نوازل الاختلاط
حكم عمل المرأة:
الأصل للمرأة هو قرارها في بيتها، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. فدورها الأساسي في الحياة هو تربية أبنائها ورعايتهم، وإعداد الأجيال للأمة.
لكن قد تحتاج المرأة إلى عمل؛ وذلك نتيجة لظروف قد تطرأ لها في حياتها، كأن يموت الزوج أو أن يمرض مرضًا يقعده عن العمل، أو أن يكون راتب الزوج لا يكفي الأسرة، أو غير ذلك من الأمور التي تجعل المرأة محتاجة إلى العمل، فإذا كانت المرأة في حاجة للعمل؛ جاز لها ذلك، لكن ذلك له شروط، ومن هذه الشروط:
١ - أن يكون هذا العمل مما يتناسب مع طبيعة المرأة وفطرتها، ويوافق أنوثتها؛ كالتعليم، والتطبيب للنساء، والإدارة لبنات جنسها، وما شابه. أما امتهانها وظائف لا تناسب طبيعتها، وتؤدي بها إلى مفاسد عظيمة؛ فلا يجوز.
٢ - أن يكون العمل في أصله مباحًا، فلا يجوز لها أن تعمل في أماكن يكون فيها اختلاط بين الرجال والنساء مما يعرضها أو يعرض الرجال للفتنة.
٣ - موافقة زوجها على خروجها لهذا العمل؛ لأن طاعته واجبة عليها، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. لكن إذا كانت قد اشترطت عليه العمل في عقد الزواج فلا يشترط موافقته؛ لأنه قد وافق على عملها مقدمًا.
٤ - ألا يؤدي الخروج للعمل إلى الإخلال بمهمتها الأصلية، من تربية الأبناء، ورعايتهم، والعناية بهم، والقيام بحقوق الزوج على أكمل وجه.
стр. 2312
٥ - التزام الآداب الإِسلامية عند خروجها؛ من غض البصر، والحجاب الشرعي، وعدم الاختلاط، وغيرها، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
ب- يجب ألا يكون عمل المرأة في كل الأحوال مزاحمًا للرجل، مما يؤدي إلى انتشار البطالة بين الرجال بحيث يختل دور كل منهم في الحياة (١).
تحويل الجنس وأثره على الخلوة بالنساء:
أولًا: هؤلاء الذين يشعرون بكراهية الجنس الذي خلقوا عليه، ويتمنون أن يكونوا من الجنس الآخر، هم في الحقيقة مرضى نفسيون، دفعهم سوء التربية أحيانًا، وطبيعة المجتمع الذي نشؤوا فيه أحيانًا أخرى إلى كراهية ما هم عليه، فاعترضوا على مشيئة الله تعالى، ورغبوا في تحويل جنسهم إلى جنس آخر.
وعملية تحويل الجنس من ذكر إلى أنثى لها أسباب، محرمة شرعًا عند جميع من يعتد بقولهم من العلماء المعاصرين، وإن لم يكن للسابقين فيها كلام، فذلك لأنها لم تكن معروفة أو ممكنة في زمانهم، ويدل على تحريمها عدة أدلة، منها:
١ - قول الله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾
стр. 2313
[النساء: ١١٧ - ١٢١]. ولا شك أن إجراء مثل تلك العمليات هو نوع من العبث، وتغييرٌ لخلق الله تعالى.
٢ - حديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "لَعَنَ رَسُول الله ﷺ المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء والمتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ" (١).
٣ - نهى النبي ﷺ عن دخول المخنث على النساء، إذا فطن إلى المرأة ومحاسنها، بل أمر بإخراجه من البيوت، إلى حيث يُتَّقى شره.
٤ - أنه قد ثبت بشهادة المختصين من الأطباء أن هذا النوع من الجراحة لا تتوفر فيه أي دواع أو دوافع معتبرة من الناحية الطبية، وأنه لا يعدو كونه رغبة للشخص.
ثانيًا: الميول الأنثويّة عند رجل كامل الأجهزة المحدّدة لنوعه هي أعراض نفسيّة لا تنقله إلى حقيقة الأنثى، ويحرم القيام بعملية جراحية لتحويل الجنس لمجرّد الرغبة في التغيير دون دواعٍ جسديّة صريحة غالبة كما سبق، ومن أجريت له جراحة مع تحقق كمال ذكوريته فهذا يحرم الخلوة معه؛ لأن هذه الجراحة لا تقطع عنه حكم الذكورة بل يتعامل مع هذا الإنسان على أنه ذكر (٢).
وقد صدر بشأن تحويل الذكر إلى أنثى وبالعكس قرار من المجمع الفقهي الإِسلامي التابع لرابطة العالم الإِسلامي جاء فيه:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي، برابطة العالم الإِسلامي، في دورته
стр. 2314
الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩ م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩ م قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلى أنثى، وبالعكس. وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه قرر ما يلي:
أولًا: الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها، لا يحل تحويل أحدهما إلى النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحق فاعلها العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق الله، وقد حرَّم سبحانه هذا التغيير، بقوله تعالى، مخبرًا عن قول الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. فقد جاء في صحيح مسلم، عن ابن مسعود، أنه قال: "لعَن اللهُ الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوْشِمَاتِ، والنَّامِصاتِ والمتنَمِّصاتِ، والمتفَلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغيِّراتِ خَلقَ اللهِ ". ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله ، يعني: قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
ثانيًا: أما من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، فينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة جاز علاجه طبيًّا بما يزيل الاشتباه في ذكورته، ومن غلبت عليه علامات الأنوثة جاز علاجه طبيًّا، بما يزيل الاشتباه في أنوثته، سواء أكان العلاج بالجراحة، أم بالهرمونات؛ لأن هذا مرض، والعلاج يقصد به الشفاء منه، وليس تغييرًا لخلق الله .
وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. والحمد لله رب العالمين (١).
стр. 2315
حكم سفر المرأة بالطائرة من غير محرم:
اختلف أهل العلم المعاصرون في هذه المسألة.
ونرى أنه يجوز سفر المرأة في الطائرة بلا محرم في حالات معينة كذهاب المرأة لزوجها خارج المملكة وكذلك رجوعها إذا كان لا يستطيع مرافقتها، وكذلك السفر داخل المملكة على أن يكون أحد محارمها مودعًا لها في نفس مطار المغادرة والآخر مستقبلًا لها في مطار الوصول (١).
تحفيظ الرجال القرآن الكريم للنساء والضوابط الشرعية لهذا الأمر:
أولًا: قبل الشروع في بيان الحكم الشرعي لهذه النازلة لا بد من بيان بعض ما يتعلق بها:
١ - إن صوت المرأة ليس بعورة بشرط ألا يكون الحديث فيه تكسر وميوعة وخضوع بالقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
والخضوع بالقول والتبرج كلاهما حرام في التعامل مع الرجل الأجنبي حماية لسمع الرجل ونظره.
٢ - مخالطة النساء للرجال ينبغي ألا تحصل لما يترتب على المخالطة من محاذير شرعية كثيرة ناتجة عن الاعتياد والألفة من نظر وخلوة ورفع للكلفة وغيرها.
٣ - إن تعامل الرجل مع النساء وإن كان مشروعًا إلا أنه لو خشي على نفسه فتنة أو وجد في قلبه فإنه يصير حرامًا حتى ولو كان مع المحارم. . وحتى ولو كان بتعليم القرآن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
стр. 2316
٤ - إن النظر إلى النساء منهي عنه خاصة إذا حرك في النفس الشهوات والغرائز: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].
ثانيًا: الحكم الشرعي لهذه النازلة:
من خلال ما ذكرناه يمكننا أن نقول: إن الأولى أن تقوم النساء بتحفيظ النساء حذرًا من الوقوع في المحاذير الشرعية، فإن لم يكن ثمة نساء يقمن بذلك وأمكن أن يكون الحفظ عن طريق التسجيلات والحواسب الإلكترونية فإن ذلك يكون أفضل، أما إن كان هناك حاجة لأن يقوم الرجل بذلك فإنه يجوز بلا حرج مع مراعاة الشروط الآتية:
أ- أن تكون المخالطة والحديث على قدر الحاجة ودون خضوع بالقول.
ب- أن يكون ذلك في جمع من النساء أو مع وجود المحارم؛ حذرًا من الخلوة المنهي عنها.
ج- أن ترتدي النساء الزي الشرعي مع مراعاة غض البصر من كلا الطرفين.
د- أن يكون معلم القرآن معروفًا بالتدين والورع وحبذا لو كان كبير السن ومتزوجًا.
