خروج الزوجة للعمل:
ناقش مجمع الفقه الإِسلامي في دورته السادسة عشرة هذا الموضوع، ومما جاء فيه: "ثالثًا: عمل الزوجة خارج البيت:
١ - من المسؤوليات الأساسية للزوجة رعاية الأسرة وتربية النشء والعناية بجيل المستقبل، ويحق لها عند الحاجة أن تمارس خارج البيت الأعمال التي تتناسب مع طبيعتها واختصاصها بمقتضى الأعراف المقبولة شرعًا مع طبيعتها واختصاصها بشرط الالتزام بالأحكام الدينية، والآداب الشرعية، ومراعاة مسؤوليتها الأساسية.
٢ - إن خروج الزوجة للعمل لا يسقط نفقتها الواجبة على الزوج المقررة شرعًا، وفق الضوابط الشرعية، ما لم يتحقق في ذلك الخروج معنى النشوز المُسقط للنفقة".
تسمية الأولاد بالأسماء الأجنبية:
إن من حقوق الأولاد على الآباء أن يختاروا لهم أسماء حسنة، فقد ورد في الحديث عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ" (١).
ولقد أتت السنة ببعض الأسماء التي يستحب التسمية بها كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ" (٢)، فهذا الحديث يفيد أن هذين الاسمين: (عبد الله وعبد الرحمن) أفضل الأسماء.
ومن الأسماء المستحبة أيضًا أسماء الأنبياء كإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، ويونس، وغيرها، ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁
стр. 2347
قال: "وُلدَ لِي غُلاَمٌ، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ" (١).
ولما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: "تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى الله عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ" (٢).
ومن الأسماء التي لا يجوز تسمية الأولاد بها كل اسم معبد لغير الله مثل: عبد علي، وعبد الحسين، وعبد النبي ونحوها، ومنها أسماء الفراعنة والجبابرة كفرعون، وقارون، ونحوهما.
وأما الأسماء الأجنبية فإنه لا يجوز للمسلمين أن يسموا أبناءهم بها، ويشتد المنع إذا كان فيها ما يرمز لدينهم أو قادتهم، ويكون التحريم أغلظ إذا كان فيها تعبيدًا لغير الله تعالى، كعبد المسيح.
والأسماء في الإِسلام لها أهمية خاصة؛ لما لها من تأثير على نفسية المسمى، فهي بمنزلة العنوان أو الشعار والواجهة للمسمى، ولهذا فقد غير النبي ﷺ بعض الأسماء التي تنافي العقيدة كما غير أسماء مستقبحة. كما في حديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وَقَالَ: "أَنْتِ جَمِيلَةُ" (٣).
وعَنْ يَزِيدَ -يَعْنِي ابْنَ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ أَنَّهُ لمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ، سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بأَبِي الحَكَمِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ الله هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أباَ الحَكَمِ؟ ". فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا في شَيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فرَضِىَ كِلاَ الفَرِيقَيْنِ. فَقَالَ
стр. 2348
رَسُولُ الله ﷺ : "مَا أَحْسَنَ هَذَاَ فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ ". قَالَ: لي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ الله. قَالَ "فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ". قُلتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: "فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ" (١).
وقد نهى عن تسميته برة، فقال النبي ﷺ : "لاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ اللهُ أَعْلَمُ بأَهْلِ البِرِّ مِنكُمْ". فقال له ما نسميها؟ قال: "سَمُّوهَا زينَبَ" (٢).
أما إذا كان الاسم ليس مستقبحًا, ولا يتنافى مع العقيدة، وليس شعارًا لغير المسلمين؛ فلا مانع من التسمية به ولو تسمى به غير المسلمين، مع أن المسلمين ينبغي أن يتميزوا عن غيرهم في مظهرهم ومخبرهم (٣).
стр. 2349
نوازل في القضايا الماليه في فقه الأسرة
انفصال الذمَّة المالية بين الزوجين:
أصبحت الذمّة المالية للمرأة قضية تتناولها صفحات الصحف، رغم أن شريعة الإِسلام بينت هذه القضية بيانا واضحًا، وفصلت بين ذمة المرأة المالية وذمة أموال زوجها, لكن مع انعدام الثقة بين الزوجين أحيانًا، وطمع كل منهما في مال صاحبه أحدث مثل هذه الإشكالية، فتحولت العلاقات الزوجية من المودة والرحمة إلى السب والشتم، وقد تنتهي إلى قاعات المحاكم.
أولًا: تعريف الذمة:
في اللغة: تطلق الذمة في اللغة على عدة معان منها: العهد، أو الحرمة، أو الضمان والكفالة، أو الحق.
أما في الاصطلاح: فقد اختلف تعريفها عند كثيرٍ من الفقهاء، فقيل في تعريفها:
الذمَّة: معنى شرعي مقدَّر في المكلف قابل للالتزام واللزوم، وهذا المعنى جعله الشرع مبنيًّا على أمور، منها البلوغ، فلا ذمة للصغير ومنها الرشد فمَن بلغ سفيهًا لا ذمة له.
وقيل أيضًا في تعريفها: الذمة في الفقه الإِسلامي هي وصف شرعي يفترض الشارع وجوده في الإنسان، ويصير به أهلًا للإلزام والالتزام، أي: صالحًا لأن يكون له حقوق وعليه واجبات.
تعريف الذمة المالية: الذمة المالية هي مجموعة من الحقوق والالتزامات ذات قيمة مالية تعود لشخص سواء كان ذكرًا أو أنثى، أما الحقوق والالتزامات غير المالية كحق الانتخاب أو واجب الابن في طاعة أبيه فهي لا تعد من عناصر الذمة المالية.
стр. 2350
ثانيًا: تتألف الذمة المالية من عنصرين:
١ - عنصر إيجابي: يتضمن الحقوق المالية التي تكون للشخص، سواء أكانت هذه الحقوق حقوقًا عينية كملكية شيء معين، أو حقوقًا شخصية كالديون التي تترتب لصاحبها تجاه الغير.
٢ - عنصر سلبي: يتضمن الالتزامات المالية التي تترتب على الشخص كالتزامه بمبلغ من المال أو القيام بعمل لمصلحة شخص آخر.
والذمة المالية ليست حاصل الفرق بين عنصري الحقوق والالتزامات وإنما هي عبارة عن مجموعهما معًا. فكأن هذه الحقوق والالتزامات جميعًا تؤلف وحدة قائمة بذاتها أو مجموعة قانونية يطلق عليها الذمة المالية.
الحكم الشرعي لهذه النازلة:
أكدت الشريعة الإِسلامية على انفصال الذمة المالية بين الزوجين، فلا سلطان للزوج على تصرفات الزوجة المالية، وراتبها حق لها, ولا يجوز للرجل أن ينظر إلى مالها أو يأخذ منه، ولها أن تتصرف بهذه الذمة المالية تمام التصرف دون أن يسألها الرجل، وهي ليست ملزمة بالإنفاق من مالها على البيت أو الأولاد بل على الزوج أن ينفق عليها وعلى أولادها.
وهذا ما أكدت عليه المجامع والمجالس الفقهية التي ناقشت هذه القضايا، فقد أصدر مجلس مجمع (١) الفقه الإِسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإِسلامي قرارًا وفتوى عن اختلافات الزوج والزوجة الموظفة، وعن انفصال الذمة المالية بين الزوجين، جاء فيه:
стр. 2351
١ - للزوجة الأهلية الكاملة والذمة المالية المستقلة التامة، ولها الحق المطلق في إطار أحكام الشرع مما تكسبه من عملها, ولها ثروتها الخاصة، ولها حق التملك وحق التصرف بما تملك، ولا سلطان للزوج على مالها, ولا تحتاج لإذن الزوج في التملك والتصرف بمالها.
اشتراك الزوجين في التملك:
من أعظمِ أسباب النِّزاع بيْن الزوجين المال، وكثيرٌ مِن حالات الطلاق سببُها النِّزاع المالي، لا سيَّما إذا كانتِ الزوجة موظَّفة، أو كان هناك عقار مشترك بينهما فيحصل بذلك النزاع والشقاق الذي غالبًا ما يكون نهايته الفرقة بين الزوجين.
