← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

النازلة السابعة: زراعة الأعضاء بعد قطعها في حد أو قصاص قد يقع شخص في معصية توجب حدًّا كقطع يد في سرقة، أو قصاص مثلًا فهل يجوز له إعادتها شرعًا؟ قبل البدء في المسألة من الناحية الشرعية نوضحها من الناحية الطبية فنقول: أولًا: التكييف الطبي للنازلة: تقوم هذه المهمة على تهيئة الطرفين الذين يراد وصلهما ثم يقوم الطبيب الجراح بتوصيل الأوعية الدموية وخياطة الأعصاب والأوتار. وليس كل الأعضاء المبتورة يمكن إعادتها إلى موضعها، بل ذلك مختص بأعضاء معينة وشروط لا بد من توفرها في ذلك العضو المبتور من أهمها عدم تلوثه بصورة تمنع من إعادته وعدم وجود فاصل زمني طويل؛ لأنّ ذلك يحول دون نجاح عملية الوصل التي تحتاج إلى طراوة الموضع وقرب عهده بحادث البتر. وهذه النازلة متعلقة بمن وجب عليه الحد وبالجاني، أما المجني عليه فيجوز له إعادة العضو المقطوع منه؛ لأنّ ذلك متفق مع رفع الحرج الذي جاءت به الشريعة، ولأنه إذا جاز بتر العضو وإبانته من الجسم عند الحاجة فلأن يجوز ردها عند وجودهما أولى. ثانيًا: حكم إعادة العضو المقطوع حدًّا أو قصاصًا: اختلف أهل العلم المعاصرين في هذه النازلة على قولين: القول الأوّل: لا يجوز إعادة العضو المقطوع وبه صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية (١)، واختاره جمعٌ من العلماء. واستدلوا لذلك بأدلة منها:

стр. 2417

١ - أن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، فلا تشرع الرأفة بإعادة ما أبين منه بعد إقامة حدّ الله عليه، كما أن الجزاء لا يتم إلا بالقطع، والنكال لا يتم إلا برؤية اليد المقطوعة. ثم إن هذا الحكم بالقطع يوجب فصلها عن البدن على التأبيد، وفي إعادتها مخالفة لحكم الشرع فلا يجوز فعلها. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وإعادة العضو تؤدي إلى عدم المماثلة. ٣ - من السنة حديث أبي هريرة ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال في السارق: "اذْهَبُوا بِهِ فاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ" (١). والحسم مانع من إعادتها. ٤ - ولحديث فضالة ﵁ قال "أُتِىَ رَسُولُ الله ﷺ بِسارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ أُمِرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ في عُنُقِهِ" (٢). فتعليق يد السارق في عنقه حكم شرعي يعتبر من تمام العقوبة والحد، وإعادتها توجب تفويت ذلك فلا يجوز فعلها. ٥ - أن الإعادة مفوتة للحكمة من إيجاب الحد والقصاص وهي الردع والزجر، كما أنها تشجع أهل الإجرام على فعل الجرائم وارتكابها.

стр. 2418

٦ - أن بقاء اليد مقطوعة يذكر الجاني بالعقوبة فيرتدع عن تكرارها. ٧ - أن إعادتها ليس من حق المقطوع منه بعد أن حكم الشرع بإبانته. ٨ - أن الله تعالى قد أمر بقطع اليد في الحرابة ثم بقطع الرجل، وهذا يعني أن اليد غير موجودة. القول الثاني: يجوز إلا أنه يشترط في القصاص رضى المجني عليه، وهو قول الشيخ وهبة الزحيلي (١). ومن العلماء من أجازه في القصاص ومنع منه في الحد، واستدلوا لقولهم بأدلة منها: ١ - قياسًا على ما لو نبتت سن جديدة أو أصبع جديدة بعد القصاص أو الحد فإنها لا تستأصل وليس للمجني عليه قلعها وليس هو في حكم المقطوع كذلك هنا. ويجاب عليهم بأن هذه نعمة متجددة، ولم يرد النص بقطعها وهذا بخلاف ما نحن فيه. ٢ - أنه لا سلطان للحاكم على المحكوم بعد تنفيذ الحد، كما لا يحق له منعه من تركيب يدٍ صناعية. ويجاب عليهم بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأنّ العضو المعاد ثبت بالنص إبعاده عن الجسم. ٣ - أن النص الشرعي أمر بمجرد الحد فيبقى ما عداه على أصل الإباحة الشرعية. ٤ - أن الأهداف من الحد وهي الزجر والإيلام والتشهير قد تحققت. ٥ - القياس على نقل الأعضاء من إنسانٍ لإنقاذ آخر فمن باب أولى أن يجوز للإنسان أن يعيد ما قطع من أعضائه.

стр. 2419

٦ - أن في الإعادة مصلحة ضرورية لصاحبها ولا تتصادم مع نصٍّ شرعي. ٧ - أن حقوق الله تعالى مبنية على الدرء والإسقاط والمسامحة خلافًا لحقوق الآدميين. الذي يترجح عندنا عدم جواز إعادة العضو المقطوع من حدّ أو قصاص وذلك لما يلي. ١ - لأنّ في بقاء أثر الحد تحقيقًا كاملًا للعقوبة المقررة شرعًا، ومنعًا للتهاون في استيفائها، وتفاديًا لمصادمة حكم الشرع في الظاهر. ٢ - أن القصاص إنما شرع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه، وصون حق الحياة للمجتمع وتوفير الأمن والاستقرار، وإعادة العضو المقطوع يخالف هذه المعاني التي راعاها الشارع الحكيم. ٣ - أن القصاص إنما شرع؛ لأنّ المقصود منه الزجر والردع لا الإيلام فقط. وإبقاء المراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة وقطع دابر الجريمة، وفي إعلان هذه العقوبات ببقائها يتحقق أثرها في الجاني وغيره ممّن شاهد الحد أو بلغته إقامته. وهذا هو ما قررته هيئة كبار العلماء بالمملكة (١)، وهو أيضًا ما قرره مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي (٢).

стр. 2420

النازلة الثامنة: حكم التشريح لم ينص الفقهاء قديمًا على حكم هذه النازلة ولم يتطرقوا إليها في مؤلفاتهم ومصنفاتهم وفق الصورة الحديثة لها، وهي من نتاج التقدم العلمي الحديث، ومن فروع الطب الذي يرتبط بالقضايا القانونية والجنائية. ولما كانت الشريعة الإِسلامية لا تجيز العبث والتمثيل بجثث الموتى، فإنه يرد السؤال عن حكمها في هذا النوع من الجراح، وهو سؤال يعد من النوازل الفقهية التي جدت، وطرأت في عصرنا الحاضر؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره. أغراض التشريح: ١ - التشريح الجنائي ومصلحته ظاهرة لردع المجرمين، وإظهار براءة المتهم ولمعرفة سبب الوفاة في حوادث القتل، وكذا في حالة القتل والوفاة المجهولة السبب كوجود ميتٍ على شاطئ البحر لمعرفة المدة التي كانت الضحية فيها بالماء، وهل كانت على قيد الحياة قبل إلقائها، وتحديد العمر والجنس من خلال جمع الأعضاء. ٢ - التشريح المرضي لمعرفة الأمراض وتأثيرها والتعرف على المرض وعلاجه، ومعرفة ما إذا كان هناك وباء فيتقى شره بوسائل الوقاية المناسبة. ٣ - التشريح التعليمي حيث يمكن الطالب في الطب معرفة تركيب جسم الإنسان ووظائف الأعضاء وأقسامها، ويتدرب على استعمال أدوات الجراحة ليقوم بعد ذلك بإجراء العمليات الجراحية للأحياء. ٤ - التشريح لمعرفة مدى العلاقة بين الأعراض التي ظهرت على المريض والتشخيص، وبين ما يكشف عنه التشريح من بيان الأسباب الحقيقية للوفاة، وبهذا يمكن أن يتقدم علم الطب حيث تكتشف الأمراض غير المعروفة.

