الإلزام بالتوثيق، وفق تنظيم معين.
ابتدأت كتابة العقود عند المسلمين عندما بدؤوا يؤخرون المهر أو شيئًا منه، وأصبحت هذه الوثائق التي يدون فيها مؤخر الصداق أحيانًا وثيقة لإثبات الزواج.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يكن الصحابة يكتبون (صداقات) لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر، بل يعجلون المهر، وإن أخّروه فهو معروف، فلما صار الناس يزوجون على المؤخر، والمدة تطول وينسى صاروا يكتبون المؤخر، وصار ذلك حجة في إثبات الصداق وفي أنها زوجة له" (١).
وفي العصر الحاضر ألزمت قوانين الأحوال الشخصية بتسجيل عقود الزواج.
ولتوثيق العقود عمومًا منافع كبيرة، وقد شرعه الله لمصلحة عباده حفظًا لحقوقهم، وقد وثّق رسول الله ﷺ الكثير من معاملاته ومراسلاته، وأمر بالكتابة في الصلح مع المشركين، وتوالى التوثيق بالإشهاد والكتابة منذ عهده، وعهد من بعده ﷺ استشعارًا منهم لأهميته.
أما عن توثيق عقد الزواج فقد دلت السنة على وجوب توثيقه بالشهادة، لقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، وقد أخذ بهذا جمهور الفقهاء، أي أن النكاح لا ينعقد إلا بشاهدين، والعلة في وجود الإشهاد على الزواج واضحة في كونها تدل على إشهاره وإعلانه عن طريق النقل والتسامع بين الناس مما ينفي التهمة ويحفظ حقوق الزوجة والأولاد، ودفع احتمالات الإنكار. ومما سبق يظهر بجلاء أهمية التوثيق في الشريعة الإسلامية سواء منه ما كان بالشهود أو بالكتابة. وإذا كان التوثيق بالشهود سببًا لإشهار الزواج وإعلانه فإن توثيقه بالكتابة سبب أيضًا لإشهاره وإعلانه.
стр. 2242
ولا مراء في أن هذا التوثيق أدعى في هذا العصر الذي تعقدت فيه المشكلات، وتعددت فيه أسباب النزاع مما يقتضي توثيق العقود بالكتابة، ولا مراء في أن لهذا التوثيق منافع عدة، منها إمكانية حفظ العقد المكتوب مدة طويلة وغير محدودة، ومنها سهولة الرجوع إليه عند النزاع مما لا يتوافر في الشهود، ومن هذه المنافع أيضًا معرفة الأمة لتاريخها وتسلسل أجيالها، وحفظ أنسابها، ناهيك عما يستلزمه تخطيط تنميتها واقتصادها من توثيق زيجاتها.
فالإلزام بتسجيل عقود الزواج هو من "باب السياسة الشرعية" التي يمكن لولي الأمر إلزام رعيته بها لما يراه في ذلك من مصالح، فالتوثيق لدى المأذون أو الموظف المختص نظام أوجبته اللوائح والقوانين الخاصة بالمحاكم الشرعية؛ خشية الجحود وحفظًا للحقوق، وحذرت من مخالفته لما له من نتائج خطيرة من النكران.
وإذا كان الزواج العرفي زواجًا صحيحًا استوفى شروطه، فللحاكم المعاقبة على عدم توثيق عقد الزواج؛ لأنه خالف أمرًا أوجب الله طاعته فيه لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
رابعًا: حكم الزواج العرفي:
من مقاصد الشريعة المطهرة العظمى حماية حقوق الفرد والمجتمع، والمحافظة على الأنساب، وأخذ كل الاحتياطات لمنع اختلاطها. من أجل كل ذلك وضعت للزواج الشرعي شروطا وضوابط؛ لحماية حق الرجل والمرأة والولد.
فاشتراط الولي والشهود والإشهار للزواج هو لحماية الزوج أن ينسب إليه ولد هو منه براء في الحقيقة، وحماية للمرأة أن ينكر الرجل -متى شاء- ولده منها، وحماية للولد أن ينتفي منه أبوه متى حلا له ذلك. ولعل الحكمة من هذه الشروط والضوابط
стр. 2243
الشرعية يدركها جليًّا من تساهلوا في الأخذ بها، فحصل ما حصل من مشاكل متشابكة وضياع للحقوق وظلم للآخرين.
لذلك فالواجب على المسلمين جميعًا أن يلتزموا بشرع الله تعالى، ويحكموه في كل أمور حياتهم ليسعدوا في الدنيا والآخرة.
فالزواج الصحيح شرعًا: هو ما اجتمعت فيه شروط الصحة، وانتفت عنه موانعها، وبناءً على ذلك نقول:
١ - إذا كان الزواج قد حصل بدون علم الولي وموافقته فهو باطل على الصحيح خلافًا للحنفية الذين لم يشترطوا وجود الولي في الزواج؛ وذلك لقول النبي ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ... " (١). فالواجب أَن يفرّق بين الرجل والمرأة، ويفسخ العقد لبطلان هذا النكاح، فإن وافق الولي على زواج هذا الرجل من تلك المرأة بعد ذلك، فليكن بعقد جديد بعد ما تستبرئ المرأة، إن كان هذا الرجل قد وطئها.
٢ - إذا اكتملت الشروط المطلوبة لصحة النكاح إلا أنه لم يحصل إعلان وإشهار له، فإن كان ذلك عن غير تواطؤ من الأطراف المعنية فهو صحيح، وعليهم أن يعلنوه ويشهروه؛ ليبتعد عن مشابهة الزنا في صفاته. أما إن كان عدم الإشهار حاصلًا عن تواطؤ، فإن النكاح مختلف فيه بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يفسخ لمشابهته للزنا من حيث التواطؤ على الكتمان. ومنهم من قال: إنه صحيح لا يفسخ لتوافر شروط الصحة فيه، فهو مثل ما لم يحصل فيه تواطؤ على كتمانه.
стр. 2244
ونحن هنا ننصح إخواننا المسلمين بالبعد عن الزواج العرفي، والحرص على الزواج الصحيح الموثق؛ بعدًا عما يترتب عليه من إشكالات وقضايا.
كما ننبه إلى صورة محرمة منكرة يقع فيها بعض الناس وهي:
"أن يلتقي الرجل بالمرأة ويقول لها: زوجيني نفسك، فتقول زوجتك نفسي، ويكتبان ورقة بذلك، ويعاشرها معاشرة الأزواج بحجة أنهما متزوجان زواجًا عرفيًّا".
فهذه الصورة ليست زواجًا لا عرفيًّا ولا غيره، بل هي زنا؛ لأنها تمت دون وجود الولي والشاهدين، وعلى من فعل ذلك التوبة إلى الله ، وإذا أراد الزواج فليتزوج وفق الضوابط الشرعية المعتبرة في الزواج (١).
زواج فريند:
اشتهر في الغرب ما يسمى بالعشيق والعشيقة، وهو الصديق المعاشر معاشرة الأزواج حتى أصبح أمرًا عاديًا بل أصبح الفتى أو الفتاة الذين ليس لهم عشيق أو عشيقة يعد عند بعضهم مريضًا نفسيًا يذهب به إلى العيادات والمستشفيات.
ومن الأسباب التي تسببت في انتشار وباء الزنا، الجو الجنسي السائد، وتعليم جنسي تحت مسمى الثقافة الجنسية مما أحال الحياة في بعض الدول غير الإسلامية إلى حياة جنسية تظهر آثارها المدمرة في كل زاوية من زواياها.
ومن المعلوم أن كثيرًا من الجاليات الإسلامية تعيش في بلدان غربية، وهي بلا شك قد تتأثر ببعض قيم وأخلاقيات هذه المجتمعات الموبوءة أخلاقيًا، وخاصة الجيل الناشئ في تلك الديار، فإنه سيرى المغريات والمشاهد الجنسية تحيط به من كل
стр. 2245
اتجاه مما قد يضعفه وتخور قواه إذا ما استمر في كبت هذه الغريزة، ونفس الكلام يقال في الفتاة.
وإن كان الزواج في مثل هذه الحالات واجبًا لمن قدر عليه إلا أن هؤلاء القادرين حين تبحث عنهم تجدهم قلة قليلة جدًا، ذلك أن القدرة تعني: المهر وتكاليف العرس، والسكن وما يحمله من كماليات نزلها بعضهم منزلة الضروريات ونفقة وغيرها مما يعجز عنها الكثير من شباب اليوم، زد على ذلك جشع بعض الآباء الذي جعل من ابنته مغنما وسلعة يساوم ويزايد عليها، ويدفعها لمن يدفع أكثر، مما جعل الزواج أمرًا بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا، وهذا يفضي إلى مفاسد خطيرة جدًا تؤدي إلى خراب المجتمع، ولعل من أبرزها وأهمها انتشار الفاحشة بكل أشكالها، فعندما يحاط الفتى أو الفتاة بالجو الجنسى المشحون ويأخذه اليأس، ولا يستطيع الزواج ليستر به نفسه ويجتنب هذا الوباء، ولضعف في الوازع الديني، فإنه غالبًا ما يقع فيما حرم الله.
أولًا: تصوير زواج فريند:
خروجًا من مفاسد العشق وأن يفاجأ الأب بصديق ابنته في غرفتها ومواجهته بالحرية الشخصية، ومن أن يفاجأ بابنته تدخل عليه مثقلة البطن أو اليدين بطفل لا يدري مصدره.