ولا بد قبل بيان الحكم الشرعي في هذه النازلة أن نوضح بعض الأمور وهي:
أولًا: تَصرُّف المرأةِ الرشيدة المتزوِّجة في مالِها لا يخْلو من حالَيْن:
الأولى: أن يكون بعِوَضٍ؛ كأنْ تشتري أو تبيع أو تؤجِّر، وغير ذلك مِن عقودِ المعاوضات، فتصرفها بعوض جائزٌ بإجماع أهلِ العلم، وليس لزوجِها الاعتراضُ عليها, ولا يجب عليها استئذانُه أو إخبارُه بذلك.
الثانية: أن تتصرَّف بغيرِ عوض؛ كأنْ تُهدي، أو تتصدَّق، أو تُعطي أقاربها أو غيرَهم، فأصحُّ الأقوال جوازُ ذلك، ولو لم يَرضَ زوجُها، أو يعلم؛ لدَلالة الكتاب والسُّنة؛ فدلالة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل الحجر على اليتيم -سواء كان ذكرًا أو أنثى- ويزول هذا الحجر ببلوغِهما ورُشْدهما، ولا يعود عليهما الحجر مرَّة أخرى إلا بدليل صحيح صريح، وهذا لم يوجدْ في حقِّ المرأة المتزوِّجة.
стр. 2352
وعن ميمونةَ بنتِ الحارث ﵂ أنَّها أعْتَقتْ وليدة، ولم تستأذنِ النبيَّ ﷺ فلمَّا كان يومُها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعُرتَ يا رسولَ الله، أنِّي أعتقتُ وليدتي؟ قال: "أَوَ فَعَلتِ" قالت: نعَم، قال: "أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ" (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ميمونة كانتْ رشيدةً، وأعتقَتْ قبل أن تستأمِرَ النبيَّ ﷺ فلم يستدركْ ذلك عليها، بل أرْشدَها إلى ما هو الأَوْلى، فلو كان لا ينفذ لها تصرُّفٌ في مالها لأَبْطَله (٢).
ثانيًا: مِن أسبابِ النِّزاع بيْن الزوجة الموظَّفة أو العاملة وزوجها: حاجةُ الزوج لمالهِا، فربَّما طلب منها مالًا، أو طلَب قرْضًا من البنك باسمِها، فاعتذرتْ، وهذا من حقِّها؛ فليس للزوج حقّ في مالها، فإنْ فعلت فهذا إحسانٌ منها، وإذا رفضتْ لم ترتكبْ خطأً تستحقُّ عليه العتبَ والتعييرَ والهجر.
ثالثًا: وهو موضوع نازلتنا وهو أن البعضُ يشترك مع زوجتِه الموظَّفة في شِراء عقار، أو بناء بيت، وهذا الأمر مباح شرعًا، ويكون للزوجة الربح من العقار إن حصل له ربح، وكذلك عليها من الخسارة ما على الزوج ما داما اشتركا في هذا العقار ومما جاء في قرارات (٣) مجلس مجمع الفقه الإِسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإِسلامي بخصوص هذه النازلة ما يلي:
رابعًا: اشتراك الزوجة في التملّك: إذا أسهمت الزوجة فعليًّا من مالها أو كسب عملها في تملك مسكن أو عقار أو مشروع تجاري، فإن لها الحق في الاشتراك في ملكية ذلك المسكن أو المشروع بنسبة المال الذي أسهمت به.
стр. 2353
ومما يجب التنبيه عليه أنه قد يكتب العقار باسمِ الزَّوج ويبقَى على ذلك، ولا يتمُّ التوثيق والإشهاد، فالزوجة قد تستحي مِن طلب ذلك مِن الزوج، والزوج عندَه طولُ الأمَل كغيرِه، فربَّما فجَأَه الموتُ، وصعُب على الزوجة إثباتُ حقِّها، ومثله حينما يقترض الزوجُ باسمِها ثم يموت قبلَ تمامِ سدادِ الأقساط، فتتحمَّل الزوجةُ سدادَ الدَّين، فلا بُدَّ مِن الإشهاد في القليل والكثيرِ؛ حفظًا للحقوقِ، فالمال مِن الضرورات التي أتتِ الشرائعُ كلّها بحفظه.
الاستفادة من مال الأب المرابي:
ذكر أهل العلم قاعدة هامة مفيدة في حكم الاستفادة من الحرام، وهي: "ما حُرِّم لكسبه فهو حرام على الكاسب فقط، وأما ما حرم لعينه فهو حرام على الكاسب وغيره".
فلو أن أحدًا أخذ مال شخص بعينه، وأراد أن يعطيه آخر لبيع أو هبة قلنا: هذا حرام؛ لأن هذا المال محرم بعينه.
أما الكسب الذي يكون محرمًا كالكسب عن طريق الربا أو عن طريق الغش -أو ما أشبه ذلك- فهذا حرام على الكاسب، وليس حرامًا على من أخذه بحق، ودليل ذلك أن النبي ﷺ كان يقبل من اليهود، ويجيب دعوتهم، ويأكل من طعامهم، ويشتري منهم، ومعلوم أن اليهود يتعاملون بالربا كما ذكر الله عنهم في القرآن. وبناء على هذه القاعدة ليس على أولاد المرابي إثم إذا أكلوا من ماله الربوي البحت، أو لبسوا منه، أو سافروا به إذا لم يوجد لهم طريق آخر يتكسبون منه، فلهم أخذ جميع ما يحتاجونه من مال أبيهم وهو حلال لهم وليس بحرام، وإنما الإثم على الأب.
لكن يجب على الأولاد نصح والدهم بالطريق التي يغلب على ظنهم نفعها، فإذا تيسرت طرق أخرى للكسب ولم يحتاجوا إلى هذا المال في ضروريات حياتهم: وجب عليهم الاستغناء عنه.
стр. 2354
وإذا مات الوالد المرابي وجب على ورثته التخلص من المال الربوي بإرجاعه إلى أهله إن عرفوهم، وإلا فعليهم التخلص منه بتوزيعه في المصارف العامة والخاصة، فإن تعسر عليهم تحديد المبلغ الربوي في مال والدهم: قسموه نصفين فيأخذون النصف ويوزعون النصف الآخر، وقد سئل شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ عن رجل مرابٍ خلف مالًا وولدًا، وهو يعلم بحاله، فهل يكون المال حلالًا للولد بالميراث أم لا؟
فأجاب: "أما القدْر الذي يعلم الولد أنه ربًّا: فيخرجه، إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن، وإلا تصدق به، والباقي لا يحرم عليه، لكن القدْر المشتبه يستحب له تركه إذا لم يجب صرفه في قضاء دين أو نفقة عيال، وإن كان الأب قبضه بالمعاملات الربوية التي يرخص فيها بعض الفقهاء، جاز للوارث الانتفاع به، وإن اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما، جعل ذلك نصفين" (١).
حق الرجل في راتب زوجته وما يجب على الزوج من النفقة:
أولًا: ذكر الله تعالى في كتابه أن القوامة إنما تكون للرجال، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: قوَّامون عليهن بإلزامهن بحقوق الله تعالى، من المحافظة على فرائضه، وكفهن عن المفاسد وإلزامهن بذلك، وقوَّامون عليهن أيضًا، بالإنفاق عليهن، والكسوة، والمسكن.
فالزوج هو المسؤول عن الإنفاق على أسرته، حتى ولو كانت الزوجة غنية، إلا في حالة العجز؛ فإذا عجز الرجل عن الإنفاق وكانت المرأة غنية لزمها أن تنفق عليه وعلى الأسرة؛ لأن الحقوق بينهما متبادلة، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
стр. 2355
لكن الأصل في هذه النازلة أنه لا يجب على الزوجة أن تُنفِق على بيتها ولا على زوجها وأولادها، وإن فَعَلَتْ فهي محُسِنة. فعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : "تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيَكُنَّ". قالت: فَرَجَعتُ إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزي عنّي وإلَّا صرفتها إلى غيركم. قالت: فقال لي عبد الله: بل ائتيه أنت.
