٣ - عقد التأمين:
عقد التأمين من العقود الحادثة التي لم تكن موجودة في عصور الفقه الإِسلامي السابقة ولذلك تعددت آراء.
أنواعه: للتأمين صيغتان:
١ - التأمين التعاوني (التبادلى): ويتم عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر تعاونًا منهم على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث.
٢ - التأمين التجاري: وهو عقد يلزم فيه أحد الطرفين وهو المؤمن أن يؤدي إلى الطرف الآخر وهو المؤمن له عوضًا ماديًا يتفق عليه يدفع عند وقوع الخطر وتحقق الخسارة المبينة في العقد، وذلك نظير رسم يسمى (قسط التأمين) يدفعه المؤمن له حسب ما ينص عليه عقد التأمين (١).
حكم التأمين:
١ - التأمين التعاوني: يجوز التأمين التعاوني (التبادلي) وكذا إعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني لأنه يقصد به التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث وهو يتماشى مع الأصول والقواعد الشرعية ولا يخالفها وهو مبني على التبرع والتكافل.
وقد قال بجواز التأمين التعاوني مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية
стр. 2207
السعودية بقراره رقم (٥١) وتاريخ ٤/ ٤ / ١٣٩٧ هـ , وجاءت حيثيات القرار بأنه من عقود التبرع وخلوه من الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسأ، كما أنه لا يضر جهل المساهمين لأنهم متبرعون فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة.
وقال بجوازه مجلس مجمع الفقه الإِسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإِسلامي، وقد جاء في قراره:
"إن العقد البديل الذي يخدم أصول التعامل الإِسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون".
كما قال بجوازه مجلس مجمع الفقه الإِسلامي التابع لرابطة العالم الإِسلامي في دورته الأولى المنعقدة في شعبان ١٣٩٨ هـ بمكة المكرمة.
٢ - التأمين التجاري: اتفق أكثر الباحثين على عدم جواز التأمين التجاري.
وقد صدر قرار مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم (٥٥) وتاريخ ٤/ ٤ / ١٣٩٧ هـ بعدم جواز التأمين التجاري، وجاء في حيثيات القرار، أنه من عقود المعاوضات المالية المشتملة على الغرر الفاحش وأنه ضرب من ضروب المقامرة وأنه من الرهان المحرم.
وقد قرر مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي التابع لرابطة العالم الإِسلامي في دورته الأولى المنعقدة في مكة المكرمة حرمة التأمين التجاري بجميع أنواعه، سواء كان على النفس أو البضائع التجارية أو غير ذلك وجاء في حيثيات القرار علاوة على ما جاء في قرار هيئة كبار علماء السعودية: "إن عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسأ، كما أن فيه أخذ مال الغير بلا مقابل".
стр. 2208
كما أن مجلس المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي قرر حرمة التأمين التجاري فجاء في قراره رقم ٩ (٩/ ٢):
"إن عقد التأمين التجاري ذي القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير للعقد ولذا فهو حرام شرعًا".
٤ - العقود المستقبلية:
هي عقود قياسية تجري في الأسواق المنظمة بين طرفين بائع ومشترٍ، يلتزم فيها البائع بتسليم المشتري محل التعاقد (سواء أكان سلعة أم ورقة مالية أم عملة) مقابل ثمن محدد يلتزم المشتري بتسليمه بتاريخ محدد.
العقود الأمامية (الآجلة):
هي عقود غير قياسية تجري في الأسواق غير المنظمة بين طرفين بائع ومشترٍ، يلتزم فيه البائع بتسليم المشتري محل التعاقد (سواء أكان سلعة أم ورقة مالية أم عملة) مقابل ثمن محدد يلتزم المشتري بتسليمه للبائع بتاريخ محدد.
الفرق بين العقود المستقبلية والعقود الأمامية (الآجلة):
١ - يجري التعامل في العقود المستقبلية في السوق الرسمية على حين يجري التعامل في العقود الآجلة في السوق غير الرسمية.
٢ - العقود المستقبلية قياسية في بنودها وشروطها يطبق عليها كل ما يطبق على العقود المتداولة في البورصة. أما العقود الأمامية (الآجلة) فلا تخضع لذلك، بل تخضع لرغبة المتعاقدين، وهما اللذان يحددان كل شيء.
стр. 2209
حكم العقود المستقبلية والعقود الأمامية (الآجلة) في غير العملات:
يرى عامة العلماء المعاصرين تحريم هذه العقود؛ لأنها بيع دين بدين، وحقيقة هذه العقود أنها من قبيل المراهنة على فروقات الأسعار وليس المقصود منها البيع والشراء الحقيقي، وهذا نوع من القمار، كما أن فيها غررًا ظاهرًا يؤثر في العقد، وهو كذلك من بيع الإنسان ما لا يملك.
جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإِسلامي سنة ١٤٠٤ هـ:
"إن العقود الآجلة التي تجري في هذه السوق ليست في معظمها بيعًا حقيقيًا ولا شراءً حقيقيًا؛ لأنه لا يجري فيها التقابض بين طرفي العقد فيما يشترط له التقابض في العوضين، أو في أحدهما شرعًا.
ثانيًا: أن البائع غالبًا يبيع ما لا يملك".
كما يرى بعض المعاصرين جواز التعامل في عقود مستقبلية على أصول حقيقية، يحتاج المتعامل أن يواجه مخاطر تقلبات الأسعار وقت حاجته إلى السلعة في المستقبل، وذلك جائز شرعًا بشرط أن يكون التعامل في أسواق لا تقع في مخالفات شرعية (١).
حكم العقود المستقبلية والآجلة على العملات:
يرى عامة الفقهاء المعاصرين عدم جواز ذلك؛ لأنه من بيع الدين بالدين، ويتم في هذه العقود الربا المجمع على تحريمه وهو ربا النسيئة؛ لأنه يشترط في بيع العملات الحلول والتقابض.
стр. 2210
وقد جاء قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإِسلامي المنعقدة بمكة المكرمة بتاريخ ١٤١٢ هـ: "إذا تم عقد الصرف مع الاتفاق على تأجيل قبض البدلين أو أحدهما إلى تاريخ معلوم في المستقبل بحيث يتم تبادل العملتين معًا في وقت واحد في التاريخ المعلوم، فالعقد غير جائز لأن التقابض شرط لصحة تمام العقد ولم يحصل".
وجاء في قرار مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي المنعقدة في جدة ١٤١٢ هـ:
"يتم التعامل بالعملات في الأسواق المنظمة بإحدى الطرق الأربع المذكورة في التعامل بالسلع ولا يجوز شراء العملات وبيعها بالطريقتين الثالثة والرابعة (١).
والطريقة الثالثة والرابعة تنطبق على التعامل بالعملات المعمول به حاليًا في العقود المستقبلية والآجلة".
٥ - الربح بالنسب المتغيرة في البيع والإجارة والسلم:
والمقصود به عدم ثبوت الأرباح بل تكون متغيرة في صعود أو نزول.
الحكم الشرعي:
شروط صحة البيع والإجارة والسلم أن تكون القيمة معلومة عند العقد، وذلك يشمل التكلفة والربح، ولا يجوز أن يكون الثمن أو الربح مجهولًا؛ بل إن ذلك يؤثر على سلامة العقد ويجعله غير صحيح.
стр. 2211
المراجع والمصادر
١ - أبحاث هيئة كبار العلماء بالسعودية- الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ.
٢ - الإجارة المنتهية بالتمليك خالد عبد الله الحافي. المطابع الوطنية الحديثة الطبعة الأولي ١٤٢٠ هـ.
