← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

إلا ذَاكَ"، قال: فلما قام لِيَحْلِفَ قال رسول الله ﷺ : "من اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضْبَانُ" (١). ٣ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث أبا جهم على صدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي ﷺ فأخبروه فأعطاهم الأرش ثم قال ﵊: "إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم أرضيتم" قالوا: نعم، فصعد رسول الله ﷺ المنبر فخطب الناس وذكر القصة وقال: "أرضيتم" قالوا: لا، فهم بهم المهاجرون فنزل رسول الله ﷺ فأعطاهم ثم صعد المنبر فخطب ثم قال: "أرضيتم" قالوا: نعم، فهذا بين في أنه لم يحكم عليهم بعلمه ﷺ . ٤ - عن الضحاك قال: اختصم رجلان إلى عمر بن الخطاب ادعيا شهادته فقال لهما عمر ﵁: "إن شئتما شهدت ولم أقض بينكما وإن شئتما قضيت ولم أشهد" (٢). ٥ - ولأن علمه كشهادته والشهادة لا تجوز بأقل من اثنين فلو جاز للقاضي أن يحكم بعلمه لصار إثبات الحق بشهادة واحد. ٦ - ولأنه لو صار القاضي كالشاهدين لصح عقد النكاح بحضوره وحده لقيامه مقام شاهدين وفي امتناع هذا دليل على منعه من الحكم بعلمه. ٧ - ولأن العلة في القضاء بالبينة أو الإقرار انتفاء التهمة والحاكم إذا قضى بعلمه كان مدعيًا علم ما لم يعلم إلا من جهته فكان متهما.

стр. 1892

القول الثاني: يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه سواء في ذلك علمه قبل ولاية القضاء أم بعدها. وهو مذهب أبي يوسف ومحمَّد من الحنفية وهو المعتمد عندهم والأظهر عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (١). واستدلوا بأدلة كثيرة أهمها ما يأتي: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٢)، فدل على أنه يجوز أن يقفوا ما له به علم. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣). ١ - حديث عائشة ﵂ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قالت: يا رَسُولَ الله إِنَّ أَبا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي ما يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلا ما أَخَذْتُ منه وهو لَا يَعْلَمُ؟ فقال: "خُذِي ما يَكْفِيكِ وَوَلدَكِ بِالمَعْرُوفِ" (٤). فلم يكلفها النبي ﷺ البينة؛ لأنه يعلم صدقها وحال زوجها. ٢ - أنه إذا جاز أن يقضي بالشهادة وهي تفيد غلبة الظن، فلأن يجوز قضاؤه بعلمه الذي يفيد اليقين من باب أولى.

стр. 1893

القول الثالث: أنه يجوز للقاضي أن يقضي في حقوق الآدميين بما يعلمه في زمن توليه القضاء وفي المكان الذي تسري فيه ولايته، ولا يجوز له القضاء بما يعلمه في غير زمن توليه للقضاء ولا في مكانه ولايته وهو مذهب أبي حنيفة (١). وعلل ذلك بأن علمه زمن توليه القضاء وفي مكان ولايته علم حاصل في حالة هو مكلف فيها بالقضاء فأشبه البينة القائمة عنده، بخلاف علمه قبل زمن توليه القضاء وخارج مكان ولايته إذ هو غير مكلف بالقضاء في هذه الحالة. الترجيح: الراجح قول الجمهور لما استندوا إليه وسدًا لباب الفساد لا سيما في الزمن الحاضر، وليس أحد من القضاة كرسول الله ﷺ مهما بلغ من الورع والعدل.

стр. 1894

الفِقهُ الميَسَّر كتاب المحاماة

стр. 1895

كتاب المحاماة المحاماة في اللغة: مصدر حامى عنه يحامي محاماةً وحِماءً إذا منع ودافع عنه، يقال: الضروس تحامي عن ولدها أي تمنع عنه، ويقال أيضًا: حمى الرجلَ يحميه حِمايةً إذا منع عنه (١). وفي الاصطلاح: المحاماة هي النيابة عن الخصوم في إجراءات التقاضي بالحضور والدفاع عنهم مشافهة أو كتابة بتقديم المذكرات لشرح وجهة نظرهم وتقديم ما يؤيدها من أوراق ومستندات (٢). وعرف النظام السعودي مهنة المحاماة بأنها: الترافع عن الغير أمام المحاكم وديوان المظالم واللجان المشكلة بموجب الأنظمة والأوامر والقرارات لنظر القضايا الداخلة في اختصاصها ومزاولة الاستشارات الشرعية والنظامية (٣). والمحامي وفق هذا النظام هو من يزاول مهنة المحاماة (٤). والمحاماة في ظل الأنظمة الوضعية المعاصرة رسالة ذات غايات قومية وإنسانية نبيلة تستهدف الدفاع عن الحقوق الطبيعية والموضوعية للأفراد والأمة والوطن والإنسانية (٥). ويقابلها في الفقه الإسلامي الوكالة بالخصومة، وتعرف بأنها: إنابة شخص

стр. 1896

لآخر ليقوم مقام نفسه أمام المحكمة المختصة (١)، وقيل: تفويض شخص لآخرَ ليقوم مقامه بالدعوى ابتداءً أو الجواب عنها اعتراضًا أمام المحكمة المختصة في تصرف معلوم قابل للنيابة ممّن يملكه غير مشروط بموته (٢). مشروعيتها: لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية الوكالة في الخصومة والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (٣) حيث طلب موسى إرسال أخيه هارون معه عونًا له فقد قال قتادة وغيره: ردءًا أي عونًا، وقال ابن إسحاق: أي يبين لهم ما أكلمهم فإنه يفهم عني ما لا يفهمون (٤). وقد استجاب الله له ذلك في قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ (٥)، قال ابن عباس ﵄: "شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءًا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فآتاه سؤله" (٦). وفي ذلك دليل على مشروعية الاستعانة بالمعين في الإفصاح عن الحق وإظهار الحجة.

стр. 1897

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (١). ومن السنة: حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره" رواه البخاري (٢). فقد أمر ﷺ بنصرة المسلم وهو عام في جميع أوجه النصرة فدخلت المحاماة في هذا العموم. وعن سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة ابن مسعود بن زيد إلى خيبر وهي يومئذ صلح فتفرقا فأتى محيصة إلى عبد الله ابن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلًا فدفنه ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن ابن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: "كبر كبر" -وهو أحدث القوم- فسكت، فتكلما، فقال: "تحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ " قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين"، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده، متفق عليه (٣). قال أبو جعفر في قول النبي ﷺ : "كبر كبر": "يريد يلي الكلام في ذلك أكبر سنًا فتكلم حويصة ثم محيصة وكان الوارث عبد الله بن سهل دونهما فكانا وكيلين. (٤)

стр. 1898

ومن الآثار: عن عبد الله بن جعفر قال: "كان علي بن أبي طالب ﵁ يكره الخصومة فكان إذا كانت له خصومة وكل فيها عقيل بن أبي طالب، فلما كبر عقيل وكلني" (١). وعن محمَّد بن إسحاق عن رجل من أهل المدينة يقال له جهم عن علي ﵁: "أنه وكل عبد الله بن جعفر بالخصومة فقال: إن للخصومة قحما (٢) " (٣). وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جواز التوكيل في المطالبة بالحقوق والخصومة ونحوها، قال ابن المنذر: "وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للمريض العاجز عن الخروج إلى مجلس الحكم والغائب عن المصر أن يوكل كل واحد منهما وكيلًا يطلب له حقه ويتكلم عنه" (٤). وقال ابن هبيرة: "واتفقوا على أن الوكالة من العقود الجائزة في الجملة وأن كل ما جازت به النيابة من الحقوق جازت الوكالة فيه كالبيع والشراء والإجارة وقضاء الدين والخصومة في المطالبة بالحقوق والتزويج والطلاق وغير ذلك" (٥). وقال السرخسي: "وقد جرى الرسم على التوكيل على أبواب القضاة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير منكر ولا زجر زاجر" (٦).