قالت: فانطلقت، فإذا امرأة من الأنصار بِبَاب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها. قالت وكان رسول الله ﷺ قد أُلقِيَت عليه المهابة. قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله, فقال له رسول الله ﷺ : "من هما؟ "، فقال: امرأة من الأنصار وزينب "مَنْ هُمَا". فَقَالَ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَزينَبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَىُّ الزَّيَانِبِ". قَالَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَة" (١).
ثانيًا: لا يجب على الزوج ما زاد عن النفقة الواجبة، مثل: العلاج، وفواتير الهاتف، وقيمة المواصلات، ولو كان ذلك مِن أجل زيارة أهلها، والنفقة الواجبة تكون في المأكل والمشرَب والسُّكَنى والكسوة.
فقد سُئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكتَسَيْتَ -أَوِ اكتَسَبْتَ -وَلاَ تَضْرِبِ الوَجْهَ، وَلاَ تُقَبِّحْ، وَلاَ تَهْجُرْ إِلَّا في البَيْتِ" (٢).
стр. 2356
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: "وَلاَ تُقَبِّحْ" أَنْ تَقُولَ: قَبَّحَكِ اللهُ.
وقال ﷺ في خطبته يوم عرفة، فقال: "وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ" (١).
ثالثًا: إذا كان خروج المرأة للعمل كأن تكون موظفة وخروجها يكلِّف الزوج جهدًا ووقتًا وغيره، ففي هذه الحالة يمكن أن تساهم في نفقة البيت، كما هو الحال في كثير من البلاد، فإن الزوج يتزوج الزوجة الموظفة ليتعاونا جميعًا في تكوين بيت مسلم؛ وذلك لأن الرجل لا يستطيع وحده أن ينفق على الأسرة ولا الزوجة وحدها فهما يتفقان على ذلك. ومما جاء في قرارات (٢) مجلس مجمع الفقه الإِسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإِسلامي ما يلي:
رابعًا: مشاركة الزوجة في نفقات الأسرة:
١ - لا يجب على الزوجة شرعًا المشاركة في النفقات الواجبة على الزوج ابتداء، ولا يجوز إلزامها بذلك.
٢ - تطوع الزوجة بالمشاركة في نفقات الأسرة أمر مندوب إليه شرعًا؛ لما يترتب عليه من تحقيق معنى التعاون والتآزر والتآلف بين الزوجين.
٣ - يجوز أن يتم تفاهم الزوجين واتفاقهما الرضائي على مصير الراتب أو الأجر الذي تكسبه الزوجة.
٤ - إذا ترتب على خروج الزوجة للعمل نفقات إضافية تخصها فإنها تتحمل تلك النفقات.
стр. 2357
حقوق الأيتام على الأوصياء:
حينما كانت الشريعة الإِسلامية هي السائدة في المجتمعات الإِسلامية كانت حقوق الأوصياء من الأيتام وغيرهم محفوظة مصانة، وهذا ناتج عن وجود الوازع الديني عند الأوصياء أو لوجود الحكومات الرادعة للأوصياء الذين يجنون على حقوق الأيتام، ولكثرة المشاكل بخصوص هذا الأمر فلا بد من بيان بعض ما يلزم الأوصياء تجاه القصر والأيتام؛ فمن هذه الأمور:
أولًا: من مقتضيات الولاية على النفس: أن الولي أو الوصي مسؤول عن رعاية من هم تحت ولايته من تعليم، وتأديب، وتطبيب، وتزويج، وتعلم حرفة، أو صنعة ونحو ذلك.
ثانيًا: من مقتضيات الولاية على المال: الحفاظ على أموال القصّر والأيتام، وتنميتها بالطرق المشروعة، والحرص على استثمارها بنفسه، أو بأيد أمينة، والنفقة على القاصر تكون من ماله -إن كان له مال- وإلا فنفقته على من تجب عليه نفقته.
ولا تقف المسؤولية عند هذا الحد، ولكن الولي أو الوصي مسؤول عن تصرفات الصغير وما ينشأ عنها من أضرار تلحق بالآخرين، والمسؤولية تعني: التزام الولي أو الوصي بالتعويض عن ضرر يصيب الآخرين ضررًا ماليًّا واقعًا فعلًا، يمس المال أو النفس أو الأعضاء؛ بسبب فعل الذين تحت الولاية أو الوصاية.
هذا خلاصة ما جاء في قرار المجمع الفقهي بمكة المكرمة (١).
تفضيل الابن الذي يعمل في تجارة أبيه دون إخوته:
يحدث كثيرًا أن أحد الأبناء يعمل مع والده في تجارته أو مصنعه أو مزرعته
стр. 2358
أو غير ذلك، ويكون لهذا الابن دور واضح في تنمية أموال أبيه دون بقية إخوته، فهل يجوز لهذا الوالد أن يخص هذا الولد بشيء من المال في مقابل عمله معه؟
نقول: الوالد في هذه المسألة مخيّر بين واحد من ثلاثة أمور هذا في حال وقوع الحالة، ولكن الأولى هو الاتفاق على ما للابن من نسبة بحيث يكون شريكًا منذ البداية، ويكون ذلك مكتوبًا لئلا يقع الاختلاف:
الأول: أن يعامل الابن في هذه الحالة معاملة الأجنبي بدون محاباة، فيقدر لهذا الابن جهد أمثاله في عمل مشابه لعمل أبيه، فيقوم اثنان أو أكثر من أهل الخبرة والمعرفة بتقدير جهد المثل للابن عن اشتغاله مع أبيه، وبالتالي يكون الابن شريكًا لأبيه في المحل التجاري حسب النسبة التي يقدرها أهل الخبرة كالربع أو الثلث أو غير ذلك، وبناءً على ذلك إذا توفي الأب فإن حصة الأب من المحل التجاري تكون حقًّا للورثة، ويكون الابن الأكبر أحد الوارثين.
الثاني: أن يقدر أهل الخبرة والمعرفة للابن الذي عمل مع أبيه أجر المثل فيعامل مثل العامل الأجنبي، فيعطى الابن أجرًا مماثلًا لأجر عامل يقوم بمثل عمله، فيصرف له ذلك الأجر، وفي حال وفاة الأب كان الابن الذي عمل مع أبيه كغيره من الورثة.
الثالث: أن ينصف الأب ابنه الذي عمل معه بأن يخصه بعطية من المال تقابل عمل الابن معه بشرط أن تنفذ العطية حال حياة الأب ولا تكون مضافة لما بعد الموت، وهذا الأمر جائز شرعًا على القول الصحيح، وهو قول جماعة من أهل العلم وغير مخالف لمبدأ العدل في العطايا والهبات للأبناء، فقد قرر جماعة من الفقهاء جواز تخصيص أحد الأبناء بالهبة لسبب مشروع، قال ابن قدامة ﵀: "يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل ...
стр. 2359
فإن خص بعضهم لمعنىً يقتضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة أو زمانة أو عمى، أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم، أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله أو ينفقه فيها.
فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان لحاجة وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة، والعطية في معناه ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل أو التخصيص على كل حال؛ لكون النبي ﷺ لم يستفصل بشيرًا في عطيته، والأول أولى إن شاء الله؛ لحديث أبي بكر ﵁، ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها كما لو اختص بالقرابة ... " (١).
ومما جاء في فتاوى اللجنة الدائمة السعودية: "المشروع في عطية الأولاد هو التسوية بينهم في العطاء على السواء، ولا يجوز التفضيل إلا لمسوغ شرعي؛ لكون أحدهم مقعدًا أو صاحب عائلة كبيرة أو لاشتغاله بالعلم، أو صرف عطية عن بعض ولده لفسقه أو بدعته، أو لكونه يعصي الله فيما يأخذه ... " (٢).
فالقول بجواز تفضيل بعض الأولاد لمسوغ شرعي لا بأس به، ولا يخالف الأدلة الواردة في وجوب العدل بين الأولاد في العطية، أما حديث النعمان بن بشير وقول النبي ﷺ له: "اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا في أَوْلاَدِكُمْ" (٣). فهذا الحديث وغيره من الأحاديث الأخرى تحمل على التفضيل بين الأولاد لغير مسوغ شرعي، أما إذا وجد مسوغ شرعي فلا حرج.