وتعاملًا مع الواقع المتأزم الذي يصعب فيه تكوين أسرة مستقرة في بيت يتولى الزوجان فيه مباشرة أعمالهما المنوطة بهما، وبذل كامل الحقوق التي عليه للطرف الآخر.
جاءت فكرة الزواج بين الفتى والفتاة ولكن بدون أن يلتزم الزوج بتبعات الزواج المالية كالنفقة والسكنى، إذ يعقد بين الزوجين، ثم إذا ما أرادا المعاشرة فلهما
стр. 2246
أن يذهبا إلى أي مكان يطمئنان فيه، إما منزل الأبوين أو الأقارب، أو صديق، أو أي مكان آخر.
ثانيًا: حكم زواج فريند أو الزواج الميسر:
بعد أن تناقلت وسائل النشر الإلكتروني وغيرها فتوى الشيخ عبد المجيد الزنداني بجواز هذا الزواج، اختلف علماء العصر اختلافًا شديدًا حول هذه الفتوى:
فمنهم من قال بصحة هذا النكاح، ودلل لصحته بما يلي:
١ - توافر كل أركان وشروط عقد النكاح من الولي والشاهدين والمهر، بل وتوثيقه في المحاكم، وهذا يعني صحة هذا العقد بإجماع أهل العلم.
٢ - من حق المرأة أن تتنازل عن حقها في المبيت والنفقة والمأوى كما سبق بيانه.
٣ - فيها علاج مشكلة كبيرة وهي: تجاوز تكاليف الزواج قدرة الشباب والفتيات، والذي أدى في نهاية المطاف إلى بروز ظاهرة العنوسة مع ما تحمله من مفاسد جمة.
٤ - أنه يحقق مقصدًا من مقاصد النكاح وهو (العفة).
ومنهم من قال بأن هذا النوع من الزواج باطل، واستند أصحاب هذا القول إلى ما يلي:
١ - أن من مقاصد الزواج الأساسية السكن والمودة بين الزوجين، فإذا لم تتحقق هذه المقاصد فقد الزواج قيمته الأساسية، وأصبح مجرد شهوة يتساوى فيها الإنسان والحيوان.
٢ - أنه يؤدي إلى الإفساد، وخلط الأنساب، ومخالفة الشرع، وارتكاب الفواحش، وكثير من الجرائم والمفاسد الاجتماعية والأخلاقية.
стр. 2247
٣ - له شبهة بنكاح المتعة الذي نهى عنه الرسول ﷺ نهيًا قطعيًّا، حيث المقصود الأصلي منها هو مجرد قضاء الوطر دون الاستمرار في السكنى والمودة والرحمة.
وعقد الزواج الأصل فيه الاستمرارية والاستقرار؛ ولذلك فإن كل عقد مقيد بمدة معينة هو عقد باطل، والعقد الصحيح مطلوب فيه تحقيق الآثار الشرعية المترتبة عليه في الحال، فلا يوجد في الإسلام زواج موقوف، ولكن زواج نافذ وجائز مستمر (١).
والذي يظهر لنا عدم صحة هذا الزواج إذا تم من غير علم ولي الزوجة، فهو زواج غير معلن، وليس فيه ولي ولا شاهدان، وما يترتب عليه من المفاسد أكثر مما يتحقق من المصالح (٢).
الزواج الصوري بغية الحصول على الأوراق الرسمية:
أولًا: تعريف الزواج الصوري:
الزواج الصوري هو الزواج الذي لا يقصد به أطرافه حقيقة الزواج الذي شرعه الله ورسوله، فلا يتقيدون بأركانه وشرائطه، ولا يحرصون على انتفاء موانعه، بل ويتفق أطرافه على عدم المعاشرة صراحة أو ضمنًا، فهو لا يعدو أن يكون إجراءً إداريًّا لتحصيل بعض المصالح أو دفع بعض المفاسد، فهو أشبه ما يكون بنكاح التحليل لا يراد به النكاح حقيقة بل لتحليل المرأة لمطلقها ثلاثًا.
стр. 2248
ثانيًا: حكم الزواج الصوري:
الزواج في الإسلام له أركانه المعروفة من الإيجاب والقبول والولي ونحوه، وله كذلك مقاصده الشرعية المعهودة من العفة والإحصان وابتغاء الولد ونحوه، ولا يجوز الخروج بالزواج عن هذه المقاصد، وصرفه عنها لأغراض نفعية مصلحية بحتة.
وبناءً على ذلك نقول بأن الزواج الصوري على هذا النحو محرم؛ لعدم توجه الإرادة إليه، ولخروجه بهذا العقد عن مقاصده الشرعية، ولما يتضمنه من الشروط المنافية لمقصوده، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه.
أما حكمه ظاهرًا فإنه يتوقف على مدى ثبوت الصورية أمام القضاء:
فإن أقر الطرفان بصورية العقد أو تيقن القاضي بذلك من خلال ما احتف به من ملابسات وقرائن قضى ببطلانه، أما إذا لم تثبت، فإنه يحكم بصحته متى تحققت أركان الزواج وانتفت موانعه.
فمتى مست الحاجة إلى تحصيل بعض المصالح التي لا يتسنى تحصيلها إلا من خلال الزواج، فإن السبيل إلى ذلك هو الزواج الحقيقي الذي تتجه إليه الإرادة حقيقة، فتستوفى فيه أركانه وشرائطه، وتنتفي موانعه، ويجري على وفق الشريعة المطهرة، فلا يصرح فيه بالتوقيت، ولا يعبث فيه أحد بغاياته ومقاصده (١).
الزواج المدني:
أولًا: تعريف الزواج المدني وأنواعه:
هو مؤسسة قانونية ناشئة عن عقد رسمي بين رجل وامرأة طليقي الإرادة، ولا ارتباط لأحد منهما، فهو زواج خارج إطار القوانين الشرعية، ويعتمد على القوانين
стр. 2249
الوضعية كأن يكون في دار البلدية كما في أوروبا وليس في المحاكم الشرعية كما عندنا.
فيتزوج الرجل وتتزوج المرأة ممّن يريدان دون الرجوع إلى الضوابط الشرعية والتحليل والتحريم؛ حيث يكون العقد كأي عقد مقاولة أو عقار حيث يشترط فيه تقسيم الأبناء والبنات والصلاحيات.
وخلاصة تعريف هذا النوع من الأنكحة أن الزواج المدني هو مفهوم تطبيقي أو عملي للزواج دون الخضوع لأي لوائح أو قوانين أو شرائع سوى التعايش والتوافق ما بين رجل وامرأة، وهو بالتأكيد زواج لا علاقة له بالإسلام ولا بغيره من الأديان السماوية.
والزواج المدني نوعان:
النوع الأول: يكون من خلال أوراق قانونية توثق في دار للزواج مخصصة لمثل هذا النوع من الزيجات ومعترف به قانونيًّا كزواج مدني، ويتيح للزوج والزوجة حقوقًا قانونية من حيث إثبات النسب وخلافه وذلك في أوروبا بالطبع، وهو مختلف تمامًا عن الزواج العرفي المتبع في بعض الدول العربية، وكذا زواج المسيار والمتعة والفريند وخلافه من المسميات.
أما النوع الثاني: فهو زواج مدني فعلي ولكن دون أوراق، أي: أن يتوافق رجل وامرأة على العيش معًا دون أي وثائق قانونية، وما دام بينهما مودة وتعايش جيد يستمران ويتعامل كل منهما مع الآخر كزوج بكافة حقوقه الكاملة جسديًّا ومعنويًّا، وأي علاقة خارج نطاق الشريك تعتبر خيانة أيضًا, ولا يخضع لحرية كما يظن الكثيرون، وإنما هو زواج رسمي توافقي غير موثق في الدوائر الرسمية، ويتعاون الشريكان في الحياة، ويمكن للزوج أن يتحمل كافة مستلزمات الحياة، وهي ربة للمنزل كأي زوجين، لكنه دينيًّا وشرعيًّا مرفوض لدى المسلمين، أما في أوروبا فهو
стр. 2250
لا يتفق مع الدين المسيحي وإن كان المجتمع لا يعترض البتة على مثل هذا الزواج بل يباركه أحيانًا.
ثانيًا: نبذة عن نشأة الزواج المدني:
أصل نشأة الزواج المدني في العالم كانت تعبيرًا عن ردة فعل تجاه تصرفات الكنيسة التي ظلت صاحبة السلطان المطلق في الزواج بشتى أنحاء أوربا، وبدأت الخطوة الأولى حين قامت الثورة الفرنسية عام ١٧٩٨ م، فبدأ سلطان الكنيسة بالتقلص إلى أن تخلص الناس من سيطرة رجال الكنيسة على الزواج، وتحولت زمام الأمور إلى السلطة المدنية، وقد خدم السلطة المدنية اعتبارات عدة. أهمها:
المعارضة التي أعلنها مارتين لوثر في القرن السادس عشر ضد النظرة الكنسية الكاثوليكية للزواج، بأنه سر من الأسرار السبعة، التي تختص بالكنيسة.
ومع ذلك فإن الزواج المدني لا يزال في كثير من أحكامه ملتزمًا بالإطار التشريعي الكنسي، وأن النظرة الكنسية لا تزال هي المسيطرة عليه.