стр. 1899

وقال الكاساني: "لا خلاف أنه يجوز التوكيل بالخصومة في إثبات الدين والعين وسائر الحقوق برضا الخصم حتى يلزم الخصم جواب التوكيل" (١). أما المعقول: فإن الحاجة تدعو إليها؛ إذ ليس كل أحد يهتدي إلى وجوه الخصومات التي بها يثبت حقه أو يندفع بها عنه ما يدعيه الآخر (٢). وقد صدر نظام المحاماة في المملكة العربية السعودية بتاريخ ٢٨/ ٧ / ١٤٢٢ هـ وهو يشتمل على ثلاث وأربعين مادة وهي تنظم عمل المحاماة وإجراءاتها وما لها وما عليها وقد جاء في المادة الأولى من النظام: يقصد بمهنة المحاماة في هذا النظام الترافع عن الغير أمام المحاكم وديوان المظالم واللجان المشكلة بموجب الأنظمة والأوامر والقرارات لنظر القضايا الداخلة في اختصاصاتها ومزاولة الاستشارات الشرعية والنظامية ويسمى من يزاول هذه المهنة محاميًا. أقوال علماء العصر في واقع المحاماة: اختلف العلماء المعاصرون في حكم المحاماة بواقعها المعاصر في البلاد الإِسلامية وغيرها على قولين: الأول: أنها محرمة وممن قال بذلك الشيخ أبو الأعلى المودودي والشيخ عبد الله عزام والدكتور خادم حسن وغيرهم. واستدلوا بأدلة كثيرة أقواها ما يأتي: ١ - أن المحامين لا يهمهم سوى نصرة موكلهم بما لديهم من الخبرة وقوة الحجة ولا يهمهم كونه على حق أو على باطل، وكثيرًا ما يقلب المحامي الحق باطلًا والباطل حقا.

стр. 1900

ويؤيد هذا أن الله نهى عن الخصومة للخائن في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (١). قال القرطبي: "وفي هذا دليل على أن النيابة عن المبطل في الخصومة لا تجوز؛ فلا يجوز أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق" (٢). ٢ - أن فيها الترافع أمام الطاغوت مما يستلزم الحكم بغير الإِسلام وتبجيل القوانين الوضعية وقضاتها. ٣ - أن الأجر الذي يستحقه المحامي غالبًا ما يكون مجهولًا يحيط به الغرر من كل وجه وأصول الشريعة لا تبيح صفقات الغرر. الثاني: ذهب أكثر العلماء إلى مشروعيتها واستدلوا بما تقدم من أدلة مشروعية الوكالة بالخصومة (٣). الترجيح: الراجح هو القول الثاني بشرط أن يكون القصد إحقاق الحق وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة في الملكة العربية السعودية في فتواها رقم ٣٥٣٢ حيث قالت: "إذا كان في الاشتغال بالمحاماة أو القضاء إحقاق للحق وإبطال للباطل شرعا ورد الحقوق إلى أربابها ونصر للمظلوم -فهو مشروع؛ لما في ذلك

стр. 1901

من التعاون على البر والتقوى، وإلا فلا يجوز؛ لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ". ومن يقول بمنعها بناء على أسباب ذكرها فإنه يفهم منه التقاؤه مع المجيزين إذا تم إبعاد المحذور. أركان الوكالة: أركان الوكالة بالخصومة أربعة وهي: الموكل، والوكيل، والموكل فيه أو محل الوكاله، والصيغة. الركن الأول: الموكِّل وهو الخصم الذي يقوم بالتوكيل ويشترط فيه ما يأتي: ١ - أهلية التصرف: لما كان التوكيل تصرفًا شرعيًا يترتب عليه آثار معينة فيشترط فيمن يقوم به أن يتوافر فيه أهلية التصرف بأن يكون عاقلًا بالغًا، أما العقل فلا خلاف في اشتراطه فلا يصح توكيل المجنون والمعتوه ونحوهما. وأما البلوغ فقد اختلف الفقهاء في اشتراطه على أقوال: الأول: أنه شرط لصحة الوكالة فلا يصح للصبي أن يوكل غيره مطلقًا لفقدان الأهلية، وهو مذهب الشافعية وبعض المالكية. الثاني: أنه ليس شرطًا وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة ولكنهم اختلفوا من حيث التفصيل فذهب الحنفية وبعض المالكية إلى جواز توكيل الصبي المميز لغيره في التصرفات النافعة نفعًا محضًا دون إذن وليه. واشترطوا إذن وليه فيما هو دائر بين النفع والضر.

стр. 1902

وذهب الحنابلة والمالكية في ظاهر مذهبهم إلى جواز توكيل الصبي المميز لغيره بإذن وليه. ٢ - الرضا: لا خلاف بين الفقهاء في اشتراط رضا الموكل في صحة عقد الوكالة بينه وبين وكيله؛ لأن الوكالة عقد من العقود يترتب عليها آثار شرعية فلا بد من رضا المتعاقدين فيها. والأصل في اشتراط الرضا في العقود قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١). رضا الخصم: اختلف الفقهاء في اشتراط رضا الخصم في صحة الوكالة ولزومها على قولين: القول الأول: أنه يشترط لصحة الوكالة ولزومها رضا الخصم إذا كان حاضرا ولم يكن معذورًا بالمرض أو السفر ونحو ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة وزفر. قال الجصاص: "في وكالة الحاضر قال أبو حنيفة وزفر: لا يجوز توكيل الحاضر بالخصومة إلا برضاء خصمه أو عذر من مرض" (٢). وجاء في فتح القدير: "وقال أبو حنيفة ﵀ لا يجوز التوكيل بالخصومة من قبل المدعي أو المدعى عليه إلا برضا الخصم إلا أن يكون الموكل مريضًا أو غائبًا مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا وقالا يجوز ذلك بغير رضا الخصم وهو قول الشافعي ﵀" (٣).