стр. 2360
نوازل الخدم في البيوت
حكم عمل الخادمات في البيوت:
أولًا: يحتاج بعض الأُسر إلى وجود الخادمات للعمل في منازلهم فما حكم ذلك؟
حكم الخدم الذين يعملون في البيوت حكم الأجير الخاص الذي استُؤجر ليعمل عند المستأجِر فقط، كالموظف ليسوا أرقاء ولا إماء.
ثانيًا: ما يقع من ظلم من بعض أصحاب البيوت لبعض الخدم أمر لا يقره الإِسلام، بل ينهى عنه ويحذر منه، ولا يجوز أن يتخذ من ذلك وسيلة للطعن في الإِسلام أو تشويه صورته؛ لأن هذه أخطاء من بعض المسلمين وقد حرمها الإِسلام نفسه.
عن أَبي ذَرٍّ قَالَ: سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ! إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ؛ فَليُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَليُلبِسْهُ مِمَّا يَلبَسُ، وَلا تكلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ" (١).
فإذا كان هذا عدل الإِسلام مع العبيد الذين هم ملك للإنسان، فكيف يكون الحال مع الخدم الذين لا يملكهم، وإنما استأجرهم للعمل فقط؟!
ثالثًا: الخدم من النساء لا يجوز الخلوة بهن ولا النظر إليهن؛ لأنهن أجانب عن الرجال من أهل البيت، وكذلك الخدم من الرجال أجانب عن أهل البيت فلا يجوز للنساء الكشف عليهم ولا الخلوة بهم.
стр. 2361
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "السائق والخادم حكمهما حكم بقية الرجال يجب التحجب عنهما إذا كانا ليسا من المحارم، ولا يجوز السفور لهما ولا الخلوة بكل واحد منهما" (١). (٢).
ضوابط استقدام الأسرة المسلمة للخدم:
لقد راعت الشريعة الإِسلامية حاجة الناس وما فيه نفع لهم في العاجلة قبل الآجلة، لكنها وضعت لذلك ضوابط وشروطًا؛ صيانة للأسر والمجتمعات، وحفظًا منها على ما يصونها من أسباب الزيغ والانحراف.
وإن مما راعته الشريعة في هذا المجال استجلاب الخدم بالشروط والضوابط الشرعية، فإن انتفت تلك الشروط والضوابط فيكون ذلك محرمًا:
* الشرط الأول: أن يكون الخادم مسلمًا، وكذلك الخادمة.
* الشرط الثاني: مراعاة الخدم في الالتزام بأوامر الدين.
* الشرط الثالث: تجنب الخلوة المحرمة.
* الشرط الرابع: الالتزام بالحجاب الشرعي بالنسبة للخادمة أمام الزوج والأولاد البالغين.
* الشرط الخامس: عدم الاعتماد عليهم في تربية الأولاد.
* الشرط السادس: يحسن أن يستقدم محرمها سواء كان على كفالة الشخص أو على كفالة غيره.
стр. 2362
والخلاصة: أن استقدام الخادمة أو الخادم يجوز بالضوابط الشرعية المذكورة، مع الحرص والعناية وأداء ما أوجب الله لهم وتطبيق ما تم معهم من عقد، وعدم الإخلال بذلك حفاظًا للحقوق ومراعاة للواجبات.
стр. 2363
نوازل متفرقة في فقه الأسرة
نوازل وأحكام ابن الزنا:
أولًا: الولد من الزنا لا ينسب إلى الزاني بل ينسب إلى أمه، فإن أضيف إليه في بعض الأوراق رغمًا عنه كما في بعض البلدان الغربية وذلك من خلال الحمض النووي أو عن طريق البصمة الوراثية فلا إثم عليه في ذلك، لكن الواجب عليه أن يكتب في وثائق شخصية ويشهد عليها أن هذا الولد ليس ولدًا له حتى لا تحفظ له حقوق البنوة الشرعية، من وجوب النفقة والمسكن والإرث ونحو ذلك.
ثانيًا: الولد من الزنا ليس بينه وبين أبيه من الزنا نسب ولا توارث كما سبق، وإنما ينسب إلى أمه وعائلتها نسبة شرعية تثبت بها الأحكام من ثبوت المحرمية ويرث منها وترث منه وغير ذلك. قال الترمذيُّ: "والعمل على هذا عند أهل العلم أن ولد الزنا لا يرث من أبيه" (١). وقال صاحب تبيين الحقائق: "ويرث ولد الزنا واللعان بجهة الأم فقط؛ لأن نسبه من جهة الأب منقطع فلا يرث به" (٢)، وقال في مطالب أولي النهي: "وكذا الزاني وعصبته لا يرثون ولد الزنا" (٣).
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: "وأحاديث الباب تدل على أنه لا يرث ابن الملاعَنة من الملاعِن له ولا من قرابته شيئًا، وكذلك لا يرثون منه، وكذلك ولد الزنا، وهو مجمع على ذلك" (٤).
ثالثًا: لا مانع من أن يتفق الزاني على ولده من الزنا وله أن يكفله، لكن كما سبق
стр. 2364
لا يجب عليه تجاهه ما يجب على الأب تجاه ولده.
رابعًا: الولد من الزنى لا ينسب إلى الزاني ولو تزوج الزاني بالزانية، ولا يكون محرمًا لبنات الرجل الزاني من غير أمه، بل هو أجنبي عنهن فيلزمهن الاحتجاب منه، ومع كونه غير محرم لهن، إلا أنه لا يجوز له أن يتزوج بواحدة منهن.
خامسًا: إذا حصل جماع بين رجل وامرأة في حال الكفر، فإن كانوا يعتقدون أن هذا الجماع حصل عن عقد يرونه صحيحًا فالأولاد للرجل، كأن يكون قد تزوج حال كفره بامرأة واتفقا على أن يكون زوجًا لها مع عدم وجود الولي والشهود وغير ذلك من شروط النكاح فوافقت، وكانوا يرون هذا عقدًا صحيحًا على المعمول به في بلادهم، ثم أسلم الرجل والمرأة فهما على نكاحهما, ولا يحتاج إلى تجديد العقد، وما حصل بينهما من أولاد فهم لهما، إلا إذا كانت الزوجة في حال الإِسلام لا تحل للزوج، كأن يكون قد تزوج بأخته في حال الكفر ثم أسلم، وأسلمت هي الأخرى وجب التفريق بينهما؛ لأن المرأة لا تحل للرجل.
سادسًا: يحرم على الإنسان أن يتزوّج ببنته من الزّنا لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ لأنّها بنته حقيقةً ولغةً ومخلوقة من مائه، ولهذا حرّم ابن الزّنا على أمّه. قال شيخ الإِسلام: "مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزويج بها، وهو الصواب المقطوع به" (١) انتهى.
سابعًا: الحمل من سفاح ليس عذرًا لإباحة الإجهاض، بل فعل ذلك يؤدي إلى حصول إثمين:
الأول: الزنا: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ
стр. 2365
الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].
الثاني: القتل: فإسقاط الجنين هو من الوأد المنهي عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩].
وإذا أسقطت المرأة جنينها ميتًا فالواجب عليها في هذه الجناية غرة؛ والغرة عشر دية أمه، أي: خمس من الإبل، ويجب عليها أيضًا الكفارة مع الغرة؛ لأنها إنما تجب حقًّا لله تعالى لا لحق الآدمي، ولأنه نفس مضمونة بالدية، فوجبت فيه الكفارة.
أما لو سقط حيًّا فمات ففيه الدية كاملة والكفارة.
من أحكام التبني:
التبني: هو نسبة الابن إلى غير أبيه، بحيث يأخذ أحكام الابن من الصلب في المحرمية، والإرث والصلة، وغير ذلك من أحكام البنوة، كالخلوة، والمصافحة، والرؤية لمن لا يحل له.
ولقد كثر في هذه الأزمنة اللقيط؛ نظرًا لكثرة الوقوع فيما حرَّم الله من جريمة الزنا التي كثر بسببها وجود اللقيط مما جعل الأمر يتطلب وجود دور خاصة برعاية اللقيط.