هـ - أن يراقب المحفظ نفسه وقلبه، فإن وجد فيه ميلًا ينبغي أن يسارع بترك هذا العمل حذرًا من أن يتمكن هذا الميل من قلبه فيرفعه إلى المخالفة.
مزاحمة النساء في المواصلات:
من الأمور المؤسفة ما نراه اليوم من الاختلاط ومزاحمة النساء للرّجال، وهو من الأمور التي عمّت بها البلوى في هذا الزّمان في أكثر الأماكن كالأسواق والمستشفيات والجامعات وغيرها، وينبغي أن تُتخذ الوسائل المناسبة لتلافي هذا الاختلاط مع تحقيق
стр. 2317
ما أمكن من المصالح، مثل عزل مكان الرجال عن النساء، وتخصيص أبواب للفريقين، واستعمال وسائل الاتّصالات الحديثة لإيصال الصوت.
فاجتماع الرجال والنساء في مكان واحد، ومزاحمة بعضهم لبعض، وكشف النّساء على الرّجال، كلّ ذلك من الأمور المحرّمة في الشريعة؛ لأن ذلك من أسباب الفتنة وثوران الشهوات، ومن الدّواعي للوقوع في الفواحش والآثام، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وقد راعى النبي ﷺ منع اختلاط الرّجال بالنساء حتى في أحبّ بقاع الأرض إلى الله وهي المساجد وذلك بفصل صفوف النّساء عن الرّجال، والمكث بعد السلام حتى ينصرف النساء، وتخصيص باب خاص في المسجد للنساء، عن أم سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: "فَأُرَى -واللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ القَوْمِ" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلهُا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلهُا" (٢).
وإذا كانت هذه الإجراءات قد اتّخذت في المسجد وهو مكان العبادة الطّاهر الذي يكون فيه النّساء والرّجال أبعد ما يكونون عن ثوران الشهوات، فاتّخاذها في غيره ولا شكَّ من باب أولى، ومعلوم ما في اختلاط الرجال بالنساء في وسائل المواصلات أو العمل أو الدراسة من مفاسد عظيمة لا تخفى. ولكن ما العمل إذا اضطر الإنسان لركوب وسيلة من وسائل المواصلات المختلطة؟
стр. 2318
نقول: عليه أن يتقي الله تعالى ما استطاع، وأن يغض بصره عن الحرام، وأن يتجنب الجلوس بجوار النساء، مهما أمكنه ذلك، حتى ولو بالوقوف على قدميه، ابتغاء مرضات الله تعالى، وتجنبًا للفتنة التي حذر منها النبي ﷺ بقوله: "مَا ترَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ" (١)، وقد يتفادى الإنسان هذا الجلوس بتبديل مقعده، ونحو ذلك. فإذا اضطر الإنسان للركوب ولم يستطع تغيير المكان، ولا تغيير السيارة، ولا الوقوف على قدميه لكونه أشد زحامًا وملامسة للنساء، فلا حرج عليه حينئذ من الجلوس بجوار امرأة على أن يبتعد عنها بقدر المستطاع، وعليه بتقوى الله وغض البصر، وإذا خاف على نفسه الفتنة وبدأ الشيطان يوسوس له وأشغل فكره فالواجب عليه أن ينزل فورًا مهما ترتب على ذلك من تأخير؛ لأنه ليس هناك أغلى على المرء من دينه ليحافظ عليه (٢).
الخلوة بأكثر من رجل:
اختلف الفقهاء، في خلوة رجل بأكثر من امرأة، وفي خلوة امرأة بأكثر من رجل: هل تدخل في دائرة الخلوة المحرمة شرعًا أوْ لا؟
نقول أولًا: لا يجوز للمرأة أن تخلو مع أجنبي عنها, ولا يجوز لها الركوب مع سائق ليس محرمًا لها وليس معهما غيرهما؛ لأن هذا في حكم الخلوة، لقول النبي ﷺ : "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" (٣). وعنه ﷺ أنه قال: "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، فَإِن ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ" (٤).
стр. 2319
ثانيًا: أما إن كان معهما رجل آخر أو أكثر أو امرأة أخرى أو أكثر، فلا حرج في ذلك إذا لم يكن هناك ريبة؛ لأن الخلوة تزول بوجود الثالث أو أكثر، وإذا تيسر أن يكون معهن رجل فذلك خير وأصلح، ولكن لا يجب ذلك؛ لأن وجود المحرم قد لا يتيسر في كل وقت لكل أحد.
بشرط أن يكون السائق مأمونًا وأن يكون في غير سفر.
ويستثنى مما سبق أهل الريبة، أي: أن وجودَ عدد من الرجال الذين لا ثقة بدينهم وأخلاقهم، لا يمنع الخلوةَ، وكذلك وجود عدد من النسوة سيئات السلوك، لا يمنع الخلوةَ، بل ربما ساعد العددُ هؤلاء وهؤلاء على الفساد.
حكم الاشتراك في مجموعات الفيس بوك المختلطة:
لا زال التقدم العلمي يأتي إلينا كل يوم بجديد وها هو اليوم أتى إلينا بما يسمى بالفيس بوك وغيرها الذي أصبح من خلاله العالم كقرية واحدة، والفيس بوك شبكة عالمية ضخمة، مثلها مثل شبكة الإنترنت عمومًا، حسنها حسن وقبيحها قبيح، فالقول المطلق بفسادها قول بعيد عن الحقيقة، والقول المطلق بصلاحها قول غير صحيح.
فمن أراد الخير وسعى إليه، واستغل هذه التقنية شخصيًّا أو دعويًّا وجد له مكانًا وسبيلًا، ومن ابتغى الشر وطلبه سيجد مكانًا ولا بد.
وسنذكر هنا جملة من أضراره، وكذا منافعه ليكون المسلم على وعي تام به:
* أنه يحصل في هذا الموقع نوع من أنواع التعارف بين الجنسين، وتبادل الصور المحرَّمة، وكذا الارتباط العاطفي بين الشاب والفتاة، فكم جرَّت مواقع الفيس بوك وغيرها من الشرور على البيوت، وكم هتكت الحرمات بسبب الدخول على مثل هذه المواقع.
стр. 2320
* الفيس بوك وغيره فرصةٌ للاتصال بالدعاة وطلبة العلم في مختلف أنحاء العالم ويمكنهم من خلاله التناقش حول القضايا المستجدة التي يحتاجها الناس مباشرةً دون وسائط، وتكثر على صفحاته عدد هائل من المجموعاتِ الدعوية والثقافية والإعلامية المفيدة.
* يتيح الفيس بوك وغيره لأعضائه إمكانية التدوين وكتابة الخواطر البسيطة، وهو وسيلة لنشر الأحاديث الصحيحة، والنقولات المفيدة للعلماء وطلاب العلم، والتذكير بفضائلِ الأعمالِ والأقوالِ الصالحة، ونشر الملفات الصوتية والمرئية النافعة، وغير ذلك مما هو فيه نفع للأفراد والمجتمعات.
* الفيس بوك وغيره: فرصةٌ ذهبية لطلاّب العلم والدعاة إلى الله والآمرين بالمعروف والناهين عنِ المنكر، حيث يحسن ويجدر الدخول إلى هذه الأماكن للدعوة والتعليم ونفع النّاس وتغيير المنكرات، وإنشاء الصفحات والمجموعات الدعوية والاجتماعية المناسبة، والتي أثبتت جدواها وفائدتها في أكثرِ من تجربة. فهذه هي بعض أضرار وفوائد الفيس بوك.
حكم الدخول على الفيس بوك وغيره:
الفيس بوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي هو كغيره من التقنيات الحديثة التي يخضع الحكم الشرعي فيها على المستخدم، فإن استخدمها لما فيه نفع له فلا حرج في ذلك، وإن استخدمها فيما يضر في الدين أو الدنيا فلا يجوز له استخدامه.
أما بخصوص الاشتراك في مجموعات الفيس بوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي المختلطة، فإن كان هذا التجمع يدور وفق الضوابط الشرعية التي سنذكرها فلا حرج فيه شرعًا، وهذه الضوابط هي:
стр. 2321
١ - أن يكون الحوار دائرًا حول موضوع يستفيد منه الجميع.
٢ - يكون من باب تعليم العلم وتعلمه.
٣ - أن لا يخرج الحضور عن دائرة آداب الإِسلام في استعمال الألفاظ واختيار التعابير غير المريبة أو المستكرهة الممقوتة، كما هو شأن كثير من أهل الأهواء والشهوات.