وقد بوشر بتطبيق قانون الزواج المدني سنة: ١٨٠٤ م، وكان ذلك باجتهاد وتشجيع من نابليون بونابرت في أعقاب الثورة الفرنسية، ثم انتشر في الدول الأوربية وغالبية دول الأمريكيتين، ثم لحقت العدوى تركيا، وذلك في عام: ١٩٢٦ م، وتونس في عام: ١٩٥٦ م، أما في لبنان فقد بقي مشروع قانون الزواج المدني بين أخذ ورد حتى اعتمد كقانون اختياري في عام ١٩٩٤ م.
ثالثًا: حقيقة الزواج المدني:
الزواج المدني عقد موثق بشاهدين في مقر رسمي مختص، والوثيقة لضمان حقوق كلا الزوجين بالعدل والمساواة في حال وقع الطلاق، وهو لا يعترف للمرأة بالمهر؛ لأنه يعد بنظره امتهانًا لها، كأنها تبيع نفسها به، مقابل دخول الرجل بها.
стр. 2251
وهذا الزواج يقبل باقتران كل رجل وامرأة مهما كانت ديانتهما، فيقبل زواج النصراني أو الدرزي أو غيرهم من المسلمة.
والطلاق في هذا الزواج يقرره القاضي في المحكمة بعد رفع دعوى طلب الطلاق من أحد الطرفين، فيطّلع القاضي على حيثيات الدعوى ويسمع من كلا الطرفين، ثم يعطي المدعي الوقت الكافي لمراجعة نفسه والعودة عما عزم عليه، وإذا بقي الطرف صاحب الدعوى مصرًّا على طلبه، يصدر القاضي حكمه بالطلاق، ثم ينظر القاضي في جلسات أخرى في مسألة توزيع الممتلكات بالعدل بين الزوجين، وهذا في الدول التي تسمح بالطلاق، إذ أن العديد من الدول التي تطبق الزواج المدني ليس فيها ما يُدعى دعوى طلب التفريق أو الطلاق، مع العلم بأن هذا الزواج يمنع تعدد الزوجات منعًا باتًّا.
ولعل السبب في قوة انتشاره؛ تناغمه مع مظاهر التحلل الأخلاقي المنتشر في شتى أرجاء العالم.
رابعًا: صورة الزواج المدني:
هو أن يتفق رجل وامرأة دون النظر إلى ديانتهما، فيتفقان على إنشاء علاقة زوجية بينهما، ثم يقومان بتوثيق هذا الاتفاق في الدائرة المختصة بحضور شاهدين ضمن مجموعة من ذوي طرفي الاتفاق.
ويتم هذا الاقتران بينهما بحسب ما اتفقا عليه، والذي غالبًا ما يكون على أساس المساواة التامة بينهما، فلا مهر لها, ولا قوامة له، ولا طاعة عليها, ولا طلاق له، بل هي حياة دائمة قائمة على الاحترام المتبادل -من وجهة نظرهم- لا تنقطع إلا بالموت، ولا يحق للزوج بموجب هذا الزواج أن يعدد من الزوجات مطلقًا، أما بالنسبة للنفقة والسكنى فبحسب الاتفاق الذي جرى بينهما.
стр. 2252
خامسًا: حكم هذا النوع من الأنكحة:
من نظر إلى هذا الزواج يرى أنه يصادم أحكام الشريعة الإسلامية، ولا يتفق معها بحال من خلال أمور منها:
١ - لم يعتبر الآخذون بالزواج المدني الدينَ مانعًا من موانع النكاح ولا من موانع الميراث، معارضين بذلك ما أمر الله به عباده.
٢ - الطلاق: فقد حرّمته الشرائع الآخذة بالزواج المدني، مع تفاوت بينها من حيث الشدة والتراخي، إلا أن جميعها اتفقت على تحريمه من حيث الجملة، رغم إباحة الله له، لكن بقيود وضوابط معلومة.
٣ - التبني: وهو مما قامت الشرائع التي تعتد بالزواج المدني بإباحته، رغم تحريم الله له بنصوص صريحة قاطعة، لا تقبل النظر والتأويل.
٤ - العدة: تلاعب الآخذون بالزواج المدني بمدة العدة التي فرضها الله على المرأة، رغم وجود النصوص التي بين فيها ربنا مدة العدة على وجه التفصيل.
٥ - التعدد: حرّم الآخذون بالزواج المدني على الرجل أن يعدد في الزوجات، رغم إباحة الله له ذلك، لكن مع وجود ضوابط تضبط هذه الإباحة.
٦ - الرضاع: رغم اعتباره من قبل الله مانعًا من موانع النكاح، كالمحرمية والمصاهرة، لم تأت القوانين التي تأخذ بالزواج المدني على ذكره واعتباره مانعًا من موانع النكاح (١).
стр. 2253
وبهذا يعلم حرمة هذا النوع من الأنكحة؛ لأنه مصادم صراحة للشريعة الإسلامية، ومما جاء بخصوص هذا النكاح ما ورد في بيان اللجنة الدائمة وهذا نصه:
فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية نظرت في البيانات الصادرة عن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان، وعن مجلس المفتين برئاسة سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ/ محمد رشيد قباني، المتضمنة رفض مشروع قانون الأحوال الشخصية الاختياري (نظام الزواج المدني) الصادر من رئاسة الجمهورية اللبنانية؛ لما يتضمنه هذا المشروع من أمور كثيرة مخالفة للشريعة الإسلامية بل وللشرائع السماوية كلها؛ حيث يسمح للمسلمة أن تتزوج بغير المسلم، وللأخ أن يتزوج أخته من الرضاع، ولا يسمح للرجل بالطلاق، ولا يجعل اختلاف الدين مانعًا من التوارث بين الزوجين، ويمنع من تعدد الزوجات، إضافة إلى أنه لا يرجع في هذا العقد إلى حكم الشرع، وإنما يرجع فيه إلى القانون المدني. وبناء على ذلك فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية تؤيد ما صدر عن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وعن مجلس المفتين في لبنان من رفض هذا القانون وإبطاله شرعًا، وتحذر المسلمين منه؛ لأنه قانون مخالف للشريعة الإسلامية فلا يترتب عليه شيء من أحكام الزواج الشرعي، من حل الوطء والتوارث وإلحاق الأولاد وغير ذلك" (١).
عادة الدوطة التي في الهند:
تعريفها: الدوطة هي عادة عند نصارى الهند وهي: مال تدفعه المرأة للزوج كالمهر عند المسلمين، وإذا ماتت الزوجة تعتبر تركة تقسم قسمة الميراث. وقد صدر
стр. 2254
بخصوص هذه العادة قرار من المجمع الفقهي الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي ومما جاء فيه: قرار رقم: ٣٣ (٤/ ٧) حول تفشي عادة الدوطة في الهند.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع على ترجمة خطاب الأخ عبد القادر الهندي، الذي جاء فيه قيامه في محاربة (الدوطة)، وهو المبلغ الذي تدفعه العروس في مجتمع الهند الإسلامي، مقابل الزواج، وأن يكتفي المسلمون الهنود فقط بتدوين المهر في سجل الزواج، دون أن يدفعوه إلى الزوجة فعلًا, ولقد كتبت الكثير في هذا الصدد في كثير من صحف (التاميل) الإسلامية، ثم يستطرد الأخ عبد القادر في خطابه فيقول: "ومن ثم فإن هذا الزواج حرام، كما أن المواليد الناشئين عن هذا الزواج غير شرعيين، طبقًا للكتاب والسنة".
كما اطلع المجلس على خطاب فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي الموجه إلى معالي الأمين العام للرابطة بتاريخ ١٦/ ٣ / ١٤٠٤ هـ والذي جاء فيه: "إن قضية الدوري قضية متفشية في سكان الهند، وهي قضية الهندوس بالدرجة الأولي، دخلت على المسلمين بسبب احتكاك بناخهم ببنات الهنود، ويحارب قادة المسلمين هذه العادة، وبدأت الحكومة الهندية كذلك تستبعد هذه العادة أخيرًا .. وأرى أنه يكفي لمجلسنا الفقهي إصدار فتوى وبيان حول هذه القضية، ينهى المسلمين عن اتباع عادة جاهلية ظالمة، مثل الدوري، تسربت إليهم من غيرهم، وأرجو أن قادة المسلمين في الهند جميعًا إذا بذلوا جهودهم في ذلك، لكان نجاحًا كبيرًا في إزالة هذه العادة. والله ولي التوفيق). أهـ كلامه. وبعد أن اطلع المجلس على ما ذكره قرر ما يلي:
أولًا: شكر فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي، وشكر الأخ عبد القادر على ما أبدياه نحو عرض الموضوع، وعلى غيرتهما الدينية، وقيامهما بمحاربة هذه البدعة
стр. 2255
والعادة السيئة، والمجلس يرجو منهما مواصلة العمل في محاربة هذه العادة وغيرها من العادات السيئة، ويسأل الله لهما وللمسلمين التوفيق والتسديد، وأن يثيبهما على جدهما واجتهادهما.
ثانيًا: ينبه المجلس الأخ عبد القادر وغيره، بأن هذا الزواج -وإن كان مخالفًا للزواج الشرعي من هذا الوجه- إلا أنه زواج صحيح، معتبر شرعًا عند جمهور علماء المسلمين، ولم يخالف في صحته إلا بعض العلماء في حالة اشتراط عدم المهر. أما الأولاد الناشئون عن هذا الزواج، فهم أولاد شرعيون، منسوبون لآبائهم وأمهاتهم، نسبة شرعية صحيحة، وهذا بإجماع العلماء، حتى عند الذين لا يرون صحة هذا النكاح، المشروط فيه عدم المهر، فقد صرحوا في كتبهم بإلحاق الأولاد بآبائهم وأمهاتهم بهذا الزواج المذكور.