٣ - إعلام الموقعين عن رب العالمين. لابن القيم الجوزية، محمَّد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي المتوفي سنة ٧٥١ هـ.
٤ - أعمال البنوك والشريعة الإِسلامية د. محمَّد صالح الدين دار البحوث العلمية الطبعة الأولي ١٩٧٦ م.
٥ - بحوث في الاقتصاد الإِسلامي للشيخ عبد الله المنيع - المكتب الإِسلامي بيروت الطبعة الأولي ١٤١٦ هـ.
٦ - بدائع الصانع في ترتيب الشرائع، علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني مطبعة الجمالية القاهرة ١٣٢٨ هـ.
٧ - البنك اللاربوي في الإِسلام، محمَّد باقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، بيروت الطبعة السابقة ١٤٠٠ هـ.
٨ - البنوك الإِسلامية بين النظرية والتطبيق د. عبد الله الطيار.
٩ - الجامع في فقه النوازل د. صالح بن حميد- مكتبة العبيكان الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.
١٠ - توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام لابن بسام-مكتبة الأسدي مكة المكرمة- الطبعة الخامسة ١٤٢٣ هـ.
стр. 2212
١١ - جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، صالح عبد السميع الأزهري- دار إحياء الكتب العربية.
١٢ - حاشية ابن عابدين المسمى رد المحتار على الدر المختار، محمَّد أمين عابدين، مطبعة مصطفى الحلبي بمصر الطبعة الثانية ١٣٨٦ هـ.
١٣ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير -دار الفكر- بيروت.
١٤ - حاشية الروض المربع، عبد الرحمن بن قاسم- الطبعة الرابعة ١٤١٠ هـ.
١٥ - روضة الطالبين للنووي المتوفي سنة ٦٧٦ هـ.
١٦ - شرح فتح القدير لابن الهمام- المطبعة الكبرى الأميرية بمصر الطبعة الأولى ١٣١٦ هـ.
١٧ - صحيح البخاري لأبي عبد الله محمَّد إسماعيل البخاري- مطبعة الحلبي بمصر.
١٨ - صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري المتوفي ٢٦١ هـ.
١٩ - عقد البيع، مصطفى الزرقاء -دار القلم- دمشق.
٢٠ - عمليات البنوك من الوجهة القانونية د. علي عوض -دار النهضة العربية- القاهرة ١٩٨١ م.
٢١ - فقه الزكاة د. يوسف القرضاوي- مكتبة وهبه بمصر الطبعة السادسة عشرة ١٤٠٦ هـ.
٢٢ - فقه النوازل د. بكر أبو زيد -مؤسسة الرسالة- بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.
стр. 2213
٢٣ - فقه النوازل د. محمد الجيزاني دار ابن الجوزي- الطبعة الثالثة ١٤٢٩ هـ.
٢٤ - قرار المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر.
٢٥ - كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي.
٢٦ - لسان العرب لابن منظور.
٢٧ - مجموع فتاوى وبحوث للشيخ عبد الله المنيع -دار العاصمة بالرياض- الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.
٢٨ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية- الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.
٢٩ - مجلة المجمع الفقهية العدد الخامس.
٣٠ - المدونة للإمام مالك -رواية سحنون- مطبعة السعادة بمصر.
٣١ - المصارف والأعمال المصرفية د. غريب الجمال- مؤسسة الرسالة القاهرة.
٣٢ - المعجم الوسيط د. إبراهيم أنيس وزملاؤه مجمع اللغة العربية- مطابع دار المعارف بمصر الطبعة الثانية ١٣٩٣ هـ.
٣٣ - المغني لابن قدامه أبي محمد عبد الله بن أحمد المقدسي- مكتبة الرياض الحديثة.
٣٤ - مغني المحتاج للشربيني الخطيب- مطبعة الحلبي ١٣٧٧ هـ.
٣٥ - المنفعة في القرض، عبد الله العمراني- دار ابن الجوزي للنشر الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.
٣٦ - مواهب الجليل شرح مختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن محمد المعروف بالحطاب- مطبعة دار الفكر الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.
стр. 2214
٣٧ - الموسوعة العربية العالمية- الطبعة الثانية.
٣٨ - الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية- إصدار الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.
٣٩ - الموسوعة العربية الميسرة -دار إحياء التراث العربي- بيروت لبنان.
٤٠ - الموسوعة الفقهية الكويتية.
٤١ - نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي -مؤسسة الرياض- الطبعة الثانية ١٤٢٤ هـ.
٤٢ - نظرية الضمان الشخصي (الكفالة) د. محمد الموسى- مكتبة العبيكان الطبعة الأول.
стр. 2215
الفِقهُ الميَسَّر
النَّوازلُ المُعاصرة في فقهِ الأسْرة
مَوسُوعة فقهيَّة حَديثَة تتناوَل أحكام الفقه الإسلامي بأسُلوب وَاضح للمختصّين وغيرهم
تَأليف
أ. د/عَبد الله بن محمد الطيّار
أستَاذ الدراسات العليا بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلامية بجامعة القصيم
أ. د/عبد الله بن محمّد المطلق
عضو هَيئة كبار العُلَماء، وعضو اللجنة الدَّائمة للإفتاء
د/محمَّد بن إبراهيم الموسَى
عضو مجلس الشورى سابقًا - المجلس الأعلى للأوقاف
الجزء الحادي عشر
مدار الوطن للنشر
стр. 2216
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2217
الفِقهُ الميَسَّر
النَّوازلُ المُعاصرة في فقهِ الأسْرة
стр. 2218
حقُوق الطَّبع محفُوظَة
الطَّبعَة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
مَدَارُ الوَطن للنَّشر
المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز
ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١
البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com
موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com
الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦
الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨
التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤
التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧
مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
стр. 2219
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد:
في ظل المستجدات العصرية التي أحاطت بالإنسان من كل جانب فأثرت عليه في حياته اليومية، فلا يخلو يوم يمر على الإنسان إلا ويحدث له نازلة، إما في عباداته أو معاملاته أو في حياته الأسرية، وقد يقف البعض أمام هذه النوازل فلا يعرف كيف يتعامل معها.
والعبد مأمور بأن يتعامل مع كل نازلة بما يقتضيه الشرع المطهر بعيدًا عن هوى النفس وبعيدًا عن فتاوى من لا يعرف للنوازل قدرًا فيفتي فيها بغير علم ولا بينة من الشرع.
ولقد تناولنا -بفضل الله وكرمه- جملة من النوازل في العبادات والمعاملات، واستكمالًا لما قد تم إنجازه نضع بين يد إخواننا جملة من نوازل فقه الأسرة.
وقد حرصنا فيه كسابقه على ذكر آراء المجامع الفقهية ولجان الفتوى، ومتى ظهر لنا الترجيح في تلك المسائل أيدناه، وقد يكون لغيرنا رأي يخالفه ولا حرج في ذلك، فكل ينتهي إلى ما يراه؛ لا سيما في هذه القضايا المستجدة التي يحتاج الحكم عليها إلى النظر لها من زوايا مختلفة.
стр. 2220
ولنا رجاء من كل من يطلع على هذه الموسوعة أن يوافينا بما يراه من مسائل إضافية أو ملحوظات أو اقتراحات، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه. نسأل الله أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
المؤلفون
стр. 2221
النوازل المعاصرة في فقه الأسرة
النوازل المتعلقة باستخدام الوسائل الحديثة في النكاح
الخطبة عن طريق الإنترنت:
لقد أصبحت وسائل الاتصال الحديثة والتقنيات المتقدمة في هذا الزمان لها أهمية كبيرة، وقد استخدمت هذه الوسائل في كل ما يفيد وما لا يفيد، بل وفي كل ما يجوز وما لا يجوز، ومن الأمور التي استخدمت فيها هذه الوسائل الخطبة عن طريق الإنترنت، فقد انتشرت في شبكة الإنترنت مواقع كثيرة يسهل من خلالها للراغب في الزواج إعلان رغبته، وتتيح له فرصة عرض نفسه على الطرف الآخر، وفرصة البحث عمن تتحقق فيه الصفات التي يرغبها.
والذي نراه في هذه النازلة أن الاستفادة من الإنترنت عن طريق جمعيات متخصصة في هذا الشأن أو عن طريق الأولياء بالنسبة للمرأة بحيث يظهر فيها وجود من يرغب الزواج، فإنه لا شيء فيه إذ هو من الوسائل التي يمكن التواصل عن طريقها بعد أن كثر الناس وصعب معرفة بعضهم لبعض.
أما أن يكون الاتصال من المرأة بالرجال الأجانب عن طريق الإنترنت وغيرها من الوسائل الحديثة؛ فلا يجوز للمرأة أن تعرض نفسها للخطبة من خلال هذه المواقع وذلك لما في ذلك من المخاطر الجمة، ومنها صعوبة معرفة الحقيقة، وكثرة ارتياد أهل الفسوق والفساد لمثل هذه المواقع، مما قد يغير نية الباحث عن زوجة أو الباحثة عن زوج من قصد بريء مشروع إلى مقصد سيئ، فخير للمرأة أن لا تعرف ولا تخاطب الرجال الأجانب إلا في حال الضرورة؛ كالعلاج، أو الاستفتاء، وما شابه ذلك من الحاجات المشروعة.
стр. 2222
أما التعارف بينهما عن طريق الإنترنت فهو بوابة للشر، واستدراج من الشيطان، كما وقع في حبائل ذلك كثير من العفائف، بعد أن زال عنهن جلباب الحياء (١).
الخطبة عق طريق الفيديو والصورة:
لا مانع لمن ترغب في الزواج أن تبحث عنه بالطرق المشروعة، وكذلك وليها له أن يبحث عن زوج لابنته بالطرق المشروعة، فقد فعل ذلك عمر ﵁ حيث عرض حفصة على أبي بكر وعثمان ﵄، أما كونه يقتصر أو تقتصر الفتاة لمن يريد خطبتها على صورة لها، فالذي نراه أنه لا يجوز إعطاء من يريد خطبة فتاة صورتها من أجل خطبتها (٢) أو إعطائه شريط فيديو قد عرضت فيه هذه الفتاة؛ وذلك لأمور منها:
* أولًا: أنه قد يشاركه غيره في النظر إليها:
*" ثانيًا: أن الصورة لا تحكي الحقيقة تماما، فكم من صورة رآها الإنسان فإذا شاهد المصوَّر وجده مختلفًا تماما.
* ثالثًا: أنه ربما تبقى هذه الصورة عند الخاطب، ويعدل عن الخطبة، وتبقى الصورة عنده فيعبث بها كما شاء. والبديل عن ذلك هو الرؤية الشرعية التي أمر بها النبي ﷺ : "اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنكُمَا" (٣).
стр. 2223
حكم تزين المخطوبة عند خطبتها:
ذهب عامة أهل العلم إلى إباحة نظر الخاطب إلى مخطوبته عند عزمه على الزواج، ومنهم من قال باستحبابه، وله تكرار النظر للحاجة.
أما حدود النظر: فهو كما تقرر لدى جمهور الفقهاء أنه يجوز النظر إلى الوجه والكفين فقط، ولا يجوز النظر إلى ما سواهما؛ لأن الحاجة تنقضي بذلك، فالوجه دليل على جمال البدن، واليدان دليل على نضرته.
ويجوز تزين المخطوبة لمن يريد خطبتها عند النظرة الشرعية من الزينة المباحة كالكحل وما شابهه من أدوات التجميل، بشرط ألا يصل تزينها بأدوات التجميل إلى حدِّ التغرير والتدليس، بحيث تخفي عنه بعض العيوب التي لو رآها على حقيقتها لكان باعثًا على الإعراض عنها، فيكون هذا من الغش المنهي عنه.
وذلك لأن المطلوب من النظرة الشرعية هو أن ينظر الخاطب إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فتستعد وتتهيأ بإصلاح نفسها بما يُرغبه فيها، ويدعوه إلى نكاحها.
قال الشيخ الحطاب المالكي ﵀: "قَالَ ابْنُ القَطَّانِ: وَلَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ لِلنَّاظِرِينَ، بَل لَوْ قِيلَ: بِأنَّهُ مَنْدُوبٌ مَا كَانَ بَعِيدًا وَلَوْ قِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ لَهَا التَّعَرُّضُ لِمَنْ يَخْطُبُهَا إذًا سَلِمَتْ نِيَّتُهَا في قَصْدِ النّكَاحِ لَمْ يَبْعُدْ" (١) انتهى.
ونرى أنه يجوز للمرأة التزين باللباس الساتر ووضع شيء من أدوات التجميل على وجهها وما يظهر منها كاليدين والرجلين بما لا يصل إلى التغرير والتدليس (٢).
стр. 2224
حكم التحدث عبر الهاتف بين المخطوبين:
قد يحتاج الخاطب إلى محادثة المخطوبة خاصة في الحالات التي لا يمكن فيها رؤية مخطوبته، فيحادثها عن طريق الهاتف ليتعرف على صوتها وليقف على رأيها فيما له أثر في الحياة الزوجية المقبلة.
وقد منع من المحادثة عبر الهاتف والإنترنت بعض أهل العلم لما يفضي إليه سدًا للذريعة ولما يخشى من المحادثة التي قد تجر إلى أمور محرمة.
وذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك لكن قيدوها بقيود منها:
١ - أن تكون المحادثة بعلم أهل المخطوبة.
٢ - أن تكون بقدر الحاجة، قياسًا على الرؤية الشرعية.
٣ - أن تكون بعيدة عن منكر القول، وفي حدود المعروف من القول.
والذي يظهر أنه لا حرج في محادثة الخاطب للمخطوبة عبر الهاتف لكن بالقدر الذي أباحه الشرع، مثل أن يقول لها مثلًا: هل تشترطين كذا؟ أو أشترط لزواجك كذا، وما أشبه ذلك، ويكون ذلك وفق القيود المذكورة آنفًا، وبعلم أهلها.
فإن كان كلام الخاطب مع مخطوبته عبر الهاتف أو غير ذلك من وسائل الاتصال، فيه خضوع بالقول، مثير للعواطف، مهيج للمشاعر، فيكون الكلام محرمًا؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. لأن المخطوبة لا تزال أجنبية عن الخاطب، وهي لا تختلف في هذا الحكم عن المرأة الأجنبية (١).
стр. 2225
ما يسمى بـ (خاتم الخطوبة):
تاريخ هذه النازلة: خاتم الخطبة من التقاليد الفرعونية القديمة، وأول من اتبع ذلك هم قدماء المصريين؛ والسبب في ذلك أن النقود التي كانوا يتعاملون بها كانت على هيئة حلقات ذهبية، وكون الخاطب يضع هذه الحلقات في إصبع المخطوبة يعني أنه قد وضع كل أمواله وكل ما يملك تحت تصرفها (١).
أما الدبلة التي توضع في يد العروسين: فهي عادة نصرانية أيضًا مصحوبة باعتقاد أن هناك عرقًا توجد في الأصبع (البنصر)، يتصل بالقلب، مباشرة، وأنها أي (الدبلة) تسبب محبة بين الزوجين.
ومجموع ما يعطى للمخطوبة من ذهب؛ كخاتم، ودبلة، وأسورة، ونحو ذلك هي ما تسمى (الشبكة).
الحكم الشرعي في لبس الدبلة:
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "لا أعلم له أصلًا، ولم يكن من عادة المسلمين، والذي سمعناه أنه من عادة النصارى، وأنه ورد إلى الناس من لبنان وغيره، فالذي أرى أن ترك ذلك هو الذي ينبغي، هو أسلم وأبعد عن مشابهة الكفرة، ولم يبلغنا عن سلفنا الصالح أنهم كانوا يفعلون شيئًا من ذلك، وإنما يخطب المرأة ويقدم ما تيسر من المهر ويكفي هذا، أما الدبلة والشبكة فليس لها أصل" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لبس الدبلة للرجال أو النساء من الأمور المبتدعة، وربما تكون من الأمور المحرمة؛ لأن بعض الناس يعتقدون أن الدبلة سبب لقاء المودة بين الزوج والزوجة، ولهذا يذكر لنا أن بعضهم يكتب على دبلته اسم
стр. 2226
زوجته وتكتب على دبلتها اسم زوجها، وكأنهما بذلك يريدان دوام العلاقة بينهما وهذا نوع من الشرك؛ لأنهما اعتقدا سببًا لم يجعله الله سببًا لا قدرًا ولا شرعًا، فما علاقة هذه الدبلة بالمودة أو المحبة، وكم من زوجين بدون دبلة وهما على أقوى ما يكون من المودة والمحبة! وكم من زوجين بينهما دبلة وهما في شقاء وعناء وتعب! ".
فهي بهذه العقيدة الفاسدة نوع من الشرك، وبغير هذه العقيدة تشبه بغير المسلمين؛ لأن هذه الدبلة متلقاة من النصارى، وعلى هذا فالواجب على المؤمن أن يبتعد عن كل شيء يخل بدينه.
أما لبس خاتم الفضة للرجل من حيث هو خاتم لا باعتقاد أنه دبلة تربط بين الزوج وزوجته، فإن هذا لا بأس به؛ لأن الخاتم من الفضة للرجال جائز والخاتم من الذهب محرم على الرجال؛ لأن النبي ﷺ رأى خاتم ذهب في يد أحد الصحابة ﵃ فطرحه وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في يده" (١).
فالذي يظهر لنا أنه لا يجوز تقديم الخاطب لمخطوبته ما يسمى بدبلة الخطوبة وذلك لما يلي:
١ - أن لبسها فيه تشبه بالكفار، فهو عادة عندهم كما سبق.
٢ - أن لبس الدبلة كما سبق فيه نوع اعتقاد أنها سبب لجلب المحبة والمودة، أو أنه يذهب العداوة بين الزوجين وهذا من الشرك.
٣ - أن ذلك أمر محدث لم يكن في عهد الرسول ﷺ ولا عهد أصحابه.
فإذا كانت هذه الشبكة (الحلي) من قلادة وأسورة وخواتم من غير دبلة فلا مانع من ذلك حيث لا يترتب عليه محذور، فإذا قدمت للزوجة على أنها هدية فلا
стр. 2227
يحق للزوج الرجوع فيها، فإنها تجري عليها أحكام الهبة والهدية التي تلزم بالقبض، وتكون ملكًا للمخطوبة، وإن قدمت لها على أنها جزء من الصداق يبقى مودعًا عندها حتى يتم العقد فيصير ملكًا لها فإنها لا تملكها إلا بالعقد، وعليه فالواجب إرجاعها إلى الخاطب إذا حصل تراجع عن الخطبة، ولا أثر لكون التراجع عن الخطبة من جهة الزوج أو من جهة الزوجة؛ لأن الخطوبة ليست عقدًا ملزمًا، فلكل من الطرفين التراجع عنه متى شاء، لكن ينبغي الوفاء به ديانة إذا لم يكن هناك سبب مقبول شرعًا يدعو إلى الترك.
وإذا كانت الهدايا من غير الحلي، وقد استهلكت من قبل المخطوبة فليس للخاطب استرداد قيمتها.
إقامة حفل الخطوبة:
من العادات التي انتشرت في المجتمعات الإسلامية ما يسمى بحفل الخطبة، فيجتمع فيه أهل الخطيبين وغيرهما تعبيرًا منهم عن الفرحة التي غمرت مشاعرهم، ويقوى داعي الاجتماع حينما تتأخر إحدى الفتيات عن الزواج ويتقدم سنها، فما أن يأتي إليهم الخاطب لخطبة الفتاة، إلا ويحصل عندهم نوع فرح يحصل من خلاله ما يسمى بحفل الخطبة.
والخطبة ما هي إلا وعد بالزواج، ولا يترتب عليها أي أمر آخر من أمور الشرع.
والفرح بالخطبة أمر لا حرج فيه، لكن حفل الخطبة قد يحصل فيه أمور محرمة من اختلاط وغناء ورقص كما هو موجود في بعض البلدان الإسلامية، بل ويحصل فيه من أن الخاطب يلبس المخطوبة الأساور وما يسمى بدبلة الخطوبة، وهذا كله من الأمور المحرمة؛ وذلك لأن المخطوبة قبل أن يتم العقد عليها تعتبر أجنبية عن الخاطب لا صلة لها به، فلا يجوز له أن يخلو بها ولا أن يصافحها، فضلًا عن أن يراها
стр. 2228
في كامل زينتها، كما هو الحال في مثل هذه الحفلات.
وأما بعد العقد فهي زوجته ولهما أن يقيما حفلة لإعلان هذا النكاح، مع مراعاة أن تكون هذه الحفلة غير مشتملة على محرم، كالاختلاط والغناء المصحوب بالآلات الموسيقية والكلام الفاحش، ونحو ذلك من المحرمات.
نشر إعلانات الزواج عن طريق الإنترنت:
تقوم بعض النساء عبر الإنترنت إذا أرادت زوجًا بإرسال بعض الكلام، وذلك بوصف نفسها مثلًا فتصف شعرها وبدنها وبياضها أو أي شيء منها.
والحقيقة الذي لا تخفى عن الجميع أن مواقع الزواج على الإنترنت كثرت، وهي بين مواقع متخصصة، وخدمات تقدمها بعض المواقع رغبة في تكثير عدد متصفحيها.
وانتشار هذه الظاهرة يدل على حجم وعمق المعاناة التي تعيشها المرأة المسلمة في مجتمعاتنا، التي جعلت الزواج صعبًا، فصار الحرام أسهل من الحلال، حتى طلَّ علينا شبح العنوسة، وصار يهدد أمل الشباب في إقامة أسر سعيدة، ويقضي عليهم باليأس والقنوط، كل ذلك بسبب حيدة المجتمع عن الأخذ بأحكام الإسلام في تيسيره أمر الزواج، في هذا الوضع المزري الذي لولاه لما باحت العذراء ذات الخدر بسرها -والذي وجدت في الإنترنت سبيلًا للبوح به- مما يدل على عمق المأساة
وحجم المشكلة.
حكم هذه النازلة:
الحكم عليها يختلف باختلاف المواقع: فمنها الجاد الذي هدفه التوفيق بين الجنسين ويتخذ احتياطات جيدة في ذلك، فيقوم باستقبال الطلبات من الطرفين، ثم يقوم بالمطابقة بينها، ثم يُعْلِم الطرفين بذلك دون أن ينشر شيئًا من بياناتهما، وهذه الطريقة لا حرج فيها، بل هي من التعاون على البر والتقوى، مع التنبيه إلى أن الأمر
стр. 2229
بعد موافقة الطرفين يعتبر مجرد خطبة له أحكام الخطبة، أما الزواج فله شروطه التي يجب توافرها للحكم بصحته.
ومن المواقع ما هو هازل، أو ما يتخذ مسرحًا للفارغين، وذلك بأن ينشر الطرفان بياناتهما وعنوانهما، وهذا ما يجعل القضية محفوفة بالمخاطر، وسبيلًا للعب بعواطف البنات، والتغرير بهن، فينبغي اجتناب هذه الطريقة سدًّا للذريعة المفضية إلى ما لا تحمد عقباه.
حفلات الزواج ليلة العرس:
حفلات الزواج في الإسلام: حفلات تجمع بين إدخال الفرح والسرور على الحاضرين، لكن لا بد من التزام العفة والصيانة والبعد عن المحرمات.
فالنساء يحتفلن بالزواج بمعزل عن الرجال، يفعلن كل ما من شأنه أن يدخل السرور على الزوجة ومَنْ حولها، من لهو ومرح وغناء مصحوب بالدف، وأكل وشرب وغير ذلك مما يختلف باختلاف العادات والأعراف، إذا كان داخلًا في دائرة المباح.
وكذلك الرجال، يجتمعون في مكان خاص بهم، يتبادلون التهنئة، ويدعون للزوجين بالبركة، ويسن أن يصنع الزوج وليمة يأكل منها الحاضرون، من غير إسراف.
فالغرض من حفلة الزواج إعلانه وإظهاره، وتمييزه عن السفاح المحرم، وإدخال السرور على الزوجين وأهاليهما وأصدقائهما، مع تحقيق العبودية لله تعالى في ذلك كله.
لكن لا بد من التنبيه على أنه لا يجوز ظهور الزوج على المنصة بجوار زوجته أمام النساء الأجنبيات عنه اللاتي حضرن حفلة الزواج، وهو يشاهدهن وهن يشاهدنه، وكل متجمل أتم تجميل، وفي أتم زينة فهذا منكر يجب إنكاره، والقضاء
стр. 2230
عليه من ولي الأمر الخاص للزوجين وأولياء أمور النساء اللاتي حضرن حفل الزواج، فكل يأخذ على يد من جعله الله تحت ولايته، ويجب إنكاره من ولي الأمر العام، من حكام وعلماء وهيئات الأمر بالمعروف، كل بحسب حاله من نفوذ أو إرشاد، وكذلك يحرم إقامة الحفلات المشتملة على الرقص والغناء المثير للغرائز والذي يدعو إلى المجون، وكذا سائر المحرمات التي ترتكب في مثل هذا الحفل (١).
التصوير الفوتوغرافي ليلة العرس:
لقد اعتاد الناس في هذه الأزمنة أمورًا لا ينظرون إليها من جهة الحل والحرمة وبخاصة ليلة العرس مقلدين بذلك غير المسلمين، فكم يحصل في هذه الليلة من مخالفات للشرع من تصوير العروسين عن طريق التصوير الفوتوغرافي أو عبر التصوير بالفيديو من أجل الذكرى وغير ذلك.
ووجه كون ذلك نازلة أن هذا النوع من أجهزة التصوير، أي: التصوير الفوتوغرافي لم يكن موجودًا ولا معروفًا في عهد رسول الله ﷺ ، ولا في زمن الصحابة، ولا عهد ازدهار المدارس الفقهية، وإنما اكتشف مؤخرًا، وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكم التصوير الفوتوغرافي، فقال بعضهم بحرمة هذا النوع من التصوير كسائر أنواع التصوير، ولا يباح منه إلا ما تدعو إليه الضرورة، أو تقتضيه المصلحة العامة؛ لعموم أدلة التحريم وصراحتها وشمولها لكل ما يسمى صورة، وقال بعضهم بجواز هذا النوع من التصوير؛ لأن الآلة هي التي تخرج الصورة فورًا, وليس للإنسان في الصورة أي عمل، إنما هذا من باب نقل صورة صورها الله بواسطة هذه الآلة، فهي انطباع لا فعل للعبد فيه من حيث التصوير، والأحاديث الواردة إنما هي في التصوير الذي يكون بفعل العبد ويضاهي به خلق
стр. 2231
الله، ولكن إذا كان هذا التصوير الفوتوغرافي لغرض محرم، فإنه يكون حرامًا تحريم الوسائل.
والذي يظهر لنا أن تصوير حفلات الأعراس بالفيديو، أو بالتصوير الفوتوغرافي لا يخلو من:
أولًا: أن يشتمل على تصوير النساء فهذا محرم، سواء كان المصور رجلًا أو امرأة، لما في الأول من اطلاع هذا الرجل على عورات النساء وزينتهن، ولما في الثاني من مظنة اطلاع الرجال على هذه الصور أثناء تحميضها وإعدادها أو بعد ذلك.
ثانيًا: أن يقتصر على تصوير الرجال، فهذا مما اختلف العلماء في تحريمه (١)، ونرى جوازه ما دام أنه لا يترتب عليه محذور ومخالفات شرعية (٢).
ما يسمى بزفة العروسين:
اعتاد الناس في هذه الأزمنة بأن تكون هناك زفة للعروسين جميعًا، فإن كانت هذه الزفة خالية عن المحاذير الشرعية؛ كالموسيقى، وكشف العورات، والتبذير الشديد، واختلاط الرجال بالنساء، بحيث تكون النساء مع بعضهن والرجال كذلك فلا بأس بها؛ لأنها من جملة المباحات، ولأنه يستحب إعلان النكاح والضرب بالدف.
أما إن كانت الزفة مشتملة على أحد المحاذير الشرعية؛ كدخول الرجل وامرأته بين النساء، أو تواجد أقارب الزوجين من الرجال والنساء وهن في كامل زينتهن.
فكل هذا لا يجوز مطلقًا؛ لما فيه من الفتنة بدخول الرجل على نساء أجنبيات منه، وقد يكون سببًا لفتنة بعضهن، أو افتتانه بهن، وهكذا إذا كان مصحوبًا بالغناء أو الرقص، أو تقبيل الزوجة أمام الحضور أو ما أشبه ذلك من الأعمال المحرمة، أو
стр. 2232
ظهور الزوج على المنصة بجوار زوجته أمام النساء الأجنبيات عنه اللاتي يحضرنَ حفل الزواج وهو يشاهدهنَ وهنَ يشاهدنه، وكل متجمل أتم تجمل وفي أتم زينة فلا شك أن الزفة في تلك الحالة لا تجوز.
حكم لبس الفستان الأبيض ليلة العرس:
لا حرج على المرأة أن تلبس فستان الزفاف الأبيض، بشرط ألا تظهر به أمام الرجال الأجانب عنها؛ لأن الغالب أن فستان الزفاف يكون مزخرفًا ومزينًا، لكن بشرط ألا يكون ذلك الفستان عاريًا يبدي مفاتن المرأة، وألا يكون على هيئة ثياب الرجال.
وفستان العرس الأبيض مع كونه لم يكن معهودًا من قبل في بلاد المسلمين بل هو مأخوذ عن غيرهم، إلا أنه أصبح غير قاصر عليهم، وإنما عمت به البلوى عند المسلمين، ومن ثم فلا يعتبر من التشبه الممنوع (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "المرأة يجوز لها أن تلبس الثوب الأبيض، بشرط ألا يكون على تفصيل ثياب الرجل، وأما كونه تشبهًا بالكفار فقد زال الآن هذا التشبه، لكون كل المسلمين إذا أرادت النساء الزواج يلبسنه، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا زال التشبه وصار هذا شاملًا للمسلمين والكفار، زال الحكم، إلا أن يكون الشيء محرمًا لذاته لا للتشبه، فهذا يحرم على كل حال" (٢).
حكم رقص العروس في حفل عرسها وسط المدعوين بفستان الزفاف:
من بين التقاليد والعادات الدارجة عند بعض المسلمين أن تقوم العروس في حفل عرسها بالرقص وسط المدعوين بفستان الزفاف، الذي عادة ما يكون غير
стр. 2233
ساتر لجسمها، فإذا كان ذلك بين النساء فقط وليس للرجال، فلا حرج أن ترقص بينهم مع التستر، بحيث لا يبدو منها إلا ما جرت العادة بظهوره كالرأس واليدين والقدمين ونحو ذلك، وتكون متسترة في بقية جسمها، أما إذا كان هناك رجال فلا يجوز (١).
قضاء شهر العسل بعد الزواج:
ما يسميه الناس بـ (شهر العسل)، وهو أن يصحب الزوج زوجته ويسافر بها إلى مدينة أو بلد آخر فلا يخلو أن يكون السفر إلى أماكن اللهو والمعصية، وهذا لا يجوز، بل كيف يبدأ الزوجان طريق حياة الزوجية بمثل هذه العادات المنكرة والظواهر السيئة.
ويزيد هذا السفر قبحًا إذا كان إلى بلاد غير المسلمين، إذ يترتب عليه مفاسد كثيرة وأضرار تعود على الزوج والزوجة معًا، فقد يتأثر الزوج بعادات الكفار وتقاليدهم فيزهد في دينه وعاداته الطيبة، وتتأثر الزوجة كذلك بالكافرات فتخلع ربقة الدين وتاج الحياء، وتزهد في أخلاق وعادات أهلها الطيبة، وتنجرف في تيار الفساد والخلاعة والتبرج.
قال الشيخ صالح الفوزان: "وما تعورف عليه في هذا الزمان لدى كثير من المترفين من الشباب وذوي الثروة من السفر صبيحة الزواج إلى البلاد الخارجية الكافرة لإمضاء شهر العسل كما يسمونه، وهو في الواقع شهر السم؛ لأنه شهر محرم، يؤدي إلى شرور كثيرة؛ من خلع الحجاب، والتزيي بزي الكفار، ومشاهدة أفعال الكفار وتقاليدهم السخيفة، وزيارة أمكنة اللهو، حتى ترجع المرأة متأثرة بتلك الأخلاق الرذيلة، زاهدة بأخلاق مجتمعها المسلم، فإن هذا السفر حرام شديد
стр. 2234
التحريم، يجب الأخذ على يد مرتكبيه، ومنعهم منه، ويجب على أولياء المرأة منعها من ذلك السفر" (١) انتهى.
وأما أن يكون السفر إلى أماكن تتسم بالطهارة والنقاء بقصد الترفيه، ولم يكن في هذا السفر شيء من المنكرات وكان السفر مشروعًا، كالسفر لأداء العمرة مثلًا، فإن هذا السفر لا بأس به بل قد يكون مناسبًا للزوجين في أول حياتهما (٢).
الاحتفال السنوي بالزواج:
مما تأثرت به المجتمعات الإسلامية اليوم ما عليه الغرب بما يسمى بعيد الزواج كما تأثروا بهم من قبل فيما يسمى بعيد الحب وعيد الأم وعيد الميلاد، وغير ذلك من الأعياد التي أحدثت في بلاد المسلمين وتحقق في المسلمين ما وعد به النبي ﷺ : "لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ"، قُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ؟ " (٣). وقال الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] , وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩] , وقال النبي ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ" (٤).
وقد بين ﷺ أن الأعياد الإسلامية ثلاثة، وهي: يوم الجمعة وعيدا الفطر والأضحى، وما عداها فهي أعياد باطلة مبتدعة، كما أنها لم تكن من هدي النبي ﷺ ،
стр. 2235
ولا صحابته الكرام، ولا عرفت مثل هذه الأعياد إلا بعد القرون الثلاثة الفاضلة؛ مما يدل على أنها محرمة، وليس لها أصل في الإسلام؛ ولذلك لما قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما؛ قال: "ما هذان اليومان" قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ" (١). ولو كانت الأعياد مجرد عادات ما أبدلها بأعياد المسلمين.
ثم إن هذه الاحتفالات عادة دخلت على المسلمين من اليهود والنصارى ففعلها تقليد لأعداء الله تعالى وتشبه بهم، والمسلم يجب أن يكون قدوة يتَّبَع لا أن يكون تابعًا يقوده غيره.
والأعياد يجب فيها الاتباع، لا الابتداع؛ لأنها قضية دينية عقدية، وليست عادات دنيوية محضة؛ قال الله تعالى في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ...﴾ [الفرقان: ٧٢] الآية، وقد فسرها كثير من العلماء بأعياد المشركين، وقال ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا" (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم، كما لما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم، وذلك أن اللام تورث الاختصاص، فإذا كان لليهود عيد وللنصارى عيد؛ كانوا مختصين به فلا نشركهم فيه، كما لا نشركهم في قبلتهم وشرعتهم، وكذلك أيضًا -على هذا-: لا ندعهم يشركوننا في عيدنا" (٣).
стр. 2236
وقال: "وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل: يوم بدر، وحنين، والخندق، وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى أعيادًا، أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه" (١).
وخلاصة حكم هذه النازلة أن الاحتفال بذكرى الزواج لا أصل له في عادات المسلمين، وإنما هو من عادات غير المسلمين، فالواجب على المسلم اجتناب ذلك.
стр. 2237
نوازل عقد النكاح
إجراء النكاح عبر الوسائل الحديثة:
اختلف أهل العلم المعاصرون في إجراء عقد النكاح بالوسائل الحديثة كالهاتف والإنترنت:
فمنهم من منع ذلك؛ لعدم وجود الشهادة، مع التسليم بأن وجود شخصين على الهاتف في نفس الوقت له حكم المجلس الواحد، وهذا ما اعتمده مجمع الفقه الإسلامي.
ومنهم من منع ذلك احتياطًا للنكاح؛ وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء ومما ورد في فتواها بخصوص هذه النازلة ما يأتي:
"نظرًا إلى ما كثر في هذه الأيام من التغرير والخداع، والمهارة في تقليد بعض الناس بعضًا في الكلام وإحكام محاكاة غيرهم في الأصوات حتى إن أحدهم يقوى على أن يمثل جماعة من الذكور والإناث صغارًا وكبارًا، ويحاكيهم في أصواتهم وفي لغاتهم المختلفة محاكاة تلقي في نفس السامع أن المتكلمين أشخاص، وما هو إلا شخص واحد، ونظرًا إلى عناية الشريعة الإسلامية بحفظ الفروج والأعراض، والاحتياط لذلك أكثر من الاحتياط لغيرها من عقود المعاملات رأت اللجنة أنه ينبغي ألا يعتمد في عقود النكاح في الإيجاب والقبول والتوكيل على المحادثات التليفونية؛ تحقيقًا لمقاصد الشريعة، ومزيد عناية في حفظ الفروج والأعراض حتى لا يعبث أهل الأهواء ومن تحدثهم أنفسهم بالغش والخداع" (١)، ومنهم من جوز ذلك إذا أُمن التلاعب.
стр. 2238
ونرى أنه يجوز العقد بوسائل الاتصال الحديثة ما دامت هذه الوسائل فيها رؤية ومحادثة ويمكن أن يكون فيها شهود عند المرأة وشهود عند الرجل لزيادة التوثيق (١) " (٢).
الزواج العرفي:
يعد الزواج العرفي من أكثر الأنكحة المعاصرة انتشارًا وبخاصة في هذه الأزمنة، فقد ازداد وانتشر في الآونة الأخيرة في كثير من البلدان الإسلامية.
أولًا: تعريف الزواج العرفي:
اختلفت تعريفات الفقهاء المعاصرين في تعريفه، فقيل في تعريفه: "هو عقد زواج غير موثق بوثيقة رسمية، سواء أكان مكتوبًا أو غير مكتوب".
وقيل أيضًا: "هو عقد مستكمل لشروطه الشرعية، إلا أنه لم يوثق، أي: بدون وثيقة رسمية كانت أو عرفية".
وتُظهر هذه التعريفات للزواج العرفي أنّه لا فرق بينه وبين الزواج الشرعي، ولكن هناك فرقًا بينه وبين الزواج الرسمي، فالزواج حتى يكون رسميًّا لا بدَّ من توثيقه في الدائرة الخاصة بالتوثيق في الدولة، أما الزواج الشرعي فلا يلزم التوثيق فيه إلا إذا ألزم ولي الأمر في ذلك.
стр. 2239
ثانيًا: الفرق بين الزواج العرفي والشرعي والرسمي ونكاح السر:
١ - الفرق بين الزواج العرفي والزواج الشرعي:
من خلال التعريفات السابقة يظهر بوضوح أن الزواج العرفي هو زواج شرعي بعينه، وعلى ذلك ينطبق على الزواج العرفي التعريف الذي عرفنا به الزواج سابقًا، وقد صرحت التعريفات التي سبق ذكرها بهذه الحقيقة، وممن صرح بها فضيلة الشيخ حسنين مخلوف ﵀، حيث قال: "عقد الزواج إذا استوفى أركانه وشروطه الشرعية تَحِلُّ به المعاشرة بين الزوجين، وليس من شرائطه الشرعية إثباته كتابة في وثيقة رسمية ولا غير رسمية، وإنما التوثيق لدى المأذون أو الموظف المختص نظام أوجبته اللوائح والقوانين الخاصة بالمحاكم الشرعية خشية الجحود وحفظًا للحقوق، وحذّرت من مخالفته لما لهُ من النتائج الخطيرة عند الجحود".
٢ - الفرق بين الزواج العرفي والزواج الرسمي:
كل من الزواج العرفي والزواج الرسمي يعتبر عقدًا شرعيًّا كما سبق بيانه، والفارق بينهما أن الزواج الرسمي تصدر به وثيقة رسمية من الدولة، بخلاف الزواج العرفي الذي يعقد مشافهة أو تكتب فيه ورقة عرفية، وقد عرف رجال القضاء المعاصرون الوثيقة الرسمية بأنها "التي تصدر من موظف مختص بمقتضى وظيفته بإصدارها".
والوثيقة الرسمية لا تقبل الإنكار، ولا يجوز الطعن فيها بحال، وبناءً على ذلك يثبت بها عقد النكاح قطعًا. أما عقد الزواج العرفي ولو أثبت بالشهود، أو وثيقة عرفية فإنه يقبل الطعن فيه، ويقبل الإنكار.
٣ - الفرق بين النكاح العرفي ونكاح السر:
يظهر الفرق بين النكاح العرفي ونكاح السرّ في النقاط التالية:
стр. 2240
أ- إذا كان النكاح العرفي قد تم بإيجاب من الولي وقبول من الزوج، وشهد عليه شاهدان على الأقل، وجرى الإعلان عنه، فهذا زواج شرعي صحيح وإن لم يسجل في الدوائر الرسمية، ولم تصدر به وثيقة رسمية.
ب- العقد العرفي الذي تمّ بإيجاب وقبول بين الرجل والمرأة من غير ولي ولا شهود ولا إعلان فهو زواج باطل باتفاق أهل العلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما نكاح السر الذي يتواصون بكتمانه ولا يشهدون عليه أحدًا؛ فهو باطل عند عامة العلماء، وهو من جنس السفاح، قال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] " (١). وهذا النوع لا يجوز في هذه الحالة تسميته بالزواج العرفي.
ج- إذا تم عقد النكاح العرفي بإيجاب من الولي وقبول من الزوج، وشهد عليه شاهدان، وتواصى الزوجان والولي والشهود على كتمانه وعدم إذاعته، فهذا زواج باطل عند بعض الفقهاء، وذهب الجمهور إلى صحة العقد الذي شهد عليه شاهدان وإن تواصى الجميع بكتمانه؛ لأن السرية عندهم تزول بالإشهاد، وإشهاد رجلين هو الحد الأدنى للإعلان الذي يصح به النكاح.
ثالثًا: نظرة في تاريخ توثيق العقود بالكتابة:
اكتفى المسلمون في سابق عصورهم بعقد الزواج بألفاظ مخصوصة، وتوثيقه بالشهادة، ولم يروا آنذاك حاجة لتوثيقه بالكتابة، ومع تطور الحياة وتغير الأحوال، وما يحتمل أن يطرأ على الشهود من عوارض الغفلة والنسيان والموت، وما يقتضيه واقع الحال في تدوين كافة العقود المتعلقة بأحوال الناس وتوثيقها أصبحت هناك حاجة لتوثيق عقود الزواج بالكتابة، مما اقتضى النص في العديد من القوانين على
стр. 2241
الإلزام بالتوثيق، وفق تنظيم معين.
ابتدأت كتابة العقود عند المسلمين عندما بدؤوا يؤخرون المهر أو شيئًا منه، وأصبحت هذه الوثائق التي يدون فيها مؤخر الصداق أحيانًا وثيقة لإثبات الزواج.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يكن الصحابة يكتبون (صداقات) لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر، بل يعجلون المهر، وإن أخّروه فهو معروف، فلما صار الناس يزوجون على المؤخر، والمدة تطول وينسى صاروا يكتبون المؤخر، وصار ذلك حجة في إثبات الصداق وفي أنها زوجة له" (١).
وفي العصر الحاضر ألزمت قوانين الأحوال الشخصية بتسجيل عقود الزواج.
ولتوثيق العقود عمومًا منافع كبيرة، وقد شرعه الله لمصلحة عباده حفظًا لحقوقهم، وقد وثّق رسول الله ﷺ الكثير من معاملاته ومراسلاته، وأمر بالكتابة في الصلح مع المشركين، وتوالى التوثيق بالإشهاد والكتابة منذ عهده، وعهد من بعده ﷺ استشعارًا منهم لأهميته.
أما عن توثيق عقد الزواج فقد دلت السنة على وجوب توثيقه بالشهادة، لقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، وقد أخذ بهذا جمهور الفقهاء، أي أن النكاح لا ينعقد إلا بشاهدين، والعلة في وجود الإشهاد على الزواج واضحة في كونها تدل على إشهاره وإعلانه عن طريق النقل والتسامع بين الناس مما ينفي التهمة ويحفظ حقوق الزوجة والأولاد، ودفع احتمالات الإنكار. ومما سبق يظهر بجلاء أهمية التوثيق في الشريعة الإسلامية سواء منه ما كان بالشهود أو بالكتابة. وإذا كان التوثيق بالشهود سببًا لإشهار الزواج وإعلانه فإن توثيقه بالكتابة سبب أيضًا لإشهاره وإعلانه.
стр. 2242
ولا مراء في أن هذا التوثيق أدعى في هذا العصر الذي تعقدت فيه المشكلات، وتعددت فيه أسباب النزاع مما يقتضي توثيق العقود بالكتابة، ولا مراء في أن لهذا التوثيق منافع عدة، منها إمكانية حفظ العقد المكتوب مدة طويلة وغير محدودة، ومنها سهولة الرجوع إليه عند النزاع مما لا يتوافر في الشهود، ومن هذه المنافع أيضًا معرفة الأمة لتاريخها وتسلسل أجيالها، وحفظ أنسابها، ناهيك عما يستلزمه تخطيط تنميتها واقتصادها من توثيق زيجاتها.
فالإلزام بتسجيل عقود الزواج هو من "باب السياسة الشرعية" التي يمكن لولي الأمر إلزام رعيته بها لما يراه في ذلك من مصالح، فالتوثيق لدى المأذون أو الموظف المختص نظام أوجبته اللوائح والقوانين الخاصة بالمحاكم الشرعية؛ خشية الجحود وحفظًا للحقوق، وحذرت من مخالفته لما له من نتائج خطيرة من النكران.
وإذا كان الزواج العرفي زواجًا صحيحًا استوفى شروطه، فللحاكم المعاقبة على عدم توثيق عقد الزواج؛ لأنه خالف أمرًا أوجب الله طاعته فيه لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
رابعًا: حكم الزواج العرفي:
من مقاصد الشريعة المطهرة العظمى حماية حقوق الفرد والمجتمع، والمحافظة على الأنساب، وأخذ كل الاحتياطات لمنع اختلاطها. من أجل كل ذلك وضعت للزواج الشرعي شروطا وضوابط؛ لحماية حق الرجل والمرأة والولد.
فاشتراط الولي والشهود والإشهار للزواج هو لحماية الزوج أن ينسب إليه ولد هو منه براء في الحقيقة، وحماية للمرأة أن ينكر الرجل -متى شاء- ولده منها، وحماية للولد أن ينتفي منه أبوه متى حلا له ذلك. ولعل الحكمة من هذه الشروط والضوابط
стр. 2243
الشرعية يدركها جليًّا من تساهلوا في الأخذ بها، فحصل ما حصل من مشاكل متشابكة وضياع للحقوق وظلم للآخرين.
لذلك فالواجب على المسلمين جميعًا أن يلتزموا بشرع الله تعالى، ويحكموه في كل أمور حياتهم ليسعدوا في الدنيا والآخرة.
فالزواج الصحيح شرعًا: هو ما اجتمعت فيه شروط الصحة، وانتفت عنه موانعها، وبناءً على ذلك نقول:
١ - إذا كان الزواج قد حصل بدون علم الولي وموافقته فهو باطل على الصحيح خلافًا للحنفية الذين لم يشترطوا وجود الولي في الزواج؛ وذلك لقول النبي ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ... " (١). فالواجب أَن يفرّق بين الرجل والمرأة، ويفسخ العقد لبطلان هذا النكاح، فإن وافق الولي على زواج هذا الرجل من تلك المرأة بعد ذلك، فليكن بعقد جديد بعد ما تستبرئ المرأة، إن كان هذا الرجل قد وطئها.
٢ - إذا اكتملت الشروط المطلوبة لصحة النكاح إلا أنه لم يحصل إعلان وإشهار له، فإن كان ذلك عن غير تواطؤ من الأطراف المعنية فهو صحيح، وعليهم أن يعلنوه ويشهروه؛ ليبتعد عن مشابهة الزنا في صفاته. أما إن كان عدم الإشهار حاصلًا عن تواطؤ، فإن النكاح مختلف فيه بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يفسخ لمشابهته للزنا من حيث التواطؤ على الكتمان. ومنهم من قال: إنه صحيح لا يفسخ لتوافر شروط الصحة فيه، فهو مثل ما لم يحصل فيه تواطؤ على كتمانه.
стр. 2244
ونحن هنا ننصح إخواننا المسلمين بالبعد عن الزواج العرفي، والحرص على الزواج الصحيح الموثق؛ بعدًا عما يترتب عليه من إشكالات وقضايا.
كما ننبه إلى صورة محرمة منكرة يقع فيها بعض الناس وهي:
"أن يلتقي الرجل بالمرأة ويقول لها: زوجيني نفسك، فتقول زوجتك نفسي، ويكتبان ورقة بذلك، ويعاشرها معاشرة الأزواج بحجة أنهما متزوجان زواجًا عرفيًّا".
فهذه الصورة ليست زواجًا لا عرفيًّا ولا غيره، بل هي زنا؛ لأنها تمت دون وجود الولي والشاهدين، وعلى من فعل ذلك التوبة إلى الله ، وإذا أراد الزواج فليتزوج وفق الضوابط الشرعية المعتبرة في الزواج (١).
زواج فريند:
اشتهر في الغرب ما يسمى بالعشيق والعشيقة، وهو الصديق المعاشر معاشرة الأزواج حتى أصبح أمرًا عاديًا بل أصبح الفتى أو الفتاة الذين ليس لهم عشيق أو عشيقة يعد عند بعضهم مريضًا نفسيًا يذهب به إلى العيادات والمستشفيات.
ومن الأسباب التي تسببت في انتشار وباء الزنا، الجو الجنسي السائد، وتعليم جنسي تحت مسمى الثقافة الجنسية مما أحال الحياة في بعض الدول غير الإسلامية إلى حياة جنسية تظهر آثارها المدمرة في كل زاوية من زواياها.
ومن المعلوم أن كثيرًا من الجاليات الإسلامية تعيش في بلدان غربية، وهي بلا شك قد تتأثر ببعض قيم وأخلاقيات هذه المجتمعات الموبوءة أخلاقيًا، وخاصة الجيل الناشئ في تلك الديار، فإنه سيرى المغريات والمشاهد الجنسية تحيط به من كل
стр. 2245
اتجاه مما قد يضعفه وتخور قواه إذا ما استمر في كبت هذه الغريزة، ونفس الكلام يقال في الفتاة.
وإن كان الزواج في مثل هذه الحالات واجبًا لمن قدر عليه إلا أن هؤلاء القادرين حين تبحث عنهم تجدهم قلة قليلة جدًا، ذلك أن القدرة تعني: المهر وتكاليف العرس، والسكن وما يحمله من كماليات نزلها بعضهم منزلة الضروريات ونفقة وغيرها مما يعجز عنها الكثير من شباب اليوم، زد على ذلك جشع بعض الآباء الذي جعل من ابنته مغنما وسلعة يساوم ويزايد عليها، ويدفعها لمن يدفع أكثر، مما جعل الزواج أمرًا بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا، وهذا يفضي إلى مفاسد خطيرة جدًا تؤدي إلى خراب المجتمع، ولعل من أبرزها وأهمها انتشار الفاحشة بكل أشكالها، فعندما يحاط الفتى أو الفتاة بالجو الجنسى المشحون ويأخذه اليأس، ولا يستطيع الزواج ليستر به نفسه ويجتنب هذا الوباء، ولضعف في الوازع الديني، فإنه غالبًا ما يقع فيما حرم الله.
أولًا: تصوير زواج فريند:
خروجًا من مفاسد العشق وأن يفاجأ الأب بصديق ابنته في غرفتها ومواجهته بالحرية الشخصية، ومن أن يفاجأ بابنته تدخل عليه مثقلة البطن أو اليدين بطفل لا يدري مصدره.
وتعاملًا مع الواقع المتأزم الذي يصعب فيه تكوين أسرة مستقرة في بيت يتولى الزوجان فيه مباشرة أعمالهما المنوطة بهما، وبذل كامل الحقوق التي عليه للطرف الآخر.
جاءت فكرة الزواج بين الفتى والفتاة ولكن بدون أن يلتزم الزوج بتبعات الزواج المالية كالنفقة والسكنى، إذ يعقد بين الزوجين، ثم إذا ما أرادا المعاشرة فلهما