٤ - أن لا يكون الحوار مضرًّا بالإِسلام والمسلمين، بل عونًا لهم؛ ليتعلموا دينهم عن طريق القنوات الجديدة، فكما أن غير المسلمين يصرفون أوقاتهم لنشر الباطل، فإن المسلم ينبغي أن يصرف كل جهوده في سبيل نشر الفضيلة والخير والصلاح.
٥ - أن يكون بينهما ثقة بالنفس للوقوف عند ثبوت الحق لا يتجاوزه أحدهما انتصارًا للنفس، فإن ذلك يؤدي إلى طمس الحقائق وركوب الهوى والعياذ بالله من شرور النفس الأمارة بالسوء.
٦ - أن يكون الحوار يشارك فيه جمع من الناس، وليس حوارًا خاصًّا بين الرجل والمرأة لا يطلع عليه غيرهما.
٧ - أن تلتزم المرأة في مثل هذه اللقاءات بالزي الشرعي، فلا تكشف عن وجهها، فإن هذا باب من أبواب الفتنة، فإذا توفرت تلك الضوابط في الحوار فلا حرج فيه.
والأولى ترك ذلك وسد هذا الباب؛ لأنه قد يجر الإنسان إلى المحرم، فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (١).
стр. 2322
الشات (المحادثة) بين الجنسين:
الشات: هو ما يسمى بمواقع الدردشة بالإنترنت، فالإنترنت ولوازمه من المحادثة عبر الشات والماسنجر وسيلة قد تكون سببًا في تحصيل الخير، من تبادل العلوم النافعة، والدعوة إلى الله، والتعرف على أحوال المسلمين، وقد تكون سببًا للمفاسد والشرور، وذلك حينما تكون بين الرجل والمرأة.
ولذلك لا يجوز تكوين صداقات بين الرجال والنساء عبر هذه الوسائل للأسباب التالية:
١ - لأن هذا من اتخاذ الأخدان الذي نهى الله عنه في كتابه الكريم، فقال: ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥].
٢ - لأنه ذريعة إلى الوقوع في المحظورات بداية من اللغو في الكلام، ومرورًا بالكلام في الأمور الجنسية وما شابهها، وختامًا بتخريب البيوت، وانتهاك الأعراض، والواقع يشهد بذلك.
٣ - لأنه موطن تنعدم فيه الرقابة، ولا توجد فيه متابعة ولا ملاحقة، فيفضي كلا الطرفين إلى صاحبه بما يشاء دون خوف من رقيب ولا حذر من عتيد.
٤ - لأنه يستلزم الكذب إن عاجلًا أو لاحقًا، فإذا دخل الأب على ابنته، وسألها ماذا تصنع، فلا شك في أنها ستلوذ بالكذب وتقول: إنني أحدث إحدى صديقاتي، وإذا سألها زوجها في المستقبل عما إذا كانت مرت بهذه التجربة فإنها لا شك ستكذب عليه.
٥ - لأنه يدعو إلى تعلق القلوب بالخيال والمثالية؛ حيث يصور كل طرف لصاحبه أنه بصفة كذا وكذا، ويخفي عنه معايبه وقبائحه حيث الجدران الكثيفة، والحجب المنيعة التي تحول دون معرفة الحقائق، فإذا بالرجل والمرأة وقد تعلق كل
стр. 2323
منهما بالوهم والخيال، ولا يزال يعقد المقارنات بين الصورة التي طبعت في ذهنه، وبين من يتقدم إلى الزواج به، وفي هذا ما فيه.
أما ما توجبه الضرورة، أو تستدعيه الحاجة مثل الحديث بين المراسلين الإخباريين، وبين العالم والمربي ومن يقوم على تربيتهن أو دعوتهن، والحديث الذي تقتضيه دواعي العمل بين الجنسين فليس حرامًا ما دام لم يخرج عن المعروف، ولم يدخل دائرة المنكر، ولم يخرج عما تقتضيه الحاجة، وتفرضه الضرورة (١).
مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية:
المصافحة: هي الأخذ باليد، والمرأة الأجنبية هي التي يحل للشخص نكاحها، وقد اتفق علماء الأمة من السلف والخلف على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية، ومع اتفاقهم على التحريم إلا أننا وجدنا في هذا الزمان من يتهاون في هذه المسألة، بل وجد من ينقض هذا الاتفاق ويقول بجواز ذلك إذا أمن الفتنة والأدلة متضافرة على تحريم ذلك، فمنها:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: كَانَتِ المُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أقرَّ بِهَذَا مِنَ المُؤْمِنَاتِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالمِحْنَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلهِنَّ، قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْطَلِقْنَ، فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ" وَلَا وَالله مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالكَلَامِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَالله، مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُول اللهِ ﷺ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ
стр. 2324
لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: "قَدْ بَايَعْتُكُنَّ" كَلَامًا (١).
٢ - عن أميمة بنت رقيقة ﵂ قالت: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في نِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ نُبايِعُهُ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، نُبايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِالله شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَكَ في مَعْرُوفٍ، قَالَ: "فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ، وَأَطَقْتُنَّ". قَالَتْ: قُلنَا اللهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا، هَلُمَّ نبايِعْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لمِائَةِ امْرَأَةٍ كقَوْلي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِثلُ قَوْلي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ" (٢).
٣ - عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: "لَأَنْ يُطْعَنَ في رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأةً لا تَحِلُّ لَهُ" (٣).
٤ - ثم إن الإِسلام حرم النظر إلى المرأة الأجنبية من غير سبب مشروع، وإذا كان النظر محرمًا فمن باب أولى اللمس؛ لأن اللمس أعظم أثرًا في النفس من مجرد النظر؛ حيث إن اللمس أكثر إثارة للشهوة وأقوى داعيًا للفتنة من النظر بالعين، وكل منصف يعلم ذلك (٤).
حكم مشاركة المرأة في فرق الرقص الشعبي:
لا يجوز شرعًا للفتاة المسلمة أن تشترك في فرق الرقص الشعبي وفرق الدبكة، وهذا الفعل حرام شرعًا؛ لما يترتب عليه من المفاسد والمحرمات، فمن ذلك:
стр. 2325
١ - إن هذه الفرق تكون مختلطة في الغالب، فهي تتكون من شباب وشابات وهذا عمل منكر ومحرم شرعًا.
٢ - إن هذه الفرق حتى لو كانت خاصة بالفتيات لا يجوز الاشتراك فيها؛ لأنها تعرض رقصاتها على الناس في الأماكن العامة وهذا حرام شرعًا.
٣ - إن مثل هذه الفرق رقصاتها مصحوبة بالموسيقى المحرمة شرعًا.
٤ - إن هذه الفرق وأمثالها مظهر من مظاهر الإنحلال والميوعة ومحاربة الفضيلة.
٥ - وكذلك فإنها مظهر من مظاهر الغزو الفكري الذي يركز على إحياء ما يعرف بالفلكلور الشعبي، وإظهاره على أنه من تراث الأمة المسلمة، مع أن تراث الأمة المسلمة أعظم وأجل من هذه الترهات وسفاسف الأمور.
إن تراث هذه الأمة يتمثل بعقيدتها ودينها وما خلفه عظماؤها وقادتها الأماجد.
وبناءً على ذلك كله يحرم على الفتاة المسلمة أن تشترك بمثل هذه الفرق، ولا يحل للآباء ولأولياء الأمور أن يسمحوا لبناتهم أو أخواتهم أو زوجاتهم بالمشاركة بمثل هذه الفرق وأمثالها (١).
ظاهرة تحرش المحارم:
لقد كثرت الشكايات من قبل النساء وبخاصة في التحرش بهن، وقد يهون الأمر عند البعض، ولكن حينما يسمع أن أحد محارم الفتاة هو الذي تحرش بها، وهذا بلا شك إيذان بخراب الأخلاق؛ إذ كيف يأمن الواحد منا على عرضه بعد أن فقدت الثقة عند البعض في خال البنت أو عمها أو أحد أقاربها ممّن هو محرم لها.
стр. 2326
وبخصوص هذه النازلة نقول:
أولًا: الأصل أن الخال والعم محرم لجميع بنات إخوانه وأخواته وبناتهن؛ لقوله في بيان المحرمات في سورة النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣].
ثانيًا: ذهب بعض السلف -كعكرمة والشعبي- إلى أن الخال والعم وإن كان يحرم عليه أن يتزوج بابنة أخته، وابنة أخيه إلا أنه لا يجوز لها أن تبدي زينتها أمامه، ويلزمها الحجاب معه، واستدلوا على ذلك بدليلين:
١ - أن الخال والعم لم يُذكرا في آية سورة الأحزاب التي تبيح للمرأة أن تبدي زينتها أمام المحارم، قال الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥]، فلم يذكر الله تعالى العم والخال.