ثالثًا: يقرر المجلس: أن هذه العادة سيئة منكرة، وبدعة قبيحة، مخالفة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وإجماع العلماء، ومخالِفة لعمل المسلمين في جميع أزمانهم. أما الكتاب؛ فقد قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]. وغير ذلك من الآيات. وأما السنة؛ فقد جاءت مشروعية المهر في قوله ﷺ وفعله وتقريره؛ فقد جاء في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود، عن جابر، ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لَو أنَّ رجلًا أَعطَى امرأةً صَدَاقًا مِلءَ يَدَيْهِ طَعَامًا، كانت له حَلالًا" (١). فهذا من أقواله.
وأما فعله؛ فقد جاء في صحيح مسلم وغيره من كتب السنن عن عائشة قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونصف أوقية .. فهذا فعله. وأما تقريره؛ فقد
стр. 2256
جاء في الصحيحين وغيرهما، أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة. فقال: "ما هذا؟ ". قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. قال: "بارك الله لك". فهذا من تقريره، وهو إجماع المسلمين وعملهم، في كل زمان ومكان، ولله الحمد.
وبناء عليه فإن المجلس يقرر: أنه يجب أن يدفع الزوج لزوجته صداقًا سواء كان الصداق معجَّلًا، أو مؤجلًا، أو بعضه معجل وبعضه مؤجل، على أن يكون تأجيلًا حقيقيًّا يراد دفعه عند تيسره، وأنه يحرم أن يجرى الزواج بدون صداق من الزوج لزوجته. ويوصي المجلس بأن السنة: تخفيف الصداق وتسهيله، وتيسير أمر النكاح، وذلك بترك التكاليف والنفقات الزائدة، ويحذر من الإسراف والتبذير؛ لما في ذلك من الفوائد الكبيرة.
رابعًا: يناشد المجلس العلماء والأعيان والمسؤولين في الهند وغيرهم، محاربة هذه العادة السيئة (الدوطة)، وأن يجدوا ويجتهدوا في إبطالها وإزالتها من بلادهم، وعن ديارهم، فإنها مخالفة للشرائع السماوية، ومخالفة للعقول السليمة، والنظر المستقيم.
خامسًا: أن هذه العادة السيئة -علاوة على مخالفتها للشرع الإسلامي- هي مضرة بالنساء ضررًا حيويًّا، فالشباب لا يتزوجون عندئذ إلا الفتاة التي يقدم أهلها لهم مبلغًا من المال يرغبهم ويغريهم، فتحظى بنات الأغنياء بالزواج، وتقعد بنات الفقراء دون زواج، ولا يخفي ما في ذلك من محاذير ومفاسد، كما أن الزواج عندئذ يصبح مبنيًّا على الأغراض والمطامع المالية، لا على أساس اختيار الفتاة الأفضل والشاب الأفضل.
والمشاهد اليوم في العالم الغربي أن الفتاة غير الغنية تحتاج أن تقضي ربيع شبابها، في العمل والاكتساب، حتى تجمع المبلغ الذي يمكن به ترغيب الرجال في الزواج منها،
стр. 2257
فالإسلام قد كرم المرأة تكريمًا، حين أوجب على الرجل الراغب في زواجها أن يقدم هو إليها مهرًا تُصلح به شأنها وتهيئ نفسها، وبذلك فتح بابًا لزواج الفقيرات؛ لأنهن يكفيهن المهر القليل، فيسهل على الرجال غير الأغنياء الزواج بهن (١).
عقد الزواج داخل المساجد:
استحب جمهور الفقهاء عقد النكاح في المسجد؛ للبركة، ولأجل شهرته، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أَعْلِنُوا هَذَا النّكَاحَ، وَاجْعَلُوهُ في المَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ" (٢).
وأما المعنى: فهو قولهم بأن عقد النكاح في المسجد بركة، لكن يُشْكِل على ذلك أنه لو كان الأمر كذلك لحرص النبي ﷺ على عقد الأنكحة لنفسه في المسجد، ولحرص على تبيين ذلك لأصحابه وعليه، فالأظهر هنا أن يقال:
إن إنشاء عقد الزواج في المسجد جائز من حيث الأصل؛ لا سيما إن كان ذلك في بعض الأحيان، أو كان أبعد لهم عن المنكر، مما لو عقد في مكان آخر، وأما التزام ذلك في كل عقد، أو اعتقاد أن له فضلًا خاصًّا:
فهو بدعة، ينبغي التنبيه عليها، ونهي الناس عن فعله على هذا الوجه.
стр. 2258
وإن كان أثناء العقد وُجد اختلاط بين الرجال والنساء، أو حصل استعمال للمعازف، صار عقده في المسجد أشد حرمة من عقده خارجه؛ لا في ذلك من التعدي على حرمة بيت الله.
ودليل مشروعية عقد النكاح في السجد، من حيث الأصل: حديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ ، والذي رواه البخاري ومسلمٌ؛ حيث ثبت أنه زوجها لأحد أصحابه في المسجد، ولا يُحفظ أنه كرر ذلك في عقدٍ غيره. ومما جاء في فتاوى اللجنة الدائمة بخصوص ذلك ما نصه:
"الأمر في إبرام عقد النكاح في المساجد وغيرها: واسع شرعًا, ولم يثبت فيما نعلم دليل يدل على أن إيقاعها في المساجد خاصة سنَّة، فالتزام إبرامها في المساجد: بدعة" (١).
وقالوا أيضًا: "ليس من السنَّة عقد النكاح بالمساجد، والمداومة على عقد النكاح داخل المسجد واعتقاده من السنَّة: بدعة من البدع؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ" (٢) " (٣).
الزواج المؤقت بحصول الإنجاب:
أولاً: تعريفه:
هو أن تبدي امرأة رغبتها في الزواج من رجل تنتهي العلاقة بينهما متى تحقق لها الإنجاب؛ إذ إنها لا تريد استدامة هذا الزواج، غير أنها لجأت إليه رغبة في الولد
стр. 2259
بداعي الفطرة الدافعة للإنجاب، أو خوفًا من ضياع ثروتها, ولا يستقيم أمرها باستدامة هذا الزواج مع هذا الرجل.
ثانيًا: الفرق بين الزواج بقصد الإنجاب وبين زواج المتعة:
نكاح المتعة أن يتفق رجل مع امرأة على زواج مؤقت بلفظ المتعة أو الاستمتاع مدة أسبوع أو شهر مثلًا، أما الزواج بقصد الإنجاب فهو أيضًا زواج مؤقت لكن بعد تحقق الغرض منه وهو الإنجاب؛ فبقاء العقد مرتبط بحصول حدث، وهذا الحدث لا يرتبط بتاريخ، فالفرقة في هذا النكاح مرتبطة بحصول الإنجاب الذي قد يتأخر شهورًا.
ثالثًا: حكمه:
هذا النكاح، أي: الزواج المؤقت بالإنجاب من نظر إليه وجده نكاحًا قد استوفى جميع الأركان والشروط، إلا أن أحد العاقدين يشترط في العقد أنه إذا أنجبت المرأة فلا نكاح بينهما، أو أن يطلقها، وهذا الزواج فاسد؛ لوجود معنى المتعة فيه؛ لأن التوقيت كما يكون بمدة معلومة كشهر، فإنه يكون كذلك بتحديده بالإنجاب، فالتوقيت يكون بمدة معلومة كشهر، أو بمدة مجهولة كالإنجاب، وهذا يصيره نكاح متعة وهو محرم (١).
الزواج بنية الطلاق:
أولًا: تعريفه:
هو زواج توفرت فيه أركان النكاح وشروطه، ولكن أضمر الزوج في نفسه طلاق المرأة بعد مدة معلومة، أو مدة مجهولة، كإتمام دراسته، أو تحقيق الغرض الذي قدم من أجله، أو نحو ذلك مع عدم علم الزوجة.
стр. 2260
ثانيًا: حكمه:
اختلف الفقهاء في حكم هذا النوع من الأنكحة، وقد ذهب أكثر العلماء إلى صحته وقالوا: إذا نكح المرأة نكاحًا صحيحًا ولكنه نوى في حين عقده عليها ألا يمكث معها إلا شهرًا أو مدة معلومة فإنه لا بأس به، ولا تضره في ذلك نيته إذا لم يكن شرط ذلك في نكاحه. قال مالك: "وليس على الرجل إذا نكح أن ينوي حبس امرأته إن وافقته وإلا يطلقها" (١)، ومن أشهر من قال بصحة وجواز هذا النكاح سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز. حيث قال ﵀: "أما الزواج بنية الطلاق ففيه خلاف بين العلماء، منهم من كره ذلك كالأوزاعي، وجماعة، وقالوا إنه يشبه المتعة، فليس له أن يتزوج بنية الطلاق عندهم، وذهب الأكثرون من أهل العلم، كما قال الموفق بن قدامة في المغني إلى جواز ذلك إذا كانت النية بينه وبين ربه فقط وليس بشرط، كأن يسافر للدراسة أو أعمال أخرى وخاف على نفسه، فله أن يتزوج ولو نوى طلاقها إذا انتهت مهمته، وهذا هو الأرجح إذا كان ذلك بينه وبين ربه فقط من دون مشارطة ولا إعلام للزوجة ولا وليها بل بينه وبين الله، فجمهور أهل العلم يقولون: لا بأس بذلك كما تقدم وليس من المتعة في شيء؛ لأنه بينه وبين الله، ليس في ذلك مشارطة" (٢).