لكن قد يجد بعض الناس لقيطًا ولا يذهب به إلى دور الرعاية الخاصة باللقيط ويقوم هذا الشخص برعاية شؤون هذا اللقيط وتربيته، وهذا أمر يرجى لصاحبه الخير والمثوبة من الله تعالى، ولكن لا بد من بيان بعض المحاذير الشرعية التي يجب أن ينتبه لها عند القيام بهذا العمل الطيب منها:
أولًا: يحرم على آخذ اللقيط أن يتبناه، أي: أن ينسبه لنفسه، فقد جاءت الشريعة بتحريم التبني كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ
стр. 2366
بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤، ٥]، فيحرم أن ينسب الشخص إلى نفسه طفلًا يعرف أنه ولد غيره، فينسبه إلى نفسه نسبة الابن الصحيح وُيثبت له أحكام البنوة من استحقاق إرْثه بعد موته، وحُرمة تزوُّجه بحليلته، وهذا شأنٌ كان يعرفه أهل الجاهلية، وكان سببًا من أسباب الإرْث التي كانوا يُورِّثون بها، فلمَّا جاء الإِسلام -وبيَّن الوارثين والوارثات بالعناوين التي قرَّرها سببًا في استحقاق الإرث- أسقطه من أسباب التوارث، وحصرها في البنوة والأُبوَّة والأمومة والزوجية والأخوة والأرحام على ترتيب بينهم كما في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦].
ثانيًا: يجوز بل يستحب أن يقوم شخص برعاية الطفل اللقيط من حيث الإعالة بالنفقة في المطعم والكسوة والتعليم وحسن التربية، حتى إذا بلغ السن التي يقوى فيها على إعانة نفسه إن كان ولدًا أو تزوجت البنت التي كانت تحت رعايته تركهما وشأنهما، مع استمرار الإحسان إليهما بشرط عدم نسبتهما إليه كما مر بنا في أي شهادة ميلاد رسمية، بل يختار لهما اسمًا آخر يناسبهما مثل عبد الله أو عبد الرحمن وسواها من الأسماء الصادقة في حقيقتها ومعناها والمقبولة عرفًا، مع مراعاة عدم الدمج الكامل في الأسرة لئلا تختلط الأنساب ويرث مالًا لا حق له فيه.
ثالثًا: عند بلوغ اللقيط، فإنه يفرق بينهم في المضاجع، وتحتجب المحارم كالزوجة والبنت الحقيقية عن الذكر منهما، والبنت منهما عن الذكر من أولاد القائم بشؤونهما؛ لأن الحرمة قائمة بين الجميع كالأجانب حيث هم كذلك في الواقع، إلا إذا كان قد تم لهما رضاع من الزوجة فيأخذون حكم الرضاع في الحرمة وجواز الدخول.
رابعًا: إن كانت الدولة لا تبيح كفالتهم إلا إذا نسب المتبني الولد إليه، وإن
стр. 2367
كان ترك هذا التبني يجعل النصارى واليهود يأخذون أبناء المسلمين ويتبنونهم، ما يترتب على ذلك أن ينشأ الأولاد على غير ملة الإِسلام، فإنه لا مانع من تسجيل هؤلاء الأبناء بأسماء من يتبنونهم من المسلمين على أن تكتب ورقة يوضح فيها أن هذا الولد ليس لمن ينسب له، ولا مانع من أن يكتب المتبني لمن تبناه وصية من ماله على ألا يتجاوز الثلث بدلًا من الميراث، وذلك عملًا بأخف الضررين؛ فإن نسبة الأولاد إلى غير أبيهم مع وجود ورقة توضح الحقيقة ترفق بشهادة الميلاد أو الورق الرسمي أخف ضررًا من أن يتبدل دين أبناء المسلمين.
خامسًا: يمكن لزوجة المتبني أن ترضعه، حتى يكون ابنها من الرضاع، وإن لم تكن تلد، فيمكن إدرار اللبن عبر بعض الوسائل الحديثة، بإشراف أطباء حتى لا يكون هناك ضرر عليها أو أن ترضعه أخته ليكون محرمًا لبناتها ويزول المحذور من دخوله عليهن.
سادسًا: على كافل هذا اليتيم أن يعلمه حينما يبلغ رشده بنسبه وكامل هويته وطبيعة العلاقة بينه وبين بيت كافله لتجنب المفاسد التي أشرنا إليها. وفي حال رغبة الكافل أن يساعد المكفول بعد بلوغه سن الرشد، فله أن يوصي له بوصية في حدود الثلث الذي له أن يتصرف فيه، وبذلك يعينه دون أن يأخذ من حق الورثة الآخرين شيئًا.
سابعًا: على جميع القادرين من المسلمين أن لا يتركوا أبناء الأمة نهبًا للفقر والتشرد وضياع الدين والهوية، وأن يكفل القادرون كل من يستطيعون كفالته، وبذلك تكون الأمة قد أدت واجبها تجاه أبنائها الذين تقطعت بهم السبل ونزلت عليهم نوائب الدهر. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
стр. 2368
حكم تصوير الفتيات خلسة بكاميرا الجوال وتداولها عبر التقنيات الحديثة:
من الظواهر التي انتشرت بين المجتمعات الإِسلامية: تصوير الفتيات خلسة بكاميرا الجوال واستخدامها في أغراض خبيثة، وهذا أمر محرم شرعًا؛ لأنه مشتمل على مفاسد عديدة منها:
أولًا: الإطلاع على العورات وكشفها، وهو أمر محرم شرعًا.
ثانيًا: إيذاء الناس وإلحاق الضرر بهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. ولا شك أن تصوير الفتيات وتداول صورهن فيه أذى وضررٌ كبير وتتبع لعوراتهم.
ثالثًا: أن نشر صور الفتيات وتداولها عبر التقنيات الحديثة -وخاصة المتبرجات منهن- فيه إشاعة للفاحشة بين المؤمنين، ولا شك في تحريم ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]. كما أن فيه فسادًا وإفسادًا حيث يقوم بعض الناس بعمل دبلجة للصور ونشرها في أوضاع مخلة بالآداب الشرعية، وهذا الأمر صار ميسورًا مع التقدم العلمي واستخدامه استخدامًا سيئًا.
رابعًا: إن نشر صور الفتيات وتداولها عبر التقنيات الحديثة يحرم أيضًا؛ لأنه يدخل في باب التجسس على الناس، وقد قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢].
خامسًا: إن نشر صور الفتيات وتداولها عبر التقنيات الحديثة يتسبب في وقوع كثير من المشكلات العائلية، وخاصة إذا كانت الفتاة التي نشرت صورتها متزوجة، فقد يتسبب ذلك في وقوع الطلاق وتشريد الأطفال.
стр. 2369
وخلاصة الأمر أن تصوير الفتيات ونشر صورهن وتداولها عبر التقنيات الحديثة أمر محرم شرعًا؛ لاشتماله على مفاسد عظيمة كما بينا ذلك، وعلى من يفعلون ذلك أن يتقوا الله في أعراضهم، وعلى المسلم أن يحسن التعامل مع الأجهزة الحديثة وألا يسيء استخدامها بل ينتفع بها الانتفاع الحسن.
أساليب التربية في الأسرة:
تعددت طرق وأساليب تربية الصغار ومنها الضرب، والمقصود به الضرب غير المبرح، فهو بشكل عام عقوبة يجوز استعمالها شرعًا، فقد شرع الضرب في الحدود وفي التعزير وشرع ضرب الزوج لزوجته في حال النشوز، وشرع ضرب الأولاد تأديبًا لهم على ترك الصلاة وغير ذلك من الحالات، ولكن ضرب الأولاد يحتاج إلى تفصيل وتوضيح.
ولا ينبغي للأب أن يضرب ولده لمجرد وقوع المخالفة منه، وإنما يلجأ إلى الضرب بعد أن يستنفذ أساليب التربية الأخرى، فالأصل في معاملة الأولاد اللين والرحمة والرفق بهم، ثم يتدرج من الأخف إلى الأشد إن لم ينفع الأخف كوسيلة للتربية، فعلى الأب أن يرشد ابنه إلى الخطأ بالتوجيه أو بالملاطفة أو بالإشارة كما في حديث وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ أنَهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنْتُ غُلاَمًا في حَجْرِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فَقَال لِي رَسُولُ الله ﷺ : "يَا غُلاَمُ، سَمِّ الله وَكُل بِيَمِينِكَ، وَكُل مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلكَ طِعْمَتِي بَعْدُ" (١).
