٌ وَلَا يَجْعَلُ حَظَّهُ مِنْ الوِلَايَةِ المُبَاهَاةَ بِالرِّيَاسَةِ وَإِنْفَاذَ الأَوَامِرِ وَالتَّلَذُّذَ بِالمَطَاعِمِ وَالمَلَابِسِ وَالمَسَاكِنِ فَيَكُونُ مِمَّنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (٤)، وَليَجْتَهِدْ أَنْ يَكُونَ جَمِيلَ الهَيْئةِ ظَاهِرَ الأُبَّهَةِ، وَقُورَ المِشْيَةِ وَالجِلسَةِ حَسَنَ النُّطْقِ وَالصَّمْتِ مُحترِزًا في كَلَامِهِ مِنْ الفُضُولِ وَمَا لَا حَاجَةَ بِهِ، كَأنَّمَا يَعُدُّ حُرُوفَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَدًّا، فَإِنَّ كَلَامَهُ مَحْفُوظٌ وَزَلله في ذَلِكَ مَلحُوظٌ، وَليُقْلِل عِنْدَ كَلَامِهِ من الإِشَارَةَ بِيَدِهِ وَالِالتِفَاتَ بِوَجْهِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ المُتكَلِّفِينَ وَصُنعِ غَيْرِ المتأَدِّبِينَ، وَليَكُنْ ضَحِكُهُ تبسُّمًا، وَنَظَرُهُ فِرَاسَةً وَتَوَسُّمًا، وَإِطْرَاقُهُ تَفَهُّمًا، وَليَلزَمْ مِنْ السَّمْتِ الحَسَنِ وَالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ مَا يَحْفَظُ بِهِ مُرُوءَتَهُ،
стр. 1809
فَتَمِيلَ الهِمَمُ إلَيْهِ، وَيَكْبُرَ في نُفُوسِ الخُصُومِ مِنْ الجُرْأَةِ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ تكبُّرٍ يُظْهِرُهُ وَلَا إعْجَابٍ يَسْتَشْعِرُهُ، وَكِلَاهُمَا شَيْنٌ في الدِّينِ، وَعَيْبٌ في أَخْلَاقِ المُؤْمنينَ، متواضعا من غير ضعف كثير التحرز من الحيل لا يطلع الناس منه على عورة ولا يخشى في الله لومه لائم.
وقال ابن قدامة: "يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الحَاكِمُ قَوِيًّا مِنْ غَيْر عُنْفٍ، لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، لا يَطْمَعُ القَوِيُّ في بَاطِلِهِ، وَلَا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ، وَيَكُونَ حَلِيمًا، مُتَأنِّيًا، ذَا فِطْنَةٍ وَتَيقُّظٍ، لا يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ، وَلَا يُخْدَعُ لِغِرَّةٍ، صَحِيحَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ، عَالِمًا بِلُغَاتِ أَهْلِ وِلَايَتهِ، عَفِيفًا وَرعًا، نَزِهًا، بَعِيدًا مِنْ الطَّمَعِ، صَدُوقَ اللَّهْجَةِ، ذَا رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ، لِكَلَامِهِ لِينٌ إذَا قَرُبَ، وَهَيْبَةٌ إذَا أَوْعَدَ، وَوَفَاءٌ إذا وَعَدَ، وَلا يَكُونُ جَبَّارًا، وَلا عَسُوفًا، فَيقْطِعُ ذَا الحُجَّةِ عَنْ حُجَّتِهِ، قَالَ عَليٌّ ﵁: "لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ القَاضِي قَاضِيًا حَتى يكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ عَفِيفٌ، حَلِيمٌ, عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، يَسْتَشِيرُ ذَوِي الأَلبَابِ، لَا يَخَافُ في الله لَوْمَةَ لَائِمٍ"، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ﵁، قَالَ: "يَنْبَغِي لِلقَاضِي أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ سَبعُ خِلَالٍ، إنْ فَاتَتْهُ وَاحِدَةٌ كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ: العَقْلُ، وَالفِقْهُ، وَالوَرَعُ، وَالنَّزاهَةُ، وَالصَّرَامَةُ، وَالعِلمُ بِالسُّنَنِ، وَالحِكَمِ" (١)، وَأن يَكُونُ فَهِمَا، حَلِيمًا، عَفِيفًا، صُلبًا، سَآلًا عَمَّا لَا يَعْلَمُ، وَلَا يَكُونُ ضَعِيفًا، مَهِينًا، لِأَنَّ ذَلِكَ يَبْسُطُ المتخَاصِمِينَ إلَى التَّهَاتُرِ، وَالتَّشَاتُمِ بَيْنَ يَدَيْهِ" (٢)
ثانيا: آداب متعلقة بنزاهته وحفظ كرامته:
حرصت الشريعة على أن تكون كرامة القاضي محفوظة، ونزاهته مضمونة؛ لأنه يفصل بين الناس فينبغي أن يكون محل ثقة الناس واحترامهم له، والاطمئنان إلى عدالته في الحكم، وهذا يستوجب منه أن يبتعد عن الشبهات وأن يكون قدوة حسنة.
