← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وتمثل تمام الطاعة والاستسلام لله والتجرد له وحده لا شريك له، وتربي النفس وتهذب الأخلاق وتنير القلب بما تغرس فيه من جلال الله وعظمته، فهي عمل من صميم الدين، بها يقف المرء بين يدي ربه في خشوع وخضوع مستشعرًا بقلبه عظمة المعبود مع الحب والخوف من جلال وجمال المعبود طامعًا، فيما عند الله. وراغبًا في كشف الضر. الأصل في فرضية الصلوات الخمس: دلت الأدلة المستفيضة من الكتاب والسنة على فرضية الصلوات الخمس وانعقد الإجماع على ذلك. أولًا: أدلة الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ﴾ (١) وقد كررها الله تعالى في غير موضع في كتابه، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) والآيات التي جاءت في الأمر بها كثيرة معروفة. ثانيًا: الدليل من السنة: جاءت أحاديث كثيرة منها: حديث "بني الإِسلام على خمس ... " (٤) وحديث:

стр. 212

"رأس الأمر الإِسلام" (١) ومن ذلك أيضًا حديث أبي أسامة ﵁ بأن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: "اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيتكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، تدخلوا جنة ربكم" (٢). ثالثًا: الإجماع: انعقد الإجماع على فرضية الصلوات الخمس وتكفير من أنكرها (٣)، واستُثني من ذلك من كان حديث عهد بكفر وجحد وجوبها، فإنه لا يكفر لكن يبين له الحق، فإن أعرض عن قبول الحق وأصر على جحودها كفر. حكم تارك الصلاة: لتارك الصلاة حالتان: الحالة الأولى: أن يتركها جحودًا لفرضيتها، فهذا لا خلاف بين العلماء في كفره؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فإن تاب وإلا قتل كفرًا، وكذلك من جحد ركنًا أو شرطًا مجمعًا عليه فإنه يكفر بذلك. لكن إن جحدها وهو حديث عهد بكفر فإنه لا يكفر إلا بعد بيان فرضيتها له، فإن أصرّ على جحده إياها كفر وصار مرتدًا. الحالة الثانية: أن يتركها تهاونًا وكسلًا مع إقراره بفرضيتها، وهنا اختلف الفقهاء في حكمه:

стр. 213

القول الأول: يرى الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣) أن من تركها تكاسلًا مع إقراره بفرضيتها ليس بكافر بل هو فاسق، واختلفوا في إقامة الحد عليه: ١ - فقال المالكية (٤) والشافعية (٥): يقام عليه حد القتل إن أصرّ على عدم الصلاة، ويكون حكمه بعد الموت حكم المسلم فيغسل ويصلى عليه. ٢ - وقال الحنفية (٦) لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي أو يتوب، واحتجوا لذلك بأدلة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٧). ٢ - عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان منه من العمل" (٨). ٣ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ -ومعاذ رديفه على الرحل- قال: "يا معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثًا، قال: "ما من أحد يشهد

стр. 214

أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه، إلا حرمه الله على النار"، قال: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا (١). ٤ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه" (٢). ٥ - وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" (٣). ٦ - وفي الصحيح في قصة عتبان بن مالك وفيها: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (٤) وفيه: "فيخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط" (٥). ٧ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدرس الإِسلام كما يدرس وَشْيُ الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من

стр. 215

الناس، الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها" فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثًا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار، ثلاثًا (١). فهذه الأدلة وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يرجى لسائر أهل الكبائر. قالوا: ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد وجحد ما جاء به الرسول، وهذا يقر بالوحدانية شاهدًا أن محمدًا رسول الله، مؤمنًا بأن الله يبعث من في القبور، فكيف يحكم بكفره؟ والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل، فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد؟ (٢). أما أدلة قتله حدًا فقد استدلوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلمٌ من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله" (٣). واستدل الحنفية على عدم قتله بقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٤).

стр. 216

القول الثاني في حكم تارك الصلاة تكاسلًا وتهاونًا: قالوا: من ترك الصلاة تكاسلًا وتهاونًا فإنه يكفر كفرًا مخرجًا عن الملة ويقتل ردة إن لم يتب ويصل، وهذا هو إحدى الروايتين عن الإِمام أحمد (١) وهي وجه عند الشافعي (٢) وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه (٣) وهو قول الشيخين: عبد العزيز بن باز (٤) ومحمَّد بن صالح العثيمين (٥) وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٦). استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١ - الكتاب: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٧). وجه الدلالة: أن الله تعالى اشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين ثلاثة شروط: الأول: أن يتوبوا من الشرك. الثاني: أن يقيموا الصلاة.

стр. 217

الثالث: أن يؤتوا الزكاة. فإن تابوا من الشرك ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة، فليسوا بإخوة لنا. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ...﴾ (١). وجه الدلالة في قوله تعالى: ﴿إلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾: دل على أنه حين إضاعتهم للصلاة واتباعهم للشهوات ليسوا بمؤمنين. ١ - من السنة حديث جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر، تركَ الصلاة" (٢) قالوا: والكفر متى عرِّف بأداة التعريف (ال) وهكذا الشرك، فالمراد بها الكفر الأكبر والشرك الأكبر. ٢ - حديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (٣)، وجه الدلالة أن النبي ﷺ أطلق الكفر هنا على أثر واضح وهو الصلاة، فكون تركها كفرًا أكبر لا يستغرب. ٣ - إجماع الصحابة حيث يرون كفر تارك الصلاة. دليل ذلك ما جاء عن عبد الله بن شقيق العقيلي أنه قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (٤).

