← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

ثالثًا: نظر مجلس الهيئة في مسألة ثبوت الأهلة بالحساب وما ورد في ذلك من أدلة من الكتاب والسنة، واطَّلعوا على كلام أهل العلم في ذلك فقرروا بإجماع عدم اعتبار حساب النجوم في ثبوت الأهلة في المسائل الشرعية؛ لقوله ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيته" (١) الحديث، وقوله: "لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ" (٢) الحديث، وما في معنى ذلك من الأدلة. انتهى. وأما ابتداء وقت الصوم ونهايته لكل يوم فقد بيَّنه الله -جل وعلا- في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣)، والآية عامة للمسلمين في كل مكان، وكل بلد لهم حكمهم في ليلهم ونهارهم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم". فيما إذا تيَّقن شخص من دخول الشهر برؤية الهلال ولم يستطع إبلاغ الجهات المختصة: اختلف العلماء في هذه النازلة؛ فمنهم من يقول: إنه لا يلزمه الصوم، وذلك بناء على أن الهلال هو ما استهل واشتهر بين الناس. ومنهم من يقول: إنه يلزمه؛ لأن الهلال هو ما رُئِيَ بعد غروب الشمس، سواء اشتهر بين الناس أم لم يشتهر. والذي يظهر لنا أن من رآه وتيقن رؤيته وهو في مكان ناءٍ لم يشاركه أحد في الرؤية، أو لم يشاركه أحد في الترائي فإنه يلزمه الصوم؛ لعموم قوله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ

стр. 2067

وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا" (٢). فإن كان في البلد وشهد به عند المحكمة، وردَّت شهادته، فهل يلزمه الصوم؟ قولان لأهل العلم، والصواب أنه لا يجوز له أن يصوم وحده، ولا أن يفطر وحده، بل عليه أن يصوم مع الناس ويفطر معهم؛ لقول النبي ﷺ : "الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ" (٣)، وهذا هو اختيار اللجنة الدائمة (٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز (٥). في حكم الاستعانة بآلات الرصد الحديثة واعتبار الحساب في إثبات الهلال: تجوز الاستعانة بآلات الرصد في رؤية الهلال ولا يجوز الاعتماد على العلوم الفلكية في إثبات بدء شهر رمضان المبارك أو الفطر؛ لأن الله لم يشرع لنا ذلك، لا في كتابه ولا في سنة نبيه ﷺ ، وإنما شرع لنا إثبات بدء شهر رمضان ونهايته برؤية هلال شهر رمضان في بدء الصوم ورؤية هلال شوال في الإفطار والاجتماع لصلاة عيد الفطر وجعل الأهلة مواقيت للناس وللحج، فلا يجوز لمسلم أن يوقِّت بغيرها شيئًا من العبادات من صوم رمضان والأعياد وحج البيت، والصوم في كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار ونحوها، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ

стр. 2068

وَالْحَجِّ﴾، وقال ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيتهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاِثينَ" (١)، وعلى ذلك يجب على من لم يَرَ الهلال في مطلعهم في صَحْو أو غَيْم أن يتموا العدة ثلاثين إن لم يره غيرهم في مطلع آخر، فإن ثبت عندهم رؤية الهلال في غير مطلعهم، لزمهم أن يتبعوا ما حكم به ولي الأمر العام المسلم في بلادهم من الصوم أو الإفطار؛ لأن حكمه في مثل هذه المسألة يرفع الخلاف بين الفقهاء (٢). حكم الاعتماد على خبر المذياع أو التلفاز في دخول الشهر وخروجه: لا ريب أن الحكومة إذا ثبت عندها دخول الشهر أو خروجه من طريق المحكمة الشرعية، أخبرت الناس من طريق الإذاعة وصامت أو أفطرت بذلك، وبذلك يجب على كل من سمع الخبر من الرعية التابعة للحكومة السعودية، أن يعتمد خبر الإذاعة إذا سمعه ثقة أو أكثر في الدخول، وثقتان أو أكثر في الخروج، فيصوم بذلك ويفطر تبعًا لإمامه وإخوانه المسلمين، واعتماد المذياع والتلفاز في ذلك أولى وأقرب إلى الأدلة الشرعية من اعتماد البرقية. ثانيًا: النوازل المتعلقة بالمفطرات: بخَّاخ الرّبو: تعريفه: هو عبوة مضغوطة تحتوي على ثلاثة أشياء (الماء- غاز الأكسجين- المواد العلاجية). النسبة الكبرى فيها للماء، والباقي للاكسجين والمواد العلاجية، واستعمالها هو بأن يضع الإنسان هذا البخاخ في فمه ثم يأخذ شهيقًا عميقًا ثم يطلق بخةً واحدة يستنشقها المريض، وهذه البخة في الغالب أو عامتها يذهب إلى الجهاز

стр. 2069

التنفسي؛ تبدأ بالفم ثم ما يسمى البلعوم ثم القصبات الهوائية ثم يذهب إلى الرئة، لكن هناك جزء يسير جدًا من هذه المواد يعلق بجدران البلعوم، والبلعوم كما هو معروف أعلى الجهاز الهضمي، فربما يبتلع الإنسان شيئًا منه فيذهب إلى المعدة. فما أثر هذا البخاخ على صيام المريض؟ نقول: اختلف أهل العلم المعاصرون في هذه المسألة: والراجح: أن بخاخ الربو حكمه الإباحة إذا اضطر إلى ذلك؛ لقول الله : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ...﴾ (١)، ولأنه لا يشبه الأكل والشرب، فأشبه سحب الدم للتحليل والإبر غير المغذية، وهذا هو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (٢)، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين (٣)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية (٤). ومع القول بالإباحة فالخروج من الخلاف مستحب، فإذا أمكن لمريض الربو مثلًا أن يؤخر تعاطي هذا البخاخ ولا يترتب على ذلك مشقة ولا ضرر، فالأفضل أنه يؤخره إلى الإفطار، خروجًا من الخلاف، لكن إذا احتاج إليه فإننا نقول: إنه لا يحصل الفطر به. الأقراص التي توضع تحت اللسان: التعريف بها: هي أقراص توضع تحت اللسان لعلاج بعض الأزمات القلبية، وهي تمتصُّ مباشرة بعد وضعها بوقت قصير، ويحملها الدم إلى القلب، فتُوقِف أزماته المفاجئة، ولا يدخل إلى الجوف شيء من هذه الأقراص.

стр. 2070

حكمها: هذه الأقراص لا تفطر الصائم؛ لأن الأصل صحة الصيام، ولا نترك هذا الأصل إلَّا بيقين، وهذه الأقراص ليست أكلًا ولا شربًا ولا في معنى الأكل أو الشرب؛ فإنها لا تصل إلى المعدة، ولا يحصل للبدن بها من القوة والنشاط ما يحصل بالطعام والشراب، فهي ليست طعامًا ولا شرابًا ولا في معنى الطعام أو الشراب. ولهذا نقول: إن هذه الأقراص لا يحصل بها الفطر، لكن بشرط أن ما يتحلَّل من هذا القرص لا يبتلعه الإنسان؛ لأن هذه الأقراص إذا وضعت تحت اللسان ربما يتحلل شيء منها يبقى في اللعاب، فهذا الذي يتحلل لا يبتلعه الإنسان وإنما يمجُّه. فهذا ما أفتى به مجمع الفقه الإِسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإِسلامي في دورته العاشرة المنعقدة في عام ١٤١٨ هـ (١). منظار المعدة: التعريف به: هو جهاز طبي يدخل عبر الفم إلى البلعوم، ثم إلى المريء، ثم المعدة، ويستفاد منه في تصوير ما في المعدة؛ ليعلم ما فيها من قرحة ونحوها، أو لاستخراج عيِّنة صغيرة لفحصها، أو لغير ذلك من الأغراض الطبية. وقال بعض الأطباء: إنه لا علاقة له بالمعدة، بمعنى أنه لا يصل إلى داخل المعدة. وهذه النازلة اختلف فيها أهل العلم المعاصرون: والصحيح من أقوالهم أن المنظار لا يفطر؛ لأنه ليس بأكل أو شرب ولا بمعناهما، فالصيام معه صحيح إلَّا إذا كان يدخل معه مادة سائلة إلى جوف الإنسان، فهنا يفطر (٢).

