الثاني: أن يستخدم الطلق الصناعي وقت الولادة وذلك بسبب تأخر وضع المرأة، فيقرر الأطباء استخدام الطلق الصناعي؛ لعدم وجود الطلق الطبيعي.
فالحكم في هذه الحالة أنه إذا رأى الطبيب الثقة أنه لا بد من استخدام الطلق الصناعي؛ لفوات الولادة وأن هناك خطورة على الجنين فهنا يجب استخدام الطلق الصناعي، وإن لم يكن هناك خطورة على الجنين مع تأخر موعد الولادة فلا حرج من استخدام الطلق الصناعي بشرط أن لا يترتب على الطلق الصناعي ضرر على الأم وعلى الجنين، والأولى لها أن تصبر لتلد ولادة طبيعية.
الثالث: أن يكون الجنين الذي في بطن الأم قد مات، ورأى الأطباء أنه لا بد من إخراجه حتى لا يسبب تسممًا للأم فهنا لا بد من حصول أحد أمرين:
الأول: أن تستخدم الأم الطلق الصناعي الذي من خلاله يتم طرد ما في بطنها من هذا الجنين الميت.
الثاني: أن يقوم الأطباء بإجراء العملية القيصرية لإخراج الجنين الميت من بطن الأم، ولا عدول للمرأة عن هذين الأمرين إذا كان هناك خطر عليها، فالواجب عليها استعمال إحدى الطريقتين (١).
العمليات القيصرية:
تعريف العملية القيصرية:
هي عملية جراحية يقصد منها إخراج الجنين من الرحم عبر شق بطن الحامل وهذه العملية يلجأ إليها الأطباء عند حصول بعض الأمور التالية:
أولًا: أن يقرر الأطباء أن هناك خطورة على الجنين لا على الأم، ويستلزم ذلك
стр. 2277
المبادرة لإجراء العملية القيصرية لإنقاذ الجنين ولا يوجد غير هذه الطريقة، فهنا يجب الأخذ بها حفاظًا على الجنين؛ لأن حفظ النفس واجب وهو من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بالحفاظ عليها.
ثانيًا: أن يخشى على أحدهما الهلاك لو لم تتم العملية؛ فهذا الأمر راجع إلى رأي الطبيب، فمتى وجد المصلحة في الإقدام عليها فلا حرج في ذلك.
ثالثًا: أن لا تكون هناك حاجة إلى إجراء العملية القيصرية، ولكن تقوم المرأة الحامل بإجراء العملية، تخلصًا من آلام الوضع والولادة، أو تخلصًا من القلق الذي يلازم بعض الحوامل في نهاية فترة الحمل أو غير ذلك، وهذا موجود عند بعض النساء، تقوم بفعل ذلك دون حاجة طبية له.
فهذه الحالة لا يجوز للمرأة اللجوء إليها؛ لأن المرأة لا يجوز لها أن تتصرف في بدنها إلا بما يوافق الشرع، فلا يجوز لأي إنسان أن يؤذي نفسه، أو يقطع جزءًا من بدنه، أو يقتل نفسه، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
وأيضًا لما فيها من سلبيات تحدث للمرأة من جرائها، حيث يعتري هذه المرأة ما يعتري العمليات الجراحية الأخرى، وبقاء أثر الجرح بعد الولادة.
رابعًا: أن تقوم بعمل العملية القيصرية من أجل إخراج الجنين الميت ولا خلاص لها إلا بذلك، فهذه الحالة يجب إجراء العملية القيصرية لسلامة الأم.
خامسًا: أن تموت الأم والجنين الذي في بطنها حي، وهذه الحالة اختلف فيها الفقهاء قديمًا وحديثًا، والذي يظهر لنا: أنه متى اتفق الأطباء على أن حياة الجنين الذي في بطن الأم المتوفاة مستقرة، ويمكن أن يرجى له العيش، فهنا يجب شرعًا شق بطن الأم لإخراج الجنين، لوجوب حياة النفس، وحفظ الحياة الإنسانية، وفي عدم
стр. 2278
إخراجه هلاك له وقتل للنفس المعصومة وهو محرم شرعًا، والقاعدة هنا هي ارتكاب أخف الضررين، وأخف الضررين هو شق بطن الأم للعملية الذي هو أهون من هلاك ولدها الحي، كما أن انتهاك حرمتها أخف من جريمة قتل النفس (١).
استخدام جهاز الشفط أو الملقط لإخراج الجنين:
تنوعت أنواع الولادة وبخاصة في هذه الأزمنة التي تقدم فيها مجال الطب، فهناك ثلاثة أنواع للولادة، ويحدد الطبيب بأي طريقة تتم الولادة.
النوع الأول: وهو الولادة الطبيعية، وهي أكثر أنواع الولادة شيوعًا، وهي التي يخرج فيها الجنين بدون أي مساعدات من الأجهزة الحديثة، وبدون أي مضاعفات للجنين أو الأم.
النوع الثاني: الولادة القيصرية حيث يتم إخراج الجنين عن طريق فتح البطن والرحم، وتتم تحت التخدير النصفي أو الكلي، وقد سبق بيان حكمها سابقًا.
النوع الثالث: الولادة المساعدة، وهي التي تتم كالولادة الطبيعية، لكن باستخدام أجهزة مساعدة مثل جهاز شفط الجنين أو الملقط، وهذه الطريقة يلجأ إليها الطبيب في حالات خاصة مثل ضيق الحوض، أو كبر حجم الجنين.
وطريقة إخراج الجنين بواسطة شفطه بجهاز الشفط أو عن طريق الملقط المرجع فيها إلى الطبيب؛ فهو الذي يقدر المصلحة في استخدامه وعدم استخدامه لجهاز الملقط أو شفط الجنين، فمما علمنا عن أهل الطب أن جهاز شفط الجنين قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية على رأس الجنين، وقد يؤدى إلى الوفاة أو الإعاقة بسبب التأثير المباشر على الدماغ.
стр. 2279
والواجب على الطبيب أن يتقي الله في تقدير الحاجة لهذا الجهاز، فليس المطلوب خروج الجنين فقط، بل أهم ما يراعى في خروج الجنين أن يكون سليمًا صحيحًا، فمتى لم يجد الطبيب بُدًّا من استخدام هذا الجهاز، جاز له استخدامه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
والقاعدة في هذه النازلة أنه: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما".
فإذا كان هناك ضرر على الأم أو ضرر على الجنين، ولم يكن بُد من استخدام هذا الجهاز، فإنه يجوز استخدامه لدفع أعظم الضررين كموت الأم أو الجنين.
ولا بد للطبيب قبل شروعه في استخدامه لهذا الجهاز مراعاة ما يلي:
١ - متى كانت هناك فرصة لإخراج الجنين عن طريق الولادة الطبيعية بدون ضرر على الأم أو الجنين لزمه الانتظار وعدم استخدام جهاز الشفط.
٢ - متى أمكن إخراج الجنين بطريق أقل ضرر من استخدام جهاز الشفط لزمه استخدام ما هو أخف ضررًا، كما لو كان إخراجه عن طريق العملية القيصرية أخف ضررًا من استخدام جهاز الشفط، فهنا يلزمه إخراجه عن طريق العملية القيصرية (١).
تفتيت الجنين الميت:
المراد بتفتيت الجنين:
هو إخراجه متقطعًا من رحم المرأة كأن يحتاج إلى قطع عضو من أعضائه كرأسه أو جوفه أو غير ذلك مما لا يمكن إخراجه إلا بقطعه.
стр. 2280
وهذه الطريقة يلجأ إليها الأطباء عند تعثر إخراج الجنين الميت عن طريق الطلق الطبيعي أو الطلق الصناعي أو غير ذلك مما تعطاه المرأة لإخراجه.
حكم هذه النازلة:
نقول متى أمكن إخراج الجنين الميت بغير تقطيعه كإخراجه عن طريق العملية القيصرية مثلًا وجب إخراجه عن طريق ذلك إلا إذا كان هناك ضرر على الأم.
أما إذا لم يكن هناك سبيل لإخراجه إلا عن طريق تفتيته أو إخراجه بوسيلة أخرى يكون فيها الضرر على الأم أكبر من هذه الحالة، فهنا يجوز إخراجه متقطعًا ما دامت الحاجة تدعو إلى ذلك، مع مراعاة تجميعه بعد تقطيعه ودفنه والصلاة عليه وغير ذلك من الأمور الشرعية إذا كان ممّن يراعى فيه ذلك.
والدليل على جواز إخراج الجنين متقطعًا ما يلي:
١ - قوله عن النفس: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
وجه الدلالة من الآية أنه إذا خيف على الأم من الموت، ولم يكن هناك سبيل لاستنقاذها إلا بتقطيع هذا الجنين الميت لزم فعل ذلك لإنقاذ حياة الأم.