стр. 2421

٥ - التشريح لأغراض الانتفاع بأعضاء الميت لمصلحة الأحياء. حكم التشريح: ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين إلى جواز التشريح في الجملة لا بالجملة؛ وذلك لما يترتب عليه من مصالح جمة تفوق المضار والمفاسد، والأحكام الشرعية إنما تبنى على الغالب، إذ ما من فعل إلا وتحيطه وتجتمع فيه المصالح والمفاسد، وبناء الحكم الشرعي وفق الراجح من النوعين، فليس في الكون مصلحة محضة ولا مفسدة محضة؛ ولأن مراعاة حرمة الحي أعظم من مراعاة حرمة الميت، واستدلالًا بقاعدة: "إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفاديًا لأشدهما". فالتشريح فيه مصلحة عامة متعارضة مع مصلحة قاصرة خاصة وهي حرمة الميت، فتقدم المصلحة العامة. وتشريح الميت مفسدة خاصة؛ لما فيها من انتهاك لحرمته، وتركه فيه مفسدة عامة منتشرة على مجموع الناس، فترتكب المفسدة الأخف وهي التشريح درءًا وتلاشيًا من وقوع المفسدة الأعم والأشد، وهذا هو القول الأوّل في هذه النازلة. ومما جاء في قرارات هيئة كبار العلماء بخصوص التشريح ما يلي: "كما جرى استعراض البحث المقدم في ذلك من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وظهر أن الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأوّل: التشريح لغرض التحقق من دعوى جنائية. الثاني: التشريح لغرض التحقق من أمراض وبائية لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها. الثالث: التشريح للغرض العلمي تعلمًا وتعليمًا: وبعد تداول الرأي والمناقشة ودراسة البحث المقدم من اللجنة المشار إليه أعلاه قرر المجلس ما يلي:

стр. 2422

* بالنسبة للقسمين الأوّل والثاني: فإن المجلس يرى أن في إجازتهما تحقيقًا لمصالح كثيرة في مجالات الأمن والعدل ووقاية المجتمع من الأمراض الوبائية ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك، وإن المجلس لهذا يقرر بالإجماع إجازة التشريح لهذين الغرضين سواء كانت الجثة المشرحة جثة معصوم أم لا. * وأما بالنسبة للقسم الثالث -وهو- التشريح للغرض التعليمي: فنظرًا إلى أن الشريعة الإِسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وبارتكاب أدنى الضررين لتفويت أشدهما، وأنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها، وحيث إن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لا يغني عن تشريح الإنسان، وحيث إن في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العلمي في مجالات الطب المختلفة، فإن المجلس يرى جواز تشريح جثة الآدمي في الجملة إلا أنه نظرًا إلى عناية الشريعة الإِسلامية بكرامة المسلم ميتًا كعنايتها بكرامته حيا؛ وذلك لما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا" (١). ونظرًا إلى أن التشريح فيه امتهان لكرامته، وحيث إن الضرورة إلى ذلك منتفية بتيسير الحصول على جثث أموات غير معصومة، فإن المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث وعدم التعرض لجثث أموات معصومين والحال ما ذكر (٢). ومما جاء أيضًا في قرارات المجمع الفقهي لرابطة العالم الإِسلامي في دورته العاشرة في مكة: "بناء على الضرورات التي دعت إلى تشريح جثث الموتى، والتي

стр. 2423

يصير بها التشريح مصلحة تربو على مفسدة انتهاك كرامة الإنسان الميت؛ قرر مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإِسلامي ما يلي: أولًا: يجوز تشريح جثث الموتى لأحد الأغراض التالية: أ- التحقيق في دعوى جنائية؛ لمعرفة أسباب الموت، أو الجريمة المرتكبة، وذلك عندما يُشْكل على القاضي معرفة أسباب الوفاة، ويتبين أن التشريح هو السبيل لمعرفة هذه الأسباب. ب- التحقق من الأمراض التي تستدعي التشريح؛ ليتخذ على ضوئه الاحتياطات الواقية، والعلاجات المناسبة لتلك الأمراض. ج- تعليم الطب وتعلمه، كما هو الحال في كليات الطب. ثانيًا: في التشريح لغرض التعليم تراعى القيود التالية: أ- إذا كانت الجثة لشخص معلوم، يشترط أن يكون قد أذن هو قبل موته بتشريح جثته، أو أن يأذن بذلك ورثته بعد موته، ولا ينبغي تشريح جثة معصوم الدم إلا عند الضرورة. ب- يجب أن يقتصر في التشريح على قدر الضرورة؛ كيلا يعبث بجثث الموتى. ج- جثث النساء لا يجوز أن يتولى تشريحها غير الطبيبات، إلا إذا لم يوجدن. ثالثًا: يجب في جميع الأحوال دفن جميع أجزاء الجثة المشرحة" (١). القول الثاني في هذه النازلة: لا يجوز تشريح جثة الميت لغرض التعليم، وهو لجماعة من العلماء والباحثين، واستدلوا لذلك بأدلة منها:

стр. 2424

أ- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]. وجه الدلالة: أن الآية الكريمة دلت على تكريم الله تعالى لبني آدم، وهذا التكريم عام شامل لحال حياتهم ومماتهم، وتشريح جثث الموتى فيه إهانة لها. ب- أحاديث النهي عن المثلة، كما في حديث بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: "اغْزُوا بسْمِ الله وَفِي سَبيلِ الله، قاتِلُوا مَنْ كفَرَ بالله، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلا تَغْدِرُوا، وَلا تُمَثِّلُوا" (١). وجه الدلالة: أن تشريح جثة الميت فيه تمثيل ظاهر، فهو داخل في عموم النهي الوارد في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي ورد فيها نهي النبي ﷺ الموجب لحرمة التمثيل ومنعه. ج- حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "إِنَّ كَسْرَ عَظْمِ المُؤْمِنِ مَيْتًا مِثْلُ كَسْرِ عَظْمِهِ حَيًّا" (٢). وجه الدلالة: أن هذا الحديث دلّ على حرمة كسر عظام المؤمن الميت والتشريح مشتمل على ذلك فلا يجوز فعله. د- وكذلك قالوا بأن القواعد العامة التي جاءت بها الشريعة تدل على المنع

стр. 2425

من التشريح مثل قاعدة "الضرر لا يزال بالضرر"، وقاعدة "لا ضرر ولا ضرار". فقد دلت القاعدتان على أن مفسدة الضرر ينبغي ألا تزال بمثلها، والتشريح فيه إزالة ضرر بمثله، وعلى حرمة الإضرار بالغير، والتشريح فيه إضرار بالميت فلا يجوز فعله. والراجح هو جواز تشريح جثة غير المعصوم، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ (١)؛ وذلك لما يلي: أولًا: لأنّ الأصل عدم جواز التصرف في جثة المسلم إلا في الحدود الشرعية المأذون بها والتشريح ليس منها، فوجب البقاء على الأصل المقتضي للمنع، وهذا الأصل يسلم به القائلون بجواز التشريح وإن كانوا يستثنون التشريح اعتبارًا منهم للحاجة الداعية إليه. ثانيًا: أن تشريح جثة المسلم يعطل عن فعل كثير من الفروض المتعلقة بها بعد الوفاة، من تغسيلها وتكفينها، والصلاة عليها، ودفنها، وهو مخالفة لما ثبتت به السنة من الأمر بالمبادرة بالجنائز والإسراع بها، فلا يجوز تعطيل جثة المسلم وتأخير هذه المصالح المطلوب فعلها بعد الوفاة مباشرة لمصلحة لا تتعلّق بالميت، ولم يتسبب في موجبها، وإنما هي من مصالح الغير المنفكة عنه (٢).

