← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فمازال الطب الحديث يأتي إلينا بكل جديد، وبعد أن كان الناس في قديم الزمان لا يستطيع الواحد منهم أن يتعرف على نوعية مرضه ليقوم بعلاجه، فقد أصبح في هذه الأزمنة -مع تطور الطب الحديث- يستطيع أن يتعرف على ما يؤلمه من خلال الأجهزة الحديثة التي يتمكن من خلالها أن يرصد ما يحصل داخل جسمه، ثم يقوم بعلاجه، ويزداد الأمر تطورًا ويتقدم الطب في عمليات تخص الأسرة، فهذه عمليات الإنجاب تكثر طرقها ووسائلها، وهذه طريقة إنجاب من خلال الأنابيب، وطريقة أخرى من خلال زرع البويضات في رحم الزوجة، وأخرى عن طريق استئجار الرحم، وغير ذلك من طرق الإنجاب، وغيرها من الأمور المستجدة. بل قد يحصل للإنسان أمور تفرض عليه فرضًا, ولا يستطيع أن يهرب منها كما نراه في التشخيص المبكر قبل الزواج أو أخذ جرعات مضادة لبعض الأمراض المعدية ومدى الإلزام بذلك. ويحتاج الإنسان في ظل هذا التقدم الهائل إلى وقفة شرعية لمثل هذه الأمور كلها التي تحتاج إلى حكم شرعي، وحرصًا منا على بيان بعض الأحكام المتعلقة بهذه النوازل جمعنا جملة من النوازل الطبية، وبينا الحكم الشرعي فيها استكمالًا لما قد تم إنجازه من النوازل في العبادات والمعاملات وفقه الأسرة والقضاء وغيرها.

стр. 2382

وقد حرصنا فيه كسابقه على ذكر آراء المجامع الفقهية ولجان الفتوى، ومتى ظهر لنا الترجيح في تلك المسائل أيدناه، وقد يكون لغيرنا رأي يخالفه ولا حرج في ذلك، فكل ينتهي إلى ما يراه لا سيما في هذه القضايا المستجدة التي يحتاج الحكم عليها إلى النظر لها من زوايا مختلفة. ولنا رجاء من كل من يطلع على هذه الموسوعة أن يوافينا بما يراه من مسائل إضافية أو ملحوظات أو اقتراحات؛ فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه. نسأل الله أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد. المؤلفون

стр. 2383

أولًا: حكم التداوي قبل الشروع ببيان بعض الأحكام المتعلقة بالنوازل الطبية المعاصرة نذكر بعض الأمور المتعلقة بهذه النوازل. اختلف الفقهاء في حكم التداوي: فذهب جمهور أهل العلم من الحنفيَّة (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى عدم وجوب التداوي. قال شيخ الإِسلام ﵀: "ليس بواجب عند جماهير الأئمة، إنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمدُ" (٥). وذهب بعض الفقهاء إلى وجوبه إذا خشي الإنسان على نفسه التلف بتركه. قال في تحفة المحتاج: "ونقل عياض الإجماع على عدم وجوبه، واعتُرض بأن لنا وجهًا بوجوبه إذا كان به جرح يخاف مثله التلف" (٦) انتهى. وفي حاشيته: "عن البغوي أنه إذا علم الشفاء في المداواة وجبت" (٧) انتهى. وفي حاشية قليوبي وعميرة: "وقال الإسنوي: يحرم تركه في نحو جرح يظن فيه التلف" (٨). انتهى.

стр. 2384

وذهب مجمع الفقه الإِسلامي (١) التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي إلى القول بوجوب التداوي إذا كان تركه يفضي إلى تلف النفس أو أحد الأعضاء أو العجز، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المعدية. والذي يظهر لنا أن التداوي على أقسام: الأول: إذا غلب على الظن نفع الدواء مع احتمال الهلاك بتركه فالتداوي واجب، فيدخل في ذلك إيقاف النزيف، وخياطة الجروح، وبتر العضو التالف المؤدي إلى تلف بقية البدن، ونحو ذلك مما يجزم الأطباء بنفعه وضرورته، وأن تركه يؤدي إلى التلف أو الهلاك. الثاني: إذا غلب على الظن نفع الدواء، ولكن ليس هناك احتمال للهلاك بترك الدواء، فالتداوي أفضل. وأما حديث ابن عباس ﵄ في الذين يدخلون الجنة بغير حساب (٢)، وفعل بعض الصحابة حيث تركوا العلاج، ومنهم أبو بكر، وأبو الدرداء ﵃. فقيل: الحديث محمولٌ على من اعتقد أن الأدوية تنفع بطبعها أو على الرقى التي لا يعقل معناها لاحتمال أن يكون كفرًا, ولكن ذلك مردود بأن هذا لا يختص بالسبعين ألفًا الوارد ذكرهم في الحديث. وقيل: محمولٌ على من فعله في الصحة خشية وقوع الداء. وقيل: محمولٌ على من تركه رضًا بقدر الله واعتمادًا عليه لا أنه ليس بجائز.

стр. 2385

ثانيًا: مسؤولية الطبيب أ- الطبيب مسؤولٌ أخلاقيًّا ودينيًّا، ومسؤولٌ مسؤوليةً جنائية لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ" (١). ومن القياس: يضمن الطبيب الجاهل والمتعدي ما أتلفت يداه كما يضمن الجاني سراية جنايته بجامع كون كلٍّ منهما فعل محرمًا. ب- على من تكون المسؤولية إذا تعدى الطبيب؟ تكون المسؤولية على أربعة نفر هم: ١ - السائل وهو من يملك حق مساءلة الطبيب ومساعديه كالقاضي ونحوه. ٢ - المسؤول وهو من يوجه إليه السؤال ويكلف الجواب عن مضمونه سواء كان فردًا كالطبيب أو جهةً كالمستشفى. ٣ - المسؤول عنه، وهو: الضرر وسببه الناشئان عن فعل الطبيب ومساعديه، أو عنهما معًا. ٤ - صيغة السؤال، وهي: العبارة المتضمنة للسؤال الوارد من السائل إلى المسؤول. ج- موجبات المسؤولية المهنية أربعة أمور وهي: ١ - عدم اتباع الأصول العلمية وهي: الأصول الثابتة والقواعد المتعارف عليها نظريًّا وعمليًّا بين الأطباء والتي يجب أن يُلم بها كل طبيب وقت قيامه بالعمل

стр. 2386

الطبي سواء كانت هذه العلوم ثابتة أو مستجدة، ويشترط في المستجدة أن تكون صادرة من جهةٍ معتبرة كالمدارس الطبية المتخصصة بالأبحاث والدراسات الطبية، وأن يشهد أهل الخبرة بكفاءتها وصلاحيتها للتطبيق. وأما إجراء التسجيل العلمي للطريقة العلاجية قبل استخدامها على الإنسان فلا يشترط إلا إذا اعتذرت الجهات الطبية عن تسجيلها لخللٍ فنيٍّ يوجب ردها. ٢ - الخطأ: وعرفه بعضهم بأنه ما ليس للإنسان فيه قصد. وهذا النوع لا إثم فيه إلا أنه من موجبات المسؤولية. ٣ - الجهل: سواءٌ كان كليًّا أو جزئيًّا. ٤ - الاعتداء: وهو أن يقدم على فعل ما يوجب الضرر بالمريض قصدًا. وهذا النوع هو أشدها ويصعب إثباته بغير الإقرار، إلا أنه يمكن الاهتداء إليه بالقرائن القوية كوقوع العداوة أو سبق التهديد من الطبيب المتهم للمريض (١).