٢ - أن القاعدة الأصولية في هذه النازلة (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمها ضررًا بارتكاب أخفهما).
وبناء على ذلك إذا كان هناك مفسدتان أحدهما موت الأم أو إصابتها بضرر، والأخرى تقطيع الجنين الميت لزم الثاني دون الأول؛ لأن مراعاة حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، فتكون المفسدة التي في جانبه أعظم، فيرتكب أخف المفسدتين وهو تقطيع الجنين الميت (١).
стр. 2281
رأي الطب في أكثر مدة الحمل:
قبل الشروع في بيان هذه النازلة نقول بأن هذه المسألة ليس فيها نص من القرآن أو السنة، وإنما هي اجتهادات لأهل العلم المرجع فيها إلى الوجود، أي: أن من قال بقول ما، ذكر أنه قد وجد في الواقع ما يشهد له ويؤيده.
قال ابن عبد البر ﵀: "وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والرد إلى ما عُرف من أمر النساء"، ولبيان هذه النازلة نقول:
أولًا: تنازع الفقهاء والأطباء والباحثون قديمًا وحديثًا في أكثر مدة للحمل بعد اتفاقهم على أن أقل مدة للحمل ستة أشهر، لكنهم تنازعوا في أكثر المدة التي تقضيها المرأة وهي حامل على قولين:
الأول: أن أقصى مدة الحمل هي المدة المعهودة تسعة أشهر.
الثاني: أنه يمكن أن يمتد الحمل أكثر من تسعة أشهر، وأصحاب هذا القول اختلفوا في أكثر الحمل على أقوال منها: أن أقصى مدة الحمل سنة واحدة لا أكثر، وفي قول آخر: إن الحمل قد يستمر إلى سنتين، وفي قول ثالث: إن أقصى الحمل أربع سنين، وهناك أقوال أخرى في هذه المسألة:
وهذه الأقوال المتعددة إنما حكيت على ما توارد على السمع عندهم من أن هناك حملًا امتد لهذا الأمد.
ثانيًا: موقف الطب من أكثر الحمل:
الذي يظهر من خلال أقوال الأطباء أنهم لا يقبلون بأن ثمة حمل يمتد لسنة فضلًا عن سنوات طويلة، وقالوا بأن الفقهاء الذين تعددت آراؤهم في المسألة قد بنوا
стр. 2282
على ما توارد على أسماعهم وما بلغهم عن نساء امتد عندهن الحمل لفترات طويلة.
ثالثًا: ثمرة الخلاف:
ثمرة الخلاف تظهر في إثبات النسب للزوج المتوفى أو المطلق، وكذلك الإلزام بالنفقة عند من يقول به والميراث للطفل المولود، ولزوم العدة للمرأة وإقامة حد الزنا وغيرها من الأحكام الهامة.
رابعًا: بيان القول الراجح في هذه المسألة:
الذي يظهر لنا أن أقصى مدة الحمل التي تبنى عليها الأحكام الشرعية هي المدة المعهودة تسعة أشهر، وقد تزيد أسابيع محدودة كما هو الواقع، أما المدد الطويلة فهي نادرة، والقاعدة الفقهية أن "الاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها"، وأيضًا "العبرة بالغالب، والنادر لا حكم له".
قال ابن رشد الحفيد في هذه المسألة: "وهذه المسألة مرجوع فيها إلى العادة والتجربة، وقول ابن عبد الحكم والظاهرية هو أقرب إلى المعتاد، والحكم إنما يجب أن يكون بالمعتاد لا بالنادر، ولعله أن يكون مستحيلًا" (١).
قلنا: ولا يعني هذا القطع بنفي وقوع حمل امتد طويلًا كسنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع مع كونه نادرًا جدًّا، وذلك للأمور الآتية:
١ - حديث ابن صياد والذي ثبت أنه ولد لسنة: ففي حديث أبي ذر ﵁ قال: لأن أحلف عشر مرارًا أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به، قال: وكان رسول الله ﷺ بعثني إلى أمه: "سلها كم حملت؟ "، قال: فأتيتها فسألتها فقالت: حملت به اثني عشر شهرًا، قال: ثم أرسلني إليها فقال:
стр. 2283
"سلها عن صيحته حين وقع". قال: فرجعت إليها فسألتها، فقالت: صاح صيحة الصبي ابن شهر (١).
وعامة العلماء على أن الدجال غير ابن صياد، فقد دخل مكة والمدينة وله ابن من التابعين الأجلاء الذي روى بعض الأحاديث، ومن الثابت أن الدجال لا يولد له ولا يدخل مكة والمدينة إنما كان الرسول ﷺ وبعض الصحابة يشكون في أمره، وكان فيه شيء من تلبس الجان.
٢ - أنه بين حين وآخر يوجد حمل وصلت مدته ثلاث سنوات أو أكثر أو أقل (٢).
٣ - وجود الشواذ في الخلق مقطوع به، فقد ثبت ولادة سبعة توائم في بطن واحد بخلاف المعهود، ووجود أطفال ولدوا برأسين، وغير ذلك كثير مما هو نادر وواقع، ولا يمتنع أن توجد على جهة الشذوذ مشيمة لها قدرة على إمداد الطفل لفترة طويلة على غير المعهود كما هو حال المعمرين في هذا الزمان والذين تجاوزت أعمار بعضهم قرنًا ونصفًا من الزمان.
٤ - ما جاء عن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (٣) مفتي عام المملكة العربية السعودية حيث ثبت لديه حمل دام سبع سنين حين كان يشغل منصب القضاء، وحين أورد ذلك على الأطباء في مناقشات مجمع الفقه الإِسلامي بالرابطة حاروا في الجواب. وهذا ما تناقلته وسائل الإعلام.
стр. 2284
فإذا أضفنا هذه الأخبار المعاصرة لما ورد في كتب الفقه والتاريخ من وجود نساء حملن لمدد طويلة، أفادت هذه الأخبار وجود هذا النوع من الحمل وإن كان شاذًّا ونادرًا.
والخلاصة: أن الذي يمكن أن يقال في هذه المسألة: إنه إذا ثبت طبيًّا ثبوتًا أكيدًا لا شبهة فيه أن الحمل لا يمكن أن يبقى كل هذه السنوات الطويلة، فلا مفر من القول بذلك؛ لأن الشرع لا يمكن أن يأتي بما يخالف الواقع أو الحس، فهما يشهدان على أن أقصى الحمل هي المدة المعهودة تسعة أشهر، والتي قد تزيد بضعة أسابيع، وهو الذي يبنى عليه الأحكام الشرعية.
فإذا ادعت المرأة وجود حمل تجاوز المدة المعهودة يلزم أن تثبت ذلك بالبينة الموجبة لتصديق قولها، كأن تشهد النساء بوجود هذا الحمل وظهور علاماته الواضحة -التي لا تلتبس مع الحمل الكاذب- كحركة الجنين، أو تثبت ذلك عن طريق تحليل البول أو الدم أو الموجات الصوتية (السونار) أو غير ذلك مما يقطع بوجود الحمل من عدمه؛ لأن الأصل عدم امتداد الحمل عن المدة المعهودة، ولقطع باب الادعاء، ولكون هذا الحمل ينبني عليه أحكام كثيرة، ويمكن للقضاة في هذا الزمان الاعتماد على الأجهزة الطبية الحديثة التي تحدد عمر الجنين بدقة، إضافة إلى البصمة الوراثية والتي تحدد الأبوين بنسبة ٩٩ %.
إثبات براءة الرحم من خلال تحليل الدم أو البول:
قبل الشروع في حكم النازلة نوضح أن العدة التي أمر الله النساء بها أنواع منها:
١ - عدة المرأة التي تحيض وهي ثلاثة قروء، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ...﴾ [البقرة: ٢٢٨].
٢ - عدة الصغيرة أو اليائسة وهي ثلاثة أشهر، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ
стр. 2285
الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
٣ - عدة الحامل وهي وضع حملها، كما قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ﴾ [الطلاق: ٤].
٤ - المتوفى عنها وهي أربعة أشهر وعشرًا ما لم تكن حاملًا وإلا كان وضع الحمل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
٥ - أما التي طلقت قبل الدخول فلا عدة لها؟ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
واستثنى العلماء من ذلك عدة الوفاة لما يترتب عليها من الإرث، وللمصيبة أخذًا من عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولقوله ﷺ : "لاَ يَحِل لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجِهَا فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (١).