القول الثاني: أنه نكاح غير صحيح، وهذا القول هو الذي ذهب إليه الإمام الأوزاعي (٣)، وبعض أصحاب الإمام أحمد ابن حنبل (٤)، وابن حزم الظاهري؛ حيث قال: "والعجب أن المخالفين لنا يقولون فيمن تزوج امرأة وفي نيته أن لا يمسكها إلا شهرًا ثم يطلقها إلا أنه لم يذكر ذلك في عقد النكاح، فإنه نكاح صحيح لا داخلة فيه، وهو مخير إن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها، وأنه لو ذكر ذلك في نفس العقد
стр. 2261
لكان عقدًا فاسدًا مفسوخًا. فأي فرق بين ما أجازوه، وبين ما منعوا منه، وليس هذا قياسًا لأحد الناكحين على صاحبه، لكنه كله باب واحد" (١).
وممن ذهب إلى هذا القول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.
حيث قالت: "الزواج بنية الطلاق زواج مؤقت، والزواج المؤقت زواج باطل؛ لأنه متعة والمتعة محرمة بالإجماع، والزواج الصحيح: أن يتزوج بنية بقاء الزوجية والاستمرار فيها، فإن صلحت له الزوجة وناسبت له وإلا طلقها، قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] " (٢).
وممن ذهب إليه أيضًا الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ حيث قال: "هذا النكاح بنية الطلاق لا يخلو من حالين: إما أن يشترط في العقد بأنه يتزوجها لمدة شهر أو سنة أو حتى تنتهي دراسته؛ فهذا نكاح متعة وهو حرام. وإما أن ينوي ذلك بدون أن يشترطه، فالمشهور من مذهب الحنابلة أنه حرام، وأن العقد فاسد؛ لأنهم يقولون: إن المنوي كالمشروط لقول النبي ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"، ولأن الرجل لو تزوج امرأة من شخص طلقها ثلاثًا من أجل أن يحلها ثم يطلقها، فإن النكاح فاسد، وإن كان ذلك بغير شرط؛ لأن المنوي كالمشروط، فإذا كانت نية التحليل تفسد العقد، فكذلك نية المتعة تفسد العقد هذا هو قول الحنابلة.
والقول الثاني لأهل العلم في هذه المسألة: أنه يصح أن يتزوج المرأة وفي نيته أن يطلقها إذا فارق البلد كهؤلاء الغرباء الذين يذهبون إلى الدراسة ونحو ذلك، قالوا: لأن هذا لم يشترط، والفرق بينه وبين المتعة، أن المتعة إذا تم الأجل حصل الفراق
стр. 2262
شاء الزوج أم أبى، بخلاف هذا فإنه يمكن أن يرغب في الزوجة وتبقى عنده وهذا أحد القولين لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وعندي أن هذا صحيح ليس بمتعة؛ لأنه لا ينطبق عليه تعريف المتعة، لكنه محرم من جهة أنه غش للزوجة وأهلها، وقد حرم النبي الغش والخداع، فإن الزوجة لو علمت بأن هذا الرجل لا يريد أن يتزوجها إلا لهذه المدة ما تزوجته، وكذلك أهلها" (١).
ونرى جواز هذا النوع من النكاح لأنه تتوفر فيه أركان وشروط النكاح، والنية ليست ثابتة بل قد تتغير بعد الزواج فيستمر النكاح بينهما، كما أن كل من يتزوج يضمر في نفسه أنه إذا صلحت له المرأة فإنه سيستمر معها، وإن لم تصلح فإنه سيفارقها (٢)، (٣).
زواج المسيار:
أولاً: تعريفه:
زواج المسيار: هو زواج ومصطلح اجتماعي نشأ في العقود الأخيرة، ويسميه البعض بالزواج الميسر حيث تتنازل فيه الزوجة عن بعض حقوقها برضى منها كالمبيت أو النفقة أو السكن وغيره من حقوقها, ولكنه زواج شرعي مكتمل الشروط والأركان.
زواج المسيار في الاصطلاح: زواج يقوم على إبرام عقد شرعي بين رجل وامرأة يتفقان على المعاشرة من دون العيش معًا بصورة دائمة.
стр. 2263
ثانيًا: بيان كون زواج المسيار نازلة:
لم يكن هذا النوع من النكاح معروفًا عند الفقهاء المتقدمين بصيغته الحالية وبمسماه الحالي، وإن كان الفقهاء يبحثون مسائله مفردة، كما في قولهم (نكاح النهاريات والليليات)، وهو أن يتزوج رجل من امرأة تعمل خارج منزلها، وترجع إلى زوجها نهارًا، أو العكس: تعمل نهارًا وترجع إلى منزل زوجها ليلًا.
أما اجتماع صوره، وبهذا الاعتبار فإنه لم يكن موجودًا من قبل، ولذا اعتبر نازلة تحتاج إلى نظر، وإلى دراسة من فقهاء العصر.
ثالثًا: صور هذا الزواج:
لنكاح المسيار صورتان: الأولى: أن يتم عقد الزواج بين الزوجين مستوفيًا جميع الأركان والشروط المطلوبة في العقد من وجود المهر والولي وشاهدي عدل، إلا أن الزوج يشترط في العقد إسقاط النفقة أو المسكن، بحيث تسكن هي في مسكنها ويأتي الزوج إليها في مسكن مخصص لها، فيكون الزوج غير مكلف بالسكنى والنفقة عليها، هذه صورة.
الصورة الثانية: ألا يشترط الزوج إسقاط النفقة، لكن يشترط عدم الالتزام بالقسم في المبيت، وهو الأكثر؛ لأن الحامل على مثل هذا الزواج هو رغبة الزوج في إخفاء أمر هذا الزواج عن أهله وأولاده؛ درءًا للمشاكل المحتملة منهم إذا علموا بذلك، والأول قد يكون الحامل عليه رغبة الزوجة التي لم يتيسر لها زوج ترضى به، في أن ترزق بذرية وأن تحمي نفسها من الوقوع في الحرام.
رابعًا: حكم نكاح المسيار:
قبل الشروع في بيان حكم هذا النوع من الأنكحة نقول:
١ - ينبغي أن يعلم كل مسلم أن الله قد شرع الزواج لأهداف متعددة منها:
стр. 2264
تكاثر النسل، والحفاظ على النوع الإنساني، وإنجاب الذرية، ومنها: تحقيق العفاف، وصون الإنسان عن التورط في الفواحش والمحرّمات، ومنها: التعاون بين الرجل والمرأة على شؤون العيش وظروف الحياة، والمؤانسة، ومنها: إيجاد الود والسكينة والطمأنينة بين الزوجين، ومنها: تربية الأولاد تربية قويمة في مظلة من الحنان والعطف. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
قال السعدي حول هذه النازلة: "بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة" (١) انتهى.
٢ - أن الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا النوع من الزواج متعددة منها:
أ - كثرة عدد العوانس والمطلقات، والأرامل، وصواحب الظروف الخاصة.
ب - رفض كثير من الزوجات لفكرة التعدد، فيضطر الزوج إلى هذه الطريقة حتى لا تعلم زوجته الأولى بزواجه.
ج - رغبة بعض الرجال في الإعفاف والحصول على المتعة الحلال مع ما يتوافق وظروفهم الخاصة.
د- تهرّب البعض من مسؤوليات الزواج وتكاليفه، ويتضح ذلك في أن نسبة كبيرة ممّن يبحث عن هذا الزواج هم من الشباب صغار السن.
٣ - حكم نكاح المسيار:
стр. 2265
هذا النوع من الأنكحة جائز وصحيح إذا توفرت له شروطه وأركانه، من التراضي، ووجود الولي والشهود ... إلخ، لكنه ليس هو الصورة المثلى والمطلوبة من الزواج، وهذا هو ما أفتى به سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (١) ﵀: وذلك لأن من حق المرأة أن تتنازل عن حقوقها أو بعضها المُقَرَّرة لها شرعًا، ومنها النفقة والمسكن والقَسْم في المَبيت ليلًا، وقد ورد في الصحيحين أن سَودة وَهَبَتْ يومَها لعائشة ﵂، ولو كان هذا غيرَ جائز شرعًا، لمَا أقره الرسول ﷺ ، وكل شرط لا يُؤثر في الغرض الجوهريّ والمقصود الأصليّ لعقد النكاح فهو شرط صحيح، ولا يَخِلُّ بعقد الزواج ولا يبطله.
وقد صدر قرار من المجمع الفقهي برابطة العالم الإِسلامي (٢) جاء فيه قرار رقم: ١٠٦ (٥/ ١٨): بشأن عقود النكاح المستحدثة:
"يؤكد المجمع أن عقود الزواج المستحدثة وإن اختلفت أسماؤها وأوصافها وصورها لا بد أن تخضع لقواعد الشريعة المقررة وضوابطها من توافر الأركان والشروط وانتفاء الموانع، وقد أحدث الناس في عصرنا الحاضر بعض تلك العقود المبينة أحكامها فيما يأتي:
إبرام عقد زواج تتنازل فيه المرأة عن السكن والنفقة والقسم أو بعض منها وترضى بأن يأتي الرجل إلى دارها في أي وقت شاء من ليل أو نهار.