стр. 2387

النازلة الأولى: مدى مشروعية الإذن في إجراء العمليات الطبية إذا أراد الطبيب علاج المريض، فهل يشترط إذن هذا المريض؟ نقول: إن الشريعة الإِسلامية تهتم بإرادة الإنسان ورضاه في كل ما يخصه إلَّا ما استثنى من ذلك بدليل خاص، ولذلك يعتبر الطبيب ملزمًا بأخذ الإذن من المريض لأجل العلاج، أو الجراحة، أو الاختبار إذا كان عاقلًا، وبإذن وليّ أمره إذا كان قاصرًا، أو مغمى عليه، سواء كان الإذن مطلقًا أو مقيدًا وأن يكون الإذن معبرًا عنه بإحدى وسائل التعبير من النطق، أو الكتابة، أو الإشارة الواضحة، وإلاّ فيكون الطبيب آثمًا؛ لأنه تصرف فيما يخص غيره دون رضاه، إذ ليس له الحق في التصرف ببدنه إلَّا بإذنه، فيكون ضامنًا لو نتج عنه أي ضرر مهما بذل من جهد، ومهما كانت نيته طيبة، ومهما كان حاذقًا متخصصًا. ولا يستثنى من ذلك إلَّا بعض حالات تقتضيها الضرورات منها: ١ - إذا كان المرض من الأمراض المتعدية التي يتعدى ضررها إلى الآخرين كالأمراض المعدية السارية، والأمراض الجنسية المعدية فإنه لا يعتبر إذن المريض بل يداوى وإن لم يأذن إذا كان مكلفًا، أو يأذن وليّه إذا كان غير مكلف؛ لأن آثار مرضه تتجاوز إلى المجتمع، فحينئذٍ يحل الإذن الحكومي المتمثل في قرارات الجهة المتخصصة (كوزارة الصحة) محل إذنه، حيث تحدد الجهة المختصة بترتيب مستشفيات أو أقسام خاصة بتلك الأمراض، وتوجب التبليغ عنها، ومداواتها ومتابعتها. ٢ - الحالات النفسية أو العصبية الخطيرة التي قد يضر صاحبها بنفسه أو بغيره. ٣ - إذا تعذر استئذان المريض أو تعذر استئذان وليّه، وفي تأخير المداواة ضرر على المريض، فلا يشترط الإذن في هذه الحالة، كحالات الطوارئ، والحوادث التي

стр. 2388

تستدعي تدخلًا طبيًّا بصفة فورية لإنقاذ حياة المصاب، أو إنقاذ عضو من أعضائه وتعذر الحصول على موافقة المريض أو من يمثله في الوقت المناسب، حيث يجب في هذه الحالات إجراء العمل الطبي دون انتظار الحصول على موافقة المريض أو من يمثله، وكذلك إذا كان ولي غير المكلف بعيدًا، وانتظار إذنه يسبب ضررًا على هذا المصاب فإنه يعالج ويسقط الإذن في هذه الحال. وقد قرر ذلك مجلس مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي حيث قال بشأن هذه النازلة ما يلي: ثالثًا: إذن المريض: أ- يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان تام الأهلية، فإذا كان عديم الأهلية أو ناقصها اعتبر إذن وليّه، حسب ترتيب الولاية الشرعية ووفقًا لأحكامها التي تحصر تصرف الولي فيما فيه منفعة المولى عليه ومصلحته ورفع الأذى عنه. على أنه لا عبرة بتصرف الولي في عدم الإذن إذا كان واضح الضرر بالمولى عليه، وينتقل الحق إلى غيره من الأولياء ثم إلى ولي الأمر (١).

стр. 2389

النازلة الثانية: في حكم تضمين الطبيب الطب: ذلك العمل الإنساني الخطير قد ينتحله بعض من لا يحسنه، وقد يقوم به من لا خلاق له من دين أو خلق، ومن أجل ذلك بين الفقه الإِسلامي الأحكام الصارمة الرادعة لمن يزاوله ولا يتقنه، ومن لا يرعى فيه الحقوق الإنسانية حق رعايتها. ومن ذلك هذه النازلة التي تكلم عليها العلماء في الزمن السابق، وكذلك تكلم عليها العلماء في الوقت الحاضر، وعقد لها شيء من المؤتمرات والندوات، وكثر فيها الكتابات؛ لأن الطب الآن بسبب كثرة الناس وترقي الاكتشافات الطبية أصبح الناس يحتاجون إليه كثيرًا، وأصبح يرد على عيادة الطبيب كثير من المرضى، وقد يقوم بإجراء عمليات يوميًا أو أسبوعيًّا، فقد يحدث من هؤلاء الأطباء شيء من الأخطاء، فقد تكون هذه الأخطاء مقرونة بالتعدي والتفريط وقد لا تكون كذلك. والمراد بهذه النازلة (تضمين الطبيب): أي تضمينه ما حصل من تلف تحت يده سواء كان هذا التلف لنفس أو عضو أو منفعة. ولا تخلو هذه النازلة من أحوال: الحالة الأولى: أن يكون المتطبب جاهلًا ولا يعلم المريض بعدم حذقه، وقد يكون الطبيب حاذقًا في مرض غير حاذق في مرض آخر، فيقدم على العلاج في هذا المرض وهو غير حاذق فيه والمريض لا يعلم، فقام بالمداواة فتلف تحت يده نفس أو عضو أو منفعة. وحكم هذه الحالة أنه يضمن ما أتلفه بالإجماع. والدليل على ذلك: قول الله : ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وهذا ظالم، فكونه يباشر مداواة هذا المرض وهو لا يعلمه يعدُّ ظالمًا، وكذلك الحديث

стр. 2390

المتقدم فإن النبي ﷺ قيد عدم الضمان بالعلم، فمتى لم يوجد العلم ضمن. الحالة الثانية: أن يكون المتطبب جاهلا والمريض يعلم أنه جاهل. وقداختلف فيها العلماء على قولين: فذهب أكثر أهل العلم أنه ضامن؛ واحتجوا لذلك بالأدلة السابقة فالله يقول: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وهذا ظالم، ولكونه أقدم على المعالجة وهو جاهل لا يعلم، وكذلك ما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وذهب البعض أنه لا يضمن، واستدل بالحديث المتقدم وفيه قوله: "وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ" (١)، فدل ذلك على أنه إذا كان المريض يعلم حاله فإنه لا ضمان عليه. والأقرب عندنا في هذه المسألة هو القول الأول، وهو قول الجمهور من أهل العلم. الحالة الثالثة: أن يكون الطبيب حاذقًا، وقد أذن له وأعطى الصنعة حقها، لكنه أخطأ، وهذه الحالة هي التي يكثر فيها أخطاء الأطباء. وهذه يقسمها العلماء إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون هناك تعدٍّ أو تفريط من الطبيب. وضابط التعدي: "فعل ما لا يجوز"؛ كأن يزيد في جرعة المخدر أو في كمية الدواء تهاونًا منه، وضابط التفريط: "ترك ما يجب"، كما لو لم يشخص حالة المريض كما ينبغي. وحكم هذه الحالة، أي: فيما إذا تعدى أو فرط أنه يضمن بالاتفاق للأدلة السابقة. فقوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، فهذا الطبيب ظالم لكونه

стр. 2391

تعدى أو فرط فيضمن، وكذا ما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، فإذا كان الجاهل يضمن فكذلك من باب أولى أن يضمن المتعدي أو المفرط. القسم الثاني: أن لا يتعدى الطبيب ولا يفرط. فهو لم يفعل شيئًا لا يجوز، ولم يترك شيئًا وجب عليه، بل اجتهد وفعل الواجب عليه. والحكم في هذه الحال أنه اختلف فيها أهل العلم هل يضمن الطبيب أو لا؟ على قولين: والأقرب في هذه المسألة عدم الضمان للأدلة السابقة؛ ولأن الطبيب مؤتمن على بدن هذا المريض فلا ضمان عليه، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، وهنا لم يحصل منه تعد ولا تفريط. الحالة الرابعة: إذا كانت مداواة الطبيب بلا إذن من المريض أو وليه. وهذه الحالة يقسمها العلماء ﵏ إلى قسمين: الأول: أن يكون الطبيب غير متبرع بأن يكون مستأجرًا، فإذا كان كذلك فلا بد من رضا المريض وأهليته للإذن بأن يكون بالغًا عاقلًا، فإن لم يكن أهلًا للإذن فلا بد من إذن وليّه؛ لأن عقد الإجارة يعتبر فيه الرضا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، والإجارة تجارة. وكذلك يعتبر فيه أهلية العاقد، فلا يصح عقد الإجارة من الصبي أو المجنون؛ لأنه محجور عليهما في تصرفاتهما. وعلى هذا إذا كان الطبيب مستأجرًا وداوى غير المكلف بلا إذن وليّه، أو داوى