* أما التي كانت تحيض ثم توقف عنها الحيض وأشكل عليها الأمر فلا تدري هل هي حامل أم انقطع عنها الحيض، فإنها تنتظر تسعة أشهر، ثم تستبرئ بثلاثة أشهر احتياطًا، وتلك هي عدتها؛ لقول عمر بن الخطاب ﵁: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذلك وإلا اعتدت بعد التسعة الأشهر بثلاثة أشهر ثم حلت" (٢). وبناءً على ما
стр. 2286
ذكرناه فإنه لا يمكن إثبات براءة الرحم بالوسائل الحديثة وذلك لما يلي:
أولًا: أنه أمر إلهي يجب تنفيذه أدركنا العلة منه أم لم ندركها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: مدته، وهي المبينة سابقًا.
ثانيًا: أن هذه الأحكام ربطها الله تعالى بعلامات محددة يستوي فيها الحاضر والباد ومن لديه معامل ومن ليست له، وهي صالحة في كل زمان ومكان، والأحكام إنما تعلل بالعلل المنضبطة.
ثالثًا: أن من حكمة معرفة براءة الرحم من الحمل الحفاظ على الأنساب حتى لا تختلط، هذا مع ملاحظة الفرق بين الحكمة والعلة، فالحكمة لا يمكن أن يعلل بها لعدم انضباطها بخلاف العلة.
وبهذا ندرك أن في تشريع العدة حكمًا متعددة منها: التأكد من براءة الرحم، والحرص والحفاظ على الأنساب والأعراض، وإمكانية المراجعة في حال الطلاق، كما أن هذا الانتظار فيه تقدير واحترام لتلك العشرة السابقة معه، وحتى لو كان حيًا، مما قد يكون له الأثر النفسي على المرأة نفسها حتى تستطيع أن تتقبل حياة جديدة مع إنسان جديد، ومن أجل أن يحصل النسيان حتى يمكن التآلف مع هذا الشخص الجديد الذي ربما يكون يختلف عن الأول في جوانب عديدة؛ ولهذا فإن المعرفة بثبوت أو بنفي الحمل مبكرًا بالوسائل الحديثة لا تكفي للنصوص الصريحة؛ ولتلك الحكم الظاهرة (١).
стр. 2287
نوازل في الفرقة بين الزوجين
نشوز المرأة من أجل طلب الخلع:
قد يحصل سوء معاشرة من الرجل لزوجته فلا يعاشرها بالمعروف وذلك بأن جفاها أو ترفع عليها، أو قصر فيما وجب لها عليه من نفقة أو بيت مثلًا، أو توقع من نفسه حصول ما يسوؤها، فإن لم يكن ذلك عن إساءة منها إليه، فهذا نوع نشوز منه لها، والواجب عليه أن يمسك عن ذلك، ويعاشرها بمعروف أو يفارقها بإحسان، ولا يجوز له أن يعضلها أو يضارها ليأخذ منها شيئًا أو لتتنازل له عن بعض حقوقها، لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. وللزوجة إذا تحققت من زوجها النشوز أو الإعراض عنها، أو توقعت ذلك منه، ورغبت في البقاء معه لمصلحة تراها: أن تصالح زوجها على التنازل عن بعض حقوقها عليه، أو على مال تدفعه إليه ليبقيها في عصمته، لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. ولأن سودة تنازلت عن ليلتها لعائشة لتبقى زوجة للنبي ﷺ فأقر ذلك، ولا حرج على الزوج فيما تصالحا عليه إلا أن يكون عن مضارة منه لها (١).
فإذا كانت المرأة هي التي نشزت فتركت الحقوق التي ألزمها الله بها لزوجها دون أن يكون منه إليها ما يسوؤها وعظها ثم هجرها ثم أدبها، فإن أطاعته عاشرها بالمعروف، وإلا جاز له أن يضارها حتى تفتدي نفسها منه، فيطلقها أو يخالعها على
стр. 2288
عوض، سواء كان نشوزها ترفعًا عليه، أم امتناعها من فراشه، أم قولها له: لا أغتسل لك من جنابة، ولا أطأ لك فراشًا, ولا أبر لك قسمًا، أم كان خروجًا من بيته بغير إذنه، أم تمكينًا لأحد من فراشه، أم زناها، إلى غير هذا مما يدل على سوء العشرة. لكن قد تسوء العشرة بين الزوجين ولا تتمكن المرأة من التخلص من زوجها إلا عن طريق المحاكم الشرعية، فما الذي ينبغي على القاضي مراعاته عند وصول الأمر إليه؟ نقول: لقد صدر بذلك قرار من هيئة كبار العلماء (١)؛ ومما جاء فيه بخصوص هذه النازلة:
قرار هيئة كبار العلماء رقم (٢٦)، وتاريخ: ٢١/ ٨ / ١٣٩٤ هـ:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة الرابعة لهيئة كبار العلماء من اختيار موضوع النشوز ليكون من جملة الموضوعات التي تعد فيها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحوثًا، أعدت في ذلك بحثًا، وعرض على مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الخامسة المنعقدة بمدينة الطائف فيما بين الخامس من شهر شعبان عام ١٣٩٤ هـ والثاني والعشرين منه.
وبعد اطلاع المجلس على ما أعد من أقوال أهل العلم وأدلتهم ومناقشتها، وبعد تداول الرأي في ذلك قرر المجلس بالإجماع ما يلي:
أن يبدأ القاضي بنصح الزوجة، وترغيبها في الانقياد لزوجها، وطاعته، وتخويفها من إثم النشوز وعقوبته، وأنها إن أصرت فلا نفقة لها عليه، ولا كسوة، ولا سكنى، ونحو ذلك من الأمور التي يرى أنها تكون دافعة للزوجة إلى العودة لزوجها، ورادعة لها من الاستمرار في نشوزها، فإن استمرت على نفرتها وعدم الاستجابة عرض عليهما الصلح، فإن لم يقبلا ذلك نصح الزوج بمفارقتها، وبين له أن
стр. 2289
عودتها إليه أمر بعيد، ولعل الخير في غيرها ونحو ذلك مما يدفع الزوج إلى مفارقتها، فإن أصر على إمساكها وامتنع من مفارقتها، واستمر الشقاق بينهما، بعث القاضي حكمين عدلين ممّن يعرف حالة الزوجين من أهلهما حيث أمكن ذلك، فإن لم يتيسر فمن غير أهلهما ممّن يصلح لهذا الشأن، فإن تيسر الصلح بين الزوجين على أيديهما فبها، وإلا أفهم القاضي الزوج أنه يجب عليه مخالعتها، على أن تسلمه الزوجة ما أصدقها، فإن أبى أن يطلق حكم القاضي بما رآه الحكمان من التفريق بعوض أو بغير عوض، فإن لم يتفق الحكمان، أو لم يوجدا وتعذرت العشرة بالمعروف بين الزوجين نظر القاضي في أمرهما، وفسخ النكاح حسبما يراه شرعًا بعوض أو بغير عوض ... " إلى أن قالوا: "فإن بقاءها ناشزًا مع طول المدة أمر غير محمود شرعًا؛ لأنه ينافي المودة والإخاء، وما أمر الله من الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، مع ما يترتب على الإمساك من المضار والمفاسد والظلم والإثم، وما ينشأ عنه من القطيعة بين الأسر، وتوليد العداوة والبغضاء".
سب الدين وأثره على النكاح:
من الأمور المقلقة والمنكرة انتشار سب الدين وسب الرب في بعض البلاد الإِسلامية، وهذه الظاهرة المنكرة تحتاج إلى علاج شامل لتستأصل من أوساط الناس وعلاج هذه الظاهرة يحتاج إلى تضافر الجهود من أئمة المساجد والخطباء والمربين والمدرسين والآباء والأمهات وغيرهم.
ولا بد أن نغرس معاني الإيمان في نفوس أبنائنا وبناتنا، ونعلمهم أن سب الدين وشتم الذات الإلهية من نواقض الإيمان.
والأسرة والبيت لهما دوركبير في ذلك وكذلك المدرسة؛ فالمربون من المدرسين والمدرسات عليهم واجب كبير في هذه القضية، خاصة نحو صغار الأطفال الذين
стр. 2290
قد يسمعون هذه الشتائم لأول مرة في المدرسة من زملائهم أو في الشارع.
ويجب أن يعلم أن العلماء قد بينوا أن سب الدين أو سب الرب أو سب الرسول ﷺ يُعد كفرًا مخرجًا من الملة وهو ردة عن دين الإِسلام إذا كان الساب يعلم ما يصدر عنه حتى لو كان مستهزئًا. يقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
قال القاضي عياض ﵀: "لا خلاف أن سابَّ الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم" (١).
ونقل شيخ الإِسلام عن إسحق بن راهوية قوله: "أجمع المسلمون على أن من سب الله، أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئًا مما أنزل الله ، أو قتل نبيًّا من أنبياء الله أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًّا بكل ما أنزل الله" (٢).