ويتناول ذلك أيضًا إبرام عقد زواج على أن تظل الفتاة في بيت أهلها، ثم يلتقيان متى رغبا في بيت أهلها أو في أي مكان آخر، حيث لا يتوفر سكن لهما ولا نفقة.
стр. 2266
هذان العقدان وأمثالهما صحيحان إذا توافرت فيهما أركان الزواج وشروطه وخلوه من الموانع، ولكن ذلك خلاف الأولى" أ. هـ.
إلى أن قالوا: "ولذا ننصح بعدم اللجوء إليه؛ لأن أضراره أكثر من منافعه، ولما فيه من هدم المعاني السامية للزواج بل هو قائم على المتعة المؤقتة التي يعقبها كثير من المشاكل للرجل والمرأة، وتكوين الأسرة الصغير؛ إحدى لبنات المجتمع الكبير".
تحديد المهور:
قد يحدث بها وقت من الأوقات زيادة في مهور النساء مما يؤدي إلى عزوف الكثير من الشباب عن الزواج، فهل يشرع لولي الأمر أن يجعل لمهور النساء حدًّا لا يمكن تجاوزه لكي يتمكن الشباب من الزواج؟
نقول ليس هناك أدلة من القرآن ولا من السنة تدل على تحديد المهور، وإنما جاءت الأدلة من السنة ترغب في التقليل من المهور، ولا تدل نصوص التخفيف على لزوم ذلك، وإنما هذه النصوص ترغب فقط في التقليل.
قال القرطبي: "وقد أجمع العلماء على أن لا تحديد في أكثر الصداق" (١).
وقال ابن قدامة: "وأما أكثر الصداق فلا توقيت فيه بإجماع أهل العلم، قاله ابن عبد البر" (٢) انتهى.
ومما جاء بخصوص هذه النازلة قرار هيئة كبار العلماء رقم (٥٢) وتاريخ: ٤/ ٤ / ١٣٩٧ هـ، وقد جاء فيه:
٥ - يرى المجلس: الحث على تقليل المهور، والترغيب في ذلك على منابر المساجد
стр. 2267
وفي وسائل الإعلام، وذكر الأمثلة التي تكون قدوة في تسهيل الزواج إذا وجد من الناس من يرد بعض ما يدفع إليه من مهر أو اقتصر على حفلة متواضعة؛ لما في القدوة من التأتير (١).
ومع القول بأنه لا توجد أدلة بتحديد صداق المرأة إلا أنه ينبغي عدم المغالاة في المهور، فأعظم النكاح بركة أيسره مؤونة، وكلما كان المهر قليلًا صار أقرب إلى الألفة بين الزوجين، وأيسر في الفراق إذا لم تتم الألفة.
زواج المعاقين ذهنيًّا وبدنيًّا:
أولًا: تعريف المعاق ذهنيًا (عقليًا):
هناك العديد من التغيرات التي طرأت على تعريف الإعاقة العقلية -أو التأخر العقلي- خلال السنوات الماضية، فمن ذلك:
١ - التعريف الطبي: التأخر العقلي هو حالة توقف أو عدم اكتمال نمو الدماغ، نتيجة لمرض أو إصابة قبل سن المراهقة أو بسبب عوامل جينية.
٢ - التعريف القانوني: الشخص المعاق ذهنيًّا هو شخص غير قادر على الاستقلالية في تدبير شؤونه، بسبب حالة الإعاقة الدائمة أو توقف النمو العقلي في سن مبكرة.
ثانيًا: الحكم الشرعي في زواج المعاقين عقليًّا وبدنيًّا:
نقول إن زواج المعاقين عقليًّا أو بدنيًّا يتناول أمورًا نجملها فيما يلي:
١ - يجوز زواج المعاقين والمتخلفين عقليًّا، وسدُّ احتياجاتهم العضوية والنفسية حق مكفول لهم كغيرهم، وهذا من أصول رعاية المعاق ومساعدته على ممارسة حياته بأقرب صورة إلى الحالة الطبيعية للإنسان. ويكون ذلك وفق الشروط التالية
стр. 2268
مع شروط الزواج المعلومة:
أ - اطلاع الطرف الآخر على حاله ومعرفته بوضعه تمامًا، فإن عدم اطلاعه غش له وخيانة محرمة.
ب - ألا يكون الطرف الآخر مجنونًا ولا زائل العقل، بل يتزوج المتخلف عقليًّا امرأة سليمة العقل، وتتزوج المتخلفة عقليًّا برجل سليم العقل، وسبب ذلك أن اجتماع زائلي العقل لا يحقق أي مصلحة، وهو مع ذلك سبب لضرر بينهما كما هو ظاهر.
ج- أن يكون سقيم العقل منهما مأمونًا، أما الذي يتصف بالعدوانية بالضرب أو الإفساد فلا يجوز له الزواج؛ لأن زواجه سبب لحصول الضرر، والضرر مرفوع في الشريعة الإِسلامية.
د- أن يرضى أولياء المرأة بهذا الزواج؛ لأن فيه ضررًا قد يلحقهم.
٢ - الإعاقة أنواع متفاوتة، ولكن القول الجامع فيها أن كل إعاقة لا يكون العقل فيها زائلًا مثل الصمم، والبكم، وشلل اليد أو الرجل، فهذه يجوز لصاحبها الزواج، وحكمه حكم الصحيح سواء، إلا أنه يشترط أن يطلع الطرف الآخر على الإعاقة، ويرضى بها، حتى ولو كان مصابًا بمثل تلك الإعاقة، فإن إصابته بإعاقة مماثلة لا تكفي عن أخذ رأيه في الزواج من معاق. أما المتخلف عقليًّا وصاحب الإعاقة التي تزيل العقل، فالمصاب بها حكمه حكم المجنون، والمجنون يجوز له الزواج، لكن يشترط في زواجه ما ذكرناه سابقًا.
٣ - في زواج المعاق أيًّا كانت نوعية إعاقته تحقيق لمصلحة مهمة، وهي أن يوجد للسقيم منهما من يعتني به، ويقوم بشؤونه، ويهتم به، فإن عقد النكاح في الإِسلام يهدف إلى ما هو أكبر من مجرد الاستمتاع، الذي هو من مقاصد النكاح المهمة، بل يراد معه أيضًا تحقيق الرعاية والتكافل والتراحم بين الزوجين.
стр. 2269
٤ - أن الذي يزوج سقيمي العقل وليهم؛ لأنه هو الراعي لمصلحتهم، لعدم قدرتهم على إدارة شؤونهم، ولا تصريف أحوالهم، ورعاية المعاق فرض كفاية على المجتمع لمساعدته ليعود عضوًا فعالًا في المجتمع، وليتخلص من الآثار النفسية التي قد تنشأ عنده.
تحديد سن الزواج ومدى إجبار الأسر على ذلك:
لم تأت الشريعة الإِسلامية بتحديد سن معين لعقد الزواج، بل أجاز جمهور الفقهاء المتقدمين زواج الصغير والصغيرة، أي: دون البلوغ، إلا أن قوانين الأحوال الشخصية في البلاد الإِسلامية حددت سنًّا للزواج بعضها حدد بسن الخامسة عشرة والبعض الآخر رفعه إلى الثامنة عشرة.
ولا شك أن تأخير الزواج وفقًا لما تنادي به القوانين الوضعية التي تنادي بها المنظمات النسوية ومنظمات حقوق الإنسان يؤدى إلى مضار كثيرة منها:
احتمال انزلاق الفتاة إلى الفاحشة، أو أن يفوتها الزوج الكفؤ، أو حتى يفوتها قطار الزواج بالكلية، بالإضافة إلى كراهية وليها الذي أخر زواجها بعدم قبوله من تقدم إليها من الخطّاب الأكفاء، وقد يصدر منها ما لا تحمد عقباه، وأحيانًا أخرى قد يصيب نفسها شيء من التعقيد والسخط على كل من حولها.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن النداءات في المؤتمرات من قبل المؤسسات النسوية ومؤسسات حقوق الإنسان، التي تطالب بين الحين والآخر بضرورة سن قوانين وضعية تحدد سن الزواج وتجرم زواج الفتاة قبل سن الثامنة عشرة، ليست وليدة اللحظة؛ وإنما هي قديمة.
وهذه الحملات في الحقيقة الهدف منها النيل من الإِسلام والإساءة له ليس أكثر، وهي مجرد مدخل تسعى من خلاله منظمات حقوق الإنسان للطعن في الإِسلام.
стр. 2270
وبذلك نقول بأن الحكم الشرعي لهذه النازلة: أنه لا يجوز لأي جهة أن تحرم المباح أو أن تجرم من فعل خلافه، أو أن تعلق فعله على إذنها وترخيصها، وإنما دلت الأدلة الشرعية على أنه يجوز لولي أمر المسلمين الإلزام بفرد من أفراد المباح مؤقتًا، أو المنع منه كذلك بشرط أن لا يكون عامًّا لكل الناس، وأن يكون مخصوصًا بحال معينة وفق ضوابط ذكرها أهل العلم.