стр. 1903

وعللوا ذلك بأن الجواب مستحق على الخصم ولهذا يطلب حضوره فلو قلنا بلزومه فقد يتضرر ولذا فيتوقف على رضاه كالعبد المشترك إذا كاتبه أحدهما يتخير الآخر بخلاف المريض والمسافر لأن الجواب غير مستحق عليهما هنالك (١). القول الثاني: أنه لا يشترط لصحة الوكالة ولزومها رضا الخصم وهو مذهب أبي يوسف ومحمَّد من الحنفية وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة. قال الجصاص: "وقال أبو يوسف ومحمَّد وابن أبي ليلى والشافعيُّ: يقبل من كل أحد بغير رضا الخصم" (٢). وفي المدونة الكبرى: "قلت: أرأيت الوكالات في الخصومات كلها والموكل حاضر، أيجوز -ولم يرض خصمه بالوكالة- في قول مالك؟ قال: نعم، الوكالة جائزة وإن كره خصمه، ولكل واحد منهما أن يوكل وإن كان حاضرًا إلا أن يكون ذلك رجلًا قد عرف أذاه، وإنما أراد بذلك أذاه، فلا يكون ذلك له، كذلك قال مالك" (٣). وقال الشافعي: "وأقبل الوكالة من الحاضر من النساء والرجال في العذر وغيره وقد كان علي بن أبي طالب ﵁ وكل عند عثمان عبد الله بن جعفر وعلي بن أبي طالب حاضر فقبل ذلك عثمان ﵁ وكان يوكل قبل عبد الله بن جعفر عقيل بن أبي طالب" (٤).

стр. 1904

وقال البهوتي: "ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود؛ لأنه ﷺ وكل في الشراء والنكاح وسائر العقود كالإجارة والقرض والمضاربة والإبراء في معناه ومن الفسوخ؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك أشبه البيع حاضرًا كان الموكل أو غائبًا صحيحًا كان أو مريضًا، ولو كان التوكيل في خصومة بغير رضا الخصم حتى في صلح وإقرار فيصح التوكيل فيهما كغيرهما" (١). ودليلهم في ذلك ما تقدم من أن علي كان يوكل في الخصومة غيره وهو حاضر من غير نكير فهو كالاتفاق منهم على جواز توكيل الحاضر من غير اشتراط الرضا. ولأن التوكيل تصرف في خالص حقه فلا يتوقف على رضا غيره كالتوكيل في تقاضى الديون (٢). والراجح: هو قول الجمهور لما ذكروه. الركن الثاني: الوكيل وهو المحامي ويشترط فيه شروط أهمها ما يأتي: ١ - أهلية التصرف: كما هو الحال في الموكل بأن يكون عاقلًا فلا يجوز وكالة المجنون ولا الصبي لأنهما مرفوع عنهما القلم فتصرفاتهما غير معتبرة شرعًا. أما الصبي المميز فقد ذهب جمهور المالكية والحنفية والحنابلة إلى صحة توكيله إلا أن المالكية والحنابلة اشترطوا لذلك إذن وليه. وذهب الشافعية إلى عدم جواز توكيله. ٢ - الرضا: فيشترط رضا الوكيل لصحة الوكالة؛ لأنها عقد من العقود كما تقدم فاشترط فيها الرضا كسائر العقود.

стр. 1905

٣ - الإِسلام: يصح توكيل المسلم الذمي في التصرف له مع الكراهة عند الحنفية؛ لأنه لا يتحرز عن المحرمات وقد يقصد إيذاء المسلم (١). وعند المالكية لا يصح توكيله على المسلم ويصح على غير المسلم كالذمي مثله، فلا يصح توكيل الذمي على استخلاص دين على مسلم ويصح على استخلاص دين من الذمي؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٢)؛ إذ في توكيله جعل السبيل له على المؤمن. ويجوز أن يوكل على الذمي مثله. ولأنه قد يغلظ على المسلمين إذا وُكِّل عليهم قصدًا لأذاهم فيحرم على المسلم إعانتُه على ذلك (٣). ولأنه بالنسبة لإثبات الحقوق قد لا يعرف أحكام المعاملات الإسلامية. ٤ - أن يكون عدلًا: فلا بد أن يكون المحامي عدلًا والعدالة كما تقدم هي الصلاح في الدين والمروءة. ٥ - أن لا يكون عدوًا لخصم موكله: ينص المالكية على اشتراط أن لا يكون الوكيل عدوا لخصم موكله. جاء في حاشية الدسوقي: "قوله: إلا لعداوة أي بين الوكيل والخصم. . قال ابن القاسم: وللحاضر أن يوكل من يطلب شفعته أو يخاصم عنه خصمه وإن لم يرض بذلك إلا أن يوكل عليه عدوًا له فلا يجوز" (٤). ٦ - أن يكون معينًا: فلا يجوز توكيل مجهول. جاء في شرح مجلة الأحكام

стр. 1906

العدلية: "كون الوكيل معلومًا شرط يعني أنه يشترط ألا يكون الوكيل مجهولًا جهالة فاحشة. فإذا كان الوكيل مجهولًا فلا تصح الوكالة" (١). وقال البهوتي: "ويعتبر لصحة الوكالة تعيين وكيل فلو قال وكلت أحد هذين لم تصح للجهالة، وقال في الانتصار: فلو وكل زيدًا وهو لا يعرفه لم تصح لوقوع الاشتراك في العلم فلا بد من معرفة المقصود إما بنسبة أو إشارة إليه أو نحو ذلك مما يعينه" (٢). وعليه فيجب أن يكون المحامي معلومًا أمام القضاء قبل بداية جلسات القضية. أما جهل الخصم بالوكيل أي محامي خصمه فلا يؤثر في صحة الوكالة (٣). ٧ - أن لا يكون وكيلًا للخصمين في الدعوى نفسها: نص الشافعية على عدم جواز أن يكون الوكيل في الخصومة واحدًا عن الطرفين لما في ذلك من تناقض (٤). وعليه فلو وكل المحامي طرفا الخصومة لم يصح التوكيل وله أن يختار أيهما شاء. وقد نص نظام المحاماة السعودي على هذا الشرط حيث نص في المادة الخامسة عشرة من لائحته التنفيذية في الفقرة الثالثة على أن على المحامي ألا يقبل الوكالة عن طرفين في قضية واحدة. ٨ - أن يكون المحامي عالمًا بأحكام التقاضي وطرق إثبات الحق ودفع التهم: وذلك لأن القصد من توكيله هو إثبات حق الموكل أو دفع التهمة عنه، فإذا كان الوكيل المحامي مثل موكله لا يهتدي إلى وسائل تحقيق ذلك لم يكن في توكيله فائدة.

стр. 1907

قال الإِمام النووي: "الوكيل بالخصومة من جهة المدعي يدعي ويقيم البينة ويسعى في تعديلها ويحلف ويطلب الحكم والقضاء ويفعل ما هو وسيلة إلى الإثبات، والوكيل من جهة المدعى عليه ينكر ويطعن في الشهود ويسعى في الدفع بما أمكنه" (١). وقد نصت المادة الثالثة من اللائحة التنفيذية لنظام المحاماة السعودي في فقرة (ب) على اشتراط أن يكون المحامي حاصلًا على شهادة كلية الشريعة أو شهادة البكالوريوس تخصص أنظمة من إحدى جامعات المملكة أو ما يعادل أي منهما خارج المملكة أو دبلوم دراسات الأنظمة من معهد الإدارة العامة بعد الحصول على الشهادة الجامعية. ونصت في الفقرة (ج) من المادة نفسها على اشتراط أن تتوافر لديه خبرة في طبيعة العمل لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات وتخفف المدة حسب مؤهلاته العلمية المتخصصة. الركن الثالث: الموكل فيه وهو محل التوكيل وموضوعه ويشترط فيه عدة شروط أهمها ما يأتي: ١ - أن يكون حق التصرف فيه ثابتًا للموكل عند التوكيل: وذلك بأن يكون مالكًا للمحل أو تكون له علاقة شرعية به تمكنه من التصرف فيه (٢). قال ابن مفلح: "ولا يجوز التوكيل والتوكل في شيء إلا ممّن يصح تصرفه فيه؛ لأن من لا يصح تصرفه بنفسه فنائبه أولى" (٣). وهذا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء.

