← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

٢ - وذهب المالكية إلى أنه يجوز فيما يصح لأحدهما ترك حقه فيه كالأموال وما في معناها، ولا يجوز فيما يتعلق به حق لغير المتخاصمين وهي سبعة أمور: الحدود، واللعان، والقتل، والولاء لشخص على آخر، والنسب، والطلاق، والعتق، فلا يجوز التحكيم في واحد من هذه السبعة؛ لأنه يتعلق بها حق لغير الخصمين إما لله تعالى وإما لآدمي كما في اللعان والولاء والنسب لما في ذلك من قطع النسب، وفي الطلاق والعتق حق لله تعالى؛ إذ لا يجوز بقاء المطلقة البائن في العصمة ولا رد العبد في الرق، وأما الحد والقتل فالحق فيهما لله تعالى؛ لأن الحدود زواجر وهي حق لله (١). ٣ - وذهب الشافعية في الصحيح من مذهبهم إلى جوازه في جميع الحقوق غير حدود الله تعالى وتعزيراته؛ لأنه ليس لها طالب معين (٢). ٤ - وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يجوز في الأموال خاصة وما في حكمها ولا يجوز في أربعة أشياء النكاح واللعان والقذف والقصاص؛ لأنها مبنية على الاحتياط فيعتبر للحكم فيها قاضي الإِمام كالحدود (٣). الراجح: أن التحكيم لا يجوز إلا في نطاق ضيق حرصًا على استقرار أحكام الناس في لجوئهم إلى القضاء العام، فلا يجوز إلا في الأموال وما في معناها مما للخصمين إسقاط الحق فيه؛ لأن غير ذلك يتعلق به عادة حق لطرف آخر غيرهما وهو إما آدمي أو الله تعالى ومبنى ذلك الاحتياط.

стр. 1927

وقد نصت المادة (٢) من نظام التحكيم السعودي والمادة (١) من لائحتها التنفيذية على أنه: لا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح كالحدود واللعان بين الزوجين وكل ما هو متعلق بالنظام العام. الركن الرابع الصيغة: لا يشترط في التحكيم التقيد بلفظ التحكيم وما اشتق منه، بل يجوز التحكيم بكل لفظ دال عليه كأن يقولا له: احكم بيننا أو افصل بيننا جعلناك حكمًا أو قاضيًا أو الفاصل بيننا أو حكمناك في كذا ونحو ذلك فيقبل المحكم ذلك (١). الشروط العامة للتحكيم: يشترط في التحكيم ما يأتي: ١ - أن يقوم نزاع بين طرفين: فلو لم يكن هناك نزاع لم ينعقد التحكيم. فلو قال شخصان إذا اختلفنا فأنت الحكم بيننا ونحو ذلك لم ينعقد التحكيم حتى يقع النزاع فيحكمانه من جديد. ٢ - رضا الطرفين على قبول الحكم؛ لأن الحق لهما وهذا في غير من يحكمه القاضي بين الطرفين أما ما يحكمه فلا يشترط رضاهما به لأنه نائب عنه فيقوم مقامه. وهل يشترط تقدم الرضا؟ لا يشترط عند الحنفية فلو رضيا بحكم المحكم بعد صدوره جاز، وعند الشافعية لا بد من تقدم الرضا به قبل حكمه؛ لأن رضا الخصمين هو المثبت

стр. 1928

للولاية فلا بد من تقدمه (١). وهل يشترط استمرار الرضا حتى صدور الحكم؟ اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فذهب الحنفية والشافعية وبعض المالكية إلى اشتراط ذلك فيجوز عندهم لكل من طرفي التحكيم الرجوع عن التحكيم قبل صدور الحكم لا بعده؛ لأنه مقلد من جهتهما فلهما عزله قبل أن يحكم كالقاضي المقلد من قبل الإِمام فله عزله قبل حكمه للناس، فإن رجعا عنه أو رجع أحدهما قبل صدور الحكم ولو بعد إقامة البينة والشروع فيه بطل التحكيم وانعزل المحكم، أما إن رجعا بعد صدوره أو رجع أحدهما فإن الحكم ماض ولا يبطل لأنه صدر مستوفيًا شروطه كحكم القاضي (٢). ٢ - وذهب المالكية في الراجح عندهم: إلى عدم اشتراط دوامه فليس لأحدهما الرجوع بعد بدء الخصومة أمام الحكم (٣). بل وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك فقال بعدم جواز الرجوع لأحدهما بعد التحكيم ولو قبل بدء الخصومة أمام المحكم (٤). ٣ - وذهب الحنابلة والشافعية في وجه إلى أن لكل من المحكمين الرجوع قبل الشروع في الحكم؛ لأنه لا يلزم حكمه إلا برضا الخصمين أشبه رجوع الموكل

стр. 1929

عن التوكيل قبل التصرف فيما وكل فيه، أما بعده وقبل تمامه ففيه وجهان أحدهما: له ذلك؛ لأن الحكم لم يتم أشبه ما قبل الشروع. والثاني: ليس له ذلك كرجوع الموكل بعد صدور ما وكل فيه من وكيله. ولأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه رجع فبطل المقصود به، قال المرداوي وهو الصواب (١). ٣ - رضا الحَكَم وقبوله التحكيم: فيشترط أن يقبل الحكم التحكيم في القضية المتنازع عليها فلو رفضه فلا يصح حكمه فيها حتى يجدد تحكيمه فيقبل (٢). ٤ - أن لا يعلق التحكيم على شرط أو يضاف إلى وقت في المستقبل: وهذا على قول عند الحنفية وهو المفتى به عندهم. فلو قال المتخاصمان إذا جاء الشهر الفلاني فاحكم بيننا أو إذا جاء الغد فاحكم بيننا فلا يصح (٣). لزوم الحكم ونفاذه: إذا صدر حكم المحكم مستوفيًا شروطه كان نافذًا ورفع الخلاف بين الخصوم ولم يتوقف على رضاهما؛ لأن الحكم صدر عن ولاية شرعية صحيحة عليهما كالقاضي المولى من الإِمام، ولأنه لا يكون دون الصلح وبعد أن يتم الصلح ليس لواحد أن يرجع (٤).

стр. 1930

قال الزيلعيُّ: "فإن حكم لزمهما؛ لأن حكمه صدر عن ولاية شرعية عليهما كالقاضي إذا حكم لزم" (١). وقال ابن فرحون: "إذا حكم المحكم فليس لأحد أن ينقض حكمه، وإن خالف مذهبه إلا أن يكون جورًا بيِّنًا لم يختلف فيه أهل العلم" (٢). وقال الخطيب الشربيني: "ولا يشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر كحكم المولى من جهة الإِمام". وقال ابن قدامة: "إذا تحاكم رجلان إلى رجل حكماه بينهما ورضياه وكان ممّن يصلح للقضاء فحكم بينهما جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما" (٣). والراجح: نرى أن حكم المحكم ملزم، وإلا لم تكن هناك فائدة من التحكيم وهو مذهب الجمهور، على أن لزوم الحكم قاصر على الخصوم ولا يتعداهم إلى من سواهم. وله أن يشهد على ما ثبت من الحق عنده في المجلس قبل التفرق؛ إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق كالقاضي بعد العزل (٤). وقد أخذ بلزوم حكم المحكم نظام التحكيم السعودي لعام ١٤٠٣ هـ حيث نص في المادة (٢٠) منها على ما نصه: يكون حكم المحكمين واجب التنفيذ عندما يصبح نهائيًا. واشترط في المادة (١٧) أن تشتمل وثيقة الحكم بوجه خاص على وثيقة التحكيم وعلى ملخص أقوال الخصوم ومستنداتهم وأسباب الحكم ومنطوقه وتاريخ صدوره وتوقيعات المحكمين وإذا رفض واحد منهم أو أكثر التوقيع على الحكم أثبت ذلك في وثيقة الحكم.