إذا تقرر أن سب الذات الإلهية وسب الرسول ﷺ وسب الدين كفر مخرج من الملة، فيجب الانتباه إلى الفرق بين كون الشيء كفرًا وتكفير الشخص الذي حصل منه ذلك بعينه، فلا نستطيع أن نحكم بكفر إنسان إذا صدر منه ما يقتضي كفره إلا بعد أن نتثبت من عدم وجود موانع التكفير وهي الخطأ والجهل والعجز والإكراه.
وخلاصة الأمر أن سب الدين والرب ردة في حق من ارتكبه عامدًا قاصدًا عالمًا به غير جاهل ولا مكره. وأما من لم يتحقق فيه ذلك فهو مرتكب لذنب عظيم وعليه التوبة بشروطها ولا يفسخ زواجه (٣).
стр. 2291
وبناءً على ما تقدم؛ فإن كثيرًا من الناس الذين يسبون الدين والرب في بلاد المسلمين وتجري هذه الكلمة على ألسنتهم، لا نستطيع أن نحكم عليهم بالكفر وفسخ زواجهم؛ لأن هؤلاء يجهلون ما يترتب على التلفظ بالسب والشتم من نتائج، وكذلك فإن السب والشتم يصدر منهم من غير قصد ولا إرادة، وما كان كذلك فإن الله لا يؤاخذ عليه كما في يمين اللغو التي يتلفظ بها الإنسان، ولكنه لا يقصد اليمين فهو غير مؤاخذ بذلك، يقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
ولا يفهمنَّ أحدٌ أن في هذا الكلام تهوينًا من هذه الجريمة المنكرة والعادة القبيحة ألا وهي سب الدين والذات الإلهية والرسول ﷺ ، فعلى من وقع منه ذلك أن يتوب إلى الله توبة صادقة، وأن يكثر من الاستغفار ومن فعل الخيرات، فلعل الله أن يتوب عليه، يقول : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
إرسال طلاق الزوجة برسالة الجوال:
لقد تعددت وسائل الاتصال الحديثة، وتعددت نظرة الناس في الانتفاع بها، فمنهم من استخدمها بطريقة سليمة، فاستفاد منها وأفاد، ومنهم من استخدمها بطريقة غير سليمة فأضر بنفسه وأضر غيره، ومن هذه الوسائل رسائل الجوال، فكم كانت هذه الرسائل وسيلة فعالة في الإصلاح، وعلى العكس من ذلك كم كانت هذه الرسائل سببًا في ضياع الأسر والمجتمعات ومن ذلك مسألة الطلاق، فكم نسمع أن فلانًا قد أرسل رسالة لزوجته على سبيل المزح أنه طلقها، فما أن تقرأ الزوجة رسالة زوجها إلا وتصاب بالفزع والبكاء ظنًّا منها أن زوجها قد فارقها، فبينما هي على هذه الحالة إذا بزوجها يذهب إلى بيته لينظر أثر هذه الرسالة على زوجته، فحينما يرى
стр. 2292
حالة زوجته إذا به يقول لها إني كنت أمزح، فما مدى مشروعية هذا الفعل؟ وهل تعد زوجته طلقت بهذا الفعل؟
نقول أولًا: إن من يفعل هذا العمل لا شك أنه أتى بأمر لا يجوز شرعًا وهو ترويع هذه المرأة، وقد حذر الرسول ﷺ من ترويع المسلم لأخيه المسلم، ولو مازحًا، كما في حديث عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَا لَاعِبًا وَلَا جَادًّا، وَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصا أَخِيهِ فَليَرُدَّهَ" (١).
وفي حديث ابن أبي ليلى قال: "حدثنا أصحاب محمَّد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ ، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال رسول الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" (٢). فإذا كان هذا في حق من ليس بينك وبينه قرابة نسب، فكيف بمن يكون بينك وبينه نسب؟ بل فكيف لو كانت هذه زوجتك؟
ثانيًا: أما عن حكم هذا الطلاق فنقول لا يقع طلاق الرجل لامرأته بمجرد النية، فإذا أظهر نيته على لسانه بالنطق -أو بالإشارة المفهمة للأخرس- أو بالكتابة سواء على ورقة أو على رسائل الجوال أو بالبريد الإلكتروني، فإن كل ذلك يجعل الطلاق واقعًا، على أن تكون الكتابة ثابتة عنه؛ لأن مجال التزوير في هذه الأمور سهل ومتيسر.
ثالثًا: لا خلاف بين العلماء في وقوع طلاق الجاد:
стр. 2293
وأما الهازل، فإذا طلق طلاقًا صريحًا: (أنت طالق) بالقول لا بالكتابة فقد ذهب جمهور العلماء إلى وقوعه، واستدلوا بما رواه أبو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلهُنَّ جِدٌّ: النكِّاحُ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ" (١).
رابعًا: وأما كتابة الطلاق، سواء كتبه الزوج على ورقة أو على رسالة بالهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني، فلا يقع بها الطلاق حتى ينويه.
وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن رجل كتب طلاق امرأته على ورقة ثم دفعها إليها.
فأجاب: "هذا الطلاق غير واقع على المرأة المذكورة إذا كان لم يقصد به طلاقها، وإنما مجرد الكتابة أو أراد شيئًا آخر غير الطلاق، لقول النبي ﷺ : "إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٢) الحديث. وهذا قول جمع كثير من أهل العلم وحكاه بعضهم قول الجمهور، لأن الكتابة في معنى الكناية، والكناية لا يقع بها الطلاق إلا مع النية في أصح قولي العلماء، إلا أن يقترن بالكتابة ما يدل على قصد إيقاع الطلاق فيقع بها الطلاق" (٣) أ. هـ.
وبناءً على ما ذكرناه يمكننا أن نقول: يشترط لحصول الطلاق عن طريق الجوال أو أجهزة الإرسال الحديثة ما يلي:
١ - أن يكون الزوج هو مرسل الرسالة، أو من وكله الزوج بذلك وكالةً خاصة.
٢ - أن يكون لدى الزوج النية والعزم على تطليق زوجته كأن تكون الرسالة
стр. 2294
جوابًا لسؤالها الطلاق.
٣ - أن تكون عبارة الطلاق في الرسالة صريحة ولا تحتمل تأويلها بمعانٍ مختلفة بعيدة عن الطلاق.
٤ - أن يعلم الزوج زوجته بالرسالة.
خامسًا: نود أن نوصي إخواننا الأزواج بخصوص هذه النازلة أن يتقوا الله تعالى، وأن لا يتخذوا أحكام الله هزوًا ولعبًا, وليعلموا أنه بالطلاق تتشتت الأسرة، ويضيع الأولاد، ويعرِّض زوجته للذل والفتن، فليتقوا الله تعالى، وليحافظوا على أُسَرهم، وليتحلوا بالصبر والحلم قبل الإقدام على الطلاق.
الأحكام المتعلقة بزوجة المفقود:
أولًا: التعريف بالمفقود:
المفقود لغة: الضائع، وشرعًا: "هو الغائب الذي انقطع خبره، وخفي أثره وجُهل مكانه، ولا تعرف حياته أو مماته".
ثانيًا: ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالمفقود:
١ - أنه لا تزوّج امرأته، ولا يورّث ماله، ولا يتصرف في استحقاقه إلى أن يعلم حاله ويظهر أمره من موت أو حياة، أو تمضي مدّة يغلب على الظن أنه مات فيها ويحكم القاضي بموته.
٢ - إذا غاب الرجل عن امرأته لم يخل من حالين:
أحدهما: أن تكون غيبته غير منقطعة يعرف خبره، ويمكن الاتصال به، فهذا ليس لامرأته أن تتزوج بإجماع أهل العلم، إلا أن يتعذر الإنفاق عليها من ماله فلها أن تطلب من القاضي الفسخ.
стр. 2295
الحال الثاني: أن يفقد وينقطع خبره، ولا يعلم له موضع، فهل لزوجته أن تتزوج من غيره؟ اختلف الفقهاء في المدة اللازمة لاعتبار المفقود ميتًا في هذه الحال والذي نرجحه أن تقدير المدة يرجع إلى اجتهاد الحاكم، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأزمان وقرائن الأحوال، فيُحدّد القاضي باجتهاده مدّة يغلب على الظن موته بعدها، ثم يحكم بموته إذا مضت هذه المدة، وتعتد بعدها امرأته عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، وبعد ذلك تحلّ للأزواج.
٣ - إن من حق زوجة المفقود أن تصبر وتنتظر ولا تطلب التفريق؛ حتى يتبين حال زوجها من حيث الحياة أو الموت.
