← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

٥ - أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح الجراحة: بمعنى أن تكون نسبة نجاح العملية ونجاة المريض من أخطارها أكبر من نسبة عدم نجاحها وهلاكه، فإذا غلب على ظنه هلاك المريض بسببها فإنه لا يجوز له فعلها. ٦ - ألا يوجد البديل الذي هو أخف ضررًا من الجراحة: كالعقاقير والأدوية، فإن وجد البديل لزم المصير إليه صيانة لأرواح الناس وأجسادهم؛ حتى لا تتعرض لأخطار الجراحة وأضرارها ومتاعبها كالقرحة الهضمية، في بدايته يتم علاجه بالعقاقير والتي ثبت مؤخرًا تأثيرها على القرحة وأنها أنجح العلاجات وأفيدها. أما إذا كان الدواء أشد خطرًا وضررًا ولا ينفع في علاج الداء أو زواله، فإنه لا يعتبر موجبًا للصرف عن فعل الجراحة كبعض الأمراض العصبية حيث يمكن علاج المريض بالعقاقير المهدئة، لكنها لا تنفع في زوال الداء، وقد تسبب الإدمان فوجود البديل على هذا الوجه وعدمه سواء. ٧ - أن تترتب المصلحة على فعل الجراحة (١).

стр. 2452

النازلة السادسة عشرة: في الاستنساخ هذه النازلة تعد من أهم النوازل التي ينبغي النظر فيها بنظرة متأنية؛ حيث كثر اللغط فيها وتناولتها وسائل الإعلام جميعها المقروءة منها والمسموعة، وقبل بيان حكم هذه النازلة لا بد من التعريف بها من منظور علمي أولًا ثم عرضه بعد ذلك على الإِسلام حتى يتبين حكم الإِسلام فيها. أولًا: تعريفه: الاستنساخ هو: زرع خلية إنسانية أو حيوانية جسدية تحتوي على المحتوى الوراثي كاملًا في رحم طبيعي أو صناعي؛ وذلك بغرض إنتاج كائن حي (حيوان أو إنسان) صورة طبق الأصل من نظيره صاحب الخلية الأولى (١). ثانيًا: أقسامه: ينقسم الاستنساخ إلى قسمين: أ- الاستنساخ البشري. ب- الاستنساخ الحيواني والنباتي. والاستنساخ البشري هو محاولة تقديم كائن أو خلية أو جزيء بحيث تستطيع من غير نقصٍ ولا إضافة لمحتوياتها الوراثية أن تتكاثر عن غير طريق التكاثر التلقيحي، ويطلق عليه النسخ والتكاثر الخضري أو العذري أو اللاجنسي والتكاثر بالخلايا الجسدية، وخلاصته طلب التكاثر بغير الاتصال المشروع وإنما بطرق مخصوصة وهو ثلاثة أنواع:

стр. 2453

١ - الاستنساخ الجنيني: وهو العمل على فصل خلايا بييضة ملقحة بخلية منوية بعد انقسامها إلى خليتين أو أكثر لتصبح كل خلية منها أيضًا صالحة للانقسام أيضًا بعد تهيئة ظروف نموها وانقسامها، وهكذا يتوالى الانقسام والفصل في كل خلية ثم تزرع بعض هذه الخلايا في رحم الأم، ويتم تبريد الباقي ليحتفظ به إلى وقت اللزوم. ٢ - الاستنساخ العضوي: وهو العمل على استنساخ العضو الذي يحتاج إليه الإنسان في حياته حال حدوث عطب في هذا العضو. ٣ - الاستنساخ الخلوي: وهو زرع خلية جسدية (تحتوي على ٤٦ كروموزوم) مكان نواة منزوعة من بييضة ليتولى السيتوبلازم المحيط بالنواة الجديدة حثها على الانقسام والتنامي من طور إلى طور من أطوار الجنين الذي يكون بعد ولادته صورة مطابقة لصاحب تلك الخلية الجسمية من الناحية المظهرية (١). ثالثًا: ذكر بعض فوائد الاستنساخ كما يقرره المؤيدون له: ذهب من يؤيد الاستنساخ إلى إمكانية الاستفادة منه بضوابط هي: ١ - أنه حل فاعل للرجال المصابين بالعقم الذين لا يوجد في منيهم خلايا منوية، وكذلك للنساء اللواتي لا تقبل بيضاتهن التلقيح، فالاستنساخ هو الحل الوحيد حتى الآن لأمثال هؤلاء. ٢ - أن بعض الرجال والنساء يفقدون قدرتهم على الإنجاب؛ نتيجة تلقيهم علاجًا كيميائيًّا أو إشعاعيًّا بسبب إصابتهم بمرض السرطان، وتعتبر هذه الوسيلة الوحيدة لهم كي ينجبوا كما في الحالة الأولى.

стр. 2454

٣ - أن الاستنساخ يمكن أن يكون حلًا لبعض المرضى من الرجال والنساء الذين يعانون من الفشل الكلوي؛ حيث إن هؤلاء يعانون بشدة من نقص الأعضاء المتوفرة ويحتاجون لثلاث جلسات أسبوعية على الأقل لعمل الغسيل الكلوي الذي يستغرق ساعات طويلة، ولو حالفهم الحظ ووجدوا متبرعين للكلية فسوف تعمل بأجسادهم لعدة سنوات فقط ثم سيحتاجون بعدها لعملية نقل كلى أخرى بسبب رفض جسمهم لها بسبب اختلاف فصائل الأنسجة. على حين لو تمكن الإنسان من عمل نسخة منه فإنه يضمن الحصول على أعضاء كثيرة خلقها الله مزدوجة عند الإنسان مثل الكلى والرئتين والمبايض أو الخصيتين، بل حتى يمكنه الحصول على جزء من الكبد أو نخاع العظم دون التأثير على الإنسان المنسوخ مع ضمان استمرار عمل الأعضاء المنقولة في المريض بكفاءة؛ لأنها من نفس الفصيلة. ٤ - أن العباقرة في عالمنا محدودون، وهم يقدمون للبشر خدمات كبيرة وربما مات العالم وترك فراغًا لا يسد إلا بعد فترة من الزمان، فلو أمكن أخذ عدة نسخ منه لأمكن إنجاب عباقرة آخرين لمصلحة البشرية. ٥ - في حالة فقدان أي زوجين لطفل أو أكثر من أطفالهم بسبب المرض أو الحوادث يمكن التخفيف من هذه المصيبة بأخذ خلية ومن ثم زرعها في الرحم بعد إجراء العمليات المناسبة فتحصل على نسخة طبق الأصل من الطفل المفقود. ٦ - اختيار جنس الجنين في المستقبل حسب الظروف العائلية؛ لأنّ الطفل يكون نسخة طبق الأصل من الخلية الملقحة بالبييضة. هذه أبرز الفوائد التي يمكن الحصول عليها من خلال هذه التقنية -بغض النظر عن حكمها الشرعي-.

стр. 2455

رابعًا: الاعتراضات الواردة على الاستنساخ: ١ - أن الاستنساخ مدعاة لتكثير الجريمة وانتشار الفساد وتضييع الحقوق حيث يصعب التعرف على الجاني في الجريمة التي يكون الدليل فيها بصمات الأصابع أو حمض النوويك وهو دليل يفي بتحديد شخص واحد تمامًا حتى الآن، وكذلك في القضاء حيث يلتبس على الشهود الجاني، والزوجة قد يتعذر عليها التفريق لا سيما إذا كانت حديثة الزواج وهكذا الأمور الأخرى. ٢ - أن هناك التباسًا وإشكالًا كبيرًا في علاقة المستنسخ، فلو صنعت عذراء نسخة لها من أحد خلاياها ثم أودعت في رحمها لحملت هذه العذراء، فكيف يكون الحمل شرعيًّا وهي لا زوج لها؟ وما علاقتها بالمولودة؟ هل ولدت نسختها أو توأمتها (أختها) أو ابنتها؟ ٣ - أن الاستنساخ مدعاة لفتح أبواب شائكة وقضايا معقدة وأمور تتنافى مع الشرع ومن ذلك: ١ - إحداث نسخة بعد موت الشخص ولو بعد عشرات السنين وبعد توزيع التركة. ٢ - قد تستغني المرأة عن الزواج الشرعي للحصول على الولد؛ حيث يتم تخصيب بيضتها بخلية من جسدها ثم الحصول على الطفل بلا حاجة للأب، وهذا يؤدي لخلخلة اجتماعية ونفسية معقدة حيث يفقد الطفل العواطف الأبوية. ٣ - أن ذلك مدعاة لشيوع الفاحشة، حيث ترغب النساء في الحصول على طفل لها طبق الأصل من رجل مميز كلاعب أو فنان أو عالم بالحصول على خلية منه والقيام بالتخصيب كما هو حاصل في بنوك العباقرة في الغرب!

