← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

أعوان القضاة يحتاج القاضي في عمله إلى أن يتخذ أعوانًا يعينونه للوصول إلى الحق وهم: ١ - الكتَّابُ: يستحب للقاضي أن يتخذ كُتَّابًا؛ لأن في ذلك إعانة له لأن القاضي ينشغل بالدعاوى والإجابات والألفاظ التي تصدر فيصعب عليه الكتابة بنفسه، وقد اتخذ النبي ﷺ كُتَّابًا منهم علي وزيد بن ثابت ومعاوية. وقد اشترط الفقهاء في الكاتب شروطًا منها: الإِسلام، والعدالة، والفقه، وجودة الخط، ونصوا على أنه ينبغي أن يجلس الكاتب بحيث يرى القاضي ما يكتب وما يصنع؛ لأن ذلك أقرب للاحتياط وعليه أن يرتب أوراق القضايا ويصونها من العبث (١). ٢ - محضروا الخصوم: وسماهم ابن رشد باسم الشرطة وهم الذين يقومون بإحضار الخصوم واستدعائهم وحفظ النظام ومنع تقديم غير ذوي الدور، ومنع التهاريج ورفع الصوت ويقفون بين يدي القاضي في انتظار أمره، واستكمالًا لهيبة مجلس القضاء، وهذا أمر استدعته ظروف الناس وأحوالهم نتيجة ضعف الوازع الديني عند البعض، وتغير أخلاق الناس وقد كان الإِمام الحسن البصري ينكر ذلك على القضاة فلما ولي القضاء وشوش عليه ما يقع من الناس عنده قال: لا بد للسلطان من وَزَعَةٍ وإن استغنى عن الأعوان كان أحسن (٢).

стр. 1822

٣ - الحاجب: وينبغي أن يكون من أهل الأمانة حتى لا يسيء استعمال وظيفته فيحول بين القاضي وبين وصول أصحاب الظلامات إليه أو يقدم أو يؤخر، وعلى القاضي أن يتتبع أفعاله باستمرار (١). ٤ - الترجمان: ينبغي اتخاذه لجواز أن يحضر مجلس القضاء من لا يعرف القاضى لغته من مدع أو مدعى عليه أو شاهد، ويشترط فيه العدالة ليؤتمن في نقله. وقد اختلف الفقهاء في اشتراط التعدد فيه (٢): فألحقه الشافعية والمذهب عند الحنابلة ومحمَّد بن الحسن بالشهادة على الإقرار واعتبروا العدد؛ لأن الترجمة نقل ما خفي على القاضي فيما يتعلق بالخصوم فوجب فيه العدد كالشهادة، وبأن الترجمة إثبات قول يتوقف الحكم عليه فلا يقبل إلا من متعدد كالإقرار. وذهب الحنفية عدا محمَّد بن الحسن والمالكية ورواية عند الحنابلة إلى الاكتفاء بواحد؛ لأن النبي ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود، وكان يكتب له إذا كتب إليهم ويقرأ له إذا كتبوا إليه (٣)، والترجمة خبر لا شهادة، فتقاس

стр. 1823

على أخبار الديانات والأذان في الاكتفاء بالواحد. ورد بأن حديث زيد بن ثابت ﵁ ليس في القضاء ولا صلة له بذلك. وبأن القياس مع الفارق؛ لأن شأن القضاء أخطر. ٥ - الخبراء: والقاضي بحاجة إلى الاستعانة بأهل الخبرة في جميع المجالات الطبية والزراعية والصناعية والتجارية، ومن الخبراء القاسم الذي يستعين به القاضي في التثبت مما يدعيه المتخاصمون في المساحات والمقادير وفي التسمية وتحديد الحدود ونحو ذلك (١) , وقد استعان عمر ﵁ بحسان بن ثابت ولبيد قبل أن يحكم على الحطيئة حين هجا الزبرقان بن بدر ﵁ (٢). ٦ - الوكلاء أو المحامون: فمن حق الخصوم أن يوكلوا عنهم من يرون الاستعانة بهم في خصوماتهم باعتبار أنهم وكلاء في الخصومة. وعند الحنابلة وبعض المالكية امتناع الوكالة بالخصومة مع علم أو ظن ظلم الموكل، واستنبط القاضي أبو يعلى من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (٣) منع الخصومة عن الغير إثباتًا أو نفيًا دون معرفة الحقيقة ومثله قال

стр. 1824

ابن العربي المالكي: واشترط أبو حنيفة رضا الطرف الآخر في الخصومة بالتوكيل، فقد يكون الوكيل ألحن بحجته فيتضرر الخصم (١).

стр. 1825

تعيين القضاة على ولي الأمر أن يجتهد في اختيار القضاة فهم نوابه في فصل الخصومات والنظر للقصار وحفظ أموالهم ومراقبة الأوقاف، وينبغي أن تكون لديه لجان متخصصة مهمتها دراسة أحوال من سيقع عليهم الاختيار وجمع المعلومات عنهم قبل ترشيحهم لجهة الاختصاص التي تسعى إلى تعيينهم قال موفق الدين ابن قدامة: "إِذَا أَرَادَ الإِمَامُ (أو من ينوب عنه) تَوْلِيةَ قَاضٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالنَّاسِ وَيعْرِفُ مَنْ يَصْلُحُ لِلقَضَاءِ، وَلَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ، سَأَل أَهْلَ المَعْرِفَةِ بِالنَّاسِ، وَاسْتَرْشَدَهُمْ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ، وَإِنْ ذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُهُ، أَحْضَرَهُ وَسَأَلهُ، فَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ وَإِلَّا بَحَثَ عَنْ عَدَالَتِهِ، فَإِذَا عَرَفَهَا وَلَّاهُ، وَيَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا يَأْمُرُهُ فِيهِ بِتَقْوَى الله، وَالتثبتِ في القَضَاءِ، وَمُشَاوَرةِ أَهْلِ العِلمِ، وَتَصَفُّحِ أَحْوَالِ الشُّهُودِ، وَتَأَمُّلِ الشَّهَادَاتِ وَتَعَاهُدِ اليَتَامَى، وَحِفْظِ أَمْوَالِهمْ وَأَمْوَالِ الوُقُوفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاج إلَى مُرَاعَاتِهِ" (١). ويحسن أن يدربهم على القضاء بملازمة القضاة الأكفاء وتدريبهم عندهم على القضايا الصغيرة ثم يترقون في ذلك مع الدربة والخبرة.