стр. 2426

النازلة التاسعة: جراحة التجميل جراحة التجميل هي: جراحة تجري لتحسين منظر جزءٍ من أجزاء الجسم الظاهرة، أو وظيفته إذا ما طرأ عليه نقصٌ أو تلف أو تشوه (١). وتنقسم إلى نوعين: ١ - جراحة التجميل الحاجية. ٢ - جراحة التجميل التحسينية. أولًا: جراحة التجميل الحاجية: وهي التي يراد بها إزالة عيب سواء كان في صورة نقصٍ، أو تلفٍ، أو تشوه، فهو ضروري، أو حاجي بالنسبة لدواعيه الموجبة لفعله، وتجميلي بالنسبة لآثاره ونتائجه. وتنقسم العيوب التي يراد علاجها إلى قسمين: القسم الأوّل: عيوبٌ ناشئة في الجسم لا من سببٍ خارجٍ عنه وهي على نوعين: أ- العيوب الخلقية التي ولد بها الإنسان، كالتصاق أصابع اليدين والرجلين، وانسداد فتحة الشرج. ب- العيوب الناشئة من الآفات المرضية التي تصيب الجسم، ومن أمثلتها: انحسار اللثة بسبب الالتهابات المختلفة، وعيوب صيوان الأذن الناشئة عن الزهري والجذام والسل. القسم الثاني: عيوب مكتسبة طارئة: وهي العيوب الناشئة بسببٍ من خارج الجسم كما في العيوب والتشوهات الناشئة من الحوادث والحروق، ومن أَمثلتها:

стр. 2427

كسور الوجه الشديدة التي تقع بسبب حوادث السير، وتشوه الجلد بسبب الحروق والآلات القاطعة، والتصاق أصابع الكف بسبب الحروق. ثانيًا: جراحة التجميل التحسينية: وهي: جراحة تحسين المظهر وتجديد الشباب. وتنقسم إلى نوعين: عمليات الشكل، وعمليات التشبيب. النوع الأوّل: عمليات الشكل، ومن أشهر صوره ما يلي: * تجميل الأنف بتصغيره، وتغيير شكله من حيث العرض والارتفاع. * تجميل الذقن، وذلك بتصغير عظمها إن كان كبيرًا، أو تكبيره بوضع ذقن صناعية تلحم بعضلات، وأنسجة الحنك. * تجميل الثديين بتصغيرهما إذا كانا كبيرين، أو تكبيرهما بحقن مادة معينة مباشرة في تجويف الثديين أو بحقن الهرمونات الجنسية. * تجميل الأذن بردها إلى الوراء إن كانت متقدمة. * تجميل البطن بشد جلدتها وإزالة القسم الزائد بسحبه تحت الجلد جراحيًّا. النوع الثاني: ما يجرى لكبار السن، ويقصد منه إزالة آثار الكبر والشيخوخة، ومن أشهر صوره: * تجميل الوجه بشد تجاعيده. * تجميل الأرداف. * تجميل الساعد، وذلك بإزالة القسم الأدنى من الجلد والشحم.

стр. 2428

ثالثًا: حكم الجراحة التجميلية: ١ - حكم الجراحة التجميلية الحاجية: هذا النوع من الجراحة لا بأس به ولا حرج فيه؛ لأنّ النبي ﷺ أذن لعرفجة ابن أسعد لما قطع أنفه في الحرب أذن له أن يتخذ أنفًا من ذهب (١)، لإزالة التشويه الذي حصل بقطع أنفه، ومن تجرى له عملية التجميل ليس قصده إلا أن يزيل عيبًا حدث عنده لا بغرض التجميل الذي يقصد منه زيادة تحسين لمنظره وشكله، فلو كان أنف الإنسان مائلًا فيجوز أن يقوم بعملية لتعديله؛ لأنّ هذا إزالة عيب، وكذلك الحول في العين عيب لو أراد الإنسان أن يعمل عملية لتعديل العيب جاز له ذلك، ولأن هذه العيوب تشتمل على ضرر حسي ومعنوي فيحتاج إلى إزالته والقاعدة تقول: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة). ٢ - الحكم الشرعي للجراحة التحسينية: لما كان هذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية، ولا حاجية، بل غاية ما فيه هو التجميل الزائد، أي: ليس من أجل إزالة العيب بل لزيادة الحسن، وفيه نوع من تغيير خلقة الله، والعبث بها حسب أهواء الناس وشهواتهم، فهو غير مشروع، لكن هناك أنواعًا لا بأس بها مما لا يكون فيه غش أو تغيير لخلق الله كعمليات التقشير التي تتم لتجمل المرأة لزوجها برغبته فليس فيها تغيير لخلق الله ولا يدخل ضمن الأدلة التي يستدل بها المانعون. ويرى الشيخ الطيار أنه لا يجوز فعله (٢)، وذلك للأدلة التالية:

стр. 2429

١ - أنه تغيير لخلق الله عبثًا بلا دوافع ضرورية ولا حاجية وهو محرم، قال حكايةً عن إبليس اللعين في معرض الذم ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. ٢ - ما جاء من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يلعن المتنمصات والمتفلجات للحسن اللاتي يغيرن خلق الله" (١). فالحديث دلّ على لعن من فعل هذه الأشياء، وعلل ذلك بتغيير الخلقة التجميلية التحسينية. ٣ - أن هذا النوع من التجميل يحتوي في عددٍ من صوره على الغش والتدليس وهو محرم شرعًا، ففيها إعادة صورة الشباب للكهل والمسن في وجهه وجسده وذلك يؤدي لغش الأزواج والزوجات. ٤ - أن هذه الجراحة لا تخلو من محظورات ومنها قيام الرجال بمهمة الجراحة للنساء الأجنبيات وكشف العورة بلا حاجة، ومنها تخدير المريض وهو محرم إلا عند الحاجة ولا حاجة هنا، وقد يترتب عليها ترك الطهارة لفترةٍ من الزمن بسبب تغطية العضو الذي أجريت له العملية. ٥ - أنها لا تخلو من الأضرار والمضاعفات النفسية والجسدية، فكثيرًا ما تنتهي هذه العمليات إلى عقبى غير محمودة (٢).

стр. 2430

النازلة العاشرة: العلاج الجيني ومدى مشروعيته أولًا: التكييف الطبي لهذه النازلة: أ- يولد الإنسان بمجموعة من الصفات والأمراض محمولة على جينات، وهذه الجينات عبارة عن مجموعة من التتابعات (النيكلوتيدية) التي تشفر وتعطى مجموعة من الأحماض الأمينية البروتينية، وهذه التتابعات النيوكلوتيدية لها ترتيب معين، فإذا ما اختل هذا الترتيب ينتج حمض أميني آخر، مما يؤدى إلى تغير الشكل والوظيفة المسؤول عنها هذا الجين، وربما يصاب الإنسان بتشوه خلقي أو مرض معين نتيجة الخلل في تكوين هذا الجين. وهذه الجينات محمولة على عدد معين من (الكروموسومات) يبلغ عددها ستة وأربعون (كروموسوم) في كل خلية من خلايا الجسم، ما عدا الحيوان المنوي والبويضة، فيحمل كل منهما ثلاثة وعشرين (كروموسوم) حتى إذا ما التقيا فإنهما يكوِّنان خلية كاملة من الأب والأم بها ستة وأربعين (كروموسوم). ومن خلال التقدم الكبير الذي حدث خلال عشر سنوات في مجال المناعة والهندسة الوراثية، أمكن معرفة الكثير من أسرار بعض الأمراض التي كان من الصعب علاجها، لأنها ناتجة من عيوب وراثية غير قابلة للعلاج. ب- ما هو العلاج الجيني ؟ هو أحد تطبيقات الهندسة الوراثية فهو يقوم على إصلاح الخلل في الجينات، أو تطويرها، أو استئصال الجين المسبب للمرض واستبدال جين سليم به، وذلك بإحدى الطريقتين التاليتين:

стр. 2431

الطريقة الأُولى: عن طريق الخلية العادية، وذلك بإدخال التعديلات المطلوبة وحقنها للمصاب. الطريقة الثانية: وتتم بإدخال تعديلات مطلوبة على الحيوان المنوي أو البويضة، وقد أثيرت الشبهات حول الطريقتين؛ حيث أثيرت على الأُولى شبهة أخلاقية وهي: هل البصمة الوراثية لهذا الشخص ستكون مطابقة لابنه؟ كما أثيرت على الثانية شبهة تأثير إدخال التعديلات على الحيوان المنوي أو البويضة؟ ج- أهم الأمراض التي تناولها العلاج الجيني . من أهم الأمراض التي تناولها العلاج الجيني هو مرض السرطان حيث نجح العلماء مؤخرًا في علاج فئران مصابة بالسرطان عن طريق العلاج الجيني، ويقول العلماء: إن التقنية ذاتها من الممكن وقد بدأت بالفعل بعض التطبيقات تأخذ طريقها إلى النجاح. د- منافع العلاج الجيني: ١ - الاكتشاف المبكر للأمراض الوراثية، وحينئذٍ التمكن من منع وقوعها أصلًا بإذن الله، أو الإسراع بعلاجها، أو التخفيف منها قبل استفحالها، حيث بلغت الأمراض الوراثية المكتشفة أكثر من ستة آلاف مرض، وبالتالي استفادة الملايين من العلاج الجيني. ٢ - تقليل دائرة المرض داخل المجتمع وذلك عن طريق الاسترشاد الجيني، والاستشارة الوراثية. ٣ - إثراء المعرفة العلمية عن طريق التعرف على المكونات الوراثية، ومعرفة التركيب الوراثي للإنسان بما فيه القابلية لحدوث أمراض معينة كضغط الدم والنوبات القلبية، والسكر ونحوها.