стр. 2392

المكلف بلا إذنه فإنه يضمن. الثاني: أن يكون الطبيب متبرعًا غير مستأجر، فداوى المريض بلا إذنه أو داوى الصغير أو المجنون بلا إذن وليه فهل يضمن لو حصل تحت يده تلف أو لا يضمن؟ فيه قولان لأهل العلم: الأقرب؛ أنه لا ضمان عليه، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وهذا محسن. وأيضًا لأمره ﷺ بالمداواة فقال: "تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ الله لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضْعَ لَه دَوَاءً" (١)، والطبيب امتثل أمر الشارع، فالشارع قد أذن له بالمداواة.

стр. 2393

النازلة الثالثة: في الأحكام المتعلقة بموت الدماغ قبل بيان الحكم الشرعي لهذه النازلة لا بد من توضيح لبعض المسائل المتعلقة بهذه النازلة: المسألة الأولى: تعريف الموت وعلاماته عند الفقهاء: أولًا: تعريف الموت عند الفقهاء: الموت عند الفقهاء هو مفارقة الروح للبدن وقد دلت الأدلة الشرعية على ذلك: كما في قوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]. وقوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]. فالحياة حصلت بنفخ الروح، فدل ذلك على أن الموت يحصل بمفارقة الروح للبدن كما يدل عليه مفهوم المخالفة (١). وأما من السنة فحديث البراء بن عازب ﵁ وفيه قول النبي ﷺ في شأن قبض روح المؤمن: "فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ القَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا، فَإذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ" (٢).

стр. 2394

فدل هذا على أن الموت في الأدلة الشرعية، وعند الفقهاء المراد به: مفارقة الروح للبدن، وهذا ما يذكره الفقهاء ﵏ في تعريف الموت، فإنهم متفقون على أن الموت هو مفارقة الروح للبدن. قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: "هذه هي حقيقة الوفاة عند الفقهاء، وتكاد كلمتهم تتوارد على هذا, ولم يتم الوقوف على خلافه في كلامهم من أنه: مفارقة الروح للبدن، بل هو حقيقة شرعية، لا يُعلم فيها خلاف" أ. هـ. (١). ثانيًا: علامات الموت عند الفقهاء: المراد بعلامات الموت عند الفقهاء، أي العلامات التي تدل على أن الروح قد فارقت البدن، وهذه العلامات التي يذكرها الفقهاء في كتاب الجنائز وقفوا عليها من خلال التجربة واستقراء الحوادث، فهي ليست من قبيل المقطوع بالنص الشرعي ولكنها من قبيل الأمور الظاهرة التي تُدرك بالحس والمشاهدة، وهي وإن كانت كذلك إلا أنهم يستدلون بها على مفارقة الروح للبدن وهذه العلامات هي: ١ - توقف النفس. ٢ - استرخاء القدمين بعد انتصابهما. ٣ - انفصال الكفين عن الذراعين. ٤ - ميل الأنف واعوجاجه. ٥ - امتداد جلدة الوجه. ٦ - انخساف صدغيه إلى الداخل. ٧ - تقلص خصيتيه إلى الأعلى مع تدلي الجلدة.

стр. 2395

٨ - برودة البدن. ٩ - إحداد البصر: كما في حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ". فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: "لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ المَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ". ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِى سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ, وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ" (١). وفي حديث شداد بن أوس ﵁ مرفوعًا: "إِذَا حَضَرتمْ مَوْتَاكُمْ، فَأَغْمِضُوا البَصَرَ؛ فَإِنَّ البَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّ المَلاَئكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ البَيْتِ" (٢). المسألة الثانية: علامة الموت عند الأطباء في الوقت الحاضر: علامة الموت عند الأطباء في الوقت الحاضر هي "موت الدماغ" كما سيأتي -إن شاء الله بيان ذلك-. وأول من نبه على هذا مجموعة من الأطباء الفرنسيين عام ١٩٥٩ م حيث تكلموا عن موت الدماغ وأنه علامة من علامات الموت فيما أسمي بمرحلة ما بعد الإغماء، وكذا جامعة هارفارد في أمريكا تكلموا في هذه المسألة أيضًا عام ١٩٦٧ م، ثم بعد ذلك في بريطانيا اجتمعت لجنة مكونة من الكليات الملكية ووضعت ضوابط

стр. 2396

لما يسمى بموت الدماغ (١). وحتى يتم تكييف هذه النازلة فقهيًّا، لا بد من بيان الآتي: أولًا: الأجزاء الرئيسية للدماغ ووظيفة كل جزء وكيفية حدوث موت الدماغ. يتكون الدماغ من ثلاثة أجزاء رئيسية: ١ - المخ. ٢ - المخيخ. ٣ - جذع المخ. وكل واحد من هذه الأجزاء له وظائف تخصه رئيسية إذا عرفناها استطعنا أن نعرف أي هذه الأجزاء الذي إذا مات يكون علامة على موت البدن كما هو عند الأطباء. فالجزء الأول المخ: ووظيفته تتعلق بالتفكير والذاكرة والإحساس. والجزء الثاني المخيخ: ووظيفته تتعلق بتوازن الجسم. والجزء الثالث جذع المخ: وهو أهم هذه الأجزاء ووظائفه أساسية فهي تتعلق بالتنفس والتحكم في القلب ونبضاته والتحكم بالدورة الدموية ... إلخ. فعند أكثر الأطباء يحصل الموت إذا أصيب جذع المخ فهذه علامة من علامات الموت عند الأطباء، وبعض الأطباء يخالف في ذلك. فالمخ إذا أصيب لا يعني حصول الموت؛ لأن وظيفة المخ تتعلق بالذاكرة والإحساس والتفكير، فيفوت عليه التفكير والإحساس، وتفوت عليه الذاكرة فيحيا

стр. 2397

كما يسميها الأطباء حياة جسدية نباتية، يتغذى ويتنفس وقلبه ينبض، ويمكث على هذه الحال سنوات، وقد وجد من المرضى من مكث عشر سنوات لأن جذع المخ الذي يتحكم في التنفس ونبضات القلب والدورة الدموية لا يزال حيًّا، لكنه فقد وعيه الكامل. وكذلك المخيخ لو مات فإنه يفقد توازن الجسم، ولا أثر له في موت الإنسان، فالأطباء يقولون: إذا مات المخ أو المخيخ أمكن للإنسان أن يحيا حياة غير عادية يعني حياة نباتية جسدية فيفقد وعيه الكامل، لكنه لا يزال يتنفس وقلبه ينبض ويتغذى والغالب أن موت جذع المخ هو الذي يكون علامة على الوفاة عند الأطباء، والغالب أن موته أو إصابته تكون بسبب الحوادث؛ حوادث السيارات، أو القطارات، أو الطائرات، وما يحصل فيها من الارتطامات والاصطدام الذي يحصل في هذا الجزء من الدماغ فتحدث فيه النزيف الداخلي. ثانيًا: علامات موت جذع المخ: ولما كان إصابة جذع الخ عند أكثر الأطباء دليلًا على موت الإنسان، فإن الأطباء يذكرون لموت جذع المخ علامات منها: ١ - الإغماء الكامل. ٢ - عدم الحركة. ٣ - عدم التنفس وانقطاعه؛ ولهذا يحتاج إلى أجهزة الإنعاش. ٤ - عدم وجود أي انفعالات انعكاسية، والتي تدل على نشاط الجهاز العصبي مثل:

