← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وقصر الجمهور قبول شهادة الرجل والمرأتين على ما هو مال أو بمعنى المال، كالبيع والإقالة، والحوالة والضمان ونحو ذلك (١). قال ابن المنذر: "وأجمعوا على شهادة النساء جائزة مع الرجال في الدين والأموال وأجمعوا على أن شهادتهن لا تقبل في الحدود" (٢). والحكمة في عدم قبول شهادة النساء في جرائم الحدود والقصاص: أن ذلك من باب توزيع الاختصاصات حيث تختص المرأة بشؤون البيت ورعاية الأولاد، ولأن هذه الجرائم غالبًا ما تقع في جو من الرعب والفزع أو في جو قذر مخز لا تتمكن المرأة فيه غالبًا من الاستعداد لتحمل الشهادة، ولأنها بطبعها أكثر تأثرًا بالعاطفة لرقتها مما يؤثر في ضبط الشهادة وأدائها وهذه الجرائم يحتاط فيها حيث تدرأ بالشبهات. كما أن جنس الرجال أقدر على تحمل الأذى من المشهود عليه بعد أداء الشهادة وأقدر على دفع الظلم عند مضارة المشهود عليه للشهود (٣). والحكمة من جعل شهادتها على النصف من شهادة الرجال: أن جنس النساء أكثر نسيانًا للقضايا التي تحصل فيها منازعات الناس غالبًا (٤). رابعا: شهادة النساء . وهي أن يؤدي الشهادة أمام القاضي نساء ليس معهن رجل. قال ابن قدامة: "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في قبول شهادة النساء المنفردات في الجملة".

стр. 1857

والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات أشياء منها: الولادة، والاستهلال والرضاع والعيوب تحت الثياب، والبكارة، والثيابة والبرص وانقضاء العدة. وقال: وتقبل فيما ذكرنا شهادة المرأة الواحدة، وعن أحمد رواية ثانية لا تقبل فيه إلا شهادة امرأتين (١). وقال الماوردي: "اختلف الفقهاء في عدد النساء فيما يشهدن فيه منفردات على أربعة مذاهب. أحدها: وهو مذهب الشافعي وعطاء أنه لا يقبل منهن أقل من أربع. والثاني: وهو مذهب الحسن البصري وعثمان البتي أنه يقبل منهن ثلاث. والثالث: وهو مذهب مالك أنه يقبل فيه امرأتان. والرابع: وهو مذهب الأوزاعي أنه يقبل فيه شهادة الواحدة" (٢). خامسًا: الشاهد واليمين . وهو أن يؤدي الشهادة أمام القاضي شاهد واحد، ويتعذر على المدعي إقامة شاهد ثان لتكميل النصاب الشرعي في الشهادة فيكلفه القاضي بأن يحلف على حقه، وتقوم هذه اليمين مقام الشاهد الآخر فتكمل الشهادة الشرعية، ويحكم القاضي بذلك. لما روى مسلم بسنده عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قضى بيمين وشاهد (٣).

стр. 1858

وروى الدارقطني بسنده عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق. وقضى به علي بالعراق (١). وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم قضوا باليمين مع الشاهد، ولم يرو عن أحد منهم أنه كره ذلك، كما روي عن جماعة من التابعين منهم الفقهاء السبعة (٢). وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وذلك في المال وما يؤول إلى المال (٣). وأنكر الحنفية القضاء بالشاهد واليمين وقالوا: لا بد من شاهد آخر وإلا حلف المدعى عليه؛ لأنه لم يرد في القرآن، ولأن اليمين إنما جعلت للنفي لا للإثبات (٤). والراجح: هو قول الجمهور لما استندوا إليه. الطريق الثاني: الإقرار . الإقرار سيد الأدلة إذ هو حاسم في فصل النزاع أمام القاضي فهو حجة في الإثبات وبه تظهر سائر الحقوق؛ لأن المدعى عليه إذا أقر يقطع النزاع ويعفي المدعي عن عبء الإثبات لعدم الحاجة إليه لذا اعتبرته الشريعة وسيلة من وسائل الإثبات شأنه في ذلك شأن البينة بل هو أقوى منها فالإنسان قد يتهم في حق غيره ما لا يتهم في حق نفسه؛ لأن العاقل لا يكذب على نفسه.

стр. 1859

تعريفه لغة واصطلاحًا: أما في اللغة: فالإِقْرارُ الاعتراف حيث يثبت الإنسان به على نفسه الحق، يقال: أقر بالحق أي اعترف به (١). وأما في الاصطلاح: فقد عرفه الحنفية بأنه إخْبَارٌ عن ثُبُوتِ حَقِّ الْغَيْرِ على نَفْسِهِ (٢). وعرفه المالكية بأنه خَبَرٌ يُوجِبُ حُكْمَ صِدْقِهِ على قَائِلِهِ فَقَطْ بلَفْظِهِ أو بلَفْظِ نَائِبِهِ (٣). وعرفه الشافعية بأنه إخبار عن حق ثابت على المخبر (٤). وعرفه الحنابلة بأنه إظهار المكلف الرشيد المختار ما عليه لفظًا أو كتابة أو إشارة أو على موكله أو موروثه أو موليه بما يمكن صدقه فيه (٥). وهذه التعاريف متقاربة المعاني. مشروعية الإقرار: الإقرار مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٦).

стр. 1860

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١). ومن السنة: ما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنهما قالا: إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي فقال رسول الله ﷺ : "قل" قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت، فارجمها" قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (٢). وما رواه البخاري ومسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، وهو في المسجد، فناداه فقال يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي ﷺ ، فقال: "أبك جنون؟ " قال: لا، قال: "فهل أحصنت؟ " قال: نعم، فقال النبي ﷺ : "اذهبوا به فارجموه" (٣).

