← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وقد صدر قرار من مجلس هيئة كبار العلماء في هذا الموضوع: "حكم دخول الكفار مساجد المسلمين والاستعانة بهم في عمارتها"، ومما جاء فيه: "ولما اطلع المجلس على البحث الذي أعدَّتْه في الموضوع، واستمع إلى كلام أهل العلم فيه، رأى بالإجماع أنه لا ينبغي أن يتولى الكفار تعمير المساجد؛ حيث يوجد من يقوم بذلك من المسلمين، وأن لا يستقدموا لهذا الغرض أو غيره؛ تنفيذًا لوصية الرسول ﷺ بأن لا يجتمع في الجزيرة العربية دينان، وعملًا بما يحفظ لهذه البلاد دينها وأمنها واستقرارها وإبعادًا لها عن الخطر الذي أصاب البلدان المجاورة بسبب إقامة الكفار فيها وتولِّيهم لكثير من أمورها، ولأن الكفار لا يؤمنون من الغشِّ عند تصميم مخططات المساجد أو تنفيذها، فقد يصممونها على هيئة قريبة أو مشابهة لهيئة الكنائس كما حدث من بعضهم، وقد يغشون كذلك في التنفيذ والبناء؛ لأنهم أعداء لهذا الدين ولمن يدين به من المسلمين، ويوصي المجلس بأن ينبه على الجهات الحكومية في وزارة الأشغال ووزارة الحج والأوقاف وغيرها ممّن يتولى عمارة المساجد والإشراف عليها، أن تلاحظ ذلك بدقة وعناية، وأن تشترط في كل العقود التي تبرمها لإقامة المساجد مع المقاولين أن لا يستعينوا في التصميم أو التنفيذ بأحد من غير المسلمين" (١). المساجد التي تبنيها دولة كافرة لشعبها: من المعلوم أن الحقوق على اختلاف أنواعها، مالية وبدنية ومعنوية، متبادلة بين الحكومات وشعوبها ومن تحت رعايتها، فإذا كانت الحكومة غير إسلامية وتحت رعايتها مسلمون، فالواجب عليها أن تقوم بإنشاء مساجد في الأحياء الإِسلامية، وهي بذلك تقوم بما عليها من الحقوق الواجبة لرعاياها عليها، وتحقق

стр. 1962

لهم الرغبات وتيسر لهم المرافق العامة دينية ودنيوية مقابل ما يؤدونه لها من حقوق وما تكسبه من ورائهم من أنواع المصالح والمنافع، وليس على المسلمين غَضاضة أن يقبلوا ما أنشأته لهم من المساجد قيامًا بما عليها من واجب نحوهم، دون أن يكون لها في ذلك مِنَّةٌ عليهم أو يد تطلب جزاءها أو التعويض عنها، بل ينبغي لهم أن يقبلوا تلك المساجد ويطالبوا بأمثالها وبإنشاء مدارس إسلامية دون أن يثنيهم عن عزمهم في استيفاء حقوقهم دينية ودنيوية أو مصالح مادية أو معنوية. والواجب على جميع المسلمين أن يتعاونوا فيما بينهم في إنشاء مرافق أخرى من مساجد ومدارس إسلامية وغير ذلك مما يحتاجون إليه، مع العناية بأن تكون الولاية والإشراف على المساجد والمدارس ونحوها التي تبنيها لهم الحكومة، للمسلمين لا لغيرهم؛ حتى لا يحدثوا فيها ما يخالف الشرع (١). دخول غير المسلم المساجد: يحرم على المسلمين أن يمكنوا أي كافر من دخول المسجد الحرام وما حوله من الحرم كله؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢)، أما غيره من المساجد فقال بعض الفقهاء: يجوز؛ لعدم وجود ما يدل على منعه، وقال بعضهم: لا يجوز؛ قياسًا على المسجد الحرام. والصواب: جوازه لمصلحة شرعية أو لحاجة تدعو إلى ذلك لسماع ما قد يدعوه للدخول في الإِسلام، أو حاجته إلى الشرب من ماء في المسجد أو نحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ ربط ثُمَامَة بن أُثَالٍ الحنفيَّ في المسجد قبل أن يسلم، وأنزل

стр. 1963

وفد ثقيف ووفد نصارى نجران قبل أن يسلموا في المسجد؛ لما في ذلك من الفوائد الكثيرة؛ وهي: سماعهم خطب النبي ﷺ ومواعظه، ومشاهدتهم المصلين والقراء، وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي تحصل لمن لازم المسجد. إقامة التمرينات الرياضية في قاعة تحت المسجد: إذا كانت هذه القاعة لا يحتاج إليها لأمر أهم من التمرينات الرياضية، وكانت التمرينات تحت إشراف أمناء من المسلمين خالية من ارتكاب محرم، غير شاغله عن أداء واجب من صلاة في وقتها جماعة، ودراسة لما هو ضروري من أحكام الإِسلام ونحو ذلك، فلا بأس بها؛ لما فيها من نفعهم واستمالتهم، وربط نفوسهم بأهل الخير وصدهم عن مجامع أهل الشر، وحمايتهم من غوائل الدعايات المنحرفة والفتن المهلكة دون أن يصيبهم ضرر أو تفريط في شؤون دينهم. نسأل الله السلامة من كل سوء للجميع، والاستقامة على الطريق المستقيم. قفل المساجد بعد الصلاة: لم تكن المساجد تقفل في عهد رسول الله ﷺ فيما علمنا، وكانت غير مفروشة، وكان الناس أتقى لله من أن يفسدوا فيها أو يقذروها، فلما فرشت المساجد ووجد فيها ما يخاف عليه من السُرَّاق، وكثر جهل الناس وحصل من بعضهم الفساد في المساجد، جاز لولي الأمر قفل ما يرى منها إذا رأى المصلحة في ذلك، صيانةً وحمايةً لها وحفاظًا على ما يوجد فيها. وضع الدفايات الكهربائية أمام المصلين: هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة آراء: الرأي الأول: يكره إذا كان لها لهب مثل أن يكون لها نار حطب أو شمع أو سراج، وأما إذا كان ليس لها لهب وإنما مجرد جمر، فإنه لا يكره.

стр. 1964

الرأي الثاني عكس هذا القول: إذا كانت جمرًا يكره، وإذا كانت لهبًا فلا يكره. الرأي الثالث: الأصل في ذلك الجواز سواء كان لهبًا أو كان جمرًا، ولا دليل على الكراهة، فالكراهة حكم شرعي يفتقر إلى الدليل الشرعي ولم يرد عن النبي ﷺ ما يدل على كراهة ذلك. والأقرب في هذه المسألة أنه لا بأس بذلك للحاجة، وهو ما ذهبت إليه اللجنة الدائمة (١). زخرفة جدران المسجد بالآيات: يكره زخرفة المساجد وكتابة الآيات القرآنية على جدرانها؛ لما في ذلك من تعريض القرآن للامتهان، ولما فيه من زخرفة المساجد المنهي عنها، وإشغال المصلين عن صلاتهم بالنظر في تلك الكتابات والنقوش. فقد قال النبي ﷺ : "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتبَاهَى النَّاسُ بِالمَسَاجِدِ" (٢)، وقال أبو سعيد: "كان سقف المسجد من جريد النخل"، وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: "أَكِنَّ الناسَ من المطر، وإياك أن تُحمِّر أو تصفِّر فتفتنَ الناس". وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلَّا قليلًا، وقال ابن عباس ﵄: "لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى". وعن عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في خَمِيصَةٍ لها أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنبِجَانِيَّةِ أَبِي

стр. 1965

جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاَتِي" (١). (٢). تعليق الإعلانات بالمساجد: تعليق إعلانات المحاضرات والندوات والدروس الشرعية في المساجد جائز شرعًا؛ لأن المسجد هو مركز تجمع المسلمين في اليوم خمس مرات، وهو أكثر مكان يجتمع فيه المسلمون في الوقت الحاضر؛ لذا فهو المكان الملائم لإخبار المسلمين بهذه الدروس والندوات، ولأن هذه الدروس والندوات في خدمة الإِسلام والمسلمين، وتقدم لهم الفقه والنصح والإرشاد فيما يتعلق بأمور دينهم، فإن كانت هذه الإعلانات ليس لها مقصد شرعي، كأن تكون دعاية لمؤسسة، فلا يجوز تعليقها داخل المسجد ولا خارج المسجد على جدرانه. مكبرات الصوت والتشويش على المصلين: جرت العادة في هذا الزمن في كثير من المساجد صلاة الأئمة بقرب مكبرات الصوت من باب المصلحة؛ لإسماع الناس تكبيرات الصلاة وقراءة القرآن في الصلوات الجهرية، حتى اعتاد بعض المصلين عدم الذهاب إلى المسجد إلَّا بعد سماع شروع الإِمام في الصلاة والقراءة، ولو لم يسمع ذلك فاتته الصلاة أو بعضها. لكن ينبغي مراعاة عدم التشويش على المصلين في المساجد القريبة؛ لأن في ذلك مفسدة وضررًا، ويكون ذلك من خلال عدم رفع صوت تلك المكبرات فوق الحاجة، أو تأخر المسجد المجاور في إقامة الصلاة لبعض الوقت.