стр. 2456

٤ - ينجم عن الاستنساخ اختلال التوازن السكاني بسبب الاستغناء عن أحد الجنسين وفقدان التنوع الذي هو أساس المجتمع فالاختلاف حكمة إلهية. ٥ - قد يؤدي الاستنساخ إلى إنتاج أشخاص مشوهين أو مجرمين لديهم الاستعداد للإفساد أو التخريب. ٦ - إمكانية التلاعب بالجينات والخلايا والأجنة حسب الرغبات والأهواء واستعمالها للكسب والتجارة، وهذا كله مسخ للإنسان وامتهان لكرامته. ٧ - احتمال حدوث خلل تقني أثناء إجراء عملية الاستنساخ مما ينتج عنه تشوهات جسمية وعقلية ونفسية لم نسمع بها من قبل. ٨ - استبدال الطريقة الطبيعية للتكاثر وعمارة الأرض، واختلال النظم الاجتماعية كالزواج والأسرة والأبوة والبنوة والميراث وغير ذلك من أسس النسيج الاجتماعي (١). خامسًا: الحكم الشرعي في الاستنساخ: أولًا: الاستنساخ النباتي والحيواني: يختلف الاستنساخ النباتي والحيواني كثيرًا عن الاستنساخ البشري؛ لأنّ هذه المخلوقات جاءت لمصلحة البشر ومسخرة لخدمته والانتفاع بها، بخلاف بني آدم الذين كرمهم الله سبحانه. وقد ذهب عامة الفقهاء المعاصرين إلى جواز الاستفادة من تقنية الاستنساخ في غير البشر بما يعود عليهم بالنفع؛ لأنّ الشريعة جاءت بتحصيل مصالح العباد وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها.

стр. 2457

وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي: "يجوز شرعًا الأخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالات الجراثيم وسائر الأحياء الدقيقة والنبات والحيوان في حدود الضوابط الشرعية بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد" (١). ثانيًا: الاستنساخ البشري: يحرم شرعًا هذا النوع من الاستنساخ، فلا يجوز البتة أن يدخل الإنسان تحت هذه العملية المحرمة، ولا نعلم أحدًا من علماء المسلمين أفتى بالجواز، بل حتى رهبان النصارى وعقلاء الغرب قد وقفوا في وجهها أيّما وقوف، وقد اتفقت كلمة المجامع الفقهية على تحريم الاستنساخ البشري كما في مجمع الفقه الإِسلامي في دورته العاشرة المنعقد بجدة والممثلة فيه جميع الدول الإِسلامية قد منعوا الاستنساخ البشري منعًا باتًا، وأكدوا ذلك المنع في أول قرارات ذلك المجلس الموقر في دورته الخامسة عشرة والمنعقدة في مكة المكرمة. والأدلة على تحريمه كثيرة جدًّا ونذكر لك طرفًا منها: الأوّل: قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان: ٢]. ووجه الدلالة أن النطفة الأمشاج هي لقيحة مكونة من حيوان منوي ذكري وبويضة أنثوية والله تعالى يبين أن سنته في إيجاد الإنسان منحصرة في ذلك بهذه الطريقة فيكون مخالفتها حرامًا؛ ذلك أنه متى ما أمكن إيجاد الإنسان بطريقة أخرى خرجت الآية عن كونها خبرًا إلى أنها بيان حكم شرعي كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].

стр. 2458

الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]، ووجه الدلالة أن الزواج هو أساس التكاثر في الشرع وهو سبيل إيجاد المودة والرحمة، وفي الاستنساخ مساس بالعلاقة المتينة التي أوجدها الله تعالى في هذا الزواج ليكون من آثاره حصول الأولاد وانتسابهم. الثالث: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ووجه الدلالة أن الله تعالى يخبر هنا عن الطريق الشرعي للحمل وهو غشيان الرجل لزوجته، وهذا فيه بيان أن كل طريق يخالف ذلك ويضاده فإنه جنوح عن المسلك الشرعي، والاستنساخ حقيقته أنه خروج عن هذا الهدي الشرعي وتنكب عن الصراط المستقيم ودخول في طرق هوجاء عوجاء لا علاقة لها بالآداب الشرعية ولا المناهج المرعية. الرابع: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢]، ووجه الدلالة أن الله تعالى جعل لنا طريقًا واحدًا للتكاثر وهو التزاوج فقط، فالبنون والحفدة لا طريق شرعًا لتحصيلهم إلا بذلك وهذا من نعمة الله تعالى وقوله تعالى: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ دليل على أن كل طريق لطلب التكاثر بغير المقرر شرعًا في أول هذه الآية فإنه من الباطل الذي يجب علينا أن لا نؤمن به؛ والاستنساخ البشري من ذلك الباطل فإنه يدخل تحت عموم لفظة (الباطل)؛ لأنه طلب للتكاثر بغير الطريق الشرعي وهو التزاوج، فالاستنساخ باطل بنص القرآن والباطل لا يكون إلا حرامًا.

стр. 2459

الخامس: قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والمراد بما كتب الله لنا، أي: الولد على قول الجمهور، ومعلوم أن الولد لا يطلب إلا بالمباشرة في الفرج لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ فدلّ ذلك على أن كل طريق لطلب الولد غير هذه المباشرة المأمور بها شرعًا فإنه لا يجوز، فابتغاء ما كتب الله لنا من الولد لا يكون إلا بذلك وهذا هو الطريق الشرعي وما عداه فباطل زائف ومن ذلك الاستنساخ البشري فإنه طلب للنسل بغير المباشرة فهو حرام. السادس: حديث معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فَإِنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ" (١). فجعل النبي ﷺ للتكاثر طريقًا واحدًا وهو التزوج فقط، فلا تطلب المكاثرة بأي طريق من الطرق التي يمليها علينا أطباء الغرب الذين لا يحكمهم دين ولا تؤدبهم شريعة، فالأمر بالتزوج والإخبار بأنّه ﷺ سيكاثر بنا الأمم يوم القيامة دليل على أنه لا تكاثر شرعًا إلا بهذا الطريق الوحيد، والاستنساخ لا يحمل هذه الخاصية فهو حرام لأنه يفضي إلى ترك المأمور به شرعًا والله أعلم. السابع: أن النسب والمحافظة عليه يعتبر إحدى الضرورات الخمس التي جاءت كل الشرائع بالمحافظة عليها، وهو أحد الضوابط الجوهرية التي تعصم من اقتحام المخاطر غير المحصورة، والإقدام على تطبيق الاستنساخ في الإنسان لا ينفك عن الوقوع في تجهيل الأنساب وانقطاع التناسل الذي ناط الله تعالى به القرابة بأنواعها، وقد تناول الحظر صورًا عديدة تؤدي لجهالة النسب أو لإدخال التنازع فيه

стр. 2460

فالاستنساخ البشري يفضي إلى اختلاط الأنساب وانقطاع التناسل وهذا محرم شرعًا وقد تقرر في القواعد أن ما أفضى إلى الحرام فهو حرام. الثامن: أن الطريق الشرعي في الإنجاب هو التزاوج، وأي طريقة للإنجاب بغير ذلك فإنها تكون مصادمة لمقصود الشارع، والاستنساخ يحصل به الإنجاب من غير اتصالٍ بين الذكر والأنثى على الوجه الشرعي فيكون مصادمًا لمقصود الشارع وما صادم مقصود الشارع فهو حرام لا يجوز الإقدام عليه. التاسع: أن الله تعالى قد كرم الإنسان فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]، فأي فعل ينافي هذا التفضيل والتكريم فإنه ينهى عنه، وبناء عليه فلا بد من استشعار خطورة النظر إلى الإنسان وكأنه مما يتخذ للتكاثر بما يشبه التمول، وكأنه من السلع الخاضعة للتنمية، فلا يجوز أن يجعل الإنسان محلًّا للتصرفات المهينة القبيحة المستهجنة كما هو حاصل في مسألة الاستنساخ البشري، وعلى ذلك فهو حرام؛ لأنه مفضي إلى إهانة هذا الإنسان، ولأنه منافٍ لمقتضى تكريمه وتفضيله على سائر الخلق. العاشر: أنه قد تقرر شرعًا أن سد الذرائع المفضية إلى الممنوع أصل من أصول هذا الدين الحنيف، فأي وسيلة تفضي إلى الوقوع في الحرام فإنها حرام، والاستنساخ البشري يفضي إلى استئجار الأرحام وهو حرام، ويفضي إلى ضياع النسب وهو حرام ويفضي إلى إهانة الإنسان وهو حرام، ويفضي إلى ترك التزوج وليس ترك الزواج من دين الإِسلام في شيء، ويفضي إلى تعطيل النفقة الواجبة؛ لأنّ هؤلاء المستنسخين لا يعرفون لهم إبًا ولا أمًا، فمن الذي سينفق عليهم، وهذا وقوع في إهمالهم وعدم وجود من يراعيهم ويتفطن لأحوالهم فيبقون همجًا رعاعًا عالة على المجتمع وهذا كله لا يجوز، ويفضي أيضًا إلى الانتساب لغير الأب وهو محرم التحريم القاطع في شريعتنا،