стр. 1931

تنفيذ الحكم: أما تنفيذ الحكم الصادر من المحكم في القضية فليس أمره إليه؛ إذ مهمته أن يصدر الحكم في القضية محل التحكيم فقط (١). وقد نص نظام التحكيم السعودي على ذلك في المادة (٢٠) حيث جاء فيه: يكون حكم المحكمين واجب التنفيذ عندما يصبح نهائيًا. وذلك بأمر من الجهة المختصة أصلًا بنظر النزاع ويصدر هذا الأمر بناء على طلب أحد ذوي الشأن بعد التثبت من عدم وجود ما يمنع من تنفيذه شرعًا. الاعتراض على حكم المحكم: من حق أحد الخصمين إن كان له اعتراض أن يقدمه للقضاء للفصل في ذلك. وقد أثبت نظام التحكيم السعودي له هذا الحق في المادة (١٩) حيث نصت على أنه: إذا قدم الخصوم أو أحدهم اعتراضًا على حكم المحكمين خلال المدة المنصوص عليها في المادة السابقة تنظر الجهة المختصة أصلًا بنظر النزاع في الاعتراض وتقرر إما رفضه وتصدر الأمر بتنفيذ الحكم أو قبول الاعتراض وتفصل فيه. نقص الحكم: أولًا: إذا رفع إلى قاض حكم المحكم فوافق رأيه أمضاه ولا فائدة من نقضه ثم إبرامه من جديد، وعليه فلو رفع إلى قاض آخر الحكم لم يجز له نقضه لأن إمضاء القاضي الأول بمنزلة الحكم فيه ابتداء (٢). واختلفوا فيما إذا خالف الحكم رأي القاضي هل يجوز له نقضه أو لا؟

стр. 1932

١ - ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن حكم المحكم لا ينقض إلا بما ينقض به حكم القاضي صاحب الولاية الخاصة؛ لأنه حكم صحيح لازم فلم يجز فسخه لمخالفته رأيه كحكم من له ولاية (١). قال ابن فرحون: "إذا حكم المحكم فليس لأحد أن ينقض حكمه وإن خالف مذهبه إلا أن يكون جورًا بيِّنًا لم يختلف فيه أهل العلم" (٢). وقال النووي: "وإذا رفع حكم المحكم إلى القاضي لم ينقضه إلا بما ينقض قضاء غيره" (٣). وقال ابن قدامة: "إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز نقض حكمه فيما لا ينقض به حكم من له ولاية" (٤). ٢ - وقال الحنفية: إذا رفع إلى القاضي وكان رأيه يخالف ذلك فله نقضه (٥)؛ لأن حكم المحكَّم لا يلزم القاضي لعدم التحكيم منه؛ إذ هو باصطلاح الخصمين فلا يكون له ولاية على غيرهما فلا يلزمه حكمه بمنزلة اصطلاحهما في المجتهدات حيث له نقض ذلك إذا رأى خلافه. وهذا بخلاف حكم القاضي المعين من قبل السلطان لعموم ولايته لأنه نائب عنه فكان قضاؤه حجة على الكل فلا يجوز لقاض آخر نقضه وإن خالف مذهبه إلا إذا خالف الكتاب أو السنة أو الإجماع. ولعل الرأي الأول هو الراجح؛ لأن الحكم إذا صدر باجتهاد مستوفيًا

стр. 1933

شروطه لم يجز نقضه باجتهاد مثله. أتعاب المحكمين: لا خلاف بين الفقهاء أن المحكم له أخذ الأجر على التحكيم؛ قياسًا على عمل القاضي لا سيما وأن الخصومة قد تستمر لفترة طويلة قبل التوصل إلى صدور الحكم فيها. فإذا تم الاتفاق بين الأطراف المعنية في القضية على الأجر وإلا فيصار إلى أجر المثل. وقد نصت المادة (٢٢) من نظام التحكيم السعودي على أن تحديد أتعاب المحكمين يتم باتفاق الخصوم ويودع ما لم يدفع منها لهم خلال خمسة أيام من صدور القرار باعتماد وثيقة التحكيم لدى الجهة المختصة أصلًا بنظر النزاع ويصرف خلال أسبوع من تاريخ صدور الأمر بتنفيذ الحكم. ونصت المادة (٢٣) على أنه: إذا لم يوجد اتفاق حول أتعاب المحكمين وقام نزاع بشأنها تفصل فيه الجهة المختصة أصلًا بنظر النزاع ويكون حكمها في ذلك نهائيًا. عزل المحكم: ينعزل المحكم في الحالات الآتية: ١ - إذا اختل شرط من شروط أهلية المحكم للقضاء قبل الحكم. ٢ - عزل الخصمين له قبل صدور حكمه كما تقدم. أما موت أحد طرفي الخصومة فلا يترتب عليه عزل المحكم كما نصت عليه المادة (١٣) حيث جاء فيها: لا ينقضي التحكيم بموت أحد الخصوم وإنما يمد الميعاد المحدد للحكم ثلاثين يومًا ما لم يقرر المحكمون تمديد المدة بأكثر من ذلك. تم بحمد الله وتوفيقه، وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

стр. 1934

الفِقهُ الميَسَّر النَّوازل في العبادات الطَّهارة - المسَاجد - الصَّلاة - الجنَائز - الزَّكاة - الصِّيام - الحجّ مَوسُوعة فقهيَّة حَديثَة تتناوَل أحكام الفقه الإسلامي بأسُلوب وَاضح للمختصّين وغيرهم تَأليف أ. د/عَبد الله بن محمد الطيّار أستَاذ الدراسات العليا بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلامية بجامعة القصيم أ. د/عبد الله بن محمّد المطلق عضو هَيئة كبار العُلَماء، وعضو اللجنة الدَّائمة للإفتاء د/محمَّد بن إبراهيم الموسَى عضو مجلس الشورى سابقًا والمجلس الأعلى للأوقاف الجزء التَّاسع مدار الوطن للنشر

стр. 1935

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1936

الفِقهُ الميَسَّر النَّوازل في العِبَادات الطَّهارة - المسَاجد - الصَّلاة - الجنَائز - الزَّكاة - الصِّيام - الحجّ

стр. 1937

حقُوق الطَّبع محفُوظَة الطَّبعَة الثانيَة ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م مَدَارُ الوَطن للنَّشر المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١ البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦ الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨ الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨ الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨ التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩ التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤ التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧ مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩

стр. 1938

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فقد جاءت شريعة الإِسلام كاملة وافية شاملة لجميع مناحي الحياة، وقد اشتملت على قواعد ومبادئ عامة تتصف بالعدالة والمرونة، وهذا يجعلها تفي بمتطلَّبات البشر في كل عصر ومصر. وكل من يتفيَّأ ظلال الإِسلام ويَدين بدينه يجد الراحة والطمأنينة، بل إن من لا يدينون بدين الإِسلام يجدون في الإِسلام كل ما يحتاجون فلا يُظلَمون ولا يُعتَدى عليهم، بل حقوقهم مضمونة يكفلها لهم الإِسلام ما داموا قائمين بما اتفقوا عليه مع المسلمين. وقد بذل الفقهاء جهودًا مباركة لاستيعاب المسائل التي جرت في عصرهم، فبينوا أحكامها حسب ما ظهر لهم. والحياة متجددة ويتجدد معها من القضايا والمسائل والنوازل ما يتطلب أحكامًا، وهذه مسؤولية أهل العلم في كل عصر. وقد كان من توفيق الله لنا أن أتممنا الموسوعة الفقهية، وهي (الفقه الميسر)، وألحَّ علينا الكثيرون أن نتبعها، بنفس الأسلوب، ببيان لحكم بعض النوازل الفقهية والقضايا المعاصرة التي جدَّت في الساحة العلمية، وبعد تفكير ومشاورة عقدنا العزم على إخراج أجزاء متممة تحمل اسم النوازل.