стр. 1966

مضاعفة الصلوات في مساجد مكة: مكة منها ما يقع داخل حدود الحرم، ومنها ما هو خارج حدود الحرم؛ وهي الأجزاء الحديثة التي امتدت إليها المدينة بسبب التوسع العمراني، وحدود الحرم معروفة وهي أمور مقررة ثابتة دلت عليها الشريعة. ومكة الواقعة داخل حدود الحرم يصدق عليها أنها المسجد الحرام كما ورد في كتاب الله الكريم في قصة الإسراء بالنبي ﷺ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ...﴾ (١)، ومن المعلوم أن الإسراء به ﷺ لم يكن من المسجد وإنما كان من بعض بيوت مكة، وبناءً على هذا فما ثبت من مضاعفة أجر الصلاة للمسجد فإنه يثبت لبقية أجزاء مكة الداخلة في حدود الحرم، وما كان من المساكن خارج حدود الحرم فلا تشمله المضاعفة (٢). تحويل المسجد إلى منزل: إذا تعطلت منافع الموقف كالمسجد جاز نقله أو بيعه واستبداله بموضع آخر، فالوقف إذا تعطلت منافعه جاز نقله إلى موقع آخر إن أمكن، وإلا جاز بيعه ووضع ثمنه في مسجد آخر، وعليه يجوز تمليك المسجد الذي تعطلت منافعه ببناء مسجد بديل له، وهذه المعاوضة نوع من البيع. والدليل على نقل المسجد والتصرف فيه للصالح العام إذا تعطلت منافعه ما ثبت عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى واليه سعد بن أبي وقاص ﵁ لما بلغه أن بيت المال بالكوفة قد نقب -أي لغرض سرقته- أن انقل المسجد الذي بالتمارين؟ -اسم موضع-، واجعل بيت المال في قبلة المسجد فإنه

стр. 1967

لا يزال في المسجد مصل، وكان هذا بمشهد الصحابة ﵃، ولم يخالف فيه أحد فصار إجماعًا، ووجه الاستدلال أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بنقل المسجد من مكانه إلى جوار بيت المال لمصلحة بيت المال (١). مصلى المدرسة هل يأخدة أحكام المسجد ؟ المصلى الذي لم يتخذ مسجدًا على سبيل الدوام، ليس مسجدًا يأخذ أحكام المسجد، وعلى هذا فلا تصلى فيه تحية المسجد وقت النهي، وإذا صلاها أحد في وقت النهي فإنه ينهى عن ذلك؛ لأنها أصبحت من التطوع المطلق، وليست من ذوات الأسباب، والتطوع المطلق لا يفعل في أوقات النهي؛ لحديث أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا صَلاةَ بعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلاَ صَلاةَ بَعْدَ صَلاَةِ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ" (٢). جعل المراحيض في الطابق العلوي من المسجد: أماكن العبادة ينبغي أن تنزه عن النجاسات وما يكون عرضة للتنجيس من قريب أو بعيد، والنهي ورد عن الصلاة في الحش أو الحمام، أو معاطن الإبل، ولكن هل أَسْطِحَتُهَا تكون مثلها، أو تُخُومُهَا وما تحتها يأخذ حكمها؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم؛ فبعض أهل العلم قصر التحريم على هذه الأماكن دون تخومها -وهو ما تحتها- ودون أسطحتها، وبعضهم عدَّى الحكم إلى ما كان تحتها وما فوقها، وقال: إن القرار يتبعه الهواء، وكذلك تخومه -وهو ما تحته- يأخذ حكمه. وبعضهم قال: إن المنع إنما هو للنجاسة، والنجاسة إذا لم تكن موجودة فلا حرج حينئذ.

стр. 1968

والذي ننصح به هو أن وجود دورات المياه والمراحيض فوق جزء من المسجد، حتى لو احتاطوا لذلك بالمواد العازلة، فإنه بعد سنوات سيوجد شيء من التسرُّب إلى هذا السقف الذي يصلي الناس تحته، وهذا يؤدي إلى تنجيسهم وتنجيس مصلَّاهم، فالذي ننصح به أن تكون المواضئ والمراحيض في أماكن خارج المسجد، وإذا لم يكن هناك وسيلة فكونها في الدور الأرضي ولا يتسرب منها شيء إلى ما تحتها قد يكون أخفَّ مما لوكانت في مكان يصلي الناس تحته. تأجير جزء من المسجد: لا يصح التصرُّف في أي جزء من أجزاء المسجد إلَّا بعد مراجعة إدارة الأوقاف والمساجد؛ لأنها هي الجهة التي جعل لها ولي الأمر رعاية المساجد. بناء دورات المياه أسفل المسجد: الأفضل أن تكون دورات المياه خارج المسجد، وأن تكون منعزلة عن المصلى، فإن لم يتيسر ذلك، إما لشحِّ النفقة أو العقار، أو غير ذلك، فلا بأس أن تكون دورات المياه في الدور الأول، والمصلى يكون في الدور الثاني، والصلاة على النجاسة إذا كان هناك حائل لا بأس به؛ لأن المصلي إنما صلى على أرض طاهرة، وفي حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وَجُعِلَتْ ليَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا" (١). تحديد القبلة بالأجهزة الحديثة: إذا ثبت لدى أهل الخبرة الثقات من المسلمين أن جهازًا أو آلةً تضبط القبلة وتبينها عينًا، أو جهة، لم يمنع الشرع من الاستعانة بها في ذلك وفي غيره، بل قد

стр. 1969

يجب العمل بها في معرفة القبلة إذا لم يجد مَنْ يريد الصلاةَ دليلًا سواها (١). حكم عمل خط على الحصير أو السجاد بالمسجد: الأمر بتسوية الصفوف وارد في أحاديث كثيرة مشهورة، منها قوله ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاةِ" (٢). ومنها قوله ﷺ : "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ الله بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (٣). فينبغي للإمام أن يأمر الناس بالتسوية، وأن يتعاهدهم في ذلك. ووضع خط على الحصير أو السجاد للمساعدة في تسوية الصف لا حرج فيه، وليس هو من البدع. وقد سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم عمل خط على الحصير أو السجاد بالمسجد نظرًا إلى أن القبلة منحرفة قليلًا بقصد انتظام الصف؟ فأجابت: "لا بأس بذلك، وإن صلوا في مثل ذلك بلا خط فلا بأس؛ لأن الميل اليسير لا أثر له" أ. هـ (٤). حكم حفلات الزواج في المساجد: عقد النكاح في المسجد مندوب، نطقت باستحبابه الأحاديث، ولكن ما يصحبه من الرقص والغناء، فلا يجوز أصلًا، فإن كانت حفلات الزواج لا تخلو من هذه المنكرات، فلتجنب المساجد منها (٥).

стр. 1970

وهل المواظبة على عقد عقود الزواج في المساجد يعتبر من السنة المستحبة، أم يعتبر من البدع؟ نقول: الأمر في إبرام عقد النكاح في المساجد وغيرها واسع شرعًا, ولم يثبت فيما نعلم دليل يدل على أن إيقاعها في المساجد خاصة سنة، فالتزام إبرامها في المساجد بدعة (١).

стр. 1971

ثانيًا: النوازل المتعلقة بالصلاة أولًا: النوازل المتعلقة بشروط الصلاة: هل ينوب مناب العلامات الكونية الأفقية شيء -كالحساب- أو لا؟ التقويم من الأمور الاجتهادية، والذين يضعونه بشر يخطئون ويصيبون، ولا ينبغي أن تناط به أوقات الصلاة والصيام من جهة الابتداء والانتهاء؛ لأن ابتداء هذه الأوقات وانتهاءها جاء في القرآن والسنة؛ فينبغي الاعتماد على ما دلت عليه الأدلة الشرعية. ولكن هذه التقاويم الفلكية قد يستفيد منها المؤذنون والأئمة في أوقات الصلاة على سبيل التقريب، أما في الصوم والإفطار فلا يعتمد عليها من جميع الوجوه؛ لأن الله سبحانه علَّق الحكم بطلوع الفجر إلى الليل ولأن الرسول ﷺ قال: "صُومُوا لِرُؤيتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكمِلُوا العَدَدَ" (١). صلاة الرجل بالبنطال: البنطال لم يكن موجودًا في الأزمنة السابقة، ولهذا اختلف المتأخرون في حكم الصلاة فيه، والصحيح أن من صلى في هذا البنطال فإن صلاته صحيحة وجائزة، لكن لبس البنطال الضيق أقل أحواله الكراهة؛ لأن العلماء ﵏ كرهوا ذلك. فمن ابتلي بهذا البنطال كمن اعتاد لبسه، أو مثل أصحاب الوظائف المهنية، نقول بأنه يجتهد بأن يوسع هذا البنطال ولا يجعله يصف العورة ويحجمها.