стр. 1810
فمما يحفظ كرامته ويصون له نزاهته أمور منها:
١ - التنزه عن طلب الحوائج:
ينبغي للقاضي أن يتنزه عن طلب الحوائج من الناس كالماعون، والآلة، والسيارة؛ ليكون موفور الكرامة محفوظًا من ألسنة الناس ملحوظًا بعين الإجلال والإكرام بعيدًا عن استغلال الآخرين (١).
ويجتنب أخذ القرض إلا أن لا يجد بدا من ذلك فلا يكون من عند الخصوم، أو ممّن هم من جهتهم (٢).
٢ - كراهة البيع والشراء:
يكره للقاضي أن يبيع أو يشتري شيئًا لنفسه في مجلس الحكم أو غيره إلا بوكيل لا يعرف أنه وكيله لئلا يحابي والمحاباة في حكم الهبة فتكون مكروهة.
قال ابن قدامة: لَا يَنْبَغِي لِلقَاضِي أَنْ يَتَوَلَّى البَيعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يُعْرَفُ فَيُحَابَى، فَيَكُونُ كَالهَدِيَّةِ، وَلأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ النَّظَرِ في أُمُورِ النَّاسِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا بُويع، أَخَذَ الذِّرَاعَ وَقَصْدَ السُّوقَ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ الله ﷺ لَا يَسَعُك أَنْ تَشْتَغِلَ عَنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ، قَالَ: فَإِنِّي لَا أَدَعُ عِيَالِي يَضِيعُونَ، قَالُوا: فَنَحْنُ نَفْرِضُ لَك مَا يَكْفِيك، فَفَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ (٣)، فَإِنْ بَاعَ وَاشْتَرَى، صَحَّ البَيْعُ؛ لِأَنَّ البَيع تَمَّ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ.
стр. 1811
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى مُبَاشَرَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَكْفِيهِ، جَازَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّ أَبا بَكْرٍ ﵁ قَصْدَ السُّوقَ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، حَتَّى فَرَضُوا لَهُ مَا يَكْفِيهِ؛ وَلِأَنَّ القِيَامَ بِعِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ، فَلَا يَتْرُكُهُ لِوَهْمِ مَضَرَّةٍ، وَأَمَّا إذا اسْتَغْنَى عَنْ مُبَاشَرَتِهِ، وَوَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ؛ لمِا ذَكَرْنَا مِنْ المَعْنيَيْنِ، وَينْبَغِي أَنْ يُوَكِّلَ في ذَلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ؛ لِئَلَّا يُحَابَى.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُكْرَهُ لَهُ البَيعُ وَالشِّرَاءُ وَتَوْكِيلُ مَنْ يُعْرَفُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁" (١).
وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أنَّهُ قَالَ: "شَرَطَ عَلَيَّ عُمَرُ حِينَ وَلَّانِي القَضَاءَ أَنْ لَا أَبِيعَ، وَلَا أَبتَاعَ".
وَقَضِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ حُجَّةٌ لمنع البيع والشراء، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَاعْتَذَرَ بِحِفْظِ عِيَالِهِ عَنْ الضَّيَاعِ، فَلمَّا أَغْنَوْهُ عَنْ البَيع وَالشِّرَاءِ بِمَا فَرَضُوا لهمْ، قَبِلَ قَوْلَهُمْ، وَتَرَكَ التِّجَارَةَ، فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمْ عَلَى تَرْكِهَا عِنْدَ الغِنَى عَنْهَا (٢).