стр. 2071

القطرة عن طريق الأنف: الأنف منفذ إلى الحلق، كما هو معلوم بدلالة السنة، والواقع، والطب الحديث. فمن السنة قوله ﷺ : "وَبَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائمًا" (١)، فدل هذا الحديث على أن الأنف منفذ إلى الحلق، ثم المعدة، والطب الحديث أثبت ذلك؛ فإن التشريح لم يَدَعْ مجالًا للشك باتصال الأنف بالحلق. اختلف الفقهاء المعاصرون في التفطير بالقطرة في الأنف على قولين: القول الأول: أنه لا يفطر؛ لأنها ليست أكلًا ولا شربًا ولا في معناهما، وأيضًا لأن الواصل منها أقل بكثير من المتبقي من المضمضة، فهي أولى بعدم التفطير، وهذا ما ذهب إليه مجمع الفقه الإِسلامي (٢). القول الثاني: أن القطرة في الأنف تفطر، وهو الراجح، وقال به الشيخ عبد العزيز بن باز (٣)، وقيد ذلك بقوله: "إن وجد طعمها في حلقه"، والشيخ محمَّد بن عثيمين (٤)، وقيد ذلك بقوله: "إذا وصلت إلى المعدة". دليل ذلك: أن النبي ﷺ قال في حديث لقيط بن صبرة: "وَبَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تكُونَ صَائِمًا" (٥). فالحديث يدل على أنه لا يجوز للصائم أن يقطر في أنفه ما يصل إلى معدته، فإن وَضْعَ القطرة في الأنف أبلغ من المبالغة في الاستنشاق؛ لأن المبالغة في الاستنشاق يحتمل أن يصل بها إلى حلقة شيء من الماء ويحتمل أن لا يصل، لكن القطرة آكَدُ؛ لأن الإنسان يضعها بحيث لا تخرج.

стр. 2072

القطرة عن طريق الأذن: يقول الأطباء: إن الأذن ليست منفذًا إلى الحلق إلَّا إذا وُجد في طبلة الأذن خرق، فإن هناك قناةً تصل من الأذن إلى الحلق، فإذا وضع الإنسان في أذنه شيئًا فمن الممكن أن يصل إلى حلقه، أما إذا كانت طبلة الأذن غير مخرقة فإنه لا يمكن أن يصل شيء من الأذن إلى الحلق. وقد اختلف أهل العلم قديمًا فيما إذا وضع الإنسان في أذنه دهنًا أو ماءً أو نحو ذلك، هل يفطر بذلك أو لا يفطر؟ فمن أهل العلم من قال: إنه يفطر بذلك بناءً على أنه لو وضع في أذنه شيئًا فإنه ربما وجد طعمه في حلقة، ومعنى ذلك أنه منفذ، ومن أهل العلم من قال: إنه لا يفطر بما يصل إلى أذنهِ؛ وذلك أن الأذن ليست منفذا للحلق، فهذا ليس أكلًا ولا شربًا ولا في معناهما، والشرع إنما جاء بالفطر بالأكل والشرب والمفطرات المعروفة. والصواب أن يقال: إذا كانت طبلة الأذن غير مخرقة فإن قطرة الأذن لا تفطر، وإن كانت طبلة الأذن مخرقة فالخلاف فيها كالخلاف في قطرة الأنف. وما قيل في قطرة الأنف يقال في الأذن المخرقة، فإن كان هذا يصل إلى الحلق والجوف فإنه يفطر به؛ لحديث لقيط بن صبره: "وَبَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا"، فهذا يعتبر في حكم الأكل والشرب، فيفطر به. القطرة عن طريق العين: ذهب أكثر أهل العلم -ومنهم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١)، والشيخ محمَّد بن صالح بن عثيمين (٢)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية

стр. 2073

والإفتاء (١) - إلى أنه لا يفطر الصائم بوضع قطرة في عينه؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعنى الأكل والشرب، والدليل إنما جاء في منع الأكل والشرب، فلا يلحق فيها ما ليس في معناهما، ولأن الصيام ثبت بيقين فلا يرفع إلَّا بيقين، وما يصل مما يوضع في العين من قطرة لو وصل فإنه لا يزيد على ما يعفى عنه مما يتبقى بعد المضمضة. الحقن العلاجية: الحقن العلاجية التي تؤخذ عن طريق (الجلد- العضل- الوريد) لا تصل إلى المعدة، بل تكون عن طريق الجلد أو عن طريق الدم، ولا تأخذ حكم الأكل ولا الشرب فيما يحصل بها من تقوية للبدن ونشاط وحيوية وغير ذلك؛ ولهذا فإننا نقول بأن الصيام صحيح ولا تأثير لها عليه، وأن هذه الحقن ليست من المفطرات التي نص الشرع على التفطير بها، وليست في معناها، وبهذا قال أعضاء مجمع الفقه الإِسلامي في دورته العاشرة (٢)؛ فقد اتخذوا قرارًا بالإجماع أن هذه الحقن لا تفطر، وهو قول الشيخين، ابن باز (٣)، وابن عثيمين (٤). الحقن المغذية الوريدية: هي حقن تعطى لبعض المرضى؛ عبارة عن محلول مائي يحتوي على السكر والأملاح والماء، وربما أضيف إليه بعض العلاجات، تعطى عن طريق الوريد، فهي تدخل إلى الدم مباشرة ولا تصل إلى الجوف والمعدة.

стр. 2074

لكن هذه الإبر المغذية في معنى الأكل والشرب؛ حيث إننا نرى في بعض الأحيان أن بعض المرضى يجلس الساعات أو الأيام يتغذَّى على هذه الإبر، فقط لا يعطى أي طعام أو شراب، وهذا يدل دلالة أكيدة على أنها في معنى الأكل والشرب؛ ولهذا أفتى مجمع الفقه الإِسلامي (١) وأكثر العلماء المعاصرين، منهم الشيخ عبد العزيز بن باز (٢)، والشيخ ابن عثيمين (٣)، على أنها تفطر؛ وذلك لأنها وإن لم ينص على أنها من المفطرات إلَّا أنها في معنى المنصوص، فقد نص الكتاب الكريم والسنة النبوية على أن الصائم يفطر بالأكل والشرب ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٤)، وفي الحديث: "يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ" (٥)، فالأكل والشرب منصوص على التفطير بهما، وهذه الإبر في معنى المنصوص عليه؛ ولهذا فإنه يحصل الفطر بها. غسيل الأذن: قد يحصل للأُذن إفرازات شمعية عند بعض الناس فتُؤثر على سمعه ألمًا أو سمعًا مما تضطره إلى عمل غسيل لها، فما حكم ذلك لمن كان صائمًا؟ نقول: قد سبق بيان حكم قطرة الأُذن، وهذه النازلة متفرعة على ما قبلها، والقول فيها كما سبق؛ أي إذا كانت طبلة الأذن سليمة وغير مخرقة فإنه لا يحصل الفطر بذلك؛ لما سبق. وأما إذا كانت طبلة الأذن مخرقة ثم غسلت هذه الأذن بماء أو نحوه ثم وصل إلى الحلق والمعدة، فإنه يفطر. والقول بأنه لا يفطر، لا شك، قول ضعيف، والصحيح -والله أعلم- أنه إذا حصل غسيل الأذن وهي مخرقة

стр. 2075

الطبلة فإنه حينئذٍ يفطر بذلك؛ لقوله ﷺ للقيط بن صبره ﵁ في السنن: "وَبَالِغْ في الاِسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تكونَ صَائِمًا"؛ لأن هذا في معنى الاستنشاق إذا كانت الأذن قناة تصل إلى الحلق وإلى المعدة. أثر الحجامة على الصيام: تعريفها: الحجامة هي استخراج الدم المحتقن في الجسم، والحاجم هو الذي يحجم غيره، والمحجوم هو الذي يطلب الحجامة من غيره. حكمها: اختلف الفقهاء في هذه المسألة: والراجح عندنا أنه يفسد الصوم بها، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (١)، والشيخين ابن باز (٢)، وابن عثيمين (٣)؛ لقوله ﷺ : "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ" (٤). لكن هناك بعض النوازل المتعلقة بالحجامة نذكرها على وجه الإجمال: ١ - هل يلحق بالحجامة الفصد، والشرط، والإرعاف ؟ الراجح عندنا أن هذه الأشياء المذكورة لا تفطر إلَّا إذا أضعفت الشخص مثل الحجامة، فإنه يفطر بها. ٢ - الحجامة بالآلات الحديثة لا يفطر بها الحاجم، أما المحجوم فإنه يفطر بها؛ وذلك لأن المحجوم رُبَّما أعْجَزَته الحجامة عن الصَّوْم، وأمَّا الحاجِم فلاَ يَأمَنُ

стр. 2076

أن يَصِلَ إلى حَلقه شيء من الدَّمِ فيَبْتَلِعَه، أو مِن طَعْمِه، وهو متعذِّر مع الآلات الحديثة. أما التبرع بالدم فالأحوط تأجيله إلى ما بعد الإفطار؛ لأنه في الغالب يكون كثيرًا، فيشبه الحجامة (١). والصواب: أنه يفطر إذا كان كثيرًا، والكثير حده أن يؤثر على البدن. فهذا يفطر به الصائم؛ إلحاقًا له بالحجامة على أحد القولين، إلَّا أن توجد ضرورة لا تندفع إلَّا بتبرعه، فإنه يتبرع بالدم إذا لم يكن عليه ضرر ويفطر ذلك اليوم ويقضي يومًا مكانه؛ لأن الفطر صار وسيلة لتحقيق واجب؛ وهو إنقاذ النفس المعصومة عن طريق هذا الشخص، وما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب. يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: " ... وقد بيّنا أن الفطر بالحجامة على وفق الأصول والقياس، وأنه من جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة وبالاستمناء، وإذا كان كذلك، فبأيِّ وجه أراد إخراج الدم أفطر" (٢). لكن لا يسوغ التبرع بالدم إلَّا بثلاثة أمور: أ- أن لا يتضرر المتبرع. ب- الحاجة الماسة للمتبرَّع له. ج- أن يكون بدون عوض؛ لأنه لا يجوز بيع الدم. والدم الذي يفطر هو الكثير الذي في معنى الحجامة، أما القليل مثل إبرة تحليل السكر فلا تفطر.