стр. 2398

١ - عدم حركة حدقتي العينين مع الضوء الشديد. ٢ - لا يرمش المصاب رغم وضع قطعة من القطن على قرنية العين. ٣ - لا تتحرك مُقلة العين رغم إدخال ماء بارد في الأذن. ٥ - لا يُقطِّب المصاب جبينه رغم الضغط على الجبين بالإبهام. ٦ - عدم التحكم أو الكحة عند لمس الحنك وباطن الحلق بالإبهام، كظهور آثار الحزن أو السرور. ٧ - وهي من أهمها مع عدم التنفس عدم وجود نشاط كهربائي في رسم المخ بطريقة معروفة عند الأطباء، فالأطباء يرسمون المخ فقد يوجد عند هذا المصاب شيء من الرسم الكهربائي، قد يكون قويًا وقد يكون ضعيفًا، وقد لا يوجد فإذا لم يوجد أي نشاط كهربائي عند رسم المخ بآلاتهم المعروفة فهذا مما يستدلون به على أن جذع المخ قد مات. فالحاصل: أن هذه العلامات وغيرها يستدل بها الأطباء على موت جذع المخ وبالتالي موت الإنسان. واختلف أهل الاختصاص الطبي في تحديد هذا التوقف على رأيين: الرأي الأول: أن موت الدماغ هو توقف جميع وظائف الدماغ (المخ، والمخيخ، وجذع الدماغ) توقفًا نهائيًّا لا رجعة فيه، وهذا رأي المدرسة الأمريكية. الرأي الثاني: أن موت الدماغ هو: توقف وظائف جذع الدماغ فقط توقفًا نهائيًّا لا رجعة فيه، وهذا رأي المدرسة البريطانية. هذا بالنسبة لكلام الأطباء لكن يبقى كلام علماء الشريعة الفقهاء في الوقت الحاضر.

стр. 2399

فنقول: هذه النازلة نعني: (موت الدماغ) من أشد النوازل المشْكِلة والشائكة في الوقت الحاضر؛ لأنها تتعلق بحياة نفس محترمة مصونة، ولأن ما يترتب عليها خطير وعظيم، ولذا حدث فيها تردد واضطراب، ليس على مستوى كبار العلماء وحسب، وإنما على مستوى المجامع الفقهية الدولية، ففي الوقت الذي يرى فيه مجمع الفقه الإِسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي (١) أنَّ موت الدماغ يعتبر موتًا حقيقيًّا تترتب عليه آثاره، لا يرى ذلك مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإِسلامي (٢)، وتفتي بعض لجان الفتوى المعتبرة باعتباره موتًا، إذ بلجان أخرى أيضًا معتبرة لا تعتبره كذلك، بل إنَّ بعض اللجان اعتبرته في وقت سابق ليس موتًا حقيقةً، ثم إذا هي بعد ذلك تقول إن الأمر يحتاج إلى مزيد من البحث، وهذا إن دلَّ فإنما يدل على خطورة هذه النازلة، وأنها جدُّ خطيرة؛ ولذا اعترف بعض الباحثين والأساتذة الذين تعرضوا لها بأنها تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة؛ إذْ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذه النازلة تحتاج إلى تصور دقيق، ودقة نظر وفهم، ودراسة ميدانية دقيقة، لواقع وأحوال المرضى الذين حكم عليهم بالموت دماغيًّا، ثم بعد ذلك يأتي الحكم الشرعي. وبعد النظر والدراسة لهذه النازلة الذي يترجح عندنا أن الموت الدماغي ليس نهاية للحياة الإنسانية، ولا تترتب عليه آثاره بل يعتبر الميت دماغيًّا من الأحياء؛ وهذا هو قول أكثر الفقهاء، وهو الذي قرره المجمع الفقهي لرابطة العالم الإِسلامي (٣) في دورته العاشرة بمكة المكرمة عام ١٤٠٨ هـ، وقرره أيضًا مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وعليه الفتوى في لجنة الإفتاء بوزارة الأوقاف الكويتية (٤).

стр. 2400

والأدلة على ذلك كثيرة منها: ١ - قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، واليقين أن هذا الإنسان حي وموته مشكوك فيه، فقد وجدت وقائع يقرر فيها موت الدماغ ثم بعد ذلك تستمر الحياة. يقول الدكتور محمَّد سليمان الأشقر: "سمعت مؤخرًا سنة ١٩٩٨ م من هيئة الإذاعة البريطانية أن إنسانًا بقى تحت أجهزة الإنعاش لثماني سنوات، وأنه بعد ذلك بدأ يستعيد وعيه، ثم استعاد عافيته بعد أن قرر الأطباء أنه لا يمكن عودته إلى الحياة" أ. هـ. (١). ويقول الدكتور بكر أبو زيد ﵀: "حكم جمع من الأطباء على شخصية مرموقة بالوفاة؛ لموت جذع الدماغ لديه، وأوشكوا على انتزاع بعض الأعضاء منه، لكنَّ ورثته منعوا من ذلك، ثم كتب الله له الحياة، وما زال حيًّا إلى تاريخه" (٢). ويؤكد ذلك أن هناك أطفالًا يولدون بلا مخّ أصلًا، وعاش بعضهم على حالته أكثر من عشر سنوات، بل في بلادنا نحن في المملكة العربية السعودية عند زيارتنا لبعض المستشفيات نجد عددًا من المرضى ممّن يكون تحت أجهزة الإنعاش لعدة سنوات وقد قرر الأطباء موته دماغيًّا ثم تكتب له الحياة. وهذا يدل دلالة واضحة على أن موت الدماغ لا يعتبر موجبًا للحكم بالوفاة؛ إذ لو كان كذلك لما عاش هؤلاء لحظة واحدة بدون المخ الذي يعتبر موته أساسًا في الحكم بموت الدماغ (٣).

стр. 2401

٢ - أن الشرع يتطلع لإحياء النفوس وإنقاذها، وأن أحكامه لا تبنى على الشك وخصوصًا ما يتعلق بالأنفس. ٣ - أنه من أصول الشريعة المحافظة على المصالح الضرورية التي اتفقت الشرائع على المحافظة عليها، ومن ذلك حفظ النفس. ٤ - أن تعطل الإحساس أو توقف النفس ونحو ذلك لا يدل على فقد الحياة. فأكثر الأطباء الاستشاريين الذين كتبوا عن الموت الدماغي يرون أن الميت دماغيًّا لم يصل إلى مرحلة الموت النهائي، وأنه لا تطبق عليه أحكام الموت الشرعية. ومن قرارات المجمع الفقهي الإِسلامي التابع لرابطة العالم الإِسلامي بمكة المكرمة قرار رقم: ٤٩ (٢/ ١٠) حول حصول الوفاة، ورفع أجهزة الإنعاش من جسم الإنسان. "المريض الذي ركبت على جسمه أجهزة الإنعاش، يجوز رفعها إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطُّلًا نهائيًّا، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء أن التعطل لا رجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لا يزالان يعملان آليًّا بفعل الأجهزة المركبة، لكن لا يحكم بموته شرعًا، إلا إذا توقف التنفس والقلب توقُّفًا تامًّا بعد رفع هذه الأجهزة" (١).

