قصيرة الأجل ولو لم يقع السحب من أرصدتها بتقييد من جهة الاستثمار، أو بتقييد من صاحب الحساب.
ب- تجب الزكاة في مبالغ الحسابات الجارية، ولا أثر لكون الأموال مرصدة لحاجة مالكها أو في تنفيذ مشاريع استثمارية، ما لم تكن لحاجة سداد الديون المترتبة عليه.
ثانيًا: زكاة الحسابات المحتجزة لتوثيق التعامل:
أ - مبالغ هامش الجدية: وهو المبلغ المقدم تأكيدًا للوعد الملزم لتغطية ضرر النكول عنه. إذا لم يودع في حساب استثماري، والتأمينات الابتدائية للدخول في المناقصات، تحسم من الموجودات الزكوية بالنسبة للجهة المودعة لديها، ويزكيها مالكها مع موجوداته، وإذا مرت عليها سنوات فإنها تُزكى لسنة واحدة إذا أعيدت لأصحابها، أما إذا كانت هذه المبالغ في حساب استثماري فيطبق عليها البند (أولًا/ أ).
ب- مبالغ التأمينات التنفيذية للمناقصات ، والتأمينات النقدية التي تؤخذ من الأفراد والمؤسسات مقابل الحصول على خدمات معينة، مثل الهاتف والكهرباء وتأمينات استئجار الأماكن أو المعدات، يزكيها من يقدمها لسنة واحدة إذا قبضها.
ج- مبلغ العربون لا يحسمه البائع من موجوداته الزكوية بل تجب تزكيته عليه؛ لأنه يملكه سواء فسخ المشتري العقد أو أمضاه.
ثالثًا: الوديعة القانونية:
هي ما تشترط الجهات المختصة إيداعه لدى بنك لمنح الترخيص للشركة، فإذا كانت محتجزة بصفة مؤقتة تزكيها الشركة مع موجوداتها، وأما إذا كانت محتجزة بصفة مستمرة فإنها تزكى لسنة واحدة إذا أُعيدت إلى الشركة.
стр. 2032
رابعًا: الاحتياطيات والأرباح المرحلة -المستبقاة أو المدورة -:
تزكيها الشركة مع موجوداتها، في حال تطبيق طريقة الموجودات -الأصول- المتداولة عند حساب زكاة الشركات.
خامسًا: زكاة شركات التأمين الإِسلامية:
أ- المخصصات الفنية والأرصدة الدائنة لمعيدي التأمين والمطالبات المستحقة السداد والمطالبات تحت التسوية، لا تزكيها الشركة بل تحسم من موجوداتها الزكوية؛ لأنها ديون عليها.
ب- الاحتياطيات ومخصصات الأخطار السارية، والمخصص الإضافي، واحتياطي التأمين على الحياة، والمبالغ المحتجزة عن إعادة التأمين، لا تحسم من الموجودات الزكوية، بل تزكيها الشركة؛ لأنها لم تخرج من ملكها (١).
ما يتعلق بزكاة السندات:
السندات:
هي عبارة عن صكوك تُصْدِرُها بعض الدول أو بعض الشركات تمثل قرضًا عليها، تلتزم بسداد هذا القرض الذي عليها في زمن محدد وبفوائد ثابتة.
مثال ذلك: شركة بحاجة إلى أموال لكي تتلافى هذه الخسارة، أو أن هذه الشركة تريد أن تنمي استثماراتها فتقوم بإصدار مثل هذه السندات فتطلب من الناس أموالًا، فتعطيهم هذه السندات بفائدة، ولا شك أن هذه السندات محرمة ولا تجوز؛ لأنها من الربا؛ فهي قرض بفائدة. فهي داخلة في الربا المحرم.
стр. 2033
حكم الزكاة في السندات:
بالرغم من تحريم التعامل بالسندات فإن الزكاة واجبة فيها؛ لأنها تمثل دَيْنًا لصاحبها، والدَّيْن الذي يُرجى تحصيله تجب فيه الزكاة عند جمهور العلماء، فيحسب زكاته كل عام، ولكن لا يلزمه إخراجها إلَّا إذا قبض قيمة السند، أما الفائدة التي يأخذها مقابل السند فهي مال خبيث محرم، يجب عليه التخلص منه في أوجه البر المتنوعة، والقدر الواجب إخراجه من الزكاة هو ٢. ٥ %.
زكاة الصناديق الاستثمارية:
أولًا: تعريف الصناديق الاستثمارية:
هي صندوق له ذمة مالية مستقلة يهدف إلى تجميع الأموال واستثمارها في مجالات محددة، وتدير الصندوق عادة شركة استثمار تمتلك تشكيلة من الأوراق المالية، وذلك من خلال قيام جهة تسمى (الكفيل) بشراء تشكيلة من الأوراق المالية (السندات) غالبًا أو العمليات بالنسبة للصناديق الإِسلامية: التأجير، المرابحات، الاستصناع، السلم الموازي، وتقوم هذه الشركة بجانب جهة الإصدار التي ينتهي دورها ببناء التشكيلة جهات أخرى لكل منها دور خاص، فهناك الأمين الذي يتولى إصدار الشهادات مع الجهة التي تتعهد بتغطية الإصدار، وكذلك، هناك الجهة التي تقوم بالاسترداد والتعهد بإعادة الشراء فضلًا عن الجهة التي تقوم بالتسويق؛ ولذلك من أجل هذا التعدد الذي يجعل الشكل القانوني لتلك الجهات المختلفة اتحادًا وليس شركة، سمي ما يباع للمستثمر من حصة في الصندوق (وحدة) ولا يسمى (سهمًا)، كما هو الحال في الشركات، وهذا الاتحاد قد يكون عمره محدودًا: ستة أشهر، سنة، سنتان، وهكذا حسب النظام الأساسي الذي ينشأ من خلاله هذا الصندوق.
стр. 2034
ثانيًا زكاة الصناديق الاستثمارية:
فبالنسبة لرب المال فإنه يزكي زكاة عروض تجارته، ينظر إلى قيمة الأسهم السوقية ويخرج ربع العشر، وإذا قبض شيئًا من الربح أخرج ربع عشره؛ لأن الربح هذا حوله حول الأصل. وأما بالنسبة للقائمين على هذه الصناديق فما يأخذونه هو أجرة على عملهم.
والصحيح من أقوال أهل العلم: أن الأجرة لا تجب فيها الزكاة حتى يحول عليها الحول من حين العقد، فنقول: إذا حال الحول على هذه الأجرة من حين العقد، فتجب فيها الزكاة.
زكاة أجور العقار:
أولًا: تعريف العقار
هو كل ما يملكه الإنسان من الأراضي، وما أنشئ عليها من المساكن الفردية، أو قصور للسكنى، أو قصور للولائم، أو الفنادق، أو العمائر ذات المساكن الكثيرة، أو الاستراحات، أو المجمعات التي في الطرقات، أو بالقرب من مداخل المدن، وكذا الحدائق التجارية التي جعلت للنزهة، وما زرع فيها يسمى الكل عقارًا تبعًا لأصله وتغليبا له.
ثانيًا: حكم الزكاة في العقار:
اختلف العلماء في زكاة عروض التجارة -ومنها العقار- على رأيين:
والصحيح: هو ما ذهب إليه جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم إلى وجوبها، وهو ما ذهب إليه المجمع الفقهي الإِسلامي برابطة العالم الإِسلامي، وقد صدر منه قرار بشأنها جاء فيه:
стр. 2035
"أولًا: العقار المعد للسكنى، هو من أموال القُنْيَة، فلا تجب فيه الزكاة إطلاقًا، لا في رقبته ولا في قدر أجرته.
ثانيًا: العقار المعد للتجارة، هو من عروض التجارة، فتجب الزكاة في رقبته، وتقدر قيمته عند مضي الحول عليه.
ثالثًا: العقار المعد للإيجار، تجب الزكاة في أجرته فقط، دون رقبته.
رابعًا: نظرًا إلى أن الأجرة تجب في ذمة المستأجر للمؤجر، من حين عقد الإجارة، فيجب إخراج زكاة الأجرة، عند انتهاء الحول، من حين عقد الإجارة بعد قبضها.
خامسًا: قدر زكاة رقبة العقار، إن كان للتجارة، وقدر زكاة غلته، إن كان للإجارة، هو ربع العشر، إلحاقًا له بالنقدين (١).
حكم زكاة الأرض التي يتردد صاحبها في بيعها ولم يجزم بشيء:
الأرض التي يتردد صاحبها في بيعها ولم يجزم بشيء: إذا أعدها للبيع وجبت فيها الزكاة، وإن لم يعدَّها للبيع أو تردد في ذلك ولم يجزم بشيء، أو أعدها للتأجير، فليس عليه فيها زكاة، كما نص على ذلك أهل العلم؛ لما روى أبو داود ﵀ عن سمرة بن جندب ﵁ قال: " ... إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلبَيع" (٢).