стр. 2077

غازات التخدير: التخدير يتم بطرق، منها: استنشاق غازات تؤثر في الشعور بالإحساس أو بواسطة حقنة عبر الأوردة الدموية أو بهما أو بغير ذلك، وينقسم إلى قسمين: ١ - تخدير جزئي يقتصر مفعوله على جزء من البدن، ويبقى الوعي وإدراك المعالج لما يجري حوله طبيعيًا، وهذا لا يؤثر في الصيام. ٢ - تخدير كامل للبدن، بحيث يفقد المعالج معه الوعي بما حوله، مع الحرص على أن يستمر على هذه الحالة حسب ما يقرره الفريق الطبي، وهي حالة أقرب ما تكون إلى الإغماء، فيقرر لها من الأحكام ما قرر في الإغماء، والذي رجَّحَه المجمع الفقهي (١) أن التخدير لا يوجب قضاء اليوم الذي خُدِّر فيه المريض، سواء استغرق كامل اليوم أو لم يستغرق، ما دام قد بيت الصيام من الليل لذلك اليوم أو للشهر، ما لم ينقطع الصيام لعذر. والصحيح فيها: إن أفاق جزءًا من النهار صح صيامه على الراجح؛ لأنه جمع بين ركني الصيام؛ النية، والإمساك عن المفطرات، وإن لم يُفِقْ فإنه يقضي بلا خلاف، قاله ابن قدامة (٢). الدهانات والمراهم واللصقات العلاجية: في داخل الجلد أوعية دموية، فما يوضع على سطح الجلد يمتص عن طريق الشعيرات الدموية إلى الدم، وهو امتصاص بطيء جدًا. وقد سبق أن حَقْنَ العلاج حقنًا مباشرًا في الدم لا يُفطِر، فمن باب أولى هذه الدهانات والمراهم ونحوها، بل حكى بعضُ المعاصرين الإجماعَ على أنها لا تفطر،

стр. 2078

وهو من قرارات المجمع الفقهي (١). الغسيل الكلوي: التعريف به: غسيل الكلى عبارة عن إخراج دم المريض إلى آلة، وهي ما تسمى بالكلية الصناعية تتولى تنقية الدم ثم إعادته إلى الجسم بعد ذلك، وأنه يتم إضافة بعض المواد الكيمياوية والغذائية كالسكريات والأملاح وغيرها إلى الدم. طرقه: هناك طريقتان لغسيل الكلى: الطريقة الأولى: يتم غسيل الكلى بواسطة آلة تسمى (الكلية الصناعية)، حيث يتم سحب الدم إلى هذا الجهاز، ويقوم الجهاز بتصفية الدم من المواد الضارة، ثم يعيد الدم إلى الجسم عن طريق الوريد، وقد يحتاج إلى سوائل مغذية تعطى عن طريق الوريد. الطريقة الثانية: تتم عن طريق الغشاء البريتواني في البطن، حيث يدخل أنبوب عبر فتحة صغيرة في جدار البطن فوق السّرَّة، ثم يدخل عادة ليتران من السوائل التي تحتوي على نسبة عالية من سكر الغلوكوز إلى داخل جوف البطن، وتبقى في جوف البطن لفترة، ثم تسحب مرة أخرى، وتكرر هذه العملية عدة مرات في اليوم الواحد، ويتم أثناء ذلك تبادل الشوارد والسكر والأملاح الموجودة في الدم عن طريق البريتوان، ومن الثابت علميًا أن كمية السكر الغلوكوز الموجود في هذه السوائل تدخل إلى دم الصائم عن طريق الغشاء البريتواني. حكمه: اختلف المعاصرون في غسيل الكلى على قولين: أحدهما: أنه لا يفسد الصيام.

стр. 2079

ثانيهما: وهو أرجحهما، أنه يفسد الصيام، وذلك بسبب هذه الإضافات، وإلا مجرد التنقية قد نقول إنها لا تفسد الصوم، لكن هذه الإضافات لها أثر في إفساد الصوم، وهذا هو قول الشيخ عبد العزيز بن باز (١)، وبه أفتت اللجنة (٢). القسطرة: تعريفها: القسطرة هي إدخال جهاز أو أنبوب عن طريق الوريد حتى يصل الأوردة والشرايين المتصلة بالقلب أو في أي مكان في البدن، ويستعمل هذا النوع من العلاج أحيانا لأغراض تشخيصية لاكتشاف التجلطات في الأوردة والشرايين، وأحيانًا لأغراض علاجية مثل فتح بعض الشرايين المغلقة أو التي فيها تجلط. حكمها: ذهب أكثر أهل العلم المعاصرين، وهو أحد قرارات مجمع الفقه الإِسلامي (٣)، أنه لا يحصل الفطر بها لأن هذه القسطرة ليس مما ورد به النص مما يفطر وليست مما في معنى المنصوص. وهذا الكلام مشروط بأن لا يكون هناك أمور مصاحبة كما في مسألة المنظار، فإن المنظار لو وضع عليه مادة هلامية أو مادة دهنية حصل الفطر به، فكذلك القسطرة، فإذا كانت عملية القسطرة بدون إضافات فإنه لا يحصل الفطر بها؛ لأنها ليست مما نص الشارع على الفطر به وليست في معنى المنصوص، لكن لو حصل مع هذه القسطرة أن أعطي المريض بعض الإبر أو الحقن أو المحاليل المغذِّية في الدم، فإنا نقول حينئذ: إنها تُبْحَثُ؛ إذا كانت أشياء علاجية مثل الإبر، وإن كانت مغذية، فتأخذ حكم الإبر المغذية، لكن القسطرة بذاتها إذا لم يصاحبها إدخال أشياء أخرى إلى جسم المريض، فإنها لا تفطر؛ لأنها ليست من المنصوص على التفطير به ولا في معنى المنصوص.

стр. 2080

الغسول المهبلي: تعريفه: الغسول المهبلي هو محاليل مطهرة أو علاجية تتعاطاها المرأة عن طريق الفرج (القبل). حكمه: لا يعد الفرج منفذًا إلى الجوف كما أثبت ذلك الطب الحديث، وليس هناك قناة بين الفرج وبين المعدة، وبالتالي فإن هذا الغسول ليس أكلًا ولا شربًا، ولا مما يحصل الفطر به بالنص، ولا في معنى ما ورد النص بالفطر به، ولهذا اتخذ مجمع الفقه الإِسلامي قرارًا بالإجماع بأن الغسول والتحاميل المهبلية والمنظار المهبلي وأدوات الفحص المهبلية وغير ذلك، لا يعد مفطرًا للصيام (١)؛ لأنها ليست مما ورد النص بالفطر به، ولا في معنى المنصوص. الحقنة الشرجية: اختلفت أقوال الفقهاء المتقدمين والمعاصرين في حكم استعمال الصائم الحقنة الشرجية إلى ثلاثة أقوال: الأول: أن الحقنة الشرجية تفسد الصوم، سواء كانت للتداوي أو للتغذية أو لغير ذلك؛ لأنها تدخل من منفذ طبيعي، وتصل إلى الجوف (٢). القول الثاني: أن الحقنة الشرجية لا تبطل الصوم مطلقًا؛ لأنها لا تصل إلى المعدة. وهذا هو اختيار شيخ الإِسلام (٣)، وابن حزم (٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز (٥).