стр. 2432

٤ - الحد من اقتران حاملي الجينات المريضة، وبالتالي الحد من الولادات المشوهة. ٥ - إنتاج مواد بيولوجية، وهرمونات يحتاجها جسم الإنسان للنمو والعلاج. هـ - سلبيات العلاج الجيني وأخطاره: تترتب على العلاج الجيني بعض السلبيات في عدة نواحي اجتماعية ونفسية، منها: ١ - من خلال كشف بعض الأمراض الوراثية للفرد يترتب عليه آثار كبيرة على حياته الخاصة، فيتعرض لعدم القبول في الوظائف، أو التأمين بصورة عامة، والامتناع عن الزواج منه رجلًا كان أو امرأة، فقراءة جينومه تؤثر فعلًا على عمله الوظيفي، وعلى زواجه، وعلى كثير من أموره الخاصة به، مما يترتب عليه إضرار به دون ذنب اقترفه، بل قد لا يصبح مريضًا مع أنه حامل الفيروس، أو جين مريض، فليس كل حامل للمرض مريض، ولا كل مرض متوقع يتحتم وقوعه. ٢ - التأثير على ثقة الإنسان بنفسه، والخوف والهلع من المستقبل المظلم مما يترتب عليه أمراض نفسية خطيرة قد تقضي عليه بسبب الهموم، مع أن الإنسان مكرم لا يجوز إهدار كرامته، وخصوصيته الشخصية وأسراره. ٣ - إن هناك عوامل أخرى بجانب الوراثة لها تأثير كبير على إحداث الأمراض الناتجة عن تفاعل البيئة ونمط الحياة، إضافة إلى الطفرات الجينية التي تحدث في البويضة أو الحيوان المنوي، أو فيهما بعد التلقيح. ٤ - وهناك مفاسد أخرى إذا تناول العلاج الجيني الصفات الخلقية -بفتح الخاء- من الطول والقصر، والبياض والسواد، والشكل، ونحو ذلك، أو ما يسمى بتحسين السلالة البشرية، مما يدخل في باب تغيير خلق الله المحرم.

стр. 2433

٥ - أن النقل الجيني في الخلايا الجرثومية التي ستولد خلايا جنسية لدى البالغين (حيوانات منوية وبويضات)، وذلك لأنّ التلاعب الوراثي لهذه الخلايا يمكن أن يوجد نسلًا جديدًا غامض الهوية ضائع النسب. ٦ - الدمج الخلوي بين خلايا الأجنة في الأطوار المبكرة. ٧ - احتمالية الضرر أو الوفاة، بسبب الفيروسات التي تستخدم في النقل الجيني. ٨ - الفشل في تحديد موقع الجينة على الشريط الصبغي للمريض حيث قد يسبب مرضًا آخر ربما أشد ضررًا. ٩ - احتمال أن تُسبب الجينة المزروعة نموًّا سرطانيًّا. ١٠ - استخدام المنظار الجيني في معالجة الأجنة قبل ولادتها قد يؤدي ذلك إلى مضاعفات خطيرة على حياة الأم والجنين. ١١ - أخطار أخرى تخص الجينة المزروعة، والكائنات الدقيقة المهندسة وراثيًّا. ١٢ - استخدام العلاج الجيني في صنع سلالات تستخدم في الحروب البيولوجية المدمرة. ثانيًا: الحكم الشرعي للعلاج الجيني: أولًا: لما كان العلاج الجيني من حيث هو علاج للأمراض الوراثية فينطبق عليه من حيث المبدأ الحكم الشرعي التكليفي للعلاج التي سبق بيانها في حكم التداوي (١). ثانيًا: بالنظر إلى العلاج الجيني من حيث ما له من خصوصية، وما له من آثار وما يترتب عليه من مصالح أو مفاسد أو مخالفات للنصوص الشرعية، فبهذا الاعتبار

стр. 2434

لا ينبغي أن نصدر حكمًا عامًا لجميع أنواع العلاج الجيني وحالاته؛ وذلك لأنّ الحكم الشرعي إنما يكون دقيقًا إذا كان متعلق الحكم معلومًا مبينًا واضحًا؛ لأنّ الحكم على الشيء فرع من تصوره. وبناءً على ما ذكرناه نقول بأن العلاج الجيني يسير تحت مستويين: المستوى الأوّل: حيث يتم معالجة أعراض المرض للفرد نفسه دون التعرض للأجيال التالية، أي: لا يكون هناك تغيير أو تبديل في الجينات، أو ما يترتب عليه من آثار إن كان في حدود العلاج أو منع المرض، أو إصلاح الخلل، أو العيب وعدم تغيير الشكل الفطري فهذا جائز وفق الضوابط التي سنذكرها في العلاج الجيني، وإن كان فيه عبث بالجينات، أو تغيير للهيئة، فهو محرم. المستوى الثاني: هو أن يتم العلاج في جينات داخل خلايا مشيجية، ومن هنا يمكن أن ينتقل العلاج إلى الأبناء، فهذا العلاج غير جائز شرعًا؛ لما فيه من غموض وعدم معرفة بالنتائج التي تترتب عليه. وقد صدر قرار من المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإِسلامي على ذلك ومما جاء فيه: وبعد النظر والتدارس والمناقشة فيما كتب حولها، وفي بعض القرارات والتوصيات التي تمخضت عنها المؤتمرات والندوات العلمية. يقرر المجلس ما يلي: أولًا: تأكيد القرار الصادر عن مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي بشأن الاستنساخ برقم ١٠٠/ ٢ / د/ ١٠ في الدورة العاشرة المنعقدة بجدة في الفترة من ٢٣ - ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ. ثانيًا: الاستفادة من علم الهندسة الوراثية في الوقاية من المرض أو علاجه، أو تخفيف ضرره بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر أكبر.