стр. 1939

وهذا هو القسم الخاص بالعبادات نضعه بين أيدي القرَّاء، وقد حرصنا على ذكر آراء المجامع الفقهية ولجان الفتوى، ومتى ظهر لنا ترجيح في تلك المسائل أبديناه، وقد يكون لغيرنا رأي يخالفه، ولا حرج في ذلك؛ فكل ينتهي إلى ما يراه، لا سيما في هذه القضايا المتجددة التي يحتاج الحكم عليها إلى النظر لها من زوايا مختلفة. ولنا رجاء من كل من يطلع على هذه الموسوعة، أن يوافينا بما يراه من مسائل إضافية أو ملحوظات أو اقتراحات؛ فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه. نسأل الله أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. المؤلفون

стр. 1940

أولًا: نوازل الطهارة، وما يتعلق بها استعمال مياه الصرف الصحي: لقد أصبحت مياه المجاري في الوقت الحاضر تعالج عبر عمليات كيميائية عن طريق أجهزة متقدمة، وقد ذكر أهل الاختصاص أنها تمر بأربع مراحل؛ بالتنقية، ثم التهوية، وقتل الجراثيم، والتعقيم، هذه هي المراحل التي تمر بها مياه المجاري لتنقيتها. وباستخدام هذه المراحل لا يبقى للنجاسة أي أثر من جهة اللون، ولا من جهة الطعم، ولا من جهة الرائحة، فهل نقول: إن هذه المياه بعد هذه المعالجة أصبحت طاهرة يجوز التطهر بها؟ بناء على ما ذكره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغير بنجاسة يطهر إذا زال تغيره بنفسه أو بإضافة ماء طهور إليه، أو زال تغيره بطول مُكْثٍ، أو تأثير الشمس ومرور الرياح عليه أو نحو ذلك؛ لزوال الحكم بزوال علته. وحيث إن المياه المتنجسة يمكن التخلص من نجاستها بعدة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية يعتبر من أحسن وسائل الترشيح والتطهير، حيث يُبذَل الكثير من الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات كما يشهد بذلك ويقرره الخبراء المختصون بذلك ممّن لا يتطرق الشك إليهم في عملهم وخبرتهم وتجارِبهم. وبنًاء على ذلك فإننا نرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا يرى فيها تغير بنجاسة في طعم ولا لون ولا ريح، ويجوز استعمالها

стр. 1941

في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها منها، كما يجوز شربها إلَّا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها فيمتنع ذلك محافظة على النفس، وتفاديًا للضرر لا لنجاسته (١). أثر الأسنان الصناعية على الوضوء: تعريفها: هي أسنان يحتاج إليها بعض الناس للاستعاضة عن الأسنان الطبيعية، وهي إما أن تكون متحركة، أي تخرج من الفم، وإما أن تكون ثابتة تحل محل ما تم نزعه من الأسنان. لكن هل تأخُذ هذه الأسنان حكم الأسنان الطبيعية من حيث عدم نزعها عند الوضوء؟ الجواب: تركيبة الأسنان أو الأسنان الصناعية لا يجب على الإنسان أن يزيلها إذا أراد الوضوء ويشبه هذا الخاتم، والخاتم لا يجب نزعه عند الوضوء، بل الأفضل أن يحركه، لكن ليس عل سبيل الوجوب؛ لأن النبي ﷺ كان يلبسه ولم يُنْقَل أنه كان ينزعه عند الوضوء، مع أنه قد يحجب الخاتمُ شيئًا من الماء، ولم يثبت أنه كان يحركه، فلما لم يَرِدْ ذلك دلَّ على أن هذا يعفى عنه. ومثل ذلك أيضًا أن النبي ﷺ أمر عرفجة بن سعد ﵁ أن يتخذ أنفًا من ذهب (٢)، وهذا الأنف سيحجب شيئًا من مواضع الماء ولم يأمره ﷺ أن يزيل هذا الأنف عند الوضوء أو عند الغسل. ولذلك نقول: إن مثل هذه التركيبة وإن كانت متحركة قد يكون في خلعها شيء من المشقة فلا تنزع ولا تتحرك (٣).

стр. 1942

طلاء الأظفار بالمواد الكيميائية: تتعمد بعض النساء أن تضع على أظفارهن ما يسمى بطلاء الأظافر (المناكير والإكلادور)، وهذا على ما فيه من ضرر يصيب المرأة نتيجة لاتخاذه، إلَّا أنه كذلك يؤثر على المرأة في عبادتها وبخاصة الصلاة التي هي أعظم الشعائر العملية؛ وذلك لأنه يحجب وصول الماء إلى البشرة التي يجب استيعاب العضو فيها بالغسل. وهذا مما اتفق عليه أئمة المذاهب؛ حيث اتفقوا على أن من شروط صحة الوضوء إزالةَ ما يمنع وصول الماء إلى البشرة. وإن من العجب أن يفتي بعض الناس بأن استخدام هذه الأشياء لا يؤثر على الوضوء لأنها تشبه الحناء أو الجبيرة في المسح عليها، وهذا خطأ بلا شك؛ لأن الحناء ليس لها جُرمٌ بخلاف هذه الأشياء المستحدثة فإن لها جرمًا واضحًا، وأما الجبيرة فيمسح عليها للحاجة، فإذا وضعها الإنسان بلا حاجة أو برأ من مرضه أو جرحه إن كان به جرح، لزمه إزالتها. وعلى ذلك نقول بأنه يحرم على المرأة أن تتخذ مثل هذه الأشياء وقت الوضوء أو وقت الغسل؛ لأن استيعاب العضو بالغسل واجب. فإذا توضَّأت أو اغتسلت بعد إزالة هذه الأشياء فلها أن تضع هذه الأشياء؛ إذ لا ينتقض الوضوء بها، ولكن عندما ينتقض الوضوء بأي ناقض من نواقضه فإنه يجب عليها قبل الشروع في الوضوء أو الغسل إزالةُ هذه القشرة الرقيقة الناتجة عن هذا الطلاء؛ لأنها تعتبر مادة عازلة تمنع وصول الماء إلى الظفر (١).

стр. 1943

أثر تركيبة الأظافر الصناعية على الوضوء، أو الغسل: الأظافر الصناعية هي عبارة عن أظافر بلاستيكية تشبه الأظافر الخلقية؛ تأخذها المرأة وتصبغها بأصباغ مختلفة متنوعة، ثم بعد ذلك تضعها على ظفرها أو تلزقها على ظفرها بمادة لاصقة. وحكم هذه الأظافر حكم ما تقدم من الأصباغ الكيميائية، فهي إن كان اتخاذها وقت الوضوء أو الغسل فهو محرم ولا يجوز لما ذكرنا؛ لأنها تمنع وصول الماء إلى الظفر، وقد تقدم باتفاق الفقهاء أن من شروط صحة الوضوء إزالةَ ما يمنع وصول الماء إلى البشرة من طين أو عجين وغيره. أثر أصباغ الشعر على الوضوء أو الغسل: تنقسم أصباغ الشعر من حيث التركيبات الكيميائية إلى قسمين: القسم الأول: تركيبات كيميائية لا جرم لها وإنما هي عبارة عن أصباغ نباتية تشبه الحناء، فهي مجرد لون لا تكوِّن جرمًا على الشعر ولا تعتبر طبقة عازلة، فهذه استخدامها من حيث الوضوء أو الغسل لا بأس به؛ لأن مثل هذه الأصباغ لا تمنع وصول الماء إلى الشعر وإنما هي مجرد لون يَكسو الشعر بلون آخر. القسم الثاني: أصباغ معدنية عبارة عن مركبات معدنية لها جُرم تمنع وصول الماء إلى الشعر بحيث تكون الشعرة سميكة، وهذه الأصباغ كثيرة، فهذه استخدامها اختلف فيه أهل العلم المعاصرون: فقال بعضهم: لا يجوز استخدام هذا النوع من الأصباغ؛ لأنه يمنع وصول الماء إلى الشعر، ولأن فترته تطول والمرأة بحاجة إلى الغسل عن الحدث الأكبر كالجنابة والحيض.