٢ - لأن الخال والعم قد يصفان المرأة لأبنائهم: وذهب عامة أهل العلم إلى أن الخال والعم من المحارم الذين يجوز للمرأة أن تبدي زينتها أمامهم، وهذا هو الصواب.
ثالثًا: لا حرج في زيارة الخال لبنت أخته وخلوته بها، وسفره معها، ما لم تكن هناك ريبة، كما لو كان فاسقًا غيرَ مأمونٍ علي بنت أخته، فإن وجدت ريبة، مُنع من الخلوة بها وزيارتها في غياب أبيها أو أمها أو زوجها إن كانت متزوجة.
اختيار الرجل سكرتيرة للعمل:
أولًا: لا يجوز للمرأة أن تعمل في مكان تختلط فيه مع الرجال؛ لما يترتب على ذلك من مفاسد ومحاذير، كالخلوة والنظر والمصافحة، وتعلق القلب بأصحاب
стр. 2327
العمل أو زملائها فيه، وغير ذلك مما هو معلوم، ولا يكاد يسلم العمل المختلط من هذه المحاذير أو بعضها.
ثانيًا: لا يجوز لصاحب العمل أن يوظف امرأة تعمل بين الرجال، سواء كانت في السكرتارية أو في النظافة أو غير ذلك، لما فيه من الإعانة على الاختلاط المحرم.
وكون هذه الظاهرة موجودة في بعض البلدان؛ فإن هذا لا يعتبر مسوغًا له من جهة الشرع، بل الواجب إخضاع العوائد لأحكام الشرع، وضبطها على وَفقه.
والادعاء بأن المرأة أقدر على أمور السكرتارية وأعمال الكمبيوتر ليس صحيحًا، ففي الرجال من يحسن ذلك أيضًا، والأمر راجع إلى حسن الاختيار، والرجل أحق وأولى بالعمل؛ لأنه الذي يقوم على الأسرة ويرعاها، وهو المطالب بالنفقة شرعًا.
والمرأة إن تيسر لها عمل مباح خال من المحاذير فذاك، وإلا فبيتها خير لها.
ثالثًا: الخلوة بين الرجل والمرأة محرمة؛ وقد سبق بيان الأدلة في نوازل سابقة.
وأما الاختلاط: فقد يكون بلا خلوة، كاجتماع عدد من الرجال بعدد من الإناث، والمحرم منه ما ترتب عليه شيء من المحاذير؛ كالنظر، واللمس، والخضوع بالقول، وتعلق القلب، وهذا لا يكاد يسلم منه عمل مختلط؛ لأن كثرة اللقاء وطول الجلوس، يسقطان الكلفة، ويوجبان التوسع في المعاملة، خاصة في المكان الضيق، محدود الأشخاص، كحالة السكرتارية (١).
стр. 2328
نوازل في وسائل التغريب الحديثه في الأسرة المسلمة
شبهات حول نظام الأسرة في الإسلام والرد عليها:
منذ أن ظهر الإِسلام وأعداؤه في كل زمان ومكان يتربصون به الدوائر، ويتلمسون كل طريق ليبعدوا المسلمين عن دينهم بتشويههم مبادئ هذا الدين، ولقد حرص الإِسلام كل الحرص على تكوين الأسرة المسلمة وكثرة أفرادها بالزواج، ليعيش الطفل المسلم بين أبويه ينهل من رعايتهما وعطفهما. وقد أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة أن الأطفال الذين يعيشون بين أبويهم أقوى جسمًا وعقلًا وعاطفةً من أطفال الملاجئ.
ولا تقتصر حكمة الزواج في الإِسلام على ذلك، بل تتعداه إلى حِكم أخرى لاشتمال الزواج على مصالح كثيرة منها: تحصين الزوج والزوجة، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة رسول الله ﷺ بكثرة أمته.
ولقد أثار أعداء الإِسلام بعض الشبه عن الزواج في الإِسلام منها:
أولًا: شبهة تعدد الزوجات:
لما عجز أعداء الإِسلام عن مواجهة الإِسلام بالطرق والأساليب المشروعة راحوا يطعنون في الإِسلام وتشريعاته التي تعتبر إعجازًا وليست شبهات، ولقد جد أعداء الإِسلام في ذلك وسيلة للنيل منه، فمن شبهاتهم حول تعدد الزوجات ما يلي:
١ - إن نظام التعدد يكاد يكون مقصورًا على الأمم التي تدين بالإِسلام، وأنه لا ينتشر إلا في الشعوب المتأخرة في الحضارة.
стр. 2329
٢ - إن نظام التعدد هو مسايرة لدواعي الشهوات عند الرجال، وأنه إهدار لكرامة المرأة وإجحاف بحقوقها، كما أنه إهدار لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة الذي يقتضي أن يكون الزوج خالصًا لزوجته كما هي خالصة له.
٣ - إن تعدد الزوجات مدعاة للتنازع الدائم بين الزوج وزوجاته، وبين الزوجات بعضهن مع بعض، كما أنه مصدر للشقاق والتنافر مما يؤدي إلى إشاعة الفوضى والاضطراب في حياة الأسر، ويعيش الأولاد في جو فاسد.
٤ - إن تعدد الزوجات فيه إهانة للمرأة. وللرد على هذه الشبه نقول:
١ - الإِسلام أباح التعدد ولم يأمر به أو يحث عليه، وفرقٌ بين إباحة الشيء والأمر به، فالإِسلام أباح التعدد حلًّا لكثير من المشاكل الاجتماعية التي تحصل من جرَّاء منع التعدد وتحريمه، فهو في ذلك مراعٍ للفطرة الإنسانية السليمة التي تتطلب ذلك.
٢ - اشتراط الإِسلام العدل بين الزوجات في الإنفاق والمعاملة، فمن يتزوج بأكثر من واحدة ولم يعدل بين زوجاته كان آثمًا في عمله كله. لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، وعن أَبي هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ
وَشِقُّهُ مَائِلٌ" (١).
٣ - عندما تكون الزوجة عقيمًا، فالتعدد حلٌّ لمشكلتها مع زوجها الذي قد يرغب بإنجاب الأولاد، ولا شك أن زواج زوجها بأخرى مع بقائها معه خيرٌ لها من
стр. 2330
أن يطلقها ويتزوج بأخرى فتكون عالة على المجتمع.
٤ - عندما تكون الزوجة مريضة أو غير قادرة على القيام بواجباتها تجاه زوجها إما لمرض جسمي أو غيره، فإن زواج زوجها بأخرى مع بقائها معه وفي كفالته خير لها من فراقها وهي على هذه الحالة، بل يكون مسؤولًا عنها ورعايتها والمحافظة عليها.
٥ - عندما تكون نسبة النساء في مجتمعٍ ما أكثر من نسبة الرجال؛ لحروبٍ طحنت الرجال أو لغيرها من الأسباب، فإنه لا يوجد حل لمشكلة ذلك المجتمع وحفظه من براثن الفساد والفتن سوى التعدد كما حدث عبر التاريخ, ومن ذلك الحربان العالميتان حيث قتل كثير من الرجال وزادت أعداد النساء كثيرًا، وكما يحدث الآن في الحروب الدائرة بين البلدان، وذلك علاج اجتماعي مناسب شرعه الحكيم الخبير.
٦ - وأخيرًا، فإن الإِسلام قد جاء والتعدد كان نظامًا اجتماعيًّا معروفًا عند العرب وغيرهم من الأمم الأخرى، وكان بدون تحديد لعدد معين، فجعله الإِسلام لا يزيد على أربع زوجات، واشترط العدل بينهن إذا كان ممكنًا؛ حفظًا لحقوق المرأة وكرامتها.
ثانيًا: شبهة الطلاق:
قد تحصل بين الزوجين أمور لا يمكن حلها إلا بالطلاق، ومع ذلك اتخذ أعداء الإِسلام من إباحة الإِسلام للطلاق منطلقًا للتهجم عليه، وزعموا أن في ذلك إهانة لكرامة المرأة وسببًا في تشرد الأولاد. وللرد على هذه الشبهة نقول:
١ - إن الإِسلام حينما أباح الطلاق بغَّض به، وجعله الرسول أبغض الحلال إلى الله.