стр. 1972

قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: صلاة الرجل بالبنطال لا بأس بها إذا تمكن من إقامة الصلاة من التجافي في موضعه، والاعتدال في السجود، والجلوس بشرط أن لا يكون ضيقًا يصف حجم البدن (١). صلاة المرأة بالبنطال: صلاة المرأة في (البنطال) صحيحة إذا لم يكن عند المرأة رجال أجانب وغطَّت جميع بدنها، وكلما كان اللباس ساترًا ولا يبين تقاطيع جسم المرأة فهو أفضل، علمًا أن -البنطال- لا يستر جميع جسم المرأة، بل يظهر شيئًا من محاسنها، وقد يحسن القبيح ولا يستر جميع الجسم؛ لأن كل المرأة الحرة عورة في الصلاة، إلَّا الوجه إذا لم يكن عندها رجال أجانب، فإذا كان عندها رجال أجانب وجب عليها أن تستر الوجه وجميع البدن، والصلاة هي أهم أركان الإِسلام بعد الشهادتين، والواجب على المسلم والمسلمة الاعتناء بها والمحافظة عليها وعلى ما يلزم لها من طهارة وستر وطمأنينة وخشوع وإقبال على الله تعالى. حمل المصلي للصور: قد يكون حمل الصور في البطاقات وقد يكون حمل الصور في النقود، وقد يكون حمل الصور في بطاقات الوظائف، كما أن بعض الموظفين قد يضع الصورة في جيبه أو أمامه. فما حكم حمل هذه الصور في الصلاة؟ الأقرب في هذه المسألة: أن حمل مثل هذه الصور جائز ولا بأس به؛ فالإنسان مضطر إلى تملكها وحفظها في بيته أو حملها معه للانتفاع بها بيعًا وشراءً وهبةً وصدقةً وتسديد دين ونحو ذلك من المصالح المشروعة، فلا حرج عليه، وليست ممتهنة، بل مصونة تبعًا لصيانة ما هي فيه من النقد، وإنما ارتفع الحرج عنه

стр. 1973

من أجل الضرورة (١). حكم الصلاة بالثوب الذي عليه صورة: تصوير ذوات الأرواح حرام، وجعل صور ذوات الأرواح في الحيطان ونحوها حرام كذلك، والصلاة في المكان الذي فيه تلك الصور غير جائزة إلَّا للضرورة مع أنها صحيحة مجزئة، وهكذا الصلاة في الملابس التي تشتمل على صور لحيوان لا تجوز، لكن لو صلى صحت مع التحريم (٢). الأذان عن طريق المسجل: الاعتماد على مثل هذا المسجل يفوت كثيرًا من سنن المؤذن وآدابه وأحكامه، لأن المؤذن له سنن وله آداب وله شروط، فمن السنن: الالتفات يمينًا وشمالا، والطهارة واستقبال القبلة وغير ذلك، فلا توجد هذه الأشياء في هذا المسجل، ومن شروط الأذان أن يكون الأذان من مسلم ذكر عاقل، وهذا لا ينطبق على المسجل. ولفوات هذه الأمور التي ذكرت، فالأذان من هذا المسجل غير صحيح ولا يُكتفى به في فرض الكفاية، ولا يكتفى به في المشروعية إذا كان هناك من يؤذن وسقط فرض الكفاية، ولا تترتب عليه أحكام الآذان من إجابة المؤذن إلى غير ذلك من الآداب. فالأذان فرض كفاية بالإضافة إلى كونه إعلامًا بدخول وقت الصلاة ودعوة إليها، فلا يكفي عن إنشائه عند دخول وقت الصلاة إعلانه مما سجل به من قبل، وعلى المسلمين في كل جهة تقام فيها الصلاة أن يعيِّنوا مِنْ بينهم مَنْ يحسن أداءه

стр. 1974

عند دخول وقت الصلاة (١). قال سماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم ﵀ في فتوى له حول استبدال الأذان الشرعي بأسطوانات مسجلة قال: " ... وللأذان شروط منها (النية)؛ ولهذا لا يصح من النائم والسكران والمجنون لعدم وجود النية، والنية أَن ينوي المؤذن عند أَدائه الأَذان أَن هذا أَذان لهذه الصلاة الحاضرة التي دخل وقتها. ومن أَين للأُسطوانات أَن تؤدي هذه المعاني السامية، وقال النبي ﷺ : "إِذا حَضرَتَ الصَّلاةُ فَليؤذِّنَ لَكُمْ أَحَدُكُمْ" [متفق عليه]. فهل الأُسطوانة تعتبر كواحد من المسلمين. والحقيقة أَننا نستنكر استبدال الأَذان بالأسطوانات. وننكر على من أَجاز مثل هذا لما تقدم، ولأَنه يفتح على الناس باب التلاعب بالدين، ودخول البدع على المسلمين في عباداتهم وشعائرهم" (٢). ومما قاله المجمع الفقهي حول هذه النازلة: " ... وبعد استعراض ما تقدم من بحوث وفتاوى، والمداولة في ذلك، فإن مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي تبين له ما يلي: ١ - أن الأذان من شعائر الإِسلام التعبدية الظاهرة، المعلومة من الدين بالضرورة بالنص وإجماع المسلمين، ولهذا فالأذان من العلامات الفارقة بين بلاد الإِسلام وبلاد الكفر، وقد حُكِيَ الاتفاق على أنه لو اتفق أهل بلد على تركه لقوتلوا. ٢ - التوارث بين المسلمين من تاريخ تشريعه في السَّنَة الأولى من الهجرة وإلى الآن، ينقل العمل المستمر بالأذان لكل صلاة من الصلوات الخمس في كل مسجد، وإن تعددت المساجد في البلد الواحد.

стр. 1975

٣ - في حديث مالك بن الحويرث ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَليُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَليَؤُمَّكُمْ أَكبَرُكمْ" [متفق عليه]. ٤ - أن النية من شروط الأذان، ولهذا لا يصح من المجنون ولا من السكران ونحوهما؛ لعدم وجود النية في أدائه فكذلك في التسجيل المذكور. ٥ - أن الأذان عبادة بدنية، قال ابن قدامة ﵀ في المغني (١/ ٤٢٥): "وليس للرجل أن يبني على أذان غيره؛ لأنه عبادة بدنية فلا يصح من شخصين كالصلاة" أ. هـ. ٦ - أن في توحيد الأذان للمساجد بواسطة مسجل الصوت على الوجه المذكور، عدةَ محاذير ومخاطر منها ما يلي: أ - أنه يرتبط بمشروعية الأذان أن لكل صلاة في كل مسجد سننًا وآدابًا، ففي الأذان عن طريق التسجيل تفويت لها وإماتة لنشرها مع فوات شرط النية فيه. ب- أنه يفتح على المسلمين باب التلاعب بالدين، ودخول البدع على المسلمين في عباداتهم وشعائرهم؛ لما يفضي إليه من ترك الأذان بالكلية والاكتفاء بالتسجيل. وبناء على ما تقدم فإن مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي يقرر ما يلي: أن الاكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد عند دخول وقت الصلاة بواسطة آلة التسجيل ونحوها لا يجزئ ولا يجوز في أداء هذه العبادة، ولا يحصل به الأذان المشروع، وأنه يجب على المسلمين مباشرة الأذان لكل وقت من أوقات الصلوات في كل مسجد، على ما توارثه المسلمون من عهد نبينا ورسولنا محمَّد ﷺ إلى الآن" (١).

стр. 1976

قلنا: فهذه المسألة الحكم فيها ظاهر؛ وهو أن الأذان عن طريق المسجل لا يجوز ولا يجزئ وغير مشروع، بل هو من البدع المنكرة، إذا كان يُسْتَعَاضُ به عن الأذان عن طريق أحد الناس، ويفتح باب التلاعب بالدين. فائدة: هل معنى هذا أنه لا يجوز الأذان عن طريق المسجل مطلقًا؟ نقول: الذي قصدناه في بحث هذه النازلة أن يستعاض بالأذان عن طريق المسجل عن الأذان من أحد الناس في المساجد، لكن لو جعل الأذان عن طريق المسجل في بعض الأماكن العامة، كالمطارات والمستشفيات وبعض الدوائر الحكومية، نقول: هذا لا بأس به إذا كان يقصد به التذكير، لكن لا بد أن يؤذن أحد الناس، فإذا كان ذلك المستشفى فيه مسجد أو مصلى، أو ذلك المطار أو ذلك المرفق فيه مسجد أو مصلى فلا بد أن يؤذن أحد الناس، ولا يكتفى بالأذان عن طريق المسجل. هل يشرع متابعة المؤذن الذي يؤذن عن طريق الآلات مثل المذياع ؟ نقول هذا الأذان الذي ينقل له حالتان: الأولى: أن يكون منقولًا نقلًا مباشرًا، فهذا يتابع، فإذا سمعتَ المؤذن فإنك تتابعه وتجيبه، ودليل ذلك عموم قول النبي ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ". وهذا يشمل ما إذا أذن في بلد الإنسان أو أذن في بلد آخر. الثانية: أن يكون هذا الأذان تسجيلًا كما تقدم كما تسلكه بعض الإذاعات، نقول: هذا لا تشرع إجابته، وذكرنا فيما تقدم أن أصل هذا الأذان غير مشروع وأنه يخشى أن يكون بدعة؛ لأن العبادات توقيفية.