стр. 2081

القول الثالث: التمييز بين الحقنة الشرجية التي تدخل مادة غذائية في الجسم، فهذه تعتبر مفسدة للصوم، وبين الحقنة الشرجية التي تحمل مادة ملينة للأمعاء، كالماء والصابون وغير ذلك، وهذه لا تفسد الصوم؛ لأنها قد لا تمتصُّ، والهدف منها إخراج الفضلات من الجسم. والصواب أن يقال: إن الأولى في حق الصائم تأخير استعمال الحقنة الشرجية إلى ما بعد الإفطار؛ احتياطًا للعبادة، سواء كانت تحمل موادَّ غذائية أو سوائل أخرى، ما دام العلم قد أثبت أن الأمعاء الغليظة لها قدرة على امتصاص السوائل، وأن الأمعاء الدقيقة هي التي يحدث فيها معظم الامتصاص، ولا نظن أن هناك ضرورة ملحَّة تقضي باستعمال الحقنة الشرجية أثناء فترة الصوم، لا سيما وأن كثيرًا من أساتذة الطب ينصحون بعدم إجراء الحقن الشرجية أثناء الصوم؛ لأنها تسبب ضعفًا في عضلات الأمعاء وغشائها وتخرش القولون، وتنهك المريض، وتستهلك قواه. والله أعلم. التحاميل الشرجية: تعريفها: التحاميل الشرجية: هي ما يوضع في دبر المريض لعلاج بعض الأمراض مثل البواسير، ولتخفيض الحرارة، وهي معروفة. حكمها: محل خلاف بين أهل العلم باعتبار أنها تصل إلى الجوف وبالتالي هل يحصل بها التفطير لوصولها إلى الجوف أم لا يحصل بها التفطير؟ والصحيح: أنه لا بأس أن يستعمل الصائم التحاميل التي تُجعَل في الدبر إذا كان مريضًا؛ لأن هذا ليس أكلًا ولا شربًا، ولا بمعنى الأكل والشرب، والشارع إنما حرم علينا الأكل والشرب، فما كان قائمًا مقام الأكل والشرب أعطي حكم الأكل والشرب، وما ليس كذلك فإنه لا يدخل في الأكل والشرب لفظًا ولا معنًى،

стр. 2082

فلا يثبت له حكم الأكل والشرب. والله أعلم. المنظار الشرجي وأصبع الفحص الطبي: قد يدخل الطبيب المنظار من فتحة الشرج؛ ليكشف على الأمعاء أو غيرها، وقد سبق الكلام على منظار المعدة، وهو ينطبق على المنظار الشرجي وأصبع الفحص الطبي، إلَّا أن القول بعدم التفطير في المنظار الشرجي وأصبع الفحص الطبي، أولى وأقوى؛ لما سبق تقريره من أن الجوف هو المعدة، أو ما يوصل إليها، وليس كل تجويف في البدن يعتبر جوفًا، فعلى هذا يكون المنظار الشرجي والإصبع أبعد أن يفطر من منظار المعدة. فخلاصة حكم المنظار الشرجي، وأصبع الفحص الطبي، أنهما لا يفطران؛ فهو لا يصل إلى المعدة، ولا يحصل للجسم به تقوًّ، ولا تغذٍّ. ما يدخل عبر مجرى البول: قد يستدعي فحص المسالك البولية لشخص تقطيرَ مواد سائلة أو ملونة عن طريق مجرى البول، تستقر في المثانة؛ لتوضح الصور التي تلتقطها الأشعة، وقد بحث الفقهاء من قديم حكم الصوم مع إدخال مثل هذه السوائل في الإحليل، فرأى البعض أن ذلك يفطر الصائم، ولو لم يصل إلى المثانة؛ قياسًا على حكم الحقنة الشرجية، ورأى آخرون أن التقطير في الإحليل لا يفطر الصائم إلَّا إذا وصل إلى المثانة؛ لأنه أدخل شيئًا إلى جوف، والرأي الغالب أن الصيام صحيح إذًا قطر في إحليله؛ لأن هناك فرقًا بين الإحليل وبين فتحة الشرج، من حيث ضيق الأول (الإحليل) واتساع الثانية (فتحة الشرج). وعلم التشريح الحديث والطب الحديث يثبت أن مسالك البول ليست منفذًا إلى المعدة ولا إلى الأمعاء الغليظة أو الدقيقة أو مراكز الامتصاص أو الجهاز

стр. 2083

الهضمي، وهذا هو الراجح، أي أن هذه التي تدخل من مجاري البول لا تعد مفطرةً. وهذا هو الذي أفتى به أعضاء مجمع الفقه الإِسلامي في دورته العاشرة (١). حكم استعمال معجون الأسنان: تنظيف الأسنان بالمعجون لا يفطر به الصائم كالسواك، وعليه التحرُّز من ذهاب شيء منه إلى جوفه، فإن غلبه شيء من ذلك بدون قصد فلا قضاء عليه (٢).

стр. 2084

سابعًا: النوازل المتعلقة بالحج: العجز عن الحصول على تصريح الحج: المشاعر المقدسة لها طاقة استيعابية محدودة والجميع يشاهد الآن ما آلَتْ إليه هذه المشاعر من الزحام الشديد الذي قد تعجز الطاقات البشرية عن تنظيمه أو الإنفاق عليه، وقد وفَّق الله بلاد الحرمين وولاة أمرها للإنفاق على هذه المشاعر بسخاء، فجنى الحجاج والعمَّار ثمرات هذه الجهود تيسيرًا وتسهيلًا في أداء هذه المناسك، وهذه مِنًى قد استغلت بالكامل، ومزدلفة في ليلة جمع تمتلئ بالكامل، وعرفات ليست منها ببعيد، والمسجد الحرام في يوم الثاني عشر والثالث عشر لا يحتمل المزيد، ومن أجل ذلك نظر الفقهاء والعلماء وولاة الأمر في تحديد نِسَبِ الحجيج في كل بلد إسلامي، فوضعت السلطات في المملكة العربية السعودية نظامًا لتنظيم الحج بالنسبة للمواطنين والمقيمين بالمملكة، يقضي بأن الفرد يجب أن يحصل على تصريح بالحج من الجهات المختصة، وهذا التصريح لا يتم منحه إلَّا كل خمس سنوات، أي أنه وفقًا للنظام فإن الشخص لا يستطيع أن يحج إلَّا كل خمس سنوات أو أكثر. الراجح: أن تصريح الحج شرط في وجوب الحج، ومن عجز عن إخراجه فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)، ومن حج بدون تصريح أو تحايل على إخراجه ممّن ليس له الأحقية بالحج بكذب أو خداع أو برشوة أو بطرق ملتوية، فإنه يأثم بذلك؛ لمخالفته التنظيم الذي وضع لمصلحة الأمة، لكن حجه صحيح، ومن مات قبل أن يحصل

стр. 2085

على التصريح فإنه غير آثم عند الله ، وغير مسؤول عن ذلك، والله أرحم من أن يكلف عباده ما لا يستطيعون. هل جدّة ميقات أم لا ؟ هذه المسألة قد تكون نازلة باعتبار أن جدة لم تكن على عهد النبي ﷺ ، كما هي الآن، مدينةً مأهولة وعامرة، وباعتبار أيضًا أن الناس إلى عهد قريب كان كثير منهم يأتي إلى الحج عن طريق البر، وحتى الذين يأتون عن طريق البحر كانوا ربما نزلوا عن طريق ينبع أو عن طريق الشعيبة، وهذه كلها لا إشكال فيها، فالذي يأتي من ينبع يحرم من الجحفة، والذي يأتي من الشعيبة يحرم من يَلَمْلَمَ، أما في هذه الأزمنة فأكثر من نصف الحجاج يأتي عن طريق جدة، إما عن طريق الطيران، أو عن طريق البحر، فبالنسبة إلى هؤلاء هل نقول لهم إن جدة ميقات، بحيث إن الواحد منهم لا يحرم حتى يصل إلى جدة وينزل فيها ثم بعد ذلك يحرم، أم نقول إن الإحرام واجب عليهم قبل أن يصلوا إلى جدة؟ نقول: اختلف أهل العلم المعاصرون في هذه النازلة: فذهب بعضهم إلى أن جدة ميقات لمن نزل بها جوًا أو بحرًا. وقال آخرون: إنها ليست ميقاتًا إلَّا لأهلها. والراجح عندنا: أن جدة ليست ميقاتًا إلَّا لأهلها المقيمين بها، أو مَنْ نزل إليها لا يريد الحج أو العمرة ثم بدا له ذلك، أما من قدم إليها مريدًا للحج أو العمرة وجعلها ميقاتًا له أو جعلها ميقاتًا لمن قدم إليها عن طريق الجو والبحر، فإنه قد أخطأ في ذلك، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة (١).

стр. 2086

الإحرام بالإزار المخيط: الإزار المخيط هو: الإزار الذي يخاط جانباه ويوضع في أعلاه تِكَّة؛ إما من خيط أو مطاط أو سير أو نحو ذلك، وهو يشبه تمامًا ما تلبسه النساء في هذا الزمن بما يسمى التنورة. فما حكم لبس هذا الإزار بالنسبة للمُحرِم من الرجال؟ نقول: اختلف أهل العلم المعاصرون في جواز لبسه: ذهب بعضهم إلى جواز لبسه، وممن قال به الشيخ محمَّد العثيمين (١)، وذهب غيرهم إلى عدم جواز لبسه، والذي نراه أنه لا ينبغي استعماله؛ لأنه لما خِيطَ خرج عن كونه إزارًا؛ لأمرين: الأول: من جهة اللغة، فقد ذكر في تاج العروس (٢) أن الإزار غير مخيط، ومن ذلك قول الشاعر: النازلين بكل معتركٍ ... والطيبين معاقد الأُزُرِ فالإزار يعقد على الحقوين ولا يخاط. الثاني: حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ" (٣) متفق عليه. فبين له ﷺ كيفية لباس الصلاة، وهو أنه إن كان الثوب واسعًا ستر به جميع البدن، وإن كان ضيقًا اكتفى بستر أسفل البدن، ومعلوم أنه لو كان مخيطًا لما أمكن فيه ذلك، فدل على أن الإزار اسم لما يستر أسفل البدن وليس مخيطًا.