стр. 2331
٢ - رغب الإِسلام في الصلح بين الزوجين وإيجاد الحل لمشاكلهما قبل البتِّ في الطلاق. فقد يكون سبب النزاع عوامل خارجية عن حياة الزوجين الخاصة يمكن إيجاد حل لها وتستقيم الأمور، يقول تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. فإن انسدت أبواب الإصلاح، ولم يمكن التوفيق بينهما فالطلاق هو الحل الأخير، وسيوفق الله إلى الطريق الأصلح لكل واحد منهما ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
ومع ذلك ترك الإِسلام للرجل والمرأة فرصة للتفكير؛ فشرع الطلاق الرجعي ليستطيع الرجل أن يراجع فيه امرأته بدون مهر أو عقد جديد إذا كانت لا زالت في عدتها.
٣ - إن الإِسلام حينما أباح الطلاق إنما وافق بذلك الفطرة السليمة بجعله حلًّا لمشكلة اجتماعية قد تحصل بوجود خلاف وعدم التئام بين الزوجين ولا حل لهما إلا بالطلاق، فذلك أفضل للزوجين من حياة تعيسة يشقى فيها الزوجان بل ويتعدى ذلك للأهل والأقارب.
٤ - ما زعمه أعداء الإِسلام أن الطلاق سبب لتشرد الأولاد في البلاد الإِسلامية، هذا غير صحيح ولا دليل له من الواقع. ذلك أن إحصائيات الطلاق في العالم الإِسلامي أشارت إلى أن أكثره يقع في السنة الأولى من الزواج وقبل الإنجاب بسبب فشل اختيار أحدهما للآخر. وقد ورد في تلك الإحصائيات أن ٧٧ % من وقائع الطلاق تقع قبل إنجاب أي ولد، وأن ١٧ % تقع بعد إنجاب طفل واحد، ثم تتدنى النسبة كلما كثر عدد الأولاد.
وحينما يقع الطلاق مع وجود الأولاد كفل الإِسلام الحياة الكريمة للأولاد -في رعاية أحد الأبوين- وأوجب النفقة على الأب، بل أوجب الإِسلام على الأب
стр. 2332
إعطاء الأم أجرًا حتى على إرضاع ولدها. يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].
وأخيرًا، نقول لكل المدافعين عن قضايا المرأة في الإِسلام: قبل كلامكم عن قضايا المرأة في الإِسلام يجب أن تبدؤوا جميعكم بجملة واحدة وهي "كيف كانت المرأة قبل الإِسلام؟ " وأن تذكروا وضعها المتدني قبل الإِسلام وفي الحضارات القديمة وفي أوروبا في العصور الوسطى، وذلك لكي تثبتوا للعالم أن الإِسلام أنصف المرأة وحسن وضعها (١).
الرد على المنادين بحرية وتحرير المرأة:
لقد ارتفعت أصوات دعاة تحرير المرأة وسيطر كثير منهم على كثير من وسائل الإعلام، وشككوا في الثوابت الشرعية، وشنوا بلا هوادة حربًا على عادات المجتمع المسلم، وهو بلا شك دعوة إلى الفساد بعينه، وهو الشر المستطير والانحلال التام، والميل الجامح عن الفطرة السوية، وفعل ذلك كفيل بهدم كيان المجتمع، وتقطيع أواصره، وضياع الحقوق فيه، ويخرج المولود إلى دنيا لا يجد له فيها أبًا يرعاه وينفق عليه، والبشرية في جاهليتها وانحطاطها قبل ورود نور الوحي إليها لم تصل إلى ما وصل إليه دعاة تحرير المرأة؛ حيث أخرجوها من حيائها وبيتها، وعملوا على تدمير خلقها، وجعلها تلهث في وسط مجتمع الذئاب المفترسة بحثًا عن لقمة عيشها، بعد أن كانت مصونة في بيتها يسترها حياؤها، ويكفيها الرجل أبًا أو زوجًا أو ابنًا أو أخًا متاعب الحياة، وهي متفرغة لبناء بيتها، وتربية أولادها. ويا للأسف وجدت هذه الدعوة أذهانًا خالية من الحق، فتشربت بها، وأخذت تنعق بما لا تفهم!
стр. 2333
أولًا: التعريف بحركة تحرير المرأة:
حركة تحرير المرأة: هي حركة علمانية نشأت في مصر في بادئ الأمر، ثم انتشرت في أرجاء البلاد العربية والإِسلامية.
تدعو إلى تحرير المرأة من الآداب الإِسلامية والأحكام الشرعية الخاصة بها مثل الحجاب، وتقييد الطلاق، ومنع تعدد الزوجات، والمساواة في الميراث، وتقليد المرأة الغربية في كل أمر، ونشرت دعوتها من خلال الجمعيات والاتحادات النسائية في العالم (١).
ثانيًا: الرد على المنادين بحرية وتحرير المرأة:
١ - لقد أقام الإِسلام سياجًا حول المرأة المسلمة فأمرها بعدم الخروج من بيتها لغير ضرورة، لكن دعاة تحرير المرأة وأعداء الإِسلام فسروا ذلك بأنه عدم ثقة بالمرأة وإهانة لها، وأنه يدل على عدم قيمتها وأهميتها في المجتمع، وهذا كلام باطل فإن وظيفة المرأة في البيت أعظم وأهم عمل في الحياة، وما قرارها في البيت إلا لحمايتها ولعدم تحميلها مهام إضافية قد تؤثر على نفسيتها وصحتها، وتجاهلوا أن السياج والحراسة لا تكون إلا على ثمين وهام.
نهى الله تعالى النساء عن التبرج، فقال سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. لكن أعداء الإِسلام لم يقبلوا ذلك فأساؤوا الفهم، وفسروا ذلك بأنه إهانة للمرأة وحرمان لها من حريتها، فلكي تكون المرأة حرة عندهم لا بد لها من أن تعرض زينتها وجسمها في الشوارع والأسواق، ولا شك أن أبا جهل وأبا لهب لم يكونوا يرضون لنسائهم ذلك، إن المرأة المسلمة تعتبر الحجاب حقًّا من حقوقها وليس تقييدًا وتضييقًا عليها.
стр. 2334
لم يضع الإِسلام حدًا لا تُبدي الزوجة لزوجها، كما سمح لها بإبداء ما لا يتنافى مع حيائها أمام محارمها، وسمح الإِسلام للمرأة بإبداء زينتها أمام النساء، وبذلك فلا يبقى إلا الأجانب، فهل في هذا ظلم أم حماية للمرأة؟ إنه حماية وتكريم للمرأة.
٢ - لقد ساوى الله بين النساء والرجال في التكاليف والعقاب والثواب في جميع أمور الدين، وكما أن للرجل حقوقًا على زوجته فإن للزوجة حقوقًا عليه، فقال : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
٣ - حثت شريعة الإِسلام على حسن تربية البنات، بل جعلت ذلك في مقابل الجنة فقال ﷺ : "مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَ بَنَاتٍ، أَوْ أُخْتين أَوْ ثَلاَثَ أَخَوَاتٍ، حَتَّى يَبِنَّ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ، كنْتُ أنَّا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ" وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى (١).
٤ - جعل الله للمرأة حظًّا من الميراث، لكن أعداء الإِسلام وكعادتهم طعنوا في عدالة نصيب المرأة بالنسبة للرجل. إن الرجل الذي يرث ضعف ما ترث المرأة في بعض الأحوال ينفق ذلك المال على زوجته وأولاده ونفسه، وربما على والديه وإخوانه، أما المرأة فإنها ليست مجبرة على الإنفاق على أحد. فمن الرابح إذن؟
٥ - ولقد حفظ الإِسلام حق المرأة على أساس من العدل والإنصاف والموازنة، فنظر إلى واجبات المرأة والتزامات الرجل، وقارن بينهما، ثم بين نصيب كل واحدٍ فمن العدل أن يأخذ الابن ضعف الابنة للأسباب التالية:
أ - فالرجل عليه أعباء مالية ليست على المرأة مطلقًا؛ فالرجل هو الذي يدفع المهر، والمهر حق خالص للزوجة وحدها لا يشاركها فيه أحد فتتصرف فيه كما تتصرف في أموالها الأخرى كما تشاء متى كانت بالغة عاقلة رشيدة.
стр. 2335
ب- والرجل مكلف بالنفقة على زوجته وأولاده؛ لأن الإِسلام لم يوجب على المرأة أن تنفق على الرجل ولا على البيت حتى ولو كانت غنية إلا أن تتطوع بمالها عن طيب نفس، يقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
على حين أن المرأة مكفية المؤونة والحاجة، فنفقتها واجبة على ابنها أو أبيها أو أخيها شريكها في الميراث أو عمِّها أو غيرهم من الأقارب.