٣ - تحريم قبول الرشوة:
قال ابن قدامة: فأما الرشوة في الحكم ورشوة العامل فحرام بلا خلاف، قال الله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٣) قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره: هو الرشوة، وقالا: إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به إلى الكفر، وروى عبد الله بن
стр. 1812
عمرو قال لعن رسول الله ﷺ الراشي، والمرتشي. قال الترمذيُّ: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، ورواه أبو هريرة وزاد في الحكم (١)؛ ولأن المرتشي إنما يرتشي ليحكم بغير الحق أو ليوقف الحكم عنه وذلك من أعظم الظلم (٢).
فإن قضى في حادثة برشوة لا ينفذ قضاؤه في هذه الحادثة وإن قضى بالحق؛ لأن القضاء عبادة والعبادة يجب أن تكون خالصة لله، فإذا أخذ على القضاء رشوة فقد قضى لنفسه لا لله فلا يصح قضاؤه في هذه الحادثة وينعزل بأخذ الرشوة ويعزره الإِمام بما يرى (٣).
٤ - تحريم قبول الهدية:
يحرم على القاضي قبول الهدية ممّن لم يكن يهدي إليه قبل ولايته وإن لم تكن له خصومه؛ لأن المهدي يقصد بها في الغالب استمالة القاضي إليه ليكون الحكم في جانبه فتشبه الرشوة حينئذ لقوله ﷺ : "هدايا العمال غلول" (٤).
ولما روى أبو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قال اسْتَعْمَلَ رسول الله ﷺ رَجُلًا من الأَسْدِ يُقَالُ له: ابن اللُّتْبِيَّةِ (قال عَمْرٌو وبن أبي عُمَرَ: على الصَّدَقَةِ) فلما قَدِمَ قال: هذا
стр. 1813
لَكُمْ، وَهَذَا لي، أُهْدِيَ لي، قال: فَقَامَ رسول الله ﷺ على المِنْبَرِ، فَحَمِدَ الله وَأثنَى عليه، وقال: "ما بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فيقول: هذا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لي، أَفلَا قَعَدَ في بَيْتِ أبيه أو في بَيْتِ أُمِّهِ حتى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إليه أَمْ لَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده، لَا يَنَالُ أحدٌ مِنكُمْ منها شيئًا إلا جاء بِهِ يوم القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ على عُنُقِهِ، بَعِيرٌ له رُغَاءٌ، أوبقَرَةٌ لها خُوَارٌ، أو شَاةٌ تَيْعِرُ" ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْه حتى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قال: "اللَّهم هل بَلَّغْتُ" ثلاثًا (١).
أما من كان يهدى إليه قبل ولايته فيباح له قبولها إذا لم تكن له خصومة أمامه؛ لانتفاء التهمة حينئذ وإن كان ردها أولى، فإذا أخذ القاضي الهدية ممّن لم يكن يهدي إليه، أو ممّن كان يهدي إليه وله عنده خصومة وجب ردها عليه، وكذا يجب رد الرشوة للمرتشي لأنه أخذها بغير حق وذلك كالمأخوذ بعقد فاسد (٢).
٥ - عدم إجابة الدعوة الخاصة:
لا يجوز للقاضي إجابة الدعوة الخاصة؛ لأن إجابتها لا تخلو من التهمة، إلا إذا كان صاحب الدعوة قريبًا له أو جرت العادة بدعوته قبل القضاء بشرط ألا يكَون لأحدهما خصومة عنده؛ لانعدام التهمة فإن عرف القاضي أن لأحدهما خصومة عنده امتنع عن حضورها ومرجع تحديد الدعوة الخاصة إلى العرف.
أما الدعوة العامة: فإن كانت مشروعة كوليمة العرس فإنه يجيبها، فإن إجابتها امتثال للسنة ولا تهمة في إجابتها، وإن كانت غير مشروعة فلا يجيبها.
لكن للقاضي أن يعود المريض؛ لأنه حق للمسلم على المسلم ولا تلحقه التهمة
стр. 1814
بذلك، وكذلك له تشييع الجنازة؛ لأن ذلك حقًا للميت على المسلمين فلم يكن متهما في أداء هذه السنة كما أن له زيارة القادمين من سفر وتوديع المسافرين وزيارة إخوانه الصالحين من الناس؛ لأن ذلك قربة وطاعة ولا تهمة فيها (١).
٦ - عدم جواز القضاء لنفسه وأقاربه:
لا يجوز للقاضي أن يحكم لنفسه وإن حكم كان حكمه باطلًا ولو صادف الحق، وذلك؛ لأن القضاء عبادة والعبادة يجب أن تكون خالصة لله فإذا قضى لنفسه انتفى خلوصه لله، فبطل قضاؤه؛ ولأن حكمه لنفسه فيه تهمه الميل إلى مصلحته وإيثارها على مصلحة الخصم وهذا مبطل للقضاء.