حكم الزكاة على السيارات والجمال والحمير المعدة للنقل:
ليس على السيارات والجمال والحمير المعدة لنقل الحبوب والأمتعة وغيرها من بلاد إلى بلاد، زكاةٌ؛ لكونها لم تعد للبيع وإنما أعدت للنقل والاستعمال، أما إن
стр. 2036
كانت السيارات معدة للبيع، وهكذا غيرها من الجمال، والحمير، والبغال، وسائر الحيوانات التي يجوز بيعها إذا كانت معدة للبيع، فإنها تجب فيها الزكاة؛ لأنها صارت بذلك من عروض التجارة، فوجبت فيها الزكاة، لما روى أبو داود وغيره عن سمرة بن جندب ﵁ قال: " ... إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلبَيع"، وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم (١).
زكاة مساهمة الأراضي:
من كان له مساهمة في أراضٍ أو نحوها للبيع، فإنه يزكيها كل سنة حسب قيمتها، حسب قيمة الأرض أو غيرها من السلع، كل سنة تقوم ويزكي هو وأصحابه من الشركاء، كل يزكى حصته، فإذا بيعت زكى السنوات الماضية بحيث يحسب زكاتها ويخرجها بعد ذلك، ولكن لا يلزمه أن يزكيها بحساب السنة الأخيرة، وإنما كل سنة بحسابها، السنة الأولى على قدر قيمتها، والسنة الثانية على قدر قيمتها، وهكذا؛ لأن القيمة تختلف بحيث تكون في أول الأمر رخيصة، ثم تزيد قيمتها، أو العكس، فيلزمه أن يزكي القيمة في كل سنة بحسبها، وهي ربع العشر من القيمة (٢).
حكم إخراج الزكاة عروضًا عن العروض وعن النقود:
الزكاة مواساة من الأغنياء للفقراء، فجاز لهم أن يواسوهم من القماش بقماش، كما يواسونهم من الحبوب والتمور والبهائم الزكوية من نفسها، ويجوز أيضًا أن يخرج عن النقود عروضًا من الأقمشة والأطعمة وغيرها، إذا رأى المصلحة لأهل الزكاة في ذلك مع اعتبار القيمة، مثل أن يكون الفقير مجنونًا أو ضعيف العقل أو سفيهًا أو
стр. 2037
قاصرًا، فيخشى أن يتلاعب بالنقود، وتكون المصلحة له في إعطائه طعامًا أو لباسًا ينتفع به من زكاة النقود بقدر القيمة الواجبة، وهذا كله في أصح أقوال أهل العلم (١).
استثمار أموال الزكاة:
الزكاة مصرفها بيَّنه الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢)، هذه هي مصارف الزكاة، ولم يكن استثمار أموال الزكاة معروفًا على مدار أربعة عشر قرنًا، بل كانت تدفع لهؤلاء الأصناف الثمانية، أو لبعضهم.
ولكن في الوقت الحاضر، مع وجود الجمعيات الخيرية والمراكز الإِسلامية، طُرحت فكرة استثمار أموال الزكاة، فيقول القائمون على تلك المراكز والمؤسسات والهيئات، يقولون: نحن نجمع من الناس أموالًا كبيرة من الزكاة ربما تكون بالألوف بل ربما بالملايين، فلماذا لا تستثمر أموال الزكاة هذه وتوضع في مشاريع خيرية يكون ريعها للفقراء والمساكين؟
نقول: اختلف العلماء المعاصرون في حكم استثمار أموال الزكاة، فمن العلماء من أجاز استثمار أموال الزكاة وقالوا: إن في هذا الاستثمار مصلحة عظيمة، وفيه نفع كبير للفقراء والمساكين وأصحاب الزكوات. وأيضًا قالوا: الشريعة الإِسلامية قد أتت بتحصيل المصالح، وما كان فيه تحصيل المصلحة فإن الشريعة لا تمنع منه، وهذا الاستثمار فيه مصلحة تعود بالدرجة الأولى إلى الفقراء وبقية أصناف الزكاة.
стр. 2038
قالوا: فهذا الاستثمار هو استثمار لصالح أهل الزكاة، فهو أشبه باستثمار أموال اليتامى ونحوهم، قالوا: ومما يدل لذلك أن النبي ﷺ كان يجمع عنده إبل الصدقة ويسمِّنها، وهذا نوع استثمار؛ لأنها تتكاثر بالتوالد، هذه هي وجهة أصحاب هذا القول.
القول الثاني في المسألة: أنه لا يجوز استثمار أموال الزكاة مطلقًا، وهذا القول هو الذي عليه أكثر العلماء، وأدلة هذا القول:
أولًا: أن الله خص الزكاة بثمانية أصناف، ذكرهم في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾، إلى آخر الآية، وختم الآية بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١)، وحينئذ يجب أن تصرف الزكاة في هذه المصارف الثمانية على الفور؛ لأن الأصل في الأمر الفورية، والزكاة عبادة والأصل في العبادات التوقيف.
ثانيًا: استدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢)، قالوا: والمراد بذلك الزكاة، وهذا أمر والأمر مطلق يقتضي الفورية، وقوله: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ آتوا حقه يوم حصاده هذا يدل على وجوب إخراج الزكاة على الفور وعدم تأخيرها لأجل استثمارها، وهذه الآية نزلت في مكة، نزلت في الفترة المكية، لما كانت الزكاة واجبة من غير تحديد، فإن الزكاة في مكة فرضت في مكة لكن من غير تحديد، وإنما كان الإنسان يدفع شيئًا من ماله، ثم في المدينة بُيِّنَتْ أنصباؤها، والشاهد هو قوله: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، فهذا فيه إشارة إلى أن الزكاة إنما تخرج يوم الحصاد، يعني وقت وجوبها على الفور.
стр. 2039
ثالثًا: ما جاء في صحيح البخاري عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَصْرَ، فَلَمَّا سلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا في وُجُوهِ القَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ. فَقَالَ: "ذَكرْتُ وَأنا في الصَّلاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُمسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ".
قالوا: ففي انصراف النبي ﷺ بعد صلاة العصر بسرعة على وجهٍ ملفت للنظر حتى إن الصحابة سألوه عن سبب إسراعه، في هذا دليل على أن الزكاة إنما تخرج على الفور وأنه ينبغي المبادرة بإخراجها، إذ أنه لو جاز التراخي في دفعها لما أسرع النبي ﷺ ولما قال: "كرهت أن أبيت قبل أن تقسم".
رابعًا: قالوا: إن هذا المال المستثمر هو مال مستحق للفقراء والمساكين وسائر أصحاب الزكاة، وهؤلاء هم الذين يجب تمليكهم هذا المال، وهم إن أرادوا أن يستثمروا أموال الزكاة التي تدفع لهم، فهذا راجع إليهم.
أما أن يريد الجامع لأموال الزكاة استثمار أموال الزكاة نيابة عنهم، فليس له ذلك، فالأموال الزكوية حق للفقراء والمساكين وسائر الأصناف الثمانية.
فالاستثمار في الحقيقة إنما هو راجع لهم إذا ملكوا هذه الأموال، فلو أننا ملَّكنا الفقير أو المسكين مال الزكاة فأراد هذا الفقير أو المسكين أن يستثمره، فهذا راجع إليه.
أما أن يأتي أحد من الناس أو مؤسسة أو جمعية أو هيئة خيرية ويتدخل ويريد أن يحبس أصل مال الزكاة الواجب تمليكه لهؤلاء ويعطيهم فقط من ريعه حتى يستثمره، فليس له ذلك؛ لأنه تصرف في حقهم، ومَنِ الذي خوَّله لكي يستثمر حقهم الذي فرضه الله لهم؟!
خامسًا: إن الاستثمار لا يكون مشروعًا إلَّا إذا كان فيه مخاطرة؛ إذ أن الاستثمار
стр. 2040
لو كان فيه ضمان لعدم المخاطرة، وذلك بأن يكون فيه ضمان عدم الخسارة أو ضمان الربح، فإن هذا الاستثمار غير جائز، فالاستثمار الذي تضمن معه عدم الخسارة يضمن معه الربح غير جائز، وهذا الاستثمار المبني على المخاطرة في الحقيقة يعرض أموال الزكاة للخسارة.
ربما تستثمر أموال الزكاة في مشروع من المشاريع فيخسر ذلك المشروع، فتضيع حقوق هؤلاء الفقراء والمساكين، ثم إن حاجة الفقراء ناجزة، فيجب إخراجها على الفور، ولا شك أن استثمارها يحتاج إلى وقت طويل.
إذن فالقول الصحيح في هذه المسألة هو ما عليه أكثر أهل العلم من أنه لا يجوز استثمار أموال الزكاة (١).