٦ - ومما يدعيه دعاة تحرير المرأة أن الإِسلام وصفها بأنها ناقصة عقل ودين؛ حيث ورد ذلك عن النبي ﷺ فقد حث النساء على التصدق، وذلك لأن أغلب أهل النار من النساء، وعندما سُئل عن سبب ذلك أجاب بأنهن ناقصات عقل ودين. وينتهي هنا كلام أعداء الإِسلام فيقولون إن النبي ﷺ وصف النساء بنقصان العقل والدين، ويسقطون بقية الحديث الشريف الذي يوضح معنى قوله ﷺ ، وهو أن المسلمة تضطرها طبيعة خلقتها إلى ترك الصلاة عدة أيام شهريًّا، وإلى ترك الصيام عدة أيام في شهر رمضان المبارك وتكفر زوجها، وبذلك ينقص دينها. أما نقصان العقل فقد فسره ﷺ بأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، وليس في هذا إهانة للمرأة؛ لأن رسالتها في الحياة تستلزم بقاءها في غالب الأوقات في منزلها وخاصة أوقات البيع والشراء حيث تجري المعاملات المالية بين الناس وهذا لا يقع إلا نادرًا وما كان كذلك فليس من شأنها أن تحرص على تذكره حين شاهدته، فإنها غالبًا ما تمر عابرةً لا تلقي له بالًا فإذا جاءت تشهد كان احتمال نسيانها، فإذا شهدت معها أخرى زال احتمال النسيان.
كما أن المرأة يغلب عليها الجانب العاطفي بحيث يفوتها التركيز على بعض
стр. 2336
الأمور المطلوب الشهادة فيها، ومشاركتها لغيرها يذكرها ويقوي موقفها من الإدلاء بالشهادة.
والمرأة لا تكون شهادتها دائمًا نصف شهادة الرجل، فهناك حالات تتساوى كلا شهادتي المرأة والرجل، وهناك حالات لا تُقبل فيها شهادة غير شهادة المرأة.
وهل ينطبق ذلك على جميع النساء؟ كلا؛ فإن المرأة التي تنطبق عليها تلك الصفات هي امرأة لم تؤد من نوافل الصلاة ما عوضت به نقص صلاتها, ولم تقض ما فاتها من صيام، وآذت زوجها وبذلك استحقت عذاب جهنم. أما من عوضت ما فاتها من الطاعات وأدت حق زوجها؛ فإنها بذلك تستحق الكرامة وما أعده الله لعباده المؤمنين بحول الله وقوته.
٧ - المهر: يدعي أعداء الإِسلام أن المهر هو ثمن للزوجة يدفعه الزوج ويشتريها به، وهذا قول باطل؛ فالنفس الإنسانية لا تُقدر بثمن، كما أن الإِسلام لم يُحدد مبلغًا محددًا للمهر، بل إن نبينا ﷺ قال: "التمس ولو خاتمًا من حديد" (١). فهل خاتم الحديد ثمن للزوجة؟ إن المهر دليل ورمز على أن المرأة ستكون موضع رعاية الزوج، وبأنه سيتكفل بكل ما تحتاج إليه، فتطيب نفسها به وتأنس وترضى أن تقترن به، بل وتسعد برياسته وقوامته.
٨ - الطلاق: لقد نفّر الإِسلام من الطلاق، ووردت أحاديث وآيات قرآنية كثيرة تحث كلا الزوجين على حسن معاشرة أحدهما للآخر، ووعدت بالأجر العظيم للصبر على ما قد يقع عليه من أذى من الآخر، بل إن سورة قرآنية كاملة خُصصت لموضوع الطلاق مما يدل على عظيم أهميته، وما ذلك إلا لأهمية الأسرة في الإِسلام،
стр. 2337
وللمحافظة عليها من التفكك، وما يجر ذلك من ضياع لجميع أفرادها.
جعل الشارع حق الطلاق في يد الرجل، ووضع له ضوابط عليه أن يلتزم بها قبل أن يوقع الطلاق، وهنا أيضًا اعتبر أعداء الإِسلام ذلك إهانة للمرأة، وفي الحقيقة لقد جعل الإِسلام الطلاق بيد الرجل؛ لما يحتاجه شأن الأسرة من قوة وحزم وصلابة وقوة في الرأي، ولما جبل الله عليه المرأة من تغليب العاطفة، ونحو ذلك.
ولأن المرأة يعتريها ما خلقها الله عليه من تغيرات فسيولوجية من طبيعة النساء من الحمل والولادة والحيض والنفاس يتغير معها مزاجها ويتكدر خاطرها، فيصعب حينها تصرفها في أمر مصيري كهذا.
زواج المسلمة بغير مسلم:
أجمع العلماء على أنه لا يحل للمسلمة أن تتزوج غير المسلم، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠].
وحكمة ذلك أن للرجل حق القوامة على زوجته، وأن عليها طاعته فيما يأمرها به من معروف، وفي هذا معنى الولاية والسلطان عليها، وما كان لكافر أن يكون له سلطان على مسلم أو مسلمة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
كما أنه يخشى على المرأة المسلمة أن تتأثر من زوجها بترك دينها إما إلى دينه أو التشكيك في دينها, ولذا جاء المنع من باب سد الذرائع.
стр. 2338
وفي الختام، فإن المنهج الإِسلامي يتبع الفطرة في تقسيم الوظائف بين الرجل والمرأة بحيث تتناسب مع ما أودعه الخالق في كل منهما من خصائص (١).
الكشافة في المدارس والجامعات النسوية:
أولًا: تعريف الكشافة وموقف المملكة منها:
الكشافة هي أنشطة شبيهة بالنظام العسكري -فهي باختصار عسكرية مصغرة-.
ومن المتعارف عليه أن الكشافة في المملكة محصورة على الشباب كغيره من الأنشطة التي لا تناسب طبيعة الفتيات أسوة بالألعاب الرياضية وغيرها.
وتمر بلاد الإِسلام -وبخاصة مجتمعنا- بهجمة تغريبية تستهدف المرأة السعودية وجرّها إلى ما لا يحمد عقباه، فنجد التهوين وبخاصة في هذه الأيام من موضوع الاختلاط، ومحاولة إيجاد المبررات الشرعية لنشر هذا المفهوم وتسويغه بين كافة فئات المجتمع، لا سيما وأننا نقرأ كل يوم في الصحف مطالبات حثيثة وجريئة لإدراج مادة التربية البدنية في مدارس البنات، وحضور النساء لمدرجات الملاعب وغيرها من محاولة إقحام المرأة في ميادين وبيئات مختلطة.
ثانيًا: المحاذير الشرعية والأخلاقية للتربية البدنية والكشافة في المدارس والجامعات النسوية:
المحاذير الشرعية والأخلاقية لهذا الأمر ستكون خطيرة على بناتنا وفتياتنا ومنها:
стр. 2339
١ - أن غالبية أنشطة الكشافة تمُارس في المعسكرات وفي البراري وخارج المدن وهذه البيئات لا تناسب المرأة وستعرّضها لمخاطر حقيقية.
٢ - أن الكشافة في المملكة مرتبطة ببرامج ومشاركات عالمية وعربية سواء في التجمعات العالمية أو العربية؛ كالمخيمات واللقاءات والدورات التدريبية التي تكون في الغالب خارج البلاد، وكل هذه المناسبات مختلطة بين الجنسين على كافة المستويات والمراحل العمرية، ويستطيع أي شخص أن يطلع على ذلك في الصحف والمواقع الإلكترونية التي تهتم بأنشطة الكشافة.
٣ - أن الكشافة وبرامجها تقوم على التدريب والدورات المستمرة للعاملين فيه مما يتطلب كثرة البرامج والمشاركات وفي أماكن متباعدة، وهذا بلا شك سيساهم في كثرة خروج المرأة وسفرها إلى تلك الأماكن واختلاطها بالرجال في تلك البرامج.
٤ - أن تجارب الدول في مشاركة الفتيات في الكشافة تعدّ تجارب سيئة؛ حيث الاختلاط والبرامج المشتركة بين الجنسين، ويمكن لأي شخص أن يدخل على المواقع الإلكترونية لجمعيات الكشافة، ويرى بعينيه كيف وصل الحال بهذه الدول من الاختلاط بين الشباب والفتيات وتكشفهن، وهذه الصور من الاختلاط في تلك الدول ستصبح صورًا مستنسخة عندنا لو تمت الموافقة على مشاركة الفتيات في الكشافة.