٤ - إنّ غيبة المفقود تسبب لزوجته ضررًا مؤكدًا؛ لكون فقدانه يفوت على الزوجة أغراض الزواج، والضرر يزال عملًا بقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (١)، وإذا كان تشريع الإيلاء والتفريق للإنفاق أو لعدم الإنفاق على الزوجة أو لعنة الزوج لدفع الضرر عنها؛ فالتفريق لفقد الزوج أحق وأولى بالأخذ، ولها الخيار بين الحقين السابقين وهما أن تصبر وتنتظر حتى يتبين حال زوجها أو الأخذ بمبدأ التفريق، والأفضل أن ترجح ما يدفع عنها الضرر ويحقق لها مصلحتها.
٥ - اختلف الفقهاء في ابتداء مدة التربص لزوجة المفقود، فقيل بأنّها تبدأ من حين انقطاع خبر الزوج المفقود؛ لأنَّ الانقطاع ظاهر في موته، فكانت ابتداء المدة منه ولا يفتقر الأمر إلى الحاكم، فلو مضت المدة والعدة تزوجت بلا حاكم، وفي قول
стр. 2296
آخر إنَّ بداية التربص من حين قرار الحاكم لضبط القضايا والأحكام، ولكون تاريخ مراجعة الزوجة للقاضي ثابتًا ومحددًا ولا مجال فيه للاجتهاد والاختلاف، مع العلم أنّ للقاضي تحديد بدء المدة من أيام أعمال التحري والتفتيش على المفقود، ولأنَّ الثابت عن عمر ﵁ أنّه أمر زوجة من فقدت زوجها أن تتربص أربع سنوات من حين رفع أمرها إلى الحاكم.
٦ - بعد مضي المدة المذكورة فإنَّ الزوجة تعتد عدة الوفاة إذا لم تتيقن حياته، لأن المفقود بعد مضي المدة في حكم الميت، وقد تقرر هذا الحكم قضائيًا، وفي مدة التربص نفقتها من مال زوجها؛ لأنّها لا تزال زوجته المحبوسة من أجله، وأمواله تابعة للحكم بموته وتقسم بين الورثة وهي منهم، فإن ظهر حيًّا أخذ ما بقي من أمواله بأيدي الورثة.
٧ - إذا عاد الزوج قبل مضي تربص الزوجة أو قبل عدتها فإنّها زوجته؛ لأن التفريق لم يقع، فإن انتهى أجلها وعدتها قبل تزوجها من آخر فتبقى امرأته؛ لأنّه إذا أبيح لها الزواج فذلك محمول على الحكم بموته، فإذا ظهر حيًّا بطل ذلك الظاهر وكان النكاح بحاله.
٨ - إذا عاد الزوج المفقود بعد أن تزوجت، فإمَّا أن يكون قد دخل بها الزوج الثاني أم لا، فإن كان قبل الدخول ترد إلى زوجها الأول بنكاحها الأول كما لو لم تتزوج؛ لأنَّ النكاح إنّما صح في الظاهر دون الباطن، فلما ظهر المفقود فإنّ النكاح صادف امرأة ذات زوج فكان باطلًا.
وإن كانت عودته بعد الدخول فله التخيير بين أخذها فتكون زوجته بالعقد الأول؛ لأن نكاح الثاني كان باطلًا في الباطن، ويجب على زوجها الأول اعتزالها حتى تقضي عدتها من الثاني، وبين أخذ صداقها فتكون زوجة الثاني، ويرجع بالصداق
стр. 2297
الذي أصدقها هو، فإن لم يدفع إليها صداقًا فلا يرجع بشيء (١).
منع الزوج زوجته من زيارة أهلها:
جاءت الشريعة الإِسلامية لتحافظ على الأسر، ولترسم لها أرقى صور الحياة الكريمة، وقد بينت الغاية من الزواج، وهو حصول الرحمة بين الزوجين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
وإذا كان الأمر كذلك، فلا شك أن مما يساهم في دوام العشرة بين الزوجين هو دوام الصلة بين أقارب كل من الزوجين، لكن لا يجوز للمرأة الخروج من بيت زوجها لصلة أقاربها إلا بإذنه، ولو كان ذلك لزيارة والديها، وينبغي له أن يأذن لها، حتى تتمكن من صلة رحمها, لكن إن منعها من الزيارة لزمها طاعته، وليس له أن يمنع والديها من زيارتها أو الكلام معها.
وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "لا يجوز للمرأة الخروج من بيت زوجها إلا بإذنه، لا لوالديها ولا لغيرهم؛ لأن ذلك من حقوقه عليها، إلا إذا كان هناك مسوغ شرعي يضطرها للخروج" (٢).
ومع القول بذلك فإن الأولى كما ذكرنا أن يسمح الزوج لزوجته بزيارة والديها ومحارمها، وألا يمنعها من ذلك إلا عند تحقق الضرر بزيارة أحدهم؛ لما في منعها من قطيعة الرحم، وربما حملها عدم إذنه على مخالفته، ولما في زيارة أهلها وأرحامها من تطييب خاطرها، وإدخال السرور عليها، وعلى أولادها، وكل ذلك يعود بالنفع على الزوج والأسرة.
стр. 2298
طلاق الرجل زوجته بأمر والديه:
لا شك أن الوالدين هما أحق الناس بالبر والطاعة والإحسان والمعاملة الحسنة، وقد قرن الله سبحانه الأمر بالإحسان إليهما بعبادته حيث قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وطاعة الوالدين واجبة على الولد فيما فيه نفعهما ولا ضرر فيه على الولد، أما ما لا منفعة لهما فيه، أو ما فيه مضرة على الولد فإنه لا يجب عليه طاعتهما حينئذ.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية، وإن كانا فاسقين ... وهذا فيما فيه منفعة لهما, ولا ضرر عليه" (١) أ. هـ.
والطلاق من غير سببٍ يبيحه يكرهه الله تعالى، لما فيه من هدر لنعمة الزوجية، وتعريض الأسرة للضياع والأولاد للتشتت، وقد يكون فيه ظلم للمرأة أيضًا.
جاء في سؤال للجنة الدائمة للإفتاء عن مطالبة الوالدة لابنها طلاق زوجته دون سبب أو عيب في دينها بل لحاجة شخصية، فأجابت بما نصه: "إذا كان الواقع كما ذكر السائل من أن أحوال زوجته مستقيمة وأنه يحبها، وغالية عنده، وأنها لم تسئ إلى أمه وإنما كرهتها لحاجة شخصية، وأمسك زوجته وأبقى على الحياة الزوجية معها، فلا يلزمه طلاقها طاعة لأمه، لما ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف"، وعليه أن يبر أمه ويصلها بزيارتها والتلطف معها، والإنفاق عليها ومواساتها بما تحتاجه وينشرح به صدرها، ويرضيها بما يقوى عليه سوى طلاق زوجته" (٢) أ. هـ.
стр. 2299
نوازل في اللباس والزينة
الألبسة الحديثة:
لقد دعا الإِسلام إلى التزين والتجمل لكن في توازن واعتدال، منكرًا على الذين يحرمون زينة الله التي أخرج لعباده؛ لهذا جعل أخذ الزينة من مقدمات الصلاة، قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وإذا كان الإِسلام شرع التجمل للرجال والنساء جميعًا، فإنه قد راعى فطرة المرأة وأنوثتها فأباح لها من الزينة ما حرم على الرجل من لبس الحرير والتحلي بالذهب.
وفي مقابل ذلك حرم الإِسلام بعض أشكال الزينة التي فيها خروج على الفطرة، وتغيير لخلق الله الذي هو من وسائل الشيطان في إغوائه للناس، قال تعالى حكايته عما قاله إبليس: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ نهى: "عَنِ الوَاشِمَةِ وَالمُسْتَوْشِمَةِ، وَالوَاصِلَةِ وَالمُسْتَوْصِلَةِ، وَالنَّامِصَةِ وَالمتنَمِّصَةِ" (١). بل ورد أن النبي ﷺ لعن من فعل ذلك كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: "لعَن رَسوْل الله ﷺ الوَاشِمَاتِ وَالمُسْتوْشِمَاتِ، وَالمُتنمصاتِ، وَالمُتفلجَاتِ لِلحُسْن المُغيرَاتِ لخِلق اللهِ" (٢). والوشم معروف من قديم، وهو النقش -عن طريق الوخز- باللون الأزرق. والنمص هو إزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما أو نحو ذلك.
стр. 2300
والوصل المراد به: وصل الشعر بشعر آخر طبيعي أو صناعي كالباروكة، وكل ذلك محرم ملعون من فعله.