стр. 1944

وقال بعضهم: إنه يجوز المسح على هذا النوع من الأصباغ، فإن شعر الرأس يجوز المسح فيه على العمامة والخمار، وثبت أن النبي ﷺ لبَّد شعره وهو محرم، فدلَّ مجموع ذلك على أن الأمر فيه سعةٌ، وأن تطهير الرأس فيه شيء من التسهيل. الرموش الصناعية: تعريفها: هي عبارة عن شعيرات رقيقة تُصْنَعُ من المواد البلاستيكية تلصق على الجفن بواسطة مادة لاصقة على طرف الرمش الأعلى ليبدو رمش المرأة في عينها طويلًا أو ثخينًا. أما حكم أثرها على الوضوء أو الغسل: فالظاهر أن هذه الرموش لا تمنع وصول الماء إلى شيء من الأعضاء التي يجب غسلها؛ وذلك لأنها تتحلل ولها فتحات من جهة الأسفل لا تمنع وصول الماء إلى داخل رمش العين. وعلى ذلك فيعتبر الوضوء معها صحيحًا وكذلك الغسل. أثر استعمال المواد الدهنية أو الكريمات والمساحيق على الوضوء والغسل: المواد الدهنية أو الكريمات وغيرها مما يستخدم لترطيب جلد البشرة للوجه والرجلين واليدين. هذه المساحيق وغيرها بعضها خاص بالنساء دون الرجال وبعضها يشترك فيه الرجال والنساء، وهي لا تخلو من قسمين: الأول: دهونات وكريمات ومساحيق تكون عبارة عن مجرد لون أو رطوبة؛ فهذه الأنواع وما كان على هيئتها لا تمنع من وصول الماء إلى البشرة، فاستخدام مثل هذه الأشياء لا يؤثر على الوضوء والغسل. القسم الثاني: أن تكون لهذه الأشياء كثافة دهنية وطبقة شمعية بحيث تجد لهذه الأدهان أثرًا على الجلد متراكمًا على البدن، فمثل هذه الأدهان والكريمات يمنع من وصول الماء إلى البشرة فيجب إزالته قبل الغُسْل أو الوضوء.

стр. 1945

القَسطَرة ، ومثل ذلك ما يسمى بالشَّرْج الصناعي، وأثرهما على الطهارة: القسطرة: هي أن يوضع للمريض في مجرى البول قِسْطار -ماسور بلاستيكي- يسبب إخراج البول دون إرادة المريض، ويتجمع هذا البول في كيس ويكون معلقًا في المكان الذي ينام فيه الريض، وإنما يلجأ الطبيب بأن يضع للمريض هذا القسطار: إما لأن المريض لا يقدر أن يتبول تبولًا طبيعيًّا وإما أن المريض يشق عليه أن يذهب لبيت الخلاء، ويكون البول في كيس بجانب المريض. أما الشَّرج الصناعي: فهو أن يُبْتَلَى المريض بسرطان القُولون بحيث لا يتمكن من أن يتبرز تبرزًا طبيعيًّا، أو أن المريض يكون فيه تشوُّهات خَلقيةٌ لا يتمكن من أن يتبرز تبرزًا طبيعيًّا؛ فيعمد الطبيب إلى أن يفتح في جدار البطن فتحةً يسهل خروج البراز دون إرادة المريض عن طريق أنبوب، ويكون هناك علبة يتجمع فيها هذا البراز تزال بين فترة وأخرى. فما أثر هذا البول وغيره على طهارة المريض؟ هذه المسألة تنبني على مسألة تكلم عليها العلماء ﵏ وهي صاحب الحدث الدائم "مَن حَدَثُه دائم لفرضه"، هل يجب عليه الوضوء أو لا يجب عليه الوضوء؟ وإذا قلنا بوجوب الوضوء هل يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة أو يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة؟ هذه المسألة موضع خلاف بين العلماء ﵏، وأقرب الأقوال فيها هو أن الذي يخرج منه الحدث الدائم لا يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة ولا ينقض الوضوء إلَّا إذا خرج منه حدث آخر غير هذا الحدث الدائم فإنه يجب عليه أن يتوضأ، فمثلًا: هذا المريض الذي يخرج منه بول دائم لا يجب عليه أن يتوضأ،

стр. 1946

لكن لو خرج منه ريح فيجب عليه أن يتوضأ لهذه الريح، أو خرج منه غائط يتوضأ لهذا الغائط. وإذا عرفنا ذلك نقول: هذا الذي يخرج منه البول على سبيل الدوام لا يجب عليه الوضوء حتى يخرج حدث آخر غير هذا البول. كذلك هذا الذي حصل له فرج طبيعي، إذا كان خروج الغائط مستمرًّا لا يجب عليه أن يتوضأ له حتى يأتي حدث آخر غير هذا الحدث الطارئ، وإن كان خروج هذا الغائط غير مستمر وإنما هو أمر معتاد، كعادة الناس يخرج في اليوم مرة أو مرتين، فهذا يجب عليه أن يتوضأ لخروج هذا الغائط. غسيل الكلى وأثره على الطهارة: أمراض فشل الكلى عن عملها يُعد من الأمراض المنتشرة في وقتنا الحاضر، والكلى تقوم بعمل رئيس في بدن الإنسان، فهي تقوم بتخليص الدم من السموم والفضلات السائلة والأملاح الزائدة، وإذا مرض الإنسان بهذا المرض وفشل عنده عمل الكلى فإن هذا من الأمراض الخطيرة المخوفة على حياته، وعدم تدارك عمل الكلى هذا يؤدي بحياة المريض إلى الهلاك، ومع تطور الطب ورُقيِّه ظهر في وقتنا الحاضر ما يسمى بغسيل الكلى، والغسيل الكلوي ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الغسيل الدموي أو التنقية الدموية: وهذا هو الذي يكثر في وقتنا الحاضر، والغسيل الدموي طريقته هو أن الطبيب يقوم بسحب دم المريض عن طريق إبرة توضع في أحد الأوردة، ثم بعد ذلك يمر هذا الدم مع الجهاز الذي يقوم بتنظيفه من السموم والفضلات السائلة والأملاح الزائدة، الذي يعمل عمل الكلية الطبيعية، ويضاف إلى هذا الجهاز أثناء عمله شيء من الأدوية والعلاجات والأغذية التي يحتاجها المريض.

стр. 1947

ويكون هذا العمل ثلاث مرات أو أربع مرات في الأسبوع، وتقدَّر كل جلسة بما يقرب من ثلاث أو أربع ساعات على حسب حاجة المريض. فهل يُعَدُّ خروج هذا الدم ثم بعد ذلك دخوله إلى البدن مرة أخرى بعد تنقيته ناقضًا للوضوء أم ليس ناقضًا للوضوء؟ هذه مسألة خلافية اختلف فيها أهل العلم ﵏: هل خروج الدم ينقض أو ليس ينقض؟ والصواب في هذه المسألة: أن خروج الدم من بدن الإنسان ليس ناقضًا. وعلى هذا نقول بأن من يعمل هذا الغسيل الكلوي؛ وهو ما يسمى بالغسيل الدموي أو التنقية الدموية، نقول خروج الدم هذا منه ثم تنقيته ثم إرجاعه إلى البدن مرة أخرى لا يؤثر على الوضوء ولا يجب عليه أن يتوضأ. القسم الثاني: الغسيل البريتوني: تعريفه: هو عبارة عن أنبوب يوضع في جوف بطن المريض، وهذا الأنبوب يوضع بين السرة والعانة، ويعطى المريض بعض السوائل والأدوية الخاصة التي تساعد الجسم على التخلص من السموم والفضلات السائلة والأملاح الزائدة، ثم بعد ذلك هذه السموم والفضلات السائلة والأملاح الزائدة تظلُّ تجتمع في هذا الأنبوب ما يقرب من ثماني ساعات مع أن المريض يباشر سائر أعماله الحياتية بطريقة معتادة، ثم بعد اجتماعها يقوم المريض بتفريغ هذا الأنبوب في كيس خارجي، ثم بعد ذلك يُبْعَثُ بهذا الكيس ويُؤْتَى بكيس آخر، وهكذا. وهذه الطريقة يستعملها المريض ما يقرب من ثلاث مرات في اليوم، على حسب حاجته.