стр. 1908

٢ - أن يكون معلومًا: قال ابن عبد البر: "والوكالة في الخصومة جائزة من الحاضر والغائب برضى الخصم وبغير رضاه إذا كان على أمر معروف" (١)، فلو قال وكلتك في بيع أموالي واستيفاء ديوني ونحو ذلك صحت الوكالة دون ما لو قال: وكلتك ولا يحدد موضوع الوكالة فإن ذلك لا يجوز لما فيه من الجهالة والغرر (٢). قال ابن قدامة: "ولا تصح الوكالة إلا في تصرف معلوم. فإن قال: وكلتك في كل شيء. أو في كل قليل وكثير. أو في كل تصرف يجوز لي. أو في كل مالي التصرف فيه لم يصح" (٣). ٣ - أن يكون قابلًا للنيابة: فلا يصح التوكيل إلا فيما تصح النيابة فيه، ومن ذلك حقوق الآدميين كالأموال والقصاص فلا خلاف بين الفقهاء في جواز التوكيل في إثباتها؛ لأنها حق للعبد يملك إثباته بنفسه فملك إثباته بغيره. قال ابن هبيرة: "واتفقوا على أن الوكالة من العقود الجائزة في الجملة وأن كل ما جازت به النيابة من الحقوق جازت الوكالة فيه كالبيع والشراء والإجارة وقضاء الدين والخصومة في المطالبة بالحقوق والتزويج والطلاق وغير ذلك" (٤). وقال المرداوي: "قوله: "ويجوز التوكيل في حق كل آدمي من العقود، والفسوخ، والعتق، والطلاق، والرجعة". يشمل كلامه: الحوالة، والرهن، والضمان، والكفاله، والشركة، والوديعة، والمضاربة، والجعاله، والمساقاة، والإجارة، والقرض، والصلح، والهبة، والصدقة، والوصية، والإبراء، ونحو ذلك.

стр. 1909

لا نعلم فيه خلافًا. وكذا المكاتبة، والتدبير، والإنفاق، والقسمة. والحكومة، وكذا الوكالة في الوقف: ذكره الزركشي، وابن رزين. وحكاه في الجميع إجماعًا" (١). وأما الحدود فقد اختلفوا في التوكيل فيها على ثلاثة أقوال: الأول: ذهب الشافعية إلى عدم جواز التوكيل في الحدود لأنها حق لله تعالى ولأنها مبنية على الدرء بالشبهات، واستثنوا القذف لما فيه من حق العبد. الثاني: ذهب المالكية والحنابلة إلى جواز التوكيل في الحدود كلها لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ في قصة العسيف وفيه أن رسول الله ﷺ قال لأنيس: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت، متفق عليه (٢)، فقد وكل ﷺ أنيسًا في إثبات حد الزنا على المرأة وعمل بما أثبته من إقرارها في ذلك. الثالث: وذهب الحنفية إلى جوز التوكيل فيما يحتاج إلى دعوى لإقامتها من الحدود فقط دون غيرها كالسرقة والقذف لما فيها من حق العبد. وقد نص نظام المحاماة السعودي في المادة الأولى منه ونصت لائحته التنفيذية الفقرة الثالثة على أن للمحامي الدفاع عن المتهم في الجرائم الكبيرة بشرط حضوره وله الدفاع عن المتهم في الجرائم الأخرى ولو لم يحضر ما لم تأمر المحكمة بحضوره شخصيًا أمامها في أي حال كان حسب المادة ١٤٠ من نظام الإجراءات الجزائية. الركن الرابع: الصيغة: جمهور الفقهاء على أن الوكالة لا تنعقد إلا بالإيجاب والقبول؛ لأنه عقد تعلق به حق كل واحد منهما فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالبيع

стр. 1910

والإجارة. ويصح ذلك بلفظ الوكالة وكل ما يدل عليها عرفًا كوكلتك أو فوضت إليك في كذا أو أذنت لك فيه أو بعه أو أعتقه أو كاتبه ونحو ذلك كأقمتك مقامي أو جعلتك نائبًا عني؛ لأنه لفظ دال على الإذن فصح كلفظها الصريح فلا يتشرط لانعقادها لفظ مخصوص. ويصح قبول الوكالة بكل قول أو فعل من الوكيل يدل على القبول؛ لأن وكلاء النبي ﷺ لم ينقل عنهم سوى امتثال أوامره، ولأنه إذن في التصرف فجاز قبوله بالفعل كأكل الطعام (١). ويصح القبول على الفور والتراخي نحو أن يبلغه أن رجلًا وكله في بيع شيء منذ سنة فيبيعه أو يقول: قبلت أو يأمره بفعل شيء فيفعله بعد مدة طويلة؛ لأن قبول وكلاء النبي لوكالته كان بفعلهم وكان متراخيًا عن توكيله إياهم، ولأنه إذن في التصرف والإذن قائم ما لم يرجع فيه أشبه الإباحة فجاز القبول (٢). الشروط العامة للوكالة بالخصومة: يشترط إلى جانب ما تقدم ذكره من الشروط في أركان الوكالة ما يأتي: ١ - أن يعلم صدق الموكل في الظاهر وأنه لا يقصد من التوكيل الإضرار بخصمه: وقد ذكر هذا الحنابلة وبعض الحنفية فلا بد أن يعلم الوكيل في الظاهر أن الموكل صادق في الخصومة ولا يقصد بتوكيله الإضرار بخصمه. قال السرخسي: "وإذا علم من الموكل القصد إلى الإضرار بالمدعي في التوكيل لا يقبل ذلك منه إلا برضا الخصم فيصير إلى دفع الضرر من الجانبين" (٣).

стр. 1911

وقال المرداوي: "قال في الفنون: لا يصح ممّن علم ظلم موكله في الخصومة واقتصر عليه في الفروع. وهذا مما لا شك فيه. قال في الفروع: وظاهره يصح إذا لم يعلم ظلمه. فلو ظن ظلمه جاز. ويتوجه المنع. قلت: وهو الصواب. . وكذا قال المصنف في المغني، والشارح، في الصلح عن المنكر: يشترط أن يعلم صدق المدعي فلا تحل دعوى ما لم يعلم ثبوته" (١). ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (٢)، قال القاضي أبو يعلى: "يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه، وهو غير عالم بحقيقة أمره، وكذا قال المصنف في المغني، والشارح، في الصلح عن المنكر: يشترط أن يعلم صدق المدعي فلا تحل دعوى ما لم يعلم ثبوته" (٣). ولقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعان على خصومة بظلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع" (٥). وفي لفظ: "من أعان على خصومة بغير حق كان في سخط الله حتى ينزع" (٦).