وهذا هو ما أفتت به اللجنة الدائمة حيث قالت: "لا يجوز لوكيل الجمعية استثمار أموال الزكاة، وإن الواجب صرفها في مصارفها الشرعية المنصوص عليها بعد التثبت في صرفها في المستحقين لها؛ لأن المقصود منها سد حاجة الفقراء وقضاء دين الغرماء؛ ولأن الاستثمار قد يفوِّت هذه المصالح أو يؤخِّرها كثيرًا عن المستحقين" (٢) انتهى.
زكاة المال المحرم:
المال المحرم: هو كل ما حرم الشارع على المسلم تملُّكه والانتفاع به.
والمال المحرم ينقسم إلى قسمين:
١ - محرم لذاته.
٢ - محرم لوصفه.
стр. 2041
أولًا: المحرم لذاته: هو الذي ذاته وعينه محرمة مثل الخمر، فالخمر ذاته وعينه محرمة، ومثل الدخان والخنزير، وغير ذلك.
ثانيًا: المحرم لكسبه: وهو المال الذي ذاته مباحة ليست محرمة لكن طرأ عليه التحريم بسبب مخالفة الشرع في وجوه الاكتساب.
مثال ذلك: هذه الريالات ذاتها وعينها مباحة لكن قد يطرأ عليها التحريم فتكون جاءت من جهة محرمة كالربا مثلًا، أو من جهة بيع المحرمات، أو مثلًا عن طريق الرشوة، فهذا نسميه محرم لكسبه.
حكم الزكاة في الأموال المحرمة ؟
المال الحرام: إما أن يكون حرامًا بأصله وبذاته كما ذكرنا كالخمر والخنزير، فهذا لا يملك بالقبض والحيازة وليس مالًا زكويًا فلا زكاة فيه، ويجب التخلص منه بإتلافه كما أمر ﷺ بإراقة دنان الخمر بعد تحريمها، وإما أن يكون المال الحرام حرامًا بوصفه لا بذاته لكنه مقبوض بغير حق ولا عقد، وإنما كان قبضه على سبيل التعدي كالأموال المغصوبة والمسروقة والودائع والعواري المجحودة، فهذا النوع من الأموال الحرام لا يخلو الحال فيه من أمرين:
إما أن يكون أهله معروفين معينين فيجب رده إليهم، ولا تبرأ الذمة بغير ذلك، ويقوم أهله بإخراج زكاته لعام واحد على القول الراجح. وهل يزكيه من هو بيده على سبيل الغصب والتعدي؟ خلاف بين العلماء في ذلك وقد تقدمت الإشارة إليه.
وإما أن يكون أهله مجهولين فيجب التصدق به على نية أنه عن أصحابه، فإن ظهروا بعد ذلك خيروا بين إمضاء التصدق به، أو ضمانه لهم ممّن أخذه بغير حق، وإخراج الزكاة منه أدنى قدر مما يجب على من بيده هذا المال.
стр. 2042
وإذا كان المال حرامًا بوصفه لكنه مقبوض بعقد فاسد كالبيوع الربوية إلَّا أن قابضه يعتقد جوازه، فيقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: من كان قد عامل معاملات ربوية يعتقد جوازها ثم تبين له أنها لا تجوز، وكانت من المعاملات التي تنازع فيها المسلمون، فإنه لا يحرم عليه ما قبضه بتلك المعاملة على الصحيح. أهـ, وعليه فتجب الزكاة في هذا المال (١).
زكاة الفوائد الناتجة عن الربا:
الفوائد الناتجة عن الربا كلها محرمة، وليست مالًا لصاحبها، بل يجب صرفها في وجوه الخير إذا كان قد قبضها وهو يعلم حكم الله في ذلك، أما إن كان لم يقبضها فليس له إلَّا رأس ماله؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢).
أما إن كان قد قبضها قبل أن يعرف حكم الله في ذلك فهي له، ولا يجب عليه إخراجها من ماله؛ لقول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).
وعليه زكاة أمواله التي ليست من أرباح الربا كسائر أمواله التي يجب فيها الزكاة، ويدخل في ذلك ما دخل عليه من أرباح الربا قبل العلم، فإنها من جملة ماله (٤).
стр. 2043
زكاة الأموال العامة:
المال العام: هو المال المرصد للنفع العام دون أن يكون مملوكًا لشخص معين، والأموال العامة تشمل الأموال التابعة لبيت مال المسلمين، والأموال التابعة للجهات الخيرية كجمعية تحفيظ القرآن، وجمعيات البر، والمكاتب التعاونية للدعوة، والأموال الموصى بها في جهات عامة، ومثلها الأوقاف التي تكون على جهات عامة مثل ما يوقفه بعض أهل الخير على جهة عامة كطلاب العلم والفقراء، وغير ذلك من الجهات الخيرية. هذه الأموال العامة التي ليس لها مالك معين، لا تجب فيها الزكاة.
وهل إذا استثمرت هذه الأموال تجب فيها الزكاة؟
اختلفوا في ذلك على رأيين:
الرأي الأول: إذا استثمرت هذه الأموال فإن الزكاة تجب فيها، وهذا قال به بعض المتأخرين.
استدلوا على هذا بأن بيت المال قبل أن تستثمر لا زكاة فيه؛ لأن مصرف بيت المال يختلف عن مصرف الزكاة، أما الآن بِيعَ واشتُريَ فأصبحت أموالًا زكوية.
الرأي الثاني: لا تجب فيه الزكاة، وهذا ما عليه أكثر المتأخرين، وبه أفتت الندوة الثالثة عشر لقضايا الزكاة المعاصرة في الكويت بالأكثرية.
استدلوا بأدلة منها ما تقدم من أنه يشترط لوجوب الزكاة أن تكون مملوكة ملكًا تامًا لمعين، وكونه عمل بها الآن هذا لا يخرجها عن أن تكون غير مملوكة. وهذا القول أنه لا زكاة فيها هذا هو الأقرب.
стр. 2044
ويترتب على هذا القول:
* أولًا: أن الشركات الاستثمارية التي تكون ملكًا للدولة لا زكاة فيها.
* ثانيًا: أن الشركات الاستثمارية التي تملك الدولة فيها أسهمًا، فنصيبها من هذه الأسهم لا زكاة فيها.
زكاة المصانع:
الفقهاء في الزمن السابق تحدثوا عن زكاة المستغلات، والمراد بالمستغلات هي كل أصل ثابت يدر دخلًا تتجدد منفعته.
وفي زماننا هذا خاض الفقهاء في الهيئات والمؤتمرات الفقهية في الحديث عن زكاة المستغلات، وخصوصًا فيما يتعلق بالمصانع؛ لأن المصانع نشأت حديثًا وتطورت سريعًا، وهي من أكبر قنوات الاستثمار في العصر الحاضر؛ لضخامة رؤوس أموالها وكثرة إنتاجها.
كيفية زكاة المصانع: مباني الشركات ومعداتها الثقيلة والخفيفة وسياراتها التي تستخدم لنقل البضائع أو العاملين بالشركة، لا زكاة فيها.
وقد نص العلماء السابقون على أن آلات الصنَّاع كالنجار والبنَّاء والحداد ونحوهم، لا زكاة فيها.
"وتضخم هذه الآلات وزيادة حجمها وكثرة إنتاجها لا يغير من حكمها شيئًا، بل هي باقية على أصلها، وأحكام الشريعة تبقى على أن أصولها الأولى ما دامت هي هي، فقطع المسافات البعيدة بالسيارات والطائرات لا يغير شيئًا من أحكام رخص السفر، وهكذا فإن تغيير أدوات الصناعة لا يغير شيئًا من حكمها" (١).
стр. 2045
قال سماحة الشيخ ابن باز ﵀: "بالنسبة للمشاريع الحديثة التي خرجت للناس في هذه الأيام -وهي مشاريع الإنتاج الحيواني وإنتاج الألبان ومشاريع الإنتاج الزراعي ومشاريع العقارات الكبيرة مثل العمائر-، إذا كانت هذه المشاريع للبيع والشراء وطلب الربح، فإن مالكها يزكيها كلما حال الحول عليها، إذا كان أعدها للبيع، سواء كانت تلك الأموال عمائر أو أرضًا أو دكاكين أو حيوانات في مزرعته أو ما أشبه ذلك، فإنه يزكيها إذا حال عليها الحول بحسب القيمة، أما الأدوات التي ليست للبيع فلا زكاة فيها، ونفس الأرض التي فيها المزرعة لا تزكى إذا كانت لم تعد للبيع، وإنما يربي فيها صاحبها الحيوانات للبيع أو يزرعها ونحو ذلك، فالزكاة في الإنتاج، أما عين الأرض ورقبة الأرض التي أعدها ليزرع فيها أو ينمي فيها الحيوانات، فهذه لا زكاة فيها، وهكذا النجار والحداد لا زكاة في الأدوات التي عنده للاستعمال، كالقَدوم والمنشار وجميع الأدوات لا زكاة فيها، إنما الزكاة في الأموال التي أعدها للبيع والآلات المعدة للبيع -كما تقدم- إذا حال الحول عليها زكاها بحسب قيمتها، كما يزكي السيارة التي أعدها للبيع والأرض التي أعدها للبيع" (١) انتهى.
خلاصة ما يتعلق بزكاة المصانع فيما يتعلق بأعيانها وغلاتها أنها تنقسم إلى قسمين:
١ - أعيان الغلات من آلات ونحوها هذه لا تجب فيها الزكاة.
٢ - ما يتعلق بالغلات التي تنتجها هذه الآلات فهذه تجب فيها الزكاة إذا حال عليها الحول من حين إنتاجها, لأنها مال واحد يتقلب والربح فيه تابع لأصله في حوله ونِصابه.
стр. 2046
فمتى باعت المصانع هذه السلع التي صنعتها فإنها تزكيها إذا حال عليها الحول من حين الإنتاج؛ فيُنظر إلى صافي الأرباح ويُخْرَج قدر زكاة تجارة ربع العشر.
زكاة السلع المصنعة:
إذا كان هناك سلع أُنتجت ولم تُبع، كأن تكون في المستودعات، فهل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها الزكاة؟
هذا موضع خلاف بين المتأخرين على رأيين:
الرأي الأول: أنه تجب فيها الزكاة وإن لم تبع؛ لأنها عروض تجارة تراد للبيع، فإذا بقيت حولًا من حين إنتاجها فإنه يجب أن يخرج فيها ربع العشر.
وهذا ما عليه أكثر العلماء المتأخرين.
الرأي الثاني: ذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا تجب فيها الزكاة في مثل هذه البضائع التي لم تبع.
الترجيح: والصواب هو الرأي الأول، وأنه تجب الزكاة فيها إذا صُنّعت وجاء وقت زكاة المصنّع فتقدر كم قيمتها ويُخْرج ربع العشر.
زكاة المواد الخام:
ويقصد بالمواد الخام: المواد الأولية التي تتركب منها السلع المصنعة مثل الحديد للسيارات، والقطن والصوف للمنتجات، والخشب للدواليب، والألمنيوم للأبواب والنوافذ، وغير ذلك.
فهل تجب الزكاة في هذه المواد الخام أو لا تجب فيها الزكاة؟
هذا موضع خلاف بين المتأخرين، والصحيح أن المواد الخام -المواد الأولية- المعدَّة للدخول في تركيب المادة المصنوعة، كالحديد في صناعة السيارات، والزيوت
стр. 2047
في صناعة الصابون، تجب الزكاة فيها بحسب قيمتها التي يمكن الشراء بها في نهاية الحول، وينطبق هذا أيضًا على الحيوانات (المعدة للتعليب)، والنباتات المعدَّة للتصنيع.
زكاة المواد المساعدة في التصنيع:
المراد (بالمواد المساعدة في التصنيع): هي المواد التي لا تدخل في تركيب المصنوعات ولكن يحتاج إليها في التصنيع، مثل الوقود، ومثل الزيوت والغاز، ونحو ذلك.
فإذا تم اقتناء مثل هذه المواد فهل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها الزكاة؟
هذه الأشياء لا تجب فيها الزكاة، فهي كالأصول الثابتة كما تقدم لنا.
وهذا قول أكثر المتأخرين، فلو حال عليها الحول وهي عند الإنسان فإنه لا يجب عليه أن يخرج الزكاة، وأما ما تحتاج إليه هذه المصنوعات من العلب والكراتين ومواد البلاستيك والعلب التي توضع فيه هذه الأشياء، نقول: هذه داخلة في السلع التي تصنع فتجب فيها الزكاة، فهي تختلف عن الوقود؛ لأن هذه تذهب، فهي لا تبقى.
زكاة جمعية الموظفين:
الداخل في هذه الجمعية لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون في أول القائمة، يعني يأخذ الجمعية في أول القائمة، فهذا لا زكاة عليه إلَّا إذا ترك هذه الدراهم حتى حال عليها الحول، فلو فرضنا أن زيدًا هو الأول ثم أخذ هذه الدراهم وتركها عنده حتى حال عليها الحول فنقول: يجب عليه أن يخرج الزكاة عند حَوَلان الحول، لكن لو استهلكها -وهذا هو الغالب-
стр. 2048
فالغالب أن من يلجأ إلى مثل هذه الجمعية أنه يستهلكها في بناء البيت أو الزواج أو شراء سيارة أو نحو ذلك، فإذا استهلكها فإنه لا شيء عليه.
الثانية: أن يكون في آخر الجمعية، وهذا لا يخلو من أمرين:
أن يأخذ الجمعية بعد تمام الحول بحيث يكون عددهم اثني عشر، فهذا يجب عليه أن يخرج عن الشهر الأول الذي دفعه؛ فإذا كانت الجمعية من ألفي ريال فيجب عليه أن يخرج عن ألفي ريال إذا قبض الجمعية بعد اثني عشر شهرا، ثم بعد ذلك إن استهلكها لا شيء عليه، لكن إن بقيت عنده يخرج عن زكاة الشهر الثاني؛ لأن الشهر الثاني أيضًا حال عليه الحول؛ فإذا مرَّ عليه شهر آخر أخرج عن زكاة الشهر الثالث وهكذا .. ؛ فإذا مرَّ الشهر الأول أخرج عن زكاة الشهر الثاني، وإذا مرَّ الشهر الثاني أخرج عن زكاة الشهر الثالث، وهكذا. والاحتياط أن يزكي عن المبلغ الذي قبضه كله ما دام حدد يومًا معينًا يزكي فيه.
الثالثة: أن يكون في وسط الجمعية، كما لو كان ترتيبه السابع وقبض هذه الجمعية، فهذا لا شيء عليه إذا استهلكها, لكن لو بقيت عنده حتى مضى حول من الشهر الذي دفعه، يعني الآن مضى سبعة أشهر، فإذا مضى خمسة أشهر والدراهم عنده أخرج عن الشهر الأول، فإذا مضى ستة أشهر أخرج عن الشهر الثاني، وهكذا.
دفع الزكاة للجمعيات الخيرية:
إذا كان القائمون عليها ثقات مأمونين، يقدمون الزكاة في مصرفها الشرعي، فلا بأس بدفع الزكاة إليهم؛ لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى.
стр. 2049
نوازل في مصارف الزكاة:
مصارف الزكاة ثمانية:
لا يجوز صرفها إلى غيرهم، وهم المذكورون في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
لما ذكر الله تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ وَلمزَهم إياه في قسم الصدقات، بيَّن تعالى في هذه الآية أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يَكِل قسمها إلى أحد غيره، سواء كان عالمًا أو حاكمًا أو غيرهما؛ لقصور آراء البشر وعدم أمنهم من الحيف والهوى، فجاءت هذه الآية مصدرة بأقوى أدوات الحصر (إنما)، وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، وحصر الصدقات في هذه الأصناف الثمانية وأنها تصرف إليهم ولا تصرف إلى غيرهم فعرف الطامعون من المنافقين وضعفاء الإيمان أنه لا حق لهم فيها وانقطعت مطامعهم فيها، وجاء في الحديث النبوي وهو ما رواه أبو داود عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته -وذكر حديثًا طويلًا-, فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِىٍّ وَلاَ غَيْرِهِ في الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ فَجَزَّأَهَا ثَمانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإنْ كُنْتَ مِنْ تِلكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ" (٢).
ففي هذا الحديث أكد ﷺ تحديد مصارف الزكاة بهذه الأصناف الثمانية، وأَعْلَمَ السائلَ بأنه لا يجوز صرفها إلى غيرهم.
стр. 2050
ومما مضى وبما يأتي من الأدلة تظهر لنا عناية القرآن والسنة بمصارف الزكاة.
لكن قد استجدَّت في العصور المتأخرة أمور توجب النظر فيها؛ وذلك لكثرة وقوعها والحاجة إلى بيانها، وهل تلحق بمصارف الزكاة أم لا؟
ومن قرارات مجمع الفقه الإِسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإِسلامي المنعقد في دورته الثامنة عشرة في بوتراجايا (ماليزيا) من ٢٤ - ٢٩ جمادى الآخرة ١٤٢٨ هـ، الموافق ٩ - ١٤ يوليو ٢٠٠٧ م. قرار رقم ١٦٥ (٣/ ١٨) الخاصة بمصارف الزكاة، ما يلي:
"أولًا: الأموال غير المنصوص عليها محل اجتهاد بشأن زكاتها أو عدمه، إذا توافرت في الاجتهاد الشروط والضوابط الشرعية.
ثانيًا: ليس على المزكي تعميم الأصناف الثمانية عند توزيع أموال الزكاة، أما إذا تولى الإِمام أو من ينوب عنه توزيع أموال الزكاة فينبغي مراعاة تعميم الأصناف عند توافر المال وقيام الحاجة وإمكان الوصول لتلك الأصناف.
ثالثًا: الأصل أن تصرف الزكاة فور استحقاقها أو تحصيلها، ويجوز تأخير الصرف تحقيقًا للمصلحة، أو انتظارًا لقريب فقير، أو لفعلها دوريًا لمواجهة الحاجات المعيشية المتكررة للفقراء ذوي العجز.
رابعًا: مصرف الفقراء والمساكين: يصرف للفقراء والمساكين ما يسد حاجتهم، ويحقق لهم الكفاية ولمن يعولون ما أمكن، وذلك وفق ما تراه الجهات المسؤولة عن الزكاة.
ويصرف للفقير -إذا كان عادته الاحتراف- ما يشتري به أدوات حرفته، وإن كان فقيرًا يحسن التجارة أعطي ما يتَّجر به، وإن كان فقيرًا يحسن الزراعة أعطي مزرعة تكفيه غلتها على الدوام، واستئناسًا بذلك يمكن توظيف أموال
стр. 2051
الزكاة في مشروعات صغيرة كوحدات النسيج والخياطة المنزلية والورش المهنية الصغيرة، وتكون مملوكة للفقراء والمساكين.
ويجوز إقامة مشروعات إنتاجية أو خدمية من مال الزكاة وفقًا لقرار المجمع (١٥) (٣/ ٣).
خامسًا: مصارف الزكاة الأخرى:
أ- العاملون عليها: يدخل في (العاملين على الزكاة) في التطبيق المعاصر المؤسسات والإدارات ومرافقها المنتدبة لتحصيل الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء وفق الضوابط الشرعية.
ضرورة أن تتمتع مؤسسة الزكاة باستقلال مالي وإداري عن بقية أجهزة الدولة الأخرى، مع خضوعها للإشراف والرقابة، ضمانًا للشَّفافية ولتنفيذ ضوابط الإرشاد الإداري.
المؤسسات المخولة نظامًا بجمع الزكاة وتوزيعها يدها يد أمانة لا تضمن هلاك المال الذي في يدها إلَّا في حالتي التعدي أو التقصير، وتبرأ ذمة المزكي بتسليم الزكاة إلى تلك المؤسسات.
ب- المؤلفة قلوبهم: سهم المؤلفة قلوبهم باقٍ ما بقيت الحياة لم يسقط ولم يُنسَخ، ويكون حسب الحاجة والمصلحة؛ فحيثما وجدت المصلحة أو دعت إليه الحاجة، عُمِلَ بهذا السهم.
يجوز إعطاء الزكاة لتأليف قلوب من أسلم حديثًا؛ تثبيتًا لإيمانه وتعويضًا له عما فقده، وكذلك إعطاء الكافر إذا رجي إسلامه، أو دفعًا لشره عن المسلمين.
يجوز تقديم الدعم من أموال الزكاة للمنكوبين من غير المسلمين في مناطق الكوارث والزلازل والفيضانات والمجاعات، تأليفًا لقلوبهم.
стр. 2052
ج- في الرقاب: يشمل سهم في الرقاب افتداء الأسرى المسلمين.
يجوز دفع الزكاة لتحرير المختطفين من المسلمين وتحرير أسراهم ممّن اختطفوهم.
د- الغارمون: يشمل سهم الغارمين من ترتبت في ذمتهم ديون لمصلحة أنفسهم، ومن استدان لإصلاح ذات البَيْن بالضوابط الشرعية، ويلحق بذلك تسديد الديات المترتبة على القاتلين خطأ ممّن ليس لهم عاقلة وديون الميت إن لم يكن له تركة يوفي منها دينه، وهذا إذا لم يتم دفعها من بيت المال (الخزانة العامة).
هـ - في سبيل الله: يشمل المجاهدين في سبيل الله والمدافعين عن بلادهم ومصالح الحرب المختلفة المشروعة.
و- ابن السبيل: ابن السبيل هو المسافر في غير معصية وليس بيده ما يرجع به إلى بلده، ولو كان غنيًّا في بلده.
* تقديم العون المالي من خلال إنشاء صندوق يخصص لمساعدة النازحين داخل أوطانهم أو خارجها بسبب الحروب أو الفيضانات أو الزلازل أو غير ذلك.
* مساعدة الطلبة الفقراء الذين ليس لهم مِنَحٌ دراسية خارج بلادهم وفق المعايير المعمول بها في هذا الخصوص.
* المهاجرون المقيمون إقامة غير نظامية في غير بلدانهم وانقطعت بهم السبل، فيعطون من الزكاة ليعودوا إلى بلدانهم.
* سد حاجة المنقطعين من طلبة العلم والمسافرين ممّن لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم (١).
стр. 2053
في قوله تعالي: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾:
هل يقصر معناه على الغُزاة في سبيل الله، أم أن سبيل الله عام لكل وجه من وجوه البر؟
هذه النازلة مما اختلف فيها الفقهاء قديمًا وحديثًا، وقد صدر من مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي التابع لرابطة العالم الإِسلامي بمكة المكرمة قرار رقم: ٣٨ (٤/ ٨) بشأنها، جاء فيه ما يلي:
"وبعد إطلاع المجلس على ترجمة الاستفتاء الذي يطلب فيه الإفادة؛ هل أحد مصارف الزكاة الثمانية، المذكورة في الآية الكريمة، وهو: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقصر معناه على الغزاة في سبيل الله، أم أن سبيل الله عام لكل وجه من وجوه البر، من المرافق، والمصالح العامة، من بناء المساجد، والربط، والقناطر، وتعليم العلم، وبَثِّ الدعاة ... إلخ.
وبعد دراسة الموضوع ومناقشته، وتداول الرأي فيه، ظهر أن للعلماء في المسألة قولين:
أحدهما: قصر معنى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في الآية الكريمة على الغزاة في سبيل الله، وهذا رأي جمهور العلماء، وأصحاب هذا القول يريدون قصر نصيب ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من الزكاة على المجاهدين الغزاة في سبيل الله تعالى.
القول الثاني: أن سبيل الله شامل، عام لكل طرق الخير، والمرافق العامة للمسلمين: من بناء المساجد وصيانتها، وبناء المدارس، والربط، وفتح الطرق، وبناء الجسور، وإعداد المؤَن الحربية، وبث الدعاة، وغير ذلك من المرافق العامة، مما ينفع الدين، وينفع المسلمين، وهذا قول قلَّة من المتقدمين، وقد ارتضاه واختاره كثير من المتأخرين.
стр. 2054
وبعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين، قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
نظرًا إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وأن له حظًّا من النظر في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ (١)، ومن الأحاديث الشريفة، مثل ما جاء في سنن أبي داود: أن رجلًا جعل ناقة في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ﷺ : "ارْكبِيها فإنَّ الحَجَّ في سَبِيلِ الله".
ونظرًا إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، وأن إعلاء كلمة الله تعالى، كما يكون بالقتال يكون -أيضًا- بالدعوة إلى الله تعالى، ونشر دينه: بإعداد الدعاة، ودعمهم، ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كلا الأمرين جهادا؛ لما روى الإِمام أحمد والنسائيُّ وصححه الحاكم، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جَاهِدُوا المُشْرِكينَ بِأمْوَالِكُمْ وَأنفُسِكُمْ وَأَلسِنَتِكُمْ".
ونظرًا إلى أن الإِسلام محارب بالغزو الفكري والعقدي، من الملاحدة واليهود والنصارى، وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يَدعَمهم الدعم المادي والمعنوي، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإِسلام، وبما هو أَنْكَى منه.
ونظرًا إلى أن الحروب في البلاد الإِسلامية، أصبح لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون. لذلك كله فإن المجلس يقرر -بالأكثرية المطلقة- دخول الدعوة إلى الله تعالى، وما يعين عليها، ويدعم أعمالها، في معنى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في الآية الكريمة" (٢).
стр. 2055
ومن قراراته أيضًا بشأن موضُوعَي الاستفادة من أموال الزكاة لبناء المدارس والمستشفيات في البلاد الأوربية وتأسيس صندوق للزكاة فيها، قالوا: " ... وبعد النظر والاستماع إلى كلمات الأعضاء ومناقشاتهم قرر المجلس تأكيد ما ذهب إليه في الدورة الثامنة من دخول الدعوة إلى الله تعالى، وما يعين عليها ويدعم أعمالها، في مصرف: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهو أحد المصارف الثمانية المنصوص عليها في كتاب الله تعالى (الآية ٦٠ من سورة التوبة) اعتمادًا على أن الجهاد في الإِسلام لا يقتصر على القتال بالسيف، بل يشمل الجهاد بالدعوة وتبليغ الرسالة، والصبر على مشاقِّها، وقد قال تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ في شأن القرآن: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (١)، وجاء في الحديث الشريف: "جَاهِدُوا المُشْرِكينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأنفُسِكُمْ وَأَلسِنَتِكُمْ" (٢)، ويتأكد هذا المعنى في عصرنا الحاضر أكثر من أي وقت آخر، فالمسلمون يُغزَون فيه في عقر دارهم من الملل والنحل والفلسفات الباطلة، وبالفكر والثقافة لا بالسيف والمدفع، وبالمؤسسات التعليمية، والاجتماعية، لا بالمؤسسات العسكرية. (ولا يفلُّ الحديدَ إلَّا حديدٌ مثلُه)، فلا بد أن تقاوَم الدعوة إلى الطاغوت بالدعوة إلى الله، ويقاوم تعليم الباطل بتعليم الحق، والفكر المشحون بالكفر بالفكر المشحون بالإِسلام. كما قال أبو بكر الصديق لخالد ﵁: "حَارِبْهُمْ بِمِثْلِ مَا يُحَارِبُونَكَ بِهِ: السَّيفُ بِالسَّيفِ، وَالرُّمْحُ بِالرُّمْحِ ... ". وقد تنوعت وسائل الدعوة وأساليبها في عصرنا تنوعًا بالغًا، فلم تعد مقصورة على كلمة تقال، أو نشرة توزع، أو كتاب يؤلف -وإن كان هذا كله مهمًّا-, بل أصبح من أعظم وسائلها أثرًا وأشدها خطرًا المدرسةُ التي تصوغ عقول الناشئة وتصنع أذواقهم وميولهم، وتغرس فيها من الأفكار والقيم ما تريد، ومثل ذلك المستشفى
стр. 2056
الذي يستقبل المرضى، ويحاول التأثير فيهم باسم الخدمات الإنسانية.
وقد استغل هذه الوسائل أعداء الإِسلام من دعاة التنصير وغيرهم؛ لغزو أبناء الأمة الإِسلامية، وسلخهم من شخصيتهم، وإضلالهم عن عقيدتهم فأنشئوا المدارس والمستشفيات وغيرها؛ لهذا الغرض الخبيث، وأنفقوا عليها العشرات والمئات من الملايين، وأكثر ما يتعرض المسلمون وشبابهم خاصة لهذا الخطر حينما يكونون خارج ديار الإِسلام.
ولهذا يقرر المجلس أن المؤسسات التعليمية والاجتماعية من المدارس والمستشفيات ونحوها، إذا كانت في بلاد الكفر، تعتبر اليوم من لوازم الدعوة، وأدوات الجهاد في سبيل الله، وهي مما يدعم الدعوة ويعين على أعمالها، بل هي لازمة للمحافظة على عقائد المسلمين وهُويَّتهم الدينية، في مواجهة التخريب العقائدي والفكري الذي تقوم به المدارس والمنشآت التنصيرية واللادينية على أن تكون هذه المؤسسات إسلامية خالصة، ممحضة لأغراض الدعوة والرسالة والنفع لعموم المسلمين، وليست لأغراض تجارية تخص أفرادًا أو فئة من الناس، أما ما يتعلق بتأسيس صندوق للزكاة، لجمعها من المكلفين بها، وصرفها في مصارفها الشرعية، ومنها ما ذكرناه أعلاه، فهو أمر محمود شرعًا، لما وراءه من تحقيق مصالح مؤكدة للمسلمين، بشرط أن يقوم عليه الثقات المأمونون العارفون بأحكام الشرع في تحصيل الزكاة وتوزيعها" (١).
والذي يترجح لنا أن ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خاصًا بالغزاة المتطوعين (*)، والله أعلم.
стр. 2057
حكم فرش المسجد وترميمه من الزكاة:
ذكرنا فيما سبق أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير من عيَّنهم الله، وهم الأصناف الثمانية المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١)، ومن ذلك يتضح أن المساجد ليست جهة من الجهات الثمان المذكورة في الآية، والمحصور إخراج الزكاة فيها.
ولا يخفى أن شؤون المساجد متعلقة بوزارة الشؤون الإِسلامية والأوقاف، فهي الجهة المسؤولة عن إصلاح المساجد وفرشها وتأمين ما تحتاجه، فإن كانت إمكانيات الوزارة عاجزة عن القيام بجميع متطلبات المساجد، وصارت تبدأ بالأهم فالمهم، وتأخرت الوزارة لذلك عن إصلاح المسجد، ورغب أهله عدم الانتظار، فينبغي لهم أن يقوموا بإصلاحه من أموالهم، أو يجمعوا له من الصدقات العامة من غير الزكاة.
حفر الأبار للفقراء من الزكاة:
يوجد اليوم عند كثير من الجمعيات الخيرية، وخصوصًا الجمعيات الخيرية التي تعمل خارج البلاد ويحتاج المسلمون في تلك البلاد إلى حفر الآبار، فهل لهذه الجمعيات الخيرية أن تقوم بحفر الآبار من الزكاة أو لا؟
ذكرنا فيما سبق أنه يشترط في الزكاة أن يُمَلَّك الفقير الزكاة ويدل لهذا قوله ﷺ : "تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِائِهِمْ وَتُردُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ". وأن الزكاة لها مصارف محددة في الشرع بيَّنها الله- في كتابه فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ
стр. 2058
عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وبناءً على ذلك نقول: إن الزكاة لا تصح فيما يتعلق بحفر الآبار، لانعدام شرط الملكية ولكونها غير منصوص عليها في الآية، واستثنى بعض المتأخرين إذا لم يمكن حفر الآبار إلَّا بمال الزكاة. وهذا يكون داخلًا تحت قاعدة (الضرورات تبيح المحذورات).
شراء السيارة للفقير من مال الزكاة:
إذا كانت السيارة سيعمل عليها بالتحميل والتنزيل وينفق على أهله، فيجوز في مثل هذه الحالة، وإذا كان سيركبها فهنا لا يجوز أن نعطيه من الزكاة ما يشتري به سيارة؛ لأنه بإمكانه أن يأخذ من الزكاة ما يستأجر به.
لكن لو أن هذا الفقير اشترى سيارة ولحقه غرم بشرط أن تكون هذه السيارة لمثله، فحينئذٍ نعطيه من الزكاة؛ لكونه أصبح من الغارمين.
شراء المواد الدراسية للفقير من أموال الزكاة:
لا بأس أن نعطي الفقير زكاة ويقوم بشراء مواد الدراسة؛ لأن هذا داخل في الحوائج الأصلية، وكما أسلفنا أنه يعطى من الزكاة ما يحتاج إليه لمدة عام من النفقات الشرعية، وكذلك أيضًا الحوائج الأصلية.
صرف الزكاة لنفقة الزواج:
دفع الزكاة للمتزوج جائز ولا بأس به، بشرط ألا يكون له أحد ينفق عليه قادر أن يزوجه ممّن يجب عليه أن ينفق عليه؛ فالأب يجب عليه أن يزوج ولده ولا يجوز له أن يمتنع؛ لأن هذا داخل في النفقة، وإن كان الأب قادرًا فإن الولد لا نعطيه من الزكاة؛ لأنه يجب على أبيه أن يزوجه، اللَّهم إلَّا إذا امتنع الأب فحينئذٍ
стр. 2059
لا بأس أن نعطيه من الزكاة، لكن الأب يأثم في هذه الحالة.
وإذا كان ليس له أب ينفق عليه أو جَدٌّ أو نحو ذلك أو له أب لكنه فقير لا يستطيع، فإننا نعطيه كفاية الزواج، وهي ما يتزوج به، مثله أو تمام الكفاية.
شراء بيت للفقير من مال الزكاة:
الراجح في هذه المسألة أنه لا يجوز أن يشترى للفقير بيتٌ من الزكاة؛ لأن الفقير نستطيع أن نعطيه كفايته بأن نعطيه مقدار الأجرة، قد يكون البيت يساوي مئة ألف فنعطيه ما يستأجر مثله بعشرة آلاف ريال، فنعطيه عشرة آلاف ريال ولا نعطيه مئة ألف أو مئتي ألف لكي يشتري بذلك منزلًا.
وهناك طريق آخر ذهب إليه بعض المتأخرين؛ أنه لا بأس أن الفقير يشتري المنزل وحينئذٍ يكون من أصناف الغارمين، فحينئذٍ يعطى من الزكاة لكي يسدد غرمه؛ لأنه غارم لنفسه في أمر يتعلق بحاجته.
صرف الزكاة لعلاج الفقراء:
يجوز صرف الزكاة للفقراء بشروط:
الشرط الأول: ألا يتوفر علاجه مجانًا.
الشرط الثاني: أن يكون العلاج مما تمس الحاجة إليه، وأما الأمور التي لا تمس الحاجة إليها كأمور التجميل أو الأمور الكمالية، فهذا ليس له ذلك.
الشرط الثالث: أن يراعى في مقدار تكاليف العلاج عدم الإسراف بحيث يبحث عن أقل المصحات تكلفة، فإذا توفرت مثل هذه الشروط فإن هذا جائز ولا بأس به.
стр. 2060
حكم (صرف سهم المجاهدين من الزكاة في تنفيذ مشاريعهم الصحية والتربوية والإعلامية):
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).
يقول ابن الأثير:
"السبيل في الأصل: الطريق، وسبيل الله: -لفظ- عام، يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله ، بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد، حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه".
ودلالة مفهوم ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على الجهاد، هو محل اتفاق بين العلماء وإجماع بين الفقهاء.
ولكن القضية المستجدة هي: هل هذا المفهوم مقصور على الجهاد أم يتجاوزه ليشمل المعنى الأصلي اللغوي؟
فالموسِعون أخذوا المدلول اللغوي الأصلي، وجمهور الفقهاء أخذوا المدلول العرفي للكلمة.
والعمل بالمدلول اللغوي -وبخاصة في هذا الزمان- لا مانع منه، لكونه يحقِّق المصالح العليا للمسلمين، فالجهاد يكون بالقلم واللسان، كما يكون بالسيف والسنان، فهناك الجهاد الفكري، والتربوي، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والعسكري، وكل هذه الأنواع من الجهاد تحتاج إلى الإمداد والتمويل.
стр. 2061
"المهم أن يتحقق الشرط الأساسي لذلك كله، وهو أن يكون ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي في نصرة الإِسلام وإعلاء كلمته في الأرض، فكل جهاد أريد به أن تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، أيًّا كان نوع هذا الجهاد وسلاحه".
ولما كان المجاهدون يحتاجون إلى الدعم المادي والمعنوي كان ولا بد من النظر إلى حاجياتهم التي تقوي عزائمهم، ولا يكون ذلك إلَّا بتوفير ما يحتاجونه، ومساعدتهم على أداء مهمتهم، وكذلك توفير ما تحتاجه أسرهم من الرعاية الصحية والتربوية.
ونظرًا لأهمية هذا الأمر صدر من المجمع الفقهي الإِسلامي قرارٌ بشأنه جاء فيه: "وما صدر عن هيئة كبار العلماء في المملكة، واستمع إلى المناقشات حول الموضوع، قرر أن الصرف في الجهات التي تضمنها السؤال جائز من أكثر من جهة:
أولًا: من جهة الاستحقاق بالحاجة، فهم -مجاهدين ومهاجرين- فقراء أو مساكين أو أبناء سبيل، فإن من كان من ذوي الأرض والعقار في بلده أصبح بالهجرة والتشريد من أبناء السبيل بعد انقطاعه. والإنفاق على الفقراء والمحتاجين من أموال الزكاة لا يقتصر على إطعامهم وكسوتهم فقط، بل يشمل كل ما تتم به كفايتهم وتنتظم به حياتهم، ومنها المشاريع الصحية والمدارس التعليمية ونحوها مما يعتبر من ضرورات الحياة المعاصرة. وقد نقل الإِمام النووي عن أصحابه من الشافعية: أن المعتبر في الكفاية: المطعم والملبس والمسكن، وسائر ما لا بد له منه، على ما يليق بحاله، لنفس الشخص ولمن هو في نفقته" (١).
وقوله: "سائر ما لا بد له منه" كلمة عامة مرنة تتسع للحاجات المتجددة والمتغيرة بتغير الزمان والمكان والحال، ومن ذلك في عصرنا: المنشآت الصحية
стр. 2062
والتعليمية التي تعتبر من تتمات المحافظة على النفس والعقل وهما من الضروريات الخمس، وقد اعتبر الفقهاء الزواج من تمام الكفاية، وكتب العلم لأهله من تمام الكفاية، نقل في (الإنصاف): أنه يجوز للفقير الأخذ من الزكاة لشراء كتب يحتاجها من كتب العلم التي لا بد منها لمصلحة دينه ودنياه (١).
ثانيًا: من جهة أخرى يعتبر الإنفاق على المشاريع المسؤول عنها داخلًا في مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. حتى مع التضييق في مدلوله وقصره على الجهاد بالمعنى العسكري، فإن الجهاد اليوم لم يعد مقصورًا على أشخاص المجاهدين وحدهم، بل أصبح تأمين الجهة الداخلية وقوتها جزءًا لا يتجزأ مما يسمونه (الإستراتيجية العسكرية)، والمهاجرون بكل معاناتهم ومآسيهم هم بعض ثمار الحرب وإفرازها ونتاجها، فلا بد من رعايتهم وتوفير ما يلزم لحياتهم الحياة المناسبة، وتعليم أبنائهم وعلاجهم حتى يطمئن المجاهدون إلى أن أهليهم وراءهم غير مضيعين، فيستمروا في جهادهم أقوياء صامدين، وأي خلل أو ضعف في هذه الجهة يعود على الجهاد بالضرر.
ومما يؤيدنا في هذا من النصوص ما جاء في الصحيح من قوله ﷺ : "مَنْ خَلَفَ غَازِيًا في أَهْلِه بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا". فاعتبر رعاية أسرة الغازي المجاهد غزوًا وجهادًا، فلا غرو أن يكون الإنفاق فيه من باب الجهاد في سبيل الله. وعلى هذا نص بعض الفقهاء: أن الغازي يُعطَى من سهم ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نفقتَه ونفقةَ عياله ذهابًا ومقامًا ورجوعًا (٢).
وأما ما يتعلق بالنشاط الإعلامي، فقد غدا من لوازم الحرب الناجحة في عصرنا، كما يقرر ذلك المختصون من العسكريين؛ فهو لازم لتقوية الروح المعنوية
стр. 2063
للمجاهدين وتحريضهم على القتال، وهو لازم لزرع الثقة والأمل في نفس من وراءهم من المدنيين والمساعدين، وهو لازم لبث الرعب في قلوب أعدائهم، وقد يكون النصر بالرعب، وهو لازم لتجنيد الرأي العام العالمي للوقوف بجانبهم ونصرة قضيتهم. والقاعدة الشرعية: "أن ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب". ثم هو بعد ذلك من أنواع الجهاد باللسان، الداخل في عموم قوله ﷺ : "جَاهِدُوا المُشْرِكينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأنفُسِكُمْ وَأَلسِنَتِكُمْ". وبناء على هذا يرى المجلس جواز صرف أموال الزكاة فيما جاء في السؤال. والله أعلم" (١).
стр. 2064
سادسًا: النوازل المتعلقة بالصيام
أولًا: النوازل المتعلقة بدخول الشهر وخروجه:
إذا قدم الإنسان من بلد تأخر صومه، إلى بلد تقدم صومه، فمتى يفطر ؟
إذا قدم الإنسان من بلد تأخر صومه، إلى بلد تقدم صومه، فإنه يجب عليه إذا أفطر أهل البلد الذي قدم إليه أن يفطر معهم؛ لأن هذا البلد ثبت فيه دخول الشهر، فكان هذا اليوم يوم عيد، وقد نهى النبي ﷺ عن صيام العيدين.
وعلى هذا فيجب على هذا الرجل الذي قدم من بلد تأخر صومه عن أهل هذا البلد الذي قدم إليه، يجب عليه أن يفطر مع أهل البلد الذي قدم إليه، وما نقص فإنه يقضيه بعد العيد، فإذا كان قد صام ثمانية وعشرين يومًا، فإنه إذا أفطر يقضي يومًا، والعكس بالعكس، يعني لو قدم من بلد صاموا قبل البلد الذي قدم إليه، فإنه يبقى حتى يفطروا؛ لقول النبي ﷺ : "الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ" (١).
وقال بعض العلماء: إنه إذا أتم ثلاثين يومًا فإنه يفطر سرًّا؛ لأن الشهر لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا, ولا يعلن إفطاره؛ لأن الناس صائمون (٢).
اختلاف مطالع الأهلة:
صدر قرار من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في بيان ابتداء وقت الصيام ونهايته هذا نصٌّ مضمونهُ (٣):
стр. 2065
"أولًا: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حسًا وعقلًا، ولم يختلف فيها أحد من العلماء، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره.
ثانيًا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها واقع ممّن لهم الشأن في العلم والدين وهو من الخلاف السائغ الذي يُؤْجَرُ فيه المصيب أجرين؛ أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد.
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع، ومنهم من لم يَرَ اعتباره، واستدل كل فريق منهما بأدلة من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد، كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١)، وبقوله ﷺ : "صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيته" (٢) الحديث. وذلك لاختلاف الفهم في النص وسلوك كل منهما طريقًا في الاستدلال به.