والكتاب والسنة يدلان على ذلك؛ لأن فيهما الحث على الزواج والترغيب فيه من دون تقييد بسن معينة، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] الآية، فأجاز نكاح اليتيمة، وهي التي لم تبلغ سن البلوغ وهو تمام خمسة عشر عامًا على الأرجح، وقد تبلغ بأقل من ذلك بغير السن, وقد تزوج النبي ﷺ عائشة ﵂ ولها ست أو سبع سنين ودخل بها وهي ابنة تسع، وفعله تشريع لهذه الأمة كما أن الصحابة ﵃ كانوا يتزوجون في الصغر وفي الكبر دون تحديد سن معينة، فليس لأحد أن يشرع غير ما شرعه الله ورسوله ولا أن يغير ما شرعه الله ورسوله؛ لأن فيه الكفاية، ومن رأى خلاف ذلك فقد ظلم نفسه وشرع للناس ما لم يأذن به الله، وقد قال ذامًّا لهذا الصنف من الناس: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ...﴾ [الشورى: ٢١] الآية، وقال ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ" (١)، (٢)، فلا يجوز للدولة تحريم المباح، أو إيجاب فعله، أو تقييده بإذنها كتشريع عام، وإنما يجوز لها التدخل بالمنع، أو الإلزام في بعض أفراد المباح، وفي حالات مخصوصة بهدف تحقيق مقصد شرعي من ذلك
стр. 2271
وبالضوابط التي سبق بيانها؛ لأن الإباحة حكم من خالق العباد وربهم، ومتى ثبت بالدليل الشرعي إباحة الفعل، فليس لمخلوق المنع، أو الإلزام به على وجه العموم والإطلاق. وللقاضي التدخل في الحالات التي يقع فيها إشكال، فيمنع ما يراه غير مناسب، ويمضي ما يراه مناسبًا.
اشتراط الولي على الزوج ألا يتزوج على ابنته زوجة ثانية:
قد تشترط المرأة أو يشترط وليها على الزوج ألا يتزوج على ابنته زوجة ثانية، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى ثبوت هذا الشرط، فمتى اشترطت الزوجة عند الخطبة مثلًا أو عند العقد أن لا يتزوج عليها أخرى فلها ذلك، ووجب الوفاء به لقوله ﷺ : "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلتُمْ بِهِ الفُرُوجَ" (١). فإذا خالف الزوج فتزوج عليها أخرى فإنه من حقها أن تفسخ النكاح، ويكون المهر لها، ويمضي العقد على الوجه الذي تمّ بينهما.
وقال بعض أهل العلم: هذا الشرط باطل والعقد صحيح، لما فيه من مخالفة ما أباح الله من التعدد، فالله تعالى أحل للمسلم تعدد الزوجات، قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]. ولقوله ﷺ : "مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئة شَرْطٍ، شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وأوثَقُ" (٢)
فالله ندب إلى تعدد الزوجات ورغب في ذلك؛ لأن هذا من الرفق بالنساء، فالمرأة قد تكون عانسة، أو مطلقة، أو مات عنها زوجها فتضم إلى بيت من البيوت
стр. 2272
تحت رجل يستر عرضها، ويقوم على شأنها ويرفق بها، فإذا اشترطت عليه هذه المرأة أو وليها مثل هذا الشرط فقد آذت المسلمين وأضرت بهم، بل وأضرّت بالزوج أيضًا فقد يقع في الحرام، وهذا موجود في بعض البيئات التي يرون نفاذ هذا الشرط فإنها تقع فيهم مصائب عظيمة، ثم إن الرجل يتزوج المرأة وتشترط عليه ذلك ثم تنجب له الأولاد، وقد يذهب جمالها فيخاف على نفسه الحرام وقد يصيبها شيء من العاهات والآفات فيخاف على نفسه الحرام، فلا يستطيع أن يطلقها ولا يستطيع أن يتزوج عليها، وإذا بقي ربما يقع في الحرام، فهذا الشرط لا شك أنه يضر بالزوج ويضر بالمرأة ويضر بالنساء، فمن باب الرفق بالجميع أنه لا يعتبر هذا الشرط ولا يعتد به، وإن كان هناك من خالف.
ومع ذلك فإننا نرى أنه إذا رضي الزوج بهذا الشرط فيلتزم به ويحاول إقناع زوجته بالتنازل عنه؛ لا سيما إذا حصلت عوارض تقتضي ذلك ليتم الأمر برضاها وموافقتها؛ لئلا تحصل مشاكل تضر بالأسرة وتنقلب الراحة والسكن إلى جحيم لا يطاق، فإن لم ترض ولم توافق فيثبت لها حق الفسخ وزواجه صحيح.
وأما الاستدلال بقوله ﷺ : "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلتُمْ بِهِ الفُرُوجَ" (١)، فالجواب عليه بأن هذا إنما يكون بشرط أن يكون موافقًا لشرع الله لا معارضًا له، فمثلًا: لو اشترطت عليه أن يكون لها بيت داخل المدينة، فهذا شرط استحلَّ به الفرج فلا بد أن يفي لها، أو يشترط وليها فيقول: أشترط أن تؤثث بيتها من الفراش الفلاني، أو أن تكون لها شقة، فيشترط شروطًا في كتاب الله وفيها رفق بالمرأة، وفيها أيضًا رفق بالزوج، فإذا كان على هذا الوجه فهذا من كتاب الله وموافق لشرع الله.
стр. 2273
اشتراط ولي المرأة مواصلتها للدراسة:
هذه النازلة متفرعة عن التي قبلها؛ لدخول هذا الشرط في عموم قوله ﷺ : "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلتُمْ بِهِ الفُرُوجَ" (١).
فيجوز العقدُ على امرأةٍ أو الدخولُ بها مع التزامِ شرط وَليِّها في مواصلة الدِّراسة حتى تنتهيَ منها؛ بشرط خروجها بالضوابط الشرعية وخلوِّ دراستها من محذورٍ شرعيٍّ؛ إذ لا منافاةَ بين الزواج والدِّراسة لإمكانية الجمع بينهما.
стр. 2274
نوازل الحمل والولادة
تحديد موعد الولادة:
من الأمور التي اعتادها النساء الحوامل أن الأطباء يقومون بتحديد موعد ولادتهن، وبالتالي تنتظر المرأة هذا الموعد الذي حدد لها من قبل الأطباء، فما مدى مشروعية هذا التحديد؟ وهل هو مصادم لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٣]، حيث ذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ هو وقت الولادة، فإذا كان وقت الولادة قد استأثر الله تعالى بعلمه ووقته، فهل يسوغ تحديده من قبل الأطباء؟
نقول: لكي نوضح حكم هذه النازلة لا بد من بيان معنى تحديد موعد الولادة عند الأطباء، فقد ذكر أهل الطب أن معرفة موعد الولادة هو تقريبي حيث يتم ذلك عن موعد انقطاع الحيض عن المرأة الحامل، ثم يبدأ حساب المدة من تاريخ انقطاع الحيض.
وقد أكد الطب الحديث ما ذهب إليه الفقهاء من أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إلا أن المولود لها نادرًا ما يعيش في الأحوال العادية (١).
ولكن لما كان الحكم يبنى على الغالب دائمًا فإن الأطباء يحددون موعد الولادة على الشيء المتعارف عليه وهي التسعة أشهر، أي: (٢٨٠) يومًا، وهذه المدة تقريبية لا يقينية كما يقول أهل الطب.
وإذا كان الأمر كذلك، فلا يوجد مانع شرعي يمنع من تحديد موعد الولادة للمرأة.
стр. 2275
الطلق الصناعي للجنين الحي في وقت الولادة:
أولًا: التعريف بالطلق الطبيعي والطلق الصناعي والفرق بينهما:
الطلق الطبيعي: هو تقلصات رحمية طبيعية تشعر بها الحامل، وتكون هذه الانقباضات مؤلمة في البطن أو أسفل الظهر بدون أي تدخل صناعي، تحدث بشكل منتظم ومستمر بفارق زمني قصير ومتزايد، يترافق معها ازدياد قساوة الرحم، ثم تراجع في الحدة، ثم انقباض آخر بنفس المواصفات، فيؤدي ذلك إلى إخفاء عنق الرحم ونزول الجنين نحو القسم السفلي من الرحم ليخرج.
أما الطلق الصناعي أو ما يسمى بـ (تحريض الولادة): فهو تدخل خارجي بحقن الحامل مادة تقوم بتحريض ألياف الرحم العضلية لتحدث التقلصات فتدفع الجنين للخارج وفي وقت لا يكون لديها آلام وضع، وهو إما قبل موعد ولادتها أو بعد مرور الوقت المحدد لولادتها لأسباب يشرحها الطبيب.
ثانيًا: حكم استخدام الطلق الصناعي عند الولادة:
لا تخلوا المرأة عند ولادتها من أمور:
الأول: أن يستخدم الطلق الصناعي قبل الولادة وذلك لأمور قد تستوجب على الأطباء ذلك كأن تكون هناك حالة تسمم للمرأة أو لارتفاع ضغطها أو لإصابة الأم بمرض السكر، أو غير ذلك مما يكون فيه نوع خطر على الأم أو الجنين، فمتى قرر الأطباء أن هناك خطرًا على الأم أو الجنين واستلزم الأمر استعجال الولادة للمحافظة على سلامة الأم أو الجنين فهنا يكون استعمال الطلق الصناعي واجبًا حفظًا لحياة الجنين، أو حفظًا لحياة الأم، بشرط أن لا يكون هناك ضرر من استعمال الطلق الصناعي.
أما إذا لم يكن هناك خطر على أحد فالأولى هنا ترك الأمر على طبيعته، وإن استعجل ذلك بالطلق الصناعي فلا حرج ما دام أنه ليس هناك ضرر على الأم أو الجنين.
стр. 2276
الثاني: أن يستخدم الطلق الصناعي وقت الولادة وذلك بسبب تأخر وضع المرأة، فيقرر الأطباء استخدام الطلق الصناعي؛ لعدم وجود الطلق الطبيعي.
فالحكم في هذه الحالة أنه إذا رأى الطبيب الثقة أنه لا بد من استخدام الطلق الصناعي؛ لفوات الولادة وأن هناك خطورة على الجنين فهنا يجب استخدام الطلق الصناعي، وإن لم يكن هناك خطورة على الجنين مع تأخر موعد الولادة فلا حرج من استخدام الطلق الصناعي بشرط أن لا يترتب على الطلق الصناعي ضرر على الأم وعلى الجنين، والأولى لها أن تصبر لتلد ولادة طبيعية.
الثالث: أن يكون الجنين الذي في بطن الأم قد مات، ورأى الأطباء أنه لا بد من إخراجه حتى لا يسبب تسممًا للأم فهنا لا بد من حصول أحد أمرين:
الأول: أن تستخدم الأم الطلق الصناعي الذي من خلاله يتم طرد ما في بطنها من هذا الجنين الميت.
الثاني: أن يقوم الأطباء بإجراء العملية القيصرية لإخراج الجنين الميت من بطن الأم، ولا عدول للمرأة عن هذين الأمرين إذا كان هناك خطر عليها، فالواجب عليها استعمال إحدى الطريقتين (١).
العمليات القيصرية:
تعريف العملية القيصرية:
هي عملية جراحية يقصد منها إخراج الجنين من الرحم عبر شق بطن الحامل وهذه العملية يلجأ إليها الأطباء عند حصول بعض الأمور التالية:
أولًا: أن يقرر الأطباء أن هناك خطورة على الجنين لا على الأم، ويستلزم ذلك
стр. 2277
المبادرة لإجراء العملية القيصرية لإنقاذ الجنين ولا يوجد غير هذه الطريقة، فهنا يجب الأخذ بها حفاظًا على الجنين؛ لأن حفظ النفس واجب وهو من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بالحفاظ عليها.
ثانيًا: أن يخشى على أحدهما الهلاك لو لم تتم العملية؛ فهذا الأمر راجع إلى رأي الطبيب، فمتى وجد المصلحة في الإقدام عليها فلا حرج في ذلك.
ثالثًا: أن لا تكون هناك حاجة إلى إجراء العملية القيصرية، ولكن تقوم المرأة الحامل بإجراء العملية، تخلصًا من آلام الوضع والولادة، أو تخلصًا من القلق الذي يلازم بعض الحوامل في نهاية فترة الحمل أو غير ذلك، وهذا موجود عند بعض النساء، تقوم بفعل ذلك دون حاجة طبية له.
فهذه الحالة لا يجوز للمرأة اللجوء إليها؛ لأن المرأة لا يجوز لها أن تتصرف في بدنها إلا بما يوافق الشرع، فلا يجوز لأي إنسان أن يؤذي نفسه، أو يقطع جزءًا من بدنه، أو يقتل نفسه، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
وأيضًا لما فيها من سلبيات تحدث للمرأة من جرائها، حيث يعتري هذه المرأة ما يعتري العمليات الجراحية الأخرى، وبقاء أثر الجرح بعد الولادة.
رابعًا: أن تقوم بعمل العملية القيصرية من أجل إخراج الجنين الميت ولا خلاص لها إلا بذلك، فهذه الحالة يجب إجراء العملية القيصرية لسلامة الأم.
خامسًا: أن تموت الأم والجنين الذي في بطنها حي، وهذه الحالة اختلف فيها الفقهاء قديمًا وحديثًا، والذي يظهر لنا: أنه متى اتفق الأطباء على أن حياة الجنين الذي في بطن الأم المتوفاة مستقرة، ويمكن أن يرجى له العيش، فهنا يجب شرعًا شق بطن الأم لإخراج الجنين، لوجوب حياة النفس، وحفظ الحياة الإنسانية، وفي عدم
стр. 2278
إخراجه هلاك له وقتل للنفس المعصومة وهو محرم شرعًا، والقاعدة هنا هي ارتكاب أخف الضررين، وأخف الضررين هو شق بطن الأم للعملية الذي هو أهون من هلاك ولدها الحي، كما أن انتهاك حرمتها أخف من جريمة قتل النفس (١).
استخدام جهاز الشفط أو الملقط لإخراج الجنين:
تنوعت أنواع الولادة وبخاصة في هذه الأزمنة التي تقدم فيها مجال الطب، فهناك ثلاثة أنواع للولادة، ويحدد الطبيب بأي طريقة تتم الولادة.
النوع الأول: وهو الولادة الطبيعية، وهي أكثر أنواع الولادة شيوعًا، وهي التي يخرج فيها الجنين بدون أي مساعدات من الأجهزة الحديثة، وبدون أي مضاعفات للجنين أو الأم.
النوع الثاني: الولادة القيصرية حيث يتم إخراج الجنين عن طريق فتح البطن والرحم، وتتم تحت التخدير النصفي أو الكلي، وقد سبق بيان حكمها سابقًا.
النوع الثالث: الولادة المساعدة، وهي التي تتم كالولادة الطبيعية، لكن باستخدام أجهزة مساعدة مثل جهاز شفط الجنين أو الملقط، وهذه الطريقة يلجأ إليها الطبيب في حالات خاصة مثل ضيق الحوض، أو كبر حجم الجنين.
وطريقة إخراج الجنين بواسطة شفطه بجهاز الشفط أو عن طريق الملقط المرجع فيها إلى الطبيب؛ فهو الذي يقدر المصلحة في استخدامه وعدم استخدامه لجهاز الملقط أو شفط الجنين، فمما علمنا عن أهل الطب أن جهاز شفط الجنين قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية على رأس الجنين، وقد يؤدى إلى الوفاة أو الإعاقة بسبب التأثير المباشر على الدماغ.
стр. 2279
والواجب على الطبيب أن يتقي الله في تقدير الحاجة لهذا الجهاز، فليس المطلوب خروج الجنين فقط، بل أهم ما يراعى في خروج الجنين أن يكون سليمًا صحيحًا، فمتى لم يجد الطبيب بُدًّا من استخدام هذا الجهاز، جاز له استخدامه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
والقاعدة في هذه النازلة أنه: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما".
فإذا كان هناك ضرر على الأم أو ضرر على الجنين، ولم يكن بُد من استخدام هذا الجهاز، فإنه يجوز استخدامه لدفع أعظم الضررين كموت الأم أو الجنين.
ولا بد للطبيب قبل شروعه في استخدامه لهذا الجهاز مراعاة ما يلي:
١ - متى كانت هناك فرصة لإخراج الجنين عن طريق الولادة الطبيعية بدون ضرر على الأم أو الجنين لزمه الانتظار وعدم استخدام جهاز الشفط.
٢ - متى أمكن إخراج الجنين بطريق أقل ضرر من استخدام جهاز الشفط لزمه استخدام ما هو أخف ضررًا، كما لو كان إخراجه عن طريق العملية القيصرية أخف ضررًا من استخدام جهاز الشفط، فهنا يلزمه إخراجه عن طريق العملية القيصرية (١).
تفتيت الجنين الميت:
المراد بتفتيت الجنين:
هو إخراجه متقطعًا من رحم المرأة كأن يحتاج إلى قطع عضو من أعضائه كرأسه أو جوفه أو غير ذلك مما لا يمكن إخراجه إلا بقطعه.
стр. 2280
وهذه الطريقة يلجأ إليها الأطباء عند تعثر إخراج الجنين الميت عن طريق الطلق الطبيعي أو الطلق الصناعي أو غير ذلك مما تعطاه المرأة لإخراجه.
حكم هذه النازلة:
نقول متى أمكن إخراج الجنين الميت بغير تقطيعه كإخراجه عن طريق العملية القيصرية مثلًا وجب إخراجه عن طريق ذلك إلا إذا كان هناك ضرر على الأم.
أما إذا لم يكن هناك سبيل لإخراجه إلا عن طريق تفتيته أو إخراجه بوسيلة أخرى يكون فيها الضرر على الأم أكبر من هذه الحالة، فهنا يجوز إخراجه متقطعًا ما دامت الحاجة تدعو إلى ذلك، مع مراعاة تجميعه بعد تقطيعه ودفنه والصلاة عليه وغير ذلك من الأمور الشرعية إذا كان ممّن يراعى فيه ذلك.
والدليل على جواز إخراج الجنين متقطعًا ما يلي:
١ - قوله عن النفس: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
وجه الدلالة من الآية أنه إذا خيف على الأم من الموت، ولم يكن هناك سبيل لاستنقاذها إلا بتقطيع هذا الجنين الميت لزم فعل ذلك لإنقاذ حياة الأم.
٢ - أن القاعدة الأصولية في هذه النازلة (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمها ضررًا بارتكاب أخفهما).
وبناء على ذلك إذا كان هناك مفسدتان أحدهما موت الأم أو إصابتها بضرر، والأخرى تقطيع الجنين الميت لزم الثاني دون الأول؛ لأن مراعاة حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، فتكون المفسدة التي في جانبه أعظم، فيرتكب أخف المفسدتين وهو تقطيع الجنين الميت (١).