стр. 1912

وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعان ظالمًا بباطل ليدحض بباطله حقا فقد بريء من ذمة الله وذمة رسوله ﷺ " (١). وقد نصت المادة الحادية عشرة من اللائحة التنفيذية لنظام المحاماة السعودي في الفقرة الأولى على أنه يجب على المحامي ألا يتوكل عن غيره في دعوى أو نفيها وهو يعلم أن صاحبها ظالم مبطل، ولا أن يستمر فيها إذا ظهر له ذلك أثناء التقاضي. ٢ - أن يسبق التوكيل بدء جلسات النظر في الخصومة أمام القضاء: حيث يشترط المالكية لصحة التوكيل في الخصومة أن يتم قبل بدء القاضي بنظر القضية ومضي ثلاث جلسات على ذلك، فإذا بدأ القاضي بنظر الخصومة ومضت ثلاث جلسات لم يحق للموكل التوكيل فيها إلا من عذر أو رضا الخصم. قال ابن عبد البر: "وإذا شرع المتخاصمان في المناظرة بين يدي الحاكم لم يكن لأحدهما أن يوكل لأنه عند مالك ضرب من اللدد إلا أن يخاف من خصمه استطالة بسبب أو نحوه فيجوز له حينئذ أن يوكل من يناظر عنه" (٢). وفي الشرح الكبير: "لا إن قاعد الموكل خصمه عند حاكم وانعقدت المقالات بينهما كثلاث من المجالس ولو في يوم واحد؛ فليس له حينئذ أن يوكل من يخاصم عنه؛ لما فيه من الإعنات وكثرة الشر، إلا لعذر؛ من مرض أو سفر

стр. 1913

ومن العذر ما لو حلف أن لا يخاصمه لكونه شاتمه ونحو ذلك لا إن حلف لغير موجب" (١). وقال الخرشي: "ويجوز للشخص أن يوكل في الخصومة قبل الشروع فيها وإن كره خصمه أو القاضي ذلك؛ لأن الحق في التوكيل للموكل في حضور الخصم أو غيبته إلا أن يقاعد الموكل خصمه ثلاث مجالس ولو في يوم واحد وتنعقد المقالات بينهما فليس له أن يوكل من يخاصم عنه إلا أن يحصل للموكل عذر من مرض أو سفر ونحوهما فله حينئذ أن يوكل من يخاصم عنه وإذا ادعى إرادة سفر حلف أنه ما قصده ليوكله" (٢). من آداب مهنة المحاماة: ١ - يجب على المحامي أن يلتزم بآداب مجلس القضاء عند المحاكمة من حيث احترام المجلس وصون لسانه عن الألفاظ الجارحة والابتعاد عن إضاعة الوقت ونحو ذلك. وقد جاء في المادة ١١/ ٤ من اللائحة التنفيذية لنظام المحاماة السعودي ما نصه: على المحامي أن يلتزم بالأدب أثناء الترافع فلا يظهر لددًا أو شغبًا أو إيذاءً لخصمه أو غيره في مجلس الترافع. ٢ - ويتوجب على المحامي حفظ أسرار موكله؛ لأنه ائتمنه على هذه الأسرار فلا يجوز أن يخونه بإفشاء شيء منها سواء كان ذلك لصالح خصمه أو لغيره وسواء كان ذلك أثناء المحاكمة أو بعد انتهاء الخصومة وصدور الحكم فيها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٣).

стр. 1914

وقد نصت المادة ١٥ من اللائحة التنفيذية لنظام المحاماة السعودي على أنه لا يجوز للمحامي بنفسه أو بواسطة أن يقبل الوكالة عن خصم موكله أو أن يبدي له أي معونة ولو على سبيل الرأي في دعوى سبق له أن قبل الوكالة فيها أو في دعوى ذات علاقة بها ولو بعد انتهاء وكالته. كما نصت المادة ١٥/ ٢ على أنه يسري المنع الوارد في هذه المادة على من اطلع على أوراق ومستندات أحد الخصوم ولم يقبل الوكالة وكذا تقديم الاستشارة لأحد الخصوم. بل وقد ألزمت المادة ١٤/ ٢ المحامي الذي يعمل لموكله بصفة جزئية بموجب عقد بالامتناع عن قبول أي دعوى أو إعطاء أي استشارة ضد موكله قبل مضي ثلاث سنوات على انتهاء العقد. حكم توكيل المحامي لمحام آخر في القضية الموكل فيها: لا خلاف بين الفقهاء أن المحامي الوكيل في الخصومة لا يجوز له أن يوكل شخصًا آخر في القضية التي وكل فيها، إلا إذا أذن الموكل له بذلك؛ وذلك لأن الموكل إنما رضي بهذا الوكيل الذي وكله في خصومته وجعل ثقته وأمانته فيه فلا يجوز للوكيل أن يجعل ذلك في غيره إلا برضاه (١). وقد نص على ذلك نظام المحاماة السعودي في الفقرة الثانية من المادة الحادية عشرة من لائحته التنفيذية حيث جاء فيها ما نصه: على المحامي أن يباشر المهنة بنفسه، وألا يوكل عن موكله فيما وكل فيه أو بعضه إلا إذا جعل ذلك إليه صراحة في صك الوكالة .... الخ.

стр. 1915

أجرة المحامي: يجوز أن تكون الوكالة في الخصومة بأجرة وبغير أجرة، أما كونه بأجرة فلأنه تصرف لغيره لا يلزمه فجاز أخذ العوض عنه كرد الآبق (١). قال ابن قدامة: "ويجوز التوكيل بجعل وغير جعل؛ فإن النبي ﷺ وكل أنيسًا في إقامة الحد، وعروة في شراء شاة، وعمرًا وأبا رافع في قبول النكاح بغير جعل. وكان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم عمالة. . فإن كانت بجعل استحق الوكيل الجعل بتسليم ما وكل فيه إلى الموكل إن كان مما يمكن تسليمه كثوب ينسجه أو يقصره أو يخيطه، فمتى سلمه إلى الموكل معمولًا فله الأجر" (٢). يجب أن تكون الأجرة معلومة المقدار قطعًا للنزاع، وإذا تم إبرامها دون تحديد الأجرة وقام الوكيل المحامي بواجبه حتى انتهت القضية فرض له أجرة المثل. قال المرداوي: "لا يصح التوكيل بجعل مجهول ولكن يصح تصرفه بالإذن ويستحق أجرة المثل" (٣). وقال البهوتي: "ولا يصح التوكيل بجعل مجهول لفساد العوض ويصح تصرفه أي الوكيل بعموم الإذن في التصرف، وله أي الوكيل حينئذ أجرة مثله؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له" (٤). ولو علق ذلك على ثبوت الحق لم يصح جاء في المدونة الكبرى: "في جعل الوكيل بالخصومة قلت: أكان مالك يكره أن يوكل الرجل بالوكالة على أن يخاصم له فإن أدرك فله جعله وإلا فلا شيء له عليه؟ قال: نعم كان يكره هذا