стр. 2402

النازلة الرابعة: رفع أجهزة الإنعاش الصناعي أولًا: تعريف الإنعاش: الإنعاش عند الأطباء هو: المعالجة المكثفة التي يقوم بها الفريق لمساعدة الأجهزة الحياتية عند الإنسان وهي: (المخ- القلب- التنفس- الكلى- الدم) حتى تقوم بوظائفها أو لتعويض بعض الأجهزة المعطلة بقصد الوصول إلى تفاعل منسجم بينها (١). ثانيًا: حكم الإنعاش: الذي يظهر لنا من خلال تعريف الإنعاش أن حكمه الوجوب؛ وذلك لخطورة حالة المريض، ولأن حاجته لأجهزة الإنعاش أصبحت أمرًا ضروريًّا كحاجته للطعام والشراب بحيث لو تركه فقد عرض نفسه للهلاك. ثالثًا: آلات الإنعاش عند الأطباء: آلات الإنعاش عند الأطباء هي: ١ - المنفسة: وهي عبارة عن جهاز يقوم بعمل الجهاز التنفسي بتحريك القفص الصدري فيحدث للمريض ما يسمى بالشهيق والزفير. ٢ - مانع الذبذبات: وهو جهاز من أجهزة إنعاش القلب يقوم بإعطاء القلب صدمات كهربائية لإعادة ما ضعف من دقات القلب أو ما انقطع منها. ٣ - جهاز منظم ضربات القلب: وهو من أجهزة إنعاش القلب يحتاج إليه حينما تكون ضربات القلب بطيئة بحيث لا يصل الدم إلى الدماغ بكمية كافية، أو أن الدم بسبب بطء ضربات القلب ينقطع عن الدماغ لمدة دقيقة أو ثوان.

стр. 2403

٤ - مجموعة العقاقير والأدوية: معروفة عند الأطباء. رابعًا: حكم رفع أجهزة الإنعاش: يختلف حكم رفع أجهزة الإنعاش من مريضٍ لآخر حسب الأحوال التالية: الحالة الأولى: عودة أجهزة المصاب إلى حالتها الطبيعية بحيث لا يحتاج معها لأجهزة الإنعاش، فهنا يقرر الطبيب رفع أجهزة الإنعاش لسلامة المريض وعدم حاجته إليها. ولا ينبغي الاختلاف في هذه الحالة فهذا هو المعتبر شرعًا، وقد أخذ به أهل القانون في جميع دول العالم. الحالة الثانية: تحسن المريض مع حاجته لأجهزة الإنعاش وهو في طريقه إلى النقاهة والسلامة، فهنا تبقى أجهزة الإنعاش عليه حتى يستغنى عنها ويبرأ البرء التام وحينئذٍ ترفع عنه أجهزة الإنعاش كما في الحالة الأولى. الحالة الثالثة: مريض ميئوس من حالته الطبية، أي: لا أمل في شفائه طبيًّا مع بقاء عمل الدماغ، فهنا لا يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن هذا المريض وذلك لما يلي: ١ - أن سحب الأجهزة عنه كترك إنقاذ غريق في البحر وحريق يحترق في النار. ٢ - أن حياته لا تزال موجودةً فيه فلا يجوز رفع أجهزة الإنعاش عنه. ٣ - لأن في رفع أجهزة الإنعاش قتلًا لهذا المريض أو زيادة في مرضه وكلاهما لا يجوز. ٤ - أن الرأي الطبي في البلاد العربية والإِسلامية بالنسبة إلى سحب أجهزة الإنعاش من مريض ميئوس من حالته، أي: لا أمل في شفائه طبيًّا يعتبر جريمة لا تغتفر (١).

стр. 2404

الحالة الرابعة: وهي حالة موت الدماغ التي سبق بيانها: فمع وجود أجهزة الإنعاش لا يزال القلب ينبض، والنفس مستمر نبضًا وتنفسًا صناعيين لا حقيقيين. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن الميت دماغيًّا، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز ابن باز (١) ﵀، وذلك للأدلة الدالة على حفظ النفس، وأن الشريعة جاءت بحفظ الضروريات الخمس. القول الثاني: وهو قرار كل من مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي (٢)، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإِسلامي (٣) أنه يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن الميت بموت الدماغ، وذلك لأنه لا يوقف علاجًا يرجى منه شفاء المريض، وإنما يوقف إجراء لا طائل من ورائه في شخص محتضر، بل يتوجه أنه لا ينبغي إبقاء آلة الطبيب والحالة هذه؛ لأنه يطيل عليه ما يؤلمه من حالة النزع والاحتضار (٤). وخلاصة الأمر في هذه الحالة: أنه إذا تعطلت جميع الوظائف الدماغية تعطلًا نهائيًّا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذت دماغه في التحلل، ففي هذه الحال يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب لا يزال يعمل آليا بفعل الأجهزة المركبة. ومثل ذلك أيضًا جاء في قرار مجمع الفقه الإِسلامي لرابطة العالم الإِسلامي، لكن مجمع الرابطة قيد ذلك بأن تُقرر لجنة من ثلاثة أطباء فأكثر. وقد سبق الإشارة إلى نص القرار وهو: "المريض الذي ركبت على جسمه

стр. 2405

أجهزة الإنعاش، يجوز رفعها إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلًا , نهائيًّا، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء أن هذا التعطل لا رجعة فيه وإن كان القلب والتنفس لا يزالان يعملان آليًّا بفعل الأجهزة المركبة" (١). وأيضًا مثل هذا ورد في قرار هيئة كبار العلماء: إذا قرر ثلاثة أطباء فأكثر متخصصون رفع أجهزة الإنعاش عن المريض -الموضح حالته- فإنه يجوز اعتماد ما يقررونه من رفع أجهزة الإنعاش. فتكاد آراء العلماء المعاصرين تتفق على أنه يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن هذا الميت دماغيًّا أو من كان في معناه ممّن حكم الأطباء بتعطل الوظائف عنده، وأنه ميئوس من رجوعه، أو ميئوس من أن يُشفى في علم الأطباء وإلا فالله تعالى على كل شيء قدير، لكن عندهم أن مثل هذه الحالة ميئوس منها، فإذا قرر ثلاثة أطباء فأكثر ذلك، جاز رفع أجهزة الإنعاش عنه؛ لأنه لا يلزم استنقاذ هذا المريض الذي هذه حاله، ولأن وضع هذه الأجهزة لا يفيد في هذا الاستنقاذ، وقد يكون له كلفة كبيرة وضع هذه الأجهزة عليه مدة طويلة، قد يكون فيها نفقات وكلفة لإنسان قد تعطلت الوظائف عنده، أو تعطل الدماغ عنده، ولهذا فإن آراء العلماء المعاصرين تكاد تتفق على هذا (٢). ونرى جواز نقل أجهزة الإنعاش عن المريض وفق الضوابط والشروط الواردة في قرارات المجامع الفقهية وقرار هيئة كبار العلماء (٣).

стр. 2406

النازلة الخامسة: في حكم نقل أجهزة الإنعاش من شخص إلى آخر إذا كان هناك شخصان أحدهما توضع عليه أجهزة الإنعاش لحاجته إليها وآخر أشد احتياجًا لها من الأول، فهل يشرع نقلها من الأول إلى الثاني نظرًا لشدة الحالة؟ اختلف في حكم هذه الحالة أهل العلم، والراجح عندنا أنه لا يجوز نقل الأجهزة من شخص إلى آخر بل تترك الأجهزة على الأول ما دام أنه ممّن لا يجوز رفعها عنه ولو كان الثاني أشد حاجة لها؛ وذلك لأن في رفع الأجهزة عن الأول ارتكابًا لمحظور، وارتكاب المحظور أعظم حرمةً من ترك المأمور، والقاعدة تقول: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. ولأن الأصل في المسلمين أنهم مستوون في العصمة ووجوب المحافظة على الحياة، ومن هنا فلا يقدم أحدهم على الآخر إلا بسبب وكون انتفاع الثاني أكبر من الأول، فهذا من المرجحات، لكن مع الاستواء وهو غير متحقق هنا، فإن الأول يترجح جانبه بالسبق فهو أحق بهذه الحاجة واعتبار السبق في الاستفادة منها، ومن تنقل له ليس بأولى ممّن هي عليه، والله أعلم.