стр. 1977

الالتفات أثناء الأذان في مكبرات الصوت هل يشرع أم لا ؟ يشرع للمؤذن الذي يؤذن في غير (ميكرفون) أن يلتفت يمينًا وشمالًا عند الحيعلة مع ثبوت قدميه؛ لأن ذلك ثبت من فعل مؤذن رسول الله ﷺ (بحضرته)، ولأنه أبلغ في إسماع النداء للصلاة لمن بَعُدَ عن المسجد (١). وهل يشرع الالتفات مع وجود مكبرات الصوت ؟ هذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين: فقد قال بعضهم: الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، والعلة بالالتفات هو انتشار الصوت وهي منتفية مع وجود المكبرات. وقال بعضهم: بل المؤذن يستحب له الالتفات حال أذانه عبر مكبرات الصوت حفاظًا على السُّنَّة، لكن يكون التفاته قليلًا؛ لئلا يبتعد عن اللاقط، وهذا أقرب. حكم توحيد الأذان في المدينة الواحدة: معنى توحيد الأذان في المدينة الواحدة، أي ربط جميع مساجد المدينة الواحدة بشبكة للأذان الموحد، ويؤذن مؤذن واحد ويبث الأذان من جميع المساجد، وهذه الطريقة معمول بها في بعض الدول. حكم هذا العمل؟ الأذان شعيرة من شعائر الإِسلام، وينبغي المحافظة على شعائر الإِسلام، وعدم إدخال أي تغيير أو تبديل فيها؛ لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى الابتداع في الدين.

стр. 1978

وتوحيد الأذان، وجعل جميع مساجد المدينة الواحدة مربوطة بشبكة موحدة للأذان، ويؤذن مؤذن واحد فيها، ويبث أذانه في جميع المساجد، لا يجوز العمل بها, لما يأتي: أولًا: إن تعدد المؤذنين نظرًا لتعدد المساجد أمر معروف ومشروع، وجرى عليه العمل عند المسلمين منذ عهد بعيد جدًّا، حتى ولو كانت المساجد متقاربة. ثانيًا: إن الرسول ﷺ قد أمر بالأذان لكل جماعة عند حضور الصلاة كما في حديث مالك بن الحويرث قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ: "ارْجِعُوا فكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَليؤذِّنْ لكُمْ أَحَدُكُمْ وَليَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ" (١)، والأذان الموحد فيه مخالفة لنص هذا الحديث، حيث إن مسجدًا واحدًا فقط يؤذن فيه، وبقية المساجد لا يؤذن فيها. ثالثًا: إن الأذان الموحد فيه تفويت الأجر والثواب على المؤذنين، وقصر الأجر على مؤذن واحد، ومن المعلوم أن ثواب الأذان عظيم؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا في التَّهْجيرِ لاسْتبقوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا في العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا" (٢). رابعًا: احتمال انقطاع التيار الكهربائي أو حصول عطل في أجهزة البث، وتغيب المؤذن ونحو ذلك، مما يؤدي إلى تعطُّل الأذان.

стр. 1979

خامسًا: إن ادِّعاء بعض الناس بحصول التشويش بسبب كثرة المساجد والمؤذنين غير صحيح؛ لأن هذا أمر شرعي ولا بد من الالتزام به، وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء "بعدم جواز إذاعة الأذان من المساجد، ولا بد من الأذان في كل مسجد وإن تعددت المساجد". التبليغ خلف الإِمام مع وجود مكبرات الصوت: التبليغ وراء الإِمام يشرع إذا احتيج إليه بأن يكون المأمومون كثيرين ولا يسمعون تكبير الإِمام، ويركعون ويسجدون ويسلمون على صوت المبلغ؛ لأن النبي ﷺ لما صلى بالناس في مرضه الأخير كان أبو بكر الصديق ﵁ هو الذي يبلغ الناس عنه؛ لضعف صوته ﷺ بسبب المرض وعدم سماع المأموم له. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الإِمام الذي هو المبلغ لغير حاجة باتفاق الأئمة؛ فإن بلالًا لم يكن يبلغ خلف النبي ﷺ هو ولا غيره، ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين، لكن لما مرض النبي ﷺ صلى بالناس مرة وصوته ضعيف وكان أبو بكر يصلي إلى جنبه يسمع الناس التكبير، فاستدل العلماء بذلك على أنه يشرع التكبير عند الحاجة مثل ضعف صوته، فأما بدون ذلك فاتفقوا على أنه مكروه غير مشروع" (١) أ. هـ. وقال في موضع آخر: "أما التبليغ خلف الإِمام لغير حاجة فهو بدعة غير مستحبة باتفاق الأئمة، وإنما يجهر بالتكبير الإِمام كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يفعلون، ولم يكن أحد يبلغ خلف النبي ﷺ لكن لما مرض النبي ﷺ وضعف صوته، فكان أبو بكر ﵁ يسمع بالتكبير" (٢) أ. هـ.

стр. 1980

وقال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار وفي حاشية أبي السعود: واعلم أن التبليغ عند عدم الحاجة إليه بأن بلغهم صوت الإِمام مكروه، وفي السيرة الحلبية: اتفق الأئمة الأربعة على أن التبليغ حينئذ بدعة منكرة، أي مكروهة، وأما عند الاحتياج إليه فمستحب" (١) أ. هـ. وجاء في فتاوى المالكية: "ولا ينبغي فعله من غير حاجة إليه، ولا إشكال حينئذ في كونه منهيًا عن الإقدام عليه ابتداء ويبقى النظر إذا وقع من غير ضرورة في صحة الصلاة، فأما المأمومون إذا كانوا يسمعون صوت الإِمام فلا كلام في صحة صلاتهم؛ لأن اقتداءهم حينئذ بصلاة إمامهم، وأما المسمع فالصواب صحة صلاته؛ لأن الفقهاء قالوا: إن الذكر إذا كان في محله من الصلاة وجهر به المصلي قاصدًا للتفهيم فإنه مغترٌّ" (٢) أ. هـ. وقال ابن مفلح في الفروع: "ويستحب جهر إمام به -أي بالتكبير- بحيث يسمع من خلفه وأدناه سماع غيره، ويكره جهر غيره به ولا يكره لحاجة ولو بإذن إمام بل يستحب به وبالتحميد لا بالتسميع" (٣) أ. هـ. صدى الصوت: صدى الصوت يعني وضع جهاز يفخم صوت القارئ أو صوت المؤذن، وهذا الصدى ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يترتب على هذا الصدى ترديد وتكرار للحرف، فنقول بأن هذا لا يجوز لما في ذلك من عدم احترام كتاب الله وتعظيمه حق التعظيم،

стр. 1981

وأيضًا فيه شيء من الابتذال بهذا العمل. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "نعم، أفتيت بأن الصدى حرام، وأرجو ممّن سمع مقالي هذا أن يبلغه؛ ... لا بأس إن اكتفى بالميكرفون الداخلي خاصة دون المنارة، لا بأس إذا كان هذا أبين لصوتك وأهون لك أنت؛ لأن الإنسان في التراويح إذا لم يكن صوته قويًا جدًا ربما يزداد في رفع الصوت فيتكلف ويشق عليه، فإذا جعل مكبر الصوت مكبرًا عاديًا أعانه على ذلك، هذا لا بأس لكن بشرط: ألَّا يكون في المنارة، وبشرط أن يكون مكبر الصوت بلا صدى" (١). القسم الثاني: أن لا يترتب عليه ترديد للحرف وتكرار له وهذا لا بأس به وجائز، والأولى أن تكون عناية المصلي وكذلك أيضًا الإِمام هي ما يتعلق بالتدبر والتذكر وعدم التعلق بالظاهر دون الباطن. مواقيت الصلاة في الدائرة القطبية: تنقسم الجهات التي تقع على خطوط العرض ذات الدرجات العالية إلى ثلاث: الأولى: تلك التي يستمر فيها الليل أو النهار أربعًا وعشرين ساعة فأكثر، بحسب اختلاف فصول السنة. ففي هذه الحال تقدر مواقيت الصلاة والصيام وغيرهما في تلك الجهات على حسب أقرب الجهات إليها، مما يكون فيها ليل ونهار متمايزان في ظرف أربع وعشرين ساعة. الثانية: البلاد التي لا يغيب فيها شفق الغروب حتى يطلع الفجر، بحيث لا يتميز شفق الشروق من شفق الغروب، ففي هذه الجهات يقدر وقت العشاء الآخرة والإمساك في الصوم وقت صلاة الفجر بحسب آخر فترة يتمايز فيها الشفقان.