стр. 1861

وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على صحة الإقرار؛ ولأن الإقرار إخبار على وجه ينفي عنه التهمة والريبة، فإن العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضر بها؛ ولهذا كان آكد من الشهادة فإن المدعى عليه إذا اعترف لا تسمع عليه الشهادة وإنما تسمع إذا أنكر (١). أركان الإقرار أركان الإقرار عند الجمهور أربعة: مُقِر، ومُقَر له، ومُقَر به، وصيغة (٢). وأما عند الحنفية فهو الصيغة فقط. قال الكاساني: "أما ركن الإقرار (الصيغة) فنوعان: صريح، ودلالة، فالصريح نحو أن يقول: لفلان عليَّ ألف درهم؛ لأن كلمة عليَّ كلمة إيجاب لغةً وشرعًا، وكذا إذا قال لرجل: لي عليك ألف درهم، فقال الرجل: نعم؛ لأن كلمة نعم خرجت جوابًا لكلامه وجواب الكلام إعادة له لغة كأنه قال: لك علي ألف درهم. وأما الدلالة فهي أن يقول له رجل: لي عليك ألف، فيقول: قد قضيتها؛ لأن القضاء اسم لتسليم مثل الواجب في الذمة فيقتضي أسبقية الوجوب فكان الإقرار بالقضاء إقرارًا بالوجوب ثم يدعي الخروج عنه بالقضاء، فلا يصح إلا بالبينة" (٣). شروط الإقرار: ١ - أن يكون المقِرّ مكلفًا، فلا يصح إقرار الصبي والمجنون والسكران لحديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على

стр. 1862

عقله حتى يعقل، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم" (١). ويقبل إقرار الصبي المميز المأذون له بالتجارة للضرورة إذا أقر بحق مالي أما إذا أقرّ بما يوجب عقوبة بدنية فلا يقبل إقراره عند الجمهور (٢). وقال الشافعية في السكران إن كان سكره حصل بطريق محرم كما لو تناول الخمر مختارًا وهو يعلم أنه خمر وجب أن يؤاخذ بإقراره؛ لأنه تناول ما يزيل عقله مع علمه أنه مسكر فوجب أن يتحمل كل ما يتولد من فعله ويترتب عليه، لينزجر عما نهي عنه وذلك تغليظًا عليه، وإن كان سكره حصل بطريق غير محرم كأن شرب الخمر قسرًا أو عن غير قصد فلا يؤاخذ بإقراره حال سكره، لعدم تعديه (٣). ٢ - ألا يكون المقِرّ متهما في إقراره كإقرار المريض لأحد الورثة بدين عليه، لأنه متهم بمحاباة هذا الوارث، والتهمة تخل برجحان جانب الصدق على جانب الكذب (٤). ٣ - أن يكون المقِر مختارًا فلا يصح إقرار المكره بالمال أو بالطلاق أو بغيرهما (٥). لما روى ابن ماجه، والطبرانيُّ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن

стр. 1863

الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١). ٤ - ألا يكذب المُقَر له المُقِر في إقراره فإن كذبه بطل الإقرار (٢). الرجوع عن الإقرار: قال ابن قدامة: لا يقبل رجوع المقر عن إقراره إلا فيما كان حدا لله تعالى يدرأ بالشبهات ويحتاط لإسقاطه فأما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التي لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات فلا يقبل رجوعه بها ولا نعلم في هذا خلافًا (٣). حكم مؤاخذة الشخص بإقرار غيره عليه: يلزم الشخص بإقراره على نفسه ولا يؤاخذ بإقرار غيره عليه وهذا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء. قال ابن عبد البر: "وقد أجمع المسلمون على أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره" (٤). الطريق الثالث من طرق الإثبات: اليمين . اليمين لغة: لفظ مشترك يطلق على اليد اليمنى، وعلى القوة، وعلى القسم. . . والمقصود به هنا الحلف؛ لأن العرب كانوا إذا تحالفوا يتماسحون بأيمانهم (٥).

стр. 1864

وفي الاصطلاح: توكيد الحكم المحلوف عليه بذكر معظم على وجه مخصوص (١). مشروعية الإثبات باليمين: اليمين مشروعة لتأكيد جانب الصدق على جانب الكذب في إثبات الحقوق أو نفيها وقد دل على مشروعية القضاء بها الكتاب والسنة وإجماع الأمة. فمن الكتاب: أمر الله رسوله ﷺ بالحلف في ثلاثة مواضع في إثبات الحق وهي: * قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (٢). * وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٣). * وقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٤). ومن السنة: وروى البخاري ومسلمٌ واللفظ لمسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه" (٥). أما الإجماع: فقد قال ابن قدامة: "أجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها" (٦).

стр. 1865

شروط اليمين وصيغتها: يشترط في اليمين أن يكون الحالف بالغًا، عاقلًا، مختارًا، وأن يكون المدعى عليه منكرًا لحق المدعي، وأن يطلب الخصم اليمين من القاضي، فهي حق له، وأن يوجهها القاضي إلى الحالف، وأن تتصل اليمين بالحالف مباشرة، فلا يحلف إنسان عن غيره، ولا تجوز الوكالة في اليمين، وأن لا يكون المدعى به حقًا خالصًا لله تعالى كالحدود فلا توجه فيها اليمين، وأن يكون المدعى به مما يحتمل الإقرار به شرعًا من المدعى عليه؛ لأنه مخير بين الإقرار فيلزم بموجبه، أو اليمين ليستحق بها، أو يدفع بها (١). قال ابن قدامة: "تصح اليمين من كل مكلف مختار قاصدًا إلى اليمين، ولا تصح من غير مكلف كالصبي والمجنون والنائم لقوله ﵊ رفع القلم عن ثلاثة (٢)؛ ولأنه قول يتعلق به وجوب حق فلم يصح من غير مكلف" (٣). ويشترط في صيغة اليمين أن تكون بالله تعالى أو بصفة من صفاته، وأن تكون جازمة ليس فيها تردد، أو ظن، أو تخمين حتى تحسم النزاع، وتنهي الخلاف (٤). ويجب أن يحلف الحالف على البت والقطع على فعل نفسه، سواء أكان إثباتًا أو نفيا، أما إذا كانت اليمين على فعل غيره فيحلف على سبيل القطع في الإثبات

стр. 1866

على أنه باع، أو اشترى، أو استأجر، أو طلق، ويحلف على نفي العلم في النفي فيقول: لا أعلم أنه اقترض أو باع. . . ولا بد أن تكون اليمين حسب الجواب في الدعوى عن سبب المدعى به، أو عن الحاصل والنتيجة، وتكون اليمين على نية القاضي المحلِّف فلا يجوز فيها التورية. وهل يصح حلف الكافر ومن لا يؤمن بالله؟ نعم يصح حلفه ويحلف ويكون ذلك بحسب ملته. حكم الحلف باليمين: الحلف باليمين عند الحاجة إليه كإثبات حق وتأكيد أمر مهم، أو إنكار ادعاء ونحو ذلك جائز لحديث رسول الله ﷺ : "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" (١). وروى البخاري بسنده عن عبد الله قال: أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف "لا ومقلب القلوب" (٢). ويكره كثرة الحلف بالله تعالى من غير حاجة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٣)؛ إذ أن هذا ذم له يقتضي كراهة فعله؛ ولأنه قد يعجز الحالف عن الوفاء بما حلف عليه قال حرملة سمعت الشافعي يقول: "ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا" (٤). وقد يكون مستحبًا إذا توقف عليه فعل مندوب، أو ترك مكروه كما لو قال: والله إن حفظت كذا حديثًا لأعطينك كذا.

стр. 1867

وقد يكون حرامًا فيما لو حلف على فعل معصية كأن قال: والله لأشربن الخمر (١). الوعيد الشديد على من يحلف كاذبًا: اليمين لها أثر ديني ودنيوي لما يترتب عليها من الأجر والثواب، أو المحق والعقاب ولما تفضي إليه من فض النزاع واكتساب الحق، أو نفيه ودفع الدعوى الباطلة في الاعتبار القضائي. ويتجلى في اليمين أثر الوازع الديني وخشية الله تعالى؛ لأن الحق معلق في ذمة الحالف، ومبلغ إيمانه؛ لذلك شدد الشارع الحكيم في شأن الأيمان وحث على التثبت فيها قبل الحلف، وتوعد الحالف كذبًا بالهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة إن لم يتب، اليمين الكاذبة من الكبائر، وتغمس صاحبها في النار حيث روى مسلم والنسائيُّ عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة"، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: "وإن كان قضيبا من أراك" (٢). وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتطع مال امرئٍ مسلمٍ بيمينٍ كلاذبة، لقي الله وهو عليه غضبان" قال عبد الله: ثم قرأ رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣). (٤).

стр. 1868

وروى البخاري أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماء فيقول الله يوم القيامة: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك" (١). وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله" قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عقوق الوالدين" قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" قلت: وما اليمين الغموس؟، قال: "الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب" (٢). فوائد أداء اليمين: ١ - تخويف المدعى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب فيحمله ذلك على الإقرار بالحق. ٢ - القضاء عليه بنكوله عنها. ٣ - انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر ولكنها لا تسقط الحق ولا تبرئ الذمة باطنًا ولا ظاهرًا فلو أقام المدعي بينة بعد حلف المدعى عليه سمعت وقضى بها وكذا لو ردت اليمين على المدعي فنكل ثم أقام المدعي بينة سمعت وحكم بها. ٤ - إثبات الحق بها إذا ردت على المدعي أو أقام معها شاهدًا واحدًا (٣).

стр. 1869

تغليظ اليمين وهو أنواع: ١ - تغليظ اليمين باللفظ . اختلف العلماء في جواز تغليظ اليمين بأسماء وصفات الله تعالى التي تقتضي تعظيمه على قولين: القول الأول: يجوز تغليظ اليمين بأسماء وصفات الله تعالى وإليه ذهب إلى الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. بأن يقول: أقسم بالله الذي لا إله إلا هو، أو أحلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية (١). واستدلوا بما يلي: أ - ما رواه أبو داود والنسائيُّ عن ابن عباس قال جاء خصمان إلى النبي ﷺ فادعى أحدهما على الآخر فقال النبي ﷺ للمدعي: "أقم بينتك" قال: يا رسول الله ليس لي بينة، فقال للآخر: "احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عليك أو عندك شيء" (٢). ب- وروى أبو داود عن ابن عباس أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ ، فسأل النبي ﷺ الطالب البينة، فلم تكن له بينة، فاستحلف المطلوب فحلف بالله الذي لا إله إلا هو فقال رسول الله ﷺ : "بلى قد فعلت ولكن قد غفر لك بإخلاص قول لا إله إلا الله" (٣).

стр. 1870

ج- أن عمر وأُبيًا تحاكما إلى زيد في نخل ادعاه أُبي، فتوجهت اليمين على عمر، فقال زيد: اعف أمير المؤمنين، فقال عمر: ولم يعفي أمير المؤمنين؟ إن عرفت شيئًا استحققته بيميني، وإلا تركته، والله الذي لا إله إلا هو، إن النخل لنخلي، وما لأُبي فيه حق (١). القول الثاني: أنه لا يجوز تغليظ اليمين ولكن يكتفى بلفظ الجلالة، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري. واستدل لذلك بأدلة من الكتاب والسنة، أما الكتاب فإن الآيات الكريمة اقتصرت على لفظ الجلالة قال الله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٣). فلا يجوز الزيادة عليه؛ لأن لفظ الجلالة يتضمن معاني الترغيب والترهيب. وأما السنة: فقد روى البخاري ومسلمٌ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ألا من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله"، وكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: "لا تحلفوا بآبائكم" (٤). وهذا نص جلي على إبطال الزيادة (٥). وقد أجاب الجمهور بأنه: لا تعارض بين أحاديث الاقتصار على لفظ الجلالة وأحاديث التغليظ؛ لحمل الأحاديث المقتصر على لفظ الجلالة على الوجوب والأحاديث الأخرى على الندب.

стр. 1871

٢ - التغليظ في الزمان والمكان: التغليظ في الزمان هو أن تكون اليمين بعد صلاة العصر؛ لأنه وقت معظم تجتمع فيه ملائكة الليل والنهار، وعند الحنابلة بعد صلاة العصر، أو بين الأذان والإقامة؛ لأنه وقت يرجى فيه إجابة الدعاء فيخاف الكاذب من الحلف. والتغليظ في المكان يكون بين المقام والركن في مكة، وفي المسجد النبوي عند المنبر أو فوقه في سائر البلدان، ويحلف أهل الذمة في الأماكن التي يعظمونها. وقد اختلف الجمهور القائلون بجواز تغليظ اليمين في الألفاظ في تغليظ اليمين في الزمان والمكان على قولين: القول الأول: أن التغليظ بالزمان والمكان جائز، وهو مذهب الشافعية والحنابلة في رواية والمالكية في قول. القول الثاني: أن التغليظ في الزمان والمكان غير جائز، وهو مذهب الحنفية والحنابلة في رواية (١). الأدله: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول على جواز تغليظ اليمين في الزمان والمكان بالكتاب والسنة. أولًا: الكتاب: قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ (٢).

стр. 1872

وجه الدلالة: صريح في القسم بعد الصلاة وهي صلاة العصر كما قال ابن عباس وشريح والشعبي وسعيد بن جبير وغيرهم، وقال المفسرون؛ لأنه وقت اجتماع الناس، ولأن أهل جميع الأديان يعظمون ذلك الوقت؛ ولأن ملائكة الليل والنهار تجتمع في هذا الوقت (١). قال القرطبي: الآية أصل في التغليظ (٢). ثانيا: من السنة: ما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر، فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا فصدقه رجل، وهو على غير ذلك" (٣). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ اعتبر اليمين بعد العصر أشد في النكال والإثم من غيرها فدل على اعتبار هذا الوقت مناسبًا للتغليظ. وروى أبو داود عن جَابِر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول ﷺ : "لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي هذا على يَمِينٍ آثِمَةٍ وَلَوْ على سِوَاكٍ أَخْضَرَ إلا تبَوَّأَ مَقْعَدَهُ من النَّارِ أو وَجَبَتْ له النَّارُ" (٤).

стр. 1873

وجه الدلالة: أن الحديث صريح في جواز التغليظ بالحلف بالمكان وهو في الحديث مسجد رسول الله ﷺ وحول منبره ويقاس عليه بقية المساجد والمنابر؛ لأنها أماكن للعبادة والتعظيم. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني على عدم جواز تغليظ اليمين في الزمان والمكان بالسنة والأثر. أولًا: السنة: روى البخاري ومسلمٌ عن ابن عباس أن النبي ﷺ ، قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (١). فالحديث دل على اليمين مطلقًا ولم يقيد بزمان أو مكان. ثانيًا: الأثر: ما روى الإِمام مالك عن دَاوُدَ بن الحصَيْنِ أنه سمع أَبَا غَطَفَانَ بن طَرِيفٍ المُرِّيَّ يقول: اخْتَصَمَ زَيْدُ بن ثَابِتٍ الأنصَارِيُّ، وابن مُطِيعٍ في دَارٍ كانت بَيْنَهُمَا إلى مَرْوَانَ بن الحكَمِ وهو أَمِيرٌ على المدِينَةِ، فَقَضَى مَرْوَانُ على زيدِ بن ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ على المنْبَرِ، فقال زَيْدُ بن ثَابِتٍ: أحلف له مَكَانِي، قال: فقال مَرْوَانُ: لاَ وَالله إلا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ، قال: فَجَعَلَ زَيْدُ بن ثَابِتٍ يَحلِفُ أن حَقَّهُ لَحَقٌّ وَيَأْبَى أن يَحْلِفَ على المنْبَرِ، قال: فَجَعَلَ مَرْوَانُ بن الحكَمِ يَعْجَبُ من ذلك (٢).

стр. 1874

وجه الدلالة: أن زيد بن ثابت امتنع عن الحلف على المنبر، ولو كانت واجبة لما امتنع. والراجح: جواز التغليظ في الزمان والمكان لكن يكون ذلك في الحالات العظيمة والوقائع الخطيرة وتختلف باختلاف الأشخاص ويخول القاضي سلطة تقديرها وتطبيقها. الطريق الرابع: القضاء بالنكول . النكول في اللغة: مصدر نكل بفتح الكاف وكسرها يدل على منع وامتناع يقال: نكل الرجل عن الأمر وعن العدو إذا جبن وامتنع. ونكل عن اليمين: هابها وترك الإقدام عليها وامتنع منها (١). وفي الاصطلاح: امتناع من وجبت اليمين عليه من أدائها (٢). حكم القضاء بالنكول: إذا نكل عن اليمين فهل يحكم عليه؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال: القول الأول: أن النكول طريقة من طرق الحكم، وهذا مذهب الحنفية ورواية عند الحنابلة، ويندب أن يقول له ثلاث مرات احلف وإلا قضيت عليك لجواز أن يكون المدعى عليه ممّن لا يرى القضاء بالنكول، أو يكون نكوله بسبب مهابة مجلس الحكم؛ لأن المدعى عليه مخير بين الإقرار، وأداء اليمين الموجهة إليه فلما

стр. 1875

نكل عن اليمين حمل نكوله على الإقرار؛ ولأنه لو كان صادقًا في إنكاره لحلف اليمين لحفظ حقوقه من الضياع (١). وقد استدلوا بما يلي: ١ - روى البخاري ومسلمٌ عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل جنس اليمين على المدعى عليه؛ لأن الألف واللام للاستغراق. ٢ - روى الإِمام مالك بسنده عن سَالِمِ بن عبد الله أَنَّ عَبْدَ الله بن عُمَرَ بَاعَ غُلاَمًا له بثمانمائة دِرْهَمٍ، وَبَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ، فقال الذي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ الله بن عُمَرَ: بِالْغُلاَمِ دَاءٌ لم تُسَمِّهِ لي، فَاخْتَصَمَا إلى عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، فقال الرَّجُلُ: بَاعَنِي عَبْدًا وَبِهِ دَاءٌ لم يُسَمِّهِ، وقال عبد الله: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَضَى عُثْمَانُ بن عَفَّانَ على عبد الله بن عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ له لقد بَاعَهُ الْعَبْدَ وما بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى عبد الله أَنْ يَحْلِفَ، وَارْتجَعَ الْعَبْدَ، فَصَحَّ عِنْدَهُ فَبَاعَهُ عبد الله بَعْدَ ذلك بِألفٍ وخمسمائة دِرْهَمٍ (٣). وجه الدلالة: أنه لما أبى عبد الله أن يحلف حكم عليه عثمان بالنكول فارتجع العبد ورد ثمنه.

стр. 1876

٣ - قال الكاساني: "إنَّ نُكُولَ المدَّعَى عليه دَلِيلُ كَوْنِهِ كَاذِبًا في إنْكَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لو كان صَادِقًا لمَا امْتَنَعَ من الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ فَكَانَ النُكولُ إقْرَارًا دَلَالَةً" (١). القول الثاني: أنه لا يقضى على المدعى عليه بالنكول وإنما ترد اليمين على المدعي، فإن حلف قضي له بما ادعاه، وإن لم يحلف لم يقض له بشيء وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٢). استدلوا بما يلي: ١ - استدلوا بآية الوصية في السفر وفيها: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ (٣). حيث أفادت رد اليمين من الشاهدين اللذين كتما وخانا إلى أقرب اثنين من الورثة إلى الميت، وهذا يدل على مشروعية رد اليمين ممّن وجبت عليه أولًا إلى غيره، ورد اليمين من المدعى عليه إذا نكل إلى المدعي ينطبق على ذلك فيكون مشروعًا (٤). ٢ - روى الحاكم والدارقطنيُّ والبيهقيُّ عن ابن عمر أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق (٥).

стр. 1877

قال ابن قدامة: "اختار أبو الخطاب رد اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عليه حلف المدعي وحكم له بما ادعاه قال: وقد صوبه أحمد فقال: ما هو ببعيد يحلف ويستحق وقال: هو قول أهل المدينة روي ذلك عن علي ﵁ وبه قال شريح والشعبي والنخعي وابن سيرين ومالك في المال خاصة وقاله الشافعي في جميع الدعاوى لما روي عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق؛ ولأنه إذا نكل ظهر صدق المدعي وقوي جانبه فتشرع اليمين في حقه كالمدعى عليه قبل نكوله وكالمدعي إذا شهد له شاهد واحد؛ ولأن النكول قد يكون لجهله بالحال وتورعه عن الحلف على ما لا يتحققه أو للخوف من عاقبة اليمين أو ترفعًا عنها مع علمه بصدقه في إنكاره ولا يتعين بنكوله صدق المدعي فلا يجوز الحكم له من غير دليل فإذا حلف كانت يمينه دليلًا عند عدم ما هو أقوى منها" (١). القول الثالث: أن المدعى عليه لا يقضى عليه بالنكول ولا ترد اليمين على المدعي بل يؤدب حتى يقر أو يحلف وهو قول ابن حزم. قال ابن حزم: "فإن لم يكن للطالب بينة وأبى المطلوب من اليمين أجبر عليها أحب أم كره بالأدب ولا يقضي عليه بنكوله" (٢). القول الرابع: أنه إذا كان المدعي عالمًا بما يدعيه قطعًا لا يقضى له بمجرد نكول المدعى عليه وإنما ترد اليمين على المدعي فإن حلف استحق ما يدعيه، وإن نكل لم يحكم له

стр. 1878

بنكول المدعى عليه بل لا بد من بينة أو إقرار، وإن كان المدعي لا يعلم بما يدعيه قطعًا بل المدعى عليه هو المنفرد بمعرفته ونكل المدعى عليه عن اليمين حكم بالنكول ولم ترد اليمين على المدعي. وبه قال ابن تيمية وابن القيم (١). الترجيح: ولعل القول الأخير هو الراجح؛ لما فيه من العمل بالأدلة كلها. الطريق الخامس: القضاء بالقرائن . القرينة لغة: مأخوذة من قرن الشيء بالشيء أي سنده إليه ووصله به، كجمع البعيرين في حبل واحد، وكالقران بين الحج والعمرة، أو كالجمع بين التمرتين عند الأكل، وتأتي المقارنة بمعنى المرافقة والمصاحبة، ومنه ما يطلق على الزوجة قرينة، وعلى الزوج قرين (٢). وفي الاصطلاح: أمارة يستدل بها على المطلوب (٣). وقال في موسوعة الفقه الإِسلامي: "القرينة: هي التي توجد عند الإنسان علمًا بموضوع النزاع والاستدلال يكاد يكون مماثلًا للعلم الحاصل من الشاهد والعيان" (٤). مشروعية الحكم بالقرائن: الأدلة على مشروعية القرائن من الكتاب والسنة.

стр. 1879

فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (١). قال القرطبي: "لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها وهي سلامة القميص من التنييب إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص من التخريق ولما تأمل يعقوب ﵇ القميص فلم يجد فيه خرقًا ولا أثرًا استدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان هذا الذئب حكيمًا يأكل يوسف ولا يخرق القميص" (٢). قال ابن فرحون: "استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل كثيرة من الفقه" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٤). هذه الآيات أصل في الحكم بالقرائن. قال الشنقيطي: "يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب؛ لأن كون القميص مشقوقًا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها وهي تنوشه من خلفه" (٥).

стр. 1880

ومن السنة: ما رواه البخاري ومسلمٌ من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" (١). وجه الدلالة من الحديث: أن الرسول ﷺ جعل صمات البكر قرينة على رضاها، ويعتبر هذا الحديث من أقوى الأدلة على الحكم بالقرائن. وروى البخاري ومسلمٌ أيضًا عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل قال: قلت: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا قال: فتعجبت لذلك فغمزني الآخر فقال: مثلها قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه فقال: "أيكما قتله" فقال كل واحد منهما: أنا قتلته فقال: "هل مسحتما سيفيكما" قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. والرجلان: معاذ ابن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء (٢). فإن نظر الرسول ﷺ إلى السيفين عمل بالقرينة ليرجح من القاتل بما يراه من أثر الطعان وصبغ الدم فأعطى السلب لمعاذ بن عمرو بن الجموح لوجود علامات على سيفه تشير إلى أن سيفه أنفذ مقاتل أبي جهل فكان هو المؤثر في قتله.