стр. 1948

وقد ذكر بعض الباحثين أن من يستعمل الغسيل البريتونيَّ في الغالب أنه يستغني عن التبول الطبيعي، وأن هذه العملية تقوم باستغنائه عن التبول الطبيعي. حكمه: الأقرب في هذه المسألة أن الغسيل البريتوني ينقض الوضوء؛ لأن هذا الخارج لا يأخذ حكم الدم، وإنما يأخذ حكم البول لأن فيه صفات البول من الفضلات والأملاح والسموم. حكم التطهر بالمنظفات: حكم التطهر بالمنظفات التي يكون في تراكيبها شيء من النجاسات كدهن الخنزير أو الكحول وغيره: ما يتعلق بالصابون وسائر المنظفات التي يدخل في تركيبها شيء من النجاسات، وكذلك بعض أدوات التجميل التي يستخدم في تركيبها شيء من النجاسات كدهن الخنزير مثلًا، نقول: هذه النجاسات لا تخلو من أمرين: الأمر الأول: إذا اضْمَحَلَّتْ هذه المركبات النجسة وذابت واستهلكت بسبب خلطها بالمواد الأخرى، فاستخدام مثل هذا الصابون الذي فيه مثل هذه الأشياء بنسب يسيرة من دهن الخنزير وغيره، واضمحلت واستهلكت، فهذا جائز ولا بأس به؛ لأن هذا الدهن أصبح لا أثر له، والقاعدة في ذلك: "أن العين التي تنغمر في غيرها وتستهلك فإنه لا حكم لها". الأمر الثاني: إذا استحالت هذه المركبات النجسة وانقلبت إلى عين أخرى، فهذه أيضًا محل خلاف بين الفقهاء، والصحيح أن الاستحالة تُصَيِّرُ الأعيان النجسة إلى أعيان طاهرة، أي تنقلها من العين النجسة إلى العين الطاهرة. الأمر الثالث: إذا كانت هذه التركيبات لا تزال باقية، كدهن الخنزير أو

стр. 1949

دهن الميتة لا يزال باقيًا لم يَسْتَحِل ولم يُسْتَهْلَكْ في غيره، فهل يجوز استعمال مثل هذا الصابون أو مثل هذا المنظف الذي دخل في تركيبه هذه النجاسة التي لا تزال باقية فيه؟ هذا موضع خلاف بين العلماء ﵏ في حكم استعمال النجاسة على وجه لا يتعدى، وفي ذلك رأيان لأهل العلم. والصحيح أن استعمال مثل هذا الصابون غير جائز، وهو رأي أكثر العلماء، وبه أفتت اللجنة الدائمة (١). الصلاة في الحدائق التي تُسْقَى بماء المجاري: مياه المجاري هي عبارة عن مياه ناتجة عن استخدام الإنسان للماء في الأنشطة الحياتية العادية؛ مثل ما يتعلق بالغسيل والتنظيف والاستنجاء ونحو ذلك، وهذه المياه لا يجوز استعمالها في الحدائق والمتنزهات التي يقصدها الناس، اللَّهم إلَّا إذا تمت تنقيتها عبر وسائل التنقية الحديثة ومرت بمراحل التنقية النهائية، وذلك لأن هذه المياه نجسة، إذا سُقيت بها هذه الحدائق نَجَّستْها، وهذه الحدائق والمتنزهات يحتاجها الناس للجلوس فيها والصلاة فيها، فإذا قصدها الناس وهي على ذلك تنجَّست ثيابهم وفسدت صلاتهم؛ لأن طهارة الثوب والبقعة شرط لصحة الصلاة. إزالة النجاسة بالبخار: إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصدًا، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة وزالت وزال أثرها، فإنه يكون ذلك الشيء مطهِّرًا لها، سواء كان بالماء أو بالبنزين، أو أي مزيل يكون.

стр. 1950

فمتى زالت عين النجاسة بأي شيء يكون، فإنه يعتبر ذلك تطهيرًا لها؛ لأنها عين نجسة خبيثة، متى وجدت صار المحل متنجِّسًا بها، ومتى زالت عاد المكان إلى أصله، أي إلى طهارته، فكل ما تزول به عين النجاسة وأثرها فإنه يكون مطهرًا لها (١)، علمًا أنه يعفى عن اللون المعجوز عنه. حكم استعمال الكحول في تعقيم الجروح وخلط بعض الأدوية به: الكحول مادة مطهرة للجروح، وركن من أركان الصيدلة، والعلاجِ الطبي، والصناعات الكثيرة، وتدخل فيما لا يحصى من الأدوية، وتحريم استعمالها على المسلمين يحول دون إتقانهم لعلوم وفنون وأعمال كثيرة هي من أعظم أسباب تفوق غيرهم عليهم؛ كالكيمياء والصيدلة والطب والعلاج والصناعة، وتحريم استعمالها في ذلك أيضًا قد يكون سببًا لموت كثير من المرضى والمجروحين أو يطول مرضهم وتزيد آلامهم، وخلط بعض الأدوية بشيء من الكحول لا يقتضي تحريمها إذا كان الخلط يسيرًا لا يظهر له أثر مع المخلوط، كما نص على ذلك أهل العلم، وبناءً علي ذلك نقول: استعمال الكحول في تعقيم الجروح لا بأس به؛ للحاجة لذلك (٢). حكم دخول الحمام بالمصحف أو أشرطة القرآن: الدخول بالمصحف إلى المرحاض والأماكن القذرة صرَّح العلماء بأنه حرام؛ لأن ذلك ينافي احترام كلام الله ، إلَّا إذا خاف أن يسرق لو وضعه خارج المرحاض، أو خاف أن ينساه؛ فلا حرج أن يدخل به لضرورة حفظه. أما الأشرطة فليست كالمصاحف؛ لأن الأشرطة ليس فيها كتابة، غاية ما هنالك أن ذبذباتٍ معينةً موجودةً في الشريط إذا مرت بالجهاز المعين ظهر الصوت؛ فلذلك يدخل بها ولا إشكال في ذلك.

стр. 1951

من فقد أحد أعضائه واستبدلها بعضو صناعي: إذا فقد الإنسان عضوًا من أعضاء الوضوء، فإنه يسقط عنه فرضه إلى غير تيمم؛ لأنه فقد محل الفرض فلم يجب عليه، حتى لو رُكِّب له عضو صناعي، فإنه لا يلزمه غسله، ولا يقال إن هذا مثل الخفين يجب عليه مسحهما لأن الخفين قد لبسهما على عضو موجود يجب غسله، أما هذا فإنه صنع له على غير عضو موجود. لكن أهل العلم يقولون: إنه إذا قُطع من المفصل، فإنه يجب عليه غسل رأس العضو، فمثلًا لو قطع من المرفق، وجب عليه غسل رأس العَضُد، ولو قُطعت رجلُه من الكعب، وجب عليه غسل طرف الساق (١) والله أعلم. حكم وضوء من يعيشون لحظات غيبوبة: هذا فيه تفصيل: وهو مثل النوم إن كان شيء يسير لا يزيل الوعي، ولا يمنع الإحساس بخروج الحدث، فلا يضر، كالنائم الذي ينعس نعاسًا خفيفًا لا يستغرق في نومه، فهو يسمع كلام الناس ويسمع حركاتهم، هذا طهارته صحيحة حتى يعلم أنه خرج منه شيء. وهكذا إذا كانت الغيبوبة لا تمنع الإحساس إن تعاطى بعض الأدوية وبعض الأشياء التي قد يحصل بها شيء من الغيبوبة لكنها غير تامة، يحس معها بالحدث، فهو مثل الناعس. أما إن كانت غيبوبة تمنع شعوره بما يخرج منه، كالسكران، والمصاب بمرض أفقده شعوره صار في غيبوبة، هذا ينتقض وضوءه كالإغماء، كمن أغمي عليه بأي سبب من الأسباب فإنه أعظم من النوم ينتقض معه الوضوء، والمصاب بالصرع كذلك يكون أعظم إذا صرع، ثم عافاه الله وزال عنه الصرع يتوضأ.