стр. 2461

ويفضي أيضًا إلى انقطاع العلائق بين الأصول والفروع؛ فلا تراحم ولا توادد ولا شفقة ولا إحسان، ويفضي أيضّا إلى تفكك المجتمع لنشوء شريحة فيه لا يعرفون لهم أبًا ولا أمًا، وهذا يفضي إلى تصدع نواة المجتمع ووهنه وضعفه وذهاب هيبته وكلمته، ويفضي أيضًا إلى تعطيل المواريث أو إعطائها من لا يستحقها شرعًا، ويفضي إلى انتهاك حرمة المرأة وإهانتها وكشف عورتها لزرع هذه اللقيحات فيها، ويفضي إلى افتتان العقول الضعيفة في شأن انفراد الله تعالى بالخلق والإيجاد فهذه بعض ما يفضي له الاستنساخ البشري؛ وحيث كان يفضي إلى هذه الأشياء فلا شك حينئذٍ في تحريمه. الحادي عشر: أن المتقرر شرعًا أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والمفاسد في الاستنساخ البشري كثيرة كما ذكرنا لك طرفًا منها، ولو نظرنا إلى مصالحه لما وجدنا أنها معتبرة شرعًا، فلو سلمنا جدلًا وتنزلًا أن فيه مصلحة فإنها تكون مغمورة وليست بشيء في جنب هذه المفاسد التي لا يقوم لها شيء فتنزيلًا على هذه القاعدة فإن الواجب سده وإغلاق أبوابه بإحكام وزجر فاعليه وتعزيرهم ومعاقبتهم العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن معاودة مثل ذلك. الثاني عشر: أن المتقرر شرعًا أن الشريعة جاءت لتقرير المصالح وتكميلها وتقليل المفاسد وتعطيلها، وحيث كان الاستنساخ البشري يحمل المفاسد الكثيرة فإن الواجب شرعًا منعه؛ لأننا بمنعه نعطل المفاسد التي يتضمنها هذا الأمر. ومما جاء في قرارات المجمع الفقهي (١) بعد تعريفه للاستنساخ والأبحاث التي قدمت بصدده ما يلي: وبناء على ما سبق من البحوث والمناقشات والمبادئ الشرعية التي طرحت على مجلس المجمع، قرر ما يلي:

стр. 2462

أولًا: تحريم الاستنساخ البشري بطريقتيه المذكورتين أو بأي طريقة أخرى تؤدي إلى التكاثر البشري. ثانيًا: إذا حصل تجاوز للحكم الشرعي المبين في الفقرة (أولًا) فإن آثار تلك الحالات تعرض لبيان أحكامها الشرعية. ثالثًا: تحريم كل الحالات التي يقحم فيها طرف ثالث على العلاقة الزوجية سواء أكان رحمًا أم بييضة أم حيوانًا منويًّا أم خلية جسدية للاستنساخ. رابعًا: يجوز شرعًا الأخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالات الجراثيم وسائر الأحياء الدقيقة والنبات والحيوان في حدود الضوابط الشرعية بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد. خامسًا: مناشدة الدول الإِسلامية إصدار القوانين والأنظمة اللازمة لغلق الأبواب المباشرة وغير المباشرة أمام الجهات المحلية أو الأجنبية والمؤسسات البحثية والخبراء الأجانب للحيلولة دون اتخاذ البلاد الإِسلامية ميدانًا لتجارب الاستنساخ البشري والترويج لها (١).

стр. 2463

النازلة السابعة عشرة: البييضات الملقحة الزائدة على الحاجة لقد سبق بيان الحكم الشرعي في التلقيح الصناعي وذكرنا ذلك مفصلًا، وقد ضمنا هذا الحكم الشرعي قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي بخصوص هذه النازلة، لكن قد يبقى بعد إتمام عملية التلقيح الاصطناعي بويضات زائدة، فهل يمكن الاحتفاظ بها للاستفادة منها مرة أخرى؟ نقول بأنّه لا مانع من الاحتفاظ بها لإجراء عملية أخرى للتلقيح صناعيًّا لصاحب النطفة أو صاحبة البويضة، أو لإجراء الفحوصات التي قد يحتاج إليها صاحب النطفة أو صاحبة البويضة، بشرط أمن وقوع بعض التجاوزات؛ لأنه قد يؤدي الاحتفاظ بهذه الأشياء في الأماكن المخصصة لها في أحيانٍ كثيرة إلى تلاعب بعض عادمي الوازع الديني والأخلاقي من الأطباء. على أن التخلص من هذه النطفة أو البويضة فور انتهاء عملية التلقيح أولى وأسلم على كل حال، ومما جاء في قرار مجمع الفقه الإِسلامي بشأن هذه النازلة ما يلي: أولًا: في ضوء ما تحقق علميًّا من إمكان حفظ البييضات غير الملقحة للسحب منها، يجب عند تلقيح البييضات الاقتصار على العدد المطلوب للزرع في كل مرة؛ تفاديًا لوجود فائض من البييضات الملقحة. ثانيًا: إذا حصل فائض من البييضات الملقحة بأي وجه من الوجوه تترك دون عناية طبية إلى أن تنتهي حياة ذلك الفائض على الوجه الطبيعي. ثالثًا: يحرم استخدام البييضة الملقحة في امرأة أخرى، ويجب اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بالحيلولة دون استعمال البييضة الملقحة في حمل غير مشروع (١).

стр. 2464

النازلة الثامنة عشرة: التأمين الصحي واستخدام البطاقات الصحية تمهيد: الإِسلام أكثر الشرائع كلها حرصًا على الدعوة إلى التعاون والتآزر في تفريج الكروب وتخفيف وقعها، فمن شعائره أن من نفَّس عن مؤمن كربة في الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، وأن على المؤمن أن يكون للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وأن على المؤمنين في توادهم تراحمهم وتعاطفهم أن يكونوا كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. ولم يقف الإِسلام في الأمر بالتعاون والتكافل عند حدّ المشاركة الوجدانية، بل إنه أرسى مبادئ تخطى بها هذه الحدود، وانفرد بها عن أي نظام آخر، ويكفي مثلًا لذلك أن يشار إلى نظام التآخي بين المهاجرين والأنصار، ونظام تكافل العاقلة، ونظام كفالة الغارمين بإعطائهم سهمًا من مصارف الزكاة المفروضة فرضًا. أولًا: تعريف التأمين الصحي: التأمين الصحي نوع من أنواع التأمين الاجتماعي يقوم على أساس تقديم مزايا للمؤمن عليهم في الحالات التي يحددها نظام التأمين نظير اشتراكات، أو أقساط تدفع مقدمًا، وبصفة دورية، ويساهم في دفعها العامل، وصاحب العمل، وفي بعض الدول تساهم الدولة في ذلك. وقيل أيضًا في تعريفه: التأمين الصحي هو نمط من أنماط التأمين الاجتماعي الذي يهتم مباشرة بالعوارض الاجتماعية ذات المنشأ الفسيولوجي، كالمرض المؤقت والعجز الصحي والشيخوخة، ويأخذ هذا الاهتمام مظهر الرعاية الطبية العينية من جهة، وتوفير البديل النقدي خلال فقدان الدخل من جهة أخرى.