стр. 1916

ولا يراه من الجعل الجائز. قلت: فإن عمل على هذا فأدرك أيكون له على صاحبه أجر مثله؟ قال: نعم. قال سحنون: وقد روى أكثر الرواة عن مالك أنه جائز" (١). وقال ابن عبد البر: "ولا يجوز أن يستأجر خصمًا على أنه إن أدرك حقه كان له ما جعل له وإن لم يدركه فلا شيء له عليه بل يجعل له جعلًا معلومًا على كل حال وإلا فيكون له أجر مثله" (٢). انتهاء الوكالة بالخصومة: الوكالة من العقود غير اللازمة وعليه فكل من طرفي العقد إنهاؤه إلا إذا قيد هذا الحق فيجب الوفاء بذلك. قال ابن هبيرة: واتفقوا على أنه إذا عزل الموكل الوكيل وعلم بذلك انعزل (٣). ويراعى في ذلك ما قرره الفقهاء من أن العقود الجائزة متى تضمن فسخها الضرر على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممّن له تعلق بالعقد لم يجز ولم ينفذ إلا إذا أمكن تدارك الضرر بضمان وتعويض (٤). ولا خلاف في أن الوكالة تنتهي بموت الموكل والوكيل؛ لفوات أحد أركانها. قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الموكل إذا مات أن وكالته تنفسخ بموته" (٥). واختلف الفقهاء هل العلم بالموت أو العزل شرط لانفساخ عقد الوكالة بحيث يعتبر تصرف الوكيل قبل علمه بذلك لا بعده أو لا؟ قال ابن هبيرة: واختلفوا فيما إذا عزل ولم يعلم أو مات الموكل ولم يعلم بموته الوكيل. فقال أبو

стр. 1917

حنيفة: لا ينعزل إلا بعد العلم بالعزل، وينعزل بالموت وإن لم يعلم. وقال أحمد في إحدى الروايتين: ينعزل في الحالين وإن لم يعلم اختارها الخرقي، والأخرى: لا ينعزل إلا بعد العلم في الحالين. وعن الإِمام الشافعي قولان. ولأصحاب مالك وجهان كالمذهبين (١).

стр. 1918

الفِقهُ الميَسَّر كتاب التحكيم

стр. 1919

التحكيم التّحكيم في اللّغة: مصدر حكّمه يحكّمه إذا جعل إليه الحكم، تقول: حَكَّمَهُ في الأَمْرِ تَحْكِيمًا إذا أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بينهم أو أَجازَ حُكْمَه فيما بَيْنَهُم (١). ومن ذلك كله قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) أي يجعلونك حكمًا بينهم في خصوماتهم. وفي الاصطلاح: تولية الخصمين حاكمًا يحكم بينهما (٣). مشروعية التحكيم: يدل على مشروعية التحكيم الكتاب والسنة والإجماع. أمّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٤)، فقد أمر الله تعالى بتحكيم حكمين للفصل بين الزوجين عند خوف الشقاق بينهما، قال القرطبيّ: "وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم" (٥). وأمّا السُّنَّة: فما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ على حُكْمِ سَعْد بن مُعَاذٍ، بَعَثَ (إليه) رسول الله ﷺ وكان قَرِيبًا منه، فَجَاءَ على حِمَارٍ، فلما دَنَا قال رسول الله ﷺ : "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ" فَجَاءَ

стр. 1920

فَجَلَسَ إلى رسول الله ﷺ فقال له: "إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا على حُكْمِكَ" قال: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ المقَاتِلَةُ، وَأَنْ تسبي الذُّرِّيَّةُ، قال: "لقد حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الملِكِ" (١). وفي لفظ لمسلم: "قضيت بحكم الله". وما رواه أبو داود بسنده عن شُرَيْحٍ عن أبيه هَانِيءٍ أنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إلى رسول الله ﷺ مع قَوْمِهِ، سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بأَبِي الحكَمِ، فَدَعَاهُ رسول الله ﷺ فقال: "إِنَّ الله هو الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحُكْمُ؛ فَلِمَ تُكْنَّى أَبَا الحكَمِ؟ " فقال: إِنَّ قَوْمِي إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ أَتوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فقال رسول الله ﷺ : "ما أَحْسَنَ هذا" (٢). ووجه ذلك تحسينه ﷺ تحكيم قوم شريح وإقراره ذلك. وقد ثبت التحكيم من أفعال الصحابة ﵃ وأقوالهم ومن ذلك ما رواه الشعبي قال: "كان بين عمر وأُبي بن كعب ﵄ خصومة فجعلا بينهما زيد بن ثابت فأتياه فضربا الباب فخرج إليهما فقال: ألا أرسلت إلي يا أمير المؤمنين؟ فقال: في بيته يؤتى الحكم، فدخلا فقال: في الرحب والسعة وألقى له وسادة، فقال: هذا أول جورك، فتكلما فقال لأُبي: بينتك وإن رأيت أن تعفي أمير المؤمنين من اليمين فافعل، فقال أُبي: نعفيه ونصدقه، فقال عمر ﵁: أيقضى علي باليمين ثم لا أحلف فحلف فلما وجبت له الأرض وهبها لأُبي" وفي لفظ: "فحلف عمر ﵁ ثم أقسم: لا يدرك زيد بن ثابت القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء" (٣).

стр. 1921

وعن ابن أبي مليكة "أن عثمان ابتاع من طلحة بن عبيد الله أرضًا بالمدينة ناقله بأرض له بالكوفة فلما تباينا ندم عثمان ثم قال: "بايعتك ما لم أره، فقال طلحة: إنما النظر لي إنما ابتعتُ مغيبًا وأما أنت فقد رأيت ما ابتعتَ، فجعلا بينهما حكمًا فحكما جبير بن مطعم فقضى على عثمان أن البيع جائز وأن النظر لطلحة أنه ابتاع مغيبًا" (١). وأما الإجماع: فقد حكاه النووي قال: وقد أجمع العلماء على التحكيم ولم يخالف فيه إلا الخوارج فإنهم أنكروا على علي ﵁ التحكيم وأقام الحجة عليهم (٢). منزلة التحكيم من القضاء: التحكيم شعبة من القضاء إلا أنه أحط رتبة منه، وولايته مستفادة من طرفي الخصومة ولهذا كان نطاقه أضيق من نطاق القضاء، إذ هو قاصر على الأموال. قال ابن الهمام الحنفي: "هذا أيضًا من فروع القضاء، والمحكم أحط رتبة من القاضي فإن القاضي يقضي فيما لا يقضي فيه الحكم" (٣). وقال ابن فرحون المالكي: "وأما ولاية التحكيم بين الخصمين فهي ولاية مستفادة من آحاد الناس، وهي شعبة من القضاء متعلقة بالأموال دون الحدود، واللعان والقصاص" (٤). وقد تقدم ذكر الفروق بين قضاء التحكيم والقضاء العادي.