وعن عمرو بن مرة، سمعت سعيد بن المسيب، قال: "قَدِمَ مُعَاوِيَةُ المَدِينَةَ، آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا، فَخَطَبَنَا، فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ، قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ اليَهُودِ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهُ الزُّورَ، يَعْنِي: الوَاصِلَةَ في الشَّعَرِ". وفي رواية أخرى وهو يقول، وتناول قصة من شعر كانت بيد حرسي: "أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ، وَيَقُولُ: "إِنَّما هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ" (١).
فقد بين هذا الأثر أمرين:
* الأول: أن اليهود هم مصدر هذه الرذيلة وأساسها من قبل، كما كانوا مروجيها من بعد.
* الثاني: أن النبي ﷺ سمى هذا العمل (زورًا)، ليشير إلى حكمة تحريمه، فهو ضرب من الغش والتزييف والتمويه، والإِسلام يكره الغش، ويبرأ من الغاش في كل معاملة مادية أو معنوية.
ويدخل في ذلك لبس الباروكة فهو محرم وداخل في الوصل، ولو كان في البيت؛ لأن الواصلة ملعونة أبدًا، فإذا كان في الخارج وليس على رأسها غطاء فهو أشد حرمة.
لكن إن لم يكن علي رأس المرأة شعر أصلًا فلا حرج من استعمال الباروكة؛ لأن إزالة العيوب جائز، ولهذا أذن النبي ﷺ لمن قطعت أنفه في إحدى الغزوات أن يتخذ أنفًا من ذهب.
стр. 2301
حظر الحجاب في المدارس العامة في بعض البلاد غير الإسلامية:
لا تزال بعض الدول غير المسلمة تصر على حظر الحجاب على المسلمات في اعتداء صارخ على الحرية الشخصية والحرية الدينية، على الرغم من كل المناشدات من مختلف الشخصيات الفكرية والسياسية والحزبية في أنحاء العالم الإِسلامي لهذه الدول من عدم التعرض لهذه الأقليات وتركهم يمارسون شعائرهم، ولكن لم تفلح هذه المناشدات والدعوات في ثني هذه الحكومات عن هذا القرار، ولا زالت هذه الدول تماراس ضغوطها على المسلمات في هذه الأقليات بنزع حجابها، فما الواجب
على الجاليات المسلمة تجاه قرار حظر الحجاب؟
نقول: الحجاب فريضة الله على المرأة المسلمة حيثما كانت، شأنه شأن الصلاة والصيام والزكاة وسائر شرائع الإِسلام، وهو ستر العورة بما لا يشف ولا يصف، وجسد المرأة كله عورة على خلاف في الوجه والكفين.
وما حدث في بعض البلاد الغربية من حظر الحجاب على الفتيات المسلمات في المدارس والوظائف العامة ظلم صارخ تدينه الشرائع السماوية، والدساتير الوضعية، ووثائق حقوق الإنسان العالمية؛ لا يتضمنه من عدوان على حرية التدين وهو من آكد حقوق الإنسان التي كفلتها له الأرض والسماء، ولا اعتبار لمن زعم أن ذلك حق للبلاد تقرره كيف تشاء.
وعلى المسلمين في هذه البلاد إعلان النكير على ذلك ومقاومته بالوسائل القانونية المتاحة، ويتعين عليهم السعي المبكر لتوفير المدارس الإِسلامية التي توفر المناخ الملائم لحسن تربية الناشئة، وتستر فيها عورات بناتهم، وعلى بقية الأمة إقدارهم على ذلك وإعانتهم عليه، وإعلان النكير العام على كل من يصادر على المسلمات هذا الحق فوق كل أرض وتحت كل سماء (١).
стр. 2302
كشف المرأة وجهها داخل السيارة:
يلاحظ أن بعض النساء إذا ركبت السيارة أو الحافلة (الباص) لغرض توصيلهن إلى المدارس أو لبيوتهن يقمن بكشف وجوههن داخل السيارة أو الحافلة؛ وحجتهن في ذلك أنه لا يراهن أحد، وهذا منكر فلا يحل للمرأة أن تكشف وجهها سواء كانت معلمة أو طالبة، وسواء كانت في السيارة أو كانت تمشي في السوق على قدميها على قول من يرى عدم جواز كشف الوجه والكفين، لكن لو كانت في السيارة وكان خلف الزجاج مستورًا، وكان بين النساء والسائق ستره بحيث لا يراها أحد، فلا حرج عليهن في هذه الحال أن يكشفن وجوههن؛ لأنهن كاللاتي في حجرة منفردة عن الرجال.
أما إذا كان الزجاج شفافًا يرى من وراءه، أو كان غير شفاف لكن ليس بينهن وبين السائق حاجز، فإنه لا يجوز لهن كشف وجوههن؛ لئلا يراهن السائق أو أحد من الرجال في السوق وغيره.
استعمال العدسات الملونة:
حينما صنعت العدسات اللاصقة كان الغرض منها أن تكون بديلًا للعدسات الموجودة في المنظار (النظارة) فيستغنى بها عن الإطارات (الشنابر) التي تؤثر على بعض مواضع في الوجه، وقد تقع أو تضيع فتكون الحيرة عند من يعتادها.
وفي أول استعمال العدسات اللاصقة كانت تحتاج إلى إجراءات في تركيبها وقد تحدث مضايقات للعين كجسم غريب ليس من جنسها، وحاول المختصون تسهيل هذه الإجراءات والتقليل من المضايقات، وكان استعمالها -أولًا- لإصلاح النظر الطويل أو القصير، ولم يعلق عليها الناس بمدح ولا ذم كما لا يعلقون على (النظارة العادية).
стр. 2303
ولكن جاء التعليق عليها عندما روعي فيها ناحية الجمال، فاختيرت لها ألوان لتبدو العين في شكل جذاب يلفت النظر ويزيد من عدد المعجبين بالعيون الخضراء التي لا يفرق الناظر إليها بين ما هو طبيعي وبين ما هو صناعي.
حكم استعمال العدسات الملونة:
لا يخلو استعمال العدسات اللاصقة من حالين:
الحال الأول: إذا كان استعمال العدسات اللاصقة لإصلاح النظر، فهذا أمر مشروع، مثله مثل (النظارة العادية).
وكذلك إذا كانت عين المرأة مشوهة فلا حرج عليها أن تلبس عدسة تجعلها جميلة؛ لأن هذا ليس من تغيير خلق الله.
الحال الثاني: إذا استعملت هذه العدسات للزينة ولفت الأنظار، أو كان القصد مباهاة وفخرًا، أو جذبًا لأنظار الجنس الآخر كان ذلك ممنوعًا شرعًا دون خلاف في ذلك، والعدسات اللاصقة التي يختار لها اللون الأخضر تحرص عليها الفتيات بالذات، وهنا يدخل عامل النية والقصد في الحكم، فإن كانت النية الفتنة والإغراء، أو كانت النية التدليس والتغرير فلا شك في حرمتها، مثلها في ذلك الأصباغ التي تلون بها وجهها والأهداب الصناعية والأظافر الملونة والعطور النفاذة وما يماثل ذلك (١).
قص الشعر للنساء:
لقد دعت شريعة الإِسلام إلى عناية الشخص بمظهره، ومن أهم ما رغبت فيه العناية بجمال الشعر: ترجيلًا، أي: تمشيطًا، وتصفيفًا، أي: تنظيمًا في ضفائر وغدائر
стр. 2304
ونحوها، وتهذيبًا بالتقصير والتطويل والتلميع، وتطييبًا بالدهن المعطر والروائح الطيبة، وهو عام في الرجال والنساء.
فقص الشعر للمرأة ليس هناك ما يمنعه شرعًا، فقد كان أزواج النبي ﷺ يأخذن من شعر رؤوسهن حتى تكون كالوفرة، كما رواه مسلم، والوفرة ما قصر عن اللّمة أو طال عنها، وقد قصر أزواج النبي ﷺ من شعورهن بعد وفاته، لتركهن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعر، وتخفيفًا لمؤونة رؤوسهن.
لكن محل جواز تقصير شعرها له شروطه وضوابطه وهي:
* أولًا: ألا يكون هذا القص شديدًا بحيث تشبه الرجل.
* ثانيًا: ألا يكون هذا القص تشبهًا بالكافرات.
* ثالثًا: أن يكون ذلك بإذن الزوج، فهو صاحب حق فيه لمتعته.
* رابعًا: ألا يكون التقصير بيد رجل أجنبي أو إطلاعه عليه.
هذا، ولا يجوز أن تحلق المرأة رأسها، والحلق هو إزالته بالمرة، وذلك لا يليق بالمرأة فهو من خصائص زينتها والحلق خاص بالرجال (١).
الأحوال التي يجوز للمرأة فيها كشف وجهها:
اختلف أهل العلم في وجوب تغطية المرأة لوجهها: والراجح وجوب تغطية المرأة وجهها لحصول الفتنة به (٢).
ولكن هناك حالات خاصة متعددة تستدعي الحاجة فيها كشف وجه المرأة
стр. 2305
نص الفقهاء على أنه يجوز للمرأة عندها كشف وجهها أمام الرجال الأجانب عندما تدعو الحاجة إلى كشفه أمامهم، كما يجوز لهؤلاء أن ينظروا إليه، شريطة أن لا يتجاوز الأمر في الحالتين مقدار الحاجة؛ لأن ما أبيح للضرورة أو الحاجة يقدر بقدرها.
ونجمل هذه الحالات فيما يلي:
أولًا: الخِطبة: يجوز للمرأة كشف وجهها وكفيها أمام مريد خطبتها, لينظر إليهما في غير خلوة ودون مسّ، لدلالة الوجه على الدمامة أو الجمال، والكفين على نحافة البدن أو خصوبته.
ثانيًا: المعاملة: ويجوز لها كشف وجهها وكفيها عند حاجتها إلى ذلك في بيع أو شراء، كما يجوز للبائع أن ينظر إلى وجهها لتسليم المبيع، والمطالبة بالثمن، ما لم يؤد إلى فتنة، وإلا منع من ذلك.
ثالثًا: المعالجة: يجوز للمرأة كشف مكان العلة من وجهها، أو أي موضع من بدنها لطبيب يعالج علتها، شريطة حضور محرم أو زوج أو امرأة أخرى، هذا إذا لم توجد امرأة تداويها؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أخفّ، وأن لا يكون الطبيب غير مسلم مع وجود طبيب مسلم يمكنه معالجتها, ولا يجوز لها كشف ما يزيد عن موضع المرض.
ولا يجوز للطبيب نظر أو لمس ما يزيد على ما تدعو الحاجة إليه، قصْرًا للأمر على الضرورة التي تقدر بقدرها.
رابعًا: الشهادة: يجوز للمرأة كشف وجهها في الشهادة أداءً وتحملًا، كما يجوز للقاضي النظر إليه لمعرفتها؛ صيانة للحقوق من الضياع.
خامسًا: القضاء: يجوز للمرأة كشف وجهها أمام قاض يحكم لها أو عليها, وله -عند ذلك- النظر إلى وجهها لمعرفتها، إحياء للحقوق، وصيانة لها من الضياع.
стр. 2306
سادسًا: الصبي المميّز غير ذي الشهوة: يباح للمرأة أن تُبدي أمام الصبي المميز غير ذي الشهوة ما تبديه أمام محارمها, لعدم رغبته في النساء، وله أن يرى ذلك كله منها شريطة أن يكون النظر من غير شهوة منه ومنها.
سابعًا: عديم الشهوة: يجوز للمرأة أن تُظهر لعديم الشهوة ما تظهره أمام محارمها, ولكونه لا أرَب له في النساء، ولا يفطن لأمورهن، وله أن يرى ذلك كله منها.
ثامنًا: العجوز التي لا يُشتهى مثلها: يجوز للعجوز التي لا تُشتهى كشف وجهها وما يظهر غالبًا منها أمام الأجانب، والستر في حقها أفضل.
تاسعًا: يجب على المرأة أن تكشف وجهها وكفيها حالة إحرامها بالحج أو العمرة: ويحرم عليها -عند ذلك- لبس النقاب والقفازين؛ لقول رسول الله ﷺ : "لا تنتقب المرأة المُحرمة، ولا تلبس القفازين"، فإن احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال بقربها، أو كانت جميلة وتحققت من نظر الرجال إليها، سدلت الثوب من فوق رأسها على وجهها؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن محُرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه".
عاشرًا: حالة الإكراه: فرضت بعض الأنظمة المتسلطة أحكامًا جائرة، وقوانين ظالمة، خالفت بها دين الإِسلام، وتمردت على الله ورسوله، ومنعت بموجبها المرأة المسلمة من الحجاب، بل وصل الحال ببعضها إلى إزاحته عنوة عن وجوه النساء، ومارست ضدهن أسوأ أنواع التسلط والقهر والإرهاب.
كما حدثت مضايقات للمنتقبات في بعض البلاد الأوربية، وتعرض بعضهن إلى الإيذاء تارة، والتعرض للإسلام أو الرسول ﷺ تارة أخرى.
стр. 2307
وإزاء ذلك فإنه يجوز للمرأة في حال الضرورة التي تتيقّن فيها أو يغلب على ظنّها حصول الأذى الذي لا تُطيقه أن تكشف وجهها، وإن الأخذ بقول مرجوح أولى من تعرضها للفتنة على أيدي رجال السوء.
ولئن جاز للمرأة كشف وجهها وكفيها في الحالات المتقدمة التي لا تصل إلى حد الإكراه، فإن جواز كشفهما لأذى يلحقها في نفسها أو دينها من باب أولى، خاصة إذا كان نقابها سيعرضها إلى عدوان عليها، والضرورات تبيح المحظورات، وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، كما نص على ذلك أهل العلم.
وحيث جاز للمرأة كشف وجهها وكفيها في الحالات الاستثنائية المتقدمة، فلا يجوز لها ذلك مع الزينة بالمساحيق والحلي الظاهر، إذ يحرم عليها إظهارها أمام الرجال الأجانب عند جميع الفقهاء، ولعدم وجود ضرورة أو حاجة ماسة تدعو إلى ذلك.
حجاب المرأة أمام المعاق ذهنيًا:
المعاق ذهنيًّا إن كان لا يدري أمور النساء، وليس له ميل نحوهن لكونه لا شهوة لديه لا للجماع ولا لمقدماته، فلا حرج من وضع الحجاب أمامه؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١].
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن حكم غير أولي الإربة حكم المحارم في النظر إلى النساء، يرون منهن موضع الزينة مثل الشعر والذراعين وحكمهم في الدخول عليهن مثل المحارم أيضًا.
أما إن كان يعلم أمور النساء وله شهوة لهن، فلا يجوز للمرأة أن تلقي حجابها أمامه، كما تحرم الخلوة بينهما إلا مع ذي محرم.
والأولى أن تستر المرأة نفسها، فالسلامة لا يعدلها شيء.
стр. 2308
الشروط الواجب توفرها في لباس المرأة:
الشرط الأول: أن يكون مستوعبًا لجميع بدنها الذي يجب ستره.
الثاني: ألا يكون زينة في نفسه بمعنى: ألا يكون مزينًا بحيث يلفت إليه أنظار الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١].
الثالث: أن يكون صفيقًا لا يشف؛ لأن المقصود من اللباس هو الستر، والستر لا يتحقق بالشفاف، بل الشفاف يزيد المرأة زينة وفتنة، قال ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كأَذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كاسِيَاتٌ عَارِياتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُؤوسُهُنَّ كأَسنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ لاَ يَدْخُلنَ الجَنّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا ليوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا" (١).
الرابع: أن يكون فضفاضًا غير ضيق، فإن الضيق يفصل حجم الأعضاء والجسم، وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى.
الخامس: ألا يكون مبخرًا أو مطيبًا؛ لأن المرأة لا يجوز لها أن تخرج متطيبة لورود الخبر بالنهي عن ذلك. قال ﷺ : "أيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ" (٢).
السادس: ألا يشبه لباس الرجال؛ لقوله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ، وَلاَ مَنْ تَشَبَّهَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ" (٣).
السابع: ألا يشبه لباس نساء الكفار إذا كان اللباس خاصًا بهن، لما ثبت أن
стр. 2309
مخالفة أهل الكفر وترك التشبه بهم من مقاصد الشريعة. قال ﷺ : "وَمَنْ تَشَبَّهَ بقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (١).
الثامن: ألا يكون لباس شهرة، وهو كل ثوب يقصد به الاشتهار بين الناس.
وهذه الشروط دلت عليها نصوص الكتاب والسنة كما سبق بيان بعض هذه الأدلة، فوجب على المسلمة أن تلتزمها في لباسها إذا خرجت من بيتها, ولا تختص تلك بلباس دون آخر، فينطبق ذلك على العباءة العمانية أو السعودية أو القطرية أو غير ذلك، أما إذا خالفت العباءة هذه الشروط، بأن كانت مطرزة تطريزًا يضفي جمالًا، أو ذات ألوان ملفتة، أو مبخرة أو تصف -لضيقها- حجم أعضاء جسمها، أو على نحو عباءة الرجل فلا يجوز لبسها.
لبس السلاسل وأساور الفضة للرجال:
اتخاذ الرجال السلاسل أو الأساور للزينة لا يجوز، سواء أكانت من الفضة أم من غيرها؛ لما فيه من التشبه بالنساء، فكل ما اختص به الرجال شرعًا أو عرفًا منع منه النساء، وكل ما اختصت النساء به شرعًا أو عرفًا منع منه الرجال.