стр. 2435

ثالثًا: لا يجوز استخدام أي من أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله في الأغراض الشريرة وفي كل ما يحرم شرعًا. رابعًا: لا يجوز استخدام أي من أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله للعبث بشخصية الإنسان، ومسؤوليته الفردية، أو للتدخل في بنية المورثات (الجينات) بدعوى تحسين السلالة البشرية. خامسًا: لا يجوز إجراء أي بحث، أو القيام بأية معالجة، أو تشخيص يتعلق بمورثات إنسان ما إلَّا بعد إجراء تقويم دقيق وسابق للأخطار والفوائد المحتملة المرتبطة بهذه الأنشطة، وبعد الحصول على الموافقة المقبولة شرعًا مع الحفاظ على السرية الكاملة للنتائج، ورعاية أحكام الشريعة الإِسلامية الغراء القاضية باحترام حقوق الإنسان وكرامته. سادسًا: يجوز استخدام أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله في حقل الزراعة وتربية الحيوان شريطة الأخذ بكل الاحتياطات لمنع حدوث أي ضرر -ولو على المدى البعيد- بالإنسان، أو الحيوان، أو البيئة. ثالثًا: ضوابط العلاج الجيني: ذكرنا فيما سبق جواز العلاج عن طريق العلاج الجيني، لكن لا بد أن يكون الجواز الشرعي مرتبطًا بأخذ كل الاحتياطات العلمية والتقنية والفنية والمعملية والاحترازية، لتفادي كل الأضرار التي يمكن أن تترتب على العلاج الجيني وضرورة تفادي ما يترتب على الحيوانات المحورة وراثيًّا من الجينات الغريبة، فهذه الشريعة الإِسلامية مبنية على تحقيق المصالح ودرء المفاسد فأينما تكن المصلحة الحقيقية فثَمَّ شرع الله تعالى فهي عدل كلها، ورحمة كلها، وخير كلها، فأي شيء فيه الضرر والقسوة، أو الظلم والجور، أو المفسدة والمضرة فليس من هذه الشريعة، ومن هذه الضوابط ما يلي:

стр. 2436

١ - أن تكون المنافع المتوخاة من العلاج محققة في حدود الظن الغالب، أما إذا كانت آثاره الإيجابية مشكوكًا فيها، أو بعبارة الفقهاء (مصالح موهومة)، فلا يجوز إجراؤه على الإنسان. ٢ - أن تكون نتائج العلاج الجيني مأمونة لا يترتب عليه ضرر أكبر، فلا يؤدي إلى هلاك أو ضرر بالبدن، أو العقل، أو النسل، أو النسب. ٣ - أن يكون العلاج في حدود الأغراض الشريفة، وأن يكون بعيدًا عن العبث والفوضى، وذلك بأن لا يكون لأجل إثبات قوة العلم فقط دون أن يترتب عليه منافع للبشرية. ٤ - أن لا يكون العلاج الجيني في مجال التأثير على السلالة البشرية وعلى فطرة الإنسان السليمة شكلًا وموضوعًا، وبعبارة أخرى لا يؤدي إلى تغيير خلق الله -كما سبق- لأنّ الله تعالى خلق هذا الكون على موازين ومقادير وموازنات ثابتة فلا يجوز التلاعب بها. ٥ - أن يكون العلاج بالطيبات لا بالمحرمات إلا في حالات الضرورة التي تقدر بقدرها. ٦ - أن لا يؤدي العلاج إلى الإضرار بالبيئة، وإلى تعذيب الحيوان. ٧ - أن لا يتجاوز التعامل بالعلاج الجيني حدود الاعتدال فلا يصل إلى حدود التبذير والإسراف. ٨ - أن لا يجري أي علاج جيني على الإنسان إلّا بعد التأكد من نجاحه بنسبة كبيرة. ٩ - أن يكون القائمون بهذه التجارب وبالعلاج الجيني من ذوي الإخلاص والاختصاص والتجربة والخبرة.

стр. 2437

١٠ - أن تكون المختبرات الخاصة بالجينات والعلاج تحت مراقبة وإشراف الدولة، أو الجهات الموثوق بها؛ وذلك لخطورة هذه الاختبارات الجينية وآثارها المدمرة إن لم تكن تحت المراقبة، حتى إن بعض العلماء يخافون من هذه الاختبارات أكثر من مجال الذرة (١).

стр. 2438

النازلة الحادية عشرة: حكم تغيير الخلقة عن طريق العلاج الجيني تناولنا فيما سبق نازلة في حكم جراحة التجميل، فما مدى العلاقة بين هذه النازلة وتغيير الخلقة عن طريق العلاج الجيني؟ نقول هناك فرق بين ذلك التغيير الحاصل على بعض أجزاء البدن عن طريق الجراحة التجميلية والتغيير عن طريق العلاج الجيني، فالأول يتم عن طريق إجراء عمليات تجميلية واقعة على الأعضاء المصابة بالآفة أو القبح، أما العلاج الجيني فيتم عن طريق التحكم في المصادر المتحكمة والأجهزة المتحكمة في الأعضاء، والمسؤولة عنها شكلًا ولونًا وكيفًا وكمًّا حسب سنة الله، وذلك بالتدخل في الجينات، أو الاستئصال أو التبديل بين جزئياتها، ومن هنا نقول: أولًا: إن أي علاج جيني يستهدف علاج الجينات المريضة والمشوهة لإعادتها إلى شكل أو وظيفة العضو السوية المعهودة له جائز شرعًا، وكذلك العلاج الجيني الذي يستهدف إصلاح عيب أو دمامة تسبب للشخص أذى عضويًّا أو نفسيًّا. ثانيًا: لا يجوز العلاج الجيني الذي يستهدف خروج الجسم أو العضو عن خلقته السوية. ثالثًا: لا يجوز تغيير الجنس، أو اللون، أو الشكل؛ لأنها من آيات الله تعالى التي تقوم على الحكم والتوازن والموازنات والسنن الربانية (١).

стр. 2439

النازلة الثانية عشرة: استخدام الأجنة مصدرًا لزراعة الأعضاء سبق أن بينا مدى مشروعية العلاج الجيني والضوابط المعتبرة عند استخدامه كطريقة مستحدثة من طرق العلاج. وأمَّا عن مسألة حكم استخدام الأجنة مصدرًا لزراعة الأعضاء، فقد بحثها مجلس المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي بجدة وبعد الاطلاع على التقارير والتوصيات المقدمة بشأن هذه المسألة قرر ما يلي: أولًا: لا يجوز استخدام الأجنة مصدرًا للأعضاء المطلوب زرعها في إنسان آخر إلا في حالات بضوابط لا بد من توافرها: أ- لا يجوز إحداث إجهاض من أجل استخدام الجنين لزرع أعضائه في إنسان آخر، بل يقتصر الإجهاض على الإجهاض الطبيعي غير المتعمد والإجهاض للعذر الشرعي، ولا يلجأ لإجراء العملية الجراحية لاستخراج الجنين إلا إذا تعينت لإنقاذ حياة الأم. ب- إذا كان الجنين قابلًا لاستمرار الحياة، فيجب أن يتجه العلاج الطبي إلى استبقاء حياته والمحافظة عليها، لا إلى استثماره لزراعة الأعضاء، وإذا كان غير قابل لاستمرار الحياة فلا يجوز الاستفادة منه إلا بعد موته بالشروط الشرعية. ثانيًا: لا يجوز أن تخضع عمليات زرع الأعضاء للأغراض التجارية على الإطلاق. ثالثًا: لا بد أن يسند الإشراف على عمليات زراعة الأعضاء إلى هيئة مخصصة موثوقة. والله أعلم (١).

стр. 2440

النازلة الثالثة عشرة: التلقيح الاصطناعي أولًا: تعريفه: التلقيح الاصطناعي هو: أن يؤخذ مني الرجل ويحقن داخل المهبل، أو يؤخذ مني الرجل والمرأة معًا ويوضع في طبق اختبارٍ ثم يزرع في الرحم. ثانيًا: طرق التلقيح الاصطناعي: الطريقة الأولى: التلقيح الاصطناعي الداخلي: وهو ما أُخذ فيه ماء الرجل وحقن في محله المناسب داخل رحم المرأة زوجة أو غيرها، ويسمى أيضًا بالإخصاب الداخلي أو التلقيح الإخصابي الذاتي. الطريقة الثانية: التلقيح الاصطناعي الخارجي (طفل الأنبوب): حيث يتم الإخصاب في وسط معملي: وهو ما أخذ فيه الماءان من رجل وامرأة زوجين أو غيرهما وجعلا في أنبوب أو طبق اختبار ثم تزرع في مكانها المناسب من رحم المرأة. ويسمى أيضًا: الإخصاب المعملي حيث يتم الإخصاب في وسط معملي. ثالثًا: الأسباب الداعية إلى التلقيح الاصطناعي: ١ - الأسباب الداعية إلى التلقيح الاصطناعي الداخلي: أ- ضعف الحيوانات المنوية لدى الزوج فيجمع المني ويركز ويتم إدخاله إلى داخل الرحم في فترة الإخصاب لدى الزوجة. ب- إذا كانت حموضة المهبل تقتل الحيوانات المنوية للزوج بصورة غير اعتيادية. ج- إذا كان هناك تضاد مناعي بين خلايا الزوج والزوجة.