стр. 2465

ثانيًا: أنواع التأمين الصحي: ينقسم التأمين الصحي إلى خمسة أنواع: النوع الأول: التأمين الصحي الاجتماعي: وهو الذي تقوم به الدولة لمصلحة الموظفين والعمال، فتؤمنهم من إصابة المرض والشيخوخة ويسهم في حصيلته كل من المستفيدين وأرباب الأعمال والدولة بنسب محددة، ويكون -في الغالب- إجباريًّا لا يقصد من ورائه تحقيق الربح. النوع الثاني: التأمين الصحي التجاري (التأمين من المرض): وهو عقد بين فرد أو مؤسسة وبين شركة تأمين تجاري، تلتزم شركة التأمين بمقتضاه أن تدفع مبلغًا معينًا دفعة واحدة أو على أقساط، وبأن ترد مصروفات العلاج وثمن الأدوية كلها أو بعضها من المستفيد من التأمين إذا مرض خلال مدة محددة، وذلك في مقابل التزام المؤمن له بدفع أقساط التأمين المتفق عليها. النوع الثالث: التأمين الصحي التعاوني: وهو عقد بين فرد أو مؤسسة وبين شركة تأمين تعاوني ينص على أن يدفع المؤمن له مبلغًا أو عدة أقساط، مقابل أن تلتزم هذه الشركة بأن تدفع له مصاريف العلاج وثمن الأدوية -كلها أو بعضها- إذا مرض خلال مدة التأمين، وفي الأماكن المحددة بالوثيقة، وبأن توزع على حملة الوثائق -وفق نظام معين- كل أو بعض الفائض الصافي السنوي الناتج من عمليات التأمين. النوع الرابع: التأمين الصحي التبادلي: وهو اتفاق بين جماعة على التبرع بمقادير متساوية أو متفاوتة بغرض علاج من يمرض منهم من هذه الأموال. النوع الخامس: التأمين الصحي المباشر: وهو: عقد بين طرفين يلتزم به الطرف الأول (المستشفى) بعلاج الطرف الثاني (فردًا كان أو جماعة) من مرض معين أو

стр. 2466

الوقاية من المرض عامة، مقابل مبلغ مالي محدد يدفعه إلى الطرف الأول دفعة واحدة أو على أقساط). ثالثًا: حكم كل نوع من أنواع التأمين الصحي: النوع الأول: التأمين الصحي الاجتماعي: لا حرج على المستفيد منه فقد اتفقت الآراء على أن هذا النوع من التأمين جائز شرعًا، وذلك لأنه يكون إجباريًّا تفرضه الدولة عملًا بالقاعدة الفقهية (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة). والمصلحة هنا تتمثل في تحقيق التكامل الاجتماعي على أساس من التبرع، بعيدًا عن غرض الربح؛ ولذا يغتفر فيه من الجهالة والغرر ما لا يغتفر في المعاوضات. النوع الثاني: التأمين الصحي التجاري: هذا النوع من التأمين حرام بكل صوره وأشكاله، وقد صدر قرار بتحريمه من المجمع الفقهي الإِسلامي برابطة العالم الإسلامي (١)، ومجمع الفقه الإسلامي المنعقد في جدة (٢)، وصدرت بتحريمه عدة فتاوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٣)، كل هؤلاء يفتون بتحريم التأمين التجاري بكل صوره وأشكاله وذلك لما يلي: ١ - أنه معاملة مبنية على المخاطرة، وقد تقرر في القواعد أن كل معاملة مبنية على المخاطرة فهي قمار، والقمار من الميسر والميسر قد ورد تحريمه في القرآن بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. . .﴾ [المائدة: ٩٠]، والقمار والميسر من أكل المال بالباطل، وهذا حرام كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وبيان ذلك أن المبلغ المدفوع من المستأمن ليحصل به على

стр. 2467

خصم لمدة سنة أو أكثر أو أقل قد لا يستفيد منه مطلقًا؛ لعدم حاجته إلى الجهة المؤمنة تلك المدة فيغرم بهذا ماله الذي دفعه ويغنمه الجهة المؤمنة، وقد يستفيد منه كثيرًا ويفوق ما دفعه مضاعفًا فيغنم هو ويغرم الجهة المؤمنة فالغانم منهما كاسب في رهانه، والغارم خاسر فيه، وهذا العمل هو عين المقامرة المحرمة الوارد تحريمها في الآية السابقة. ٢ - أن هذه المعاملة فيها غرر ظاهر، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁"أن النبي ﷺ نهى عن الغرر" (١)، وقد تقرر في القواعد أن كل معاملة فيها غرر وجهالة فيما يقصد فهي باطلة. وبالجملة فالأدلة من الكتاب والسنة والأصول تدل على تحريم التأمين التجاري بكل صوره وأشكاله، أي: سواءً أكان على الممتلكات أو كان على الحياة أو كان على حفظ الصحة ونحو ذلك فكل ذلك حرام. النوع الثالث: التأمين الصحي التعاوني: استقر رأي علماء العصر على أن التأمين التعاوني مشروع ينبغي التوسع فيه؛ لأن مقصده الأساسي التعاون على تفتيت الأخطار وتحمل المسؤولية، سواء كان القيام بإدارة هذا العمل تبرعًا أو مقابل أجر معين، ولا يؤثر في مشروعية العقد جهل المساهمين بتحديد ما يعود عليهم من النفع؛ لأنهم متبرعون، فلا مخاطرة ولا مقامرة ولا غرر. وعلى ذلك يكون استخدام بطاقات التأمين الصحي التعاوني مشروع ولا حرج على المستفيد منها. النوع الرابع: التأمين الصحي التبادلي: وتقوم به في الغالب جمعيات خيرية لتأمين المنتسبين إليها من غوائل المرض، على سبيل التبرع والمؤازرة؛ لذلك اتفقت

стр. 2468

الآراء على جوازه ومشروعية استخدام بطاقاته. النوع الخامس: التأمين الصحي المباشر: سبق تعريف هذا النوع من التعاقد بأنه عقد بين طرفين يلتزم فيه الطرف الأول (المستشفى) بعلاج الطرف الثاني (وحده أو مع أفراد عائلته) من المرض، طيلة فترة معينة، لقاء مبلغ معين، وقد يتضمن الالتزام بالدواء والعمليات ونحوها. وهذا النوع من عقود التأمين الصحي عقد صحيح نافذ، لاكتمال أركانه وتوافر شروطه لأن الجهالة التي ترد على محل العقد تعتبر من الجهالة اليسيرة التي تغتفر ولا يكون لها أثر في المعقود عليه. ولهذا نرى -والله أعلم- أن عقد العلاج الطبي بين شخص وبين مستشفى بتقديم العناية له ولأفراد عائلته، والقيام بالعمليات اللازمة، وصرف الدواء طيلة فترة معينة لقاء مبلغ معين عقد صحيح شرعًا يلزم كلا طرفيه بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه (١).

стр. 2469

النازلة التاسعة عشرة: الخلايا الجذعية ومدى مشروعية العلاج بها أولًا: تعريف الخلايا الجذعية: هي عبارة عن خلايا غير متخصصة وغير مكتملة الانقسام، وتكمن أهميتها في قدرتها على التشكل على شكل أي نوع من خلايا الجسم الأخرى. من وظائف هذه الخلايا إصلاح تعويض خلايا الجسم التالفة بشكل مستمر. ولهذه الخلايا القدرة على البقاء على حالتها الأساسية أو التخصص لتصبح خلايا أكثر تعقيدًا مثل خلايا العظم أو العضلات. ثانيًا: أهم خصائص الخلايا الجذعية: أ- لديها القدرة على الانقسام والتجدد. ب- ليست متخصصة في أي نوع من الوظائف الحيوية. ج- لديها القدرة على إنتاج خلايا تخصصية جديدة. ثالثًا: أهم أنواع الخلايا الجذعية: هناك نوعان أساسيان من الخلايا الجذعية وآخر فرعي: أ- الخلايا الجذعية الجنينية: وهي عبارة عن خلايا جذعية مستأصلة من البييضة الملقحة في المختبرات الطبية وهي في طورها الجنيني (عمرها أربعة أو خمسة أيام) ويتم استخدامها للأغراض البحثية. ب- الخلايا الجذعية البالغة: هذه الخلايا عبارة عن خلايا جذعية متواجدة مع الخلايا المتخصصة في الأجسام كاملة النمو، تكمن وظيفتها في استبدال وتعويض

стр. 2470

الخلايا المتضررة أو الخلايا الميتة (١). ج- تاريخ اكتشافها: اكتشفت الخلايا الجذعية البالغة قبل ستين عامًا، وكان ذلك في نخاع العظم، وكان اكتشافها عبارة عن مفاجأة سارة للعلماء حيث يعتقد الكثير من الباحثين أنه يمكن استخدام هذه الخلايا كبديل لعمليات زرع الأعضاء. والآن استطاع الباحثون من إيجاد خلايا جذعيه بالغة في كل من الدماغ، الأوعية الدموية، الجلد، الأسنان، القلب، الكبد، الخلايا العضلية وغيرها. د- كيفية عملها داخل الجسم: تبقى هذه الخلايا من غير انقسام لفترات طويلة إلى أن يأتيها أمر انقسام من الخلايا المتخصصة المجاورة عند الحاجة للمزيد من هذا النوع من الخلايا التخصصية. مثال ذلك عند الجروح وتمزق الجلد. يوجد نوع ثالث من الخلايا الجذعية وهي الخلايا الجذعية الموجودة في دم الحبل السري (خلايا الحبل السري) تصنف كنوع آخر من الخلايا الجذعية البالغة لأنها تتشابه كثيرًا من ناحية التركيب والوظيفة. رابعًا: الاستخدامات المحتملة للخلايا الجذعية: هناك العديد من الاستخدامات للخلايا الجذعية، ومن هذه الاستخدامات مايلي: ١ - دراسة الخلايا الجذعية الجنينية تساعد العلماء على فهم كيفية تطور نمو الإنسان من خلية واحدة إلى جسم كامل. وهذه الدراسات سوف تساعد العلماء على فهم كيفية حدوث الأمراض الوراثية والتشوهات الخلقية.