стр. 218

فهذه الأدلة وغيرها تدل دلالة واضحة على كفر تارك الصلاة. قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "والخلاصة أن القول الصواب الذي تقتضيه الأدلة هو أن ترك الصلاة كفر أكبر، ولو لم يجحد وجوبها، ولو قال الجمهور بخلافه فإن المناط هو الأدلة وليس المناط هو كثرة القائلين، فالحكم معلق بالأدلة، والترجيح يكون بالأدلة، وقد قامت الأدلة على كفر تارك الصلاة كفرًا أكبر" (١). وقال الشيخ محمَّد بن صالح العثيمين: "ولم يرد في الكتاب والسنة أن تارك الصلاة ليس بكافر أو أنه مؤمن، وغاية ما ورد في ذلك نصوص تدل على فضل التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وثواب ذلك، وهي إما مقيدة بقيود في نفس النص يمنع معها أن يترك الصلاة، وإما واردة في أحوال معينة يعذر الإنسان فيها بترك الصلاة، وإما عامة فتحمل على أدلة كفر تارك الصلاة؛ لأنها خاصة والخاص مقدم على العام (٢). الأثار المترتبة على كفر تارك الصلاة: أولًا: في الدنيا: ١ - تسقط ولايته على من يشترط في ولايته الإِسلام، فلا يولَّى على أبنائه القاصرين ولا يزوج مولياته. ٢ - يسقط إرثه من أقاربه: لما رواه أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: "لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ" (٣).

стр. 219

٣ - يحرم دخوله مكة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (١). ٤ - لا تؤكل ذبيحته؛ لأنه غير مسلم ولا كتابي. ٥ - لا يصلى عليه بعد موته، ويحرم الدعاء له بالمغفرة والرحمة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢). ٦ - يحرم نكاحه المرأة المسلمة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٣). قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: "وبهذا يعلم أن المسلم الذي يصلي وليس به ما يوجب كفره، إذا تزوج امرأة لا تصلي فإن النكاح باطل، وهكذا بالعكس؛ لأنه لا يجوز للمسلم أن ينكح الكافرة من غير أهل الكتابين، كما لا يجوز للمسلمة أن تنكح الكافر، لقول الله تعالى في سورة الممتحنة في نكاح الكافرات: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (٤)، (٥).

стр. 220

ثانيًا: الأحكام الأُخرَويَّة: فأما الأحكام الأخروية المترتبة على الرِّدَّة أيًا كان نوعها والعياذ بالله تعالى فمنها: ١ - أن الملائكة توبخه وتقرعه، بل تضرب وجوههم وأدبارهم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١). ٢ - أنه يحشر مع أهل الكفر والشرك؛ لأنه منهم، قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (٢) والأزواج جمع زوج؛ وهو الصنف، أي: احشروا الذين ظلموا ومن كان من أصنافهم من أهل الكفر والظلم.

стр. 221

شروط الصلاة شروط الصلاة منها ما هي شروط وجوب، ومنها ما هي شروط صحة؛ أولًا: شروط الوجوب: شروط الوجوب: هي التي توجب على المكلف أن يصلي، بحيث إذا فقدت هذه الشروط أو بعضها لم تجب الصلاة، وهذه الشروط هي: ١ - الإِسلام: تجب الصلاة على كل مسلم، ذكرًا كان أو أنثى، ولا تجب على الكافر الأصلي. ويترتب على ذلك أنه متى أسلم الكافر فإنه لا يؤمر بقضاء الصلاة ولا غيرها من العبادات؛ لأنه قد أسلم خلق كثير في عهد النبي ﷺ لم يأمر أحدًا منهم بقضاء الصلاة. لكن مع القول بعدم مطالبة الكافر بوجوب الصلاة فإنه معاقب على تركها في الآخرة، زيادة على كفره، كما قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (١). هل على المرتد إذا عاد للإسلام قضاء الصلاة حال ردته ؟ قولان للفقهاء: ١ - ذهب الحنفية (٢) والمالكية (٣) والحنابلة (٤) إلى أن الصلاة لا تجب على المرتد، فلا يقضي ما فاته إذا رجع إلى الإِسلام، وعللوا ذلك بأنه حال ردته يصير كالكافر.

стр. 222

٢ - وذهب الشافعية (١) إلى وجوب الصلاة على المرتد، على معنى أنه يجب عليه قضاء ما فاته زمن ردته بعد رجوعه إلى الإِسلام؛ تغليظًا عليه، ولأنه التزمها بالإسلام، فلا تسقط عنه بالجحود؛ كحق الآدمي. والراجح: ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الصلاة على المرتد. ٢ - العقل: وضده زوال العقل، يشترط لوجوب الصلاة العقل، فلا تجب على المجنون دليل ذلك قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى -وفي رواية: المعتوه- حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يَكْبُرَ" وفي رواية: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل، وعن الصبي حتى يحتلم" (٢). أما الإغماء، فمتى أفاق المغمى عليه في فترة، أقصاها ثلاثة أيام، فإنه يلزمه قضاء ما فاته حال إغمائه، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (٣)، ويرى المالكية (٤) والشافعية (٥) عدم القضاء للمغمى عليه، وهو اختيار الشيخ ابن العثيمين (٦). والصحيح: هو وجوب القضاء على المغمى عليه: دليل ذلك: "أن عمار بن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل فصلى

стр. 223

الظهر والعصر والمغرب والعشاء" (١). وعن عمران بن حصين ﵁ مثله ولم يعلم لهم مخالف فكان كالإجماع، ولأن مدة الإغماء لا تطول -غالبًا- وهذا هو قول الشيخ عبد العزيز بن باز (٢). وأما النائم والساهي فيجب عليهما قضاء الصلاة، لقوله ﷺ : "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (٣). ٣ - البلوغ: من شروط وجوب الصلاة البلوغ، فلا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ، لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث ... " وذكر منهم الصبي فقال: "وعن الصبي حتى يحتلم" (٤)، لكن على وليه أن يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنوات؛ لقوله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" (٥). واختلف الفقهاء في الأمر هنا، هل هو للوجوب أم للندب؟ فالجمهور على