стр. 2441

د- إذا أصيب الزوج بالإنزال السريع أو العنة (عدم القدرة على الإيلاج). هـ - إذا كانت إفرازات عنق الرحم تعيق ولوج الحيوانات المنوية. و- إذا أصيب الزوج بمرض (سرطان) ويستدعي ذلك العلاج بالأشعة والعقاقير التي تؤدي إلى العقم، فتؤخذ دفعات من المني وتحفظ ثم تلقح الزوجة في الوقت المناسب. ٢ - الأسباب الداعية إلى التلقيح الاصطناعي الخارجي: أ- قفل أو إصابة الأنابيب في الجهتين، وفشل محاولة إصلاحها جراحيّا، وهذا أهم الأسباب. ب- حدوث انتباذ في بطانة الرحم. ج- حدوث تضاد مناعي في جهاز المرأة التناسلي (الزوجة). د- حدوث تضاد مناعي في جهاز الرجل التناسلي (الزوج). هـ - عيوب شديدة في مني الزوج (قلة المني -قلة الحركة- كثرة الحيوانات المنوية الميتة. . . إلخ). و- أسباب مجهولة لدى الرجل أو لدى المرأة تسبب قلة الخصوبة. ز- إفرازات عنق الرحم المعادية للحيوانات المنوية. رابعًا: صور التلقيح الاصطناعي: ١ - صور التلقيح الاصطناعي الداخلي: أ- أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجل متزوج (ولو كان ميتًّا) وتحقن في الموضع المناسب داخل مهبل الزوجة أو رحمها.

стр. 2442

ب- أن تؤخذ نطفة من رجل وتحقن في الموضع المناسب من زوجة رجل آخر حتى يقع التلقيح داخليًّا، ويلجأ لهذه الصورة إذا كان الزوج عقيمًا. ٢ - صور من التلقيح الاصطناعي الخارجي: أ- أن تؤخذ نطفة من زوج وبويضة من مبيض زوجته، فتوضعا في أنبوب اختبار طبي بشروط فيزيائية معينة حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار، ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر تنقل في الوقت المناسب من أُنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة لتعلق في جداره وتنمو. وهذه هي ما يسمى (طفل الأُنبوب)، ويلجأ لها عندما تكون الزوجة عقيمًا بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها ورحمها (قناة فالوب). ب- أن يجري تلقيح خارجي في أُنبوب الاختبار بين نطفة مأخوذة من زوج وبويضة مأخوذة من مبيض امرأة ليست زوجته يسمونها متبرعة ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته، ويلجأ إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلًا أو معطلًا ولكن رحمها سليم قابل لعلوق اللقيحة فيه. ج- أن يجري تلقيح خارجي في أُنبوب اختبار بين نطفة رجل وبويضة امرأة ليست زوجته يسمونها متبرعة ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متزوجة، ويلجأ إلى ذلك حينما تكون المرأة المتزوجة التي زرعت اللقيحة فيها تعطل مبيضها لكن رحمها سليم. د- أن يجرى تلقيح خارجي في وعاء الاختبار بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأةٍ تتطوع بحملها، ويلجأ لذلك حينما تكون الزوجة غير قادرة على الحمل لسبب في رحمها ولكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل ترفًا فتتطوع امرأةٌ أخرى بالحمل عنها.

стр. 2443

هـ - هذه الصورة كسابقتها إلّا أن المتبرعة بحمل اللقيحة هنا هي ضرة الزوجة. خامسًا: الحكم الشرعي للتلقيح الاصطناعي: أما الصورة الثانية من صور التلقيح الاصطناعي الداخلي وكذلك الصورة الثانية والثالثة والرابعة من صور التلقيح الخارجي فهي محرمة؛ لأنّ مصدر اللقيحة فيها متكون من مصدرين غير متزوجين، أو لأنها وضعت في عنق رحم امرأة ليست زوجةً. ويبقى الكلام في الصورة الأولى من صور التلقيح الاصطناعي الداخلي وكذلك الصورة الأولى من صور التلقيح الاصطناعي الخارجي فهذه اختلفت فيها أقوال العلماء: القول الأوّل: الجواز عند الحاجة بشروط هي: أ- أن يكون كشف العورة بقدر الضرورة. ب- وأن تتولى العلاج امرأة مسلمة إن أمكن وإلَّا فامرأةٌ غير مسلمة وإلَّا فطبيب مسلم ثقة، وإلَّا فغير مسلم. ج- عدم الخلوة عند العلاج. د- إتلاف ما زاد من الماءين. هـ - أن تتم عملية التلقيح بوجود الزوج نفسه ورضاه. و- اتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة خشية اختلاط الأنساب، ويفضل التلقيح مباشرة. القول الثاني: التحريم مطلقًا. القول الثالث: إن هذه الصورة من مواطن الضرورة فلا يفتى فيها بفتوى عامة.

стр. 2444

وأما مجمع الفقه الإِسلامي التابع لرابطة العالم الإِسلامي بمكة المكرمة (١) فقد أجازها عند الحاجة، إلَّا أنه نصح المسلمين الغيورين على دينهم ألَّا يلجؤوا إلى ممارستها (أي الصور الجائزة) إلَّا في حالة الضرورة القصوى، وبمنتهى الاحتياط والحذر من اختلاط النطف أو اللقاح؛ نظرًا لما في الصناعي بوجهٍ عام من ملابسات في الصور الجائزة شرعًا، ومن احتمال اختلاط النطف واللقاح في أوعية الاختبار، ولا سيما إذا كثرت ممارسته وشاعت وانتشرف. وأما أخذ الماء من الزوجين ووضعه في رحم زوجةٍ أخرى له بتلقيحٍ داخلي أو خارجي، فقد أجازها مجلس المجمع الفقهي بمكة المكرمة (٢) التابع لرابطة العالم الإِسلامي في قراره الخامس الذي أصدره في دورته السابعة؛ وعلل ذلك بالحاجة، ثم تراجع عن هذا القرار وعلل سبب تراجعه بأن الزوجة التي زرعت فيها لقيحة بييضة الزوجة الأولى قد تحمل ثانيًا قبل انسداد رحمها على حمل اللقيحة من معاشرة الزوج لها في فترة متقاربة مع زرع اللقيحة، وهذا يوجب اختلاط الأنساب لجهة الأم الحقيقية لكل من الحملين والتباس ما يترتب على ذلك من أحكام، وذلك في الأمرين التاليين: ١ - أنه قد تلد في هذه الحالة توأمين، ولا نستطيع أن تميز ولد اللقيحة من ولد معاشرة الزوج، كما أننا لا نستطيع أن نعرف أم ولد اللقيحة التي أخذت منها البييضة من أم ولد معاشرة الزوج. ٢ - أن أحد الحملين قد يموت علقة أو مضغة ولا يسقط إلَّا مع ولادة الحمل الآخر الذي لا يعلم أيضًا أهو ولد اللقيحة أم حمل معاشرة الزوج.

стр. 2445

أما مجلس الفقه الإِسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإِسلامي (١) فقد ذهب إلى تحريم هذه الحالة، ومنعها منعًا باتًّا لذاتها، أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية، ومما جاء في القرار ما يلي: * إن الأسلوب السابع (الذي تؤخذ فيه النطفة والبويضة من زوجين، وبعد تلقيحهما في وعاء الاختبار، تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى للزوج نفسه حيث تتطوع بمحض اختيارها بهذا العمل عن ضرتها المنزوعة الرحم) يظهر لمجلس المجمع أنه جائز عند الحاجة، وبالشروط العامة المذكورة. * قلنا وقد تراجع المجمع عن الحكم بجواز الأسلوب السابع في القرار رقم (٣٦) (٢).