فإن عرضت له خصومة مع غيره تحاكم إلى الإِمام أو إلى قاض آخر سواء كان من زملائه أو من نوابه أو من غيره أو تحاكما إلى شخص آخر يرضيان حكمه من غير القضاة فقد تحاكم عثمان وطلحه إلى جبير بن مطعم وتحاكم علي مع اليهودي إلى القاضي شريح.
٧ - عدم الفتوى فيما قد يعرض عليه:
لا يجوز للقاضي أن يفتي في حادثة قد تعرض له، وهي الحوادث، والوقائع التي تدخل في اختصاصه فلا يجوز له أن يفتي في موضوع يتعلق بالنكاح إذا كان مختصًا بالنظر في الأنكحة فقط ولا في موضوع يتعلق بالأموال إذا كان مختصًا بالنظر في المعاملات فقط؛ لأنه قد تعرض عليه هذه الحادثة في خصومة قضائية فيكون قد أبدى رأيه فيها وهذا يخل بنزاهة القاضي؛ ولأنه قد يتغير رأيه أثناء نظر القضية لسبب من الأسباب فلو قضى برأيه الأخير أدخل الشك في نفس الخصوم ولو قضى برأيه الأول يكون قد حكم بخلاف ما يعتقد صحته.
стр. 1815
قال ابن قدامة: قال ابن المنذر: يكره للقاضي أن يفتي في الأحكام، كان شريح يقول: أنا أقضي ولا أفتي، وأما الفتيا في الطهارة وسائر ما لا يحكم في مثله فلا بأس بالفتيا فيه (١).
٨ - أن يتجنب بطانة السوء:
لأن أكثر القضاة إنما يؤتى عليهم من ذلك (٢). بل عليه أن يتخذ بطانة من أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة ليستعين بهم في اجتهاده ويخففوا عنه الأعباء التي يمكنهم القيام بها (٣).
ثالثًا: آداب متعلقة بجلوس القاضي للحكم (٤):
١ - ينبغي أن يكون لجلوسه أيامًا معلومة يعلم بها الناس، وقد حدد ذلك في هذا العصر بحيث يبدأ في وقت معين وينتهي كذلك في وقت محدد وهذا مناسب؛ لأنه من باب التنظيم.
٢ - يستحب للقاضي أن يصلي قبل دخوله لمجلس الحكم ركعتين.
٣ - يكون جلوسه علانية فلا يمنع أحدًا من دخوله عليه.
٤ - يسلم على الخصوم ومن بالمجلس قبل أن يجلس ولا يخص أحدًا منهم بالسلام.
стр. 1816
٥ - يسن له أن يدعو عند ابتدائه النظر في القضايا بالتوفيق بالحق والعصمة من الزلل في القول والعمل، وأن يستعين بالله تعالى وأن يفوض أمره إليه كما ينبغي أن يكون دعاؤه سرًا؛ لأنه أرجى للإجابة والبعد عن الرياء.
٦ - أن لا يتضاحك في مجلسه ويلزم السمت من غير غضب ويمنع من رفع الصوت عنده.
٧ - أن لا يتشاغل بالحديث في مجلسه.
٨ - يجلس مستقبل القبلة إن أمكن.
٩ - يجلس في حالة اعتدال نفسية وجسمية، فلا يجلس للقضاء وهو غضبان أو قلق أو ضجر أو حاقن أو في حالة جوع شديد أو شبع زائد أو عطش شديد أو هم أو كسل أو نعاس أو برد مؤلم أو حر مزعج لما رواه مسلم بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرَةَ قال: كَتَبَ أبي وَكَتَبْتُ له إلى عُبَيْدِ الله بن أبي بَكْرَةَ وهو قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ أَنْ لَا تَحْكُمَ بين اثْنين وَأَنْتَ غَضْبَانُ فَإنِّي سمعت رَسُولَ الله ﷺ ، يقول: "لَا يَحْكُمْ أحدٌ بين اثْنينِ وهو غَضْبَانُ" (١).
فقد نهى عن الحكم عند الغضب لما فيه من تشويش الفكر ويلحق به ما ذكر؛ لأنه في معناه، ولقول عمر في كتابه إلى أبي موسى: إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس (٢).