стр. 1922

وقد صدر نظام التحكيم في المملكة العربية السعودية بتاريخ ١٢/ ٧ / ١٤٠٣ هـ وهو يشتمل على خمس وعشرين مادة تبين التحكيم وشروطه والإجراءات التي تتبع في تنفيذه. أركان التحكيم: أركان التحكيم أربعة وهي كما يأتي: الركن الأول المحكِّمان: وهما طرفا النزاع وقد يكون الطرفان شخصين اثنين وقد يكونان أكثر من ذلك. ويشترط فيهما أهلية التعاقد بأن يكونا مكلفين؛ لأن التحكيم نوع من العقود فلا يجوز التحكيم من مجنون ولا صغير ولا محجور عليه ونحوهم (١). وقد نصت المادة (٢) من نظام التحكيم السعودي لعام ١٤٠٣ هـ على أنه لا يصح الاتفاق على التحكيم إلا ممّن له أهلية التصرف. ونصت مادة (٢) من لائحته التنفيذية على أنه: لا يصلح الاتفاق على التحكيم إلا ممّن له أهلية التصرف الكاملة، ولا يجوز للوصي على القاصر أو الولي المقام أو ناظر الوقف اللجوء إلى التحكيم ما لم يكن مأذونًا له بذلك من المحكمة المختصة. ويشترط رضاهما بالتحكيم؛ لأنه كما تقدم عقد من العقود فاشترط فيه الرضا كالبيع، وقد نصت المادة الأولى من نظام التحكيم السعودي لعام ١٤٠٣ هـ على أنه يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين قائم، كما يجوز الاتفاق مسبقًا على التحكيم في أي نزاع يقوم نتيجة لتنفيذ عقد معين. ونصت المادة (٦) من لائحته التنفيذية على أنه: يتم تعيين المحكم أو المحكمين باتفاق المحتكمين في وثيقة تحكيم يحدد فيها موضوع النزاع تحديدًا كافيًا، وأسماء المحكمين، ويجوز الاتفاق على التحكيم

стр. 1923

بمقتضى شرط في عقد بشأن المنازعات التي تنشأ عن تنفيذ هذا العقد. الركن الثاني المحكَّم: وهو الذي يفصل الخصومة في القضية المتنازع عليها. ويشترط فيه ما يأتي: ١ - الأهلية لولاية القضاء: وذلك بأن تتوافر فيه شروط القاضي في الجملة على نحو ما تقدم بيانها وإن اختلفت المذاهب في بعض ذلك من حيث التفصيل. جاء في البحر الرائق: "ويشترط في المحكَّم بالفتح صلاحيته للقضاء بكونه أهلًا للشهادة فلو حكما عبدًا أو صبيًا أو ذميًا أو محدودًا في قذف لم يصح وتشترط الأهلية وقته ووقت الحكم جميعًا" (١). وقال ابن فرحون: "قال اللخمي: إنما يجوز التحكيم إذا كان المحكم عدلًا من أهل الاجتهاد أو عاميًا واسترشد العلماء، فإن حكم ولم يسترشد رد وإن وافق قول قائل؛ لأن ذلك تخاطر منهما وغرر. وقال المازري: لا يحكم إلا من يصح أن يولي القضاء" (٢). وقال النووي: "ولو حكم خصمان رجلًا في غير حد الله تعالى جاز مطلقًا بشرط أهلية القضاء" (٣). قال الخطيب الشربيني: "واحترز بقوله بشرط أهلية القضاء عما إذا كان غير أهل فلا ينفذ حكمه قطعًا، والمراد بالأهلية الأهلية المطلقة لا بالنسبة إلى تلك الواقعة، ولهذا قال في المحرر: ويشترط فيه صفة القاضي" (٤). وقال ابن قدامة: "إذا تحاكم رجلان إلى رجل حكماه بينهما ورضياه وكان

стр. 1924

ممّن يصلح للقضاء فحكم بينهما جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما" (١). ونصت المادة (٤) من نظام التحكيم السعودي على ما نصه: يشترط في المحكم أن يكون من ذوي الخبرة، حسن السيرة والسلوك، كامل الأهلية. ونصت المادة (٤) من لائحتها التنفيذية على أنه: لا يجوز أن يكون محكمًا من كانت له مصلحة في النزاع ومن حكم عليه بحد أو تعزير في جرم مخل بالشرف أو صدر بحقه قرار تأديبي بالفصل من وظيفة عامة أو حكم بشهر إفلاسه ما لم يكن قد رد إليه اعتباره. ٢ - أن يكون معلومًا: فلا يجوز تحكيم المجهول كما لو قال الطرفان: حكمنا أول شخص يصادفنا في الطريق أو أول من يدخل المسجد أو البيت ونحو ذلك إلا إذا حصل منهما الرضا به بعد معرفته وحصول العلم به؛ إذ يصير بذلك تحكيمًا جديدًا للمعلوم. ولا يشترط أن يكون المحكم شخصًا يعرفه الطرفان أو من معارفهما فلو عين المتخاصمان شخصًا لا يعرفانه حكما فهو جائز إذا توافر فيه الشروط الأخرى (٢). وقد نصت المادة (٦) من اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم السعودي على أنه: يتم تعيين المحكم أو المحكمين باتفاق المحتكمين في وثيقة تحكيم يحدد فيها موضوع النزاع تحديدًا كافيًا، وأسماء المحكمين. ويجوز أن يكون المحكمون جماعة فإن كانوا كذلك فقد نصت المادة (١٦) من نظام التحكيم على أن حكمهم في القضية يجب أن يصدر بأغلبية الآراء، وإذا كانوا مفوضين بالصلح وجب صدور الحكم بالإجماع.

стр. 1925

الركن الثالث المحكَّم فيه: وهي القضية المتنازع عليها، ويشترط فيها أمران: ١ - أن تكون محددة ومعلومة فلا يجوز التحكيم في قضية مجهولة. وقد نصت المادة (٦) من نظام التحكيم السعودي على أنه يحدد في وثيقة التحكيم موضوع النزاع تحديدًا كافيًا. ٢ - وأن تكون مما يجوز التحكيم فيها. وقد اختلف الفقهاء فيما يجوز التحكيم فيه مما لا يجوز على قولين: القول الأول: أن التحكيم يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان دون استثناء في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان وغيرها قياسًا على قاضي الإِمام، وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: أن التحكيم يجوز في بعض الحقوق دون بعض وهو مذهب الجمهور واختلفوا في تحديد ذلك: ١ - فذهب الحنفية إلى أن التحكيم يجوز في سائر المجتهدات غير الحدود والقصاص، أما الحدود فلأنه من اختصاص الوالي العام وليس لهما ولاية على سائر الناس، ولأنها تدرأ بالشبهات، وأما القصاص وحد القذف؛ فلأن حكم المحكم بمنزلة الصلح ولا يجوز استيفاء القصاص وحد القذف بالصلح، ولأنهما يدرآن بالشبهات وفي حكمه شبهة؛ لأنه حكم في حقهما لا في حق غيرهما وأي شبهة أعظم من هذا (٢).