النوادي الرياضية النسانية:
الأصل في الرياضة: الجواز والأصل عموم الأحكام الشرعية للرجال والنساء، ومما يدل على أن هذا هو الأصل في ممارسة الرياضة للنساء حديث عائشة ﵂ أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال ﷺ : "هَذِهِ بِتِلكَ السَّبْقَةِ" (١). وبناءً على هذا الأصل فإن
стр. 2340
للمرأة أن تمارس من الرياضة ما تحتاج إليه في تنشيط جسمها، فإن للرياضة أثرًا في نشاط البدن وحيويته.
أما عن ممارسة المرأة للرياضة خارج بيتها "في النوادي والمدارس مثلًا" فلا يجوز وإن كان بعض أهل العلم أجازه بشروط؛ إلا أننا نقول إن شريعة الإِسلام حرصت كل الحرص على ستر المرأة، وأن تنفصل قدر الإمكان عن الاحتكاك بالرجال، وبالتالي فقد حبذ لها الشرع البقاء في بيتها، وألا تخرج إلا وهي محتشمة وغير مبدية للزينة الظاهرة وغير متطيبة مع عدم الضرب بالأرجل ليعلم ما تخفي من زينتها.
وبهذا لا يمكن أن تمكن المرأة من الخروج لهذه الأندية؛ لما فيها من الشر، وهذا ما ذهب إليه الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حيث قال: "أمَّا نوادي مُستقلَّة يَذهبُ إليها النساءُ من بيوتهنَّ ليجتمعن هناك للعب الكرة، وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز عندي؛ لأنه قد يُفضي إلى شرٍّ كثير" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "نصيحتي لإخواني ألا يمكنوا نساءهم من دخول نوادي السباحة والألعاب الرياضية؛ لأن النبي ﷺ حث المرأة أن تبقى في بيتها فقال وهو يتحدث عن حضور النساء للمساجد وهي أماكن العبادة والعلم الشرعي: "لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ، وبيوتُهُنَّ خيرٌ لَهُنَّ" (٢). وذلك تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ثم إن المرأة إذا اعتادت ذلك تعلقت به تعلقًا كبيرا؛ لقوة عاطفتها وحينئذ تنشغل به عن مهماتها الدينية والدنيوية، ويكون حديث نفسها ولسانها في المجالس ... " (٣).
стр. 2341
وبناءً على ذلك؛ فإن للمرأة أن تمارس الرياضة المناسبة لها في بيتها، أما خارج بيتها فلا يجوز لها ذلك (١).
مؤتمرات ختان البنات:
انعقدت مؤتمرات عديدة أهمها: مؤتمر بكين، ومؤتمر القاهرة من أجل النظر في قضية ختان المرأة، وقد أصدرت هذه المؤتمرات عددًا من القرارات أهمها تجريم من يقوم بختان ابنته، وكذا تجريم من فعل ذلك، فما مدى مشروعية هذه القرارات التي اتخذت بشأن ختان المرأة؟ وقبل الجواب عن هذه المسألة لا بد من بيان الحكم الشرعي لختان المرأة، وهل له أصل في شريعتنا أم لا؟
فنقول: اختلف الفقهاء في حكم الختان لكل من الذكر والأنثى هل هو واجب أو سنة؟ فذهب الشافعية كما في المجموع للنووي (٢): إلى أنه واجب في حق الذكر والأنثى، وهو إحدى الروايتين في مذهب أحمد (٣)، وفي رواية أخرى عند الحنابلة كما في المغني (٤) لابن قدامة أنه واجب في حق الذكور، وليس بواجب بل هو سنة وتكرمة في حق الإناث، وهو قول كثير من أهل العلم. وذهب الحنفية (٥). والمالكية (٦). إلى أنه سُنَّة، وليس بواجب في حقهما، وهو من شعائر الإِسلام.
فتَلَخَّص من ذلك أن أكثر أهل العلم على أن ختان الأنثى ليس واجبًا، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة كما سبق، فلا يُوجِب تَرْكه الإثم، وإذا كان الأمر
стр. 2342
كذلك فلا يسوغ لهذه المنظمات المشبوهة أن تجرم الناس بالاختتان وتعده جريمة يعاقب عليها، مع أن هناك من الفقهاء من جرم من لم تختتن من النساء، فقد قال الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والشافعيُّ وأحمدُ بأنه واجب، وشدد فيه مالك حتى قال: "من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته". ونقل كثير من الفقهاء عن مالك، أنه سنة، حتى قال القاضي عياض: الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة، ولكن السنة عندهم يأثم تاركها، فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض والندب (١).
فالحاصل أنه لا يسوغ لهؤلاء الناس أن يعدوا هذه جريمة يعاقب عليها، فمن قديم الزمان كان ختان النساء يعامل على الحرية لا الإلزام وإن كان هناك إلى وقت قريب من يجرم من لم تختتن، فهل نترك شرعنا وننظر إلى أقوال أصحاب هذه المؤتمرات المغرضة التي ليس من ورائها إلا كل شر؟
ارتياد النساء للمسابح العامة:
جاءت الشريعة الإِسلامية بالعناية التامة بالمرأة المسلمة، والحفاظ على حيائها وسترها وبعدها عن مواطن الفتن، وأمرت الشريعة كذلك بقرار المرأة في البيت وعدم الخروج لغير حاجة؛ صيانةً لعفتها، ورعايةً لكرامتها، وحفظًا لها من كل سوء.
وخروج المرأة المسلمة للأندية العامة والمسابح مما ينبغي أن تنهى عنه أشد النهي؛ لما فيه من منكرات وفساد.
فإذا كانت هذه المسابح في الأندية العامة التي يغشاها الرجال والنساء فهذا منكر عظيم، فعَنْ أَبِي المَلِيح الهُذَلِيِّ أَنَّ نِسَاءً مِنْ أَهْلِ حِمْصَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ دَخَلنَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَنْتُنَّ الَلَّاتِي يَدْخُلنَ نِسَاؤُكُنَّ الحَمَّامَاتِ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ
стр. 2343
يَقُولُ: "مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا في غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا هَتَكَتْ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا" (١).
وعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُدْخِل حَلِيلَتَهُ الحَمَّامَ" (٢).
والمراد بالحمام هنا: الحمامات التي كانت موجودة قديمًا، لما كانت البيوت ليس فيها حمامات.
وسبب منع المرأة من دخولها: ما فيها من كشف للعورات، ونظر محرم، وتعرض للفتن، ولم تكن الحمامات يومئذ مختلطة.
فما بالك بالحمامات المختلطة والمسابح العامة التي تتكشف فيها العورات وتبدو السوءات؟
وإذا كانت هذه المسابح تخص النساء وحدهن فلا يجوز ارتيادها أيضًا، وذلك لأن النساء سيكشفن عوراتهن، ولو سترت المرأة المسلمة بدنها فإنها سوف تنظر إلى هؤلاء العاريات، ودرءً للمفاسد التي قد تقع نتيجة ذلك، ولن تستطيع أن تنهاهن عن المنكر.
فالحاصل أنه لا يجوز ارتياد المرأة لمثل هذه المسابح، ولا يجوز لزوجها أو وليها أن يذهب بها إلى مثل هذه المسابح، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة (٣).
стр. 2344
تسمي الزوجة باسم عائلة الزوج:
لقد شاع بين كثير من الناس انتساب المرأة إلى زوجها لا إلى أبيها، وهذا من التقاليد الوافدة إلى بلاد المسلمين، وهي تقاليد غريبة عن المجتمع المسلم، وهذا الأمر صار شائعًا ومنتشرًا بين الناس ومستعملًا في كثير من المعاملات، وهو تقليد لغير المسلمين، وقد أخبر النبي ﷺ بأن هذه الأمة تتبع الأمم الأخرى في كثير من أمورها فقال: "لتَتبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ شِبرًا شِبْرًا وذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ" قُلنَا: يَا رَسُولَ الله، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ؟ " (١).
وانتساب المرأة لاسم زوجها أو عائلته والاستغناء بذلك عن اسم أبيها لا يجوز، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢].
ولم تنسب أزواج النبي ﷺ إليه مع عظم منزلته عند الله وعند الناس، فكان يقال: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت جحش وهكذا.
وإذا أضيفت المرأة لزوجها فتضاف إليه إضافة زوجية لا نسبية، كما في الآية: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠].
فيقال فلانة امرأة فلان أو زوجة فلان، وفي النسب والأوراق الثبوتية لا يقال: إلا فلانة بنت فلان.
وإذا كانت الزوجة منكرة لنسبها فقد يكون ذلك كفرًا، فقد ورد في جملة من الأحاديث ما يدل على ذلك منها:
стр. 2345
١ - عن أبي ذر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبيهِ وَهْوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ فَليَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار" (١). والتعبير بالرجل جرى مجرى الغالب وإلا فالمرأة كذلك.