стр. 2471

٢ - تتيح الخلايا الجذعية للعلماء والباحثين القدرة على تجربة الأدوية الطبية بطريقة متميزة، فبمساعدة هذه الخلايا يستطيعون تجربة الأدوية مباشرة على خلايا جسم الإنسان في المعامل الطبية دون أية مخاطر وبتكلفة قليلة؛ ذلك لأنهم قادرون على إنتاج خلايا متخصصة داخل المختبرات بالتأثير على الخلايا الجذعية وجعلها تنقسم على الشكل الذي يريدونه. ٣ - ومن أهم استخدام الخلايا الجذعية هو استخدامها في إنتاج خلايا متخصصة جديدة يمكن زرعها داخل أعضاء جسم الإنسان المصاب واستبدال الخلايا التالفة، فقد وجد العلماء أنه عند زرع الخلايا الجذعية في العضو المصاب تقوم هذه الخلايا باستبدال وإصلاح الخلايا التالفة في ذلك العضو مما يغني الأطباء عن استبداله بعملية زرع للأعضاء. خامسًا: العلاج بالخلايا الجذعية: يتوقع الأطباء أنهم يمكنهم علاج الكثير من الأمراض باستخدام هذه الخلايا ومنها ما يلي: داء الزهايمر، والأمراض الناتجة عن إصابة الحبل الشوكي، والجلطات والسرطان، وأمراض القلب، والسكري، والحروق والتهاب المفاصل. سادسًا: حكم العلاج بالخلايا الجذعية: من القضايا التي أثارت الجدال بين العلماء، سواء الطبيين منهم أم الشرعيين قضية "الخلايا الجذعية"، ومدى إمكانية استخدامها في علاج كثير من الأمراض المستعصية اليوم، كالزهايمر، والسرطان، والسكر، .. إلخ. وللبحث في مدى مشروعية استخدام الخلايا الجذعية من الوجهة الشرعية

стр. 2472

والأخلاقية، ينبغي شرعًا الرجوع إلى المصدر الذي أخذت منه هذه الخلايا: أ- إذا كان مصدر هذه الخلايا الجذعية عن طريق إهلاك الأجنّة البشرية وتدميرها لاستخدامها في ما يعرف بالعلاج الخلوي، أو تحت مسمى الاستنساخ العلاجي (باتباع تكنولوجيا الاستنساخ المعروفة)، فإن الإسلام يمنع انتهاك حرمة الجنين الآدمي، ولا يسمح بإجراء تجارب الاستنساخ البشري، ولو كان المبرر وجود الحاجة للتداوي والمعالجة لأمراض مستعصية أو خطيرة، فإنه يمنع شرعًا استنساخ الأجنّة للحصول على الخلايا الجذعية الجينية، كما أنه لا يجوز إسقاط الحمل بدون عذر شرعي، أو التبرع بالنطف المذكرة أو المؤنثة لإنتاج بويضات مخصّبة، تتحول بعد ذلك إلى جنين بغرض الحصول على الخلايا الجذعية منه. ب- أما إذا كان الحصول على هذه الخلايا الجذعية عن طريق الأجنة المجهضة تلقائيًّا، أو بسبب علاجي مشروع أو من الحبل السري، أو من المشيمة للمواليد، فإنه يجوز ذلك في إطار المباح، على أساس الموازنة الشرعية بين المفاسد والمصالح، بأن تكون الأبحاث والتجارب العلمية أو الطبية جادة وهادفة، وأن تقف عند الحد الشرعي، مع مراعاة الأحكام الشرعية المعتبرة. ج- يجوز أيضًا استخدام الخلايا الجذعية المأخوذة من الأطفال والبالغين على حدّ سواء من خلايا أنسجة البالغين؛ كنخاع العظام، والخلايا الدهنية، إذا عبَّر الشخص موضوع البحث أو التجريب عن قبوله لذلك، وموافقة ممثله الشرعي (إذا كان طفلًا)، وكان أخذها منه لا يشكل ضررًا عليه، وأمكن تحويلها إلى خلايا علاجية ذات فائدة لشخص مريض، وكان الاستخدام يحقق مصلحة علاجية معتبرة. د- وأما فيما يتعلق بمسألة استخدام الفائض من اللقاح والأمشاج الآدمية في

стр. 2473

مشاريع أطفال الأنابيب (التلقيح الصناعي) للحصول على الخلايا الجذعية، فإنّ المجمع الفقهي الإسلامي منع تخزين وتجميد اللقائح الآدمية؛ منعًا لاختلال الأنساب، وسدًّا لذريعة العبث أو التلاعب بها. ومن قرارات المجمع الفقهي (١) بخصوص هذه النازلة ما جاء في قراره رقم: ٩٩ (٣/ ١٧): الخلايا الجذعية. أولًا: يجوز الحصول على الخلايا الجذعية وتنميتها واستخدامها بهدف العلاج أو لإجراء الأبحاث العلمية المباحة إذا كان مصدرها مباحًا، ومن ذلك -على سبيل المثال- المصادر الآتية: ١ - البالغون إذا أذنوا، ولم يكن في ذلك ضرر عليهم. ٢ - الأطفال إذا أذن أولياؤهم لمصلحة شرعية، وبدون ضرر عليهم. ٣ - المشيمة أو الحبل السري، وبإذن الوالدين. ٤ - الجنين السقط تلقائيًّا أو لسبب علاجي يجيزه الشرع، وبإذن الوالدين. مع التذكير بما ورد في القرار السابع من دورة المجمع الثانية عشرة بشأن الحالات التي يجوز فيها إسقاط الحمل. ٥ - اللقائح الفائضة من مشاريع أطفال الأنابيب إذا وجدت وتبرع بها الوالدن، مع التأكيد على أنه لا يجوز استخدامها في حمل غير مشروع. ثانيًا: لا يجوز الحصول على الخلايا الجذعية واستخدامها إذا كان مصدرها محرمًا، ومن ذلك على سبيل المثال:

стр. 2474

١ - الجنين المسقط تعمدًا بدون سبب طبي يجيزه الشرع. ٢ - التلقيح المتعمد بين بييضة من متبرعة وحيوان منوي من متبرع. ٣ - الاستنساخ العلاجي (١).

стр. 2475

النازلة العشرون: زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي منذ عدة سنوات ابتدأت فكرة زراعة خلايا وأنسجة داخل المخ من مختلف الأنواع من البحوث الأكاديمية في عمليات تجريبية على حيوانات المعامل من فئران وغيرها لتجربة تأثير عقاقير مختلفة عليها، وكذلك مراقبة تصرف هذه الخلايا في الظروف البيئية المختلفة، كذلك في مجال دراسة الأورام السرطانية وإجراء الدراسات عليها. فما مدى مشروعية زراعة هذه الخلايا داخل مخ الإنسان؟ نقول: إن هذه النازلة كغيرها من النوازل ينظر فيها بما تقتضيه الأدلة الشرعية أو القواعد العامة التي عليها مبنى الشريعة، وكذا القواعد الكلية التي تناسبها، ثم إبداء الحكم عليها وصدوره ممّن نظر فيها. وقد صدر حولها قرار من مجمع الفقه الإسلامي (١) التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي جاء فيه: أولًا: إذا كان المصدر للحصول على الأنسجة هو الغدة الكظرية للمريض نفسه، وفيه ميزة القبول المناعي؛ لأن الخلايا من الجسم نفسه، فلا بأس من ذلك شرعًا. ثانيًا: إذا كان المصدر هو أخذها من جنين حيواني، فلا مانع من هذه الطريقة إن أمكن نجاحها ولم يترتب على ذلك محاذير شرعية. وقد ذكر الأطباء أن هذه الطريقة نجحت بين فصائل مختلفة من الحيوان ومن المأمول نجاحها للإنسان باتخاذ الاحتياطات الطبية اللازمة لتفادي الرفض المناعي.