стр. 1982

الثالثة: تلك التي يظهر فيها الليل والنهار خلال أربع وعشرين ساعة، وتتمايز فيها الأوقات إلَّا أن الليل يطول فيها في فترة من السنة طولًا مفرطًا ويطول النهار في فترة أخرى طولًا مفرطًا. ومن كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس، إلَّا أن نهارها يطول جدًّا في الصيف ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا لعموم قوله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١)، وقوله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢). ثانيًا: النوازل المتعلقة بصلاة الجماعة: صلاة الجماعة في الاستراحات: الاستراحة إما أن تكون قريبة بحيث من كان فيها يسمعون الأذان، وإن لم يكن بالمكبر، مكبر الصوت، فعليهم الحضور إلى المسجد على القول الراجح ليحضروا جماعة، أما إذا كانت الاستراحة بعيدة بحيث لولا المكبر ما سمعوا الأذان، فلهم الصلاة جماعة في أماكنهم. قراءة الضاد (ظاءً) في الفاتحة: تسامح العلماء في إخراج الضاد (ظاء) ما دام أن الإنسان لا يفرق بين مخرج الحرفين لتقارب مخرجهما، لكن إذا كان الإنسان إمامًا فالأحسن له أن يتعلَّم، فإذا كان الإنسان يجهل فإن هذا معفوٌّ عنه، وخصوصًا فيما يتعلّق بعامة الناس، وعلى

стр. 1983

هذا إذا صلى إنسان يعرف مخرج الحرفين ويفرق بينهما، خلف إمام لا يعرف ذلك، فإن هذا جائز ولا بأس به؛ فالعلماء ﵏ يسروا إذا كان الإنسان يجهل التفريق بين مخارج الحروف وصحَّحوا صلاته. حكم إمامة المقعد للمصلين: إذا كان لا يقدر على القيام فلا تجوز إمامته للقادرين على القيام؛ قال في المغني: "ولا يؤم القاعد من يقدر على القيام إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون إمامَ الحي، نص عليه أحمد. الثاني: أن يكون مرضه يرجى زواله؛ لأن إمامة من لا يرجى زوال علته يفضي إلى ترك القيام على الدوام". المرض المعدي هل يسقط صلاة الجماعة ؟ من الأعذار المسقطة للجماعة والجمعة المرض المعدي الذي يتعدى ضرره إلى الآخرين، فهذا الإنسان معذور بمثل هذا العذر، فلا تجب عليه صلاة الجماعة باعتبار المرض وباعتبار العدوى، فإذا كان النبي ﷺ نهى مَنْ أكل ثومًا أو بصلًا أن يأتي للمسجد؛ لئلا يؤذي الناس برائحته وهذا -فيما يظهر- أشد ضررًا ممّن يأكل شيئًا له رائحة كريهة. صلاة المأمومين أمام الإِمام في المسجد الحرام: للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أن الصلاة لا تصح أمام الإِمام مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر. الثاني: أن الصلاة تصح أمام الإِمام -ولو لغير عذر- مع الكراهة. الثالث: أن الصلاة لا تصح أمام الإِمام إلَّا لضرورة، إما لضيق المكان، أو

стр. 1984

لزحام ... ، فتصح الصلاة للعذر، والواجب يسقط بالعذر؛ ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام والقراءة واللباس الساتر للعورة، والطهارة ونحو ذلك، ودليل ذلك الآيات والأحاديث الدالة على رفع الحرج، وعلى التكليف بقدر الاستطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١)، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، وحديث عمران بن حصين ﵁: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ... "، وهذا القول هو رواية عن مالك (٣) ﵀ وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (٤)، وما يقع في الحرم المكي في موسم الحج مُنَزَّلٌ على هذا القول؛ لأنه مظنة الزحام، والله تعالى أعلم. متابعة الإِمام عبر وسائل الإعلام الموجودة اليوم سواء كانت هذه الوسائل مرئية أو كانت مسموعة: إذا كانت الصلاة تنقل نقلًا مباشرًا حيًّا على الهواء، فهل تصح الصلاة خلف هذا الإِمام الذي تنقل صلاته؟ نقول: من صلى في بيته أو مزرعته أو مَتْجَرِهِ جماعة مع إمام المسجد على صوت المذياع مثلًا وتخلَّف عن شُهود الجماعة في بيت الله، دلَّ ذلك على فتوره عن امتثالِه أوامرَ الشريعة، وصدودِه وعُزوفِ نفسه عما يضاعف له به الحسنات، ويرفعه الله به إلى أعلى الدرجات، ويغفر له به السيئات، وخالفَ الأوامرَ الدالةَ على وجوب أدائها في المساجد، واستحقَّ الوعيد الذي توعَّد الشارع به المتخلفين عن شهود الجماعة في المساجد.

стр. 1985

ثم إنه قد تقع صلاته على أحوال لا تصح معها صلاته، عند جماعة من أهل العلم، مثل كونه منفردًا خلف الصف مع إمكان دخوله في صف لو كان بالمسجد، وكونه أمام الإِمام، وقد يعرض ما لا يمكنه معه الاقتداء بالإمام كخَلَل في جهاز الاستقبال أو الإرسال، أو انقطاع التيار الكهربائي، وهو في أمن من هذا؛ لو صلى في مكان يرى فيه الإِمام والمأمومين. وبهذا نرى أنه لا يجوز أن يصلي في بيته منفردًا أو في جماعة مستقلَّة عن جماعة المسجد أو مقتديًا بإمام المسجد عن طريق الإذاعة (١). متابعة المأموم للإمام إذا كان يسمعه عن طريق مكبرات الصوت وكذلك المرأة التي تصلي في بيتها مع الإِمام من خلال مكبرات الصوت، هل لهما أن يصليا بصلاة الإِمام ؟ هذه المسألة لها حالتان: الحالة الأولى: أن يكون بيت جار المسجد ملاصقًا للمسجد وبين المسجد والبيت منفذ. فالجمهور يقولون بصحة متابعة الإِمام وأن صلاته صحيحة، ولا تشترط الرؤية، وإنما يكفي سماع الصوت. الحالة الثانية: أن تكون هذه البيوت غير ملاصقة كما يوجد الآن في عصرنا أن أغلب البيوت ليست ملاصقة للمساجد. فهل يصح لأصحاب هذه البيوت أن يصلوا فيها وهم يسمعون الإِمام أو نقول ليس لهم ذلك؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء ﵏ على ثلاثة آراء:

стр. 1986

* الرأي الأول: أن الصلاة في هذه البيوت تصح ما دام أنهم يتمكنون من الاقتداء سواء كان الاقتداء بالتكبير أو بالرؤية. * الرأي الثاني: أنه يشترط مع إمكان الاقتداء اتصال الصفوف. وهذا قول ابن قدامة. * الرأي الثالث: أنه لا يشترط اتصال الصفوف، بل لا بد من شرطين: ١ - الرؤية للإمام أو لبعض المأمومين ولو في بعض الصلاة. ٢ - سماع التكبير. والصحيح في هذه المسألة: أن الصفوف إذا اتصلت فلأصحاب البيوت أن يصلوا، أما إذا كانت لم تتصل فهذا محل نظر عند أهل العلم؛ لأن منهم من يشترط مع إمكان الاقتداء اتصالَ الصفوف. والدليل على ما ذكرنا أن الجماعة لها هيئة شرعية والعبادات توقيفية، وهيئتها الشرعية كما ورد عن النبي ﷺ والصحابة أنهم يجتمعون في مكان واحد وزمان واحد، هذه هي الهيئة الشرعية، لكن إذا اتصلت الصفوف فإنها تأخذ حكم هذا المكان، فيصبح المكانان في حكم المكان الواحد؛ لاتصال الصفوف، ففي هذه الحالة نقول بأنه لا بأس أن يصلوا في بيوتهم ويتابعوا الإِمام، أما ما عدا ذلك فالصواب أن المتابعة لا تصح. إذا انقطع التيار الكهربائي أثناء الصلاة: إذا انقطع صوت المكبر عمن هم بعيدون عن الإِمام فإنهم يكملون الصلاة فُرادى؛ كل يكمل لنفسه، ولهم أن يقدموا واحدًا منهم يكمل بهم الصلاة.