стр. 1952

من عجز عن غسل عضو أو مسحه: إذا كان في موضع من مواضع الوضوء جرح ولا يمكن غسله ولا مسحه؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن هذا الجرح يزداد أو يتأخر برؤه، فالواجب على هذا الشخص هو أن يتيمم، فمن توضأ تاركًا موضع الجرح ودخل في الصلاة وذكر في أثنائها أنه لم يتيمم، فإنه يتيمم ويستأنف الصلاة؛ لأن ما مضى من صلاته قبل التيمم غير صحيح، ومنه تكبيرة الإحرام، فلم يصح دخوله في الصلاة أصلًا؛ لأن الطهارة شرط من شروط صحة الصلاة وترك موضع من مواضع الوضوء أو ترك جزء منه، لا يكون الوضوء معه صحيحًا (١). حكم طهارة المياه المستخدمة في إطفاء الحريق: إذا كانت هذه الرغويات التي تخلط مع ماء إطفاء الحريق مُصنَّعة من مواد نجسة وغيرت الماء، فإنه لا يصح الوضوء به. وأما إذا كانت مُصنَّعة من مواد طاهرة، فلا بأس بالوضوء بالماء الذي خلط بها، ما لم تغلب عليه ويتحول من مسمى الماء إلى مسمى غيره. الولادة القيصرية هل لها نفاس ؟ النفاس هو الدم الخارج من المرأة مع الولادة، أو بعدها، أو قبلها بيسير سواء كانت ولادة طبيعية أو قيصرية، ولا يلزمها مع خروج هذا الدم صلاة ولا صوم وغير ذلك من العبادات التي يشترط لها الطهارة. أما إذا استخرج الجنين بأي طريقة ولم يحصل مع المرأة دم فلا نفاس عليها وتؤدي سائر العبادات.

стр. 1953

حكم استعمال حبوب منع الحيض: استعمال المرأة حبوب منع الحيض إذا لم يكن عليها ضرر من الناحية الصحية، فإنه لا بأس به، بشرط أن يأذن الزوج بذلك، ولكن حسب ما علمنا أن هذه الحبوب تضر المرأة. قال ابن مفلح ﵀: "نص أحمد في رواية صالح وابن منصور في المرأة تشرب الدواء يقطع عنها دم الحيض، أنه لا بأس به إذا كان دواءً يعرف" (١). لكن من المعلوم أن خروج دم الحيض خروجٌ طبيعي، والشيء الطبيعي إذا مُنع في وقته، فإنه لا بد أن يحصل من منعه ضرر على الجسم. وكذلك أيضًا من المحذور في هذه الحبوب أنها تخلط على المرأة عادتها، فتختلف عليها، وحينئذ تبقى في قلق وشك من صلاتها ومن مباشرة زوجها وغير ذلك. لكن كما سبق لا مانع من استعمالها في حال العمرة أو الحج أو الصيام للحاجة فقط، ولا ينبغي للمرأة أن تستعملها خوفًا من الضرر عليها، وينبغي للمرأة أن ترضى بما قدَّر الله لها (٢). نزول دم بسبب اللَّوْلَب: إذا كان هذا اللولب معروفًا بأنه يؤثر في الحيض فيطيل مدته، فتعتبر تلك الأيام الزائدة حيضًا تترك لها المرأة الصلاة والصيام، ولا يحل فيها الوطء، وإذا كان الذي ينزل بعد الطهر، وبعد انقطاع الحيض من أثر اللولب فقط، فلا يعتبر حيضًا وتجب فيه الصلاة، ويجوز فيه الوطء.

стр. 1954

اضطراب الدورة بسبب حبوب الحمل: المرأة التي تستخدم حبوبًا لتنظيم الحمل ثم اضطربت معها الدورة، فأصبحت تأتيها في الشهر أكثر من مرة، وخلال أوقات متعددة، فمتى تيقنت أنه حيض -ما لم يتجاوز أكثر الحيض-؛ وهو خمسة عشرة يومًا- فهو حيض، وما لم تتيقن أنه حيض فلا تجلسه؛ لأن الأصل وجوب الصلاة عليها ما لم تتيقن ما يسقطها؛ والذي هو الحيض أو النفاس. نزول الدم من المرأة بسبب الفحص: إذا خضعت المرأة للعلاج بالإبر التي تُعطَى في العضل لعملية تنشيط المبايض، ثم تخضع لفحص داخلي، وقد ينزل الدم أثناء الفحص، فهذه الدماء التي تعرض للمرأة لا تفسد صيامها، فلا يُفسِد الصوم إلَّا دم الحيض الصريح ودم النفاس فقط. اضطراب الدورة بعد تركيب اللولب: إذا اضطربت دورة المرأة بسبب تركيب اللولب وأصبحت حيضتها غير منتظمة ولم تنضبط، فإنها تعود إلى التمييز، بمعنى أنها تنظر إلى الدم الخارج منها، فما وجدته بلون الحيض أو رائحته المعتادة فهو حيض تترك الصلاة والصيام عند مجيئه، وإذا ذهب عنه هذا الوصف فتعتبره دم فساد، فتصلي بعد أن تتطهر وتصوم ولا يؤثر في الصوم ولا الصلاة؛ وذلك لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂: "إذَا كانَ دَمُ الحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَن الصَّلاةِ" (١).

стр. 1955

ثانيًا: النوازل المتعلقة بالمساجد حضور من ابتلي بشرب الدخان لصلاة الجماعة في المسجد: نرى أن رائحة الدخان كريهة يستقذرها الناس وخاصة من لا يشرب الدخان ويتضايق منها، والملائكة يتأذَّون مما يتأذَّى منه بنو آدم. وعليه فنرى إلحاق ذلك بما ورد في النهي عمن أكل كرَّاثًا أو بصلًا أو ثومًا من الإتيانِ للمسجدِ، وأنه يأثم إذا أتى بتلك الرائحة؛ لما يسببه من تضايق للمصلين والملائكة. وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ سؤالًا حول هذه النازلة جاء فيه: هناك حديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَنْ أكلَ بصلًا أو ثومًا أو كرَّاثًا فلا يقربَنَّ مساجدَنا ثلاثةَ أيامٍ، فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى مِنْهُ بنو آدمَ" أو كما قال ﷺ . هل معنى ذلك أن من أكل أيًّا من هذه الأشياء لا تجوز له الصلاة في المسجد حتى تمضي عليه تلك المدة، أم يعتبر أكلها غير جائز لمن تلزمه صلاة الجماعة؟ فأجاب ﵀: "هذا الحديث وما في معناه من الأحاديث الصحيحة يدل على كراهة حضور المسلم لصلاة الجماعة ما دامت الرائحة توجد منه ظاهرةً تؤذي من حوله، سواء كان ذلك من أكل الثوم أو البصل أو الكرَّاث أو غيرها من الأشياء المكروهة الرائحة كالدخان حتى تذهب الرائحة، مع العلم بأن الدخان مع قبح رائحته هو محرم لأضراره الكثيرة وخبثه المعروف، وهو داخل في قوله سبحانه عن نبيه ﷺ في سورة الأعراف: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ

стр. 1956

الْخَبَائِثَ﴾ (١)، ويدل على ذلك أيضًا قوله سبحانه في سورة المائدة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢)، ومعلوم أن الدخان ليس من الطيبات فعلم بذلك أنه من المحرمات على الأمة. أما التحديد بثلاثة أيام فلا أعلم له أصلًا في شيء من الأحاديث الصحيحة وإنما الحكم متعلق بوجود الرائحة؛ فمتى زالت -ولو قبل ثلاثة أيام- زالت كراهية الحضور في المساجد؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولو قيل بتحريم حضوره المساجدَ ما دامت الرائحة موجودة لكان قولًا قويًا؛ لأن ذلك هو الأصل في النهي، كما أن الأصل في الأوامر الوجوب إلَّا إذا دل دليلَّ خاصٌّ على خلاف ذلك، والله ولي التوفيق" (٣). أثر المرض المعدي في حضور الجمعة والجماعات: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يمنع المريض بمرض مُعْدٍ من المسجد وحضور الجمعة والجماعات، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الشافعية، والحنابلة، وبعض المالكية (٤)، وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة منها: ١ - حديث: "لاَ عَدْوَى وَلاَ طيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ" (٥). ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن مخالطة المريض بمرض