стр. 2407

النازلة السادسة: نقل الأعضاء من الشخص الميت أو الحي وزرعها في الإنسان الحي أولًا: نبذة تاريخية عن هذه النازلة: إن عمليات نقل الأعضاء الآدمية ليست أمرًا جديدًا, وليست وليدة القرن العشرين كما يتبادر إلى الذهن، وإنما هي قديمة قدم التاريخ وإن كانت البدايات فيها متواضعة وبدائية وليست على تلك الدرجة المبهرة من التطور والتقدم الذي نعيشه في هذا العصر. فمنذ ما يقرب من ثلاثة آلاف عام عرف قدماء المصريين عمليات زرع الأسنان ونقلها عنهم اليونانيون والرومان كما عرفها أيضًا سكان الأمريكتين الأصليين. وفي القرن السادس عشر للميلاد قام الطبيب الإيطالي (كوزي) بإعادة تركيب أنف مقطوع بواسطة رقعة مأخوذة من ذراع المريض. وفي باريس قام الطبيب (جان هنتر) بإجراء العديد من عمليات زرع الأعضاء وخاصة الأسنان. وفي القرن التاسع عشر تمت عمليات نقل كثيرة للأعضاء مثل الأوتار، والعضلات، والجلد، والأعصاب، والغضاريف، والقرنيات، وغيرها. ثم جاء النصف الثاني من القرن العشرين ليشهد تطورًا مذهلًا في العلوم الطبية والإنجازات العلمية عامة وفي مجال (نقل الأعضاء الآدمية) خاصة. وقد تجسد هذا التطور في عام (١٩٦٧ م) في مدينة (كيب تاون) بجنوب أفريقيا حين استطاع جراح القلب الفرنسي الشهير (كريستيان برنارد) إجراء أول عملية لنقل

стр. 2408

قلب في التاريخ لمريض كان على وشك الهلاك لتلف قلبه تلفًا شديدًا، وكانت هذه العملية هي الإعلان عن بداية عصر جديد في مجال نقل الأعضاء الآدمية. ثانيًا: التكييف الطبي لهذه النازلة: نقل الأعضاء إنما يكون من الميت إذا كان ميتًا دماغيًّا؛ لأن الأعضاء لا زالت حية كما سبق بيانه. وإذا نزعت الأجهزة فتوقف القلب فإن الدماغ لا يستطيع أن يعيش أكثر من أربع دقائق، والقلب لبضع دقائق، والكلى لمدةٍ أقصاها (خمس وأربعون) إلى (خمسين) دقيقة قبل أن تصبح ميتة ولا تصلح للزرع، والكبد لمدة أقصاها ثمان دقائق، وإذا مات الدماغ ففي الغالب أن القلب يتوقف بعدها لساعات أو أيام قلائل، أما العظام فتتحمل نقص التروية عنها أو انقطاعها لمدة يوم أو يومين، وإذا أخذت الأعضاء وهي تعمل فيمكن تبريدها والاحتفاظ بها، ويحتفظ بالقلب مبردًا ساعتين والكبد ثمان ساعات، والكلى (اثنان وسبعون) ساعة، وتبلغ نسبة النجاح في نقل الكلية (خمس وثمانون في المائة) في السنة الأولى وتفشل (خمس في المائة) من الحالات سنويًّا و (خمسون في المائة) لمدة خمس سنوات، وهي مكلفة وتنقذهم هذه العملية إلى وقت محدود. وزرع الرئتين والكبد والبنكرياس لا تزال نسبة النجاح فيها محدودة وكلفتها باهظة ولا تزال حكرًا على بعض المراكز المتقدمة. ثالثًا: التكييف الفقهي لهذه النازلة: لما كانت هذه النازلة (نقل الأعضاء من الشخص الميت أو الحي وزرعها في الإنسان الحي) عملًا مستحدثًا في هذا العصر نتيجة للتقدم العلمي، لم يتحدث عنه الفقهاء المسلمون السابقون، ولم يعالجوه بصورة مباشرة في نصوصهم الفقهية، وكل ما وجدناه في هذه النصوص بعض صور من التصرف في الجسد الإنساني ذكرت في

стр. 2409

باب البيع عند تحديد شروط المبيع، وعند الحديث عن مدى جواز الانتفاع بأجزاء هذا الجسد سواء كان هذا الانتفاع لصاحب الجسد نفسه أو لغيره، وعند الكلام عن بعض القواعد الفقهية كقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة ارتكاب أخف الضررين. رابعًا: الحكم الشرعي لهذه النازلة: لا تخلو هذه النازلة من صورتين: الصورة الأولى: نقل الأعضاء من إنسان حي إلى آخر. الصورة الثانية: نقل الأعضاء من إنسان ميت إلى آخر حي. أما الصورة الأولى فقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكمها على قولين: القول الأول: الجواز فلا مانع شرعًا من أخذ عضو من إنسان حي لزرعه في إنسان آخر محتاج إليه لإنقاذ حياته إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه لمن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه ممّن سيزرع فيه. وقد صدرت فتاوى كثيرة من المجامع الفقهية ودوائر الإفتاء والهيئات العلمية (١) تبيح كلها نقل الأعضاء من إنسان حي إلى آخر بشروط هي: ١ - الضرورة القصوى للنقل، بحيث تكون حالة المريض سيئة للغاية، ولا ينقذه من ذلك إلا نقل عضو سليم إليه من إنسان آخر. ٢ - أن يكون المأخوذ منه وافق على ذلك حالة كونه بالغًا عاقلًا مختارًا.

стр. 2410

٣ - أن يكون نقل العضو محققًا لمصلحة مؤكدة للمتلقي أو يغلب على الظن تحقيق هذه المصلحة. ٤ - ألا يضر أخذ العضو من المتبرع به ضررًا يخل بحياته العادية، فلا يجوز مثلًا نقل الأعضاء المفردة كالكبد أو القلب من حي إلى مريض؛ لأن في ذلك هلاكًا للأول، والقاعدة الشرعية تقول: إن الضرر لا يزال بمثله، ولا بأشد منه، ولأن التبرع حينئذ يكون من قبيل الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وهو أمر غير جائز شرعًا. ٥ - أن يكون هذا النقل بدون مقابل. ٦ - ألا يكون العضو المنقول مؤديًا إلى اختلاط الأنساب بأي حال من الأحوال، فلا يجوز نقل الخصية والمبيض منعًا لاختلاط الأنساب. ٧ - صدور إقرار كتابي من اللجنة الطبية قبل النقل بالعلم بهذه الضوابط مع إعطائه لذوي الشأن من الطرفين، المنقول منه العضو والمنقول إليه قبل إجراء العملية الطبية، على أن تكون هذه اللجنة متخصصة ولا تقل عن ثلاثة أطباء عدول وليس لأحد منهم مصلحة في عملية النقل. وقد استدل أصحاب هذا القول، أي -المجيزون لنقل الأعضاء- بما فهموه من عموم قواعد الشريعة مثل الضرورات تبيح المحظورات، والضرر يزال، وتحقيق أعلى المصلحتين، وارتكاب أخف الضررين، وإذا تعارضت مفسدتان تدرأ أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما ضررًا، إلى غير ذلك من الأدلة. القول الثاني: لا يجوز للإنسان أن يتصرف في أعضاء جسده ولو بالتبرع؛ لأن أعضاء جسد الإنسان هي جميعها ملك لله سبحانه. والقاعدة في ذلك: "من لا يملك التصرف لا يملك الإذن فيه" (١).