стр. 2446

النازلة الرابعة عشرة: استعمال أدوية منع الحيض والحمل للمرأة الحائض أحكام تخصها، فهي مثلًا لا تصلي ولا تصوم ولا تطوف بالبيت، لكن قد تستعمل بعض النساء أدوية وطرقًا تمنع الحيض أو الحمل أو تنظمه لتتمكن من الصوم والطواف أو غير ذلك، فهل يجوز لها فعل ذلك؟ نقول أولًا: حكم استخدام الأدوية لمنع الحيض: لا حرج أن تأخذ المرأة حبوب منع الحيض أيام رمضان حتى تصوم مع الناس وفي أيام الحج حتى تطوف مع الناس ولا تتعطل عن أعمال الحج، وإن وجد غير الحبوب شيء يمنع الدورة فلا بأس بشرط أن يأذن الزوج بذلك (١) وألا يترتب على ذلك ضرر من الناحية الصحية. ثانيًا: منع الحمل وتنظيمه وتحديد النسل: ١ - الفرق بين منع الحمل وتنظيمه وتحديد النسل: أ- منع الحمل: هو استعمال الوسائل التي يظن أنها تحول بين المرأة وبين الحمل؛ كالعزل، وتناول العقاقير، ووضع اللبوس ونحوه في الفرج، وترك الوطء في وقت الإخصاب، ونحو ذلك. ب- تحديد النسل: هو التوقف عن الإنجاب عند الوصول إلى عدد معين من الذرية باستعمال وسائل يظن أنها تمنع من الحمل. ج- تنظيم الحمل: هو استعمال وسائل معروفة لا يراد من استعمالها إحداث العقم أو القضاء على وظيفة جهاز التناسل، بل يراد بذلك الوقوف عن الحمل فترة

стр. 2447

من الزمن لمصلحة ما يراها الزوجان أو من يثقان به من أهل الخبرة. فالقصد من الأوّل: عدم التناسل أصلًا، سواء أصيب جهاز التناسل بعقم أم لا. والقصد من الثاني: تقليل عدد النسل بالوقوف به عند غاية، سواء أصيب جهاز التناسل بعد هذه الغاية بعقم أم لا. والقصد من الثالث: مراعاة حال الأسرة وشؤونها من صحة أو قدرة على الخدمة مع مراعاة الإبقاء على استعداد جهاز التناسل للقيام بوظيفته. ٢ - بيان حكم هذه الحالات الثلاث: نقول أولًا: اختلف العلماء في حكم العزل (وهو أن الرجل إذا جامع زوجته ثم قرب إنزاله نزع من الجماع حتى يكون الماء خارج المكان لئلا تحمل). فقال بعضهم يجوز بلا كراهة، وقال غيرهم هو محرم، وقال آخرون يجوز مع الكراهة إن لم تكن هناك حاجة وأما معها فيجوز بلا كراهة. والصواب في هذه المسألة أنه يجوز للزوج أن يعزل عن زوجته برضاها، وذلك لأنّ لها حقًّا في الولد كما للرجل حق فيه، ولهذا كانت أحق بحضانته منه. ثالثًا: حكم استخدام وسائل منع الحمل أو تنظيمه: أما منع الحمل وقطعه بالكلية فهذا لا يجوز إلا إذا قرر الأطباء أن الحمل يسبب موت المرأة، أو تعب الأم بسبب الولادات المتتابعة، أو ضعف بنيتها، أو غير ذلك، ومما يدلّ على عدم الجواز ما يلي: ١ - ما علم من حث الشريعة على الإكثار من النسل والترغيب فيه. ٢ - نهي الرسول عن الاختصاء والتبتل، فهذا وإن كان في حق الرجل فيقاس عليه المرأة.

стр. 2448

وأما تنظيم الحمل فيجوز عند الحاجة قياسًا على العزل، إذا احتاجت المرأة إليه، إذا كانت صحتها لا تتحمل توالي الحمل المتقارب، أو كان الحمل يضر بطفلها الذي ترضعه، وكانت الحبوب لا تقطع الحمل وإنما تؤخره؛ فلا بأس بذلك بقدر الحاجة، ويكون ذلك بعد مراجعة الطبيب المختص. وقال بعض العلماء: لها أن تستعمل ما يمنع الحمل مدة الحولين إن أرادت أن تتم الرضاعة، والله أعلم. وقد صدر قرار مجمع الفقهي الإِسلامي التابع لرابطة العالم الإِسلامي بمكة المكرمة (١) حيث جاء فيه: "لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأنّ الله تعالى هو الرازق ذو القوة المتين ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، أما إذا كان منع الحمل لضرورةٍ محققة ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد أو كان تأخيره لفترة لمصلحة يراها الزوجان، فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل أو تأخيره؛ عملًا بما جاء في الأحاديث الصحيحة وما روي عن جمع من الصحابة -رضوان الله عليهم- من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرح به الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحققة" أ. هـ. وأيضًا قد صدر من مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي بجدة (٢) قرار جاء فيه: "أن مقاصد الزواج في الشريعة الإِسلامية الإنجاب والحفاظ على النوع

стр. 2449

الإنساني، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد؛ لأنّ إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل والحفاظ عليه والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمسة التي جاء في الشرائع رعايتها قرر ما يلي: ١ - لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب. ٢ - يحرم استئصال القدرة على الإنجاب بين الرجل أو المرأة وهو ما يعرف بالإعقام أو التعقيم ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية. ٣ - يجوز التحكم المؤقت للإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لفترة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعًا بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض بشرط ألَّا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وألَّا يكون فيها عدوان على حمل قائم والله أعلم" أ. هـ.

стр. 2450

النازلة الخامسة عشرة: ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالجراحة الطبية الجراحة الطبية في العصر الحديث تنوعت وتطورت بطريقة لم يسبق لها مثيل من قبل، وكل ذلك راجع إلى فضل الله ورحمته ثم إلى الجهود التي يقوم بها أهل الطب لخدمة الإنسانية. غير أن هذه العمليات الجراحية لها ضوابط شرعية تضبطها أشار إليها الفقهاء وهي مستقاة من أصول الشرع وقواعده سنعرضها في هذه النازلة. أولًا: شروط جواز الجراحة الطبية: ١ - أن تكون الجراحة مشروعة: فإن كانت غير مشروعة كجراحة التجميل التحسينية التي سبق الإشارة إليها في نازلة التجميل فلا يجوز للمريض أن يطلب فعلها ولا يجوز للطبيب إن يجيبه إلا بعد أن تكون تلك الجراحة مأذونًا بفعلها شرعًا؛ لأنّ الجسد ملك لله فلا يجوز للإنسان أن يتصرف فيه إلا بإذن المالك الحقيقي. ٢ - أن يكون المريض محتاجًا إلى الجراحة: كأن يخاف على نفسه الهلاك أو تلف عضو من أعضاء جسده أو تخفيف الألم ونحو ذلك. ٣ - أن يأذن المريض أو وليه بفعل الجراحة: فإذا رفض المريض ولو كان يتألم فلا يجوز للطبيب أن يجري الجراحة حتى يأذن له. ٤ - أن تتوفر الأهلية في الطبيب الجراح: ويتحقق هذا الشرط بوجود أمرين: أن يكون ذا علم وبصيرة بالعملية المطلوبة، وأن يكون قادرًا على تطبيقها وأدائها على الوجه المطلوب، فإن كان جاهلًا بالكلية كأن تكون خارجة عن اختصاصه أو جاهلًا ببعضها فإنه يحرم عليه فعلها، ويعتبر إقدامه عليها في حال جهله بمثابة الجاني المعتدي على الجسم المحرم بالقطع والجرح.

стр. 2451

٥ - أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح الجراحة: بمعنى أن تكون نسبة نجاح العملية ونجاة المريض من أخطارها أكبر من نسبة عدم نجاحها وهلاكه، فإذا غلب على ظنه هلاك المريض بسببها فإنه لا يجوز له فعلها. ٦ - ألا يوجد البديل الذي هو أخف ضررًا من الجراحة: كالعقاقير والأدوية، فإن وجد البديل لزم المصير إليه صيانة لأرواح الناس وأجسادهم؛ حتى لا تتعرض لأخطار الجراحة وأضرارها ومتاعبها كالقرحة الهضمية، في بدايته يتم علاجه بالعقاقير والتي ثبت مؤخرًا تأثيرها على القرحة وأنها أنجح العلاجات وأفيدها. أما إذا كان الدواء أشد خطرًا وضررًا ولا ينفع في علاج الداء أو زواله، فإنه لا يعتبر موجبًا للصرف عن فعل الجراحة كبعض الأمراض العصبية حيث يمكن علاج المريض بالعقاقير المهدئة، لكنها لا تنفع في زوال الداء، وقد تسبب الإدمان فوجود البديل على هذا الوجه وعدمه سواء. ٧ - أن تترتب المصلحة على فعل الجراحة (١).