стр. 1957

معد للأصحاء، لئلا يكون قدر الله على المختلط به مثل دائه، وحضور المريض لأداء الصلوات جماعة مظنة لهذا الاختلاط. ٢ - حديث: "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ" (١): حيث إن المصلين يتأذون من المريض المصاب بمرض معد أشد من تأثرهم بمن يأكل البصل والثوم، وقد أمرهما النبي ﷺ بأن لا يقربا المسجد. القول الثاني: لا يمنع المريض بمرض معد من المسجد وحضور الجمعة والجماعات كصلاة العيد وأداء الحج والعمرة، وهو قول عند المالكية (٢). واستدلوا: بالأثر الذي رواه مالك في الموطأ: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه مرَّ بامرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت فقال لها: يا أمة الله، لا تؤذي الناس. لو جَلَسْتِ في بيتِكِ! فجَلَسَتْ، فمر بها رجل بعد ذلك قال لها: إن الذي كان نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: "ما كنت لأطيعه حيًّا وأعصيه ميتًا" (٣). وجه الاستدلال به: أن عمر ﵁ لم يعزم عليها بالنهي عن الطواف ودخول البيت، وإنما خاطبها على سبيل الرفق من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. القول الثالث: تسقط عنهم صلاة الجمعة والجماعات إذا لم يجدوا موضعًا يتميزون فيه عن الناس، وأما لو وجدوا وجبت عليهم ومنعت المخالطة. وهذا

стр. 1958

أحد الأقوال عند المالكية (١). واستدلوا: بأنهم يُمنَعون من حضور المسجد لتضرُّر الناس بهم، فإذا وجدوا مكانًا يصلون فيه ولا يلحق ضررهم بالناس، فإن الجمعة والجماعات واجبة عليهم. الرأي الراجح: وبعد عرض هذه الأقوال الذي يظهر لنا -والله تعالى أعلم- رجحان قول أصحاب الرأي الأول في منع المريض بمرض معد كالأنفلونزا وغيرها من حضور المسجد والجمعة والجماعات، مظنَّة لنقل العدوى وتفشَّي الوباء بين الناس فتحصل لهم الضرر الذي نهى عنه النبي ﷺ في قوله: "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ". ويمكن أن يستدل أيضًا لهذا القول بما أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه أنه كان هناك رجلٌ مجذومٌ في وفد ثقيف الذي جاء مبايعًا للنبي ﷺ فأرسل إليه النبي ﷺ : "إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجعْ" (٢). فالنبي ﷺ لم يمنع هذا الرجل من دخول المسجد فحسب بل منعه من دخول المدينة حماية لها من الوباء. فصل مُصَلَّى النِّساء عن مُصَلَّى الرجال في المساجد: كانت النساء يشهدن الصلاة مع النبي ﷺ في المسجد الذي يصلي فيه كما دلت على ذلك نصوص السنة، وكنَّ يصلين خلف صفوف الرجال، وقد بوَّب أبو داود ﵀ في سننه (باب اعتزال النساء في المسجد عن الرجال) (٣)،

стр. 1959

وذكر حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لَوْ ترَكنَا هَذَا البَابَ لِلنِّسَاءِ"، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. فقول النبي ﷺ : "لَوْ ترَكنَا هَذَا البَابَ لِلنِّسَاءِ"، يدل على ترك هذا الباب الخاص بالنساء يدخلن منه ويخرجن منه، وأنه يشرع أن يكون مصلى للنساء خاصًّا بهن. ومن الأدلة أيضًا حديث أم سلمة ﵂: "أَنَّ النِّسَاءَ في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ المَكْتُوبَةِ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالَ مَا شَاءَ اللهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ" (١). وهذا الحديث يدل على منع اختلاط الرجال بالنساء في المسجد. فهذه الأدلة وغيرها تدل دلالة واضحة على اعتزال النساء في مكان خاص بهنَّ وأنهن لا يختلطن بالرجال. وما يحصل في بعض البلدان من اختلاط صفوف الرجال بالنساء في المساجد، بل وتقدُّمِ صفوف النساء على صفوف الرجال كل ذلك وغيره مخالف لنصوص الشريعة. بناء مصلى خاص للنساء: إذا كان مصلى النساء داخل المسجد صحَّ اقتداؤهن بالإمام إذا سمعن صوته بالتكبير، وإن لم يرينه فيه ولا من وراءه، وإن كان مصلاهن خارج المسجد مفصولًا عنه بطريق ونحوه، لم يجز إقتداؤهن بالإمام، ولهن أن يخترن مَنْ تصلي بهن، وإن صلَّت كل واحدة منهن منفردة جاز لها ذلك؛ لأن الصلاة في جماعة ليست واجبة في حقهن.

стр. 1960

بناء المسجد من دورين أو أكثر: يجوز أن يقام المسجد من دورين أو أكثر إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ويلاحظ أثناء الصلاة فيه تأخُّرُ المأمومين عن الإِمام مع القرب منه حسب الإمكان للأدلة الدالة على أفضلية الصف الأول فالأول، والدنو من الإِمام. البناء على المسجد: إذا أنشئ بناء مسجد مستقلًّا كان سقفه وما علاه تابعًا له جاريًا عليه حكمه، فلا يجوز بناء سكن عليه لأحد. أما إذا كان المسجد طارئًا على المسكن، مثل ما لو أُصلِحت الطبقة السفلى من منزل ذي طبقات وعُدِّلتْ لتكون مسجدًا، جاز إبقاء ما عليه من الطبقات مساكن لسبق تملُّكها على جعل الطبقة السفلى مسجدًا، فلم يكن ما فوقه تابعًا له. وهكذا لو احتاج الناس إلى مصلى داخل المبنى فلا بأس بتخصيص جزء من المبنى يصلى فيه. استخدام الكفار لبناء المساجد: المساجد بيوت الله أنشئت لذكره -تعالى- وعبادته وإقامة شعائره وإعلاء كلمته، فأولى الناس بتصميمها وبنائها من يؤمن بدين الله ويتعبد فيها، أما من لا يؤمن بدين الإِسلام فلا يحق له ذلك، والكفار أعداء لله، وأعداء دينه وشريعته والمسلمين، فلا يجوز أن يستخدم أعداء الله في وضع تصميم هندسي يقام على رسمه بناؤها، ولا أن يتولوا بناءها أو تركيب كهربائها أو أبوابها أو أدواتها الصحية أو إصلاح ما فسد فيها ونحو ذلك. ولأنه يوجد في المسلمين من يستطيع عمل ذلك.

стр. 1961

وقد صدر قرار من مجلس هيئة كبار العلماء في هذا الموضوع: "حكم دخول الكفار مساجد المسلمين والاستعانة بهم في عمارتها"، ومما جاء فيه: "ولما اطلع المجلس على البحث الذي أعدَّتْه في الموضوع، واستمع إلى كلام أهل العلم فيه، رأى بالإجماع أنه لا ينبغي أن يتولى الكفار تعمير المساجد؛ حيث يوجد من يقوم بذلك من المسلمين، وأن لا يستقدموا لهذا الغرض أو غيره؛ تنفيذًا لوصية الرسول ﷺ بأن لا يجتمع في الجزيرة العربية دينان، وعملًا بما يحفظ لهذه البلاد دينها وأمنها واستقرارها وإبعادًا لها عن الخطر الذي أصاب البلدان المجاورة بسبب إقامة الكفار فيها وتولِّيهم لكثير من أمورها، ولأن الكفار لا يؤمنون من الغشِّ عند تصميم مخططات المساجد أو تنفيذها، فقد يصممونها على هيئة قريبة أو مشابهة لهيئة الكنائس كما حدث من بعضهم، وقد يغشون كذلك في التنفيذ والبناء؛ لأنهم أعداء لهذا الدين ولمن يدين به من المسلمين، ويوصي المجلس بأن ينبه على الجهات الحكومية في وزارة الأشغال ووزارة الحج والأوقاف وغيرها ممّن يتولى عمارة المساجد والإشراف عليها، أن تلاحظ ذلك بدقة وعناية، وأن تشترط في كل العقود التي تبرمها لإقامة المساجد مع المقاولين أن لا يستعينوا في التصميم أو التنفيذ بأحد من غير المسلمين" (١). المساجد التي تبنيها دولة كافرة لشعبها: من المعلوم أن الحقوق على اختلاف أنواعها، مالية وبدنية ومعنوية، متبادلة بين الحكومات وشعوبها ومن تحت رعايتها، فإذا كانت الحكومة غير إسلامية وتحت رعايتها مسلمون، فالواجب عليها أن تقوم بإنشاء مساجد في الأحياء الإِسلامية، وهي بذلك تقوم بما عليها من الحقوق الواجبة لرعاياها عليها، وتحقق

стр. 1962

لهم الرغبات وتيسر لهم المرافق العامة دينية ودنيوية مقابل ما يؤدونه لها من حقوق وما تكسبه من ورائهم من أنواع المصالح والمنافع، وليس على المسلمين غَضاضة أن يقبلوا ما أنشأته لهم من المساجد قيامًا بما عليها من واجب نحوهم، دون أن يكون لها في ذلك مِنَّةٌ عليهم أو يد تطلب جزاءها أو التعويض عنها، بل ينبغي لهم أن يقبلوا تلك المساجد ويطالبوا بأمثالها وبإنشاء مدارس إسلامية دون أن يثنيهم عن عزمهم في استيفاء حقوقهم دينية ودنيوية أو مصالح مادية أو معنوية. والواجب على جميع المسلمين أن يتعاونوا فيما بينهم في إنشاء مرافق أخرى من مساجد ومدارس إسلامية وغير ذلك مما يحتاجون إليه، مع العناية بأن تكون الولاية والإشراف على المساجد والمدارس ونحوها التي تبنيها لهم الحكومة، للمسلمين لا لغيرهم؛ حتى لا يحدثوا فيها ما يخالف الشرع (١). دخول غير المسلم المساجد: يحرم على المسلمين أن يمكنوا أي كافر من دخول المسجد الحرام وما حوله من الحرم كله؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢)، أما غيره من المساجد فقال بعض الفقهاء: يجوز؛ لعدم وجود ما يدل على منعه، وقال بعضهم: لا يجوز؛ قياسًا على المسجد الحرام. والصواب: جوازه لمصلحة شرعية أو لحاجة تدعو إلى ذلك لسماع ما قد يدعوه للدخول في الإِسلام، أو حاجته إلى الشرب من ماء في المسجد أو نحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ ربط ثُمَامَة بن أُثَالٍ الحنفيَّ في المسجد قبل أن يسلم، وأنزل

стр. 1963

وفد ثقيف ووفد نصارى نجران قبل أن يسلموا في المسجد؛ لما في ذلك من الفوائد الكثيرة؛ وهي: سماعهم خطب النبي ﷺ ومواعظه، ومشاهدتهم المصلين والقراء، وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي تحصل لمن لازم المسجد. إقامة التمرينات الرياضية في قاعة تحت المسجد: إذا كانت هذه القاعة لا يحتاج إليها لأمر أهم من التمرينات الرياضية، وكانت التمرينات تحت إشراف أمناء من المسلمين خالية من ارتكاب محرم، غير شاغله عن أداء واجب من صلاة في وقتها جماعة، ودراسة لما هو ضروري من أحكام الإِسلام ونحو ذلك، فلا بأس بها؛ لما فيها من نفعهم واستمالتهم، وربط نفوسهم بأهل الخير وصدهم عن مجامع أهل الشر، وحمايتهم من غوائل الدعايات المنحرفة والفتن المهلكة دون أن يصيبهم ضرر أو تفريط في شؤون دينهم. نسأل الله السلامة من كل سوء للجميع، والاستقامة على الطريق المستقيم. قفل المساجد بعد الصلاة: لم تكن المساجد تقفل في عهد رسول الله ﷺ فيما علمنا، وكانت غير مفروشة، وكان الناس أتقى لله من أن يفسدوا فيها أو يقذروها، فلما فرشت المساجد ووجد فيها ما يخاف عليه من السُرَّاق، وكثر جهل الناس وحصل من بعضهم الفساد في المساجد، جاز لولي الأمر قفل ما يرى منها إذا رأى المصلحة في ذلك، صيانةً وحمايةً لها وحفاظًا على ما يوجد فيها. وضع الدفايات الكهربائية أمام المصلين: هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة آراء: الرأي الأول: يكره إذا كان لها لهب مثل أن يكون لها نار حطب أو شمع أو سراج، وأما إذا كان ليس لها لهب وإنما مجرد جمر، فإنه لا يكره.

стр. 1964

الرأي الثاني عكس هذا القول: إذا كانت جمرًا يكره، وإذا كانت لهبًا فلا يكره. الرأي الثالث: الأصل في ذلك الجواز سواء كان لهبًا أو كان جمرًا، ولا دليل على الكراهة، فالكراهة حكم شرعي يفتقر إلى الدليل الشرعي ولم يرد عن النبي ﷺ ما يدل على كراهة ذلك. والأقرب في هذه المسألة أنه لا بأس بذلك للحاجة، وهو ما ذهبت إليه اللجنة الدائمة (١). زخرفة جدران المسجد بالآيات: يكره زخرفة المساجد وكتابة الآيات القرآنية على جدرانها؛ لما في ذلك من تعريض القرآن للامتهان، ولما فيه من زخرفة المساجد المنهي عنها، وإشغال المصلين عن صلاتهم بالنظر في تلك الكتابات والنقوش. فقد قال النبي ﷺ : "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتبَاهَى النَّاسُ بِالمَسَاجِدِ" (٢)، وقال أبو سعيد: "كان سقف المسجد من جريد النخل"، وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: "أَكِنَّ الناسَ من المطر، وإياك أن تُحمِّر أو تصفِّر فتفتنَ الناس". وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلَّا قليلًا، وقال ابن عباس ﵄: "لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى". وعن عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في خَمِيصَةٍ لها أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنبِجَانِيَّةِ أَبِي

стр. 1965

جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاَتِي" (١). (٢). تعليق الإعلانات بالمساجد: تعليق إعلانات المحاضرات والندوات والدروس الشرعية في المساجد جائز شرعًا؛ لأن المسجد هو مركز تجمع المسلمين في اليوم خمس مرات، وهو أكثر مكان يجتمع فيه المسلمون في الوقت الحاضر؛ لذا فهو المكان الملائم لإخبار المسلمين بهذه الدروس والندوات، ولأن هذه الدروس والندوات في خدمة الإِسلام والمسلمين، وتقدم لهم الفقه والنصح والإرشاد فيما يتعلق بأمور دينهم، فإن كانت هذه الإعلانات ليس لها مقصد شرعي، كأن تكون دعاية لمؤسسة، فلا يجوز تعليقها داخل المسجد ولا خارج المسجد على جدرانه. مكبرات الصوت والتشويش على المصلين: جرت العادة في هذا الزمن في كثير من المساجد صلاة الأئمة بقرب مكبرات الصوت من باب المصلحة؛ لإسماع الناس تكبيرات الصلاة وقراءة القرآن في الصلوات الجهرية، حتى اعتاد بعض المصلين عدم الذهاب إلى المسجد إلَّا بعد سماع شروع الإِمام في الصلاة والقراءة، ولو لم يسمع ذلك فاتته الصلاة أو بعضها. لكن ينبغي مراعاة عدم التشويش على المصلين في المساجد القريبة؛ لأن في ذلك مفسدة وضررًا، ويكون ذلك من خلال عدم رفع صوت تلك المكبرات فوق الحاجة، أو تأخر المسجد المجاور في إقامة الصلاة لبعض الوقت.
следующие страницы →