٢ - وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ" (٢)، والفرى: جمع فرية وهي الكذب.
٣ - وعن أبي بكر وسعد ﵄ كلاهما يقول: سمعته أذناي ووعاه قلبي أن محمدًا ﷺ يقول: "مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيرِ أَبِيهِ وَهْوَ يَعْلَمُ فَالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ" (٣).
وهذه الأحاديث تحمل على من انتسب لغير أبيه واستحل ذلك.
وأما الشائع اليوم من انتساب المرأة لزوجها وإن كان لا إنكار فيه للأبوة وللعائلة إلا أنه محرم أيضًا؛ لأن فيه تشبهًا بغير المسلمين، وفيه تلبيس على الناس، فعلى المرأة أن تتسمى باسم أبيها فتقول: فلانة بنت فلان وزوجة فلان.
لكن إن ألجأت بعض سلطات بعض الدول التي يعيش فيها بعض المسلمين إلى أن تنسب الزوجة إلى زوجها ولم يكن بد من فعله، فنرجو ألا يكون في ذلك بأس لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. على أن يبقى ذلك في الأوراق، ولا يتعداه إلى استعماله عند المحادثة.
стр. 2346
خروج الزوجة للعمل:
ناقش مجمع الفقه الإِسلامي في دورته السادسة عشرة هذا الموضوع، ومما جاء فيه: "ثالثًا: عمل الزوجة خارج البيت:
١ - من المسؤوليات الأساسية للزوجة رعاية الأسرة وتربية النشء والعناية بجيل المستقبل، ويحق لها عند الحاجة أن تمارس خارج البيت الأعمال التي تتناسب مع طبيعتها واختصاصها بمقتضى الأعراف المقبولة شرعًا مع طبيعتها واختصاصها بشرط الالتزام بالأحكام الدينية، والآداب الشرعية، ومراعاة مسؤوليتها الأساسية.
٢ - إن خروج الزوجة للعمل لا يسقط نفقتها الواجبة على الزوج المقررة شرعًا، وفق الضوابط الشرعية، ما لم يتحقق في ذلك الخروج معنى النشوز المُسقط للنفقة".
تسمية الأولاد بالأسماء الأجنبية:
إن من حقوق الأولاد على الآباء أن يختاروا لهم أسماء حسنة، فقد ورد في الحديث عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ" (١).
ولقد أتت السنة ببعض الأسماء التي يستحب التسمية بها كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ" (٢)، فهذا الحديث يفيد أن هذين الاسمين: (عبد الله وعبد الرحمن) أفضل الأسماء.
ومن الأسماء المستحبة أيضًا أسماء الأنبياء كإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، ويونس، وغيرها، ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁
стр. 2347
قال: "وُلدَ لِي غُلاَمٌ، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ" (١).
ولما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: "تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى الله عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ" (٢).
ومن الأسماء التي لا يجوز تسمية الأولاد بها كل اسم معبد لغير الله مثل: عبد علي، وعبد الحسين، وعبد النبي ونحوها، ومنها أسماء الفراعنة والجبابرة كفرعون، وقارون، ونحوهما.
وأما الأسماء الأجنبية فإنه لا يجوز للمسلمين أن يسموا أبناءهم بها، ويشتد المنع إذا كان فيها ما يرمز لدينهم أو قادتهم، ويكون التحريم أغلظ إذا كان فيها تعبيدًا لغير الله تعالى، كعبد المسيح.
والأسماء في الإِسلام لها أهمية خاصة؛ لما لها من تأثير على نفسية المسمى، فهي بمنزلة العنوان أو الشعار والواجهة للمسمى، ولهذا فقد غير النبي ﷺ بعض الأسماء التي تنافي العقيدة كما غير أسماء مستقبحة. كما في حديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وَقَالَ: "أَنْتِ جَمِيلَةُ" (٣).
وعَنْ يَزِيدَ -يَعْنِي ابْنَ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ أَنَّهُ لمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ، سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بأَبِي الحَكَمِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ الله هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أباَ الحَكَمِ؟ ". فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا في شَيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فرَضِىَ كِلاَ الفَرِيقَيْنِ. فَقَالَ
стр. 2348
رَسُولُ الله ﷺ : "مَا أَحْسَنَ هَذَاَ فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ ". قَالَ: لي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ الله. قَالَ "فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ". قُلتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: "فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ" (١).
وقد نهى عن تسميته برة، فقال النبي ﷺ : "لاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ اللهُ أَعْلَمُ بأَهْلِ البِرِّ مِنكُمْ". فقال له ما نسميها؟ قال: "سَمُّوهَا زينَبَ" (٢).
أما إذا كان الاسم ليس مستقبحًا, ولا يتنافى مع العقيدة، وليس شعارًا لغير المسلمين؛ فلا مانع من التسمية به ولو تسمى به غير المسلمين، مع أن المسلمين ينبغي أن يتميزوا عن غيرهم في مظهرهم ومخبرهم (٣).
стр. 2349
نوازل في القضايا الماليه في فقه الأسرة
انفصال الذمَّة المالية بين الزوجين:
أصبحت الذمّة المالية للمرأة قضية تتناولها صفحات الصحف، رغم أن شريعة الإِسلام بينت هذه القضية بيانا واضحًا، وفصلت بين ذمة المرأة المالية وذمة أموال زوجها, لكن مع انعدام الثقة بين الزوجين أحيانًا، وطمع كل منهما في مال صاحبه أحدث مثل هذه الإشكالية، فتحولت العلاقات الزوجية من المودة والرحمة إلى السب والشتم، وقد تنتهي إلى قاعات المحاكم.
أولًا: تعريف الذمة:
في اللغة: تطلق الذمة في اللغة على عدة معان منها: العهد، أو الحرمة، أو الضمان والكفالة، أو الحق.
أما في الاصطلاح: فقد اختلف تعريفها عند كثيرٍ من الفقهاء، فقيل في تعريفها:
الذمَّة: معنى شرعي مقدَّر في المكلف قابل للالتزام واللزوم، وهذا المعنى جعله الشرع مبنيًّا على أمور، منها البلوغ، فلا ذمة للصغير ومنها الرشد فمَن بلغ سفيهًا لا ذمة له.
وقيل أيضًا في تعريفها: الذمة في الفقه الإِسلامي هي وصف شرعي يفترض الشارع وجوده في الإنسان، ويصير به أهلًا للإلزام والالتزام، أي: صالحًا لأن يكون له حقوق وعليه واجبات.
تعريف الذمة المالية: الذمة المالية هي مجموعة من الحقوق والالتزامات ذات قيمة مالية تعود لشخص سواء كان ذكرًا أو أنثى، أما الحقوق والالتزامات غير المالية كحق الانتخاب أو واجب الابن في طاعة أبيه فهي لا تعد من عناصر الذمة المالية.
стр. 2350
ثانيًا: تتألف الذمة المالية من عنصرين:
١ - عنصر إيجابي: يتضمن الحقوق المالية التي تكون للشخص، سواء أكانت هذه الحقوق حقوقًا عينية كملكية شيء معين، أو حقوقًا شخصية كالديون التي تترتب لصاحبها تجاه الغير.
٢ - عنصر سلبي: يتضمن الالتزامات المالية التي تترتب على الشخص كالتزامه بمبلغ من المال أو القيام بعمل لمصلحة شخص آخر.
والذمة المالية ليست حاصل الفرق بين عنصري الحقوق والالتزامات وإنما هي عبارة عن مجموعهما معًا. فكأن هذه الحقوق والالتزامات جميعًا تؤلف وحدة قائمة بذاتها أو مجموعة قانونية يطلق عليها الذمة المالية.
الحكم الشرعي لهذه النازلة:
أكدت الشريعة الإِسلامية على انفصال الذمة المالية بين الزوجين، فلا سلطان للزوج على تصرفات الزوجة المالية، وراتبها حق لها, ولا يجوز للرجل أن ينظر إلى مالها أو يأخذ منه، ولها أن تتصرف بهذه الذمة المالية تمام التصرف دون أن يسألها الرجل، وهي ليست ملزمة بالإنفاق من مالها على البيت أو الأولاد بل على الزوج أن ينفق عليها وعلى أولادها.
وهذا ما أكدت عليه المجامع والمجالس الفقهية التي ناقشت هذه القضايا، فقد أصدر مجلس مجمع (١) الفقه الإِسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإِسلامي قرارًا وفتوى عن اختلافات الزوج والزوجة الموظفة، وعن انفصال الذمة المالية بين الزوجين، جاء فيه: