← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأيضًا حديث مالك بن الحويرث ﵁ أن النبي ﷺ قال له: " ... فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" (١) فقد علق الأمر بالأذان بحضور الصلاة، وحضورها لا يكون إلا بعد دخول وقتها. حكم الأذان لصلاة الصبح قبل وقتها: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على خمسة أقوال: القول الأول: وهو قول الجمهور من المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) وأبي يوسف من الحنفية (٥)، أنه يشرع مطلقًا. القول الثاني: أنه لا يشرع مطلقًا، وهو قول لبعض الحنفية (٦) ورواية عند الحنابلة (٧). القول الثالث: أنه يشرع في رمضان دون غيره، وهو قول ابن القطان من الشافعية (٨). القول الرابع: أنه يشرع في غير رمضان ويكره في رمضان، وهو رواية عند الحنابلة وهي المذهب (٩).

стр. 177

القول الخامس: أنه لا يشرع إلا إذا كان للمسجد مؤذنان يؤذن أحدهما قبل الوقت والآخر عند دخوله، وهو قول ابن المنذر (١) وطائفة من أهل الحديث. والراجح من هذه الأقوال الخمسة ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، دليل هذا القول: ما رواه البخاري ومسلمٌ من حديث عائشة وابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" (٢). الشرط الثاني: كون الأذان مرتبًا: المقصود بالترتيب هنا أن يأتي المؤذن بألفاظ الأذان وفق النصوص الشرعية التي جاءت ببيان صفة الأذان دون تقديم أو تأخير لكلمة أو جملة على الأخرى. وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط: ١ - فالجمهور (٣) على أن الأذان لا يصح إلا مرتبًا، فمتى أخل المؤذن بالترتيب فإنه يستأنف الأذان من أوله؛ لأن ترك الترتيب يخل بالإعلام المقصود. ٢ - وذهب الشافعية (٤) وبعض المالكية (٥) إلى أنه إن أخطأ فقدم -مثلًا- الشهادة بالرسالة على الشهادة بالتوحيد فإنه يعيد الشهادة بالتوحيد ثم يأتي بالشهادة بالرسالة وأن الاستئناف أولى.

стр. 178

٣ - أما الحنفية (١) فالمذهب عندهم أن الترتيب سنة وليس بواجب، فلو قدم جملة في الأذان على الأخرى كأن قدم "حي على الفلاح" على "حي على الصلاة" فإنه يسن في حقه إعادة ما قدم فقط ولا يستأنف الأذان. والصحيح من القولين: هو اشتراط الترتيب في الأذان والإقامة؛ لما يأتي: ١ - أن الأحاديث التي جاءت في بيان ألفاظ الأذان كلها جاءت مرتبة. ٢ - أن الأذان عبادة مشروعة على وجه مخصوص، فلا يغير. ٣ - مداومة مؤذني النبي ﷺ على ألفاظ الأذان والإقامة مرتبين، وكذلك من بعدهم، واستمرار عمل السلف الصالح والخلف على ذلك. الشرط الثالث: الموالاة في الأذان: تعريف الموالاة في الأذان: الموالاة: هي المتابعة بين ألفاظ الأذان بدون فصل بقول أو فعل. والموالاة شرط في صحة الأذان؛ فلا يكون الفصل بين ألفاظ الأذان طويلًا؛ وحدّ الطويل في ذلك هو العرف، فمتى حكم الناس بأن هذا فصل طويل فهنا يبطل الأذان. أما إذا كان الفصل يسيرًا فلا يبطل الأذان، ويبني على ما مضى، وهذا عند الحنفية (٢) والمالكية (٣) والحنابلة (٤).

стр. 179

أما الشافعية (١) فيسنّ استئناف الأذان في غير السكوت والكلام. وإذا قلنا بصحة الأذان إذا كان الفصل يسيرًا فليس معناه أنه يجوز الكلام اليسير بين ألفاظ الأذان، بل اتفق الفقهاء على كراهة الكلام اليسير إن كان بغير سبب أو ضرورة. أما إذا كان الفصل يسيرًا وتخلله كلام يسير فاحش كشتم وقذف وغناء ونحوه، فهنا يبطل الأذان ويجب الإعادة، وهو المذهب عند الحنابلة (٢). الشرط الرابع: النية: اختلف الفقهاء في اشتراط النية في الأذان: ١ - فالمالكية (٣) والحنابلة (٤) على اشتراط النية لصحة الأذان، فلو أن شخصًا أخذ في ذكر الله بالتكبير ثم بدا له عقب ما كبر أن يجعله بداية أذان، فإنه يبتدئ الأذان من أوله ولا يبني على ما قال. ٢ - ويرى الشافعية (٥) أن النية ليست شرطًا عندهم على الأرجح ولكنها مندوبة، إلا أنه يشترط عندهم عدم الصارف، فلو قصد تعليم غيره لم يعتدَّ به. ٣ - أما الحنفية (٦) فالنية عندهم ليست شرطًا لصحة الأذان وإن كانت شرطًا للثواب. والصحيح من هذه الأقوال هو اشتراط النية لصحة الأذان؛ لأن الأذان

стр. 180

عبادة والعبادة شرط لصحتها النية ولعموم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١) فالحديث يشمل الصحة وحصول الثواب. الشرط الخامس: كون الأذان باللغة العربية: ١ - يشترط للأذان أن يكون بلغة العرب. وبهذا قال الحنفية (٢) والحنابلة (٣)، فلا يصح الإتيان به بأي لغة أخرى. ٢ - وذهب الشافعية (٤) إلى أنه إن كان يؤذن لجماعة وفيهم من يحسن العربية لم يجز الأذان بغيرها، أما إن كان هناك من لا يجيد اللغة العربية ولا يحسنها فإنه يجزئ بلغتهم. والصحيح: أنه لا يجزئ الأذان بغير اللغة العربية؛ لأن الأذان إنما ورد بلغة العرب، وقياسًا على أذكار الصلاة: فكما أنها لا تصح بغير العربية فكذلك الأذان والإقامة لا يصحان إلا باللغة العربية. الشرط السادس: رفع الصوت بالأذان: ١ - أوجب الفقهاء من الشافعية (٥) والحنابلة (٦) رفع الصوت بالأذان؛ ليحصل السماع المقصود بالأذان، وهو رأي عند الحنفية (٧)، هذا إذا كان الغرض

стр. 181

إعلام غير الحاضرين بصلاة الجماعة. أما من يؤذن لنفسه أو الحاضر معه فلا يشترط رفع الصوت به لكن يرفع صوته بقدر ما يسمع نفسه أو يسمعه الحاضر معه. ٢ - أما المالكية (١) فيرون أن رفع الصوت سنة وليس بشرط، وهذا هو الراجح في مذهب الحنفية (٢) والوجه الثاني عند الشافعية (٣). والراجح: هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة؛ لأن المقصود من الأذان هو الإعلام ولا يحصل إلا برفع الصوت فكان رفع الصوت شرطًا في صحته. سابعًا: الشروط المعتبرة في المؤذن: يشترط في المؤذن ما يأتي: الشرط الأول: كونه مسلمًا: فلا يصح أذان الكافر؛ لأنه ليس من أهل العبادة، ولأنه لا يعتقد الصلاة التي يعتبر الأذان دعاء لها، وإتيانه بالأذان ضرب من الاستهزاء فلا يعتد بأذانه، وهذا باتفاق الفقهاء (٤). الشرط الثاني: كونه ذكرًا: فلا يصح أذان المرأة؛ لأن رفع صوتها قد يوقع في الفتنة، ولا يعتد بأذانها لو أذنت. أما الحنفية (٥) فيقولون بأن الذكورية سنة وليست بشرط، وكرهوا أذان

стр. 182

المرأة، ولو أذنت المرأة عندهم أجزأ أذانها ولا يعاد، لحصول المقصود. الشرط الثالث: العقل: يشترط في المؤذن أن يكون عاقلًا، فلا يصح الأذان من مجنون وسكران؛ لأنهما ليسا من أهل العبادة، ويجب إعادة الأذان إذا وقع منهما. أما الحنفية (١) فقالوا بكراهة أذان غير العاقل، واستحب في ظاهر الرواية عندهم إعادة أذانه. والراجح: ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط العقل لصحة الأذان، فمتى أذن غير العاقل لم يصح أذانه ويجب إعادته. الشرط الرابع: البلوغ: الصبي غير المميز لا يجوز أذانه بالاتفاق؛ لأن ما يصدر منه لا يعتد به. أما الصبي المميز فقد وقع في أذانه خلاف بين الفقهاء: القول الأول: صحة أذان المميز، وهو المذهب عند الحنفية (٢) مع الكراهة في ظاهر الرواية عندهم، وقول عند المالكية (٣) والصحيح في مذهب الشافعية (٤) والحنابلة (٥). القول الثاني: أنه لا يصح أذان المميز، وهو المذهب عند المالكية (٦) ووجه

стр. 183

عند الشافعية (١) ورواية عند الحنابلة (٢). والصحيح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول -أعني القائلين بصحة أذان المميز ما دام أنه يؤذن في الوقت- فمتى أذن فإنه يكتفى بأذانه؛ لأن به يحصل الإعلام بدخول الوقت. الشرط الخامس: العدالة: اتفق الفقهاء على اشتراط العدالة في المؤذن، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن" (٣). وعرف الفقهاء العدالة بأنها هي: أن يجتنب الذنوب الكبائر ويتحفظ عن الصغائر ويحافظ على مروءته، فمتى فقدت هذه الأمور من المؤذن فلا يعتد بأذانه. حكم أذان الفاسق: ذكرنا فيما سبق اشتراط العدالة في المؤذن، لكنهم اختلفوا في صحة أذان الفاسق على قولين: القول الأول: أنه يصح أذانه، وهذا هو المذهب عند الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) ورواية عند الحنابلة (٧).

стр. 184

القول الثاني: أنه لا يصح أذانه، وهو المذهب عند الحنابلة (١). والصحيح من القولين هو صحة أذان الفاسق إذا لم يكن هو المعتمد عليه في دخول الوقت، لكن ينبغي أن لا يتخذ الناس فاسقًا يؤذن لهم؛ لعموم قوله ﷺ : "أمناء المسلمين على صلاتهم وسحورهم المؤذنون" (٢). ثامنًا: ذكر بعض الأمور المستحبة في المؤذن: يستحب في المؤذن ما يلي: ١ - أن يؤذن على طهارة: دليل ذلك قوله ﷺ : "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" أو قال: "على طهارة" (٣). قال الترمذيُّ ﵀: "واختلف أهل العلم في الأذان على غير وضوء؛ فكرهه بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي وإسحاق، ورخص في ذلك بعض أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمدُ" (٤). ٢ - أن يقف قائمًا عند أذانه: يستحب للمؤذن عند أذانه أن يقف قائمًا، فعن وائل بن حجر ﵁ قال:

стр. 185

"حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر ولا يؤذن إلا وهو قائم" (١). قال ابن المنذر ﵀: "أجمع أهل العلم على أن القيام في الأذان سنة" (٢). ٣ - أن يؤذن على مكان عالٍ: وذلك لأنه أبلغ في الإسماع وحصول المقصود الذي شرع من أجله الأذان، ولهذا وردت السنة كما في حديث عبد الله بن زيد ﵁ المتقدم حينما أذن الملك حيث قال: "فقام على المسجد فأذن" وفي رواية: "على حائط" (٣). وكذلك ما جاء في سنن أبي داود: عن امرأة من بني النجار قالت: "كان بيتي من أطول البيوت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللَّهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك" (٤). وأيضًا ما جاء عن ابن عمر ﵄: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان بلال وابن أم مكتوم الأعمى، فقال رسول الله ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" قال: ولم يكن بينهما إلا أن يؤذن هذا ويرقى هذا (٥).

стр. 186

وجه الدلالة في قوله: "ويرقى هذا": وهذا الحكم بلا شك معلق بعدم وجود التقنية الحديثة، فالعلة من الأذان في المكان العالي هي حصول الإسماع وهي حاصلة بهذه الاختراعات الحديثة، فلا حاجة إذًا للصعود إلى مكان عال لأداء الأذان عليه. ٤ - استقبال القبلة: يسن استقبال المؤذن للقبلة حال أذانه، وهو مذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) وهو الراجح عند المالكية (٤)؛ وذلك لأن مؤذني رسول الله ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة، فإن تركه أجزأه مع الكراهة. ٥ - أن يجعل إصبعيه في أذنيه: يستحب للمؤذن أن يجعل أصبعيه في أذنيه حال أذانه، فعن أبي جحيفة قال: "رأيت بلالًا يؤذن ويدور ويتبع فاه ها هنا وها هنا وإصبعاه في أذنيه" (٥). والفائدة في وضع الإصبعين -يعني السبابتين في- الأذنين: ١ - أنه أقوى للصوت.

стр. 187

٢ - ليراه الناس من مكان بعيد أو من لا يسمع فيعرف أنه يؤذن. ٦ - أن يلتفت المؤذن يمينًا وشمالًا في الحيعلتين: دليل ذلك حديث أبي جحيفة حيث قال: "أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح، قال: فخرج النبي ﷺ عليه حلة حمراء كأني انظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ وأذن بلال، قال: فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا، يقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة، حي على الفلاح ... " (١). والحكمة من الالتفات يمينًا وشمالًا إبلاغ المدعوين من على اليمين والشمال، وبناء على ذلك هل يلتفت المؤذن إن أذن بمكبرات الصوت؟ قال الشيخ ابن العثيمين: "لا يلتفت من أذن بمكبرات الصوت؛ لأن الإسماع يكون من السماعات التي في المنارة، ولو التفت لضعف الصوت؛ لأنه ينحرف عن الأخذة" (٢). وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في هذه المسألة: ١ - فبعضهم قال بأن الالتفات في الأذان في الحيعلتين سنة مطلقًا، وهذا الصحيح عند الحنفية، حيث إنهم قالوا بالالتفات في الحيعلتين في الأذان ولو في حق المنفرد أو في من يؤذن لمولود، وعلى هذا يسن عندهم الالتفات عبر مكبر الصوت. ٢ - وبعض العلماء قالوا بأن الالتفات لعلة، والحكم يدور مع علته وجودًا

стр. 188

وعدمًا، والعلة منتفية إذا أذن عبر مكبر الصوت؛ لأن صوته يتوزع في جميع الجهات عبر مكبر الصوت. تاسعًا: ذكر بعض المسائل المتعلقة بالأذان والإقامة من جمع أو قضى فوائت فإنه يؤذن مرة واحدة ويقيم لكل صلاة: دليل ذلك حديث جابر ﵁: "أن النبي ﷺ أذن في عرفة ثم أقام فصلى الظهر والعصر، وكذلك في مزدلفة حيث أذن وأقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء" (١). حكم الاستماع للأذان وإجابة المؤذن: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يجب الاستماع للأذان وإجابة المؤذن، وهذا هو مذهب الحنفية (٢) وأهل الظاهر (٣)، وابن رجب كما ذكر ذلك في فتح الباري (٤). القول الثاني: أنه يستحب الاستماع للأذان وإجابة المؤذن، وهو رأي لبعض الحنفية (٥) والمشهور عند المالكية (٦) ومذهب الشافعية (٧) والحنابلة (٨)، وبه قال

стр. 189

الشيخ ابن العثيمين (١) الأدلة: ١ - احتج أصحاب القول الأول بما رواه البخاري ومسلمٌ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" (٢). وجه الدلالة: أنه ﷺ أمر بإجابة النداء، والأمر للوجوب ولا قرينة تصرفه إلى الاستحباب. ٢ - واحتج الجمهور بما يأتي: أولًا: ما رواه مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : "على الفطرة"، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "خرجت من النار" (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما سمع المؤذن لم يقل مثل ما قال، فدل على أن الأمر ليس للإيجاب بل للاستحباب. ثانيًا: ما رواه مالك في موطئه عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: "إنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وأذن المؤذنون قال ثعلبة: جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر

стр. 190

يخطب أنصتنا فلم يتكلم أحد" (١). الراجح: نرى أن الصحيح هو قول الجمهور؛ لما أوردوه من أدلة، وإذا قلنا باستحباب الاستماع للمؤذن وإجابة النداء كما هو عليه جمهور الفقهاء، فإننا ننبه على أنه ينبغي للمسلم أن يحرص على الاستماع للأذان وإجابته؛ لما يترتب على ذلك من الأجر العظيم الذي يحصل في وقت قليل وبأسهل ما يمكن من غير كلفة على المسلم. قال الشيخ ابن العثيمين: "وفي متابعة المؤذن دليل على رحمة الله وسعة فضله؛ لأن المؤذنين لما نالوا من أجر الأذان شرع لغير المؤذن أن يتابعه لينال أجرًا كما نال المؤذن أجرًا" (٢). الحالات التي تستثنى فيها متابعة المؤذن: استثنى العلماء من ذلك حالتين هما: حالة قضاء الحاجة؛ وذلك لأن المقام ليس مقام ذكر. والمصلي؛ لقول النبي ﷺ : "إن في الصلاة شغلًا" (٣)، فهو مشغول بأذكار الصلاة. والمختار عند شيخ الإسلام ابن تيمية أن المصلي يتابع المؤذن؛ لعموم قوله

стр. 191

- ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" (١)، ولأنه ذكر وجد سببه في الصلاة فكان مشروعًا، كما لو عطس المصلي فإنه يحمد الله كما جاء في السنة (٢). والراجح: أن المصلي لا يتابع المؤذن وكذا قاضي الحاجة، وهذا هو اختيار الشيخ ابن العثيمين (٣). لكن هل يقضيان أم لا؟ المشهور عند الحنابلة أنهما يقضيان؛ لأن السبب وجد حال وجود المانع، فإذا زال المانع ارتفع وقضى ما فاته. المشروع في حق المصلي أن يتابع المؤذن فيما يقوله إلا في الحيعلتين: فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي قول المؤذن: "الصلاة خير من النوم" يقول كما يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم؛ لعموم قوله ﷺ : "فقولوا مثل ما يقول" (٤). ولا تقول: صدقت وبررت؛ لضعف الحديث الوارد في ذلك. ما يقول المؤذن عند شدة المطر أو الريح أو البرد: يشرع للمؤذن عند ذلك أن يقول: "صلوا في رحالكم"؛ لما رواه البخاري ومسلمٌ عن ابن عمر ﵄ أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ثم قال: ألا صلوا في الرحال، إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر

стр. 192

يقول: "ألا صلوا في الرحال" (١). وقد اختلف الفقهاء في موضع قول المؤذن: "صلوا في الرحال" من الأذان: هل تقال في أثناء الأذان، أم بعد الفراغ منه؟ فقيل بأنها أثناء الأذان بعد الحيعلتين، وقيل بأنها تقال بعد الفراغ من الأذان. والصحيح: أن يقال بأن الأمر في هذا واسع، فقد ثبت هذا وهذا في السنة ولا منافاة بين الأحاديث الواردة في ذلك، فالكل صحيح -إن شاء الله-. إذا تنازع رجلان أو أكثر على الأذان ولم يكن للمسجد مؤذن راتب أو كان له مؤذنون وتنازعوا في أيهم يؤذن؟ الجواب: يقدم أفضلهم في الخصال المعتبرة في المؤذنين، فيقدم من كان أعلى صوتًا وأحسن، لقول النبي ﷺ لعبد الله بن زيد: "ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك" (٢) وكذا يقدم من كان صيتًا وأبلغ في معرفة الوقت وأشد محافظة عليه؛ لأنه مؤتمن. ويقدم أيضًا أفضلهم دينًا وعقلًا. فإذا تساوى المتنازعون فيما تقدم فللفقهاء فيهم قولان: القول الأول: وهو قول الجمهور (٣) أنه يقرع بينهم. القول الثاني: وهو المذهب عند الحنابلة (٤) أنه يقدم من يختاره الجيران، فإن

стр. 193

تعذر إجماع الجيران على اختيار مؤذن فإنه يؤخذ بقول الأكثر؛ لأنه قلّ أن تجد رجلًا يجمع عليه الناس. حكم أخذ العوض على الأذان والإقامة: أخذ العوض عن الأذان والإقامة لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون من بيت مال المسلمين وهو ما يسميه بعض الفقهاء بـ: "الرَزق" بفتح الراء. الحالة الثانية: أن يكون المال المأخوذ من المصلين وهو ما يسمى بالأجرة، ولبيان الحكم الشرعي في الحالتين نقول: الكلام على الحالة الأولى: اتفق الفقهاء على جواز أخذ الرَّزق من بيت المال على الأذان والإقامة ونحوهما مما يتعدى نفعه إلى غير فاعله. لكن الشافعية (١) والحنابلة (٢) قيدوا ذلك بعدم وجود المتبرع للأذان والإقامة. واستدل الفقهاء على ذلك بما يلي: ١ - أن ما يؤخذ من بيت المال ليس عوضًا وأجرة بل رَزق، وهو حق ثابت في بيت المال (٣). ٢ - أن بالمسلمين حاجة إلى الأذان والإقامة وقد لا يوجد متطوع بهما وإذا لم

стр. 194

يدفع الرزق فيهما تعطلتا (١). ٣ - أن بيت المال معد لمصالح المسلمين، فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجًا إليه كان من المصالح (٢). الكلام على الحالة الثانية: حكم أخذ الأجرة على الأذان والإقامة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على الأذان والإقامة، وبهذا قال أبو حنيفة (٣) وأصحابه، ورواية عند الحنابلة (٤) هي ظاهر المذهب، وبه قال الشوكاني (٥) وابن حزم (٦). واستدلوا لذلك بأدلة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٧)، وجه الدلالة: أن المؤذن خليفة رسول الله ﷺ في الدعاء، فينبغي أن يكون مثله في عدم أخذ الأجرة على الأعمال. ٢ - ومن السنة حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: "أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا

стр. 195

يأخذ على أذانه أجرًا" (١). القول الثاني: أنه يجوز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة. وهذا هو مذهب المالكية (٢) والصحيح عند الشافعية (٣) ورواية عند الحنابلة (٤). واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: حديث أبي محذورة ﵁ وتعليم النبي ﷺ الأذان له، وفيه: "ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة" (٥). وجه الدلالة ظاهرة في هذا الحديث على أخذ الأجرة. واحتجوا بأدلة عقلية منها: ١ - أن الأذان عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال (٦). ٢ - أن الأذان فعل يجوز التبرع به عن الغير، فلا يعتبر كونه قربة مانعًا من الإجارة، قياسًا على الحج عن الغير وبناء المساجد أو كتب المصاحف والسعاية على الزكاة. ٣ - أن في الأذان نفعًا يصل إلى المستأجر.

стр. 196

القول الثالث: أن أخذ الأجر لا يجوز إلا في حالة الحاجة من غير شرط، وبه قال متأخرو الحنفية (١) وهو قول عند الحنابلة (٢). والراجح من الأقوال هو جواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة في حالة الحاجة، فمتى دفع إليه ما يعينه على أداء الأذان كحاجته إليه فلا حرج عليه في ذلك؛ لأن الأذان يحبسه ويحتاج منه الأوقات. لكن من وسَّع الله عليه وأحب أن يعمل بدون شيء من بيت المال، فذلك أفضل وأكمل؛ لأنه حينئذ تكون قربته كاملة ليس فيها شيء من النقص، بل عمل عمله كاملًا من دون شائبة. أما من أخذ من بيت مال المسلمين فلا حرج عليه؛ لأن بيت المال للمسلمين عامة ولا سيما المصالح كالأذان والإقامة وأشباه ذلك. وهكذا الأوقاف التي توقف على المؤذنين والأئمة هذه كلها من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب تسهيل الأمور، وكون هناك راتب لمن يتفرغ لهذا الشيء أدعى إلى أن يلتزم ويقوم بهذا الأمر العظيم. أما حديث عثمان بن أبي العاص المتقدم في النهي عن أخذ الأجرة على الأذان، فمحمول على المشارطة بينه وبين أهل المسجد أو بينه وبين بعض الناس الآخرين، فهذا هو الأقرب في ظاهر النص. أما الذي يعطاه من بيت المال كما يعطى المدرس ويعطى الإِمام ويعطى المجاهد، فغير داخل في هذا الباب -إن شاء الله-، لكن الذي يتفرغ لهذا الشيء من

стр. 197

جهة نفسه ولا يأخذ لذلك أجرًا؛ لأن الله أعطاه مالًا ووسع عليه، فهذا أكمل في الإخلاص. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه المسألة التي كثر الحديث عنها بين الناس. حكم الأذان الثاني لصلاة الجمعة: الأذان لصلاة الجمعة في عهد النبي ﷺ كان أذانًا واحدًا، وهكذا في عهد أبي بكر وعمر ﵄، وهذا الأذان كان ينادى به حين يجلس الإِمام على المنبر. فلما جاءت خلافة عثمان ﵁ زاد الأذان الثاني لصلاة الجمعة، وذلك حينما أكثر الناس. وروى البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: "إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان في خلافة عثمان ﵁ وكثروا أَمَرَ عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فإذا به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك" (١). قلنا: وقول السائب بن يزيد ﵁: "أمر عثمان بالأذان الثالث" المراد بالأذان الأول والثاني الأذان والإقامة كما ذكرنا سابقًا أن الإقامة تعتبر أذانًا؛ لقوله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة" (٢). وقد اختلف الفقهاء في حكم الأذان الثاني للجمعة: ١ - فذهب جمهور الفقهاء على أنه سنة، واحتجوا لذلك بما يلي:

стр. 198

* قوله ﷺ : " ... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" (١). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين وعثمانُ منهم، فوجب اتباع أذانه شرعًا. * إجماع الصحابة: حيث إن عثمان ﵁ أمر بهذا الأذان بجمع منهم. ولم ينكر عليه أحد من الصحابة- رضوان الله عليهم-. ٢ - وذهب آخرون، منهم الإِمام الشافعي (٢) وهو مروي عن الإمام مالك نحو ما ذكر الشافعي (٣) وهو قول لبعض الحنفية (٤) وقول الصنعاني (٥) ونصره الألباني (٦) - أنه لا يشرع ما أحدثه عثمان ﵁. واحتج أصحاب هذا القول بما يأتي: * ما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "الأذان الأول" وفي رواية أخرى: "الأذان يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإِمام والذي قبل ذلك محدث" (٧). وجه الدلالة ظاهرة حيث جعل الأذان الثاني -أي: ما أحدثه عثمان- بدعة.

стр. 199

* ويستدلون لذلك بأن جماعة من السلف أنكروا هذا الأذان كالحسن وعطاء (١). وقالوا أيضًا: إن ما كان عليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵃ أولى بالاتباع. * واحتجوا لذلك أن عليًا ﵁، وهو من الخلفاء الراشدين، كان يُؤَذَّنُ له أذان واحد بالكوفة (٢)، وكذلك ابن الزبير كان لا يؤذن له حتى يجلس على المنبر ولا يؤذَّنُ له إلا أذان واحد يوم الجمعة (٣). فبهذه الأدلة احتجوا على عدم مشروعية الأذان الثاني -أي: الذي أحدثه عثمان ﵁. ولذلك قال المعاصرون منهم بأن ما أحدثه عثمان كان لعلة وهي كثرة الناس وتباعد المنازل عن المسجد، وقالوا بأن هذه العلة منتفية في هذا العصر، فلا حاجة لهذا الأذان. قلنا: وقد ذهب إلى القول الأول اللجنة الدائمة (٤) وهو قول الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين (٥)، واحتجوا لذلك بما احتج به جمهور الفقهاء. لكن ينبغي أن تكون المدة بين الأذانين كافية ليتأهب الناس للصلاة، كأن يكون بين الأذانين ساعة أو قريب منها؛ لكي يتسنى للناس الحضور وترك ما بأيديهم من أعمال. أما ما يحصل في بعض المساجد من أن يؤذن فيها بالأذان الأول ثم يؤذن للثاني مباشرة، أو تكون هناك مدة يسيرة كخمس دقائق أو أكثر بقليل،

стр. 200

فهذا خلاف المشروع؛ لأن العلة من الأذان الأول للجمعة هي تأهب الناس وإعلامهم بأن اليوم يوم جمعة وأنه ينبغي عليهم التأهب للصلاة، فإذا ما أذن الأول ثم تبعه الثاني لم تتحقق الفائدة والعلة التي من أجلها كان الأذان الثالث حينئذ. إذا لم يستطع المؤذن إكمال الأذان هل يكمله غيره ؟ إذا حصل للمؤذن عذر يمنعه من إتمام الأذان أو الإقامة كإغماء أو موت ونحو ذلك، فهل يبني شخص آخر على أذانه أو إقامته أم لا بد من استئناف الأذان؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: ١ - فالجمهور (١) على اشتراط أن يؤدي الأذان والإقامة شخص واحد، فلا يصح أن يبني على أذان غيره بل يجب استئنافها. ٢ - وقال بعض الفقهاء (٢) بأنه لا يشترط أن يؤدي الأذان والإقامة شخص واحد بل يصح أن يبني على أذان غيره. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور وذلك؛ لأن الأذان عبادة واحده، فكما أنه لا يصح أن يصلي أحد ركعة ويكمل الثاني الركعة الثانية فكذلك الأذان لا يصح أن يؤذن شخصٌ أوَّلٌ الأذان ويكمله آخرُ. المسألة العاشرة: إجابة الأذان عند تعدده: إذا تعدد المؤذنون في بلد ما فلا يخلو أذانهم من حالتين: الحالة الأولى: أن يسمع الأذان من مؤذن فإذا انتهى سمعه من الآخر فما

стр. 201

المشروع في حقه؟ نقول: اختلف الفقهاء في هذه الحالة على ثلاثة أقوال: القول الأول: الإجابة لجميع المؤذنين (وجوبًا أو ندبًا) على حسب الخلاف في حكم الإجابة. القول الثاني: استحباب إجابة المؤذن الأول وأصل الفضيلة شامل للجميع إلا أن الأول متأكد يكره تركه. القول الثالث: أنه تستحب إجابة جميع المؤذنين ما لم يصلّ فريضة الوقت، فإذا صلى فلا يستحب. وهذا هو المذهب عند الحنابلة (١) وهو قول لبعض الشافعية (٢). والراجح هو استحباب إجابة جميع المؤذنين؛ لعموم قوله ﷺ : "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" (٣). الحالة الثانية: أن يتعدد الأذان في آن واحد فتسمع عن يمينك أذانًا وعن شمالك أذانًا وأمامك أذانًا وهكذا في وقت واحد فأيهما تجيب؟ فهنا لا يستطيع الإنسان أن يجيب الجميع في وقت واحد، وقد أجاب عن هذه بعض الفقهاء؛ قال العز بن عبد السلام: "إذا أذن المؤذنون معًا كفتهم إجابة

стр. 202

واحدة" (١). وقال الكمال بن الهمام: "الذي ينبغي إجابة الأول سواء كان مؤذن مسجدٍ أو غيره؛ لأنه حيث يسمع الأذان ندب له الإجابة أو وجبت ... " (٢). وقال الفقهاء: بل يجيب مؤذن مسجده الذي يصلي فيه. قلنا: والذي يظهر -والله أعلم- أن المستحب في حق من حصل له ذلك إجابة المؤذن الأول، اللَّهم إلا إذا حصل هناك تشويش عليه؛ لكون المؤذن الأول بعيدًا ولا يستطيع إجابته فهنا الأولى له تركه وإجابة أقرب مسموع له. حكم الاعتماد على الأذان المسموع عبر المذياع: الأذان عبر المذياع لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن ينقل الأذان عبر المذياع مباشرة، فهذا يأخذ حكم الاستماع للمؤذن؛ لأن المؤذن يأخذ حكم المبلغ عبر مكبرات الصوت، وهنا يستحب إجابته؛ لأنه أذان. الحالة الثانية: أن ينقل الأذان عبر تسجيل في غير وقت الصلاة، فهنا نقول: إذا كان الأذان مسجلًا وليس أذانًا للوقت فإنه لا يجيبه؛ لأن هذا ليس أذانًا حقيقيًا أي: أن الرجل لم يرفعها حين أمر برفعه وإنما هو شيء مسموع لأذان سابق (٣). أما إن كان في الوقت -أي: في وقت الصلاة- فهنا يجيبه؛ لأنه نداء للصلاة.

стр. 203

ما أضيف للأذان مما ليس منه: أولًا: في قول المؤذن: "الصلاة عليك يا رسول الله" بعد الأذان: جاء في صحيح الإِمام مسلم ﵀: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" (١). فالصلاة على النبي ﷺ أمر مطلوب شرعًا من المؤذن، والمستمع لكن جعل ذلك شعارًا في الأذان بحيث يجعله المؤذن من الأذان وينادي به بعد الأذان، فهذا أمر محدث يوجد في كثير من البلدان الإِسلامية وهو أمر محدث لم يكن على عهده ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين ولا في عهد من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما حكاية زيادة الصلاة على النبي ﷺ عبر الأذان فقد أحدثت في زمن السلطان المنصور حاجي بن الأشرف، وذلك في شعبان سنة ٧٩١ هـ، وكان قد حدث قبل ذلك في أيام السلطان يوسف صلاح الدين بن أيوب، حيث كان يقال قبل أذان الفجر في كل ليلة بمصر والشام: "السلام عليك يا رسول الله" واستمر ذلك إلى سنة ٧٧٧ هـ. فزيد بأمر المحتسب صلاح الدين البرلسي أن يقال: "الصلاة والسلام عليك يا رسول الله" ثم جعل ذلك عقب كل أذان سنة ٧٩١ هـ كما ذكرنا (٢).

стр. 204

ومن هنا نعلم أن هذه الزيادة محدثة بدعة، قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "أما إذا كان المؤذن يقول ذلك برفع صوت كالأذان فذلك بدعة؛ لأنه يوهم أنه من الأذان، والزيادة في الأذان لا تجوز لأن آخر الأذان كلمة (لا إله إلا الله) فلا يجوز الزيادة على ذلك، ولو كان ذلك خيرًا لسبق إليه السلف الصالح بل لعلَّمه النبي ﷺ أمته وشرعه لهم .... " (١). ثانيًا: قول المؤذن: "حي على خير العمل" وقوله: "أشهد أن عليًا ولي الله": ألفاظ الأذان الصحيحة هي التي وردت في رؤيا عبد الله بن زيد ﵁، فهي الألفاظ الأصلية المتواترة، فلا يجوز الزيادة على تلك الألفاظ إلا بما ورد بنص صحيح كالتثويب في الفجر والنداء بالصلاة في الرحال، على ما ذكرنا سابقًا. أما هذه الزيادة وهي قول المؤذن: "حي على خير العمل" أو "أشهد أن عليًا ولي الله" وغيرها من الألفاظ، فهذه من المحدثات التي أحدثت، وهي بدعة لا أصل لها في الأحاديث الصحيحة (٢). ثالثًا: التعوذ والبسملة قبل الأذان: من الأمور المحدثة قبل الأذان ما يقوم به البعض من التعوذ والبسملة قبل الأذان، وهذا لا نعلم له أصلًا يدل على مشروعيته لا بالنسبة للمؤذن ولا لمن يسمعه، وقد قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٣).

стр. 205

إذا سمع المرء بعض الأذان هل يقضي ما فاته من السماع ويجيبه فيما بقي أم يجيبه فيما بقي فقط ؟ الجواب: للفقهاء فيها قولان: القول الأول: أنه يستحب أن يجيبه في جميع الأذان ما سمعه منه وما لم يسمع. وهذا قول الشافعية (١) وقول أكثر الحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بقوله ﷺ : "فقولوا بمثل ما يقول" (٣) ولم يقل بمثل ما سمعتم. القول الثاني: أنه يستحب له أن يجيبه فيما سمع فقط. وهو رأي لبعض المالكية (٤) وقول لبعض الحنابلة (٥) وبه قال سماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم (٦) ﵀. واحتجوا لذلك بقوله ﷺ : "إذا سمعتم" فالإجابة للمؤذن متعلقة بالسماع؛ لأنه قال: "فقولوا مثل ما يقول" ولم يقل مثل ما قال وهذا هو القول الصحيح؛ لأن الأذان عبادة، فما فات من ألفاظه فات محل إجابة السامع فيها. وهذا هو الأقرب والله أعلم. حكم توحيد الأذان: من الأمور الفقهية المستجدة في العصر الحديث ما تراه في بعض البلدان من

стр. 206

توحيد الأذان في جميع البلد، بمعنى أنه يؤذن مؤذن واحد لجميع المساجد الموجودة وذلك من خلال استخدام التقنية الحديثة، فهل يشرع هذا العمل؟ ولما كان الأذان له أدلته الشرعية المناطة به كما ذكرنا ذلك من خلال فقه الأذان ولا مانع من استخدام الوسائل الحديثة في الإعلام به وأنه يتعين على الأمة الأخذ بها لأن فيها نفعًا عظيمًا للأمة -لكن هذا مع مراعاة النصوص الشرعية التي وردت بذلك-. فلا ينبغي مثلًا استخدام الشريط المسجل للإعلام بالأذان ووضعه من خلال مكبرات الصوت، لما يأتي: ١ - أنه لا بد أن يكون لكل جماعة مؤذن خاص بها يؤذن ويقيم كما قال ﷺ لعثمان بن أبي العاص: "أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على آذانه أجرًا" (١) وقوله ﷺ : "ما من ثلاثة في قرية لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة؛ فإن الذئب يأكل القاصية" (٢). وجه الدلالة في قوله ﷺ : "لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة" فقوله: "فيهم" أي في مكان وجودهم التي ستقام فيه الصلاة، ومع توحيد الأذان لم يكن المؤذن فيهم بل بعيدًا عنهم بعشرات بل بمئات الكيلو مترات. وقوله ﷺ : "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" (١).

стр. 207

أكبركم" (١). فقوله ﷺ "فليؤذن لكم" دليل على أن المؤذن لا بد أن يكون من الجماعة الحاضرة، ومع توحيد الأذان يكون المؤذن من غير الجماعة الحاضرة. ٢ - أن توحيد الأذان فيه تهوين وتقليل من شأن هذه الشعيرة العظيمة التي جعلها النبي ﷺ دليلًا على إسلام البلد وإسلام أهلها. ٣ - أن في توحيد الأذان حجرًا على العمل الصالح وجعله على فرد معين، وبالتالي لا يؤذن بهذه الطريقة آلاف البشر الذين يريدون حصول الأجر بالأذان. ٤ - أن توحيد الأذان قد يحصل معه عطل فني في بعض الأجهزة المستخدمة في نقله وبالتالي ستتعطل هذه الشعيرة في بعض المساجد بل في بعض البلدان. ومن هنا نرى أنه لا يشرع العمل بتوحيد الأذان لما ذكرناه من هذه الأدلة.

стр. 208

الفِقهُ الميَسَّر كتاب الصلاة

стр. 209

كتاب الصلاة تعريف الصلاة: الصلاة في اللغة: الدعاء قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (١) أي: ادع لهم، وفي الحديث قوله ﷺ : "إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصلّ، وإذا كان مفطرًا فليطعم" (٢) ومعنى: "فليصلّ" أي فليدع لأهل الطعام. أما معنى الصلاة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (٣) فالصلاة من الله تعالى علينا هي الرحمة ومن الملائكة الاستغفار والدعاء. ومنه قوله ﷺ : "صلت عليه الملائكة عشرًا" (٤) أي دعت، وقد تأتي الصلاة بمعنى الثناء كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٥) أي ثناء حسن من الله تعالى عليهم (٦). تعريفها في الاصطلاح: عرفها جمهور الفقهاء بقولهم: "أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة" (٧).

стр. 210

وقيل: "عبادة ذات أقوال، أو تقول: التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة؛ حتى يتبين أنها من العبادات" (١). مكانة الصلاة في الإسلام: الصلاة صورة من الصور التي يقوم بها الإنسان لعبادة خالقه، فهي صلة بين العبد وربه، ومنزلتها من الإِسلام بمنزلة الرأس من الجسد، قال ﷺ : "رأس الأمر الإِسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد" (٢). أما من حيث الأركان التي يقوم بها الإِسلام فهي تمثل الركن الثاني بعد الشهادتين؛ قال ﷺ : "بني الإِسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان" (٣). فتقدم الصلاة على جميع الأركان بعد الشهادتين لمكانتها وعظيم شأنها، فهي أول عبادة فرضها الله تعالى على عباده في مكة وأول عبادة تكتمل في المدينة عن عائشة ﵂ قالت: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر" (٤). ماذا يتحقق بالصلاة: الصلاة من أجلِّ العبادات، بها يتحقق دوام ذكر الله ودوام الاتصال به،

стр. 211

وتمثل تمام الطاعة والاستسلام لله والتجرد له وحده لا شريك له، وتربي النفس وتهذب الأخلاق وتنير القلب بما تغرس فيه من جلال الله وعظمته، فهي عمل من صميم الدين، بها يقف المرء بين يدي ربه في خشوع وخضوع مستشعرًا بقلبه عظمة المعبود مع الحب والخوف من جلال وجمال المعبود طامعًا، فيما عند الله. وراغبًا في كشف الضر. الأصل في فرضية الصلوات الخمس: دلت الأدلة المستفيضة من الكتاب والسنة على فرضية الصلوات الخمس وانعقد الإجماع على ذلك. أولًا: أدلة الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ﴾ (١) وقد كررها الله تعالى في غير موضع في كتابه، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) والآيات التي جاءت في الأمر بها كثيرة معروفة. ثانيًا: الدليل من السنة: جاءت أحاديث كثيرة منها: حديث "بني الإِسلام على خمس ... " (٤) وحديث:

стр. 212

"رأس الأمر الإِسلام" (١) ومن ذلك أيضًا حديث أبي أسامة ﵁ بأن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: "اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيتكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، تدخلوا جنة ربكم" (٢). ثالثًا: الإجماع: انعقد الإجماع على فرضية الصلوات الخمس وتكفير من أنكرها (٣)، واستُثني من ذلك من كان حديث عهد بكفر وجحد وجوبها، فإنه لا يكفر لكن يبين له الحق، فإن أعرض عن قبول الحق وأصر على جحودها كفر. حكم تارك الصلاة: لتارك الصلاة حالتان: الحالة الأولى: أن يتركها جحودًا لفرضيتها، فهذا لا خلاف بين العلماء في كفره؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فإن تاب وإلا قتل كفرًا، وكذلك من جحد ركنًا أو شرطًا مجمعًا عليه فإنه يكفر بذلك. لكن إن جحدها وهو حديث عهد بكفر فإنه لا يكفر إلا بعد بيان فرضيتها له، فإن أصرّ على جحده إياها كفر وصار مرتدًا. الحالة الثانية: أن يتركها تهاونًا وكسلًا مع إقراره بفرضيتها، وهنا اختلف الفقهاء في حكمه:

стр. 213

القول الأول: يرى الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣) أن من تركها تكاسلًا مع إقراره بفرضيتها ليس بكافر بل هو فاسق، واختلفوا في إقامة الحد عليه: ١ - فقال المالكية (٤) والشافعية (٥): يقام عليه حد القتل إن أصرّ على عدم الصلاة، ويكون حكمه بعد الموت حكم المسلم فيغسل ويصلى عليه. ٢ - وقال الحنفية (٦) لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي أو يتوب، واحتجوا لذلك بأدلة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٧). ٢ - عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان منه من العمل" (٨). ٣ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ -ومعاذ رديفه على الرحل- قال: "يا معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثًا، قال: "ما من أحد يشهد

стр. 214

أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه، إلا حرمه الله على النار"، قال: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا (١). ٤ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه" (٢). ٥ - وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" (٣). ٦ - وفي الصحيح في قصة عتبان بن مالك وفيها: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (٤) وفيه: "فيخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط" (٥). ٧ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدرس الإِسلام كما يدرس وَشْيُ الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من

стр. 215

الناس، الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها" فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثًا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار، ثلاثًا (١). فهذه الأدلة وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يرجى لسائر أهل الكبائر. قالوا: ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد وجحد ما جاء به الرسول، وهذا يقر بالوحدانية شاهدًا أن محمدًا رسول الله، مؤمنًا بأن الله يبعث من في القبور، فكيف يحكم بكفره؟ والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل، فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد؟ (٢). أما أدلة قتله حدًا فقد استدلوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلمٌ من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله" (٣). واستدل الحنفية على عدم قتله بقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٤).
следующие страницы →