ويجوز للأب أن يوبخ ابنه المخطئ بالكلام الهادئ أولًا، ويجوز أن يعنفه بشدة فإذا لم تفلح هذه الأساليب ولم تأت بالثمرة المرجوة منها فحينئذ يجوز استعمال
стр. 2370
الضرب كوسيلة من وسائل التربية وتقويم السلوك؛ فقد ورد في الحديث قول الرسول ﷺ : "مُرُوا أبناءَكم بالصَّلاة لسبع، واضربُوهم عليها لعشرٍ" (١).
والضرب: المقصود هو الضرب غير المبرح وغير المؤلم، وخاصة إذا كان الولد قد وقع في الخطأ للمرة الأولى، ولا يجوز الضرب على الوجه أو الرأس والمواضع الحساسة من الجسم حتى لا يلحق الضرر بالمضروب.
وينبغي للأب ألا يضرب وهو في حالة الغضب؛ لئلا يفقد السيطرة على نفسه فيضرب الولد ضربًا مبرحًا يلحق به الأذى.
التمثيل وأثره على الأسرة المسلمة:
أهل العلم في هذه النازلة منهم من لا يبيح التمثيل مطلقًا فلا يجوز عندهم بأي حال من الأحوال ومنهم من أجازه، ولكن وضع له بعض الضوابط وتساهل في بعضها، ومنهم من أجازه وفق ضوابط شرعية متى اختل منها شرط حرم، والذي نراه في هذه النازلة ما يلي:
١ - يجوز التمثيل بشروط وضوابط شرعية سيأتي بيانها، ومن قال بالتحريم، فقوله يتوجه إلى التمثيل المتحلل من كل القيود والضوابط الشرعية.
٢ - من أهم ضوابط جواز التمثيل بعد تجريده من سائر المحرمات الموجودة في التمثيل الهابط الموجود في الساحة، عرض الأعمال الدينية أو التاريخية وغيرها على لجان علمية شرعية متخصصة واعية للفكر الذي تحمله تلك الأعمال.
стр. 2371
٣ - كون التمثيل يأتي في مرحلة متأخرة بعد البيان بالكتاب والسنة وانتهاج منهج السلف الصالح في الدعوة إلى الله، وأنه متى تيسر دعوة الناس بهذه الأصول ففيها غنية عن سواها.
٤ - تحريم تمثيل الذات الإلهية، وأن هذا من الكفر البواح، كما يحرم تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما يحرم تمثيل الصحابة كلهم، وتحريم تمثيل سائر ما يتعلق بعالم الغيب من ملائكة أو شياطين أو ما يتعلق باليوم الآخر.
٥ - تحريم تمثيل القصص الأسطوري والخيالي، إلا ما كان نافعًا في أمر من أمور الدنيا، كالأعمال الهندسية أو الطبية، والتي لا يحيلها العقل أو العلم الحديث.
٦ - أنه لا يجوز بحال التلفظ بأي لفظ من ألفاظ الكفر، من سب لله تعالى أو لرسوله أو لكتابه أو لدينه أو اللمز بشيء من شرائع الإِسلام، وأن هذا موجب لردة قائله، مهما كانت المصالح المنشودة من وراء تلك الأعمال، حيث كانت مفسدة التلفظ بالكفر أعظم من تلك المصلحة، وقد جاءت الشريعة بجلب المصالح ودفع المفاسد.
٧ - أن الممثل الكافر لا يكون مسلمًا بمجرد النطق بالشهادتين، دون تصديقهما أو العمل بمقتضاهما، من الالتزام بسائر أحكام الإِسلام الأخرى، من صلاة وزكاة وصيام وحج، مع الإقرار التام والإذعان لشرع الله.
٨ - أنه لا يجوز إقرار الممثل الكافر على قول أو فعل الكفر، أو إظهار أي شعيرة من شعائر دينه الباطلة.
٩ - أن بيع الممثل وسائر ما يجريه من عقود مالية من بيع أو شراء أو إقرار ونحو ذلك أثناء العمل التمثيلي لا يلزمه شيء منها على الراجح من أقوال أهل العلم، بخلاف نكاحه وطلاقه فإن هزله بها واقع على ما عليه الأكثرون.
стр. 2372
١٠ - تحريم وقوع عقد النكاح أو الطلاق أثناء العمل التمثيلي، لما لهذه العقود من خطر واحترام في الشرع.
١١ - تحريم نسبة الممثل إلى غير أبيه ابتداء لتحريم التبني، أما إذا كان قد اشتهر بهذه النسبة، ولم يذكر إلا على وجه التعريف، ولم ينسلخ من أبيه كما جاء في الصور المحرمة شرعًا، أو كان ذلك في العمل التمثيلي وينتهي بمجرد إنهاء العمل فلا بأس بذلك.
١٢ - أن يمين الممثل يمين منعقدة على الصحيح، وذلك أنه قصد اللفظ، وهو السبب الذي جعله الشارع موجبًا، فإما أن يبر بيمينه أو يخالف ويُكَفِّر، فالأسلم بالنسبة للممثل في حال قسمه بالله، إما أن يقسم على شيء يمكنه فعله ويفعله؛ ليكون قد التزم بيمينه، أو يترك الحلف مطلقا؛ إذ لا حاجة إليه.
١٣ - أنه لا يجوز الحلف بغير الله، أو بملة غير الإِسلام، أو باللات والعزى، أو هو يهودي أو نصراني ونحو ذلك من صور الحلف المحرم، أو الحلف الكاذب، وإذا وقع شيء من ذلك أثناء التمثيل كان حرامًا، وهو مما لا يجوز أن يدخله الهزل.
١٤ - لا يجوز تقليد الحيوانات في أي شيء من خصائصها، سواء في أصواتها أو حركاتها، إلا ما وقع على وجه المداعبة للصغار لإدخال السرور عليهم، فإذا ما فعله الممثل على هذا الوجه المذكور كان جائزًا، وهو عام يشمل ما إذا كان في أصواتها أو هيئتها.
١٥ - لا يجوز للممثل السجود لغير الله، وقد جاءت الشريعة بتحريم التشبه بالكفار في كل ما هو من خصائصهم، ولا شك أن السجود لغير الله من أعظم خصائصهم.
стр. 2373
١٦ - يحرم على الممثل التزيي بزي الكفار بناء على الأصل من تحريم التشبه بهم، إلا ما زال عن كونه شعارًا للكفار؛ فإنه يجوز فعله ما لم يكن محرمًا لعينه.
١٧ - إذا كان هناك مصلحة في التزيي ببعض أزياء الكفار، كبيان صورة انهزام العدو، وفراره وهروبه من صف المعركة وانخذاله، والصورة لا تكون كاملة إلا بأن يظهر هؤلاء الكفاركما لو كانوا حقيقة، فقد تسوغ هذه المصلحة هذا الفعل.
١٨ - يحرم التشبه بالفساق، وقد جاءت نصوص الشريعة بذلك، والممثل في تشبهه بالفساق له أحوال:
* الأولى: إما أن يكون على وجه الدعوة إلى هذا الفسوق، فهذا حرام.
* الثانية: ألا يكون على وجه الدعوة، لكن يعرض العمل ويقر هذا النوع من الفسوق فيه، وهو حرام أيضًا.
* الثالثة: أن يكون للتنفير منه وبيان عاقبته وسوئها، فهذا جائز بشروط وضوابط، أهمها ألا تكون الجريمة مشتهرة معروفة عند الناس، فالأولى حينئد عدم تناولها بالعرض.
١٩ - لا يجوز الاستعانة بغير المسلم في الوظائف الخطيرة، كالإخراج والتأليف وكتابة الحوار والإنتاج، أما إذا كانت الأعمال التي يستعان بهم عليها من الأعمال التي لا تؤثر، ولا يكونون فيها إلا مجرد عناصر غير فاعلة، كالمصور، ومصمم اللوحات، ومسجل الصوت، فالأقرب جواز الاستعانة بهم في نحو ذلك.
٢٠ - أنه لا يجوز للمرأة مطلقًا المشاركة في الأعمال التمثيلية، سواء كانت من القواعد أم من الشابات، وسواء كانت بحجاب أم لا، وسواء في ذلك المرئية أم الإذاعية سدًا للذريعة، سوى ما قد يكون بينها وبين النساء خاصة في المجامع النسائية كالمدارس النسائية، ونحوها.
стр. 2374
٢١ - أنه يجوز للمرأة مشاهدة الأعمال التمثيلية الهادفة التي تقدم عبر شاشات التلفاز أو المسرح، إلا أن هذا مشروط بعدم الفتنة أو قصد التلذذ بالنظر إليهم، فإذا وجد ذلك كان محرمًا عليهن، كما يجوز لهن مشاهدة البرامج الدينية أو العلمية النافعة.
٢٢ - أنه لا بأس في أخذ الممثل أجرًا على عمله التمثيلي المباح، الملتزم بشروط الجواز فيه، إذ هذا ما تقتضيه قواعد الشرع.
٢٣ - أن الممثل إذا تاب من التمثيل المحرم، فإن كانت توبته بمجرد علمه بالحكم، وكان جاهلًا بالتحريم قبل البيان، فإن أمواله حلال له، وأما إذا كان الممثل عالمًا بالتحريم ابتداءً، أو كان جاهلًا به ثم علم وأصر ولم يتب، ثم تاب بعد ذلك، وقد جمع مالًا، فهو مال محرم ينبغي التخلص منه.
٢٤ - الممثل إذا أراد أن يتخلص من أمواله التي جمعها من أعمال تمثيلية محرمة لا يردها على الذي أخذها منه، من منتج أو موزع أو شركة إسطوانات ونحوه، بل يجب التخلص منها، وذلك بإنفاقها في وجوه الخير.
تمثيل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ومشاهدة الأسرة المسلمة لذلك:
من أعظم الجرأة على الله في هذه الأزمنة ما نراه من الجرأة على أنبيائه وذلك بتكذيبهم، والافتراء عليهم، أو رسمهم في الصحف على وجه السخرية منهم وتنقيصهم، وهذا بلا شك من الكفر البواح.
ولقد تعددت وسائل وطرق الاستهزاء بالأنبياء والمرسلين عبر أجهزة الإعلام المقروءة والمرئية على حد سواء، وأقرب دليل على ذلك ما يعرض عبر الشاشات من مسلسل يوسف ﵊، حيث تعرض من خلاله قصة يوسف؛ بطريقة فاضحة كاذبة فيها من الافتراء على الله وعلى نبيه يوسف ما الله به عليم.
стр. 2375
وإن مما يؤسف له أن ترى كثيرًا من المسلمين شيبًا وشبابًا يتهافتون لرؤية مثل هذه المسلسلات التي يتقمص فيها الممثل دور نبي من الأنبياء مع أن الواجب على المسلمين عمومًا أن ينكروا مثل هذه الأعمال وأن يقاطعوها.
ولقد صدرت مجموعة من الفتاوى بخصوص هذه النازلة وضحت فيها حرمة هذه الأعمال، وأنه لا يجوز تمثيل الأنبياء ولا الصحابة رضوان الله عليهم وذلك لرفعة منزلتهم، وأن الممثلين ليسوا أهلًا للقيام بأدوارهم، لما يعرف عن أشخاصهم وسلوكهم، فهم بذلك يسيئون إلى الأنبياء والرسل والصحابة.
ومن أول من وضح حكم هذه المسلسلات علماء الأزهر، ومما جاء في فتواهم: "من أجل ذلك يجب أن ينقى هذا المسلسل وغيره من المناظر المصورة التي يمثل الأنبياء فيها بأشخاص ظاهرين، أو يمثل فيها أصولهم كالأم أو زوجاتهم وأولادهم، بل إن هذا الحظر يمتد إلى الأصحاب الذين عاصروا الرسالة وأسهموا في إبلاغها؛ لأن القدوة من بعد النبي في هؤلاء الأصحاب، ومن ثم كان لزامًا صونهم عن التمثيل والتشخيص، ويكفي أن نسمع أقوالهم مرددة من خلال الأصوات التالية لها" (١).
ومن الفتاوى أيضًا بخصوص هذه النازلة ما جاء في فتوى اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية حيث أفتت بحرمة مثل هذه المسلسلات وذلك: "لأن المعهود فيها طابع اللهو وزخرفة القول والتصنع في الحركات ونحو ذلك مما يلفت النظر، ويستميل نفوس الحاضرين، ويستولي على مشاعرهم، ولأن الذين يشتغلون بالتمثيل يغلب عليهم عدم تحري الصدق وعدم التحلي بالأخلاق الإِسلامية الفاضلة، وفيهم جرأة على المجازفة وعدم مبالاة بالانزلاق إلى ما لا يليق ما دام في
стр. 2376
ذلك تحقيق لغرضه من استهواء الناس وكسب للمادة ومظهر نجاح في نظر السواد الأعظم من المتفرجين، ولأن الذي يمثل الكافرين سيقوم مقامهم ويتكلم بألسنتهم فينطق بكلمات الكفر ويوجه السباب والشتائم للأنبياء ويرميهم بالكذب والسحر والجنون .. الخ" (١).
حكم قراءة القصص الجنسية بين الزوجين:
لا يزال الناس بخير ما ربوا أنفسهم على الحياء والعفة والطهر. وإن مما يؤسف له أن نرى أخلاق بعض المسلمين تتأثر بوسائل الانحراف المقروءة والمسموعة، فبدلًا من أن يربوا أنفسهم على معاني الأخلاق الجميلة، ربوا أنفسهم على الرذائل وما لا يفيدهم في العاجل والآجل، ومن ذلك قراءة القصص الجنسية.
والذي ننصح به أوُلئك -والزوجين خصوصًا- أن يبتعدوا عن قراءة مثل هذه القصص التي تورث فيهم الدياثة وتفقدهم الحياء؛ وذلك لأن في قراءة هذه القصص مفاسد كثيرة منها:
١ - الحصول على هذه القصص سيكون إما بشرائها أو استعارتها، وذلك لا يجوز لما فيه من ضياع المال فيما لا فائدة فيه، ولما في إعارتها من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
٢ - أن هذه القصص إنما يكتبها أهل الفسق والمجنون، وكثير منها يكتبها الكفار، وهم لا يرعون دينًا ولا أدبًا ولا خلقًا فيما يكتبون، وقراءة ذلك وسيلة لنقل انحلالهم وعاداتهم السيئة بين الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
٣ - ما في هذه القصص من الكذب والمبالغات وتخييل الأحداث مما يؤثر على
стр. 2377
نفس القارئ بالسلب والإثم والحرج وضعف رضا كل من الطرفين بشريكه.
٤ - لا يؤمن من وقوع هذه القصص في أيدي الأبناء فتفسد أخلاقهم وتجرهم إلى الرذيلة أو يسيئون ظنهم بوالديهم، وقد لا يشعر الأبوان بذلك فيتحملون وزر أبنائهم ولا ينفع الندم حينئذٍ.
لهذه المفاسد وغيرها لا يجوز قراءة هذه القصص أبدًا، وفي الحلال غنية وفي ما فتح الله من أبواب المباح ما يكفي للمتعة التي يرضى عنها الله، وتحفظ الفرد والمجتمع من انتشار الفساد والرذيلة.
الصور على الفرش والبطانيات:
إن مما ابتلي به المسلمون في بيوتهم هذه الصور التي في الثياب والفُرُش والبطانيات، وكذا الكتب والمجلات وغيرها، التي يكون فيها رسمًا لحيوانات، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَدْخُلُ المَلاَئكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ"، وهذا الحديث عام وإذا أخذنا بعمومه فإنه يشمل كل شيء فيه صورة؛ ولكن جمهور أهل العلم يقولون: إن الصورة التي تُمْتَهَن -وهي التي في الفرش- لا بأس بها، ويجوز أن يستعملها الإنسان؛ ولكن مع ذلك نقول: إن الأولى للإنسان أن يدعها حتى في الأشياء التي تُمْتَهَن؛ لحديث عائشة ﵂ حينما رأى نمرقة -يعني: وسادة- فيها صورة، فوقف، وعُرِفَت الكراهية في وجهه، فقالت عائشة ﵂: "إني أتوب إلى الله ورسوله، ماذا صنعتُ يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : "إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ فَيُقَالُ لهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ، وَقَالَ: إِنَّ البيتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لاَ تَدْخُلُهُ المَلاَئِكَةُ"، ثم أمرها ﷺ أن تشقها نصفين، فهذا يدل على أنه حتى وإن كانت في الأشياء التي تُمْتَهَن فإنَّ تجنبها أولى، فتجنب هذه الصور أولى بكل حال؛ حتى في الفرش والمَخاد والمساند (١).