стр. 224

أنه للوجوب (١)، والمالكية (٢) على أنه للندب. والصحيح أن الأمر للوجوب. واختلف الفقهاء في أي السنوات يؤمر بالصلاة ويضرب عليها؟ فالحنفية (٣) والحنابلة (٤) يرون وجوب الأمر بعد استكمال السبع -أي: في بداية الثمان-، والضرب يكون بعد استكمال العشر، أي: في بداية الحادية عشرة. والمالكية (٥) يرون أن الأمر يكون عند بداية السبع والضرب عند بداية العشر. والشافعية (٦) يرون أن الأمر يكون في أثناء السبع والضرب في أثناء العشر. والصحيح: ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة؛ وهو أن الأمر بعد تمام السابعة والضرب بعد تمام العاشرة. ثانيًا: شروط صحة الصلاة: المراد بشروط صحة الصلاة ما لا تصح الصلاة بدونها، بحيث إذا فُقد شرط من دون عذر لم تصح الصلاة وتكون باطلة ويجب إعادتها، وهذه الشروط هي: ١ - الطهارة: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٧).

стр. 225

والطهارة التي هي شرط في صحة الصلاة نوعان: طهارة حقيقية، وطهارة حكمية. فالطهارة الحقيقية المراد بها طهارة الثوب والبدن والمكان من النجاسات الحقيقية؛ فطهارة الثوب دليلها قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١)، وقوله ﷺ في حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂: أن امرأة سألت النبي ﷺ عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة؟ فقال رسول الله: "حُتِّيهِ ثم اقرُصِيهِ ثُم رُشِّيهِ ثم صلي فيه" (٢). أما طهارة البدن من النجاسة؛ فلأنه إذا وجبت طهارة الثوب فطهارة البدن من باب أولى، وقد جاءت أدلة السنة بذلك، فمن ذلك قوله ﷺ : "إِذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٣). وقوله ﷺ : "تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه" (٤) فثبت الأمر باجتناب النجاسة، والأمر بالشيء نهي عن ضده. أما طهارة المحل (المكان) فقد أمر الله تعالى نبيه إبراهيم بقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٥).

стр. 226

أما النوع الثاني من الطهارة فهي الطهارة الحكمية؛ والمراد بها طهارة البدن من المحدثين الأكبر والأصغر، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). أما دلالة السنة على وجوب الطهارة للصلاة فمنها قوله ﷺ : "لا تقبل صلاة أحدكم -إذا أحدث- حتى يتوضأ" (٢). وقوله ﷺ : "لا تقبل صلاة بغير طهور" (٣)، وقوله: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (٤). ٢ - ستر العورة: من شروط صحة الصلاة ستر العورة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥)، والمراد بأخذ الزينة هنا هو الثياب في الصلاة، وقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (٦) وله ﷺ في حديث جابر

стр. 227

-﵁: "إن كان واسعًا فالتَحِفْ به، وإن كان ضيقًا فاتَّزِرْ به" (١). فمتى صلى الإنسان من غير أن يلبس ما يستر به العورة أو ما يجب ستره في الصلاة على الأصح، فصلاته باطلة وقد انعقد الإجماع على أن من صلى عريانًا مع قدرته على اللباس، فصلاته باطلة (٢). حد العورة في الصلاة: العورة في الصلاة -على المشهور من مذهب الحنابلة- تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مغلظة، مخففة، متوسطة. أولًا: العورة المغلطة: هي عورة الحرة البالغة، فكلها عورة إلا وجهها فإنه ليس بعورة في الصلاة، وإن كان هو عورة في النظر، فلو صلت المرأة في بيتها وليس عندها أحد، لوجب أن تستر كل شيء إلا وجهها. ثانيًا: العورة المخففة: وهي عورة الذكر من سبع إلى عشر سنوات، وهما الفرجان فقط، فإذا ستر قبله ودبره فقد أجزأه الستر، ولو كانت أفخاذه بادية، لكن على ولي أمره أن يأمره بالستر والعفاف وبخاصة إذا كان يعوِّده الصلاة. ثالثًا: العورة المتوسطة: وهي ما سوى ذلك وَحَدُّهَا ما بين السرة والركبة، فيدخل فيها الذكر من عشر سنوات فصاعدًا، والحرة دون البلوغ، والأمة ولو بالغة.

стр. 228

فهذه هي أقسام العورات الثلاث التي يجب سترها في الصلاة وأمام الناس فيها وفي غيرها. الشروط المعتبرة في الثوب الذي به تستر العورة: يشترط للثوب الساتر ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن لا يصف البشرة: فإن وصفها لم يجزئ؛ لأن الستر لا يحصل إلا بذلك، فإن حصلت بثياب خفيفة لا تستر العورة بطلت الصلاة، ومن ذلك لبس الرجل السراويل القصيرة التي لا تستر الفخذين ولا يلبس عليها ما يستر الفخذين، فإن صلاته -والحال على ما ذكرناه- غير صحيحة. وهكذا المرأة إذا صلت بثياب خفيفة رقيقة لا تستر عورتها بطلت صلاتها (١). الشرط الثاني: أن يكون طاهرًا: فإذا كان الثوب نجسًا فإنه لا يصح أن يصلي به، ولو صلى به لا تصح صلاته، وقد ذكرنا ذلك عند اشتراط الطهارة لصحة الصلاة. ومن صلى وبعد فراغه من صلاته رأى نجاسة في ملابسه ولم يعلم نجاستها إلا بعد الفراغ من الصلاة، فصلاته صحيحة؛ لأن النبي ﷺ أخبره جبرائيل وهو في الصلاة أن في نعليه قذرًا فخلعها. ولم يعد أول الصلاة. وكذلك الحال لو علمها قبل الصلاة ثم نسي فصلى فيها ولم يذكر إلا بعد الصلاة؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢)، قال الله