стр. 1881

وإنما قال: "كلاكما قتله" وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه ليطيب نفس الآخر (١). ومن أمثلة الحكم بالقرينة: * الرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها سابقًا فتزفها إليه ولائد لا يثبت بشهادتهن أن هذه هي فلانة التي وقع عليها العقد فيجوز له جماعها من غير احتياج إلى بينة تشهد على عينها أنها هي التي وقع العقد عليها اعتمادًا على قرينة النكاح. * وكالرجل ينزل ضيفًا عند قوم فيأتيه الخادم بالطعام فيجوز له الأكل من غير احتياج إلى ما يثبت إذن مالك الطعام له في الأكل اعتمادًا على القرينة. * وكقول مالك ﵀ ومن وافقه: "إن من شم في فيه ريح الخمر يحد حد الشارب اعتمادًا على القرينة؛ لأن وجود ريحها في فيه قرينة على أنه شربها" (٢). تعارض القرائن: القاعدة العامة أن القرائن إذا تعارضت فإن العمل يكون بأقواها، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٣)، حيث إن إخوة يوسف لما جعلوا يوسف في غيابة الجب جعلوا على قميصه دم سخلة ليكون قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها وهي عدم شق القميص فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليمًا كيسًا

стр. 1882

يقتل يوسف ولا يشق قميصه؟ ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١). ما يقضى فيه بالقرائن: أولًا: اتفق الفقهاء على جواز العمل بالقرائن في المسائل التي تنعدم فيها البينات، أو تكون القرينة فيها أقوى من البينة، كما لو شهد على رجل أربعة أنه زنا بامرأة فحكم برجمه فإذا هو مجبوب أو المرأة عذراء (٢). ثانيًا: ذهب المالكية ورواية عن الإِمام أحمد إلى أنه يقضى بالقرينة في حد الزنا بالحبل، وفي حد الخمر بالرائحة (٣). ثالثًا: ذهب ابن القيم إلى القضاء بالقرائن في جميع الحقوق (٤). رابعًا: ذهب الجمهور إلى أنه لا يقضى بالقرينة في الحدود والقصاص. القرائن الحديثة: وهي قرائن في العصر الحديث أمكن بواسطة العلم اكتشاف وسائل وأجهزة متنوعة ومتعددة يتوصل بها إلى بيان الحقيقة وكشف الجريمة وتعتبر نتائجها من نوع القرائن المثبتة؛ فمن هذه القرائن: ١ - بصمات اليد: وهي خطوط في أطراف الأصابع وفي باطن اليدين على أشكال عدة تتميز

стр. 1883

بها بصمة كل شخص عن الآخر، إذ من الثابت استحالة تشابه وتطابق بصمتين لشخصين في العالم حتى في التوأمين، وهذا برهان قاطع على قدرة الله وعظيم خلقه. والبصمات وسائل علمية استعملتها الأجهزة الأمنية في الكشف عن المجرمين وغير ذلك، وأثبتت التجارب صحة نتائجها، وقد درج الناس على العمل بها في الإقرارات، والمعاملات والعقود وما إلى ذلك مما تكون مفيدة فيه. فإذا تبين للقاضي أن هذه بصمة أصبع لشخص معين اعتمدها في الحكم إذا كان من قد أجراها عدلًا، وعلى القاضي حين اعتماده في الحكم على البصمة أن يحترس من الاحتمالات التي من شأنها القدح في العمل بالبصمة كالتزوير وما أشبه ذلك (١). ٢ - التحاليل المخبرية للبصمة الوراثية (DNA) بالحمض النووي: يقوم خبراء المختبرات بتحليل الدم والبول وغير ذلك ممّا يمكن تحليله لتحديد البصمة الوراثية لما هو موجود على مسرح الجريمة ومقارنة ذلك بما لدى المتهم ويكون قرينة قوية عند توافق النتيجة، فيمكن تحليل الدم الموجود على الآلة المستعملة في تنفيذ الجريمة، أو الموجود على الثياب، أو غير ذلك مما يكون قريبًا من مكان الحادثة في سبيل الكشف عن المجرم، وقد تكون نتائج التحاليل مفيدة إلا أن القطع بدقتها وصحتها موضع نظر؛ لأن تشابه فصائل الدم بين شخص وآخر أمر وارد مع إمكانية خطأ التحليل وتزويره فعلى القاضي سؤال أهل الخبرة الثقات حتى يستفيد من هذه القرينة في التوصل إلى الحق.

стр. 1884

٣ - الصور الفوتوغرافية: من الوسائل التي يستند عليها في الإثبات، أو النفي في الخصومات الصور الفوتوغرافية ومن المعلوم أن من الصور ما يكون لأشخاص، أو وقائع، أو مستندات مكتوبة وغير ذلك مما يشمله التصوير وهو يُعد قرينة حديثة ودليلًا من أدلة الإثبات، ويعتمدها المحققون في تحقيقاتهم الجنائية إلا أنه من المسلّم به إمكانية تزوير الصور وتغييرها وتشابهها وتعديلها ولذلك لا تكون بينة إلا إذا صدّقت تلك الصور من مصادر رسمية على أنها مطابقة للأصل، وعلى القاضي المسلم أن يكون دقيقًا وحذرًا وعليه أن يستعين بأهل الخبرة الثقات حين نظره في هذه الصور، وليس في الشريعة الإِسلامية ما يمنع من الاستعانة بها (١). الطريق السادس: القيافة . القيافة لغة: مصدر قاف بمعنى تتبع أثره ليعرفه وهي حرفة القائف (٢). ويقال: هو أقوف للأثر: بالغ المعرفة به ونهاية في تتبعه (٣). قال ابن منظور: "القائف: هو الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه" (٤). ويظهر من هذا التعريف أن القيافة نوعان: معرفة الآثار، ومعرفة الشبه. وفي الاصطلاح: هي معرفة الشبه بين الولد والوالد ليلحق الولد بأبيه عند التنازع في استلحاقه أكثر من واحد وذلك من خلال معرفة أثر الأقدام.

стр. 1885

قال الجرجاني: "القائف هو الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود" (١). مشروعية القضاء بالقيافة: الأصل في مشروعية الأخذ بالقيافة ما رواه البخاري ومسلمٌ عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم وهو مسرور فقال: "يا عائشة ألم ترى أن مجززًا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٢). وحديث أنس ﵁ قال: "قدم أناس من عكل، فاجتووا المدينة فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا النعم فجاء الخبر في أول النهار فبعث في آثارهم فلما ارتفع النهار جيء بهم فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله" رواه البخاري ومسلمٌ (٣). فقد أمر ﷺ بتتبع آثار الأقدام في البحث عن هؤلاء الجناة حتى جيء بهم إليه. وما قيل في البصمات من لزوم الاحتياط والتثبت، يقال هنا في تتبع آثار الأقدام (٤).