ونظرًا لاعتبارات رَأَتْها الهيئة وقدَّرتها، ونظرًا إلى أن الاختلاف في هذه المسألة ليست له آثار تخشى عواقبها، فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرنًا، لا نعلم منها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإِسلامية على رؤية واحدة، فإن أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء يرون بقاء الأمر على ما كان عليه، وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة؛ إذ لكل منهما أدلته ومستنداته.
стр. 2066
ثالثًا: نظر مجلس الهيئة في مسألة ثبوت الأهلة بالحساب وما ورد في ذلك من أدلة من الكتاب والسنة، واطَّلعوا على كلام أهل العلم في ذلك فقرروا بإجماع عدم اعتبار حساب النجوم في ثبوت الأهلة في المسائل الشرعية؛ لقوله ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيته" (١) الحديث، وقوله: "لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ" (٢) الحديث، وما في معنى ذلك من الأدلة. انتهى.
وأما ابتداء وقت الصوم ونهايته لكل يوم فقد بيَّنه الله -جل وعلا- في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣)، والآية عامة للمسلمين في كل مكان، وكل بلد لهم حكمهم في ليلهم ونهارهم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم".
فيما إذا تيَّقن شخص من دخول الشهر برؤية الهلال ولم يستطع إبلاغ الجهات المختصة:
اختلف العلماء في هذه النازلة؛ فمنهم من يقول: إنه لا يلزمه الصوم، وذلك بناء على أن الهلال هو ما استهل واشتهر بين الناس. ومنهم من يقول: إنه يلزمه؛ لأن الهلال هو ما رُئِيَ بعد غروب الشمس، سواء اشتهر بين الناس أم لم يشتهر.
والذي يظهر لنا أن من رآه وتيقن رؤيته وهو في مكان ناءٍ لم يشاركه أحد في الرؤية، أو لم يشاركه أحد في الترائي فإنه يلزمه الصوم؛ لعموم قوله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
стр. 2067
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا" (٢).
فإن كان في البلد وشهد به عند المحكمة، وردَّت شهادته، فهل يلزمه الصوم؟
قولان لأهل العلم، والصواب أنه لا يجوز له أن يصوم وحده، ولا أن يفطر وحده، بل عليه أن يصوم مع الناس ويفطر معهم؛ لقول النبي ﷺ : "الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ" (٣)، وهذا هو اختيار اللجنة الدائمة (٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز (٥).
في حكم الاستعانة بآلات الرصد الحديثة واعتبار الحساب في إثبات الهلال:
تجوز الاستعانة بآلات الرصد في رؤية الهلال ولا يجوز الاعتماد على العلوم الفلكية في إثبات بدء شهر رمضان المبارك أو الفطر؛ لأن الله لم يشرع لنا ذلك، لا في كتابه ولا في سنة نبيه ﷺ ، وإنما شرع لنا إثبات بدء شهر رمضان ونهايته برؤية هلال شهر رمضان في بدء الصوم ورؤية هلال شوال في الإفطار والاجتماع لصلاة عيد الفطر وجعل الأهلة مواقيت للناس وللحج، فلا يجوز لمسلم أن يوقِّت بغيرها شيئًا من العبادات من صوم رمضان والأعياد وحج البيت، والصوم في كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار ونحوها، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ
стр. 2068
وَالْحَجِّ﴾، وقال ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيتهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاِثينَ" (١)، وعلى ذلك يجب على من لم يَرَ الهلال في مطلعهم في صَحْو أو غَيْم أن يتموا العدة ثلاثين إن لم يره غيرهم في مطلع آخر، فإن ثبت عندهم رؤية الهلال في غير مطلعهم، لزمهم أن يتبعوا ما حكم به ولي الأمر العام المسلم في بلادهم من الصوم أو الإفطار؛ لأن حكمه في مثل هذه المسألة يرفع الخلاف بين الفقهاء (٢).
حكم الاعتماد على خبر المذياع أو التلفاز في دخول الشهر وخروجه:
لا ريب أن الحكومة إذا ثبت عندها دخول الشهر أو خروجه من طريق المحكمة الشرعية، أخبرت الناس من طريق الإذاعة وصامت أو أفطرت بذلك، وبذلك يجب على كل من سمع الخبر من الرعية التابعة للحكومة السعودية، أن يعتمد خبر الإذاعة إذا سمعه ثقة أو أكثر في الدخول، وثقتان أو أكثر في الخروج، فيصوم بذلك ويفطر تبعًا لإمامه وإخوانه المسلمين، واعتماد المذياع والتلفاز في ذلك أولى وأقرب إلى الأدلة الشرعية من اعتماد البرقية.
ثانيًا: النوازل المتعلقة بالمفطرات:
بخَّاخ الرّبو: تعريفه: هو عبوة مضغوطة تحتوي على ثلاثة أشياء (الماء- غاز الأكسجين- المواد العلاجية).
النسبة الكبرى فيها للماء، والباقي للاكسجين والمواد العلاجية، واستعمالها هو بأن يضع الإنسان هذا البخاخ في فمه ثم يأخذ شهيقًا عميقًا ثم يطلق بخةً واحدة يستنشقها المريض، وهذه البخة في الغالب أو عامتها يذهب إلى الجهاز
стр. 2069
التنفسي؛ تبدأ بالفم ثم ما يسمى البلعوم ثم القصبات الهوائية ثم يذهب إلى الرئة، لكن هناك جزء يسير جدًا من هذه المواد يعلق بجدران البلعوم، والبلعوم كما هو معروف أعلى الجهاز الهضمي، فربما يبتلع الإنسان شيئًا منه فيذهب إلى المعدة. فما أثر هذا البخاخ على صيام المريض؟
نقول: اختلف أهل العلم المعاصرون في هذه المسألة:
والراجح: أن بخاخ الربو حكمه الإباحة إذا اضطر إلى ذلك؛ لقول الله : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ...﴾ (١)، ولأنه لا يشبه الأكل والشرب، فأشبه سحب الدم للتحليل والإبر غير المغذية، وهذا هو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (٢)، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين (٣)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية (٤).
ومع القول بالإباحة فالخروج من الخلاف مستحب، فإذا أمكن لمريض الربو مثلًا أن يؤخر تعاطي هذا البخاخ ولا يترتب على ذلك مشقة ولا ضرر، فالأفضل أنه يؤخره إلى الإفطار، خروجًا من الخلاف، لكن إذا احتاج إليه فإننا نقول: إنه لا يحصل الفطر به.
الأقراص التي توضع تحت اللسان:
التعريف بها: هي أقراص توضع تحت اللسان لعلاج بعض الأزمات القلبية، وهي تمتصُّ مباشرة بعد وضعها بوقت قصير، ويحملها الدم إلى القلب، فتُوقِف أزماته المفاجئة، ولا يدخل إلى الجوف شيء من هذه الأقراص.
стр. 2070
حكمها: هذه الأقراص لا تفطر الصائم؛ لأن الأصل صحة الصيام، ولا نترك هذا الأصل إلَّا بيقين، وهذه الأقراص ليست أكلًا ولا شربًا ولا في معنى الأكل أو الشرب؛ فإنها لا تصل إلى المعدة، ولا يحصل للبدن بها من القوة والنشاط ما يحصل بالطعام والشراب، فهي ليست طعامًا ولا شرابًا ولا في معنى الطعام أو الشراب.
ولهذا نقول: إن هذه الأقراص لا يحصل بها الفطر، لكن بشرط أن ما يتحلَّل من هذا القرص لا يبتلعه الإنسان؛ لأن هذه الأقراص إذا وضعت تحت اللسان ربما يتحلل شيء منها يبقى في اللعاب، فهذا الذي يتحلل لا يبتلعه الإنسان وإنما يمجُّه. فهذا ما أفتى به مجمع الفقه الإِسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإِسلامي في دورته العاشرة المنعقدة في عام ١٤١٨ هـ (١).
منظار المعدة:
التعريف به: هو جهاز طبي يدخل عبر الفم إلى البلعوم، ثم إلى المريء، ثم المعدة، ويستفاد منه في تصوير ما في المعدة؛ ليعلم ما فيها من قرحة ونحوها، أو لاستخراج عيِّنة صغيرة لفحصها، أو لغير ذلك من الأغراض الطبية. وقال بعض الأطباء: إنه لا علاقة له بالمعدة، بمعنى أنه لا يصل إلى داخل المعدة.
وهذه النازلة اختلف فيها أهل العلم المعاصرون: والصحيح من أقوالهم أن المنظار لا يفطر؛ لأنه ليس بأكل أو شرب ولا بمعناهما، فالصيام معه صحيح إلَّا إذا كان يدخل معه مادة سائلة إلى جوف الإنسان، فهنا يفطر (٢).