стр. 229

تعالى: "قد فعلت". لكن لو أصاب ثوبه نجاسة وهو قائم يصلي، فالواجب عليه أن يزيلها في الحال إن أمكنه ذلك وهو في الصلاة؛ للحديث المتقدم -أعني حديث جبرائيل- وإن لم يمكنه إزالة النجاسة فالواجب عليه أن ينصرف من الصلاة ثم يذهب ليزيل النجاسة ثم يعيد الصلاة. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وإلا فالمذهب عند الحنابلة (١) أن الناسي والذاكر في الحكم سواء، أي: يجب عليه الإعادة للصلاة، لكن الصحيح ما ذكرناه: أن الناسي والجاهل أو من وجد النجاسة بعد صلاته، كلهم لا يجب عليهم الإعادة، وهذا هو اختيار الشيخ ابن باز والشيخ ابن العثيمين (٢). من كان عنده ثوب نجس ولا يمكنه تطهيره: اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال أشهرها ثلاثة: القول الأول: وجوب الصلاة مع الإعادة وهذا هو المذهب عند الحنابلة. القول الثاني: أنه يصلي عريانًا ولا يعيد وهو قول الشافعي (٣) ورواية عند أحمد (٤). القول الثالث: أنه يصلي به ولا إعادة وهذا هو مذهب مالك (٥)، وهذا هو الصحيح؛ لقوله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٦)، وقوله ﷺ : "وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٧).

стр. 230

الشرط الثالث: أن يكون الثوب مباحًا: فمتى كان الثوب محرمًا لعينه كالثوب الحرير للرجل، أو محرمًا لوصفه كأن يكون الثوب به إسبال أو به صور، أو محرمًا لكسبه كأن يكون مغصوبًا ومسروقًا، فلا تصح الصلاة به، وهذا الشرط هو المذهب عند الحنابلة (١). ذكر ذلك صاحب الإنصاف (٢) وقال: وعليه جماهير الأصحاب. وفي رواية أخرى عند الحنابلة: أن الصلاة بالثوب المحرم صحيحة مع التحريم. اختارها الخلال وابن عقيل. وهي الصحيحة، وهي اختيار الشيخ ابن العثيمين (٣). وعلى ذلك فمتى صُلِّي بثوب محرم فالصلاة به صحيحة مع حصول الإثم بالمخالفة للشرع. لبس الحرير للضرورة: إذا لبس الحرير لضرورة كأن يكون به مرض في جلده كالحساسية مثلًا، فإن صلاته تصير صحيحة ولا إثم عليه؛ لأننا لو ألزمناه بثوب آخر لم يحصل المقصود من الصلاة، وهو الخشوع والاطمئنان فيها، فيصير مشغولًا بذلك، فيفقد لبّ الصلاة -أعني الخشوع فيها-. ٣ - استقبال القبلة: يشترط لصحة الصلاة استقبال القبلة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤).

стр. 231

ودليل السنة ما رواه البخاري ومسلمٌ من حديث ابن عمر ﵄ قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول لله ﷺ قد أُنْزِلَ عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبِلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة" (١). أحوال المصلي في استقبال القبلة: ١ - الصلاة على الدابة: أجمع أهل العلم (٢) على أنه يجوز لكل من سافر سفرًا يقصر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما توجهت، ولا يلزم تحري القبلة دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ (٣) قال ابن عمر ﵄: "نزلت هذه الآية في التطوع خاصة حيث توجه به بعيره" (٤). وعلى ذلك فمن كان راكبًا في طائرة أو قطار أو سيارة ونحو ذلك، يجوز أن يصلي ما شاء من التطوع دون التحري للقبلة، لكن لا يجوز للسائق فعل ذلك؛ لما يترتب عليه من المفاسد. هذا كما ذكرنا في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، لكن هل يشرع ذلك في السفر القصير الذي لا يشرع فيه القصر؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم؛ فالجمهور (٥) على جواز ذلك -أي: جواز الصلاة على الراحلة دون تحري القبلة.

стр. 232

وذهب مالك (١) إلي أنه لا يباح إلا في سفر طويل؛ لأنه رخصة سفر. قال القاضي أبو يعلى: الأحكام التي يستوي فيها الطويل من السفر والقصير ثلاثة: التيمم، وأكل الميتة في المخمصة، والتطوع على الراحلة (٢). ٢ - استقبال القبلة للخائف: من اشتد به الخوف بحيث لا يتمكن من الصلاة إلى القبلة أو احتاج إلى المشي أو عجز عن بعض أركان الصلاة إما لهرب مباح من عدو أو سيل أو سبُع أو نحو ذلك مما لا يمكنه التخلص منه إلا بالهرب ونحو ذلك، فله أن يصلي على حسب حاله؛ راجلًا، أو راكبًا إلى القبلة إن أمكن، أو إلى غيرها إن لم يتمكن (٣). ٣ - الاجتهاد في القبلة: أ- اتفق الفقهاء على وجوب الاجتهاد في القبلة إذا لم يكن هناك من يخبره ولا ما يستدل به على جهتها إن كان من أهل الاجتهاد، فإن ضاق عليه الوقت عن الاجتهاد صلى على حسب حاله. لكن صرح ابن قدامة بأن شرط الاجتهاد لا يسقط بضيق الوقت مع إمكانه. والأولى هو مراعاة الوقت، لكن إن تبين أنه صلى لغير القبلة هل يعيد الصلاة؟ خلاف بين الفقهاء؛ الصحيح أنه لا يلزمه الإعادة إذا صلى حسب اجتهاده أو ضاق الوقت عليه ولم يجتهد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤) ولقوله ﷺ : "وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٥).

стр. 233

ب- إذا اختلف اجتهاد مجتهدين في اتجاه القبلة؛ فالحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) يرون أنه لا يتبع أحدهما الآخر ولا يؤمه؛ لأن كلًا منهما يعتقد خطأ الآخر فلم يجز الائتمام. والأقرب للصواب أنه يجوز اتباع أحدهما الآخر مع اختلافهما في جهة القبلة، بل إذا كانت الصلاة صلاة جماعة واجبة، وجب اتباع أحدهما الآخر؛ لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر لاجتهاده، أما الصلاة فيعتقد كل منهما صحة صلاة الآخر، فلم يمنع اختلاف الجهة الاقتداء به وهذا هو اختيار ابن قدامة (٥). قال الشيخ محمَّد بن العثيمين: وهذا القول أقرب للصواب (٦). العجز عن استقبال القبلة: من عجز عن استقبال القبلة لعذر به يمنعه من الاستقبال كالمريض والمربوط ونحوهم، فإنه يصلي على حسب حاله ولو إلى غير القبلة؛ لأن الاستقبال شرط لصحة الصلاة وقد عجز عنه. هل يلزم المتنفل افتتاح الصلاة إلى القبلة ؟ المذهب عند الحنابلة (٧) أنه يجب افتتاح الصلاة إليها ثم بعد ذلك يكون حيث كان وجهه، واستدلوا لذلك بحديث أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ كان إذا

стр. 234

سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه" (١). والصحيح: أنه ليس بواجب؛ لأن هذا مجرد فعل ولا يدل على الوجوب وإنما يدل على أنه الأفضل. ويدل على ما رجحناه حديث ابن عمر وهو أصح من حديث أنس، حيث إن حديث أنس اختلف في صحته، ولكن غايته أنه حسن، وحديث ابن عمر في الصحيحين حيث قال: "إن النبي ﷺ كان يصلي حيث كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة قبل أي وجهة توجهه ويوتر عليها، غير أنه كان لا يصلي عليها المكتوبة" (٢). فظاهره أنه من ابتداء الصلاة إلى آخرها. حكم استقبال القبلة لصلاة الفريضة في السفينة ونحوها: ذهب جمهور الفقهاء (٣) إلى وجوب استقبال القبلة لمن صلى فرضًا في السفينة، فإن هبت الريح وحولت السفينة وجب رد وجهه إلى القبلة؛ لأن التوجه فرض عند القدرة، وهذا قادر، وفي وجه عند الحنابلة (٤) أنه يجب أن يدور المفترض إلى القبلة كما دارت السفينة كالمتنفل. والصحيح: أنه يجب أن يدور مع السفينة أو الطائرة أين دارت في صلاة الفرض حسب طاقته؛ لأن استقبال القبلة شرط لصحة صلاة الفريضة كما بينا

стр. 235

ذلك. وهذا هو الذي أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (١). الصلاة في المسجد الحرام: من كان يصلي في المسجد الحرام وأمكنه أن يستقبل عين الكعبة، لزمه ذلك، فإن صلى مستقبلًا جهة القبلة لا عينها لم تصح صلاته؛ لأن الأصل هو وجوب استقبال البيت الذي هو البناء، وهذا يخطئ فيه الكثير ممّن يأتون إلى المسجد الحرام ويمكنهم استقبال عين الكعبة ثم يتركون استقبال عينها ويستقبلون جهتها، وهذا خطأ، بل الواجب استقبال عينها متى أمكن ذلك (٢). ٤ - دخول الوقت: هذا هو الشرط الرابع من شروط صحة الصلاة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٤). أما السنة فقوله ﷺ : "أمَّني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على

стр. 236

الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض. ثم التفتُّ إلى جبريل فقال: يا محمَّد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين" (١). وفي حديث مسلم: عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس" (٢). شرط دخول الوقت للصلاة والأحكام المترتبة عليه: ١ - لا تصح الصلاة قبل الوقت بإجماع المسلمين (٣)، فإن صلى قبل الوقت؛ فإن كان متعمدًا فصلاته باطلة ولا يسلم من الإثم، وإن كان غير متعمدٍ لظنه أن الوقت قد دخل، فليس بآثم، ولكن عليه الإعادة؛ لما صلاها من فريضة قبل الوقت، وأما صلاته التي صلاها قبل الوقت فتعد نفلًا له. ٢ - حكم الصلاة بعد الوقت: اتفق الفقهاء على أنه إذا خرج وقت الصلاة من غير أن يصلي، فإنه يجب عليه أن يصلي، ولا تسقط الصلاة بخروج وقتها،

стр. 237

وتكون صلاته حينئذ قضاء مع ترتب الإثم عليه إن تركها عمدًا بغير عذر شرعي، واستدلوا لذلك بحديث: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (١) قالوا: فإذا كان هذا حال المعذور فالمتعمد من باب أولى. جاء في الشرح الممتع: "والصحيح أنها لا تصح بعد الوقت إذا لم يكن له عذر، وأن من تعمد الصلاة بعد خروج الوقت فإن صلاته لا تصح ولو صلى ألف مرة؛ لأن الدليل حدد الوقت، فإذا تعمد أن تكون صلاته خارج الوقت لم يأت بأمر الله، وقد قال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) إذن: فتكون الصلاة مردودة" (٣). وهذا هو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (٤) ﵀-وهو مذهب الظاهرية (٥)، أجابوا عن حديث: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" قالوا: إن هذا معذور بنومه أو نسيانه والمعذور صلاته في الحقيقة ليست قضاء، بل أداء، وقولهم بعدم وجوب القضاء على من لا عذر له، ليس بغرض التخفيف وإنما تنكيل له وعقوبة من الله أنه لا يقبل صلاته.

стр. 238

أوقات الصلاة: لقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بتفصيل أوقات الصلوات المفروضة، وذلك على النحو الآتي: أولًا: وقت صلاة الصبح: اتفق الفقهاء على أن أول وقت الصبح هو طلوع الفجر الصادق، ويسمى الفجر الثاني، وسمي صادقًا؛ لأنه بين وجه الصبح وَوَضَحِه، وعلامته بياض ينتشر في الأفق عرضًا. أما آخر وقتها فهو بطلوع الشمس، فمتى طلعت الشمس فقد انتهى وقت صلاة الصبح، دليل ذلك ما رواه الترمذيُّ في السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس" (١). أيهما أفضل لصلاة الصبح: الإسفار بها أم التغليس ؟ ١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأفضل لصلاة الصبح التغليس، واستدلوا لذلك بحديث عائشة ﵂ أنها قالت: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن

стр. 239

أحد من الغلس" (١) أي: لا يعرفهن أحد من الظلمة. ٢ - وذهب الحنفية (٢) إلى أن الإسفار أفضل، ومعنى الإسفار هو أن يؤخر الصلاة إلى أن ينتشر الضوء، وتمكين كل من يريد الصلاة جماعة أن يسير في الطريق دون أن يلحقه ضرر، كأن تَزِلَّ قدمه أو يقع في حفرة أو غير ذلك من الأضرار، واستدلوا لذلك بحديث: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" (٣) وعللوا لذلك أيضًا بأنهم قالوا إن الإسفار فيه تكثير للجماعة، وفي التغليس تقليل لها، فكان الأفضل الإسفار. واستثنوا من ذلك صلاة الفجر بمزدلفة يوم النحر، فإنهم قالوا بأنه يستحب فيها التغليس. وهذا عند جميع الفقهاء (٤). قلنا: والذي يظهر أن الأولى للإمام أن يدخل في الصلاة بالتغليس وينصرف في الإسفار هذا هو الذي تقتضيه الأدلة، وهذا هو ما رجحه الطحاوي ﵀ في شرح معاني الآثار (٥). أما قوله ﷺ : "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" فليس معناه تأخير الصلاة حتى يسفر الفجر، وإنما معناه أن الإِمام يطيل في صلاة الفجر، ولذلك كان النبي ﷺ يطيل في صلاة الفجر ليخرج منها في الإسفار، فعن أبي بَرْزَةَ الأسلمي قال: "كان رسول الله ﷺ ينصرف من الصبح، فينظر الرجل إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفة" (٦).

стр. 240

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حين سئل عن تأخر البعض عن صلاة الفجر حتى الإسفار معللين ذلك بما ورد في الحديث: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" (١) - قال: "هذا الحديث لا يخالف الأحاديث الصحيحة الدالة على أن النبي ﷺ كان يصلي الصبح بَغَلَسٍ، ولا يخالف أيضًا حديث: "الصلاة لوقتها" (٢)، وإنما معناه عند جمهور أهل العلم تأخير صلاة الفجر إلى أن يتضح الفجر ثم تؤدى قبل زوال الغَلَسِ كما كان النبي ﷺ يؤديها، إلا في مزدلفة فإن الأفضل التبكير بها من حين طلوع الفجر؛ لفعل النبي ﷺ في حجة الوداع، وبذلك تجتمع الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ -في وقت أداء صلاة الفجر، وهذا كله على سبيل الأفضلية" (٣). بم تدرك صلاة الصبح ؟ اختلف الفقهاء في ذلك؛ فمذهب الشافعية (٤) والحنابلة (٥) أن الصلاة تدرك بتكبيرة الإحرام، واستدلوا لذلك بحديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها" (٦) فقالوا: السجدة جزء من الصلاة، فدل على إدراكها بإدراك جزء منها.

стр. 241

والصحيح: أن الصلاة تدرك بإدراك ركعة، وهذا هو إحدى الروايتين عن أحمد (١). ثانيًا: وقت صلاة الظّهر: من خلال الحديث المتقدم -أعني حديث جبريل حين أمّ النبي ﷺ في الصلاة- يتضح لنا أن وقت الظهر يبدأ من زوال الشمس عن وسط السماء تجاه الغرب، ولا يصح أداء الصلاة قبل الزوال. بماذا يعرف الزوال ؟ يعرف بأن تغرز خشبة مستوية في الأرض والشمس ما زالت في المشرق، فما دام ظل الخشبة ينتقص فالشمس قبل الزوال. فإذا لم يكن للخشبة ظل أو تم نقص الظل بأن كان الظل أقل ما يكون، فالشمس في وسط السماء، وهو الوقت الذي تمنع فيه الصلاة؛ فإذا انتقل الظل من المغرب إلى المشرق وبدأ في الزيادة، فقد زالت الشمس عن وسط السماء ودخل وقت الظهر، وهذا هو أول وقت الظهر. أما آخر وقت الظهر: ١ - فذهب جمهور الفقهاء (٢) إلى أن آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله، سوى فيء الزوال، واستدلوا لذلك بالحديث المتقدم، وفيه: "أنه صلى به الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله" (٣).

стр. 242

٢ - وذهب أبو حنيفة (١) إلى أن نهاية وقت الظهر حين يبلغ ظل الشيء مثليه، سوى فيء الزوال، واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله ﷺ : "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فَيْحِ جهنم" (٢) قالوا: والإبراد لا يكون إلا إذا كان ظل كل شيء مثليه، لا سيما في البلاد الحارة كالحجاز. الراجح: يتبين من ذلك رجحان ما ذهب إليه الجمهور من أن آخر وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال؛ لدلالة السنة على ذلك. وهذا هو اختيار الشيخ محمَّد بن العثيمين (٣). الأفضلية في أداء صلاة الظهر: الأفضل في صلاة الظهر تعجيلها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٤)، ولأنه ﷺ سئل: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها" (٥) أي: حين دخول وقتها. لكن مع شدة الحر يكون الأفضل تأخيرها حتى ينكسر الحر؛ لثبوت ذلك عن النبي حيث قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فَيْحِ جهنم" (٦). وحد الإبراد إلى قرب صلاة العصر، دليل ذلك ما رواه البخاري من

стр. 243

حديث أبي ذر قال: كنا مع النبي في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : "أبرد" ثم أراد أن يؤذن، فقال له: "أبرد" حتى رأينا فيء التُّلُول، فقال النبي ﷺ : "إن شدة الحر من فَيْحِ جهنم" (١). لكن: هل الإبراد لمن يصلي جماعة أم يجوز الإبراد وإن كان المصلي منفردًا؟ على قولين لأهل العلم: فمنهم من قال بأن الإبراد لمن يصلي جماعة أو يكون بيته بعيدًا فيتضرر بالذهاب إلى الصلاة (٢). وقال بعضهم: لا يشترط ذلك، بل يجوز الإبراد بالظهر ولو صلى وحده. وهذا هو المذهب عند الحنابلة (٣)، وهذا هو الصحيح. قلنا: وإذا كانت المساجد فيها الإبراد بالوسائل الحديثة من المكيفات والمراوح وما شابه ذلك، فإنه لا ينبغي التأخر عن صلاة الظهر بحجة الإبراد؛ لأن الإبراد حاصل في المساجد ولله الحمد، فليس هناك عذر في التخلف عن صلاة الجماعة، اللَّهم إلا إذا كان البيت بعيدًا جدًا يحصل به الضرر على المصلي من شدة الحر، فهنا يجوز له الإبراد والصلاة وحده. ثالثًا: وقت صلاة العصر: اختلف الفقهاء في مبدأ صلاة العصر: ١ - فذهب الجمهور (٤) إلى أن مبدأ صلاة العصر من حين الزيادة على المثل،

стр. 244

واحتجوا لذلك بحديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ ، وقد تقدم ذكره. ٢ - وذهب أبو حنيفة (١) إلى أن مبدأ صلاة العصر يكون من حين الزيادة على المثلين. ٣ - وذهب أكثر المالكية (٢) إلى أن وقت الظهر والعصر يتداخلان، بمعنى أنه لو صلى شخص صلاة الظهر عندما يكون ظل كل شيء مثله وآخر صلى العصر في نفس هذا الوقت، كانت صلاتهما أداء، واحتجوا لذلك بظاهر حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ وفيه: "أنه صلى به العصر في اليوم الأول في الوقت الذي صلى فيه الظهر في اليوم الثاني" (٣) الأمر الذي يدل على تداخل الوقتين. والصحيح: أنه لا تداخل بين وقت الظهر ووقت العصر، بل متى خرج وقت الظهر فإنه يدخل وقت العصر، وخروج وقت الظهر بأن يكون ظل كل شيء مثله، متى زاد على ذلك أدنى زيادة فقد دخل وقت العصر، هذا ما ذهب إليه الموفق في المغني (٤) وهو ما ذهب إليه الشافعية (٥) أيضًا. أما آخر وقت العصر فهو ما لم تغب الشمس -أي: قبيل الغروب- وهذا هو مذهب الجمهور (٦). وذهب المالكية في إحدى الروايات عنهم إلى أن آخر

стр. 245

وقت العصر ما لم تصفر الشمس (١). والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور من أن صلاة العصر يكون آخرها ما لم تغلب الشمس، أي: قبيل المغرب. بقليل، ودليل ذلك قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر" (٢). رابعًا: وقت صلاة المغرب: اتفق الفقهاء (٣) على أن أول وقت صلاة المغرب يكون بغروب الشمس وتكامل غروبها. وقد نقل ابن قدامة الإجماع على ذلك (٤). أما آخر وقتها عند جمهور الفقهاء ما لم يغب الشفق، واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" (٥). والمشهور عند المالكية (٦) وهو الجديد عند الشافعية (٧) أن للمغرب وقتًا واحدًا، وهو بقدر ما يتطهر المصلي ويستر عورته ويؤذن ويقيم للصلاة. والصحيح: هو ما ذهب إليه الجمهور من أن آخر وقت المغرب ما لم يغب الشفق، أي: وقت الحمرة -فإذا غابت الحمرة فقد خرج وقت المغرب.

стр. 246

الأفضلية في أداء صلاة المغرب: يسن تعجيل صلاة المغرب؛ لأن النبي ﷺ كان يصليها إذا وجبت، أي: إذا وجبت الشمس وغربت، فيبادر بها، لكن المبادرة ليس معناها أنه إذا أذن يقيم؛ لأن النبي ﷺ قال: "صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب" ثم قال: "لمن شاء" (١) وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يصلون قبل المغرب، ويدل على ذلك أيضًا قوله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة" (٢) وهو عام في المغرب وغيرها، ومن هنا نعلم أن التعجيل ليس معناه أن يقيم للصلاة حينما ينتهي من الأذان، بل يتأخر بمقدار الوضوء والركعتين وما شابه ذلك. واستثنى الفقهاء من استحباب التعجيل لصلاة المغرب حالة واحدة؛ وهي ليلة مزدلفة للحجاج، فإن المستحب في حقه أن لا يصلي المغرب في عرفة ولا في الطريق بل يصليها في مزدلفة جمعًا مع العشاء؛ لفعله ﷺ . لكن إذا خاف خروج وقت العشاء صلى المغرب والعشاء في الطريق، وبخاصة في الزحام الشديد، فإننا نرى بعض الناس لا يصل إلى مزدلفة إلا بعد خروج وقت العشاء، فهنا نقول بأنه يجب عليه أن ينزل فيصلي المغرب والعشاء وإن لم يصل إلى مزدلفة، فإن لم يمكنه النزول صلى ولو على ظهر راحلته -في السيارة أو غيرها- ويأتي بما استطاع من الأركان والشرائط، وما لم يستطع الإتيان به فإنه يسقط، فلا واجب مع عدم القدرة، ولا محرم مع الضرورة.

стр. 247

خامسًا: وقت صلاة العشاء . اتفق الفقهاء (١) على أن وقت صلاة العشاء حين يغيب الشفق، لكنهم اختلفوا في معنى الشفق؛ فالجمهور على أن الشفق هو الحمرة، وذهب أبو حنيفة (٢) إلى أن الشفق هو البياض الذي يظهر في جو السماء بعد ذهاب الحمرة التي تعقب غروب الشمس، والفرق بين الشفقين ما يعادل اثنتي عشرة دقيقة. أما نهاية وقت العشاء فهو محل خلاف بين الفقهاء: ١ - فالحنفية والشافعية وغير المشهور عند المالكية أن آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر الصادق (٣). واحتجوا لذلك بما رواه الترمذيُّ وغيره عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أول وقت العشاء حين يغيب الشفق، وآخره حين يطلع الفجر" (٤). ٢ - يرى المالكية في المشهور عندهم أن آخر وقت العشاء إلى ثلث الليل؛ لحديث إمامة جبريل المتقدم وفيه: "أنه صلاها -يعني: العشاء- في اليوم الثاني في ثلث الليل" (٥).

стр. 248

٣ - أما الحنابلة فيرون أن آخر وقت العشاء الاختياري إلى نصف الليل، وبعده إلى طلوع الفجر وقت ضرورة، يعني: يكون لمريض شفي من مرضه أو حائضٍ أو نفساء ونحو ذلك. والصحيح من هذه الأقوال أن آخر وقت العشاء هو نصف الليل، والأدلة على ذلك ظاهرة، منها: ١ - حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: " ... ووقت العشاء إلى نصف الليل .... " (١). ٢ - حديث جابر بن عبد الله ﵁، وفيه "أن جبريل ﵇ جاء النبي ﷺ فقال: قم فصل" وذكر الحديث بطوله، وفيه: "ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال: ثلثه، فصلى العشاء" إلى أن قال: "ما بين هذين وقت" (٢). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁، وفيه قوله ﷺ "إن للصلاة أولًا وآخرًا ... وأول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الشفق وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل" (٣). فهذه الأدلة بعمومها تدل على أن آخر وقت العشاء نصف الليل، وهذا ثابت من قوله وفعله ﷺ . ولهذا كان الراجح هو أن آخر وقت صلاة العشاء هو نصف الليل. وهذا هو اختيار الشيخين (٤) رحمهما الله.

стр. 249

الأفضلية في أداء صلاة العشاء: ١ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١) والحنابلة (٢) وهو قول عند الشافعية (٣)، إلى أن تأخير العشاء مستحب إلى ثلث الليل، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي برزة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يستحب أن يؤخر العشاء" (٤). وبحديث عمر ﵁ أيضًا حينما أخر النبي ﷺ العشاء، فقال له عمر ﵁: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله ورأسه يقطر ماء، وقال: "إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي" (٥). واستدلوا أيضًا بحديث جابر ﵁ وفيه أنه قال: "إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أَبْطَوْا أخر" (٦). وأيضًا احتجوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" (٧). فهذه الأدلة احتج بها الجمهور على أن الأفضل هو تأخير صلاة العشاء،

стр. 250

لكن قيد بعض الحنفية (١) هذا الحكم بأنه يستحب تأخير العشاء بالشتاء، وتعجيلها بالصيف. ٢ - وذهب المالكية (٢) والصحيح من القولين عند الشافعية إلى أن الأفضل للفذ والجماعة التي لا تنتظر غيرها تقديم الصلوات، ولو عشاء في أول وقتها المختار بعد تحقق دخوله، وقالوا: لا ينبغي تأخير العشاء إلا لمن يريد تأخيرها لشغل مهم. والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور من أن الأفضل للعشاء هو تأخيرها؛ لصراحة الأدلة على ذلك، لكن هذا مع مراعاة أحوال الناس، والأولى بلا شك هو مراعاة الناس كما هو ظاهر من حديث عمر، فخروجه ﷺ ورأسه يقطر ماء إنما هو لمراعاة أحوال الناس، فمتى رأى الجماعة قد اجتمعوا صلى وإن تأخروا أخر، وإن كان جماعة لا يهمهم التعجيل ولا التأخير فالأفضل التأخير. أما النساء في بيوتهن فالأفضل لهن التأخير إن سهل عليهن، وبهذا تجتمع الأدلة (٣). هل الأولى مراعاة تأخير صلاة العشاء إلى آخر الوقت أم الأولى مراعاة صلاة الجماعة؟ الجواب: صلاة الجماعة واجبة، وتأخير العشاء مستحب، ولا مقارنة بين الواجب والمستحب، فنقول بأن الواجب عليه أنه إذا كانت الجماعة تعجل العشاء فالواجب عليه أن يصلي معهم ولا يؤخر الصلاة؛ مراعاة للواجب (٤).
следующие страницы →