стр. 1987

من يعملون في إطفاء الحرائق: إذا وقع حادث حريق في وقت صلاة تجْمَعُ مع غيرها، كالظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء، جاز تأخيرها وجمعها مع الصلاة التي تجمع إليها، فتؤخر الظهر وتصلى مع العصر، وتؤخر المغرب وتصلى مع العشاء. وأما إذا وقع الحادث في وقت صلاة الفجر أو العصر أو العشاء فتؤخر الصلاة عن أول وقتها, ولكن لا تؤخر حتى يخرج الوقت، بل الواجب صلاتها في وقتها ولو بالتَّناوُب بين العاملين في الحادث فيما لو استمر، فتصلي فرقة والأخرى تباشر العمل في الحادث، ثم يباشر العمل الذين صلوا وتصلي الفرقة الأخرى. ثانيًا: إذا كان البلاغ عن الحادث من ثقة، وكان خطيرًا؛ جاز قطع الصلاة والتوجه إلى مقر الحادث، وتقضى الصلاة حسبما ذكر في الفقرة الأولى. ثالثًا: إذا حصل للعاملين في الإطفاء والإنقاذ في الحوادث مشقَّة لا تحتمل أثناء الصيام في نهار رمضان، جاز لهم أن يأخذوا من الطعام ما يُذْهِبُ المشقة عنهم، ثم يمسكوا بقية اليوم، ويقضوا يومًا بدله (١). العذر في ترك الجماعة بسبب الخطر: يجوز للأشخاص المرابطين على الحدود صلاة الجماعة في مواقعهم على الحدود، ولا يجب عليهم الذَّهاب إذا كان في ذَهابهم إلى المسجد خطر، أما إن لم يكن هناك خطر فالواجب الصلاة في المسجد لوجوب الصلاة جماعة في المسجد؛ عملًا بالأدلة الشرعية، ولا مانع من إبقاء مَنْ تدعو الحاجة إلى إبقائه ليكون حارسًا للمكان (١).

стр. 1988

حكم صلاة موظَّفي البنك في محل العمل: جرت السنة الفعلية والقولية من الرسول ﷺ على أداء الصلاة جماعة في المسجد، وقد همَّ ﷺ أن يحرِّق على المتخلفين عنها بيوتهم بالنار، وجرى على أدائها جماعة في المساجد خلفاؤه والصحابة -رضوان الله عليهم- وأتباعهم. فالواجب على موظفى البنك أن يصلوا الظهر جماعة في المسجد المجاور لهم؛ عملًا بالسنة، وأداءً للواجب، وسدًّا لذريعة التحايل للتخلف عن أداء الصلاة في المساجد، وابتعادًا عن مشابهة أهل النفاق. وأما إذا كان العدد كبيرًا، أو خاف المسؤول أن يختل العمل، أو تتعطل حاجة الناس، فهنا لا مانع من صلاتهم في مقر عملهم. ثالثًا: النوازل المتعلقة بصلاة المسافرين: الصلاة في السفينة والطائرة: إذا حان وقت الصلاة في الطائرة أو السفينة وجب على مَنْ فيها مِنَ المسلمين أن يصلي الصلاة في وقتها على حسب حاله وقدرته، فإن وجد ماءً وجب عليه التطهر به، وإن لم يجد ماءً أو وجده وعجز عن استعماله، تيمَّم، إن وجد ترابًا أو نحوه، فإن لم يجد ماء ولا ترابًا ولا ما يقوم مقام التراب، سقط عنه ذلك وصلى على حسب حاله؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، وعليه أن يتوجه للقبلة، ويدور مع الطائرة أين دارت، في صلاة الفرض حسب الطاقة، أما النافلة فيصلي إلى جهة سير الطائرة؛ لأن النبي ﷺ كان في السفر يصلي النافلة على راحلته حيث كان وجهه، وثبت في حديث أنس ما يدل على شرعية استقبال القبلة عند الإحرام

стр. 1989

من حيث التنفُّل في السفر (١). من صلى جمع تقديم ثم أدرك وقت الثانية عند الوصول: المسافر إذا أدى فرضه، ثم سافر فأدرك هذا الفرض في البلد الذي سافر إليه، فإنه لا يجب عليه أن يعيد صلاة ذلك الفرض، بل ولا يشرع له أن يعيده، إلَّا إذا صلاه بنية النافلة؛ وذلك لأنه قد أدى ما عليه على الصفة المشروعة، فسقط عنه الواجب، وبرئت ذمته، والقاعدة في ذلك أن: "من فعل العبادة كما أُمِرَ فلا إعادة عليه". تأخير الصلاة لراكب الحافلة أثناء فريضة الحج: أداء الصلاة في وقتها هو آكَدُ فرائض الصلاة، فلا يجوز لأحد أن يؤخر الصلاة عن وقتها لتحصيل شرط آخر من شروطها، فلا يجوز تأخيرها لجنابة، ولا لحدث، ولا لنجاسة ثوب، ولا لعدم القدرة على أدائها قيامًا. وعلى هذا فيجب على من أدركتْه الصلاة -وهو في الحافلة-, وخشي أن يخرج وقتها لو أخرها حتى يصل إلى المزدلفة أو منى- عليه أن يصليها في وقتها على حسب استطاعته؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، فيصليها قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا حيثما توجهت به الحافلة، ولا يجوز له أن يؤخرها عن وقتها لأجل أنه لا يستطيع أن يؤديها على صفتها الكاملة. وُيستثنَى من ذلك صلاة الظهر والمغرب؛ لأنه يرخص للمسافر أن يؤخرهما فيجمعهما مع ما بعدهما، فيصلي الظهر مع العصر جمع تأخير، وكذا المغرب مع العشاء.

стр. 1990

وكثير من الناس يخطئون في هذه المسألة، فيظنون أن تعذُّر أداء الصلاة على هيئتها الكاملة الواجبة يبيح لهم تأخيرها إلى حين الاستطاعة ولو بعد خروج الوقت، وإنما أُتوا من جهلهم بكون الوقت آكد من فرائض الصلاة. فالحاصل أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها لجنابةٍ ولا حدثٍ ولا نجاسةٍ ولا غيرِ ذلك، بل يصلي في الوقت بحسب حاله، فإن كان محدثًا وقد عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله، تيمم وصلى. وكذلك الجنب يتيمم ويصلي إذا عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله لمرض أو لبرد، وكذلك العريان يصلي في الوقت عريانًا, ولا يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت في ثيابه. وكذلك إذا كان عليه نجاسة لا يقدر أن يزيلها فيصلي في الوقت بحسب حاله. وهكذا المريض يصلي على حسب حاله في الوقت، كما قال النبي ﷺ لعمران ابن حصين ﵁: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ"، فالمريض -باتفاق العلماء- يصلي في الوقت قاعدًا أو على جنب، إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يصلي بعد خروج الوقت قائمًا. وهذا كله لأن أداء الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، كما أن صيام شهر رمضان واجب في وقته، ليس لأحد أن يؤخره عن وقته. الجمع بين الصلاتين في المدرسة: يجب على من كان بالمدرسة أو الجامعة أداء كل صلاة في وقتها إلَّا إذا كانوا ممّن يشملهم رخص السفر، فإذا قصروا الصلاة جاز لهم الجمع.

стр. 1991

ولهم أن يؤخروا صلاة الظهر إلى آخر وقتها، ويقدموا العصر في أول وقتها، ولعل ذلك يتسنَّى لهم بالتنسيق مع القائمين على الدراسة، ويكون هذا الوقت الذي يشمل آخر الظهر وأول العصر هو وقت راحتهم. الجمع في البرد والضباب: شدة البرد بدون ريح ولا مطر لا يجوز معها الجمع؛ لأن البرد يمكن أن يتقى بكثرة الملابس الواقية، ثم قد يكون طيلة أيام الشتاء -أي أنه معتاد-, لكن إذا كان الضباب يأتي أحيانًا بشكل غير معتاد بحيث يكون الخروج مع وجوده قد يؤدي إلى خطورة بسبب عدم الرؤية لا سيما في السيارات، فهنا يجوز الجمع لوجود المشقة الظاهرة، أما إذا كان الضباب لا يسبب إلَّا البرد فقط فهذا لا يجوز معه الجمع كما سبق، والله أعلم. الجمع بين الصلاتين للفشل الكلوي: أصحاب الغسيل الكلوي لهم الجمع تقديمًا أو تأخيرًا حسب دخولهم للغسيل؛ فإن كان دخولهم بعد دخول وقت صلاة الظهر مثلًا فليجمعوا تقديمًا بلا قصر إذا كانوا في بلدهم، وإذا كانوا مسافرين فلهم الجمع والقصر، وإذا كان دخولهم للغسيل قبل دخول وقت صلاة الظهر فليؤخروا الظهر ويجمعوها مع العصر، ولا يجوز تأخيرهما إلى ما بعد الغروب، والله أعلم. صلاة من خرجوا للنزهة: إذا كان خروجهم يعد سفرًا فلهم القصر ولهم الجمع، لكن صلاة كل فريضة في وقتها أفضل. وإذا كانت المسافة بين البلد وبين محل النزهة مسافة قصر وهي (ثمانون كيلو متر) في أصح قولي العلماء، وصاروا يقيمون إقامة يحملون من أجلها الزاد والمزاد