стр. 1926

٢ - وذهب المالكية إلى أنه يجوز فيما يصح لأحدهما ترك حقه فيه كالأموال وما في معناها، ولا يجوز فيما يتعلق به حق لغير المتخاصمين وهي سبعة أمور: الحدود، واللعان، والقتل، والولاء لشخص على آخر، والنسب، والطلاق، والعتق، فلا يجوز التحكيم في واحد من هذه السبعة؛ لأنه يتعلق بها حق لغير الخصمين إما لله تعالى وإما لآدمي كما في اللعان والولاء والنسب لما في ذلك من قطع النسب، وفي الطلاق والعتق حق لله تعالى؛ إذ لا يجوز بقاء المطلقة البائن في العصمة ولا رد العبد في الرق، وأما الحد والقتل فالحق فيهما لله تعالى؛ لأن الحدود زواجر وهي حق لله (١). ٣ - وذهب الشافعية في الصحيح من مذهبهم إلى جوازه في جميع الحقوق غير حدود الله تعالى وتعزيراته؛ لأنه ليس لها طالب معين (٢). ٤ - وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يجوز في الأموال خاصة وما في حكمها ولا يجوز في أربعة أشياء النكاح واللعان والقذف والقصاص؛ لأنها مبنية على الاحتياط فيعتبر للحكم فيها قاضي الإِمام كالحدود (٣). الراجح: أن التحكيم لا يجوز إلا في نطاق ضيق حرصًا على استقرار أحكام الناس في لجوئهم إلى القضاء العام، فلا يجوز إلا في الأموال وما في معناها مما للخصمين إسقاط الحق فيه؛ لأن غير ذلك يتعلق به عادة حق لطرف آخر غيرهما وهو إما آدمي أو الله تعالى ومبنى ذلك الاحتياط.

стр. 1927

وقد نصت المادة (٢) من نظام التحكيم السعودي والمادة (١) من لائحتها التنفيذية على أنه: لا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح كالحدود واللعان بين الزوجين وكل ما هو متعلق بالنظام العام. الركن الرابع الصيغة: لا يشترط في التحكيم التقيد بلفظ التحكيم وما اشتق منه، بل يجوز التحكيم بكل لفظ دال عليه كأن يقولا له: احكم بيننا أو افصل بيننا جعلناك حكمًا أو قاضيًا أو الفاصل بيننا أو حكمناك في كذا ونحو ذلك فيقبل المحكم ذلك (١). الشروط العامة للتحكيم: يشترط في التحكيم ما يأتي: ١ - أن يقوم نزاع بين طرفين: فلو لم يكن هناك نزاع لم ينعقد التحكيم. فلو قال شخصان إذا اختلفنا فأنت الحكم بيننا ونحو ذلك لم ينعقد التحكيم حتى يقع النزاع فيحكمانه من جديد. ٢ - رضا الطرفين على قبول الحكم؛ لأن الحق لهما وهذا في غير من يحكمه القاضي بين الطرفين أما ما يحكمه فلا يشترط رضاهما به لأنه نائب عنه فيقوم مقامه. وهل يشترط تقدم الرضا؟ لا يشترط عند الحنفية فلو رضيا بحكم المحكم بعد صدوره جاز، وعند الشافعية لا بد من تقدم الرضا به قبل حكمه؛ لأن رضا الخصمين هو المثبت

стр. 1928

للولاية فلا بد من تقدمه (١). وهل يشترط استمرار الرضا حتى صدور الحكم؟ اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فذهب الحنفية والشافعية وبعض المالكية إلى اشتراط ذلك فيجوز عندهم لكل من طرفي التحكيم الرجوع عن التحكيم قبل صدور الحكم لا بعده؛ لأنه مقلد من جهتهما فلهما عزله قبل أن يحكم كالقاضي المقلد من قبل الإِمام فله عزله قبل حكمه للناس، فإن رجعا عنه أو رجع أحدهما قبل صدور الحكم ولو بعد إقامة البينة والشروع فيه بطل التحكيم وانعزل المحكم، أما إن رجعا بعد صدوره أو رجع أحدهما فإن الحكم ماض ولا يبطل لأنه صدر مستوفيًا شروطه كحكم القاضي (٢). ٢ - وذهب المالكية في الراجح عندهم: إلى عدم اشتراط دوامه فليس لأحدهما الرجوع بعد بدء الخصومة أمام الحكم (٣). بل وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك فقال بعدم جواز الرجوع لأحدهما بعد التحكيم ولو قبل بدء الخصومة أمام المحكم (٤). ٣ - وذهب الحنابلة والشافعية في وجه إلى أن لكل من المحكمين الرجوع قبل الشروع في الحكم؛ لأنه لا يلزم حكمه إلا برضا الخصمين أشبه رجوع الموكل

стр. 1929

عن التوكيل قبل التصرف فيما وكل فيه، أما بعده وقبل تمامه ففيه وجهان أحدهما: له ذلك؛ لأن الحكم لم يتم أشبه ما قبل الشروع. والثاني: ليس له ذلك كرجوع الموكل بعد صدور ما وكل فيه من وكيله. ولأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه رجع فبطل المقصود به، قال المرداوي وهو الصواب (١). ٣ - رضا الحَكَم وقبوله التحكيم: فيشترط أن يقبل الحكم التحكيم في القضية المتنازع عليها فلو رفضه فلا يصح حكمه فيها حتى يجدد تحكيمه فيقبل (٢). ٤ - أن لا يعلق التحكيم على شرط أو يضاف إلى وقت في المستقبل: وهذا على قول عند الحنفية وهو المفتى به عندهم. فلو قال المتخاصمان إذا جاء الشهر الفلاني فاحكم بيننا أو إذا جاء الغد فاحكم بيننا فلا يصح (٣). لزوم الحكم ونفاذه: إذا صدر حكم المحكم مستوفيًا شروطه كان نافذًا ورفع الخلاف بين الخصوم ولم يتوقف على رضاهما؛ لأن الحكم صدر عن ولاية شرعية صحيحة عليهما كالقاضي المولى من الإِمام، ولأنه لا يكون دون الصلح وبعد أن يتم الصلح ليس لواحد أن يرجع (٤).

стр. 1930

قال الزيلعيُّ: "فإن حكم لزمهما؛ لأن حكمه صدر عن ولاية شرعية عليهما كالقاضي إذا حكم لزم" (١). وقال ابن فرحون: "إذا حكم المحكم فليس لأحد أن ينقض حكمه، وإن خالف مذهبه إلا أن يكون جورًا بيِّنًا لم يختلف فيه أهل العلم" (٢). وقال الخطيب الشربيني: "ولا يشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر كحكم المولى من جهة الإِمام". وقال ابن قدامة: "إذا تحاكم رجلان إلى رجل حكماه بينهما ورضياه وكان ممّن يصلح للقضاء فحكم بينهما جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما" (٣). والراجح: نرى أن حكم المحكم ملزم، وإلا لم تكن هناك فائدة من التحكيم وهو مذهب الجمهور، على أن لزوم الحكم قاصر على الخصوم ولا يتعداهم إلى من سواهم. وله أن يشهد على ما ثبت من الحق عنده في المجلس قبل التفرق؛ إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق كالقاضي بعد العزل (٤). وقد أخذ بلزوم حكم المحكم نظام التحكيم السعودي لعام ١٤٠٣ هـ حيث نص في المادة (٢٠) منها على ما نصه: يكون حكم المحكمين واجب التنفيذ عندما يصبح نهائيًا. واشترط في المادة (١٧) أن تشتمل وثيقة الحكم بوجه خاص على وثيقة التحكيم وعلى ملخص أقوال الخصوم ومستنداتهم وأسباب الحكم ومنطوقه وتاريخ صدوره وتوقيعات المحكمين وإذا رفض واحد منهم أو أكثر التوقيع على الحكم أثبت ذلك في وثيقة الحكم.
следующие страницы →