стр. 2452

النازلة السادسة عشرة: في الاستنساخ هذه النازلة تعد من أهم النوازل التي ينبغي النظر فيها بنظرة متأنية؛ حيث كثر اللغط فيها وتناولتها وسائل الإعلام جميعها المقروءة منها والمسموعة، وقبل بيان حكم هذه النازلة لا بد من التعريف بها من منظور علمي أولًا ثم عرضه بعد ذلك على الإِسلام حتى يتبين حكم الإِسلام فيها. أولًا: تعريفه: الاستنساخ هو: زرع خلية إنسانية أو حيوانية جسدية تحتوي على المحتوى الوراثي كاملًا في رحم طبيعي أو صناعي؛ وذلك بغرض إنتاج كائن حي (حيوان أو إنسان) صورة طبق الأصل من نظيره صاحب الخلية الأولى (١). ثانيًا: أقسامه: ينقسم الاستنساخ إلى قسمين: أ- الاستنساخ البشري. ب- الاستنساخ الحيواني والنباتي. والاستنساخ البشري هو محاولة تقديم كائن أو خلية أو جزيء بحيث تستطيع من غير نقصٍ ولا إضافة لمحتوياتها الوراثية أن تتكاثر عن غير طريق التكاثر التلقيحي، ويطلق عليه النسخ والتكاثر الخضري أو العذري أو اللاجنسي والتكاثر بالخلايا الجسدية، وخلاصته طلب التكاثر بغير الاتصال المشروع وإنما بطرق مخصوصة وهو ثلاثة أنواع:

стр. 2453

١ - الاستنساخ الجنيني: وهو العمل على فصل خلايا بييضة ملقحة بخلية منوية بعد انقسامها إلى خليتين أو أكثر لتصبح كل خلية منها أيضًا صالحة للانقسام أيضًا بعد تهيئة ظروف نموها وانقسامها، وهكذا يتوالى الانقسام والفصل في كل خلية ثم تزرع بعض هذه الخلايا في رحم الأم، ويتم تبريد الباقي ليحتفظ به إلى وقت اللزوم. ٢ - الاستنساخ العضوي: وهو العمل على استنساخ العضو الذي يحتاج إليه الإنسان في حياته حال حدوث عطب في هذا العضو. ٣ - الاستنساخ الخلوي: وهو زرع خلية جسدية (تحتوي على ٤٦ كروموزوم) مكان نواة منزوعة من بييضة ليتولى السيتوبلازم المحيط بالنواة الجديدة حثها على الانقسام والتنامي من طور إلى طور من أطوار الجنين الذي يكون بعد ولادته صورة مطابقة لصاحب تلك الخلية الجسمية من الناحية المظهرية (١). ثالثًا: ذكر بعض فوائد الاستنساخ كما يقرره المؤيدون له: ذهب من يؤيد الاستنساخ إلى إمكانية الاستفادة منه بضوابط هي: ١ - أنه حل فاعل للرجال المصابين بالعقم الذين لا يوجد في منيهم خلايا منوية، وكذلك للنساء اللواتي لا تقبل بيضاتهن التلقيح، فالاستنساخ هو الحل الوحيد حتى الآن لأمثال هؤلاء. ٢ - أن بعض الرجال والنساء يفقدون قدرتهم على الإنجاب؛ نتيجة تلقيهم علاجًا كيميائيًّا أو إشعاعيًّا بسبب إصابتهم بمرض السرطان، وتعتبر هذه الوسيلة الوحيدة لهم كي ينجبوا كما في الحالة الأولى.

стр. 2454

٣ - أن الاستنساخ يمكن أن يكون حلًا لبعض المرضى من الرجال والنساء الذين يعانون من الفشل الكلوي؛ حيث إن هؤلاء يعانون بشدة من نقص الأعضاء المتوفرة ويحتاجون لثلاث جلسات أسبوعية على الأقل لعمل الغسيل الكلوي الذي يستغرق ساعات طويلة، ولو حالفهم الحظ ووجدوا متبرعين للكلية فسوف تعمل بأجسادهم لعدة سنوات فقط ثم سيحتاجون بعدها لعملية نقل كلى أخرى بسبب رفض جسمهم لها بسبب اختلاف فصائل الأنسجة. على حين لو تمكن الإنسان من عمل نسخة منه فإنه يضمن الحصول على أعضاء كثيرة خلقها الله مزدوجة عند الإنسان مثل الكلى والرئتين والمبايض أو الخصيتين، بل حتى يمكنه الحصول على جزء من الكبد أو نخاع العظم دون التأثير على الإنسان المنسوخ مع ضمان استمرار عمل الأعضاء المنقولة في المريض بكفاءة؛ لأنها من نفس الفصيلة. ٤ - أن العباقرة في عالمنا محدودون، وهم يقدمون للبشر خدمات كبيرة وربما مات العالم وترك فراغًا لا يسد إلا بعد فترة من الزمان، فلو أمكن أخذ عدة نسخ منه لأمكن إنجاب عباقرة آخرين لمصلحة البشرية. ٥ - في حالة فقدان أي زوجين لطفل أو أكثر من أطفالهم بسبب المرض أو الحوادث يمكن التخفيف من هذه المصيبة بأخذ خلية ومن ثم زرعها في الرحم بعد إجراء العمليات المناسبة فتحصل على نسخة طبق الأصل من الطفل المفقود. ٦ - اختيار جنس الجنين في المستقبل حسب الظروف العائلية؛ لأنّ الطفل يكون نسخة طبق الأصل من الخلية الملقحة بالبييضة. هذه أبرز الفوائد التي يمكن الحصول عليها من خلال هذه التقنية -بغض النظر عن حكمها الشرعي-.

стр. 2455

رابعًا: الاعتراضات الواردة على الاستنساخ: ١ - أن الاستنساخ مدعاة لتكثير الجريمة وانتشار الفساد وتضييع الحقوق حيث يصعب التعرف على الجاني في الجريمة التي يكون الدليل فيها بصمات الأصابع أو حمض النوويك وهو دليل يفي بتحديد شخص واحد تمامًا حتى الآن، وكذلك في القضاء حيث يلتبس على الشهود الجاني، والزوجة قد يتعذر عليها التفريق لا سيما إذا كانت حديثة الزواج وهكذا الأمور الأخرى. ٢ - أن هناك التباسًا وإشكالًا كبيرًا في علاقة المستنسخ، فلو صنعت عذراء نسخة لها من أحد خلاياها ثم أودعت في رحمها لحملت هذه العذراء، فكيف يكون الحمل شرعيًّا وهي لا زوج لها؟ وما علاقتها بالمولودة؟ هل ولدت نسختها أو توأمتها (أختها) أو ابنتها؟ ٣ - أن الاستنساخ مدعاة لفتح أبواب شائكة وقضايا معقدة وأمور تتنافى مع الشرع ومن ذلك: ١ - إحداث نسخة بعد موت الشخص ولو بعد عشرات السنين وبعد توزيع التركة. ٢ - قد تستغني المرأة عن الزواج الشرعي للحصول على الولد؛ حيث يتم تخصيب بيضتها بخلية من جسدها ثم الحصول على الطفل بلا حاجة للأب، وهذا يؤدي لخلخلة اجتماعية ونفسية معقدة حيث يفقد الطفل العواطف الأبوية. ٣ - أن ذلك مدعاة لشيوع الفاحشة، حيث ترغب النساء في الحصول على طفل لها طبق الأصل من رجل مميز كلاعب أو فنان أو عالم بالحصول على خلية منه والقيام بالتخصيب كما هو حاصل في بنوك العباقرة في الغرب!
следующие страницы →