стр. 2411

ومما قاله سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ في هذه النازلة: "المسلم محترم حيًّا وميتًا، والواجب عدم التعرض له بما يؤذيه أو يشوه خلقته، ككسر عظمه وتقطيعه، وقد جاء في الحديث: "كسْرُ عَظْمِ الميتِ ككَسْرِهِ حَيًّا" (١). ويستدل به على عدم جواز التمثيل به لمصلحة الأحياء، مثل أن يؤخذ قلبه أو كليته أو غير ذلك؛ لأن ذلك أبلغ من كسر عظمه. وقد وقع الخلاف بين العلماء في جواز التبرع بالأعضاء وقال بعضهم: إن في ذلك مصلحة للأحياء لكثرة أمراض الكلى وهذا فيه نظر، والأقرب عندي أنه لا يجوز للحديث المذكور، ولأن في ذلك تلاعبًا بأعضاء الميت وامتهانًا له، والورثة قد يطمعون في المال، ولا يبالون بحرمة الميت، والورثة لا يرثون جسمه، وإنما يرثون ماله فقط" (٢). والذي يترجح عندنا هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، أي: يجوز نقل الأعضاء من إنسان حي إلى آخر، ولا يكون ذلك إلا بالشروط المذكورة عند أصحاب هذا القول. أما الصورة الثانية وهي: نقل الأعضاء من إنسان ميت إلى آخر حي. والمراد بالميت هنا هو من فارقت روحه بدنه بانقطاعها عن بدنه انقطاعًا تامًا من توقف دقات قلبه واستكمال أمارات الموت الأخرى التي سبق بيانها في نازلة الموت الدماغي، فهذه هي الوفاة التي تترتب عليها أحكام مفارقة الإنسان للدنيا من انقطاع أحكام التكليف، وخروج زوجته من عهدته، وماله لوارثه، وتغسيله، وتكفينه،

стр. 2412

والصلاة عليه، ودفنه. أما الميت دماغيًّا كما يعبر عنه أهل المعرفة بالطب، فقد سبق أنه لا يسمى ميتًا شرعيًّا؛ ولذلك هو ليس مرادًا في هذه النازلة. حكم نقل الأعضاء في هذه الصورة: اختلف فيها الفقهاء على قولين: الأول: لا يجوز نقل الأعضاء من ميت إلى حي حتى لو أوصى بذلك قبل موته، بل لو أذن ورثة الميت بذلك لا يجوز؛ وذلك لأن جسد الآدمي ملك لله ، وبالتالي لا يجوز للإنسان وهو حي أن يوصي أو يتبرع بشيء من أعضائه بعد موته، كما لا يجوز لأحد أقاربه أو النيابة العامة أو أي جهة أخرى الإذن بالمساس بجسد هذا الميت لأخذ عضو منه أو أكثر. ومما قاله الشيخ ابن عثيمين ﵀ في هذه المسألة "نرى أنه لا يجوز، لا قبل الموت ولا بعد الموت، حتى لو أوصى به الميت وقال: إذا مت فأعطوا قرنية عيني فلانًا، أو كليتي فلانًا، أو كبدي فلانًا أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز أن تنفذ هذه الوصية؛ لأنها وصية بمحرم، والوصية بمحرم لا تنفذ، وقد ذكر ذلك أهل العلم. . ." إلى أن قال: "فالحاصل أن هذا هو رأيي، وكذلك هو رأي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كما سألته في مجلس هيئة كبار العلماء وقال هكذا: إنه حرام. كل من تأمل النصوص وجد أنه حرام، ثم فيه مفسدة الآن: في بلادٍ أخرى يسطون على الصغار في الأسواق، يأخذ الصغير ويذبحه ويأخذ كبده ويبيعها بملايين الدراهم؛ لأنهم لا يخافون الله ولا يرحمون عباد الله" (١). القول الثاني: يجوز نقل أي عضو من إنسان ميت إلى إنسان حي في حاجة إليه بشروط معينة هي:

стр. 2413

١ - موافقة الميت على نزع عضو من أعضائه بعد وفاته، أو موافقة ورثته على ذلك. ٢ - موافقة ولي أمر المسلمين أو من ينوب عنه في حالة الجثة المجهولة. ٣ - أن يغلب على ظن الطبيب استفادة المريض بالجزء المنقول إليه. ٤ - أن تكون المصلحة المترتبة على نقل العضو أعظم من المفسدة التي اقتضت حظره. ٥ - أن يكون القصد من ذلك رعاية المصلحة للمريض المتلقي وأن يكون ضروريا لذلك. ٦ - ألا يترتب على الاستقطاع تشويه كبير بالجثة. ٧ - أن لا يكون المضطر ذميًّا، أو معاهدًا، أو مستأمنًا إذا كانت جثة الميت لمسلم. ٨ - أن يكون المنقول له مسلمًا إذا كان العضو المنقول من مسلم. ومما جاء في قرارات مجمع الفقهي الإِسلامي التابع لمنظمة مؤتمر العالم الإِسلامي (١) ما يلي: من حيث الأحكام الشرعية: أولًا: يجوز نقل العضو من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيًّا أو عضويًّا. ثانيًا: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائيًّا، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك كون الباذل كامل الأهلية،

стр. 2414

وتحقق الشرعية المعتبرة. ثالثًا: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية. رابعًا: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان إلى إنسان آخر. خامسًا: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها، كنقل قرنية العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءًا من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة. سادسًا: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك، بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة وليّ أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له. سابعًا: وينبغي ملاحظة: أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو، إذ لا يجوز إخضاع الإنسان للبيع بحال ما. أما بذل المال من المستفيد؛ ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريمًا، فصل اجتهاد ونظر. ثامنًا: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة مما يدخل في أصل الموضوع فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية. الراجح هو: القول بجواز نقل الأعضاء وفقًا لما جاء في قرار مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمجلس التعاون الإِسلامي. ويرى الشيخ الطيار تقييد الجواز بكون المنقول منه العضو كافرًا وذلك للأسباب الآتية:

стр. 2415

أولًا: صحة ما ذكره القائلون بجواز النقل من وجود الحاجة التي بلغت مقام الضرورة، وما في حكمها، وهذا المقام شهدت نصوص الشرع وقواعده باعتباره مستثنى من التحريم، ولكن بقدر ما تندفع به تلك الضرورة والحاجة. واعتبار هذه النصوص والقواعد الفقهية محلّ إجماع بين أهل العلم ﵏ فكم استثنوا بها من المحرمات المتعلقة بالعبادات والمعاملات. ثانيًا: أن حديث جابر ﵁ في قصّة الرجل الذي قطع براجمه واضح في الدلالة على عدم اعتبار المصلحة الحاجية بقطع شيء من الجسد، وأن ذلك يوجب نوعًا من العقوبة في الآخرة، ومن ثم فإنه لا يجوز الإقدام على قطع شيء من جثة المسلم طلبًا لدفع الحاجة المتعلقة بالغير؛ لأنه إذا لم يجز ذلك للشخص نفسه فمن باب أولى ألا يجوز لغيره ... وأما الكافر فإنه لا يدخل ضمنه؛ لأنّ تعذيبه في الآخرة مقصود شرعًا، فمن ثم جاز أخذ شيء من جثته لسد حاجة المسلم. ثالثًا: أن الأصل يقتضي حرمة المساس بجسد المسلم بالجرح والقطع حيًّا أو ميتًا، فوجب عليه البقاء عليه حتى يوجد الدليل الموجب للعدول والاستثناء منه. رابعًا: أن أدلة القائلين بالمنع لم تسلم من ورود القوادح عليها، وإن سلمت فإن جلها يتعلق بالمسلم، وأما الكافر فإنه يمكن نقل العضو منه إعمالًا للدليل المخالف وبهذا يمكن الجمع بين الأدلة (١). والله أعلم.