стр. 2476

ثالثًا: إذا كان المصدر للحصول على الأنسجة هو خلايا حية من مخ جنين باكر في الأسبوع العاشر أو الحادي عشر فيختلف الحكم على النحو التالي: أ- الطريقة الأولى: أخذها مباشرة من الجنين الإنسائي في بطن أمه، بفتح الرحم جراحيًّا، وتستتبع هذه الطريقة إماتة الجنين بمجرد أخذ الخلايا من مخه، ويحرم ذلك شرعًا إلَّا إذا كان بعد إجهاض طبيعي غير متعمد أو إجهاض مشروع لإنقاذ حياة الأم وتحقق موت الجنين، مع مراعاة الشروط التي سترد في موضوع الاستفادة من الأجنّة في القرار رقم ٥٩ (٨/ ٦) لهذه الدورة. ب- الطريقة الثانية: وهي طريقة قد يحملها المستقبل القريب في طياته باستزراع خلايا المخ في مزارع للإفادة منها، ولا بأس في ذلك شرعًا إذا كان المصدر للخلايا المستزرعة مشروعًا وتم الحصول عليها على الوجه المشروع. رابعًا: المولود اللادماغي: طالما ولد حيًّا، لا يجوز التعرض له بأخذ شيء من أعضائه إلى أن يتحقق موته بموت جذع المخ، ولا فرق بينه وبين غيره من الأسوياء في هذا الموضوع، فإذا مات فإن الأخذ من أعضائه تراعى فيه الأحكام والشروط المعتبرة في نقل أعضاء الموتى من الإذن المعتبر، وعدم وجود البديل، وتحقق الضرورة وغيرها، مما تضمنه القرار رقم ٢٦ (١/ ٤) من قرارات الدورة الرابعة لهذا المجمع، ولا مانع شرعًا من إبقاء هذا المولود اللادماغي على أجهزة الإنعاش إلى ما بعد موت جذع المخ، والذي يمكن تشخيصه للمحافظة على حيوية الأعضاء الصالحة للنقل، توطئة للاستفادة منها بنقلها إلى غيره بالشروط المشار إليها. والله أعلم.

стр. 2477

النازلة الحادية والعشرون: زراعة الأعضاء التناسلية لا يجوز نقل الأعضاء التناسلية من إنسان إلى آخر كالخصيتين أو المبيضين، لأن الخصيتين والمبيضين فيها سر الوراثة، وفيها سر الإمناء، إذ زرع الخصية من شخص لآخر يعني: انتقال الحيوانات المنوية من المتبرع إلى المتلقي. فالوليد الذي يأتي من المنقول إليه يعد آتيًا من المنقول منه، وهذا يؤثر على الإنسان تأثيرًا مباشرًا، ولا فرق بينه وبين الزنا والبغاء، إذ العلة ذاتها بين الزاني وبين المنقول إليه، وكذلك الحال في الإفتاء بحرمة نقل المبيض؛ لأن المبيض فيه سر الخلق والوراثة، إذ الجنين لا يتكون إلا من اجتماع (الحيمن) والبييضة التي تكون أمشاجًا بعد اختلاطها بالحيامن المنوية، فكأن البييضة التي خرجت من المنقول إليها قد خرجت من المنقول منها، وهي أجنبية لا زوجة، ولهذا يتحقق الزنا والبغاء بسبب اختلاط الأنساب، ومن هنا قلنا بتحريم نقل الخصيتين والمبيضين تحريمًا قطعيًّا. وكذلك يحرم نقل الذكر أو الفرج من شخص لآخر، فإنه في حالة زرع الفرج يكون الرجل قد وطئ فرجًا لا يملكه لكونه فرج غير امرأته، وفي حالة زرع الذكر تكون المرأة قد وطئت بذكر غير زوجها، ويكون الوطء اللاحق لذلك من قبيل الوطء المحرم شبيهًا بالزنا المحرم. وقد رجح الدكتور محمَّد المختار الشنقيطي (١) حرمة نقل الخصيتين خاصة لعدة أمور منها: ١ - أن جواز النقل يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وهو أمر محرم شرعًا.

стр. 2478

٢ - أن المعتبر قوله في هذه المسائل من الناحية الطبية هم أهل الاختصاص والمعرفة من الأطباء، وقد شهدوا بأن نقل الخصيتين يوجب انتقال الصفات الوراثية الموجودة في الشخص المنقولة منه إلى أبناء الشخص المنقولة إليه الخصية، وهذه شبهة موجبة للتحريم. ٣ - أن الخصية إذا نقلت من الحي أو الميت لا بد من بقاء قدر من الحيوانات المنوية فيها، ومن ثم يختلط الماء القديم والماء الجديد، وعند جماع الرجل الثاني وإنزاله لا ندري أي الماءين أنزل، ونحن على يقين باشتراكهما، ولا يدرى بعد ذلك هل الحمل متخلق من ماء الأول، أم من ماء الثاني؟ وهذا خلط للأنساب ظاهر، فوجب تحريمه والمنع منه ... إلخ. ومن قرارات مجلس مجمع الفقه الإسلامي (١) في هذه النازلة ما يلي: أولًا: زرع الغدد التناسلية: بما أن الخصية والمبيض يستمران في حمل وإفراز الصفات الوراثية (الشفرة الوراثية) للمنقول منه حتى بعد زرعهما في متلقًّ جديد؛ فإن زرعهما محرم شرعًا. ثانيًا: زرع أعضاء الجهاز التناسلي: زرع بعض أعضاء الجهاز التناسلي التي لا تنقل الصفات الوراثية -ما عدا العورات المغلظة- جائز لضرورة مشروعة ووفق الضوابط والمعايير الشرعية المبينة في القرار رقم ٢٦ (١/ ٤) لهذا المجمع (٢).

стр. 2479

النازلة الثانية والعشرون: التحكم في جنس الجنين أولًا: توصيف هذه النازلة طبيًّا: لقد شغلت هذه النازلة العالم قديمًا وحديثًا، وتوصيف هذه النازلة طبيًا أن علماءَ الطبِّ قد توصلوا إلى سببِ حصول الأنوثة والذكورة في جنينِ الإنسان، وتوصيفُه أن بويضةَ المرأةِ تحملُ صبغة (x) وماءُ الرجلِ يحملُ صبغتين (x) و (y) فإذا لُقحت بويضةُ المرأةِ بحيوان منوي (x) خُلق المولودُ أنثى، وإذا لقحت بحيوان منوي (y) خُلق المولودُ ذكرا. وبعد أن توصلوا إلى هذا السببِ وعرفوه انتقلوا إلى مرحلة ثانية، وهي دعوى قدرتُهم على اختيارِ جنس الجنين، وذلك عن طريقِ التخصيب الداخلي أو الخارجي بإحدى صبغتي الرجل (x) و (y)، فمن يرغبُ في ذكر يُخصب له بالصبغة (y)، ومن يرغبُ في أنثى يُخصب له بالصبغةِ (x)، وقالوا إن نسبةَ نجاحِ التخصيبِ والعلوقِ (٢٥ %) فإذا تم التخصيبُ والعلوقُ كانت نسبةُ النجاحِ (٩٩ %)، وقالوا إن هذا لا ينافي الإرادةَ الإلهيةَ، بل هو من جملةِ الأسبابِ. ثانيًا: الحكم الشرعي في تحديد جنس المولود: نقول اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين: الأول: أنه يجوز التدخل الطبي لاختيار أحد الجنسين، وهو أمر لا يخالف الشرع وما هو إلا اكتشاف لسنة من سنن الله الكونية، وهو من الأسباب التي خلقها الله وقدرها، ولا يكون تأثيرها إلا بإذن الله، وأن الأصل في اختيار جنس الجنين هو الإباحة، ومن الأدلة الشرعية على جواز تحديد جنس المولود ما يلي: الدليل الأول: أن الأصل في الأشياء الإباحة والحل حتى يقوم دليل المنع والحظر؛