قال النووي: "قال أصحابنا: يجوز للرجل خاتم الفضة بالإجماع، وأما ما سواه من حلي الفضة؛ كالسوار، والدملج، والطوق، ونحوها فقطع الجمهور بتحريمها، وقال المتولي والغزالي في الفتاوى: يجوز؛ لأنه لم يثبت في الفضة إلا تحريم الأواني وتحريم التشبه بالنساء، والصحيح الأول؛ لأن في هذا التشبه بالنساء وهو حرام" (٢).
стр. 2310
فحلي الفضة من خواص النساء كما هو معلوم عرفًا، وورود الدليل بجواز تختم الرجل بالفضة يلغي هذه الخصوصية في باب التختم، وأما ما عداه فيبقى على أصل الحرمة بالنسبة للرجل، وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء. فالحاصل أن مطلق استخدام السلاسل والأساورة بالنسبة للرجال محرم على كل حال، فإذا انضاف إلى ذلك كونها من الفضة فإنها تحرم من جهة أخرى، وهي استعمال الفضة للرجال في غير ما أذن فيه من التختم أو ما دعت إليه حاجة التداوي بها. والله أعلم.
стр. 2311
نوازل الاختلاط
حكم عمل المرأة:
الأصل للمرأة هو قرارها في بيتها، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. فدورها الأساسي في الحياة هو تربية أبنائها ورعايتهم، وإعداد الأجيال للأمة.
لكن قد تحتاج المرأة إلى عمل؛ وذلك نتيجة لظروف قد تطرأ لها في حياتها، كأن يموت الزوج أو أن يمرض مرضًا يقعده عن العمل، أو أن يكون راتب الزوج لا يكفي الأسرة، أو غير ذلك من الأمور التي تجعل المرأة محتاجة إلى العمل، فإذا كانت المرأة في حاجة للعمل؛ جاز لها ذلك، لكن ذلك له شروط، ومن هذه الشروط:
١ - أن يكون هذا العمل مما يتناسب مع طبيعة المرأة وفطرتها، ويوافق أنوثتها؛ كالتعليم، والتطبيب للنساء، والإدارة لبنات جنسها، وما شابه. أما امتهانها وظائف لا تناسب طبيعتها، وتؤدي بها إلى مفاسد عظيمة؛ فلا يجوز.
٢ - أن يكون العمل في أصله مباحًا، فلا يجوز لها أن تعمل في أماكن يكون فيها اختلاط بين الرجال والنساء مما يعرضها أو يعرض الرجال للفتنة.
٣ - موافقة زوجها على خروجها لهذا العمل؛ لأن طاعته واجبة عليها، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. لكن إذا كانت قد اشترطت عليه العمل في عقد الزواج فلا يشترط موافقته؛ لأنه قد وافق على عملها مقدمًا.
٤ - ألا يؤدي الخروج للعمل إلى الإخلال بمهمتها الأصلية، من تربية الأبناء، ورعايتهم، والعناية بهم، والقيام بحقوق الزوج على أكمل وجه.
стр. 2312
٥ - التزام الآداب الإِسلامية عند خروجها؛ من غض البصر، والحجاب الشرعي، وعدم الاختلاط، وغيرها، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
ب- يجب ألا يكون عمل المرأة في كل الأحوال مزاحمًا للرجل، مما يؤدي إلى انتشار البطالة بين الرجال بحيث يختل دور كل منهم في الحياة (١).
تحويل الجنس وأثره على الخلوة بالنساء:
أولًا: هؤلاء الذين يشعرون بكراهية الجنس الذي خلقوا عليه، ويتمنون أن يكونوا من الجنس الآخر، هم في الحقيقة مرضى نفسيون، دفعهم سوء التربية أحيانًا، وطبيعة المجتمع الذي نشؤوا فيه أحيانًا أخرى إلى كراهية ما هم عليه، فاعترضوا على مشيئة الله تعالى، ورغبوا في تحويل جنسهم إلى جنس آخر.
وعملية تحويل الجنس من ذكر إلى أنثى لها أسباب، محرمة شرعًا عند جميع من يعتد بقولهم من العلماء المعاصرين، وإن لم يكن للسابقين فيها كلام، فذلك لأنها لم تكن معروفة أو ممكنة في زمانهم، ويدل على تحريمها عدة أدلة، منها:
١ - قول الله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾
стр. 2313
[النساء: ١١٧ - ١٢١]. ولا شك أن إجراء مثل تلك العمليات هو نوع من العبث، وتغييرٌ لخلق الله تعالى.
٢ - حديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "لَعَنَ رَسُول الله ﷺ المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء والمتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ" (١).
٣ - نهى النبي ﷺ عن دخول المخنث على النساء، إذا فطن إلى المرأة ومحاسنها، بل أمر بإخراجه من البيوت، إلى حيث يُتَّقى شره.
٤ - أنه قد ثبت بشهادة المختصين من الأطباء أن هذا النوع من الجراحة لا تتوفر فيه أي دواع أو دوافع معتبرة من الناحية الطبية، وأنه لا يعدو كونه رغبة للشخص.
ثانيًا: الميول الأنثويّة عند رجل كامل الأجهزة المحدّدة لنوعه هي أعراض نفسيّة لا تنقله إلى حقيقة الأنثى، ويحرم القيام بعملية جراحية لتحويل الجنس لمجرّد الرغبة في التغيير دون دواعٍ جسديّة صريحة غالبة كما سبق، ومن أجريت له جراحة مع تحقق كمال ذكوريته فهذا يحرم الخلوة معه؛ لأن هذه الجراحة لا تقطع عنه حكم الذكورة بل يتعامل مع هذا الإنسان على أنه ذكر (٢).
وقد صدر بشأن تحويل الذكر إلى أنثى وبالعكس قرار من المجمع الفقهي الإِسلامي التابع لرابطة العالم الإِسلامي جاء فيه:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي، برابطة العالم الإِسلامي، في دورته
стр. 2314
الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩ م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩ م قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلى أنثى، وبالعكس. وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه قرر ما يلي:
أولًا: الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها، لا يحل تحويل أحدهما إلى النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحق فاعلها العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق الله، وقد حرَّم سبحانه هذا التغيير، بقوله تعالى، مخبرًا عن قول الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. فقد جاء في صحيح مسلم، عن ابن مسعود، أنه قال: "لعَن اللهُ الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوْشِمَاتِ، والنَّامِصاتِ والمتنَمِّصاتِ، والمتفَلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغيِّراتِ خَلقَ اللهِ ". ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله ، يعني: قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
ثانيًا: أما من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، فينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة جاز علاجه طبيًّا بما يزيل الاشتباه في ذكورته، ومن غلبت عليه علامات الأنوثة جاز علاجه طبيًّا، بما يزيل الاشتباه في أنوثته، سواء أكان العلاج بالجراحة، أم بالهرمونات؛ لأن هذا مرض، والعلاج يقصد به الشفاء منه، وليس تغييرًا لخلق الله .
وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. والحمد لله رب العالمين (١).
стр. 2315
حكم سفر المرأة بالطائرة من غير محرم:
اختلف أهل العلم المعاصرون في هذه المسألة.
ونرى أنه يجوز سفر المرأة في الطائرة بلا محرم في حالات معينة كذهاب المرأة لزوجها خارج المملكة وكذلك رجوعها إذا كان لا يستطيع مرافقتها، وكذلك السفر داخل المملكة على أن يكون أحد محارمها مودعًا لها في نفس مطار المغادرة والآخر مستقبلًا لها في مطار الوصول (١).
تحفيظ الرجال القرآن الكريم للنساء والضوابط الشرعية لهذا الأمر:
أولًا: قبل الشروع في بيان الحكم الشرعي لهذه النازلة لا بد من بيان بعض ما يتعلق بها:
١ - إن صوت المرأة ليس بعورة بشرط ألا يكون الحديث فيه تكسر وميوعة وخضوع بالقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
والخضوع بالقول والتبرج كلاهما حرام في التعامل مع الرجل الأجنبي حماية لسمع الرجل ونظره.
٢ - مخالطة النساء للرجال ينبغي ألا تحصل لما يترتب على المخالطة من محاذير شرعية كثيرة ناتجة عن الاعتياد والألفة من نظر وخلوة ورفع للكلفة وغيرها.
٣ - إن تعامل الرجل مع النساء وإن كان مشروعًا إلا أنه لو خشي على نفسه فتنة أو وجد في قلبه فإنه يصير حرامًا حتى ولو كان مع المحارم. . وحتى ولو كان بتعليم القرآن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].