стр. 2416

النازلة السابعة: زراعة الأعضاء بعد قطعها في حد أو قصاص قد يقع شخص في معصية توجب حدًّا كقطع يد في سرقة، أو قصاص مثلًا فهل يجوز له إعادتها شرعًا؟ قبل البدء في المسألة من الناحية الشرعية نوضحها من الناحية الطبية فنقول: أولًا: التكييف الطبي للنازلة: تقوم هذه المهمة على تهيئة الطرفين الذين يراد وصلهما ثم يقوم الطبيب الجراح بتوصيل الأوعية الدموية وخياطة الأعصاب والأوتار. وليس كل الأعضاء المبتورة يمكن إعادتها إلى موضعها، بل ذلك مختص بأعضاء معينة وشروط لا بد من توفرها في ذلك العضو المبتور من أهمها عدم تلوثه بصورة تمنع من إعادته وعدم وجود فاصل زمني طويل؛ لأنّ ذلك يحول دون نجاح عملية الوصل التي تحتاج إلى طراوة الموضع وقرب عهده بحادث البتر. وهذه النازلة متعلقة بمن وجب عليه الحد وبالجاني، أما المجني عليه فيجوز له إعادة العضو المقطوع منه؛ لأنّ ذلك متفق مع رفع الحرج الذي جاءت به الشريعة، ولأنه إذا جاز بتر العضو وإبانته من الجسم عند الحاجة فلأن يجوز ردها عند وجودهما أولى. ثانيًا: حكم إعادة العضو المقطوع حدًّا أو قصاصًا: اختلف أهل العلم المعاصرين في هذه النازلة على قولين: القول الأوّل: لا يجوز إعادة العضو المقطوع وبه صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية (١)، واختاره جمعٌ من العلماء. واستدلوا لذلك بأدلة منها:

стр. 2417

١ - أن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، فلا تشرع الرأفة بإعادة ما أبين منه بعد إقامة حدّ الله عليه، كما أن الجزاء لا يتم إلا بالقطع، والنكال لا يتم إلا برؤية اليد المقطوعة. ثم إن هذا الحكم بالقطع يوجب فصلها عن البدن على التأبيد، وفي إعادتها مخالفة لحكم الشرع فلا يجوز فعلها. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وإعادة العضو تؤدي إلى عدم المماثلة. ٣ - من السنة حديث أبي هريرة ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال في السارق: "اذْهَبُوا بِهِ فاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ" (١). والحسم مانع من إعادتها. ٤ - ولحديث فضالة ﵁ قال "أُتِىَ رَسُولُ الله ﷺ بِسارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ أُمِرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ في عُنُقِهِ" (٢). فتعليق يد السارق في عنقه حكم شرعي يعتبر من تمام العقوبة والحد، وإعادتها توجب تفويت ذلك فلا يجوز فعلها. ٥ - أن الإعادة مفوتة للحكمة من إيجاب الحد والقصاص وهي الردع والزجر، كما أنها تشجع أهل الإجرام على فعل الجرائم وارتكابها.

стр. 2418

٦ - أن بقاء اليد مقطوعة يذكر الجاني بالعقوبة فيرتدع عن تكرارها. ٧ - أن إعادتها ليس من حق المقطوع منه بعد أن حكم الشرع بإبانته. ٨ - أن الله تعالى قد أمر بقطع اليد في الحرابة ثم بقطع الرجل، وهذا يعني أن اليد غير موجودة. القول الثاني: يجوز إلا أنه يشترط في القصاص رضى المجني عليه، وهو قول الشيخ وهبة الزحيلي (١). ومن العلماء من أجازه في القصاص ومنع منه في الحد، واستدلوا لقولهم بأدلة منها: ١ - قياسًا على ما لو نبتت سن جديدة أو أصبع جديدة بعد القصاص أو الحد فإنها لا تستأصل وليس للمجني عليه قلعها وليس هو في حكم المقطوع كذلك هنا. ويجاب عليهم بأن هذه نعمة متجددة، ولم يرد النص بقطعها وهذا بخلاف ما نحن فيه. ٢ - أنه لا سلطان للحاكم على المحكوم بعد تنفيذ الحد، كما لا يحق له منعه من تركيب يدٍ صناعية. ويجاب عليهم بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأنّ العضو المعاد ثبت بالنص إبعاده عن الجسم. ٣ - أن النص الشرعي أمر بمجرد الحد فيبقى ما عداه على أصل الإباحة الشرعية. ٤ - أن الأهداف من الحد وهي الزجر والإيلام والتشهير قد تحققت. ٥ - القياس على نقل الأعضاء من إنسانٍ لإنقاذ آخر فمن باب أولى أن يجوز للإنسان أن يعيد ما قطع من أعضائه.

стр. 2419

٦ - أن في الإعادة مصلحة ضرورية لصاحبها ولا تتصادم مع نصٍّ شرعي. ٧ - أن حقوق الله تعالى مبنية على الدرء والإسقاط والمسامحة خلافًا لحقوق الآدميين. الذي يترجح عندنا عدم جواز إعادة العضو المقطوع من حدّ أو قصاص وذلك لما يلي. ١ - لأنّ في بقاء أثر الحد تحقيقًا كاملًا للعقوبة المقررة شرعًا، ومنعًا للتهاون في استيفائها، وتفاديًا لمصادمة حكم الشرع في الظاهر. ٢ - أن القصاص إنما شرع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه، وصون حق الحياة للمجتمع وتوفير الأمن والاستقرار، وإعادة العضو المقطوع يخالف هذه المعاني التي راعاها الشارع الحكيم. ٣ - أن القصاص إنما شرع؛ لأنّ المقصود منه الزجر والردع لا الإيلام فقط. وإبقاء المراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة وقطع دابر الجريمة، وفي إعلان هذه العقوبات ببقائها يتحقق أثرها في الجاني وغيره ممّن شاهد الحد أو بلغته إقامته. وهذا هو ما قررته هيئة كبار العلماء بالمملكة (١)، وهو أيضًا ما قرره مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي (٢).

стр. 2420

النازلة الثامنة: حكم التشريح لم ينص الفقهاء قديمًا على حكم هذه النازلة ولم يتطرقوا إليها في مؤلفاتهم ومصنفاتهم وفق الصورة الحديثة لها، وهي من نتاج التقدم العلمي الحديث، ومن فروع الطب الذي يرتبط بالقضايا القانونية والجنائية. ولما كانت الشريعة الإِسلامية لا تجيز العبث والتمثيل بجثث الموتى، فإنه يرد السؤال عن حكمها في هذا النوع من الجراح، وهو سؤال يعد من النوازل الفقهية التي جدت، وطرأت في عصرنا الحاضر؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره. أغراض التشريح: ١ - التشريح الجنائي ومصلحته ظاهرة لردع المجرمين، وإظهار براءة المتهم ولمعرفة سبب الوفاة في حوادث القتل، وكذا في حالة القتل والوفاة المجهولة السبب كوجود ميتٍ على شاطئ البحر لمعرفة المدة التي كانت الضحية فيها بالماء، وهل كانت على قيد الحياة قبل إلقائها، وتحديد العمر والجنس من خلال جمع الأعضاء. ٢ - التشريح المرضي لمعرفة الأمراض وتأثيرها والتعرف على المرض وعلاجه، ومعرفة ما إذا كان هناك وباء فيتقى شره بوسائل الوقاية المناسبة. ٣ - التشريح التعليمي حيث يمكن الطالب في الطب معرفة تركيب جسم الإنسان ووظائف الأعضاء وأقسامها، ويتدرب على استعمال أدوات الجراحة ليقوم بعد ذلك بإجراء العمليات الجراحية للأحياء. ٤ - التشريح لمعرفة مدى العلاقة بين الأعراض التي ظهرت على المريض والتشخيص، وبين ما يكشف عنه التشريح من بيان الأسباب الحقيقية للوفاة، وبهذا يمكن أن يتقدم علم الطب حيث تكتشف الأمراض غير المعروفة.
следующие страницы →