стр. 2480

في قول جمهور أهل العلم؛ وليس لدى من قال بمنع العمل على تحديد جنس الجنين دليل يستند إليه، فيبقى الأصل محفوظًا مستصحبًا. الدليل الثاني: أن طلب جنس معين في الولد لا محظور فيه شرعًا، فالله تعالى قد أقرَّ بعض أنبيائه الذين سألوه في دعائهم أن يهب لهم ذكورًا من الولد. فهذا نبي الله إبراهيم ﵊ سأل الله تعالى أن يرزقه ولدًا ذكرًا صالحًا، فأجابه الله تعالى، وكذلك نبي الله زكريا ﵊ دعا ربه أن يهبه غلامًا زكيًا، فأجابه الله تعالى ولو كان هذا الدعاء سؤالًا لمحرم لكان محرمًا ولمنعه الله تعالى ولما أقرَّه، فإن الدعاء بالمحرم محرم. فلما جاز الدعاء بطلب جنس معين في الولد، وهو سبب من الأسباب التي تُدرك بها المطالب، دل ذلك على أن الأصل جواز العمل على تحديد جنس الجنين بالأسباب المباحة؛ لأن ما جاز سؤاله وطلبه جاز بذل السبب لتحصيله. الدليل الثالث: أن النبي ﷺ بيَّن السبب الطبيعي الذي يُوجِب الإذكار أو الإيناث بإذن الله كما في صحيح الإمام مسلم من حديث ثوبان أن يهوديًّا جاء إلى النبي ﷺ فسأله عن الولد. قَال ﷺ : "مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ المَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلاَ مَنيُّ الرَّجُلِ مَنيَّ المَرْأَةِ أَذْكرَا بِإِذْنِ الله، وَإِذَا عَلاَ مَنيُّ المَرْأَةِ مَنيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ الله". قَالَ اليَهُودِىُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ وإنَّكَ لَنَبِيٌّ ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ سَأَلَني هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَني عَنْهُ وَمَا لِي عِلمٌ بِشَيءٍ مِنْهُ حَتَّى أَتَانِىَ اللهُ بِهِ" (١). وهذا يفيد أن الإذكار والإيناث في الجنين أمرٌ يستند إلى سبب طبيعي معلوم. وليس في الحديث ما يشعر بأنه مما استأثر الله به، بل هو كسائر الأسباب الطبيعية التي متى قدر الخلق على إيجادها، فقد أدركوا المقدمة التي يمكن أن يصلوا بها إلى النتيجة.

стр. 2481

الدليل الرابع: قياس السعي في تحديد جنس الجنين على معالجة العقم الذي يمكن معالجته، فإنه لا خلاف بين أهل العلم في جواز السعي في معالجة العقم مع كونه سعيًا في إيجاد الحمل وأخذًا لأسباب حصوله، بل جواز أخذ أسباب تحديد جنس الجنين من باب أولى؛ لأنه عمل بالأسباب الممكنة لإدراك صفة في الجنين، وهو أسهل من أخذ أسباب الإيجاد والتكوين. الدليل الخامس: قياس السعي في تحديد جنس الجنين على جواز العزل. وقالوا بأن القول بجواز التدخل الطبي لاختيار أحد الجنسين إذا كان ذلك بالضوابط التالية: الأول: أن لا يكون ذلك سياسة عامة للدولة ولكن يكون أمرًا فرديًّا؛ حتى لا يؤدي ذلك إلى الخلل في التوازن بين الإناث والذكور. الثاني: أن يكون ذلك للحاجة كأن يكون الشخص قد أنجب مجموعة من أحد الجنسين دون الجنس الآخر أو بسبب مرض وراثي، أما من غير حاجة فلا يجوز، فمن فعل ذلك ابتداء من أول زواجه أو مع إنجابه لكلا الجنسين فلا يجوز. الثالث: اتخاذ الضمانات اللازمة والتدابير الصارمة لمنع أي احتمال لاختلاط المياه المفضي إلى اختلاط الأنساب. الرابع: التأكيد على حفظ العورات وصيانتها من الهتك، وذلك من خلال قصر الكشف على موضع الحاجة قدرًا وزمانًا، وأن يكون من الموافق في الجنس درءًا للفتنة ومنعًا لأسبابها. الخامس: المراقبة الدائمة من الجهات ذات العلاقة لنسب المواليد وملاحظة الاختلال في النسب واتخاذ الإجراءات المناسبة من القوانين والتنظيمات لمنعه وتوقيه.

стр. 2482

السادس: أن يكون تحديد جنس الجنين بتراضي الوالدين: الأب والأم؛ لأن لكل واحد منهما حقًّا في الولد فإن اختلفا، فالأصل بقاء الأمر على حاله دون تدخل في التحديد درءًا لمفسدة الشقاق. السابع: اعتقاد أن هذه الوسائل ما هي إلا أسباب وذرائع لإدراك المطلوب لا تستقل بالفعل، ولا تخرج عن تقدير الله وإذنه، فلله الأمر من قبل ومن بعد ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]. الثامن: إذا كانت المحاولات يسيطر عليها الغرور بالعلم لحل المشكلات وعدم الإيمان بأن إرادة الله غالبة، كما هو شأن الماديين، كانت محرمة باتفاق؛ لأنها إن لم تكن كفرًا فهي تؤدى إليه. التاسع: إذا كان الغرض من هذه العملية هو الإكثار من أحد النوعين إلى الحد الذي يختل فيه التوازن ويؤدى إلى ارتكاب الفواحش والمنكرات كالمتعة بين الجنس الواحد، أو يؤدى إلى إرهاب الغير بكثرة الذكور مثلًا، أو إلى استغلال النوع الآخر لأغراض خبيثة كان ذلك حرامًا لا شك فيه. العاشر: إذا كان من وسائل التحكم في نوع الجنين التعقيم النهائي الذي لا يكون بعده إنجاب كان ذلك محرمًا؛ لأن فيه تعطيلًا لقوة لازمة لعمارة الكون، وتظهر فيه المعارضة لحكم الله وتقديره. القول الثاني: لا يجوز تحديد جنس الجنين واستدلوا لقولهم بأدلة منها: الدليل الأول: أن العمل على تحديد جنس الجنين يتضمن منازعة الله تعالى في خلقه ومشيئته، وما اخْتَص به من علم ما في الأرحام، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]. قال جماعة من

стр. 2483

المفسرين منهم ابن مسعود وقتادة وغيرهما: ذكورًا وإناثًا. الدليل الثاني: أن العمل على تحديد جنس الجنين ضرب من ضروب تغيير خلق الله تعالى الذي هو من عمل الشيطان كما دل عليه قوله تعالى عن إبليس: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]. وكذلك حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُوتَشِمَاتِ وَالمتنَمِّصَاتِ وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلقَ الله" (١). فإذا كان التغيير في صورة الخلقة على النحو الذي ذكره النبي ﷺ محرمًا فكيف بالتغيير في الجنس؟ لا شك أنه أحق بالتحريم وأولى بالمنع. الدليل الثالث: أن القول بجواز العمل على تحديد جنس الجنين يفضي إلى عدة مفاسد ومخاطر منها: أ- الإخلال بالتوازن الطبيعي البشري في نسب الجنسين الذي أجراه الله تعالى في الكون لحكمة ورحمة؛ فإن كثيرًا من الناس قد يميل إلى جنس الذكور في المواليد. ب- فتح المجال أمام العبث العلمي في خلق الإنسان وتكوينه، وهو أمر اتفق الناس على خطورته وشؤم عاقبته على البشرية. ج- ما يمكن أن يقع من جراء بعض الطرق في عملية تحديد جنس الجنين من اختلاط الأنساب، وهذا من المفاسد الكبرى الناتجة عن هذه العملية. د- هتك العورات بكشفها وعدم حفظها، وذلك أن من طرق تحديد جنس الجنين ما يتطلب كشف المرأة عن العورة المغلظة.