стр. 2378
الفِقهُ الميَسَّر
النَّوازلُ الطِّبيَّة المعَاصرَة
مَوسُوعة فقهيَّة حَديثَة تتناوَل أحكام الفقه الإسلامي بأسُلوب وَاضح للمختصّين وغيرهم
تَأليف
أ. د/عَبد الله بن محمد الطيّار
أستَاذ الدراسات العليا بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلامية بجامعة القصيم
أ. د/عبد الله بن محمّد المطلق
عضو هَيئة كبار العُلَماء، وعضو اللجنة الدَّائمة للإفتاء
د/محمَّد بن إبراهيم الموسَى
عضو مجلس الشورى سابقًا - المجلس الأعلى للأوقاف
الجزء الثَّاني عشر
مدار الوطن للنشر
стр. 2379
حقُوق الطَّبع محفُوظَة
الطَّبعَة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
مَدَارُ الوَطن للنَّشر
المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز
ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١
البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com
موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com
الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦
الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨
التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤
التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧
مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فمازال الطب الحديث يأتي إلينا بكل جديد، وبعد أن كان الناس في قديم الزمان لا يستطيع الواحد منهم أن يتعرف على نوعية مرضه ليقوم بعلاجه، فقد أصبح في هذه الأزمنة -مع تطور الطب الحديث- يستطيع أن يتعرف على ما يؤلمه من خلال الأجهزة الحديثة التي يتمكن من خلالها أن يرصد ما يحصل داخل جسمه، ثم يقوم بعلاجه، ويزداد الأمر تطورًا ويتقدم الطب في عمليات تخص الأسرة، فهذه عمليات الإنجاب تكثر طرقها ووسائلها، وهذه طريقة إنجاب من خلال الأنابيب، وطريقة أخرى من خلال زرع البويضات في رحم الزوجة، وأخرى عن طريق استئجار الرحم، وغير ذلك من طرق الإنجاب، وغيرها من الأمور المستجدة.
بل قد يحصل للإنسان أمور تفرض عليه فرضًا, ولا يستطيع أن يهرب منها كما نراه في التشخيص المبكر قبل الزواج أو أخذ جرعات مضادة لبعض الأمراض المعدية ومدى الإلزام بذلك.
ويحتاج الإنسان في ظل هذا التقدم الهائل إلى وقفة شرعية لمثل هذه الأمور كلها التي تحتاج إلى حكم شرعي، وحرصًا منا على بيان بعض الأحكام المتعلقة بهذه النوازل جمعنا جملة من النوازل الطبية، وبينا الحكم الشرعي فيها استكمالًا لما قد تم إنجازه من النوازل في العبادات والمعاملات وفقه الأسرة والقضاء وغيرها.
стр. 2382
وقد حرصنا فيه كسابقه على ذكر آراء المجامع الفقهية ولجان الفتوى، ومتى ظهر لنا الترجيح في تلك المسائل أيدناه، وقد يكون لغيرنا رأي يخالفه ولا حرج في ذلك، فكل ينتهي إلى ما يراه لا سيما في هذه القضايا المستجدة التي يحتاج الحكم عليها إلى النظر لها من زوايا مختلفة.
ولنا رجاء من كل من يطلع على هذه الموسوعة أن يوافينا بما يراه من مسائل إضافية أو ملحوظات أو اقتراحات؛ فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه. نسأل الله أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد.
المؤلفون
стр. 2383
أولًا: حكم التداوي
قبل الشروع ببيان بعض الأحكام المتعلقة بالنوازل الطبية المعاصرة نذكر بعض الأمور المتعلقة بهذه النوازل.
اختلف الفقهاء في حكم التداوي:
فذهب جمهور أهل العلم من الحنفيَّة (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى عدم وجوب التداوي.
قال شيخ الإِسلام ﵀: "ليس بواجب عند جماهير الأئمة، إنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمدُ" (٥).
وذهب بعض الفقهاء إلى وجوبه إذا خشي الإنسان على نفسه التلف بتركه.
قال في تحفة المحتاج: "ونقل عياض الإجماع على عدم وجوبه، واعتُرض بأن لنا وجهًا بوجوبه إذا كان به جرح يخاف مثله التلف" (٦) انتهى.
وفي حاشيته: "عن البغوي أنه إذا علم الشفاء في المداواة وجبت" (٧) انتهى.
وفي حاشية قليوبي وعميرة: "وقال الإسنوي: يحرم تركه في نحو جرح يظن فيه التلف" (٨). انتهى.
стр. 2384
وذهب مجمع الفقه الإِسلامي (١) التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي إلى القول بوجوب التداوي إذا كان تركه يفضي إلى تلف النفس أو أحد الأعضاء أو العجز، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المعدية.
والذي يظهر لنا أن التداوي على أقسام:
الأول: إذا غلب على الظن نفع الدواء مع احتمال الهلاك بتركه فالتداوي واجب، فيدخل في ذلك إيقاف النزيف، وخياطة الجروح، وبتر العضو التالف المؤدي إلى تلف بقية البدن، ونحو ذلك مما يجزم الأطباء بنفعه وضرورته، وأن تركه يؤدي إلى التلف أو الهلاك.
الثاني: إذا غلب على الظن نفع الدواء، ولكن ليس هناك احتمال للهلاك بترك الدواء، فالتداوي أفضل.
وأما حديث ابن عباس ﵄ في الذين يدخلون الجنة بغير حساب (٢)، وفعل بعض الصحابة حيث تركوا العلاج، ومنهم أبو بكر، وأبو الدرداء ﵃.
فقيل: الحديث محمولٌ على من اعتقد أن الأدوية تنفع بطبعها أو على الرقى التي لا يعقل معناها لاحتمال أن يكون كفرًا, ولكن ذلك مردود بأن هذا لا يختص بالسبعين ألفًا الوارد ذكرهم في الحديث.
وقيل: محمولٌ على من فعله في الصحة خشية وقوع الداء.
وقيل: محمولٌ على من تركه رضًا بقدر الله واعتمادًا عليه لا أنه ليس بجائز.
стр. 2385
ثانيًا: مسؤولية الطبيب
أ- الطبيب مسؤولٌ أخلاقيًّا ودينيًّا، ومسؤولٌ مسؤوليةً جنائية لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ" (١).
ومن القياس: يضمن الطبيب الجاهل والمتعدي ما أتلفت يداه كما يضمن الجاني سراية جنايته بجامع كون كلٍّ منهما فعل محرمًا.
ب- على من تكون المسؤولية إذا تعدى الطبيب؟
تكون المسؤولية على أربعة نفر هم:
١ - السائل وهو من يملك حق مساءلة الطبيب ومساعديه كالقاضي ونحوه.
٢ - المسؤول وهو من يوجه إليه السؤال ويكلف الجواب عن مضمونه سواء كان فردًا كالطبيب أو جهةً كالمستشفى.
٣ - المسؤول عنه، وهو: الضرر وسببه الناشئان عن فعل الطبيب ومساعديه، أو عنهما معًا.
٤ - صيغة السؤال، وهي: العبارة المتضمنة للسؤال الوارد من السائل إلى المسؤول.
ج- موجبات المسؤولية المهنية أربعة أمور وهي:
١ - عدم اتباع الأصول العلمية وهي: الأصول الثابتة والقواعد المتعارف عليها نظريًّا وعمليًّا بين الأطباء والتي يجب أن يُلم بها كل طبيب وقت قيامه بالعمل