стр. 2087

لبس الكمامات حال الإحرام: الكمامات: هي ما يوضع على الأنف والفم من قطن أو قماش أو نحو ذلك؛ ليمنع دخول الدخان والغبار والروائح الكريهة وغيرها، وقد انتشر استعماله في أوقات الحج بسبب كثرة السيارات وعوادمها والغبار وغير ذلك، فأصبح كثير من الناس يلبسونها بكثرة، فما حكم لبس هذه الكمامات؟ اختلف أهل العلم المعاصرون في هذه النازلة، وذلك بسبب اختلافهم في حكم تغطية وجه المحرم. قال الشيخ ابن باز ﵀:"لا ينبغي ولا يجوز هذا؛ لأنه غطى حوالي نصف الوجه، والرسول ﷺ قال: "وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ" (١)، يعني للمحرم الذي وقَصَتْهُ راحلته (٢)، والذي يظهر لنا جواز ذلك؛ لأن المحرم ممنوع من تغطية رأسه دون وجهه، ولأن الحاجة تدعو لذلك، لا سيما مع وجود الأمراض المعدية وكثرة الزحام. استعمال المنظفات المعطرة للمحرم: المنظفات المعطرة: مثل الشامبو، أو الصابون المعطر بالليمون، أو التفاح، أو بالفواكه، أو ببعض الروائح، تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: منظفات معطرة بروائح طيبة، ولكن هذه الروائح ليست مما يتخذه الناس طيبًا، مثل الصابون بنكهة الليمون أو التفاح أو السفرجل أو النعناع مثلًا، فهذه كلها وما كان على شاكلتها لا بأس باستعمالها.

стр. 2088

القسم الثاني: الصابون أو المنظفات المعطرة بروائح عطرية مما يتخذه الناس طيبًا وعطرًا. فهذه اختلف فيها أهل العلم، فذهب بعضهم إلى أن المحرم ممنوع من ذلك، وهذا القول هو الذي رجحه الشيخ محمَّد بن صالح العثيمين (١) ﵀. وذهب بعضهم، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (٢)، إلى أنه لا حرج في ذلك -إن شاء الله-؛ لأنه لا يسمى طيبًا ولا يعتبر مستعمله متطيبًا، لكن لو ترك ذلك واستعمل صابونًا آخر من باب الورع، كان أفضل وأحسن، لقول النبي ﷺ :"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ" (٣). الطواف والسعي في الدورين: الأول والسطح: يجوز الطواف وكذا السعي في الأدوار العلوية؛ لأن الهواء تابع للأرض وللقرار، فهواء المطاف وهواء المسعى تابع لقراره ولأصله؛ ولهذا إذا طاف الإنسان على الأرض، أو طاف في الدور الأول، أو طاف في السطح، فإنه يصدق عليه أنه طاف في المسعى بين الصفا والمروة. وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٤). المبيت بعرفة ليلة عرفة: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن السُّنَّة أن يبيت الحاج بمنًى ليلة التاسع، لكن في هذه الأزمنة كثر الحجاج فقد يصل عددهم إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين وقد

стр. 2089

يزيد على ذلك مستقبلًا، وأصبح هؤلاء الحجاج والقائمون على العناية بأمورهم وترتيب أحوالهم إذا طبقوا هذه السنة وهي المبيت ليلة التاسع بمنى والانصراف أو الدفع من منى إلى عرفات بعد طلوع الشمس من يوم عرفة، يجدون مشقة وعسرًا شديدًا، وبعض الحملات ربما لا يصلون إلى عرفات إلَّا في حدود الساعة الثانية أو الثالثة أو حتى الرابعة ظهرًا أو بعد العصر، فما يصل الحجاج إلى عرفات إلَّا وهم في حالة من التعب شديدةٍ، ثم إذا وصلوا عرفات وجاء وقت الدعاء والتضرُّع الذي هو أعظم المواقف التي يقول فيها النبي ﷺ :"خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ" (١)، إذا بهذا الحاج في قمة الإنهاك والتعب والمشقة، وإذا هو يبحث عن الراحة، ولو أنه جاهد نفسه ودعا فإنه لا يكون في حالة من الإقبال على الله ، واستحضار التضرع والخشوع والإنابة إلى الله ، والطمع فيما عنده، فمن أجل ذلك يرى بعض أهل العلم أن الأولى لهم أن يتركوا المبيت بمنى ليلة التاسع؛ من أجل أن يحصلوا على أعظم مقاصد الحج وهو الإقبال والدعاء والتضرع والإخبات إلى الله ، في يوم عرفة. والذي يظهر لنا أن الأمر يختلف حسب قدرة الحجاج وتيسُّر وصولهم إلى عرفات، ونحن نشاهد كثيرًا من الحجاج يصلون في زمن قياسي إلى عرفات ولا يأخذون في الطريق من منى إلى عرفات إلَّا في حدود الساعة فقط. الإفاضة من عرفات قبل غروب الشمس لمن وقف نهارًا: قال أهل العلم: إذا خرج الحاج قبل غروب الشمس من عرفة تعيَّن عليه الرجوع، فإن لم يرجع ففيه خلاف بين أهل العلم، ذهب بعضهم إلى أن عليه دمًا، وقال آخرون: لا دم عليه؛ إذا لا دليل على ذلك، لكنه أخطأ وخالف السنة.

стр. 2090

لكن مع وجود هذا العدد الكبير والكم الهائل من الحجيج وكثرة ما يحصل من الزحام وشدته -حيث نرى طوال الليل الحافلات والسيارات يأتي عليها الفجر وهي ما زالت تحمل الحجاج إلى مزدلفة، بل بعضها يمر بها مرورًا فقط- فهل نقول بجواز النفر قبل غروب الشمس لمن كان بعرفة؟ قال بعض أهل العلم: لو قيل بجوازه في ظل هذه الأوضاع المذكورة لكان لذلك وجه، لا سيما والمسألة محل خلاف بين أهل العلم، وهذا هو الأرفق بالناس، ومن أَوْجَهِ الأدلة على ذلك ما رواه أبو داود والنسائيُّ عن عروة بن مضرس قال: أتيت النبي ﷺ بجمع فقلت: يا رسول الله، إني أقبلت من جبلي طيئ لم أَدع جبلًا إلَّا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلاةَ مَعَنَا وقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بعَرَفَةَ لَيلًا أو نهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُهُ وَقَضَى تَفَثَهُ" (١). فقوله: "وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلا أَوْ نَهارًا" يعني وقف ثم دفع ليلًا أو نهارًا فقد تم حجَّه وقضى تفثهُ، وليس بعد التمام نقصٌ، وليس مع التمام نقص. هذا هو الذي يظهر عندنا. والله أعلم. قلنا: والصحيح أن الوقوف بعرفة إلى الغروب واجب؛ للأدلة الآتية: أولًا: مكث النبي ﷺ فيها إلى الغروب مع أنه لو دفع بالنهار لكان أرفق بالناس؛ لأنه لو دفع بالنهار كان ضوء النهار معينًا للناس على السير، وإذا دفع بعد الغروب حل الظلام، ولا سيما في عهد الرسول ﷺ والناس يمشون على الإبل والأقدام فينتشر الظلام قبل الوصول إلى مزدلفة. فتأخير الرسول ﷺ الدفع من عرفة إلى ما بعد الغروب، وتركه للأيسر، يدل على أنه الأفضل، ودليل ذلك قول عائشة ﵂: "ما خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ

стр. 2091

أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثمًا" (١). ثانيًا: أن الدفع قبل الغروب فيه مشابهة لأهل الجاهلية، حيث يدفعون قبل غروب الشمس، إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كعمائم الرجال على رؤوس الرجال، فلو دفع إنسان في مثل هذا الوقت لشابههم، ومشابهة الكفار في عباداتهم محرمة. ثالثًا: أن تأخير الرسول ﷺ الدفع إلى ما بعد غروب الشمس، ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب -مع أن وقت المغرب قد دخل- يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت، وأنه ﷺ ممنوع من الدفع حتى تغرب الشمس، ولذلك بادر، فلو كان الدفع قبل غروب الشمس جائزًا لدفع قبل غروب الشمس، ووصل إلى مزدلفة في وقت المغرب، وصلى فيها المغرب مطمئنًا. أما حديث عروة وقوله ﷺ : "وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا" فهو مطلق، وقد قيد بفعل النبي ﷺ وهو أنه وقف إلى الغروب، والمقيد يحكم على المطلق. العجز عن المبيت بمزدلفة: المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، اقتداء بالنبي ﷺ ، فقد بات بها ﷺ وصلى الفجر بها وأقام حتى أسفر جدًا، وقال: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ" (٢)، وإذا لم يبت الحاج في مزدلفة فعليه دم، جبرًا لتركه الواجب، والخلاف بين أهل العلم ﵏ في كون المبيت في مزدلفة ركنًا أو واجبًا أو سنة، مشهورٌ معلوم، وأرجح الأقوال الثلاثة أنه واجب على من تركه، وعليه دم وحجّه صحيح، وهذا