стр. 1886

إثبات النسب بالقيافة: اختلف الفقهاء في مشروعية القضاء بالقيافة في إثبات النسب على قولين: القول الأول: إن النسب يثبت بقول القافة وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (١). القول الثاني: أن النسب لا يثبت بقول القافة وبه قال الحنفية (٢). الأدلة: استدل الجمهور على مشروعية العمل بالقيافة بما يلي: ١ - روى البخاري ومسلمٌ عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم وهو مسرور فقال: "يا عائشة ألم ترى أن مجززًا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٣). قال أبو داود: كان أسامة أسود وكان زيد أبيض (٤). وجه الاستدلال من الحديث: أن القائف ألحق أسامة بأبيه زيد بناء على ما رآه من شبه بينهما وقد سر رسول الله ﷺ بذلك فدل سروره على مشروعية القيافة إذ لا يسر إلا بحق. ٢ - روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي في قصة عويمر العجلاني وقذف امرأته إلى أن قال: قال النبي ﷺ : "انظروها فإن جاءت به أحمر قصيرًا مثل

стр. 1887

وحرة فلا أراه إلا قد كذب، وإن جاءت به أسحم أعين ذا إليتين فلا أحسب إلا قد صدق عليها" فجاءت به على الأمر المكروه (١). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ ألحق الولد بمن يشبهه وهذا هو حقيقة القيافة فدل ذلك على مشروعية العمل بها. ٣ - روى البخاري ومسلمٌ عن عائشة ﵂ أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أنه ابنه انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة" قالت: فلم ير سودة قط (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ رتب على شبه الولد بعتبة أنه ليس ابنًا لزمعة ولذلك أمر سودة بالاحتجاب منه فدل على مشروعية العمل بالقيافة. أدلة الحنفية: ١ - ما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًا أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وإني أنكرته، فقال له رسول الله ﷺ : "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: إن فيها لورقًا، قال: "فأنى ترى ذلك جاءها؟ " قال: يا رسول الله، عرق نزعها، قال: "ولعل هذا عرق نزعه" ولم يرخص له في الانتفاء منه (٣).

стр. 1888

وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أبطل الاعتماد على الشبه في اللون الذي يكون بين الأصل والفرع فدل ذلك على بطلان الاعتماد على القيافة؛ لأنها تقوم على اعتبار الشبه. ونوقش هذا: بأنه يدل على اعتبار العمل بالقيافة؛ لأن الرسول ﷺ ألحق الإبل بأصلها البعيد اعتمادًا على الشبه بينها وهذا هو معنى القيافة. ٢ - روى البخاري ومسلمٌ عن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ ، قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ حصر طريق ثبوت النسب في الفراش دون غيره فدل ذلك على نفي اعتبار القيافة طريقًا لثبوت النسب. وقد أجيب عنه: بأن هذا الدليل لا ينفي القيافة إلا عند وجود الفراش؛ لأن الفراش أقوى منها. الراجح: هو قول الجمهور لقوة ما استندوا إليه. شروط العمل بالقيافة: ١ - أن يوجد تنازع في ادعاء الولد كما لو ادعى اثنان نسب مولود وليست هناك بينة أو قرينة لأحدهما فيعمل بالقيافة في هذه الحالة. ٢ - أن لا يكون مع أحد المتداعيين دليل أقوي من القيافة، فإن وجد مع أحدهما دليل أقوى من القيافة فإنه يعمل به ولا عبرة بالقيافة حينئذ. فلو ادعى الولد اثنان وجاء أحدهما بشهود يشهدون أنه ابنه وجاء الآخر بقافة ألحقوا الولد به، حكم القاضي لمن أقام البينة؛ لأنها أقوى من القيافة.

стр. 1889

٣ - أن لا يكون مع أحد المتداعيين قرينة أقوي من القيافة، فإذا ادعى شخص ولدًا ولد على فراش رجل فإنه يحكم بالولد لصاحب الفراش ولا عبرة للقيافة. ومن الوسائل الحديثة كما تقدم الحمض النووي (DNA) قد تستخدم هذه التقنية عند الاختلاف في النسب كما إذا ولدت امرأتان في مستشفى واختلط الأولاد وتعذر تمييزهم فيمكن تمييزهم عن طريق الحمض النووي. الطريق السابع: قضاء القاضي بعلمه . المقصود بقضاء القاضي بعلمه أن يعتمد في حكمه على ما علمه اليقيني أو ظنه المؤكد (١). حكم قضاء القاضي بعلمه: أولًا: لا اختلاف بين الفقهاء أن للقاضي أن يحكم بعلمه في الجرح والتعديل (٢). ثانيًا: لا يختلف المذاهب الأربعة في عدم، جواز قضاء القاضي بعلمه في الحدود التي هي خالصة لله تعالى كالزنا وشرب الخمر (٣)؛ لحديث ابن عباس ﵄ في المتلاعنين، قال رسول الله ﷺ : "لو رَجمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجمْتُ هذه" (٤). وذلك لعلمه ﷺ بزناها.

стр. 1890

وأثر أبي بكر ﵁ أنه قال: "لو رأيت رجلًا على حد من حدود الله -تعالى- ما أخذته، ولا دعوت له أحدًا حتى يكون معه غيري" (١). ولأن مبناها على الستر والاحتياط والدرء بالشبهات. ثالثًا: اختلفوا فيما عدا ذلك هل يقضي بعلمه على أحد دون بينة أو إقرار: القول الأول: أن القاضي لا يحكم بعلمه في حقوق الآدميين، وسواء في ذلك علمه قبل الولاية وبعدها. وهو مذهب المالكية وغير الأظهر عند الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة، والمفتى به عند الحنفية لفساد الزمن (٢). واستدلوا بأدلة كثيرة أهمها ما يأتي: ١ - حديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "إنما أنا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلي وَلَعَلَّ بَعْضَكُم أَنْ يَكُونَ أَلحنَ بِحُجَّتِهِ من بَعْضٍ فَأَقْضِي على نَحْوِ ما أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ له بحق أخِيهِ شيئًا فلا يَأْخُذْهُ فَإِنَّما أَقْطَعُ له قِطْعَةً من النَّارِ" (٣). فدل الحديث على أنه إنما يقضي بما يسمع لا بما يعلم. ٢ - حديث وَائِلِ بن حُجْرٍ ﵁ قال: كنت عِنْدَ رسول الله ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ في أَرْضٍ فقال أَحَدُهُمَا: إِنَّ هذا انْتَزَى على أَرْضِي يا رَسُولَ الله في الجاهِلِيَّةِ -وهو أمرؤ الْقَيْسِ بن عَابِسٍ الْكِنْدِيُّ وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بن عِبْدَانَ- قال: "بَيِّنَتُكَ"، قال: ليس لي بَيِّنَةٌ، قال: "يَمِينُهُ"، قال: إِذَنْ يَذْهَبُ بها! قال: "ليس لك

стр. 1891

إلا ذَاكَ"، قال: فلما قام لِيَحْلِفَ قال رسول الله ﷺ : "من اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضْبَانُ" (١). ٣ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث أبا جهم على صدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي ﷺ فأخبروه فأعطاهم الأرش ثم قال ﵊: "إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم أرضيتم" قالوا: نعم، فصعد رسول الله ﷺ المنبر فخطب الناس وذكر القصة وقال: "أرضيتم" قالوا: لا، فهم بهم المهاجرون فنزل رسول الله ﷺ فأعطاهم ثم صعد المنبر فخطب ثم قال: "أرضيتم" قالوا: نعم، فهذا بين في أنه لم يحكم عليهم بعلمه ﷺ . ٤ - عن الضحاك قال: اختصم رجلان إلى عمر بن الخطاب ادعيا شهادته فقال لهما عمر ﵁: "إن شئتما شهدت ولم أقض بينكما وإن شئتما قضيت ولم أشهد" (٢). ٥ - ولأن علمه كشهادته والشهادة لا تجوز بأقل من اثنين فلو جاز للقاضي أن يحكم بعلمه لصار إثبات الحق بشهادة واحد. ٦ - ولأنه لو صار القاضي كالشاهدين لصح عقد النكاح بحضوره وحده لقيامه مقام شاهدين وفي امتناع هذا دليل على منعه من الحكم بعلمه. ٧ - ولأن العلة في القضاء بالبينة أو الإقرار انتفاء التهمة والحاكم إذا قضى بعلمه كان مدعيًا علم ما لم يعلم إلا من جهته فكان متهما.

стр. 1892

القول الثاني: يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه سواء في ذلك علمه قبل ولاية القضاء أم بعدها. وهو مذهب أبي يوسف ومحمَّد من الحنفية وهو المعتمد عندهم والأظهر عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (١). واستدلوا بأدلة كثيرة أهمها ما يأتي: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٢)، فدل على أنه يجوز أن يقفوا ما له به علم. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣). ١ - حديث عائشة ﵂ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قالت: يا رَسُولَ الله إِنَّ أَبا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي ما يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلا ما أَخَذْتُ منه وهو لَا يَعْلَمُ؟ فقال: "خُذِي ما يَكْفِيكِ وَوَلدَكِ بِالمَعْرُوفِ" (٤). فلم يكلفها النبي ﷺ البينة؛ لأنه يعلم صدقها وحال زوجها. ٢ - أنه إذا جاز أن يقضي بالشهادة وهي تفيد غلبة الظن، فلأن يجوز قضاؤه بعلمه الذي يفيد اليقين من باب أولى.

стр. 1893

القول الثالث: أنه يجوز للقاضي أن يقضي في حقوق الآدميين بما يعلمه في زمن توليه القضاء وفي المكان الذي تسري فيه ولايته، ولا يجوز له القضاء بما يعلمه في غير زمن توليه للقضاء ولا في مكانه ولايته وهو مذهب أبي حنيفة (١). وعلل ذلك بأن علمه زمن توليه القضاء وفي مكان ولايته علم حاصل في حالة هو مكلف فيها بالقضاء فأشبه البينة القائمة عنده، بخلاف علمه قبل زمن توليه القضاء وخارج مكان ولايته إذ هو غير مكلف بالقضاء في هذه الحالة. الترجيح: الراجح قول الجمهور لما استندوا إليه وسدًا لباب الفساد لا سيما في الزمن الحاضر، وليس أحد من القضاة كرسول الله ﷺ مهما بلغ من الورع والعدل.

стр. 1894

الفِقهُ الميَسَّر كتاب المحاماة

стр. 1895

كتاب المحاماة المحاماة في اللغة: مصدر حامى عنه يحامي محاماةً وحِماءً إذا منع ودافع عنه، يقال: الضروس تحامي عن ولدها أي تمنع عنه، ويقال أيضًا: حمى الرجلَ يحميه حِمايةً إذا منع عنه (١). وفي الاصطلاح: المحاماة هي النيابة عن الخصوم في إجراءات التقاضي بالحضور والدفاع عنهم مشافهة أو كتابة بتقديم المذكرات لشرح وجهة نظرهم وتقديم ما يؤيدها من أوراق ومستندات (٢). وعرف النظام السعودي مهنة المحاماة بأنها: الترافع عن الغير أمام المحاكم وديوان المظالم واللجان المشكلة بموجب الأنظمة والأوامر والقرارات لنظر القضايا الداخلة في اختصاصها ومزاولة الاستشارات الشرعية والنظامية (٣). والمحامي وفق هذا النظام هو من يزاول مهنة المحاماة (٤). والمحاماة في ظل الأنظمة الوضعية المعاصرة رسالة ذات غايات قومية وإنسانية نبيلة تستهدف الدفاع عن الحقوق الطبيعية والموضوعية للأفراد والأمة والوطن والإنسانية (٥). ويقابلها في الفقه الإسلامي الوكالة بالخصومة، وتعرف بأنها: إنابة شخص
следующие страницы →