стр. 1826

عزل القضاة للقضاء في الإِسلام هيبته ومكانته، وهو ولاية شرعية ووظيفة إسلامية يطرأ عليها ما يطرأ على غيرها من الوظائف عند اقتضاء المصلحة من العزل والنقل والتخصص ونحو ذلك وسوف نلخص أحوال القاضي من حيث العزل فيما يأتي: أولًا: إذا وَلَّى الإِمَامُ قَاضِيًا، ثُمَّ مَاتَ الإِمام فلا يَنْعَزِل؛ لِأَنَّ الخُلَفَاءَ الراشدين ﵃ وَلَّوْا حُكَّامًا في زَمَنِهِمْ، فَلَمْ يَنْعَزِلُوا بِمَوْتِهِمْ، وَلأَنَّ في عَزْلِهِ بِمَوْتِ الإِمَامِ ضَرَرًا عَلَى المُسْلِمِينَ، فَإِنَّ البُلدَانَ تَتَعَطَّلُ مِنْ الحُكَّامِ، وَتَقِفُ أَحْكَامُ النَّاسِ إلَى أَن يُوَلِّيَ الإِمَامُ الثَّانِي حَاكِمًا، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ. ثانيًا: لا ينعزل القاضي إذا عزل الإِمام الذي ولاه بل يستمر في وظيفته حتى يعزله الإِمام الخلف إن شاء لما يلحق المسلمين من ضرر في عزله. ثالثًا: إن عزله الإِمام الذي ولاه أو خلفه فإنه ينعزل وهو قول الحنفية، والمالكية (١) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أنَّهُ قَالَ: لَأَعْزِلَنَّ أبَا مَرْيَمَ، وَأُوَلِّيَنَ رَجُلًا إذَا رَآهُ الفَاجِرُ فَرِقَهُ (٢)، فَعَزَلَهُ عَنْ قَضَاءِ البَصْرَةِ، وَوَلى كَعْبَ ابْنَ سَوَّارٍ مَكَانَهُ، وَوَلَّى عَليٌّ ﵁ أبَا الأَسْوَدِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، فَقَالَ: لِمَ عَزَلتنِي، وَمَا خُنْت، وَلَا جَنيت؟ فَقَالَ: إنِّي رَأَيتُك يَعْلُو كَلَامُك عَلَى الخَصْمَيْنِ، ولأن القضاء ولاية من ولايات السلطنة والإمام يَمْلِكُ عَزْلَ أُمَرَائِهِ وَوُلَاتِهِ عَلَى البُلدَانِ، فَكَذَلِكَ قُضَاتُهُ. وَقَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يُوَلِّي وَيَعْزِلُ، فَعَزَلَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ عَنْ وِلَايَتهِ في الشَّامِ وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: أَمِنْ جُبْنٍ عَزَلتنِي، أَوْ خِيَانَةٍ؟ قَالَ: مِنْ كُلٍّ

стр. 1827

لَا، وَلَكِنْ أَرَدْت رَجُلًا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ، وَعَزَلَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، وَوَلَّى أَبا عُبَيْدة. وَقَدْ كَانَ يُوَلِّي بَعْضَ الوُلَاةِ الحُكْمَ مَعَ الإِمَارةِ، فَوَلَّى أبَا مُوسَى البَصْرَةَ قَضَاءَهَا وَإِمْرَتهَا ثُمَّ كَانَ يَعْزِلُهُمْ هُوَ، وَمَنْ لَمْ يَعْزِلهُ، عَزَلَهُ عُثْمَانُ بَعْدَهُ إلَّا القَلِيلَ مِنْهُمْ، فَعَزْلُ القَاضِي أَوْلَى. وَيُفَارِقُ عَزْلَهُ بِمَوْتِ مَنْ وَلَّاهُ أَوْ عَزله (أو خلعه)، لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَهَا هُنَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، لِأنَّهُ لَا يَعْزِلُ قَاضِيًا حَتَّى يُوَلِّيَ آخَرَ مَكَانَهُ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَزِلُ الوَالِي بِمَوْتِ الإِمَامِ، وَينْعَزِلُ بِعَزْلِهِ. رابعًا: إنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ القَاضِي، بِفِسْقٍ، أَوْ زَوَالِ عَقْلٍ، أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنْ القَضَاءِ، أَوْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ شُرُوطِهِ، فَإنَّهُ يَنْعَزِلُ بذَلِكَ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الإمَامِ عَزلُهُ (١). قال ابن فرحون: "وعلى القاضي إذا أقر بأنه حكم بالجور، أو ثبت ذلك عليه بالبينة، العقوبة الموجعة ويعزل ويشهر ويفضح ولا يجوز ولايته أبدا، لما أجرم في حكم الله تعالى ويكتب أمره في كتاب حتى لا ينسى أمره على مرّ الزمان" (٢).

стр. 1828

الدعوى تمهيد: إن الدعوى هي الوسيلة الأساسية للوصول إلى الحق المتنازع فيه أو المعتدى عليه، وهي الوسيلة الأساسية للدفاع عن النفس، وحفظ الأموال، وحماية الأعراض من الاعتداء، ومن الأخطار المتوقعة، والإِسلام قد أقر حق التملك للإنسان، ثم بين له الطريق للوصول إلى حقه عن طريق رفع الدعوى إلى القضاء. تعريف الدعوى لغةً واصطلاحا: الدعوى لغة: الطلب، يقال: ادعى الشيء إذا طلبه لنفسه وزعمه له (١). وجَمْعُ الدّعْوَى دَعاوِي بكسْرِ الواوِ وفتْحها (٢). قال في المطلع (٣): الدعوى: هي طلب الشيء زاعما ملكه. وسميت دعوى؛ لأن المدعي يدعو صاحبه إلى مجلس الحكم ليخرج من دعواه (٤). وأما في الاصطلاح: فهي قول مقبول عند القاضي يقصد به طلب حق قبل غيره، أو دفع الخصم عن حق نفسه (٥). الحكم التكليفي للدعوى: لما كانت الدعوى في حقيقتها إخبارًا يقصد به طلب حق أمام القضاء، وهي

стр. 1829

تحتمل الصدق والكذب، فقد تكون محرمة إذا كانت دعوى كاذبة، وكان المدعي يعلم ذلك، أو يغلب ذلك على ظنه، أما إذا كان يعلم أنه محق في دعواه أو يغلب على ظنه، فهو تصرف مباح؛ لأن رفع الدعوى هي الوسيلة لوصول الإنسان إلى حقه عند الإنكار والتجاحد وعند الاعتداء والظلم قد تدخل في مقدمة الواجب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١). مشروعية الدعوى: جاءت مشروعية الدعوى في السنة والإجماع: أما السنة فقد روى مسلم بسنده عن عَلقَمَةَ بن وَائِلٍ عن أبيه قال جاء رَجُلٌ من حضرموت، وَرَجُلٌ من كِنْدَةَ إلى النبي ﷺ يختصمان في أرض، فقال الحضْرَمِيُّ: يا رَسُولَ الله إِنَّ هذا قد غَلَبَنِي على أَرْضٍ لي كانت لِأَبِي، فقال الكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي في يَدِي أَزْرَعُهَا ليس له فيها حَقٌّ، فقال رسول الله ﷺ لِلحَضْرَمِيِّ: "أَلَكَ بَيِّنَهٌ" قال: لا قال: "فَلَكَ يَمِينُهُ" قال: يا رَسُولَ الله إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي على ما حَلَفَ عليه وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ من شَيْءٍ، فقال: "ليس لك منه إلا ذلك" فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فقال رسول الله ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ: "أَمَا لَئِنْ حَلَفَ على مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلمًا لَيَلقَيَنَّ الله وهو عنه مُعْرِضٌ" (٢). وروى البخاري ومسلمٌ واللفظ للبخاري عن الأشعث بن قيس ﵁ قال: كانت بَيْني وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ في بِئْرٍ فَاخْتَصَمْنَا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ" قلت: إنه إِذًا يَحْلِفُ، ولا يُبَالِي، فقال رسول

стр. 1830

الله ﷺ : "من حَلَفَ على يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بها مَالًا هو فيها فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضْبَانُ" فَأَنْزَلَ الله تَصدِيقَ ذلكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). (٢). فالحديثان صريحان في رفع الدعوى إلى القضاء بين يدي رسول الله ﷺ في النزاع والخصومة التي وقعت بين الحضرمي والكندي، وبين الأشعث بن قيس وبين رجل آخر، وسمع رسول الله ﷺ الدعوى والإجابة، ونظر فيها، ثم طلب الإثبات من المدعي، ثم اليمين من المدعى عليه؛ حيث لم يكن لدى المدعي بينة، وفعل رسول الله ﷺ -تشريع للمسلمين. وأما الإجماع: فقد جاء قول ابن المنذر: وأجمعوا على أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (٣). أركان الدعوى: يرى جمهور الفقهاء أن أركان الدعوى أربعة: وهي: المدعي، والمدعى عليه، والمدعى به، والصيغة؛ لأن الدعوى تتوقف على هذه الأمور الأربعة، فالمدعي والمدعى عليه هما طرفا الدعوى، والمدعى به هو الحق المتنازع عليه، أو المطالب به، ويسمى عند البينة: محل الإثبات، ويسمى في نهاية الدعوى: المحكوم به، ويشترط أن يكون مما يقره الشرع، والصيغة: هي الطلب المقدم إلى القاضي للنظر فيه، والحكم به، والمطالبة به من الخصم.

стр. 1831

ويرى الحنفية أن ركن الدعوى هو الصيغة والطلب فقط، أو هو القول وما يقوم مقامه، المرفوع إلى القاضي للنظر فيه، وللمطالبة بحق من الحقوق؛ لأن هذا الطلب هو الذي يكون به قوام الدعوى ويعدُّ جزءًا داخلًا فيها، أما المدعي، والمدعى عليه، فهي من مقومات الدعوى، أو هي أطراف الدعوى؛ لأنه لا يتصور وجود الدعوى إلا بها (١). التمييز بين المدعي والمدعى عليه: يقول رسول الله ﷺ : "البينة على المدعي، واليمينُ على من أنكر" (٢). وفي رواية: "قَضَى النبي ﷺ أَنَّ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه" (٣). فمن هو المدعي المكلف بالبينة؟ ومن هو المدعى عليه المكلف باليمين؟ إن المدعي والمدعى عليه هما طرفا الخصومة في الدعاوى، وقد تنقلب الدعوى فيكون المدعي مدعى عليه، وبما أنه يترتب على كل منهما واجبات والتزامات، فيجب التفريق بينهما، وتمييز المدعي من المدعى عليه. وإن التمييز بينهما من الأهمية بمكان؛ لأنه يسهّل على القاضي النظر في الدعوى، والسير فيها، وتكليف كل طرف الإثبات الذي يجب عليه شرعًا، بل إن

стр. 1832

التمييز بينها يحدد مسار الدعوى كلها من الأساس، لذلك اهتم الفقهاء كثيرًا في وضع الضوابط والمعايير لتمييز المدعي من المدعى عليه ومن أشهرها ما يلي: الأول: أن المدعي من إذا ترك الخصومة ترك، والمدعى عليه من إذا ترك الخصومة لم يترك (١). ويعتمد هذا التعريف على آثار الاعتراف بالحق، وأن صاحب الحق غير بين المطالبة بحقه، أو تأجيله، أو إسقاطه، أو إبراء المدعى عليه منه، أو إعفائه عنه، فإن اختار ترك الخصومة والدعوى والمطالبة، فله ذلك، ويترك وشأنه ولا يلاحقه القضاء، ولا يجبر على رفع الدعوى ومخاصمة الآخرين، أما إن اختار المطالبة بحقه، وسعى للحصول عليه، فإن المدعى عليه ملزم بالحضور لبيان رأيه، والجواب عن الدعوى، وبيان موقفه سلبًا أو إيجابًا، ويجبر على الحضور إلى المحكمة إن امتنع، ويجب عليه الاشتراك في الخصومة للتأكد من براءة ذمته أو شغلها، ومن ثم أداء الحق لصاحبه. الثاني: المدعي من يخالف قوله الظاهر والمدعى عليه، من يوافق قوله الظاهر (٢). وهذا المعيار مبني على ظواهر الأمور، ومجريات الحياة، وغالب الأحوال وهو أن من يضع يده على حق، أو يتصرف به، أو يتفق حاله مع قواعد الشرع،

стр. 1833

واستقرار الأوضاع، فإنه في الغالب والظاهر صاحب الحق، ويتفق قوله وفعله مع هذه الظواهر، حتى يثبت العكس. ومن يدعي خلاف ذلك، وينكر وجودها، ويثير الشبه نحوها فهو المدعي، ولذلك كان جَانبُ المدعي ضعيفًا؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر، ويكلف بالإثبات، وكان جانبُ المدعى عليه قويًا؛ لأنه يستند إلى الظاهر، ويتفق قوله مع الظاهر، ويكتفى منه باليمين. شروط الدعوى: تعريف الشرط: الشرط لغة: العلامة، واصطلاحًا: ما يتوقف عليه الشيء، ويكون خارجًا عن ماهيته (١). أهم شروط الدعوى (٢): يشترط في الدعوى شروطًا كثيرة لاعتبارها شرعًا, وللنظر فيها, ولإنتاجها الأثر المطلوب منها، وتنقسم هذه الشروط إلى شروط في المدعي، وشروط في المدعى عليه، وشروط في المدعى به، وشروط في الصيغة، وإجمالها كما يلي: ١ - الأهلية: والمراد بها أهلية الأداء، فيشترط في كل من المدعي والدعى عليه أن يكون أهلًا لرفع الدعوى، والجواب عنها، والقيام بإجراءاتها بأن يكون بالغًا عاقلًا، فلا تصح الدعوى من الصغير والمجنون، ولا تصح الدعوى عليهما؛

стр. 1834

لأن الدعوى تصرف شرعي يترتب عليه آثار ونتائج شرعية، فيشترط فيها ما يشترط في التصرفات الشرعية. لكن إذا كان غير أهل فيقوم عنه وليّه في رفع الدعوى، أو الجواب عنها. ٢ - الصفة: يشترط في كل من المدعي والمدعى عليه أن يكون له صفة في الدعوى، بأن يكون ذا شأن، وعلاقة، وارتباط في القضية التي أثيرت حولها الدعوى، وأن يعترف الشرع لكل منهما بهذه الصفة، بأن يخول المدعي حق الادعاء والمطالبة، ويكلف المدعى عليه بالجواب والمخاصمة، وذلك بأن يكون المدعي يطلب الحق لنفسه، أو يدعي الحق لغيره نيابة عنه، أو بالوكالة، وأن يكون المدعى عليه طرفًا في القضية وفي المدعى به، بحيث إذا أقر به يلزمه القاضي بالأداء والتنفيذ والالتزام بموجب إقراره، كالمدين في الدين، والمتهم في الجنايات، وواضع اليد في الأعيان، واحد الأطراف في العقد. ٣ - الحضور: اشترط الحنفية في الدعوى أن تكون على خصم حاضر، فلا تسمع الدعوى على غائب، ولا تقبل البينة والأدلة أثناء غياب المدعى عليه، ولا يصدر الحكم إلا بحضوره. وقال جمهور الفقهاء بجواز الدعوى على الغائب والقضاء عليه (١). ٤ - مشروعية المدعى به: يشترط في المدعى به أن يكون مشروعًا، أي يقره الشارع، أو أن يكون المدعى به جائزًا شرعًا، بأن يكون فيه مصلحة للمدير، وأن تكون هذه المصلحة محمية بالقضاء؛ لأن القضاء يرعى الأحكام التي أقرها الشرع لأصحابها ويحميها لهم، ويدافع عن الاعتداء عليها، وتسمى الأحكام ذات الاعتبار القضائي.

стр. 1835

أما إذا كان المدعى به لا يقره الشرع كالخمر، ومال الربا، والقمار، والآثار المترتبة على الفاسد والباطل فلا يحميه الشرع، ولا تقبل الدعوى به. وكذلك الأحكام التي يقرها الشرع، ولكن لا يلزم الناس بها, ولا يكلفهم أداءها وجوبًا، بل جعل جزاءها في الآخرة، فلا تقبل فيها الدعوى على آخر كالامتناع عن الإقراض، أو مساعدة الجار، أو الإحسان إلى الآخرين، أو قبول الوكالة، أو التبرع بمال، أو صلة ذوي القربى والأرحام، وإنما يُطالب بها الشخص ديانة، فيما بينه وبين الله تعالى. ٥ - المعلومية: يشترط في المدعى به أن يكون معلومًا، وذلك بتمييزه عن غيره، إما بالإشارة إليه كهذه السيارة، أو بيان حدوده كالعقار، أو تعيين أوصافه بالجنس والنوع والصفة والمقدار، وتختلف المعلومية بحسب المدعى به من عقار، أو منقول أو نقود، أو أعيان وذلك حتى يتحدد المدعى به في الدعوى، ويتم الادعاء والإجراءات والخصومة عليه، ومن ثم يحكم به القاضي، ويتم عليه تنفيذ الحكم؛ لأن فائدة الدعوى هي الحكم والإلزام، والحكم، والتنفيذ، ولا يتحقق ذلك في المجهول. ويستثنى من هذا الشرط عدة حالات تقبل فيها الدعوى مع جهالة المدعى به، أو عدم تقديره، كالدعوى بالإقرار، والوصية، وكذلك تجوز الدعوى مع جهالة المدعى به إذا كان يتوقف على تقدير القاضي كدعوى الإتلاف والضمان والنفقة وغيرها. ٦ - أن يكون المدعى به مما يحتمل الثبوت عقلًا أو عادة: فلا تقبل الدعوى بما يكذبه العقل أو العادة، كمن يدعي نسب شخص لا يُولد مثله لمثله، أو أن يدعي فقير على غني بأنه أقرضه مبلغًا كبيرًا من المال لا يُعهد له بمثله، أو يدعي رجل عادي على وجيه أنه استأجره لخدمة في بيته ولم يكمل عمله ومثله لا يخدم.

стр. 1836

٧ - مجلس القضاء: يشترط أن تكون الدعوى في مجلس القضاء، أي مكان جلوس القاضي عادة ولذلك ذكره كثير من الفقهاء في تعريف الدعوى؛ لأن الهدف من الدعوى إنهاء النزاع وإصدار الحكم من القاضي فيها لإلزام المحكوم عليه بالتنفيذ، وهذا لا يتحقق إلا إذا وقعت الدعوى أمام القاضي، وسمع أقوال الخصمين، وطلب منهم الأدلة والحجج ليصدر حكمه فيها، بخلاف الفتوى وبيان الرأي غير الملزم فإنها تصح في كل مكان. ٨ - الجزم: يشترط في صيغة الدعوى أن تكون بعبارة جازمة تدل على رغبة صاحبها في مدعاه وإضافته لنفسه بشكل جازم، أما إذا قال: أشك، أو أظن، فلا تسمع دعواه، أو أنه لفلان فلا تقبل الدعوى. ٩ - شروط في الصيغة: ذكر الفقهاء عدة شروط أخرى في صيغة الدعوى وهي: أن يذكر في الدعوى مطالبة خصمه بالحق، وأن يطلب من القاضي إحضار الخصم، وأن يطالبه بالجواب، وأن لا تكون متناقضة مع كلام سابق. واشترط الحنفية أن تكون الدعوى بلسان المدعي، فلا تصح الوكالة في رفع الدعوى إلا بموافقة المدعى عليه (١). أنواع الدعوى: تنقسم الدعاوى باعتبارات متعددة، أهمها:

стр. 1837

أولًا: أقسام الدعوى بحسب الشروط والأركان: تنقسم الدعوى بحسب توافر شروطها وأركانها، وعدمه، إلى ثلاثة أنواع، وهي: ١ - الدعوى الصحيحة: وهي الدعوى التي توافرت فيها جميع الأركان والشروط، ويترتب عليها وجوب قبولها من القاضي، ووجوب سماعها والنظر فيها والسير في إجراءاتها ووجوب إصدار الحكم بعد ذلك فيها. ٢ - الدعوى الباطلة: وهي الدعوى التي فقدت أحد أركانها، أو كانت متنافية مع الشروط الأساسية فيها، وهي الشروط التي لا يمكن تداركها أو تصحيحها، أو تصويبها، كالدعوى التي يكذبها العقل، أو تتعارض مع الأحكام الشرعية، أو لا يمكن الإلزام فيها، وهذه الدعوى يجب ردها وعدم سماعها أو النظر فيها، مثل دعوى المجنون، ومثل الدعوى في ثمن خمر أو مخدرات. ٣ - الدعوى الناقصة: وهي الدعوى التي استكملت أركانها, ولكن ينقصها شرط أو أكثر يمكن تداركه أو تصحيحه, وهذه الدعوة موقوفة حتى يصححها صاحبها، ويكمل شروطها, ولا ينظر فيها القاضي إلا بعد تمامها فإن تمت شروطها صارت صحيحة، وإلا ردت إن لم تكمل الشروط (١).

стр. 1838

ثانيًا: أقسام الدعوى بحسب موضوعها: تنقسم الدعوى بحسب موضوعها إلى قسمين أساسيين: ١ - دعوى التُهمة التي يكون محلها محرمًا، أو ممنوعًا، ويرتب الشارع على فاعله عقوبة في الدنيا، كالقتل، والسرقة، والرشوة، والظلم، والسب، ويختص هذا النوع بإجراءات التحقيق التي تسبق السير في الدعوى، ويمكن حبس المتهم، أو توقيفه ريثما تتم محاكمته والنظر في الدعوى، كما يمكن تعزيره بالضرب والحبس والتوقيف أثناء التحقيق إذا كان مشبوهًا، أو ممّن يقوم بمثل هذه الأفعال. وتختص دعوى التُهمة بمنهج خاص في الإجراءات وفي الإثبات، فإن الشريعة تلزم القاضي وأعوانه باحترام الكرامة الإنسانية، والحفاظ على حقوق المتهم، وتشدد في إثبات دعوى التُهمة غالبًا، فيشترط مثلًا أربعة رجال في الزنا، ورجلان في بقية الحدود والقصاص، بل إن من قواعد الشريعة أن الحدود تدرأ بالشبهات، وتكون نتيجة الدعوى توقيع العقوبة إن ثبت الفعل المحرم، أن البراءة أو الصلح وخاصة في الدماء والأمور المشتبهة. وقد صدر نظام الإجراءات الجزئية في المملكة العربية السعودية بتاريخ ٢٨/ ٧ / ١٤٢٢ هـ وهو يشتمل على مائتين وخمس وعشرين مادة تنظم الإجراءات المتبعة في تطبيق الجزاءات على المخالفين، وقد جاء في المادة الأولى منه أن تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإِسلامية وفقًا لما دل عليه الكتاب والسنة وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة وتتقيد في إجراءات تظهرها بما ورد في هذا النظام. ٢ - دعوى غير التهمة، وهي الدعوى التي يكون محلها مباحًا أو مشروعًا وجائزًا, ولكن حصل الاختلاف في هذا الفعل، أو في آثاره ونتائجه، أو أساء أحد

стр. 1839

الأطراف حقه في الاستعمال، أو تجاوز حدوده، كدعوى البيع، والشركة، والنكاح، والطلاق، وتكون نتيجة الدعوى رد الدعوى وبراءة المدعى عليه مما نسب إليه، أو الحكم بالدين، أو العين، أو الحق الشخصي للمدعي كالولاية والحضانة، أو الصلح (١). قال ابن القيم: "الدعاوى قسمان: دعوى تهمة ودعوى غير تهمة فدعوى التهمة أن يدعى فعل محرم على المطلوب يوجب عقوبته مثل قتل أو قطع طريق أو سرقة أو غير ذلك من العدوان الذي يتعذر إقامة البينة عليه في غالب الأحوال، وغير التهمة أن يدعي عقدًا من بيع أو قرض أو رهن أو ضمان أو غير ذلك" (٢). وتنقسم دعوى غير التهمة بحسب المدعى به إلى عدة أقسام: ١ - دعوى الدين: وهو ما ثبت في الذمة، كالدعوى بالثمن، أو القرض، أو الأجرة، أو أداء عمل، وكل ما يثبت في الذمة من المثليات التي يمكن ضبطها بالوصف، سواء أكان الدين بسبب عقد، أم إتلاف، أم نص شرعي كالنفقة. ٢ - دعوى العين: وهي الدعوى التي يكون محلها عينًا موجودة، تدرك بإحدى الحواس، سواء كانت العين منقولة كالسيارة، والأثاث، والكتب، أم كانت العين غير منقولة كما لعقارات من بساتين، وبيوت، وأراضٍ.

стр. 1840

٣ - دعوى الحقوق الشرعية: وهي التي يكون محلها حقًا شرعيًا مجردًا، دون أن يكون عينًا أو دينًا، كالنسب، والنكاح، والطلاق، والحضانة، والشفعة، وتظهر الفائدة من هذه التقسيمات في معرفة الخصم الذي ستوجه إليه الدعوى، في الدين والعين والحق، وفي كيفية العلم بكل نوع من هذه الأنواع، وفي معرفة القاضي أو المحكمة المختصة (١). إجراءات النظر في الدعوي (٢): إذا رفعت الدعوى إلى القاضي فيجب عليه أن ينظر فيها، ويبت في شأنها ويسير فيها على مراحل، ويتبع في ذلك إجراءات معينة، وهي: ١ - النظر في الدعوى عند تقديمها للتأكد من صحتها، وتوافر أركانها وشروطها، ومعرفة المدعي والمدعى عليه والمدعى به، ومدى اختصاص القاضي في النظر في هذه الدعوى ومحلها، فإن وجد الدعوى باطلة ردها، وإن كانت ناقصة طلب إكمالها، وإن وجدها صحيحة قرر متابعة السير فيها. ٢ - متى قرر القاضي السير في الدعوى فلا بد من إحضار الخصمين أو من يقوم مقامهما للسير في إجراءات الدعوى أمامهما، ليستمع أقوالهما، ويستجوب كلًا منهما، ويسمع جواب كل خصم في أقوال خصمه وطلباته، فإن كان المدعى

стр. 1841

عليه غائبًا من البلد، أو ممتنعًا عن الحضور، نظر القاضي في الدعوى، وقضى عليه عند الجمهور، واشترط الحنفية حضور الغائب. ٣ - الإثبات: إذا سمع القاضي أقوال الخصوم، وميز بين المدعي والمدعى عليه، فإما أن يقر المدعى عليه بالحق، فهنا يأمره القاضي بإبراء ذمته، وتنفيذ ما أقر به، وتسليم الحق للمدعي، وإن أنكر المدعى عليه طلب القاضي من المدعي الأدلة والبينات التي تثبت حقه، فإن فعل وتأكد القاضي من صحة الأدلة والبينات فقد ثبت الحق على المدعى عليه، وإن عجز المدعي عن البينة طلب القاضي -بناء على طلب المدعي- أداء اليمين من المدعى عليه، وإن طلب أحدهما مهلة لإحضار بينته أو لمراجعة حسابه أمهل فترة كافية لذلك. ٤ - الحكم: بعد الانتهاء من الإثبات الإيجابي أو السلبي من المدعي أو المدعى عليه، يصدر القاضي الحكم بالمدعى به للمدعي، أو يحكم ببراءة المدعى عليه، أو إنهاء الدعوى بصرف النظر وترك المدعى به في يد المدعى عليه، وتسمى الحالة الأخيرة: (قضاء ترك). ٥ - التنفيذ: بعد صدور الحكم من القاضي يلتزم المحكوم عليه بتنفيذه، فإن كان الحكم عقوبة فيقع عبء التنفيذ على الأجهزة المختصة في ذلك، وإن كان الحكم مدنيًا فالمحكوم عليه ينفذه اختيارًا، وإلا أجبر على ذلك بإجراءات خاصة في دائرة التنفيذ. التعجيل بالحكم: يتعلق بإجراءات النظر في الدعوى وجوب الحكم فيها لإنهاء النزاع والخلاف فيها، ورد الحق لأصحابه، ومنع المعتدي من عدوانه، وكف يده عن حق غيره، ويجب على القاضي التعجيل بإصدار الحكم بعد استكمال الإجراءات

стр. 1842

المطلوبة شرعًا؛ لأنه انتهى منها، وظهر له الحق، فيجب عليه الإسراع في الحكم على الفور، من دون تأخير أو مماطلة، وإلا كان القاضي آثمًا عند الله تعالى؛ لأنه يقر الظالم على ظلمه، ويمنع الحق عن صاحبه، وهذا الأمر أحد ميزات القضاء في الإِسلام، وخصائصه، أما التأجيل بدون سبب، والمماطلة الطويلة، فهذا يؤدي إلى بقاء الدعاوى الشهور والسنين دون إصدار الحكم، وكثيرًا ما يمل أصحاب الحقوق فيتركونها، ويفتح أمام الخصوم أبواب التحايل والرشوة والطرق الملتوية، فيصبح القضاء وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل، وهذا ما بينه القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). وقد كان رسول الله ﷺ يعجل الحكم بعد فهم القضية ووضوح الحق، فقضى بين الزبير والأنصاري فورًا في جلسة واحدة (٢)، وقضى بالصلح الفوري بين كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد، وطلب التنفيذ مباشرة (٣)، وفي قصة العسيف قال ﵊: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (٤) ولم يأمره أن يأتي بها، أو يحبسها، وبعث رسول الله ﷺ أبا موسى إلى

стр. 1843

اليمن قاضيًا وأميرًا، ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة قال: أنزل وإذا رجل عنده موثق قال: ما هذا قال: كان يهوديًا فأسلم ثم تهود، قال: اجلس قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل (١). وقال عمر ﵁ في كتابه إلى أبي موسى: "وأنفذ الحق إذا وضح فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له" (٢)، فأمر بالتنفيذ عند حصول الفهم للقضية وكل ذلك للتعجيل بإيصال الحق إلى صاحبه (٣). حالات تأجيل الحكم: ويستثنى مما سبق جواز تأجيل الحكم في ثلاث حالات، وهي: ١ - رجاء الصلح بين المتخاصمين، وخاصة بين الزوجين والأقارب وذوي الأرحام، أو عند خوف الفتنة، وفي الدماء رجاء العفو، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالا" (٤) وهو نص حديث رواه الترمذيُّ، وقال حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٥). وقال عمر ﵁ أيضًا: "ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء

стр. 1844

يُحدث بين القوم الضغائن" (١)، قال أبو عبيد: إنما يسعه الصلح في الأمور المشكلة، أما إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين وتبين له موضع الظالم فليس له أن يحملهما على الصلح (٢). ٢ - الإمهال لإحضار بينة غائبة أو دفع دعوى، كما جاء في كتاب عمر ﵁: "ومن ادعى حقًا غائبًا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه" (٣). ٣ - إذا اشتبه الأمر على القاضي، وأراد أن يبحث القضية بعمق، أو أن يستشير غيره فله تأخير الحكم ويجتهد في ذلك بحسب قدرته حتى يتبيّن حقيقة الأمر في تلك الدعوى أو تنتفي عنه الشبهة (٤)، وإنما جاز التأخير؛ لأن القاضي مأمور بفهم القضية قبل إصدار الحكم فيها وممنوع من المجازفة خصوصًا فيما لا نص فيه من الحوادث وهو ما أكده عمر بن الخطاب ﵁ في رسالته إلى أبي موسى الأشعري ﵁ حيث قال: "الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة" (٥)، والفهم هو بذل الجهد لإصابة الحق (٦). وقد صدر نظام المرافعات الشرعية في المملكة العربية السعودية بتاريخ ٢٠/ ٦ / ١٤٢١ هـ وهو يشتمل على مائة وإحدى وثلاثين مادة، وينظم سير الدعوى والإجراءات المتبعة عند الترافع مع القضاء وتتناول الأمور التنظيمية التي تساعد على توضيح وتيسير أعمال القضاء.

стр. 1845

طرق الإثبات الإثبات لغة: من ثبت الشيء يثبت ثبوتا: دام واستقر فهو ثابت. وثبت الأمر صح (١). والثبوت والثبات كلاهما مصدر ثبت إذا دام والمثبت بفتحتين بمعنى الحجة (٢). تقول لا أحكم بكذا إلا بثبت بفتح الباء أي: بحجة، فالإثبات إقامة الثبت وهو الحجة (٣). وأَثْبَتَه إِثْباتًا إِذا عرَفَهُ حقَّ المَعْرِفَةِ (٤). وفي الاصطلاح: يطلق على معنيين: الأول: معنى عام وهو إقامة الحجة مطلقًا سواء كان ذلك عند التنازع أو قبله حتى أطلقوه على توثيق الحق وتأكيده عند إنشاء الحقوق والديون وعلى كتابة المحاضر والسجلات عند كاتب العدل. الثاني: معنى خاص وهو إقامة الحجة أمام القضاء بالطرق التي حددتها الشريعة على حق أو واقعة تترتب عليه آثار شرعية (٥). اتجاهات الفقهاء في طرق الإثبات: للعلماء في طرق الإثبات اتجاهان:

стр. 1846

الأول: حصر طرق الإثبات في عدد معين يتقيد بها الخصوم فلا يقبل منهم غيرها، ويتقيد بها القاضي فلا يحكم إلا بناء عليها وهذا رأي الجمهور من العلماء. جاء في الدر المختار وحاشيته رد المحتار أن طرق القضاء سبعة: البينة، والإقرار، واليمين، والنكول عنه، والقسامة، وعلم القاضي، والسابع قرينة قاطعة كأن ظهر من دار خالية إنسان خائف بسكين متلوث بدم فدخلوها فورًا فرأوا مذبوحًا لحينه أخذ به إذ لا يمتري أحد أنه قاتله (١). الثاني: أنها غير محصورة في طرق معينة يتقيد بها القاضي أو الخصوم فكل ما يثبت الحق ويدل عليه فهو طريق للحكم على القاضي أن يحكم به. وهذا مذهب الأئمة ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)، وابن فرحون (٤)، والشوكاني (٥). قال ابن القيم: "فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له. وقد ذكر ستًا وعشرين طريقا" (٦).

стр. 1847

أنواع طرق الإثبات الطريق الأول: الشهادة . الشهادة لغة: الحضور، وهي اسم من المشاهدة: وهي الإطلاع على الشيء عيانًا، والمشهد: المحضر (١). وفي الاصطلاح: إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر (٢). مشروعية الإثبات بالشهادة: الإثبات، بالشهادة مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣)، ثم قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥). وأما السنة: فقد روى مسلم بسنده عن عَلْقَمَةَ بن وَائِلٍ عن أبيه قال جاء رَجُلٌ من حضرموت، وَرَجُلٌ من كِنْدَةَ إلى النبي ﷺ ، فقال الحْضْرَمِيُّ: يا رَسُولَ الله إِنَّ هذا قد غَلَبَني على أَرْضٍ لي كانت لِأَبِي، فقال الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي في يَدِي أَزْرَعُهَا ليس له فيها حَقٌّ، فقال رسول الله ﷺ لِلْحَضرَمِيِّ: "أَلكَ بَيِّنَةٌ" قال: لا،

стр. 1848

قال: "فَلَكَ يَمِينُهُ" الحديث (١). وروى البخاري ومسلمٌ واللفظ للبخاري عن الأشعث بن قيس ﵁ قال: كانت بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ في بئْرٍ فَاخْتَصَمْنَا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ" الحديثَ (٢). فالحديثان صريحان في مشروعية الشهادة وأنها طريق من طرق الإثبات. وقد أجمع العلماء على مشروعية إثبات الحقوق بالشهادة (٣). قال ابن قدامة: "ولأن الحاجة داعية إلى الشهادة لحصول التجاحد بين الناس فوجب الرجوع إليها، قال شريح: القضاء جمر فنحه عنك بعودين يعني الشاهدين وإنما الخصم داء والشهود شفاء فأفرغ الشفاء على الداء" (٤). أركان الشهادة أركان الشهادة عند الجمهور خمسة: الشاهد، والمشهود له، والمشهود عليه، والمشهود به، والصيغة (٥). وعند الحنفية ركن واحد وهو الصيغة وهو اللفظ الخاص بها لفظ: "أشهد" (٦).