стр. 2484

الترجيح: بعد ذكر القولين في هذه النازلة نقول بأن الذي يترجح لنا أن تحديد جنس المولود يمكن أن يتم بثلاث طرق: الأولى: باستعمال أمور طبيعية كالنظام الغذائي، وهذا لا حرج فيه، إن أثبت أهل الاختصاص جدوى ذلك، دون أن تترتب عليه محاذير شرعية. الثانية: بالتدخل الطبي لاختيار جنس الجنين، وهذا لا يجوز إلا في حال الضرورة العلاجية في الأمراض الوراثية، كما نص عليه قرار مجمع الفقه الإسلامي الآتي نصه: ووجه المنع: أن التدخل الطبي بالتلقيح المجهري يترتب عليه محاذير شرعية، كالاستمناء، وكشف العورة المغلظة والنظر إليها، مع احتمال اختلاط الحيوانات المنوية أو البويضات في حالة إيداعها في بنوك مما يترتب عليه اختلاط الأنساب. الثالثة: تحديد جنس الجنين أثناء عملية التلقيح الصناعي لمن احتاج إليه لعدم إمكان الإنجاب بالطريقة المعتادة، والظاهر أنه لا حرج فيه تبعًا لجواز التلقيح، فحيث وجد السبب المبيح للتلقيح الصناعي وروعيت فيه ضوابطه، فإنه يجوز تبعًا التدخل لتحديد جنس الجنين (١). ومما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي: أولًا: يجوز اختيار جنس الجنين بالطرق الطبيعية؛ كالنظام الغذائي، والغسول الكيميائي، وتوقيت الجماع بتحري وقت الإباضة؛ لكونها أسبابًا مباحة لا محذور فيها. ثانيًا: لا يجوز أي تدخل طبي لاختيار جنس الجنين، إلا في حال الضرورة العلاجية في الأمراض الوراثية، التي تصيب الذكور دون الإناث أو بالعكس،

стр. 2485

فيجوز حينئذٍ التدخل بالضوابط الشرعية المقررة، على أن يكون ذلك بقرار من لجنة طبية مختصة، لا يقل عدد أعضائها عن ثلاثة من الأطباء العدول، تقدم تقريرًا طبيًّا بالإجماع يؤكد أن حالة المريضة تستدعي أن يكون هناك تدخل طبي حتى لا يصاب الجنين بالمرض الوراثي، ومن ثَمَّ يعرض هذا التقرير على جهة الإفتاء المختصة لإصدار ما تراه في ذلك. ثالثًا: ضرورة إيجاد جهات للرقابة المباشرة والدقيقة على المستشفيات والمراكز الطبية، التي تمارس مثل هذه العمليات في الدول الإسلامية؛ لتمنع أي مخالفة لمضمون هذا القرار. وعلى الجهات المختصة في الدول الإسلامية إصدار الأنظمة والتعليمات في ذلك.

стр. 2486

النازلة الثالثة والعشرون: منع الزوج زوجته من تناول العلاج الموصوف لها لمرض الصرع قال ابن القيم ﵀ في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد) (١) ما نصه: "الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء؛ في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها. وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم، ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به. وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها. . . إلى أن قال: وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم. وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًّا، فمتى تخلف أحدهما لم يغن

стр. 2487

السلاح كثير طائل" انتهى. ومن خلال ما ذكره ابن القيم ﵀ يتبين لنا أنه إذا كان نوع الصرع من الأرواح الخبيثة الأرضية فإن العلاج الطبي قد لا يكون نافعًا له، لكن لا يجوز للرجل أن يمنع زوجته من تناول العلاج الطبي؛ لأنها قد تجد راحة في أخذه، ولعل ما يكون عندها هو عوارض نفسية أو قد يكون ما عندها من الصرع هو من النوع الذي يحتاج إلى علاج طبي، وقد صدر بخصوص هذه النازلة قرار من مجمع الفقه الإسلامي (١) جاء فيه: "ليس للزوج منع زوجته من تناول العلاج المناسب، المباح شرعًا، الموصوف لها من الطبيب الثقة المؤتمن؛ لأن في منعها من العلاج إلحاقًا للضرر بها، وقد نهى رسول الله ﷺ -عن الضرر فقال: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ". وهذالحكم ينطبق أيضًا على كل ولي، فلا يجوز له منع المولَّى عليه من العلاج المباح له شرعًا".

стр. 2488

النازلة الرابعة والعشرون: حكم إسقاط الجنين المشوه خلقيًّا لقد أصبح من الممكن من خلال العلم الحديث في الوقت الحاضر معرفة تشوه الجنين عن طريق الأشعة، وأصبح بإمكانه معرفة ما إذا كان هذا الجنين سيولد مشوهًا أم لا، وذلك عن طريق الأشعة بأنواعها، فهل يجوز إسقاطه في هذه الحال أو لا يجوز؟ وهذه النازلة -إسقاط الجنين المشوه- بحثت في مجلس هيئة كبار العلماء (١)، وفي مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٢)، وصدر فيها قرار من مجلس الهيئة، وقرار من المجمع، والقراران متقاربان في تقرير الحكم الشرعي ومما جاء في القراران ما يلي: أولًا: لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي، وفي حدود ضيقة جدًا؛ حتى في طور الأربعين لا بد من مبرر شرعي، وأما إسقاط الحمل؛ خشية المشقة في تربية الأولاد، أو العجز عن تكاليف معيشتهم، أو الاكتفاء بما لدى الزوجين من أولاد، فهذا لا يعتبر مبررًا شرعيًّا، فيكون الإسقاط لأجل هذا الغرض غير جائز، وقد نص على هذا في قرار الهيئة: أن الإسقاط خشية المشقة في تربية الأولاد أو العجز عن تكاليفهم أو الاكتفاء بما لدى الزوجين من أولاد أنه غير جائز ولو كان في طور الأربعين الأولى. ثانيًا: أن يكون في طور الأربعين الأولى، فيجوز إسقاطه إذا وجد في ذلك مصلحة شرعية، أو دفع ضرر متوقع، ومن ذلك أن يكون هذا الجنين لو عاش لكان مشوهًا خلقيًّا، فهنا لا بأس بإسقاطه في طور الأربعين الأولى.

стр. 2489

ثالثًا: إذا كان ذلك بعد الأربعين وقبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل فالأمر فيه أهون، يمكن أن يسقط ويعمل إجهاض؛ لأنه الآن ليس إنسانًا، لم تنفخ فيه الروح، فمتى أثبت الأطباء بأن الجنين في هذه المرحلة مشوه تشويهًا خطيرًا، وغير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي فستكون حياته سيئة وآلامًا عليه وعلى أهله، أو قالوا: إن بقاءه يكون سببًا لهلاك أمه، فحينئذٍ لا حرج أن نجهض هذا الحمل بناء على طلب الوالدين؛ وذلك لأن هذا الجنين في هذه المرحلة لم تنفخ فيه الروح، وليس بإنسان، إنما هو مضغة أو علقة فيجوز إسقاطه. رابعًا: إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا، فإنه لا يحل إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة؛ وذلك لأنه قد نفخت فيه الروح، وأصبح إنسانًا فإسقاطه هو في الحقيقة قتلٌ لإنسان، ولكن إذا كان بقاؤه فيه خطر مؤكد على حياة الأم فهل يجوز إسقاطه في هذه الحال؟ اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يجوز إسقاطه ما دام أنه قد نفخت فيه الروح ولو كان فيه خطر محقق، ولو ماتت أمه ببقائه لا يحل إسقاطه بأي حال من الأحوال، حتى لو قرر الأطباء أنه إن لم يسقط ماتت أمه، فإنه لا يحل إسقاطه وهذا هو قول الشيخ محمَّد العثيمين (١) ﵀ وغيره، وعللوا لذلك: بأنه لا يجوز لنا أن نقتل نفسًا لاستبقاء نفس أخرى، وإسقاطه بعد مائة وعشرين يومًا هو قتل لنفس. القول الثاني: أنه إذا ثبت من الأطباء الموثوقين أن بقاء الجنين فيه خطر مؤكد على حياة الأم، وأنه سوف يتسبب في موتها لو بقي بعد استنفاذ كافة الوسائل لإنقاذ حياته، فإنه يجوز إسقاطه في هذه الحال، وقد أخذ بهذا القول مجلس هيئة كبار العلماء

стр. 2490

بالمملكة (١)، ومجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي (٢)؛ وعللوا ذلك بأن إسقاطه في هذه الحال فيه دفع لأعظم الضررين، وجلب لأعظم المصلحتين، وذلك لأن عندنا في هذه المسألة ضررين: وهو موت الأم، أو موت هذا الجنين، وموت الأم أعظم ضررًا من موت الجنين، وذلك أن حياة الأم متيقنة، وبقاء هذا الجنين حيًّا بعد الولادة أمر مشكوك فيه، فموت الأم أعظم ضررًا، قالوا: فيجوز إسقاطه دفعًا لأعظم الضررين. والراجح عندنا هو القول الأخير بشرط أن يكون هناك اتفاق بين الأطباء بأن بقاء هذا الجنين فيه خطر مؤكد على حياة الأم، وأنه لو بقي فسوف يتسبب في وفاتها، فإذا اتفق الأطباء على ذلك، واستنفذت جميع الوسائل لإنقاذ حياته، ولم يمكن ذلك إلا بإسقاطه؛ استنقاذًا لحياة الأم جاز إسقاطه في هذه الحال. وقد صدر بخصوص هذه النازلة قرار المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي، وقد جاء فيه ما يلي: "إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا، لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية، من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم، فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهًا أم لا، دفعًا لأعظم الضررين. أما قبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل، فإذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات -وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية- أن الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا، غير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في
следующие страницы →