стр. 1992

كاليومين والثلاثة، فهم مسافرون، يترخصون برخص السفر. وقد ذكر الفقهاء أنه لا فرق بين أن يكون السفر لعبادة، كسفر الحج والعمرة، أو لتجارة، أو لزيارة صديق أو لنزهة؛ لأن النصوص جاءت مطلقة غير مقيدة، وأما من يخرج يومًا ويرجع في يومه، أو في أول الليل ويرجع في آخره فلا يترخص إذا لم تكن المسافة مسافة سفر (٨٠ كم). من أحكام صلاة بعض المسافرين للدراسة في الخارج: المغتربون عن بلادهم لهم ثلاث حالات: الحال الأولى: أن ينووا الإقامة المطلقة في بلاد الغربة كالعمال المقيمين للعمل، والتجار المقيمين للتجارة، وسفراء الدول ونحوهم ممّن عزموا على الإقامة إلَّا لسبب يقتضي نزوحهم إلى أوطانهم، فهؤلاء في حكم المستوطنين، في وجوب الصوم عليهم وإتمام الصلاة الرباعية والاقتصار على يوم وليلة في المسح على الخفين. الحال الثانية: أن ينووا إقامة لغرض معين غير مقيدة بزمن، فمتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم -أي لا يعلمون متى تنتهي مهمتهم-, كالتجار القادمين لبيع السلع أو شرائها أو القادمين لمهمات تتعلق بأعمالهم الرسمية، أو لمراجعة دوائر حكومية، ونحوهم ممّن عزموا على العودة إلى أوطانهم بمجرد انتهاء غرضهم -فهؤلاء في حكم المسافرين وإن طالت مدة انتظارهم-، فهم لا يعلمون متى تنتهي، فلهم الترخص برخص السفر من الفطر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية، ومسح الخفين ثلاثة أيام، وغير ذلك، وهذا قول جمهور العلماء.

стр. 1993

لكن لو ظن هؤلاء أن غرضهم لا ينتهي إلَّا بعد المدة التي ينقطع بها حكم السفر، كما لو ظنوا أنه لا ينتهي إلَّا بعد أربعة أيام مثلًا، فهل لهم الترخص؟ على قولين كما سيأتي في الحالة الثالثة. الحال الثالثة: أن ينووا إقامة لغرض معين مقيدة بزمن، ومتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم، فقد اختلف أهل العلم ﵏ في حكم هؤلاء. والذي نرجحه في هذه الحالة أن المسافر الذي نوى الإقامة ببلد أكثر من أربعة أيام لا يقصر الصلاة، وإذا كانت الإقامة دون هذه المدة فإنه يقصر الصلاة. وهذا هو اختيار اللجنة الدائمة (١). دوريات حرس الحدود: الدوريات التي تعمل في نطاق ثمانين كيلو متر فأكثر من محل إقامتها، تقصر الصلاة خلال القيام بالدورية، أما إن كانت المسافة أقل من ذلك أو لم تقصد الدورية ما يبلغ المسافة المذكورة؛ لأنها لا تدري هل تكون مسافة دوريتها طويلة أو قصيرة، فإن أفرادها يتمون الصلاة، وأما أثناء الإقامة فإن كانوا يقصدون إقامة أربعة أيام فأقل أو لا يعرفون مدة إقامتهم، فإنهم يقصرون الصلاة في الحالتين إذا كانت المسافة التي قطعوها ثمانين كيلو فأكثر، أما إن كانوا يقصدون إقامة أكثر من أربعة أيام فإنهم يتمون الصلاة (٢). من أحكام صلاة العاملين بالبحرية أثناء قيامهم بالعمل: أولًا: ليس على العاملين من العسكريين على السفن جُمُعة؛ لأنهم ليسوا مستوطنين بها كأهل القرى والأمصار، إلَّا من كان منهم مقيمًا على الرصيف

стр. 1994

وليس في حكم السفر، فإنها تلزمهم صلاة الجمعة في المساجد التي تقام فيها الجمعة، وأما التراويح فلا بأس بفعلها في السفر. ثانيًا: من صلى من أهل السفن جمعًا بين الظهر والعصر لكونه في حكم المسافر، فليس له التنفل بعد صلاة العصر ولو كان الجمع جمع تقديم؛ لعموم الأحاديث الناهية عن الصلاة بعد صلاة العصر، وهي تعم المسافرين وغيرهم، أما الجمع بين المغرب والعشاء فلا يمنع من التنفل بعده ولو كان الجمع جمع تقديم. رابعًا: النوازل المتعلقة بصلاة الجمعة: صلاة الجمعة في المصليات الصغيرة: من أعظم مقاصد صلاة الجمعة اجتماع المسلمين في مسجد واحد، ويجوز تعددها في البلد الواحد إذا كانت هناك حاجة؛ كازدحام المسجد، وعدم كفايته للمصلين، أو تباعد المنازل كثيرًا مما يكون فيه مشقة على المصلين ونحو ذلك، فإنه يجوز حينئذٍ تعدد الجمع بقدر الحاجة، وإذا وجدت الحاجة، فإنه لا يشترط لأداء الجمعة مكان مخصوص، فتصلى في المساجد الكبيرة، والمصليات وغيرها من الأماكن الطاهرة؛ لقوله ﷺ : " ... جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا ... " (١). طلب التبرعات أثناء الخطبة: هذا الفعل لا يجوز؛ لأن فيه إشغالًا للحاضرين عن سماع وتدبر الخطبة؛ وذلك لأن الإنصاف واجب على الجميع، فالواجب منع مثل ذلك مهما كانت المبررات لجمع المال.

стр. 1995

الطواف بالكعبة أثناء خطبة الجمعة: الواجب على المسلم إذا صعد الإِمام المنبر أن يستمع إلى ما يقوله الخطيب، وأن يكف عن الحركة، ولو كانت هذه الحركة عبادة؛ كقراءة القرآن، والصلاة والطواف، ما لم تكن الحركة تحية المسجد للداخل والإمام يخطب. الخطبة بالعامِّية: إذا كان المصلون أو أغلبهم لا يفهمون العربية الفصحى أو يخفى عليهم كثير من معاني ألفاظها ودلالاتها، وكان وعظهم بالعامية أقوى تأثيرًا فيهم وأبلغ، فلا بأس أن يخطب الخطيب فيهم باللهجة العامية الدارجة؛ لأن المقصود هو الوعظ والتذكير، فإذا حصل المقصود بالعامية جازت الخطبة. ولأنه إذا جاز للخطيب أن يخطب بغير العربية فيمن لا يفهمونها، كانت الخطبة بالعامية التي هي أقرب للعربية أولى بالجواز. على أن الأولى للخطباء ألا يتوسَّعوا في ذلك فيأخذوا بالأسهل ويتركوا الأجزل والأبلغ؛ فإن الأصل أن يخطب الخطيب باللغة العربية، فهي تشتمل على ألفاظ سهلة ميسرة يفهمها كل عربي، فلا ينبغي أن يتركها إلى العامية إلَّا إذا رأى أن أكثر المصلين لا يفهمونها ولا ينتفعون بخطابها كما هو الشأن في كثير من القرى والبادية. حكم تبكير الإِمام إلى الجمعة أسوة بالمأمومين: المشروع في حق الإِمام إذا دخل أن يسلم أول ما يدخل على من حول الباب، ثم يصعد المنبر ويتوجه إلى الناس ويسلم عليهم عامة، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم فيخطب الخطبة الأولى، ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية، ثم ينزل فيصلي بالناس، هذا هو المشروع للإمام في يوم الجمعة، ولا ينبغي للإمام أن

стр. 1996

يتقدم إلى المسجد قبل حلول وقت الخطبة والصلاة، كما يفعله بعض الناس المحبين للخير الذين يرغبون في السبق إلى الطاعات؛ وذلك لأن النبي ﷺ لم يكن يفعل هذا، فلم يكن ﷺ ، يتقدم إلى المسجد في يوم الجمعة ينتظر الخطبة والصلاة، وخير الهدي هدي محمَّد ﷺ ، فالذي ينبغي للإنسان أن يكون متحرِّيًا لهدي النبي ﷺ فإنه خير الهدي. النداء لصلاة العيد: من هدي رسول الله ﷺ ألا ينادى لصلاة عيد الفطر ولا لصلاة عيد الأضحى قبلها، من أجل أن يحضروا إلى المصلى ولا من أجل إفهامهم حكم الصلاة، ولا ينبغي فعل ذلك لا بالميكرفون ولا بغيره؛ لأن وقتهما معلوم والحمد لله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١)، وينبغي لأولي الأمر من الحكام والعلماء أن يبينوا للمسلمين حكم هذه الصلاة قبل يوم العيد، وأن يبينوا لهم كيفيتها وما ينبغي لهم فيها، فيما قبلها وما بعدها؛ حتى يتأهَّبوا للحضور إلى المصلى في وقتها، ويؤدوها على وجهها الشرعي. حجز مكان في المسجد يوم الجمعة: إذا كان المرء داخل المسجد فلا حرج عليه أن يحجز مكانًا في الصف الأول، أو الصفوف المتقدمة. أو كان في المكان وخرج لحاجة كالوضوء فله أن يحجز المكان. وأما إن حجز المكان وخرج لحاجة من حوائج الدنيا، أو لوقت طويل، أو للنوم، فلا يجوز له حجز المكان؛ لأن غيره أحقّ به منه.