ولأن هذه الأمور كلها تمنع الحكم؛ لأنها تمنع حضور القلب واجتماع الفكر الذي يتوصل بهما إلى إصابة الحق، في الغالب فتمنع القاضي من القضاء وهو متصف به.
стр. 1817
ما الحكم إذا قضى في حالة غضب ؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى صحة القضاء مع الكراهة لما رواه البخاري بسنده عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر: أَنَّ الزُّبَيْرَ كان يحدث: أنَّه خاصَمَ رَجُلًا من الأنصَار -قد شَهِدَ بَدْرًا- إلى رسول الله ﷺ في شِرَاجٍ (١) من الحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كلاهما، فقال رسول الله ﷺ لِلزُّبَيْرِ: "اسْقِ يا زُبيْرُ، ثمَّ أَرْسِل إلى جَارِكَ" فَغَضِبَ الأنصَارِيُّ، فقال: يا رَسُولَ الله، أن كان ابن عَمَّتِكَ؟ فتلَونَ وَجْهُ رسول الله ﷺ ثُمَّ قال: "اسقِ، ثُمَّ احْبِسْ حتى يَبْلُغَ الجَدْرَ" (٢) فَاسْتَوْعَى رسول الله ﷺ حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلزُّبَيْرِ، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أَشَارَ على الزُّبَير بِرَأْيٍ سَعَةٍ له وَللأنصَارِيِّ، فلما أَحْفَظَ (٣) الأنصَارِيُّ رَسُولَ الله ﷺ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ (٤).
فقد حكم الرسول في حالة غضبه وهذا يدل على الصحة وأن النهي يفيد الكراهية. وذهب القاضي من الحنابلة: إلى أنه لا يصح حال الغضب ولا ينفذ؛ لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد.
وأجاب عن الحديث بأن القضاء عند الغضب خاص بالرسول ﷺ ، لكن التخصيص لم يقم عليه دليل؛ ولذا فلا يعتبر، وكتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى ينهاه عن ذلك؛ ولأنه إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه وفكره.
وذهب فريق إلى أن الغضب يمنع القاضي من الحكم إذا كان الغضب قبل أن يتضح له الحكم في المسألة أما إذا اتضح له الحكم ثم عرض الغضب، فإن ذلك
стр. 1818
لا يمنعه؛ لأن الحق قد استبان قبل الغضب فيه وقد رجح ابن جر هذا التفصيل، وقال: وهو تفصيل معتبر (١).
١٠ - أن ينظر في أمر المحبوسين؛ لأن الحبس عذاب وربما كان فيه من لا يستحق البقاء فيه بل ينبغي أن ينظر في المحبوسين من قبل القضاة الذين سبقوه.
١١ - على القاضي أن يقدم الخصوم بحسب ترتيبهم في الحضور فيقدم من حضر أولًا من المدعين ثم من حضر بعده وهكذا ويستثنى من هذا ثلاثة أصناف:
١ - الغرباء فيقدم قضاياهم على أهل المقر إلا إذا كانوا كثيرين فيخلطهم بأهل المقر.
٢ - الشهود فيقدمهم على من ليس معهم شهود؛ لأن إكرام الشهود واجب وليس من الإكرام حبسهم على باب القاضي فإن كانوا كثيرين أقرع بينهم فقدم من خرجت قرعته.
٣ - النساء فإنه يقدمهن على الرجال حتى لا يطول وقوفهن خارج البيوت، فإن خروجهن ضرورة وتقع الفتنة فيما لو خلطهن بالرجال (٢).
١٢ - يسوى بين الخصمين في الجلوس فيجلسهما بين يديه ولا يجلسهما عن يمينه أو يساره؛ لأن في ذلك تقريب أحدهما من مجلسه ولا يجلس أحدهما عن اليمين والآخر عن اليسار؛ لأن لليمين فضلًا عن اليسار، وفي النظر فلا يقبل بوجهه على أحدهما دون الآخر، وفي الكلام فلا يكلم أحدهما بلسان لا يعرفه الآخر ولا يشاور أحدهما دون الآخر، وفي الإشارة فلا يؤشر إلى
стр. 1819
أحدهما دون الآخر، وفي الخلوة فلا يخلو بأحدهما دون الآخر (١).
ولا يرفع صوته على أحدهما دون خصمه ولا يضيف أحدهما ولا يلقن أحد الخصمين حجته لحديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهما في لحظه وإشارته ومقعده ومجلسه، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين مالا يرفعه على الآخر" (٢).