стр. 2092

هو قول أكثر أهل العلم، ولا يرخص في ترك المبيت إلى النصف الثاني من الليل إلَّا للضَّعَفَة، أما الأقوياء الذين ليس معهم ضعفة فالسنة لهم أن يبقوا في مزدلفة حتى يصلوا الفجر بها ذاكرين الله داعينه سبحانه حتى يسفروا، ثم ينصرفوا قبل طلوع الشمس؛ تأسِّيًا برسول الله ﷺ ، ومن لم يصلها إلَّا في النصف الأخير من الضعفة كفاه أن يقيم بها بعض الوقت ثم ينصرف أخذًا بالرخصة. هذا هو حكم المبيت بها. لكن قد يعجز البعض عن المبيت بمزدلفة؛ نظرًا لكثرة أعداد الحجيج في هذه السنوات، التي تصل إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين والسيارات الكبيرة والصغيرة تصل إلى الآلاف، والطرق محدودة؛ ولهذا يظهر بعض المشاكل في خطة السير فيتعرقل جزء كبير من الحجيج، وفي بعض السنوات تعرقل بعض الحجاج فلم يبلغُوا مزدلفة إلَّا بعد طلوع الشمس، وهذه لا شك أنها نازلة. فهل نقول بلزوم الدم على من لم يَبِتْ بها مع وجود هذا العذر؟ نقول بأن الأولى والأحوط للإنسان أن يجتنب ما فيه خلاف بين أهل العلم ويقوم بأداء ما تبرأ به الذمة ولا يدخل بمسألة هل أتى بالواجب أو لم يأت به، ويحتاط لنفسه، لكن لو أن الإنسان حصل له مثل ما يحصل كثيرًا في أيامنا هذه من أنه دخل متأخرًا في مزدلفة وما استطاع أن يبقى فيها بعد امتلاء مواقفها وساحاتها ونحو ذلك، فإننا نقول: مجرد دخوله إلى مزدلفة من طريق وخروجه من الطريق الآخر وبقائه فيها مدة من الزمن، أنه يصدق عليه أنه أتى بما أوجبه الله -عليه، وأن هذا القدر يكفي في رفع الإثم عنه؛ لأن هذا هو غاية ما في وسعه، ولو لم يصلها إلَّا بعد طلوع الفجر نقول: يكفيه ذلك وهو معذور ولا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها.

стр. 2093

لكن هل يلزمه دم مع انتفاء الإثم عنه؟ نقول: اختلف في ذلك أهل العلم، والراجح أن من ترك المبيت لعجزه عن الوصول إلى مزدلفة حتى فات وقتها، كأن يكون في حافلة مثلًا وفي الطريق يتوقف السير ما يستطيع أن يذهب، وإذا جلس انتهى وقت الوقوف بمزدلفة قبل أن يصل إليها- فهذا عاجز عن الوقوف بها وترك الوقوف بها لهذا العذر الذي أصابه، الراجح أنه لا يلزمه شيء؛ لأنه ما ترك المبيت إلَّا عجزًا. العجز عن المبيت بمنى ليالي التشريق: ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق، وذهب طائفة من أهل العلم إلى أن المبيت سنة وليس بواجب، والراجح أنه واجب من واجبات الحج، لو تُرك كان فيه هَدْيٌ، ومهما يكن من أمر فإن جميع الواجبات الشرعية مَنوطة بالاستطاعة كما قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ : " ... إِذَا أَمَرْتكُمْ بِأَمْرٍ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (٢). فإذا ضاقت منى عن الحجاج أو لم يجدوا مكانًا يصلح للنزول فيها غير الطرقات أو الأرصفة أو المرافق، فإنه يسقط عنهم وجوب المبيت، ولهم أن ينزلوا حيث تيسر لهم ولا شيء عليهم. الرمي قبل الزوال أيام التشريق: هذه النازلة من نظر إليها باعتبار الزمن يرى أنها ليست نازلة؛ وذلك لاختلاف أهل العلم فيها من قديم الزمان، أما الآن ونحن نشاهد ما يحصل بسبب الرمي من هلاك للأنفس الناتج عن شدة الزحام، فهي نازلة بهذا الاعتبار؛ حيث لم

стр. 2094

يكن قد عُرف من قبل أن الناس يقتل بعضهم بعضًا من أجل الرمي، فهي بهذا تعتبر نازلة. فهل نقول بجواز الرمي قبل الزوال نتيجة لما يحصل وقت الرمي؟ نقول: أولًا: اختلف أهل العلم في هذه المسألة كما ذكرنا، والراجح من أقوالهم أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق (الحادي عشر والثاني عشر، والثالث عشر) قبل الزوال؛ لأن الرسول ﷺ لم يَرْمِ إلَّا بعد الزوال، وقال للناس: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم "، وكون الرسول ﷺ يؤخر الرمي -إلى هذا الوقت- مع أنه في شدّة الحر، ويدع أول النهار مع أنه أبرد وأيسر، دليل على أنه لا يحل الرمي قبل هذا الوقت، ويدل لذلك أيضًا أن الرسول ﷺ كان يرمي من حين تزول الشمس قبل أن يصلي الظهر، وهذا دليل على أنه لا يحل أن يرمي قبل الزوال وإلا لكان الرمي قبل الزوال أفضل، لأجل أن يصلي الصلاة -صلاة الظهر- في أوّل وقتها؛ لأن الصلاة في أول وقتها أفضل، والحاصل أن الأدلة تدل على أن الرمي في أيام التشريق لا يجوز قبل الزوال. هذا على اعتبار أنها ليست بنازلة، أما على اعتبار أنها نازلة هل نقول به مع ما يحصل من قتل الناس بعضهم بعضًا بسبب التدافع والزحام الشديد؟ قال بعض أهل العلم بجواز الرمي قبل الزوال، لا سيما والحاجة داعية إلى القول بالجواز، خصوصًا في يوم النفر الأول، وهو ثاني أيام التشريق، لشدة الزحام وعظيم الضرر الحاصل من جرَّاء تدافع الناس واجتماعهم لتحيُّن وقت الرمي، كما لا يخفى. فلا يخلو عام من الأعوام تقريبًا من وقوع وفيات وإصابات بسبب هذا الاكتظاظ والتزاحم عند رمي الجمار يوم الثاني عشر من ذي الحجة، ولا ريب أن حفظ النفس من مقاصد الشريعة وكلِّيَّاتها، فحفظ النفس ودفع الضرر عنها أولى بالاعتبار. ويرى الدكتور الموسى جواز الرمي قبل الزوال؛ لأن الحاجة داعية إليه، ويرى الدكتور المطلق جوازه؛ لأن الأدلة تجيز ذلك.

стр. 2095

قلنا: والصواب (١) في هذه النازلة ما ذهب إليه هيئة كبار العلماء (٢) من أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال، وما ذهبوا إليه من تعليلات لجواز الرمي قبل الزوال هي في الواقع غير مقبولة؛ لأن الحرج والضيق يحصل باستعجال الناس في الذهاب، وليس بسبب ضيق فترة الرمي؛ ولذلك لو ذهبت إلى الجمرات بعد الزوال بساعتين فقط، فإنك لا تجد زحامًا، بل بعد العصر لا تجد زحامًا عند الجمرات، إنما تجد الزحام وقت الزوال، والسبب في هذا تعجُّل كثير من الحجاج في الذهاب. ثم على فرض القول بجواز الرمي قبل الزوال، فإن هذا الزحام الذي يكون عند الزوال، سوف ينتقل للزحام عند طلوع الفجر. تنبيه: سبق أن قلنا بأن المسألة خلافية، والقول بجواز الرمي قبل الزوال قول قوي، مع أننا نقول بخلافه، لكننا نقول لمن قال بجواز الرمي قبل الزوال نتيجة لما ذكروه من الزحام الشديد وقتل الناس بعضهم بعضًا بسبب التدافع والزحام، نقول لهم: بعد هذه التوسعات الكبيرة التي قامت بها المملكة وبخاصة عند الجمار، حيث يقوم الناس برمي الجمار بكل يسر وسهولة، وقد ذهب الضرر عنهم، نقول بأن الأمر اختلف كثيرًا بعد هذه المشروعات العملاقة في الجمرات. السعي فوق السقف الكائن فوق المسعى والصفا والمروة: لقد بحثت هيئة كبار العلماء هذه النازلة وصدر عنها قرار، ومما جاء فيه (٣): وبعد تداول الرأي والمناقشة انتهى المجلس بالأكثرية إلى الإفتاء بجواز السعي فوق سقف المسعى عند الحاجة، بشرط استيعاب ما بين الصفا والمروة،

стр. 2096

وأن لا يخرج عن مسامتة المسعى عرضا؛ لما يأتي: ١ - لأن حكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك والاختصاص ونحوهما، فللسعي فوق سقف المسعى حكم السعي على أرضه. ٢ - لما ذكره أهل العلم من أنه يجوز للحاج والمعتمر أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة راكبًا لعذر باتفاق، ولغير عذر على خلاف من بعضهم، فمن يسعى فوق سقف المسعى يشبه من يسعى راكبًا بعيرًا ونحوه، إذ الكل غير مباشر للأرض في سعيه، وعلى رأي من لا يرى جواز السعي راكبًا لغير عذر، فإن ازدحام السُّعاة في الحج يعتبر عذرًا يبرر الجواز. ٣ - أجمع أهل العلم على أن استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة كاستقبال بنائها، بناء على أن العبرة بالبقعة لا بالبناء، فالسعي فوق سقف المسعى كالسعي على أرضه. ٤ - اتفق العلماء على أنه يجوز الرمي راكبًا وماشيًا، واختلفوا في الأفضل منهما، فإذا جاز رمي الجمرات راكبًا جاز السعي فوق سقف المسعى، فإن كلًّا منهما نسك أدى من غير مباشرة مؤدية للأرض التي أداه عليها، بل السعي فوق السقف أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو العمرة فوق البعير ونحوه؛ لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب. ٥ - لأن السعي فوق سقف المسعى لا يخرج عن مسمى السعي بين الصفا والمروة؛ ولما في ذلك من التيسير على المسلمين والتخفيف مما هم فيه من الضيق والازدحام، وقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)،

стр. 2097

وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، مع عدم وجود ما ينافيه من كتاب أو سنة، بل إن فيما تقدم من المبررات ما يؤيد القول بالجواز عند الحاجة. وقد ذكر ابن حجر الهيتمي ﵀ رأيه في المسألة، فقال في حاشيته على الإيضاح (٢): "ولو مشى أو مرَّ في هواء المسعى فقياس جعلهم هواء المسجد مسجدًا، صحة سعيه"أ. هـ. في حكم السعي في المسعى الجديد: من قديم الزمان وهذه النازلة موضع بحث عند أهل العلم المتقدمين والمعاصرين، وقد تباينت الآراء حول هذه النازلة، فمنهم من أجاز توسعة المسعى، ومنهم من لم يُجِزْهُ، وسبب الخلاف بين أهل العلم في المسألة: هل المكان الذي يسعى فيه الناس مكان مقصور محدود أم أنه ممدود؟ وهل عرض المسعى المذكور في كتب تاريخ مكة -مثل كتاب الأزرقي والفاكهي وغيرهما، وقد ذرعوه بخمسة وثلاثين ونصف ذراع- هو المكان المعدّ للسعي، أم أنّ هذا الإخبار عن الأمر الواقع فحسب، والمكان الذي يجزئ السعي فيه أوسع من ذلك، وأنّ السعي ما دام واقعًا بين جبلي الصفا والمروة فهو صحيح ومجزئ، وإن هُجر السعي فيه فترة من الزمن، لعدم احتياج الناس لذلك؟ وقد صدر في ذلك أقوال عديدة حتى إننا لنجد للشيخ محمَّد بن إبراهيم ﵀ أجوبةً عديدة بخصوص هذه النازلة (٣). والذي نراه أن الخلاف في ذلك ليس خلافًا في حكم واحد لحقيقة واحدة، بل هو اختلاف في حكم لحقيقتين مختلفتين.

стр. 2098

فالعلماء متفقدن على أنه لا يجوز السعي خارج الحد الذي ينتهي إليه الصفا والمروة، ومتفقون على أنه يجوز ويصح لما كان واقعًا بين حدود الصفا والمروة، ولكنهم يختلفون هل التوسعة داخله بحيث تكون بين الصفا والمروة، أم أنها خارجة عن حد الصفا والمروة. فمن رآها داخلة أجاز السعي فيها، ومن رآها خارجة عن الحد الذي ينتهي إليه الصفا والمروة، منع ذلك. إقامة طابق على شارع الجمرات: من نظر إلى ما آلت إليه المشاعر يرى أن هناك تحولات كثيرة حدثت بها، وأعظم دليل على ذلك ما نراه في الجمرات. فمنذ عهد قريب تم توسيع مداخل ومخارج الجمرات ثم تم بناء طابق علوي آخر، ثم نرى اليوم قد جعل لها أربع طوابق، وما كان ذلك كله إلَّا بسبب ما يحصل عندها من الزحام الشديد الذي كان يحصل بسببه موت العديد من الحجاج، مما دفع الدولة السعودية، وهي المعنية بشؤون الحرمين، إلى التفكير لوضع حد لما يحصل بسبب هذا الزحام، فأعدت لذلك أبحاثًا تم عرضها على هيئة كبار العلماء، ومما أقرته الهيئة ما يلي: أما رمي الجمرات من فوق الطابق، فإن عمر بن الخطاب ﵁ رمى جمرة العقبة من فوقها خشية الزحام، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵃. وأما ما روى عبد الرحمن بن يزيد من أنه مشى مع عبد الله بن عمر وهو يرمي الجمرة، فلما كان في بطن الوادي أعرضها فرماها، فقيل له: إن ناسًا يرمونها من فوقها، فقال: "من ها هنا، والذي لا إله إلَّا هو رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة رماها"، فإنه حث على الفضيلة في الرمي من جهة بطن الوادي عند السعة، فإذا رماها الحاج في الحوض من فوق طابق أقيم على بطن الوادي -ولو في السعة-

стр. 2099

فقد أتى بالفضيلة، فإنه رمى من الجهة التي رمى منها النبي ﷺ وهو راكب راحلته، والذي اسُتنكِر إنما هو رمي جمرة العقبة في الحوض من الخلف والناس في سعة، وأما عند الضيق وشدة الزحام فللحاج أن يرمي في الحوض ولو من غير جهة بطن الوادي، سواء كان في مكان مساوٍ لبطن الوادي أو أعلى منه. ثم إن القاعدة المقررة عند الفقهاء: "أن من ملك أرضًا ملك تخومها وما فوقها من الفضاء"، فما فوق بطن الوادي تبع له، فمن رمى من أعلى الطابق الذي بني على الوادي فهو في حكم من رمى من بطن الوادي، وبهذا يكون قد أتى بفضيلة الرمي من الجهة التي رمى منها". ٢، ٣ - وأما بناء طابق على شارع الجمرات ورفع الشاخص وجدار الجمرة فيمكن أن يقال: ليس فيه مخالفة للشريعة، بل سماحة الشريعة توجبه وتقتضيه في هذه السنوات التي تزايد فيها عدد الحجاج إلى حد يوقع في الحرج، بل تزهق فيه الأرواح، ففي إقامة مثل هذا الطابق دفع للحرج، وحفظ للنفوس، وتيسير لأداء النسك على حجاج بيت الله الحرام. وليس هذا البناء من جنس البناء بمنى للتملك أو الارتفاق الخاص، بل هو من المرافق العامة التي تسهل أداء نسك الرمي مع الراحة وسلامة النفوس، وفي رفع الشاخص وجدار حوض الجمرة إلى حد يمكن معه الرمي من أعلى الطابق ومن أسفله، إعانة لمن فوق الطابق على معرفة مكان رمي الحصيات، وسهولة رميها من غير أن يخل ذلك بسهولة الرمي على من كان أسفل الطابق. ٤ - وأما توسعة دائرة المرمى -بحيث تتسع لوقوف أكثر عدد ممكن من الحجاج، وأن تبقى دائرة المرمى الحالية كما هي عليه من السابق، أي: أن المقصود هو عمل حوض خارجي أوسع من الحالي تتجمع فيه الجمرات التي لا يستوعبها

стр. 2100

الحوض الحالي -فإن حكم ذلك يتبين من الكلام على سبب مشروعية الرمي وبيان موضع الرمي. والأصل في مشاعر الحج، وبيان المستند لبقاء الوضع الحالي للجمار باعتبار مساحة الأرض- لهو الأساس لامتناع بناء حوض خارجي أوسع من الحالي تتجمع فيه الجمرات التي لا يستوعبها الحوض الحالي (١). قلنا: وإذا كانت اللجنة لم تقر توسعة دائرة المرمى إلَّا أننا نرى أن الأظهر -والله أعلم- هو جواز توسعة مرمى الجمرات؛ لأن الحاجة ماسة؛ لضيق دائرة المرمى، ولما يحصل فيها من الزحام الشديد، والحاجة تنزل منزلة الضرورة. ثم في توسعة الجمرات تيسير ورفع للحرج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ...﴾ (٢)، فلو بقيت سعة الجمرات على وضعها لحصل للناس ضيق وحرج شديد؛ لشدة الزحام الحاصل في هذا الزمان. ثم من نظر إلى مواضع تجمُّع الحصى يجد أنها تجتمع في موضع واحد، فليس هناك ما ينافي هذا القول ولا ما يدل على بطلانه، فلا ينبغي المصير إلى ما فيه تشديد وتضييق على الناس وترك ما فيه توسعة ورفع للحرج والأصول تقضي به. إقامة أكشاك في منًى: نظرًا للأعداد الهائلة التي تتدفق لأداء مناسك الحج والتي يزيد فيها العدد عامًا بعد أخر، مما جعل منى تضيق على الحجاج، اقترح بعض المطوفين إقامة أكشاك في منى من دورين؛ لاستيعاب قدر أكبر من الحجاج. وتم عرض الاقتراح على هيئة كبار العلماء وقد صدر عنها فتوى، ومما قالته فيها: "وبعد الدراسة والمناقشة وتداول الرأي رأى المجلس بأغلبية الأصوات أنه لا يجوز إقامة أكشاك

стр. 2101

بمنى على الصفة الموضحة بالمخطط المرفق بالمعاملة، فإنها متى أقيمت على هذه الصفة، وكان تأسيسها مبنيًا على تصميمات فنية، وأسس قوية يرتاح إلى متانتها وتحملها -كما جاء في قرار لجنة الحج العليا رقم (٦) وتاريخ: ٢٣/ ٢ / ١٣٩٣ هـ - فهي إذن في حكم البناء، إذ لا فرق فيما أقيم على وجه من شأنه الثبات والدوام وبين أن يكون من حجارة أو لَبِن أو أخشاب أو غير ذلك. ومع هذا فإنها قد تفضي على مر الأيام وطول العهد إلى الإبقاء عليها في مكانها، وتنتهي إلى الطمع في تملكها أو الاختصاص بها على الأقل، ودعوى أنها لا تكون ثابتة، وأنها يسهل فكُّها بعد تركيبها- لا تتفق مع إقامتها على الصفة الموضحة في المخطط، ولا مع الشرط الذي ذكرته لجنة الحج العليا في قرارها، بل إقامتها كذلك من شأنه ثباتها وبقاؤها؛ تفاديًا من متاعب إقامتها كل عام، وحرصًا على عدم النفقات المتكررة، وحفظًا للمال من الخسائر التي تنشأ عن تلف بعض ما أقيم على هذه الصفة عند فكها، وطمعًا في الانتفاع بها، ثم الوصول إلى دعوى الاختصاص بها على الأقل (١)، (٢). في حكم نقل مقام إبراهيم ﷺ وقت الزحام: قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣)، فإنه لما كثر الوافدون إلى بيت الله الحرام في عصرنا هذا -الذي توفرت فيه من وسائل نقلهم ما لم يتوفر قبلُ، وازدادوا زيادة لم تعهد فيما مضى- أدى ذلك إلى وقوع الطائفين في حرج شديد فيما بين المقام وبين البيت، وفي خلف المقام ممّن يصر على إقامة صلاة الطواف منه وما يحصل من الازدحام، فهل يشرع نقل المقام عن موضعه الذي فيه

стр. 2102

لكي يتسنَّى للحجاج أداء الطواف بيسر وسهولة؟ وهل الأفضل أداء ركعتي الطواف في وسط هذا الزحام الهائل تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؟ أما حكم تأخير المقام اليوم نظرًا للحرج فقد أجازه مفتى الديار السعودية محمَّد بن إبراهيم ﵀ ومما جاء في فتواه ما يلي: "أثبتنا فيما تقدم أن مقام إبراهيم ﵇ كان في عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر الصديق وبعض خلافة عمر بن الخطاب ﵄ في سقع البيت، ثم أخره عمر أول مرة مخافة التشويش على الطائفين، ورده المرة الثانية حين حمله السيل إلى ذلك الموضع الذي وضعه فيه أول مرة، وما دام الأمر كذلك فلا مانع من تأخير المقام اليوم عن ذلك الموضع إلى موضع آخر في المسجد الحرام يحاذيه ويقرب منه؛ نظرًا إلى ما ترتب اليوم على استمراره في ذلك الموضع من حرج أشد على الطائفين من مجرد التشويش عليهم، الذي حمل ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ على أن يؤخره عن الموضع الذي كان فيه في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر بتأخيره. نظرًا لما ذكرنا نكون مقتدين بعمر بن الخطاب المأمور بالاقتداء به، ونرفع الحرج من ناحية أخرى عن الأمة المحمدية التي دلت النصوص القطعية على رفع الحرج عنها. أما عن حكم الصلاة عند المقام فهي سنة بعد الطواف، والأفضل أن تكون خلف مقام إبراهيم بالقرب منه إن لم يتأذَّ أو يُؤذِ أحدًا، وإلا ففي مكان بعيد يبعد به عن الأذية. ونقول لأولئك الذين يصلون خلف المقام، ويصرون على أن يصلوا هناك مع احتياج الطائفين إلى مكانهم، بأنهم قد ظلموا أنفسهم، وظلموا غيرهم، وهم

стр. 2103

آثمون معتدون ظالمون، ليس لهم حق في هذا المكان، وكونهم يصرون على أنهم يكونون في هذا المكان من جهلهم؛ لأن ركعتي الطواف تجوز في كل المسجد. حج الخادمات بلا محرم: لا يجوز للخادمة ولا غيرها من النساء الحج بلا محرم، لقول النبي ﷺ : "لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" (١)، وهو يعم سفر الحج وغيره، وليس على المرأة حج إذا لم تجد محرمًا يسافر معها، فإذا حج أهل بيت وعندهم خادمة وليس معها محرم، فليحجوا بها؛ وذلك لأن حجهم بها أحفظ لها من أن تبقى في البيت وحدها، أو يعيروها لأحد من الناس. وقول بعض العلماء بجواز حجها بلا محرم إذا كانت مع رفقة من النساء بصحبة رجال محارم لهن، فهو قول ليس عليه دليل، والصواب خلافه؛ للحديث المذكور. فيمن خاف أن يحجب عن أداء النسك: الاشتراط عند خوف المنع: اختلف العلماء ﵏ في الاشتراط عند الدخول في النسك. والصواب (*) في هذه المسألة أنه لا يسن الاشتراط إلَّا لمن خاف ما يمنعه من أداء النسك، وهذا القول به تجتمع الأدلة، فإن النبي ﷺ اعتمر مرات عديدة ولم يعرف أنه كان يشترط عند الإحرام، وكذا في حجة الوداع، ولم يأمر أصحابه به، وإنما أمر من جاءت تستفتيه؛ لأنها خشيت أن يشتد بها المرض فيمنعها من أداء النسك، كما في حديث ضباعة بنت الزبير ﵂.

стр. 2104

ويلحق في هذه المسألة من خاف من منع قوات الأمن له من أداء الحج وفقًا لترتيبات الحج الأمنية التي طبقتها السلطات في المملكة، فمن خشي أن يمنع من أداء النسك فله أن يشترط عند الإحرام ويقول: "اللَّهم إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني"، ومن لم يخف فليس له أن يشترط. الاستظلال بالشمسية وما كان في معناها للمحرم: يجوز للمحرم الاستظلال بالشمسية والمحمل والثوب وغير ذلك مما يستظل به عن المطر أو الحر، دليل ذلك حديث أم حصين ﵂: أنها رأت النبي ﷺ يوم النحر على راحلته ومعه أسامة وبلال، أحدهما يقودها، والثاني قد رفع ثوبًا ليظلله من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وبناءً على هذا: يجوز للإنسان المسلم أن يركب السيارة المسقوفة؛ لأن هذا تظليل وليس تغطية. لبس النظارة أو ساعة اليد وغير ذلك للمحرم: يجوز للمحرم لبس النظارة، أو ساعة اليد، وسماعة الأذن، والحزام، والحذاء الذي فيه خيوط، فقد بيَّن النبي ﷺ ما يحرم على المحرم لبسه كما في حديث ابن عمر ﵄ أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : "لا يَلبَسُ القُمُصَ وَلا العَمائِمَ وَلا السَّرَاوِيلاتِ وَلا البَرَانِسَ وَلا الخِفَافَ، إلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَليَلبَسْ خُفَّيْنِ وَليقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلا تَلبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ" (١). والنظارة والسماعة وساعة اليد والحزام، وضبابة اليد أو الرجل، والحذاء المخروز الذي فيه خيوط، لا تدخل في هذه الخمسة لفظًا ولا معنى.

стр. 2105

استخدام مكائن الحلاقة في الأخذ من شعر الرأس: هل الأخذ من شعر رأس المحرم بهذه المكائن يكون حلقًا أم تقصيرًا؟ نقول: الحلق في اللغة: هو أخذ شعر الرأس من أصله بالموسي، وما لا يمكن معه القص فهو الحلق، وهذا مُنْتَفٍ في مكائن الحلاقة؛ إذ إنه بمختلف درجات ماكينة الحلاقة يبقى من الشعر شيء بعد الأخذ منه. وعلى ذلك نقول بأن الحلق بالماكينة يعد تقصيرًا، حتى لو كانت الماكينة تأخذ شيئًا كثيرًا من الرأس، وأن الحلق يختص بالحلق بالموسي إلَّا إذا كان الحلق بالماكينة بدرجة صفر، فهذا حلق. حكم الاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته: قال البعض بجواز الاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته؛ نظرًا لصعوبة تنظيم الذبح في الوقت الحاضر، وهذا بلا شك معارض لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين؛ ولذا أصدرت اللجنة الدائمة قرارًا (١) بشأن هذه النازلة، ومما جاء فيه: "لا يجوز أن يستعاض عن ذبح هدي التمتع والقران بالتصدق بقيمته؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على منع ذلك مع أن المقصود الأول من ذبح الهدي هو التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء، كما قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٢)؛ ولأن من القواعد المقررة في
следующие страницы →