стр. 1997

استئجار مكان لأداء صلاة الجمعة: المسلمون الذين يكونون في بلد غير إسلامية ولا يجدون مكانًا مناسبًا لإقامة صلاة الجمعة، فلا بأس باستئجارهم مكانًا لأداء صلاة الجمعة، وفعلهم هذا يُؤجَرون عليه -إن شاء الله- لإقامة شعيرة من شعائر الإِسلام في بلاد الكفر، وفعلهم هذا داخل في معنى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، ولا يسمى ما استأجروه مسجدًا وإنما هو مصلى مؤقت، والمصلى لا يأخذ أحكام المسجد في الجملة، فلا تؤدى تحية المسجد عند الدخول؛ لكونه غير مسجد، وإنما تصلى ركعتان أو أكثر لا بنيَّة تحية المسجد وإنما سنة مطلقة؛ لحديث: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ" (٢)، أي ما بين الأذان والإقامة، كما تؤدى فيه أربع ركعات بعد صلاة الجمعة؛ لأنها سنة تابعة للصلاة لا للمسجد، كما تؤدى سائر الطاعات من قراءة القرآن وتعليمه والصدقة وغير ذلك. ترجمة خطبة الجمعة: لم يثبت في حديث عن النبي ﷺ ما يدل على أنه يشترط في خطبة الجمعة أن تكون باللغة العربية، وإنما كان ﷺ يخطب باللغة العربية في الجمعة وغيرها؛ لأنها لغته ولغة قومه، فوعظ من يخطب فيهم وأرشدهم وذكَّرهم بلغتهم التي يفهمونها, لكنه أرسل إلى الملوك وعظماء الأمم كتبًا باللغة العربية، وهو يعلم أن لغتهم غير اللغة العربية، ويعلم أنهم سيترجمونها إلى لغتهم ليعرفوا ما فيها. وعلى هذا يجوز لخطيب الجمعة في البلاد التي لا يعرف أهلها أو السَّواد الأعظم من سكانها اللغةَ العربية، أن يخطب باللغة العربية ثم يترجمها إلى لغة بلاده؛ ليفهموا ما نصحهم وذكرهم به، فيستفيدوا من خطبته، وله أن يخطب خطبة الجمعة بلغة

стр. 1998

بلاده مع أنها غير عربية، وبذلك يتم الإرشاد والتعليم والوعظ والتذكير ويتحقق المقصود من الخطبة، غير أن أداء الخطبة باللغة العربية ثم ترجمتها إلى المستمعين أَوْلَى؛ جمعًا بين الاهتداء بهدي النبي ﷺ في خطبه وكتبه، وبين تحقيق المقصود من الخطبة؛ خروجًا من الخلاف في ذلك (١). الطبيب المناوب له ترك الجمعة: الطبيب المناوب قائم بأمر ينفع المسلمين، ويترتب على ذهابه إلى الجمعة خطر، فلا حرج عليه في ترك صلاة الجمعة، وعليه أن يصلي الظهر في وقتها، ومتى أمكن أداؤها جماعة وجب ذلك؛ لقول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، فإذا كان من الموظفين من يتناوب معه وجب عليهم أن يصلوا الظهر جماعة. إقامة الجمعة على دفعتين لضيق المسجد: إنشاء جماعتين في مسجد واحد غير جائز شرعًا, ولا نعلم له أصلًا في دين الله، والأصل أن تقام جمعة واحدة في البلد الواحد، ولا تتعدد الجمع إلَّا لعذر شرعي؛ كبعد مسافة على بعض من تجب عليهم، أو يضيق المسجد الأول الذي تقام فيه عن استيعاب جميع المصلين، أو نحو ذلك مما يصلح مسوغًا لإقامة جمعة ثانية؛ فعند ذلك يقام جمعة أخرى في مكان يتحقق بإقامتها فيه الغرض من تعددها، حتى ولو لم يكن مسجدًا؛ كالمساكن الخاصة وكالحدائق والميادين العامة التي تسمح الجهات المسؤولة عنها بإقامة الجمعة فيها (٣).

стр. 1999

تعدد الجمعة في البلد الواحد: لم يكن في عهد النبي ﷺ مسجد تقام فيه صلاة الجمعة بالمدينة إلَّا مسجد واحد هو المسجد النبوي، وكان المسلمون يأتون إليه لصلاة الجمعة به، من أطراف المدينة وضواحيها، كالعوالي، واستمر الحال على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ﵃، وذلك دليل عملي منه ﷺ على قصد جمع المسلمين في صلاة الجمعة في البلد الواحد على إمام واحد، إشعارًا بوحدة القيادة، وجمعًا للقلوب، وتأليفًا للنفوس، وزيادة في التعارف، وتأكيدًا لمعاني الأخوة، ولو كان تعدد الجمع في البلد الواحد من غير مبرر شرعي مباحًا، لأمر النبي ﷺ أصحابه ﵃، أن يصلي كل منهم الجمعة في مسجده بأطراف المدينة؛ لأنه ﷺ : "ما خُيِّرَ بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه" وفي ذلك تيسيرٌ على أمته وتخفيفٌ عنها، وعملٌ بعموم قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، وعموم قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٢)، فلما لم يأمرهم بالتعدد، ولم يأذن لهم فيه، دلَّ ذلك على قصده ﷺ ، إلى توحيد الجمعة في البلد الواحد، وجَمْعِهم على إمام واحد فيها؛ لما تقدم بيانه من الحكمة في ذلك. لكن إذا كانت المساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة تضيق بمن يصلي فيها الجمعة حتى أن كثيرًا منهم يصلي في الشمس الشديدة الحرارة وفي الطرق وفوق السقوف، فلا مانع من أن تقام الجمعة في مساجد أخرى زيادة على المساجد التي تقام فيها الجمعة، حسب ما تقتضيه الحاجة؛ تيسيرًا على الناس، ودفعًا للحرج عنهم، ولهذا لما كثر المسلمون بعد عهد الخلفاء الراشدين وازدحمت المساجد بمن

стр. 2000

يصلي فيها الجمعة، صلوا الجمعة في أكثر من مسجد في المدينة الواحدة؛ عملًا بأدلة التيسيرِ ورفعِ الحرج، ولنا فيهم أُسوة حسنة (١). المواعظ بعد صلاة الجمعة: لا نعلم دليلًا يمنع الموعظة بعد صلاة الجمعة، ومعلوم أن الدواعي لإلقاء الموعظة تختلف باختلاف الأحوال، فمن أراد الجلوس للاستماع جلس، ومن أراد الخروج فعل ولا حرج في ذلك، فالأمر في هذا واسع والحمد لله. لكن من الحكمة عدم إلقاء الموعظة بعد خطبة الجمعة إذا لم تدع لذلك الحاجة، فإن الخطبة موعظة وقد سبقت فلا تكرر، ومعلوم أن المواعظ والخطب إذا كثرت وتوالت سُئِمَتْ، وقلَّل ذلك من شأنها (٢). الحديث أثناء خطبة الجمعة من قِبَل القائمين على المسجد: المساجد الكبار التي تؤدى فيها صلاة الجمعة بعضها قد يكون له أناس يقومون عليه، ينظمون الناس ويرتبونهم، إلى آخره. فما هو حكم حديثهم حال خطبة الإِمام؟ لا يجوز لمن في المسجد أن يتكلم أثناء خطبة الجمعة مع آخر مطلقًا، سواء كان في تعديل صفوف أو إسكات النساء أو إرشاد بعض المصلين إلى أماكن الوضوء أو غير ذلك، أما الإِمام فله أن يتكلم بما يرى فيه المصلحة؛ لأن النبي ﷺ لما رأى رجلًا دخل المسجد وجلس ولم يصل التحية قال وهو يخطب: "قُمْ فَصَلِّ رَكعَتَيْنِ" (٣)، وهكذا يجوز لأحد الجماعة أن يسأل الخطيب فيما تدعو الحاجة إليه؛
следующие страницы →