وقد اختصم عمر وأبي بن كعب ﵄ إلى زيد بن ثابت ﵁ فألقى لعمر وسادة فقال عمر ﵁: "هذا أول جورك وجلس بين يديه" (٣).
١٣ - ينبغي للقاضي أن يكرم الشهود فلا يجوز أن يعنف الشاهد أو يداخله في كلامه؛ لأن ذلك يشوش عليهم عقولهم فلا يمكنهم من أداء الشهادة على وجهها.
١٤ - ذهب الحنفية إلى أن للقاضي أن يأمر بالصلح في أي مرحلة من مراحل التقاضي واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤).
وهذا مطلق يتناول الصلح في أي مرحلة من مراحل نظر القضية.
كما استدلوا على ذلك أيضًا بقول عمر ﵁: "ردوا الخصوم حتى يصطلحوا: فإن فصل القضاء يورث بين القوم الضغائن" (٥).
стр. 1820
وهذا مطلق يشمل جميع الحالات وفي الصلح حصول المقصود من غير ضغينة فكان جائزًا في أي مرحلة (١).
قال ابن قدامة: "قال أبو عبيد: إنما يسعه الصلح في الأمور المشكلة، أما إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين وتبين له موضع الظالم فليس له أن يحملهما على الصلح، ونحوه قول عطاء واستحسنه ابن المنذر" (٢).
١٥ - أن يبدأ بالمدعي فيسأله البينة، فإن أنكر المدعى عليه ولم يكن للمدعي بينة، فإن كان في مال وجبت اليمين على المدعى عليه باتفاق، وإن كانت في طلاق أو نكاح أو قتل وجبت عند الشافعي بمجرد الدعوى، وقال مالك: لا تجب إلا مع شاهد (٣).
١٦ - أن يحيل الخصوم على قاض آخر عند خشية الجور فإذا أشكل على القاضي أمر تركه وله أن يرشدهما إلى الصلح، أو يصرفهما إلى قاض آخر مخافة أن يظلم، وكذا كلما استشعر الحرج وخاف على نفسه الميل والجور (٤).
١٧ - أن يسأل القاضي عن حال الشهود وإن لم يطعن الخصم (٥).
стр. 1821
أعوان القضاة
يحتاج القاضي في عمله إلى أن يتخذ أعوانًا يعينونه للوصول إلى الحق وهم:
١ - الكتَّابُ:
يستحب للقاضي أن يتخذ كُتَّابًا؛ لأن في ذلك إعانة له لأن القاضي ينشغل بالدعاوى والإجابات والألفاظ التي تصدر فيصعب عليه الكتابة بنفسه، وقد اتخذ النبي ﷺ كُتَّابًا منهم علي وزيد بن ثابت ومعاوية.
وقد اشترط الفقهاء في الكاتب شروطًا منها: الإِسلام، والعدالة، والفقه، وجودة الخط، ونصوا على أنه ينبغي أن يجلس الكاتب بحيث يرى القاضي ما يكتب وما يصنع؛ لأن ذلك أقرب للاحتياط وعليه أن يرتب أوراق القضايا ويصونها من العبث (١).
٢ - محضروا الخصوم:
وسماهم ابن رشد باسم الشرطة وهم الذين يقومون بإحضار الخصوم واستدعائهم وحفظ النظام ومنع تقديم غير ذوي الدور، ومنع التهاريج ورفع الصوت ويقفون بين يدي القاضي في انتظار أمره، واستكمالًا لهيبة مجلس القضاء، وهذا أمر استدعته ظروف الناس وأحوالهم نتيجة ضعف الوازع الديني عند البعض، وتغير أخلاق الناس وقد كان الإِمام الحسن البصري ينكر ذلك على القضاة فلما ولي القضاء وشوش عليه ما يقع من الناس عنده قال: لا بد للسلطان من وَزَعَةٍ وإن استغنى عن الأعوان كان أحسن (٢).
стр. 1822
٣ - الحاجب:
وينبغي أن يكون من أهل الأمانة حتى لا يسيء استعمال وظيفته فيحول بين القاضي وبين وصول أصحاب الظلامات إليه أو يقدم أو يؤخر، وعلى القاضي أن يتتبع أفعاله باستمرار (١).