стр. 1849

شروط الشهادة: الشرط الأول: أن يكون الشاهد مسلمًا فلا تقبل شهادة الكافر عند الجمهور لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١). والكافر لا نرضاه. وقال الحنابلة والظاهرية: "تقبل شهادة الكافر في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيره وحضر الموصي الموتُ وقال الحنفية: تقبل شهادة الذمي على الذمي" (٢). الشرط الثاني: أن يكون الشاهد عاقلًا وقت التحمل فلا يصح التحمل من المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن تحمل الشهادة عبارة عن فهم الحادثة وضبطها ولا يحصل ذلك إلا بآلة الفهم والضبط وهي العقل (٣). قال ابن قدامة: "لا تقبل شهادة من ليس بعاقل إجماعًا" (٤). الشرط الثالث: أن يكون الشاهد بالغًا فلا تقبل شهادة الصبي المميز قبل البلوغ عند الجمهور، وعند المالكية والحنابلة في رواية أن شهادة الصبي المميز تقبل على مثله في الجراح قبل الافتراق عن الحالة التي تجارحوا عليها، فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم (٥). الشرط الرابع: أن يكون الشاهد حرًا فلا تقبل شهادة العبد عند الجمهور

стр. 1850

وعند الحنابلة تقبل شهادته في غير الحدود (١). الشرط الخامس: اليقظة والسلامة من الغفلة فلا تقبل شهادة مغفل (٢). الشرط السادس: أن يكون الشاهد عدلًا وهذا مما لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). قال ابن رشد: "أما العدالة فإن المسلمين اتفقوا على اشتراطها في قبول شهادة الشاهد؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٤)، ولقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥) " (٦). فلا تقبل شهادة الفاسق وشهادة مستور الحال. وقد حدد عمر بن الخطاب العدالة المطلوبة الاعتبار في الشهادة من معرفة حال الشاهد من التعامل معه ومعاشرته وعدم الاكتفاء بظاهره فروى البيهقي بسنده عن خرشة بن الحر قال: شهد رجل عند عمر بن الخطاب ﵁ بشهادة فقال له: لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، أئت بمن يعرفك فقال رجل من القوم: أنا أعرفه، قال: بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل فقال: فهو جارك الأدنى الذي تعرفه ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فمعاملك بالدينار والدرهم اللذين بهما يستدل على الورع؟ قال: لا، قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم

стр. 1851

الأخلاق؟ قال: لا، قال: لست تعرفه، ثم قال للرجل: أثبت بمن يعرفك (١). الشرط السابع: أن يكون الشاهد بصيرًا وقت التحمل عند الحنفية وقال المالكية والحنابلة تجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت (٢). الشرط الثامن: أن يكون الشاهد ناطقًا فلا تقبل شهادة الأخرس عند الجمهور وعند المالكية تقبل شهادة الأخرس ويؤديها بالإشارة المفهمة والكتابة. وسبب الخلاف أن الجمهور يشترطون لفظ: أشهد في الشهادة والأخرس لا يستطيع أن ينطق بها إلا إذا كان له إشارة مفهومة أو كان يكتب وكتب شهادته (٣). قال ابن عبد البر: وإذا فهمت شهادة الأخرس جازت شهادته (٤). الشرط التاسع: أن لا يكون محدودًا في قذف لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). واختلف العلماء في قبول شهادته بعد التوبة فقال الحنفية لا تقبل شهادته بعد التوبة وعند الجمهور تقبل شهادته بعد التوبة (٦).

стр. 1852

قال مهنا: قال أحمد: تجوز شهادة الحدود في القذف إذا عرفت توبته. الشرط العاشر: أن تكون الشهادة عن علم ويقين فلا تقبل إذا كان يصحبها الظن والتخمين قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١). الشرط الحادي عشر: أن يسبق الشهادة إنكار؛ لأن البينة لا تقام على مقر، فإذا أنكر المدعى عليه طلب القاضي من المدعي الشهادة. الشرط الثاني عشر: أن تكون بلفظ خاص وهو لفظ الشهادة وما اشتق منها كشهدت أو أشهد ونحو ذلك (٢). قال ابن قدامة: "ويعتبر لفظ الشهادة في أدائها، فيقول: أشهد أنه أقر بكذا ونحوه، ولو قال: أعلم، أو أحق أو أتيقن، أو أعرف لم يعتد به؛ لأن الشهادة مصدر شهد يشهد شهادة، فلا بد من الإتيان بفعلها المشتق منها, ولأن فيها معنى لا يحصل في غيرها من الألفاظ؛ بدليل أنها تستعمل في اليمين فيقال: أشهد بالله، ولهذا تستعمل في اللعان، ولا يحصل ذلك من غيرها، وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا" (٣). حكم تحمل الشهادة وأدائها: تحمل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٥) وقال تعالى:

стр. 1853

﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١) وإنما خص القلب بالإثم؛ لأنه موضع العلم بها؛ ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات، فإن دعي إلى تحمل شهادة في نكاح أو دين أو غيره لزمته الإجابة، وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك، فإن قام بالفرض في التحمل أو الأداء اثنان سقط عن الجميع وإن امتنع الكل أثموا وإنما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر وكانت شهادته تنفع فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء أو كان ممّن لا تقبل شهادته أو يحتاج إلى التبذل في التزكية ونحوها لم يلزمه لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٢). وقد يكون تحملها وأداؤها فرض عين إذا لم يوجد هناك غير ذلك العدد من الشهود الذي يحصل به الحكم وخيف ضياع الحق (٣). نصاب الشهادة: يختلف نصاب الشهادة وفقًا للموضوع المطلوب الشهادة فيه وذلك كما يأتي: أولًا: ما يثبت بأربعة شهود وهو الزنا . فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن نصاب الشهادة على الزنا أربعة رجال عدول مسلمين فلا يقبل أقل من أربعة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا

стр. 1854

وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٢). (٣). ثانيًا: ما يثبت بثلاثة شهود . قال ابن قدامة: "لو ادعى الفقر من عرف بالغنى لم يقبل قوله إلا ببينة تشهد بأن ماله تلف أو نفد لما روى مسلم بسنده عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ ، أسأله فيها فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها" قال: ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش"، أو قال: "سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه لقد أصابت فلانًا فاقةً فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش" أو قال: "سدادًا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا" (٤). وهل يعتبر في البينة على الفقر ثلاثة أو يكتفى باثنين؟ فيه وجهان أحدهما: لا يكفي إلا ثلاثة لظاهر الخبر. والثاني يقبل قول اثنين؛ لأن قولهما يقبل في الفقر بالنسبة إلى حقوق الآدميين المبنية على الشح والضيق ففي حق الله تعالى أولى، والخبر إنما ورد في حل المسألة فيقتصر عليه" (٥).

стр. 1855

ثالثا: ما يقبل فيه شاهدان . وهو ما سوى الزنى من الحدود والقصاص، كالقطع في السرقة وحد الحرابة، والجلد في الخمر وهذا باتفاق الفقهاء. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن ما يطلع عليه الرجال غالبا مما ليس بمال ولا يقصد منه مال كالنكاح والطلاق والرجعة والإيلاء والظهار ونحو ذلك فإنه أيضًا يثبت بشهادة شاهدين لا امرأة فيهما (١). ودليلهم في ذلك: أن الله تعالى نص على شهادة الرجلين في الطلاق والرجعة والوصية أما الطلاق والرجعة فقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وأما الوصية فقوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). وقيس عليها ما شاركها في الشرط. وقال الحنفية: "ما يقبل فيه شاهدان أو شاهد وامرأتان هو ما سوى الحدود والقصاص سواء أكان الحق مالًا أم غير مال كالنكاح والطلاق والعتاق والوكالة والوصاية" (٤). ودليلهم: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥).

стр. 1856

وقصر الجمهور قبول شهادة الرجل والمرأتين على ما هو مال أو بمعنى المال، كالبيع والإقالة، والحوالة والضمان ونحو ذلك (١). قال ابن المنذر: "وأجمعوا على شهادة النساء جائزة مع الرجال في الدين والأموال وأجمعوا على أن شهادتهن لا تقبل في الحدود" (٢). والحكمة في عدم قبول شهادة النساء في جرائم الحدود والقصاص: أن ذلك من باب توزيع الاختصاصات حيث تختص المرأة بشؤون البيت ورعاية الأولاد، ولأن هذه الجرائم غالبًا ما تقع في جو من الرعب والفزع أو في جو قذر مخز لا تتمكن المرأة فيه غالبًا من الاستعداد لتحمل الشهادة، ولأنها بطبعها أكثر تأثرًا بالعاطفة لرقتها مما يؤثر في ضبط الشهادة وأدائها وهذه الجرائم يحتاط فيها حيث تدرأ بالشبهات. كما أن جنس الرجال أقدر على تحمل الأذى من المشهود عليه بعد أداء الشهادة وأقدر على دفع الظلم عند مضارة المشهود عليه للشهود (٣). والحكمة من جعل شهادتها على النصف من شهادة الرجال: أن جنس النساء أكثر نسيانًا للقضايا التي تحصل فيها منازعات الناس غالبًا (٤). رابعا: شهادة النساء . وهي أن يؤدي الشهادة أمام القاضي نساء ليس معهن رجل. قال ابن قدامة: "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في قبول شهادة النساء المنفردات في الجملة".

стр. 1857

والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات أشياء منها: الولادة، والاستهلال والرضاع والعيوب تحت الثياب، والبكارة، والثيابة والبرص وانقضاء العدة. وقال: وتقبل فيما ذكرنا شهادة المرأة الواحدة، وعن أحمد رواية ثانية لا تقبل فيه إلا شهادة امرأتين (١). وقال الماوردي: "اختلف الفقهاء في عدد النساء فيما يشهدن فيه منفردات على أربعة مذاهب. أحدها: وهو مذهب الشافعي وعطاء أنه لا يقبل منهن أقل من أربع. والثاني: وهو مذهب الحسن البصري وعثمان البتي أنه يقبل منهن ثلاث. والثالث: وهو مذهب مالك أنه يقبل فيه امرأتان. والرابع: وهو مذهب الأوزاعي أنه يقبل فيه شهادة الواحدة" (٢). خامسًا: الشاهد واليمين . وهو أن يؤدي الشهادة أمام القاضي شاهد واحد، ويتعذر على المدعي إقامة شاهد ثان لتكميل النصاب الشرعي في الشهادة فيكلفه القاضي بأن يحلف على حقه، وتقوم هذه اليمين مقام الشاهد الآخر فتكمل الشهادة الشرعية، ويحكم القاضي بذلك. لما روى مسلم بسنده عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قضى بيمين وشاهد (٣).

стр. 1858

وروى الدارقطني بسنده عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق. وقضى به علي بالعراق (١). وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم قضوا باليمين مع الشاهد، ولم يرو عن أحد منهم أنه كره ذلك، كما روي عن جماعة من التابعين منهم الفقهاء السبعة (٢). وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وذلك في المال وما يؤول إلى المال (٣). وأنكر الحنفية القضاء بالشاهد واليمين وقالوا: لا بد من شاهد آخر وإلا حلف المدعى عليه؛ لأنه لم يرد في القرآن، ولأن اليمين إنما جعلت للنفي لا للإثبات (٤). والراجح: هو قول الجمهور لما استندوا إليه. الطريق الثاني: الإقرار . الإقرار سيد الأدلة إذ هو حاسم في فصل النزاع أمام القاضي فهو حجة في الإثبات وبه تظهر سائر الحقوق؛ لأن المدعى عليه إذا أقر يقطع النزاع ويعفي المدعي عن عبء الإثبات لعدم الحاجة إليه لذا اعتبرته الشريعة وسيلة من وسائل الإثبات شأنه في ذلك شأن البينة بل هو أقوى منها فالإنسان قد يتهم في حق غيره ما لا يتهم في حق نفسه؛ لأن العاقل لا يكذب على نفسه.

стр. 1859

تعريفه لغة واصطلاحًا: أما في اللغة: فالإِقْرارُ الاعتراف حيث يثبت الإنسان به على نفسه الحق، يقال: أقر بالحق أي اعترف به (١). وأما في الاصطلاح: فقد عرفه الحنفية بأنه إخْبَارٌ عن ثُبُوتِ حَقِّ الْغَيْرِ على نَفْسِهِ (٢). وعرفه المالكية بأنه خَبَرٌ يُوجِبُ حُكْمَ صِدْقِهِ على قَائِلِهِ فَقَطْ بلَفْظِهِ أو بلَفْظِ نَائِبِهِ (٣). وعرفه الشافعية بأنه إخبار عن حق ثابت على المخبر (٤). وعرفه الحنابلة بأنه إظهار المكلف الرشيد المختار ما عليه لفظًا أو كتابة أو إشارة أو على موكله أو موروثه أو موليه بما يمكن صدقه فيه (٥). وهذه التعاريف متقاربة المعاني. مشروعية الإقرار: الإقرار مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٦).

стр. 1860

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١). ومن السنة: ما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنهما قالا: إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي فقال رسول الله ﷺ : "قل" قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت، فارجمها" قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (٢). وما رواه البخاري ومسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، وهو في المسجد، فناداه فقال يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي ﷺ ، فقال: "أبك جنون؟ " قال: لا، قال: "فهل أحصنت؟ " قال: نعم، فقال النبي ﷺ : "اذهبوا به فارجموه" (٣).
следующие страницы →