٤ - الترجمان:
ينبغي اتخاذه لجواز أن يحضر مجلس القضاء من لا يعرف القاضى لغته من مدع أو مدعى عليه أو شاهد، ويشترط فيه العدالة ليؤتمن في نقله.
وقد اختلف الفقهاء في اشتراط التعدد فيه (٢):
فألحقه الشافعية والمذهب عند الحنابلة ومحمَّد بن الحسن بالشهادة على الإقرار واعتبروا العدد؛ لأن الترجمة نقل ما خفي على القاضي فيما يتعلق بالخصوم فوجب فيه العدد كالشهادة، وبأن الترجمة إثبات قول يتوقف الحكم عليه فلا يقبل إلا من متعدد كالإقرار.
وذهب الحنفية عدا محمَّد بن الحسن والمالكية ورواية عند الحنابلة إلى الاكتفاء بواحد؛ لأن النبي ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود، وكان يكتب له إذا كتب إليهم ويقرأ له إذا كتبوا إليه (٣)، والترجمة خبر لا شهادة، فتقاس
стр. 1823
على أخبار الديانات والأذان في الاكتفاء بالواحد.
ورد بأن حديث زيد بن ثابت ﵁ ليس في القضاء ولا صلة له بذلك.
وبأن القياس مع الفارق؛ لأن شأن القضاء أخطر.
٥ - الخبراء:
والقاضي بحاجة إلى الاستعانة بأهل الخبرة في جميع المجالات الطبية والزراعية والصناعية والتجارية، ومن الخبراء القاسم الذي يستعين به القاضي في التثبت مما يدعيه المتخاصمون في المساحات والمقادير وفي التسمية وتحديد الحدود ونحو ذلك (١) , وقد استعان عمر ﵁ بحسان بن ثابت ولبيد قبل أن يحكم على الحطيئة حين هجا الزبرقان بن بدر ﵁ (٢).
٦ - الوكلاء أو المحامون:
فمن حق الخصوم أن يوكلوا عنهم من يرون الاستعانة بهم في خصوماتهم باعتبار أنهم وكلاء في الخصومة.
وعند الحنابلة وبعض المالكية امتناع الوكالة بالخصومة مع علم أو ظن ظلم الموكل، واستنبط القاضي أبو يعلى من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (٣) منع الخصومة عن الغير إثباتًا أو نفيًا دون معرفة الحقيقة ومثله قال
стр. 1824
ابن العربي المالكي: واشترط أبو حنيفة رضا الطرف الآخر في الخصومة بالتوكيل، فقد يكون الوكيل ألحن بحجته فيتضرر الخصم (١).
стр. 1825
تعيين القضاة
على ولي الأمر أن يجتهد في اختيار القضاة فهم نوابه في فصل الخصومات والنظر للقصار وحفظ أموالهم ومراقبة الأوقاف، وينبغي أن تكون لديه لجان متخصصة مهمتها دراسة أحوال من سيقع عليهم الاختيار وجمع المعلومات عنهم قبل ترشيحهم لجهة الاختصاص التي تسعى إلى تعيينهم قال موفق الدين ابن قدامة: "إِذَا أَرَادَ الإِمَامُ (أو من ينوب عنه) تَوْلِيةَ قَاضٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالنَّاسِ وَيعْرِفُ مَنْ يَصْلُحُ لِلقَضَاءِ، وَلَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ، سَأَل أَهْلَ المَعْرِفَةِ بِالنَّاسِ، وَاسْتَرْشَدَهُمْ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ، وَإِنْ ذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُهُ، أَحْضَرَهُ وَسَأَلهُ، فَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ وَإِلَّا بَحَثَ عَنْ عَدَالَتِهِ، فَإِذَا عَرَفَهَا وَلَّاهُ، وَيَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا يَأْمُرُهُ فِيهِ بِتَقْوَى الله، وَالتثبتِ في القَضَاءِ، وَمُشَاوَرةِ أَهْلِ العِلمِ، وَتَصَفُّحِ أَحْوَالِ الشُّهُودِ، وَتَأَمُّلِ الشَّهَادَاتِ وَتَعَاهُدِ اليَتَامَى، وَحِفْظِ أَمْوَالِهمْ وَأَمْوَالِ الوُقُوفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاج إلَى مُرَاعَاتِهِ" (١).
ويحسن أن يدربهم على القضاء بملازمة القضاة الأكفاء وتدريبهم عندهم على القضايا الصغيرة ثم يترقون في ذلك مع الدربة والخبرة.